{"ً":{"ٌ":1472,"ٍ":"الجامع لأحكام الطهارة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/drrmdn/ghkmthr.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الجامع لأحكام الطهارة\n(دراسة فقهية حديثية مقارنة)\nالمؤلف: محمد بن علي حلاوة\nراجعه وقدم له: مصطفى بن العدوي\nالناشر: مكتبة مكة، طنطا - مصر\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م\nعدد الصفحات: ٦٤٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2725,"ٕ":19,"ٖ":1770156058,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة فضيلة الشيخ مصطفى العدوي","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة","level":1,"page":2},{"title":"الباب الأول","level":1,"page":9},{"title":"المبحث الأول تعريف الطهارة","level":2,"page":10},{"title":"المبحث الثاني أقسام المياه من حيث حكمها","level":2,"page":13},{"title":"أقسام المياه من حيث طبيعتها","level":2,"page":19},{"title":"القسم الأول: الماء المطلق، وفيه سبعة مطالب","level":3,"page":19},{"title":"المطلب الأول: ماء المطر","level":4,"page":19},{"title":"المطلب الثاني: ماء العيون","level":4,"page":19},{"title":"المطلب الثالث: ماء الآبار","level":4,"page":19},{"title":"المطلب الرابع: ماء الأنهار","level":4,"page":19},{"title":"المطلب الخامس: الماء الناتج عن الثلج والبرد","level":4,"page":19},{"title":"المطلب السادس: ماء البحار","level":4,"page":19},{"title":"المطلب السابع: ماء زمزم.","level":4,"page":21},{"title":"القسم الثاني: الماء المستعمل","level":3,"page":23},{"title":"الصورة الأولى: الماء المنفصل من أعضاء المتوضئ أو المغتسل.","level":4,"page":23},{"title":"المبحث الأول: حكم الماء المستعمل المنفصل من أعضاء المتوضئ أو المغتسل.","level":5,"page":24},{"title":"الصورة الثانية للماء المستعمل","level":4,"page":30},{"title":"حكم الماء المستعمل من غمس يد القائم من نومه","level":5,"page":30},{"title":"الصورة الثالثة للماء المستعمل","level":4,"page":32},{"title":"المطلب الأول: حكم وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد ووقوع بعض الماء المستعمل في الإناء","level":5,"page":32},{"title":"المطلب الثاني: وضوء المرأة بفضل الرجل","level":5,"page":33},{"title":"المطلب الثالث: وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة","level":5,"page":33},{"title":"القسم الثالث: الماء المتغير بطول مكثه","level":3,"page":37},{"title":"القسم الرابع: الماء الذي وقعت فيه نجاسة، وفيه ستة مباحث","level":3,"page":38},{"title":"المبحث الأول: الماء المتغير بممازجة النجاسة","level":4,"page":38},{"title":"المبحث الثاني: الماء الكثير إذا لاقته نجاسة فلم تغيره","level":4,"page":39},{"title":"المبحث الثالث: الماء الراكد إذا لاقته نجاسة فلم تغيره","level":4,"page":39},{"title":"المبحث الرابع: الماء المتغير بمجاورة نجاسة","level":4,"page":43},{"title":"المبحث الخامس: الماء المسخن بنجاسة","level":4,"page":44},{"title":"المبحث السادس: الماء المسخن بالشمس","level":4,"page":44},{"title":"القسم الخامس: الماء أو الثوب المشكوك فيه: وفيه مبحثان","level":3,"page":45},{"title":"المبحث الأول: في حكم الماء إذا كان مشكوكا فيه.","level":4,"page":45},{"title":"المبحث الثاني: إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة أو محرمة","level":4,"page":46},{"title":"القسم السادس: الماء الحرام، وفيه مبحثان","level":3,"page":48},{"title":"المبحث الأول: الوضوء بالماء المحرم","level":4,"page":48},{"title":"المبحث الثاني: الوضوء من بئر ثمود","level":4,"page":49},{"title":"القسم السابع: الوضوء بالمائع غير الماء، وفيه مبحثان","level":3,"page":50},{"title":"المبحث الأول: حكم الطهارة بالنبيذ.","level":4,"page":50},{"title":"المبحث الثاني: حكم المائع غير الماء الذي تخالطه النجاسة","level":4,"page":51},{"title":"الباب الثاني النجاسات","level":1,"page":58},{"title":"التمهيد","level":2,"page":60},{"title":"المبحث الأول: تعريف النجاسة","level":3,"page":60},{"title":"المبحث الثاني: أقسام النجاسات","level":3,"page":61},{"title":"المبحث الثالث: قاعدة هامة: الأصل في المياه الطهارة.","level":3,"page":61},{"title":"الفصل الأول النجاسات","level":2,"page":63},{"title":"القسم الأول: النجاسة التي تخرج من الآدمي: وفيه خمسة مباحث","level":3,"page":63},{"title":"المبحث الأول: نجاسة البول والغائط من الآدمي الكبير","level":4,"page":63},{"title":"المبحث الثاني: نجاسة بول الصبي والجارية","level":4,"page":63},{"title":"المبحث الثالث: نجاسة المذي","level":4,"page":64},{"title":"المبحث الرابع: نجاسة الودي","level":4,"page":66},{"title":"المبحث الخامس: نجاسة الدم: وفيه ثلاثة مطالب","level":4,"page":66},{"title":"المطلب الأول: نجاسة دم الحيض","level":5,"page":66},{"title":"المطلب الثاني: نجاسة دم الإنسان","level":5,"page":66},{"title":"المطلب الثالث: نجاسة دم الشهيد.","level":5,"page":69},{"title":"القسم الثاني نجاسة الحيوان","level":3,"page":71},{"title":"المبحث الأول: نجاسة الكلب","level":4,"page":71},{"title":"المبحث الثاني: نجاسة الخنزير","level":4,"page":73},{"title":"المبحث الثالث: نجاسة سباع البهائم والطير","level":4,"page":74},{"title":"المبحث الرابع: نجاسة بول وروث الحيوان غير مأكول اللحم","level":4,"page":75},{"title":"المبحث الخامس: نجاسة الميتة","level":4,"page":76},{"title":"المبحث السادس: في الجلالة، وفيه مطلبان","level":4,"page":76},{"title":"المطلب الأول: تعريف الجلالة","level":5,"page":76},{"title":"المطلب الثاني: حكم لحم الجلالة.","level":5,"page":77},{"title":"الفصل الثاني أشياء مختلف في نجاستها والراجح طهارتها","level":2,"page":79},{"title":"القسم الأول طهارة بني آدم","level":3,"page":81},{"title":"المبحث الأول: طهارة بدن المسلم","level":4,"page":81},{"title":"المبحث الثاني: طهارة بدن المشرك","level":4,"page":82},{"title":"المبحث الثالث: طهارة مني الإنسان","level":4,"page":84},{"title":"المبحث الرابع: رطوبة الفرج","level":4,"page":90},{"title":"المبحث الخامس: طهارة اللبن","level":4,"page":90},{"title":"المبحث السادس: حكم القيء","level":4,"page":90},{"title":"القسم الثاني طهارة الحيوان","level":3,"page":92},{"title":"المبحث الأول: الحيوان مأكول اللحم، وفيه ثلاثة مطالب","level":4,"page":92},{"title":"المطلب الأول: طهارة الحيوان مأكول اللحم","level":5,"page":92},{"title":"المطلب الثاني: طهارة الدم الباقي في العروق بعد ذبح الحيوان المأكول اللحم","level":5,"page":92},{"title":"المطلب الثالث: طهارة بول وروث الحيوان مأكول اللحم","level":5,"page":93},{"title":"المبحث الثاني: ما لا نفس له سائلة، وفيه مطلبان","level":4,"page":96},{"title":"المطلب الأول: تعريف النفس: النفس: هو الدم، وفي الحديث عن أم سلمة قالت: بينا أنا مع النبي ﷺ مضطجعة في خميصة، إذ حضت، فانسللت، فأخذت ثياب حيضتي، قال: «أنفست؟» قلت: نعم. فقوله: «أنفست؟» يعني: نزل منك الدم بالحيض؟ وكذا النفاس يسمى بذلك لنزول الدم.","level":5,"page":96},{"title":"المطلب الثاني: طهارة ما لا نفس له سائلة","level":5,"page":96},{"title":"المبحث الثالث: طهارة الهرة، وهي لها نفس سائلة، أو هل ينجس الماء إذا ولغت الهرة فيه؟","level":5,"page":97},{"title":"المبحث الرابع: طهارة بدن الحيوان المركوب كالحمار والبغل","level":4,"page":98},{"title":"المبحث الخامس: طهارة دم الكبد والطحال والسمك","level":4,"page":99},{"title":"المبحث السادس: أنفحة الميتة","level":4,"page":99},{"title":"القسم الثالث طهارة أشياء غير الإنسان والحيوان","level":3,"page":102},{"title":"المبحث الأول: طهارة الخمر.","level":4,"page":102},{"title":"المبحث الثاني: طهارة الطيب الذي فيه كحول.","level":4,"page":104},{"title":"الفصل الثالث تطهير النجاسات","level":2,"page":105},{"title":"التمهيد: حكم إزالة النجاسة","level":3,"page":106},{"title":"المبحث الأول: التطهير بالماء أو الاستنجاء: وفيه ثمانية مطالب","level":3,"page":106},{"title":"المطلب الأول: حكم النية للاستنجاء.","level":4,"page":106},{"title":"المطلب الثاني: الاستنجاء من البول والغائط.","level":4,"page":106},{"title":"المطلب الثالث: لا يستنجى من الريح","level":4,"page":107},{"title":"المطلب الرابع: هل يستنجى من الحصاة والدود؟","level":4,"page":107},{"title":"المطلب الخامس: هل يكفي في الاستنجاء غلبة الظن أم لا بد من اليقين؟","level":4,"page":107},{"title":"المطلب السادس: حكم الترتيب بين الاستنجاء والوضوء.","level":4,"page":108},{"title":"المطلب السابع: نضح الماء على الفرج والسراويل بعد الوضوء","level":4,"page":109},{"title":"المطلب الثامن: إذا تجاوز الخارج موضع العادة هل لا بد من الاستنجاء أم يكفي الاستجمار؟","level":4,"page":110},{"title":"المبحث الثاني: تطهير الإناء من ولوغ الكلب.","level":3,"page":111},{"title":"المبحث الثالث: تطهير الثوب إذا أصابه دم الحيض","level":3,"page":111},{"title":"المبحث الرابع: تطهير الأرض التي أصابتها النجاسة.","level":3,"page":111},{"title":"المبحث الخامس: تطهير الأشياء الصقيلة كالسيف، والمرآة والسكين بالمسح","level":3,"page":112},{"title":"المبحث السادس: تطهير جلد الميتة بالدباغ","level":3,"page":112},{"title":"المبحث السابع: التطهير بالدلك","level":3,"page":112},{"title":"المبحث الثامن: التطهير بالاستحالة","level":3,"page":113},{"title":"المبحث التاسع: الأسآر، وفيه ثلاثة مطالب","level":3,"page":114},{"title":"المطلب الأول: سؤر الآدمي","level":4,"page":114},{"title":"المطلب الثاني: طهارة سؤر ما يؤكل لحمه","level":4,"page":114},{"title":"المطلب الثالث: طهارة سؤر الهرة","level":4,"page":114},{"title":"الفصل الثاني أشياء مختلف في نجاستها والراجح طهارتها","level":2,"page":117},{"title":"القسم الأول: طهارة الآدمي، وفيه","level":3,"page":117},{"title":"القسم الثاني: أنواع الحيوان الطاهر","level":3,"page":118},{"title":"الفصل الثالث: تطهير النجاسات","level":2,"page":119},{"title":"١ - حكم ازالة النجاسة","level":3,"page":119},{"title":"٢ - الأصل في تطهير النجاسات الماء","level":3,"page":119},{"title":"٣ - تطهير الإناء من ولوغ الكلب","level":3,"page":119},{"title":"٤ - تطهير الثوب إذا أصابه دم الحيض","level":3,"page":119},{"title":"٥ - تطهير الأرض التي أصابتها النجاسة","level":3,"page":119},{"title":"٦ - تطهير جلد الميتة بالدباغ","level":3,"page":119},{"title":"٧ - التطهير بالدلك","level":3,"page":120},{"title":"٨ - التطهير بالاستحالة","level":3,"page":120},{"title":"الباب الثالث: الآنية","level":1,"page":121},{"title":"المبحث الأول حكم استعمال الأواني من الجواهر النفيسة كالياقوت والفيروز وغيرهما إلا الذهب والفضة","level":2,"page":122},{"title":"المبحث الثاني الآنية المتخذة من الذهب والفضة","level":2,"page":124},{"title":"المطلب الأول: حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة","level":3,"page":124},{"title":"المطلب الثاني: حكم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب.","level":3,"page":125},{"title":"المطلب الثالث: حكم الطهارة في آنية الذهب والفضة.","level":3,"page":127},{"title":"المطلب الرابع: حكم اتخاذ أواني الذهب والفضة.","level":3,"page":128},{"title":"المطلب الخامس: حكم الأكل والشرب في الإناء المضبب بالذهب.","level":3,"page":129},{"title":"المطلب السادس: حكم الإناء المضبب بالفضة","level":3,"page":130},{"title":"المبحث الثالث في طهارة آنية الكفار","level":2,"page":132},{"title":"المبحث الرابع الآنية المتخذة من الميتة","level":2,"page":134},{"title":"المطلب الأول: هل الدباغ يطهر جلود الميتة أم لا؟","level":3,"page":134},{"title":"المطلب الثاني: حكم الأواني المتخذة من عظام الميتة وقرنها.","level":3,"page":138},{"title":"المطلب الثالث: حكم الأواني المتخذة من شعر الميتة ووبرها وصوفها.","level":3,"page":140},{"title":"الباب الرابع قضاء الحاجة","level":1,"page":144},{"title":"التمهيد","level":2,"page":146},{"title":"المبحث الأول: مقدمة لا بد منها.","level":3,"page":146},{"title":"المبحث الثاني: تعريف الاستنجاء","level":3,"page":146},{"title":"المبحث الثالث: وجوب ستر العورة عند قضاء الحاجة","level":3,"page":147},{"title":"الفصل الأول ما يستحب عند قضاء الحاجة","level":2,"page":148},{"title":"المبحث الأول: استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء","level":3,"page":148},{"title":"المبحث الثاني: أذكار دخول الخلاء، وفيه مطلبان","level":3,"page":148},{"title":"المطلب الأول: استحباب التعوذ من الخبث والخبائث","level":4,"page":148},{"title":"المطلب الثاني: حكم التسمية عند دخول الخلاء","level":4,"page":149},{"title":"المبحث الثالث: يستحب لبس الحذاء عند الدخول للخلاء","level":3,"page":151},{"title":"المبحث الرابع: استحباب تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء وتقديم الرجل اليمنى عند الخروج","level":3,"page":151},{"title":"المبحث الخامس: يستحب أن يطلب لبوله مكانا رخوا","level":3,"page":152},{"title":"المبحث السادس: استحباب أن لا يرفع الثوب قبل الدنو من الأرض","level":3,"page":153},{"title":"المبحث السابع: الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة","level":3,"page":154},{"title":"المبحث الثامن: أن يبدأ بالقبل قبل الدبر","level":3,"page":154},{"title":"المبحث التاسع: يستحب قطع الاستنجاء على وتر","level":3,"page":155},{"title":"المبحث العاشر: في تغطية الرأس حال قضاء الحاجة","level":3,"page":155},{"title":"المبحث الحادي عشر: استحباب عدم اللبث فوق الحاجة","level":3,"page":156},{"title":"المبحث الثاني عشر: أدعية الخروج من الخلاء، وفيه مطلبان","level":3,"page":157},{"title":"المطلب الأول: قول غفرانك","level":4,"page":157},{"title":"المطلب الثاني: قول «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني.","level":4,"page":158},{"title":"المبحث الثالث عشر: استحباب تنظيف اليد بعد الاستنجاء","level":3,"page":159},{"title":"الفصل الثانى ما يكره عند قضاء الحاجة","level":2,"page":161},{"title":"المبحث الاول: الكلام أثناء قضاء الحاجة، وفيه مطلبان","level":3,"page":161},{"title":"المطلب الاول: يكره ذكر الله تعالى داخل الخلاء.","level":4,"page":161},{"title":"المطلب الثاني: الكلام في الخلاء","level":4,"page":163},{"title":"المبحث الثاني: يكره الاستنجاء باليد اليمنى","level":3,"page":164},{"title":"المبحث الثالث: يكره مس الذكر باليمين حال البول ولا يكره مطلقا","level":3,"page":165},{"title":"المبحث الرابع: البول قائما","level":3,"page":165},{"title":"المبحث الخامس: يكره البول في الشق كالجحر","level":3,"page":167},{"title":"الفصل الثالث ما يباح عند قضاء الحاجة","level":2,"page":168},{"title":"المبحث الاول: يباح استقبال الشمس والقمر حال قضاء الحاجة","level":3,"page":168},{"title":"المبحث الثاني: يباح البول في الإناء","level":3,"page":169},{"title":"المبحث الثالث: الأثر المتبقي من النجاسة بعد الاستجمار معفو عنه بالإجماع","level":3,"page":170},{"title":"الفصل الرابع ما يحرم عند قضاء الحاجة","level":2,"page":172},{"title":"المبحث الأول: في المواطن التي يحرم قضاء الحاجة فيها","level":3,"page":172},{"title":"المطلب الاول: يحرم قضاء الحاجة في الطريق والظل","level":4,"page":172},{"title":"المطلب الثاني: يحرم البول في المسجد","level":4,"page":173},{"title":"المطلب الثالث: يحرم البول على القبر","level":4,"page":174},{"title":"المطلب الرابع: استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط","level":4,"page":174},{"title":"المطلب الخامس: تحريم استقبال الريح حال البول إذا كان يرتد عليه","level":4,"page":177},{"title":"المبحث الثاني الأشياء التي يحرم الاستجمار بها","level":3,"page":178},{"title":"تمهيد: ما يستنجى به","level":4,"page":178},{"title":"المطلب الأول: يحرم الاستنجاء بالشيء النجس","level":4,"page":178},{"title":"المطلب الثاني: يحرم الاستنجاء بعظم أو روث","level":4,"page":179},{"title":"المطلب الثالث: يحرم الاستنجاء بالكتب الشرعية","level":4,"page":180},{"title":"المطلب الرابع: يحرم الاستنجاء بالطعام","level":4,"page":181},{"title":"المطلب الخامس: يحرم الاستنجاء بالشيء المغصوب والمسروق","level":4,"page":182},{"title":"المبحث الثالث: يحرم الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار وما يتعلق به: وفيه مطالب","level":3,"page":182},{"title":"المطلب الأول: هل يشترط في الاستجمار ثلاثة أحجار؟ اختلف أهل العلم على قولين","level":4,"page":182},{"title":"المطلب الثالث: عدد الغسلات عند الاستنجاء","level":4,"page":183},{"title":"المطلب الثالث: هل يكتفى بحجر واحد له ثلاث شعب؟","level":4,"page":184},{"title":"المبحث الرابع: يحرم مسح الذكر عند الفراغ من البول ونتره إنما الواجب غسله","level":3,"page":185},{"title":"الباب الخامس خصال الفطرة","level":1,"page":191},{"title":"تمهيد: تعريف الفطرة وخصالها","level":2,"page":192},{"title":"المبحث الأول: تعريف الفطرة","level":3,"page":192},{"title":"المبحث الثاني: خصال الفطرة","level":3,"page":193},{"title":"الفصل الأول: الختان","level":2,"page":194},{"title":"المبحث الأول: تعريف الختان","level":3,"page":195},{"title":"المبحث الثاني: وقت الختان","level":3,"page":195},{"title":"المبحث الثالث: حكم ختان الذكر.","level":3,"page":198},{"title":"المبحث الرابع: حكم ختان المرأة","level":3,"page":201},{"title":"المبحث الخامس: ختان الخنثى","level":3,"page":204},{"title":"المبحث السادس: حكم ختان الميت","level":3,"page":204},{"title":"المبحث السابع: فوائد الختان","level":3,"page":205},{"title":"الفصل الثاني الاستحداد","level":2,"page":208},{"title":"المبحث الأول: تعريف الاستحداد","level":3,"page":209},{"title":"المبحث الثاني: حكم الاستحداد، (حلق العانة)","level":3,"page":209},{"title":"المبحث الثالث: وقت الاستحداد","level":3,"page":211},{"title":"المبحث الرابع: حكم ترك الاستحداد أكثر من أربعين يوما","level":3,"page":211},{"title":"المبحث الخامس: كيفية الاستحداد","level":3,"page":212},{"title":"المبحث السادس: حكم حلق شعر الدبر","level":3,"page":214},{"title":"المبحث السابع: حكم حلق عانة الميت","level":3,"page":215},{"title":"المبحث الثامن: استخدام النورة","level":3,"page":216},{"title":"الفصل الثالث فى تقليم الأظفار ونتف الإبط","level":2,"page":217},{"title":"تمهيد: معني تقليم الأظفار","level":3,"page":218},{"title":"المبحث الأول: حكم تقليم الأظفار، ونتف الإبط","level":3,"page":218},{"title":"المبحث الثاني: وقت تقليم الأظفار، ونتف الإبط","level":3,"page":219},{"title":"المبحث الثالث: كيفية تقليم الأظفار","level":3,"page":221},{"title":"المبحث الرابع: إزالة الوسخ الذي تحت الظفر.","level":3,"page":222},{"title":"المبحث الخامس: دفن الظفر والشعر","level":3,"page":224},{"title":"المبحث السادس: من توضأ ثم قلم أظفاره هل يعيد الوضوء؟","level":3,"page":225},{"title":"المبحث السابع: من توضأ ثم نتف إبطه هل يعيد الوضوء؟","level":3,"page":225},{"title":"المبحث الثامن: توفير الأظفار في الحرب","level":3,"page":226},{"title":"المبحث التاسع: السنة نتف الإبط وليس الحلق","level":3,"page":227},{"title":"الفصل الرابع قص الشارب وإعفاء اللحية","level":2,"page":229},{"title":"تمهيد: المقصود بالشارب","level":3,"page":229},{"title":"المبحث الأول: فى قص الشارب، وفيه مطلبان.","level":3,"page":229},{"title":"المطلب الأول: حكم قص الشارب.","level":4,"page":229},{"title":"المطلب الثاني: هل يقص الشارب أو يحلق؟","level":4,"page":230},{"title":"المبحث الثاني: إعفاء اللحية، وفيه ستة مطالب","level":3,"page":233},{"title":"المطلب الأول: تعريف اللحية","level":4,"page":233},{"title":"المطلب الثاني: حكم حلق اللحية","level":4,"page":233},{"title":"المطلب الثالث: حكم الأخذ من اللحية","level":4,"page":234},{"title":"المطلب الرابع: حكم نتف الشيب","level":4,"page":235},{"title":"المطلب الخامس: تغيير الشيب بغير السواد","level":4,"page":237},{"title":"المطلب السادس: تغيير الشيب بالسواد","level":4,"page":238},{"title":"الفصل الخامس حلق شعر الرأس وغسل البراجم","level":2,"page":242},{"title":"المبحث الأول: حكم حلق شعر الرأس","level":3,"page":242},{"title":"المبحث الثاني: ما المراد بالقزع المنهي عنه؟","level":3,"page":243},{"title":"المبحث الثالث: غسل البراجم","level":3,"page":244},{"title":"الفصل السادس السواك","level":2,"page":246},{"title":"المبحث الأول: تعريف السواك","level":3,"page":246},{"title":"المبحث الثاني: حكم السواك","level":3,"page":246},{"title":"المبحث الثالث: أفضل السواك","level":3,"page":247},{"title":"المبحث الرابع: هل يجوز التسوك بالأصبع، والخرقة؟","level":3,"page":247},{"title":"المبحث الخامس: هل يحصل بالمعجون إصابة السنة؟","level":3,"page":248},{"title":"المبحث السادس: حكم السواك للصائم","level":3,"page":249},{"title":"المبحث السابع: حكم التسوك في المسجد","level":3,"page":249},{"title":"المبحث الثامن: ذكر المواضع التي يتأكد فيها السواك","level":3,"page":250},{"title":"المبحث التاسع: هل يبدأ المتسوك بجانب فمه الأيمن أو الأيسر؟","level":3,"page":253},{"title":"المبحث العاشر: هل يستاك بيده اليمنى أم اليسرى؟","level":3,"page":253},{"title":"الباب السادس الوضوء","level":1,"page":262},{"title":"التمهيد","level":2,"page":264},{"title":"المبحث الأول: تعريف الوضوء لغة واصطلاحا","level":3,"page":264},{"title":"المبحث الثاني: فضل الوضوء","level":3,"page":264},{"title":"المبحث الثالث: حكم الوضوء","level":3,"page":265},{"title":"المبحث الرابع: الوضوء في شريعة من قبلنا","level":3,"page":266},{"title":"الفصل الأول شروط صحة الوضوء","level":2,"page":268},{"title":"الشرط الأول: الإسلام","level":3,"page":268},{"title":"الشرط الثاني: التكليف","level":3,"page":269},{"title":"الشرط الثالث: ارتفاع دم الحيض والنفاس","level":3,"page":270},{"title":"الشرط الرابع: طهارة الماء","level":3,"page":270},{"title":"الشرط الخامس: القدرة على استعمال الماء","level":3,"page":270},{"title":"الشرط السادس: عدم حصول ناقض أثناء الوضوء","level":3,"page":270},{"title":"الشرط السابع: عدم الحائل الذي يمنع وصول الماء إلى البشرة","level":3,"page":270},{"title":"الشرط الثامن: قيام الحدث","level":3,"page":271},{"title":"الشرط التاسع: النية","level":3,"page":271},{"title":"الفصل الثاني فرائض الوضوء","level":2,"page":273},{"title":"الفرض الأول: غسل الوجه","level":3,"page":275},{"title":"الفرض الثاني: غسل اليدين.","level":3,"page":277},{"title":"المبحث الأول: غسل المرفقين مع اليدين","level":4,"page":277},{"title":"المبحث الثاني: كيف يغسل من كان أقطع اليد أو بعضهما؟","level":4,"page":278},{"title":"المبحث الثالث: في الوسخ يكون تحت الظفر","level":4,"page":279},{"title":"الفرض الثالث: مسح الرأس وبيان المقدار الواجب مسحه","level":3,"page":280},{"title":"الفرض الرابع: غسل الرجلين","level":3,"page":283},{"title":"الفرض الخامس: الترتيب","level":3,"page":286},{"title":"الفرض السادس: الموالاة","level":3,"page":289},{"title":"حد الموالاة","level":4,"page":291},{"title":"الفصل الثالث سنن الوضوء","level":2,"page":292},{"title":"القسم الأول: سنن قبل الوضوء","level":3,"page":294},{"title":"المبحث الأول: هل يستحب التسمية قبل الوضوء؟","level":4,"page":294},{"title":"المبحث الثاني: يستحب أن يتسوك قبل الوضوء","level":4,"page":300},{"title":"القسم الثاني سنن أثناء الوضوء","level":3,"page":301},{"title":"المبحث الأول: غسل الكفين ثلاثا، وفيه مطلبان","level":4,"page":301},{"title":"المطلب الأول: غسل الكفين ثلاثا في ابتداء الوضوء سنة بالإجماع.","level":5,"page":301},{"title":"المطلب الثاني: السنة أن يغسل كفيه قبل أن يدخلهما الإناء","level":5,"page":301},{"title":"المبحث الثانى: المضمضة والاستنشاق، وفيه سبعة مطالب","level":4,"page":302},{"title":"المطلب الأول: حكم المضمضة والاستنشاق","level":5,"page":302},{"title":"المطلب الثاني: يستحب تقديم المضمضة على الاستنشاق","level":5,"page":304},{"title":"المطلب الثالث: يستحب المبالغة في المضمضة والاستنشاق","level":5,"page":305},{"title":"المطلب الرابع: حكم المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم","level":5,"page":306},{"title":"المطلب الخامس: استحباب المضمضة والاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال","level":5,"page":307},{"title":"المطلب السادس: استحباب الاستنثار بعد الاستنشاق","level":5,"page":308},{"title":"المطلب السابع: استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة","level":5,"page":308},{"title":"المبحث الثالث: تخليل اللحية في الوضوء وفيه مطلبان","level":4,"page":311},{"title":"المطلب الثامن: في صفة الجمع بين المضمضة والاستنشاق","level":5,"page":311},{"title":"المطلب الأول: معنى تخليل اللحية: هو إدخال الماء بين شعر اللحية مع التخليل بالأصابع حتى يصل الماء إلى بشرته.","level":5,"page":311},{"title":"المطلب الثاني: حكم تخليل اللحية","level":5,"page":312},{"title":"المبحث الرابع: في إطالة الغرة والتحجيل، فيه مطلبان","level":4,"page":315},{"title":"المطلب الأول: تعريف الغرة والتحجيل.","level":5,"page":315},{"title":"المطلب الثاني: حكم إطالة الغرة والتحجيل","level":5,"page":315},{"title":"المبحث الخامس: مسح الأذنين: وفيه مطلبان","level":4,"page":317},{"title":"المطلب الأول: حكم مسح الأذنين","level":5,"page":317},{"title":"المطلب الثاني: في صفة مسح الأذنين","level":5,"page":322},{"title":"المبحث السادس: في مسح العنق","level":4,"page":323},{"title":"المبحث السابع: تخليل الأصابع، وفيه مطالب","level":4,"page":325},{"title":"المطلب الأول: معنى تخليل الأصابع: قال ابن سيده: قال أصحابنا: من سنن الوضوء تخليل أصابع الرجلين في غسلهما، وهذا إذا كان الماء يصل إليهما من غير تخليل، فلو كانت الأصابع ملتفة لا يصل إليها الماء إلا بتخليل فحينئذ يجب التخليل لا لذاته، ولكن لأداء فرض الغسل.","level":5,"page":325},{"title":"المطلب الثاني: استحباب تخليل الأصابع في الوضوء","level":5,"page":325},{"title":"المطلب الثالث: في صفة تخليل الأصابع","level":5,"page":328},{"title":"المبحث الثامن: استحباب تحريك الخاتم","level":4,"page":328},{"title":"المبحث التاسع: التثليث في الوضوء وفيه ثلاثة مطالب","level":4,"page":329},{"title":"المطلب الأول: استحباب الغسلة الثانية والثالثة عدا الرأس والأذنين","level":5,"page":329},{"title":"المطلب الثاني: هل الزيادة على الثلاث من الإسراف؟","level":5,"page":332},{"title":"المطلب الثالث: استحباب الاقتصاد في الماء وعدم الإسراف فيه","level":5,"page":333},{"title":"المبحث العاشر: من سنن الوضوء التيامن","level":4,"page":334},{"title":"المبحث الحادي عشر: من سنن الوضوء: الدلك","level":4,"page":335},{"title":"القسم الثالث سنن بعد الوضوء","level":3,"page":337},{"title":"المبحث الأول: أذكار ما بعد الوضوء","level":4,"page":337},{"title":"المطلب الأول: يستحب أن يقول بعد فراغه من الوضوء: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله».","level":5,"page":337},{"title":"المطلب الثانى: هل يستحب أن يقول بعد الوضوء اللهم اجعلني من التوابين؟","level":5,"page":337},{"title":"المطلب الثالث: هل يستحب رفع البصر إلى السماء عند ذكر الدعاء بعد الوضوء؟","level":5,"page":338},{"title":"المطلب الرابع: في الأذكار التي تقال عند غسل الأعضاء","level":5,"page":338},{"title":"المبحث الثانى: هل يستحب تنشيف الأعضاء؟","level":4,"page":339},{"title":"القسم الرابع متفرقات في سنن الوضوء","level":3,"page":341},{"title":"المبحث الأول: استحباب تجديد الوضوء لكل صلاة","level":4,"page":341},{"title":"المبحث الثاني: استقبال القبلة حال الوضوء","level":4,"page":341},{"title":"المبحث الثالث: في تخفيف الوضوء المستحب","level":4,"page":342},{"title":"المبحث الرابع: حكم الاستعانة في الوضوء","level":4,"page":342},{"title":"المبحث الخامس: حكم الكلام أثناء الوضوء","level":4,"page":344},{"title":"الفصل الرابع نواقض الوضوء","level":2,"page":346},{"title":"المبحث الأول الخارج من السبيلين","level":3,"page":347},{"title":"المطلب الأول: خروج البول والغائط","level":4,"page":347},{"title":"المطلب الثاني: خروج الريح","level":4,"page":347},{"title":"المطلب الثالث: خروج المذي","level":4,"page":348},{"title":"المطلب الرابع: خروج الودي","level":4,"page":349},{"title":"المطلب الخامس: في الخارج النادر من السبيلين كالحصى والدود","level":4,"page":349},{"title":"المبحث الثالث زوال العقل","level":3,"page":352},{"title":"المطلب الأول: زوال العقل بجنون أو إغماء","level":4,"page":352},{"title":"المطلب الثاني: زوال العقل بنوم","level":4,"page":352},{"title":"المبحث الرابع نقض الوضوء بمس الذكر","level":3,"page":359},{"title":"المطلب الأول: مس الرجل","level":4,"page":359},{"title":"المطلب الثاني: مس المرأة ذكر الرجل أو فرج الصغير","level":4,"page":362},{"title":"المطلب الثالث: مس الأنثيين والأليتين والرفغين","level":4,"page":363},{"title":"المبحث الخامس من أكل لحم الجزور هل ينتقض وضوءه؟","level":3,"page":364},{"title":"المبحث السادس: شرب لبن الإبل لا ينقض الوضوء","level":3,"page":367},{"title":"الفصل الخامس ما لا ينقض الوضوء","level":2,"page":368},{"title":"المبحث الأول: مس بدن المرأة","level":3,"page":369},{"title":"المبحث الثاني: خروج الدم والقيء والرعاف","level":3,"page":372},{"title":"المبحث الثالث: القهقهة","level":3,"page":378},{"title":"المبحث الرابع: تغسيل الميت","level":3,"page":379},{"title":"المبحث الخامس: أكل ما مست النار إلا لحم الجزور","level":3,"page":382},{"title":"المبحث السادس: الردة","level":3,"page":383},{"title":"الباب السابع المسح على الحائل","level":1,"page":395},{"title":"التمهيد","level":2,"page":395},{"title":"المبحث الأول: رفع الحرج","level":3,"page":395},{"title":"المبحث الثاني: لماذا ذكر المسح على الخفين في كتب العقيدة؟","level":3,"page":395},{"title":"المبحث الثالث: الفرق بين الخف والجورب والجبيرة","level":3,"page":396},{"title":"الفصل الأول: المسح على الخفين والجوربين","level":2,"page":397},{"title":"المبحث الأول: جواز المسح على الخفين","level":3,"page":397},{"title":"المبحث الأول: المسح على الجوربين","level":3,"page":398},{"title":"المبحث الثالث: في المسح على النعلين","level":3,"page":402},{"title":"المبحث الرابع: المسح على الخرق واللفائف","level":3,"page":404},{"title":"الفصل الثاني شروط المسح على الخفين","level":2,"page":406},{"title":"الشرط الأول: طهارة الخف، فلا يصح المسح على خف نجس.","level":3,"page":406},{"title":"الشرط الثاني: يشترط أن يكون المسح على الخفين في الطهارة الصغرى.","level":3,"page":407},{"title":"الشرط الثالث: لبس الخف على طهارة مائية","level":3,"page":407},{"title":"الشرط الرابع: لبس الخفين بعد كمال الطهارة","level":3,"page":408},{"title":"الشرط الخامس: يشترط إذا كان سليم القدمين يمسح على الخفين معا","level":3,"page":409},{"title":"الشرط السادس: يشترط ثبوت الخف على القدم","level":3,"page":410},{"title":"الفصل الثالث ما لا يشترط في المسح على الخفين","level":2,"page":411},{"title":"المبحث الأول: لا يشترط أن يكون الخف مباحا.","level":3,"page":411},{"title":"المبحث الثاني: لا يشترط كون الخف ساترا لما يجب غسله.","level":3,"page":412},{"title":"المبحث الثالث: لا يشترط إمكان متابعة المشي على الخف","level":3,"page":414},{"title":"المبحث الرابع: لا يشترط أن يكون الخف من جلد","level":3,"page":415},{"title":"الفصل الرابع صفة المسح على الخفين ومدته","level":2,"page":417},{"title":"المبحث الأول: المقدار المجزئ في المسح على الخفين.","level":3,"page":417},{"title":"المبحث الثاني: هل يمسح أسفل الخف؟","level":3,"page":418},{"title":"المبحث الثالث: هل يمسح الخفين معا كالأذنين، أم تقدم اليمنى على اليسرى؟","level":3,"page":419},{"title":"المبحث الرابع: مدة المسح وفيه خمسة مطالب","level":3,"page":420},{"title":"المطلب الأول: ابتداء مدة المسح.","level":4,"page":420},{"title":"المطلب الثاني: مدة المسح للمقيم والمسافر.","level":4,"page":421},{"title":"المطلب الثالث: إذا لبس الخفين وهو مقيم ثم سافر.","level":4,"page":421},{"title":"المطلب الرابع: مقدار السفر الذي يسوغ معه المسح.","level":4,"page":421},{"title":"المطلب الخامس: إذا مسح في السفر ثم أقام","level":4,"page":422},{"title":"المبحث الخامس: سفر المعصية هل يمسح فيه على الخفين؟ أي إذا كان المسافر عاصيا بسفره، فهل يمسح على الخفين أم لا؟","level":3,"page":422},{"title":"المبحث السادس: إذا لبس خفين فوق بعض يمسح على الأعلى منهما؟","level":3,"page":423},{"title":"المبحث السابع: إذا لبس خفا، ثم مسح عليه، ثم أحدث ثم لبس خفا فوقه، هل يمسح على الأعلى؟","level":3,"page":424},{"title":"المبحث الثامن: هل المسح على الخفين رافع أم مبيح؟","level":3,"page":425},{"title":"الفصل الخامس مبطلات المسح على الخفين","level":2,"page":426},{"title":"المبطل الأول: إذا خلع خفيه وهو على طهارة المسح وقبل تمام المدة، فهل ينتقض وضوءه بمجرد خلع الخفين، أم أنه على طهارة حتى يحدث؟","level":3,"page":426},{"title":"المبطل الثاني: انتهاء مدة المسح.","level":3,"page":427},{"title":"المبطل الثالث: يبطل المسح مع وجود الحدث الأكبر.","level":3,"page":428},{"title":"الفصل السادس أحكام المسح على العمامة والجبيرة","level":2,"page":429},{"title":"المبحث الأول: حكم المسح على العمامة.","level":3,"page":429},{"title":"المبحث الثاني: المسح على القلانس","level":3,"page":433},{"title":"المبحث الثالث: في حكم المسح على الجبيرة.","level":3,"page":433},{"title":"الباب الثامن الغسل","level":1,"page":441},{"title":"الفصل الأول موجبات الغسل","level":2,"page":443},{"title":"المبحث الأول: خروج المني، وفيه مطالب","level":3,"page":443},{"title":"المطلب الأول: خروج المني دفقا بلذة يوجب الغسل بالإجماع.","level":4,"page":443},{"title":"المطلب الثاني: خروج المني حال النوم","level":4,"page":443},{"title":"المطلب الثالث: إذا رأى في منامه احتلاما ولم يجد بللا؟","level":4,"page":444},{"title":"المطلب الرابع: خروج المني بغير شهوة","level":4,"page":444},{"title":"المطلب الخامس: هل يشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج؟","level":4,"page":445},{"title":"المطلب السادس: إذا شك هل هو مني أو مذي؟","level":4,"page":446},{"title":"المبحث الثاني: الجماع","level":3,"page":447},{"title":"المطلب الأول: التقاء الختانين.","level":4,"page":447},{"title":"المطلب الثاني: يشترط إيلاج الحشفة كاملة","level":4,"page":448},{"title":"المطلب الثالث: الإيلاج في الدبر","level":4,"page":449},{"title":"المطلب الرابع: إذا أولج ذكره في فرج مع وجود حائل","level":4,"page":450},{"title":"المبحث الثالث: من موجبات الغسل: موت المسلم إذا لم يكن شهيدا","level":3,"page":450},{"title":"المبحث الرابع من موجبات الغسل انقطاع الحيض والنفاس","level":3,"page":452},{"title":"الفصل الثاني فروض الغسل","level":2,"page":453},{"title":"الفرض الأول: الماء الطهور مع القدرة عليه","level":3,"page":453},{"title":"الفرض الثاني: النية","level":3,"page":453},{"title":"الفرض الثالث: تعميم الجسد بالماء","level":3,"page":454},{"title":"الفصل الثالث آداب الغسل","level":2,"page":455},{"title":"المبحث الأول عدم الإسراف في الماء مع إسباغ الوضوء والغسل","level":3,"page":456},{"title":"المبحث الثاني وجوب ستر العورة","level":3,"page":459},{"title":"المطلب الأول: أن يستتر عن أعين الناس","level":4,"page":459},{"title":"المطلب الثاني: عدم كشف العورة في الخلوة من غير حاجة","level":4,"page":459},{"title":"المطلب الثالث: جواز كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليا","level":4,"page":460},{"title":"المطلب الرابع: حكم دخول الحمام","level":4,"page":462},{"title":"المطلب الخامس: هل يقاس حكم المصيف على حكم الحمامات؟","level":4,"page":463},{"title":"الفصل الرابع صفة غسل الجنابة","level":2,"page":466},{"title":"المبحث الأول: حكم التسمية في أول الغسل","level":3,"page":466},{"title":"المبحث الثانى: يسن غسل فرجه وما أصابه من أذى قبل الاغتسال","level":3,"page":467},{"title":"المبحث الثالث: سنن وآداب قبل الوضوء","level":3,"page":467},{"title":"المبحث الرابع: استحباب الوضوء في غسل الجنابة وفيه أحد عشر مطلبا","level":3,"page":470},{"title":"المطلب الأول: يستحب الوضوء في غسل الجنابة.","level":4,"page":470},{"title":"المطلب الثاني: يستحب تقديم الوضوء على الغسل إلا الرجلين فيستحب تأخيرهما بعد الغسل.","level":4,"page":471},{"title":"المطلب الثالث: إذا اغتسل بدون وضوء فهل يرتفع الحدث الأصغر؟","level":4,"page":471},{"title":"المطلب الرابع: السنة في وضوء الغسل مرة مرة إلا غسل الكفين ثلاثا.","level":4,"page":474},{"title":"المطلب الخامس: في استحباب المضمضة والاستنشاق في الغسل","level":4,"page":475},{"title":"المطلب السادس: هل يستحب غسل الرأس في وضوء الغسل أو المسح؟","level":4,"page":476},{"title":"المطلب السابع: استحباب تخليل شعر الرأس في غسل الجنابة","level":4,"page":478},{"title":"المطلب الثامن: هل يقاس تخليل شعر اللحية على تخليل شعر الرأس؟","level":4,"page":478},{"title":"المطلب التاسع: استحباب التثليث في غسل الرأس","level":4,"page":479},{"title":"المطلب العاشر: هل تنقض المرأة الضفائر في غسل الجنابة؟","level":4,"page":480},{"title":"المطلب الحادي عشر: هل يجب غسل ظاهر الشعر فقط أم يجب غسل ظاهره وباطنه؟","level":4,"page":483},{"title":"المبحث الخامس: استحباب التيامن في الاغتسال","level":3,"page":486},{"title":"المبحث السادس: حكم غسل البدن ثلاث مرات","level":4,"page":487},{"title":"المبحث السابع: حكم تأخير غسل الرجلين","level":3,"page":488},{"title":"المبحث الثامن: الموالاة في غسل الجنابة.","level":3,"page":489},{"title":"المبحث التاسع: تدليك البدن في الغسل","level":3,"page":490},{"title":"الفصل الخامس ما يحرم على الجنب","level":2,"page":492},{"title":"المبحث الأول: تحرم الصلاة","level":3,"page":492},{"title":"المبحث الثاني: يحرم الطواف.","level":3,"page":492},{"title":"الفصل السادس ما لا يحرم على الجنب والحائض","level":2,"page":497},{"title":"المبحث الأول لا يحرم على الجنب والحائض قراءة القرآن","level":3,"page":498},{"title":"المبحث الثاني لا يحرم على الجنب والحائض مس المصحف","level":3,"page":505},{"title":"المبحث الثالث لا يحرم على الجنب ولا الحائض المكث في المسجد","level":3,"page":512},{"title":"المبحث الرابع لا يحرم على الجنب الأذان","level":3,"page":518},{"title":"الفصل السابع ما يستحب وما يكره وما يباح للجنب","level":2,"page":520},{"title":"القسم الأول ما يستحب للجنب","level":3,"page":521},{"title":"المبحث الأول: يستحب الوضوء إذا أراد أن ينام.","level":4,"page":521},{"title":"المبحث الثاني: يستحب الوضوء لمعاودة الوطء.","level":4,"page":521},{"title":"المبحث الثالث: يستحب الوضوء إذا أراد أن يأكل.","level":4,"page":521},{"title":"القسم الثاني يكره للجنب الاغتسال في الماء الدائم","level":3,"page":523},{"title":"القسم الثالث يباح ذبيحة الجنب وعرقه وبدنه طاهر","level":3,"page":524},{"title":"المبحث الأول: حل ذبيحة الجنب.","level":4,"page":524},{"title":"المبحث الثاني: طهارة جسد الجنب وعرقه.","level":4,"page":524},{"title":"الفصل الثامن الأغسال المستحبة","level":2,"page":527},{"title":"القسم الأول: الصلوات التي يستحب الغسل قبلها وفيه ثلاثة مباحث","level":3,"page":527},{"title":"المبحث الأول: غسل الجمعة، وفيه ثلاثة مطالب","level":4,"page":527},{"title":"المطلب الأول: يستحب غسل يوم الجمعة.","level":5,"page":527},{"title":"المطلب الثاني: وقت غسل الجمعة","level":5,"page":531},{"title":"المطلب الثالث: من يسن له غسل الجمعة","level":5,"page":533},{"title":"المبحث الثاني: غسل العيدين","level":4,"page":534},{"title":"المبحث الثالث: هل يستحب الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء؟","level":4,"page":534},{"title":"القسم الثاني: الأغسال المستحبة في الحج والعمرة، وفيه أربعة مباحث","level":3,"page":535},{"title":"المبحث الأول: الغسل للإحرام.","level":4,"page":535},{"title":"المبحث الثاني: يستحب الاغتسال لدخول مكة","level":4,"page":535},{"title":"المبحث الثالث: يستحب الغسل يوم عرفة","level":4,"page":536},{"title":"المبحث الرابع: هل يستحب الاغتسال للوقوف بمزدلفة ورمي الجمار؟","level":4,"page":537},{"title":"القسم الثالث: أغسال أخري مستحبة، وفيه أربعة مباحث","level":3,"page":537},{"title":"المبحث الأول: استحباب غسل من أسلم","level":4,"page":537},{"title":"المبحث الثاني: استحباب الغسل لمن أفاق من الإغماء","level":4,"page":539},{"title":"المبحث الثالث: هل يستحب الغسل من تغسيل الميت؟","level":4,"page":540},{"title":"المبحث الرابع: هل يستحب الغسل من الحجامة؟","level":4,"page":543},{"title":"الباب التاسع باب التيمم","level":1,"page":549},{"title":"الفصل الأول بين يدي التيمم","level":2,"page":551},{"title":"المبحث الأول: تعريف التيمم","level":3,"page":551},{"title":"المبحث الثاني: مشروعية التيمم","level":3,"page":551},{"title":"المبحث الثالث: في بدء مشروعيته","level":3,"page":552},{"title":"المبحث الرابع: التيمم من خصائص أمة محمد ﷺ","level":3,"page":552},{"title":"المبحث الخامس: هل التيمم رافع للحدث أو مبيح؟","level":3,"page":553},{"title":"المبحث السادس: الأسباب الموجبة للتيمم وفيه مطلبان","level":3,"page":554},{"title":"المطلب الأول: عدم وجود الماء","level":4,"page":554},{"title":"المطلب الثاني: إذا وجد ماء لا يكفي للطهارة","level":4,"page":554},{"title":"المبحث السابع: يباح التيمم مع وجود الماء في أحوال","level":3,"page":554},{"title":"المبحث الثامن: إذا عدم الماء والصعيد","level":3,"page":555},{"title":"الفصل الثاني شروط التيمم","level":2,"page":556},{"title":"الفصل الثالث فروض التيمم","level":2,"page":559},{"title":"الفصل الرابع صفة التيمم","level":2,"page":562},{"title":"المبحث الأول: صفة التيمم","level":3,"page":562},{"title":"المبحث الثاني: هل يستحب تقديم مسح اليد اليمنى على اليسرى؟","level":3,"page":562},{"title":"الفصل الخامس مبطلات التيمم","level":2,"page":564},{"title":"المبطل الأول: يبطل التيمم ما يبطل الوضوء.","level":3,"page":564},{"title":"المبطل الثاني: يبطل التيمم وجود الماء","level":3,"page":564},{"title":"المبحث الأول: إذا تيمم الرجل ثم وجد الماء قبل دخوله الصلاة بطل التيمم.","level":4,"page":564},{"title":"المبحث الثاني: إذا وجد الماء أثناء الصلاة.","level":4,"page":564},{"title":"المبحث الثالث: إذا وجد المتيمم الماء بعد الفراغ من الصلاة.","level":4,"page":565},{"title":"الباب العاشر الحيض","level":1,"page":567},{"title":"تمهيد: مقدمات فى الحيض","level":2,"page":568},{"title":"المبحث الأول: تعريف الحيض","level":3,"page":568},{"title":"المبحث الثاني: من أسماء الحيض.","level":3,"page":569},{"title":"المبحث الثالث: تاريخ ابتداء الحيض.","level":3,"page":570},{"title":"المبحث الرابع: الحيض من علامات بلوغ المرأة.","level":3,"page":571},{"title":"الفصل الأول سن الحيض ومدته","level":2,"page":574},{"title":"المبحث الأول سن الحيض","level":3,"page":575},{"title":"المطلب الأول: أقل سن تحيض فيه المرأة","level":4,"page":575},{"title":"المطلب الثاني: منتهى سن الحيض.","level":5,"page":579},{"title":"المطلب الثالث: هل تحيض الحامل؟","level":5,"page":581},{"title":"المبحث الثاني مدة الحيض","level":4,"page":585},{"title":"المطلب الأول: أقل الحيض.","level":5,"page":585},{"title":"المطلب الثاني: أكثر دم الحيض.","level":5,"page":587},{"title":"المطلب الثالث: أكثر الطهر","level":5,"page":590},{"title":"المطلب الرابع: غالب الحيض","level":5,"page":590},{"title":"المطلب الخامس: زيادة أيام الحيض، أي إذا زادت أيام الحيض عن عادتها.","level":5,"page":591},{"title":"المطلب السادس: نقص أيام الحيض عن عادتها، أي إذا طهرت قبل تمام عادتها.","level":5,"page":592},{"title":"المطلب السابع: النقاء المتخلل بين الدمين أو الطهر المتخلل أيام الحيض.","level":5,"page":592},{"title":"المطلب الثامن: إذا تقدمت أيام عادة المرأة أو تأخرت","level":5,"page":593},{"title":"المطلب التاسع: حكم تعاطي المرأة دواء يقطع حيضها أو يعجل نزوله.","level":5,"page":594},{"title":"المطلب العاشر: هل الصفرة والكدرة في بداية الحيض تحسب من أيام الحيض؟","level":5,"page":596},{"title":"المطلب الحادي عشر: في المبتدأة، تعريفها، وأقسامها.","level":5,"page":597},{"title":"متى تثبت للمبتدأة عادة؟","level":6,"page":598},{"title":"الفصل الثاني صفة الغسل من الحيض","level":2,"page":600},{"title":"تمهيد: بين يدي الغسل من المحيض","level":3,"page":601},{"title":"المطلب الأول: نجاسة دم الحيض.","level":4,"page":601},{"title":"المطلب الثاني: هل يتعين الماء في إزالة دم الحيض أم يكفي أي مطهر؟","level":4,"page":601},{"title":"المطلب الثالث: هل يجب تكرار الغسل في نجاسة دم الحيض؟","level":4,"page":603},{"title":"المطلب الرابع: علامة الطهر عند الحائض","level":4,"page":603},{"title":"المبحث الأول: وجوب غسل المرأة من المحيض.","level":3,"page":605},{"title":"المبحث الثاني: حكم النية في الغسل من المحيض.","level":3,"page":605},{"title":"المبحث الثالث: حكم التسمية في غسل الحيض، أو: هل تسمي لغسل الحيض أم لا؟","level":3,"page":606},{"title":"المبحث الرابع: حكم الوضوء في غسل الحيض والجنابة.","level":3,"page":607},{"title":"الفصل الثالث ما يحرم على الحائض","level":2,"page":609},{"title":"المبحث الأول الصلاة","level":3,"page":609},{"title":"المطلب الأول: تحرم الصلاة على الحائض بالإجماع.","level":4,"page":609},{"title":"المطلب الثاني: هل يستحب للحائض أن تتوضأ وقت الصلاة وتجلس في مصلاها تذكر الله وتسبحه مقدار الصلاة؟","level":4,"page":609},{"title":"المطلب الثالث: إذا حاضت المرأة بعد دخول الوقت وهي لم تصل، فهل تقضي هذه الصلاة؟","level":4,"page":611},{"title":"المطلب الرابع: إذا طهرت الحائض قبل المغرب بربع ساعة ثم اغتسلت فلم تنته إلا بعد أذان المغرب فهل تصلي العصر؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين","level":4,"page":614},{"title":"المبحث الثاني: الصوم","level":3,"page":614},{"title":"المطلب الأول: يحرم على الحائض الصوم.","level":4,"page":614},{"title":"المطلب الثاني: إذا طهرت الحائض في نهار رمضان، فهل يجب عليها إمساك بقية النهار؟","level":4,"page":615},{"title":"المطلب الثالث: المرأة تطهر من الحيض قبل الفجر ولا تغتسل إلا بعد طلوع الفجر.","level":4,"page":615},{"title":"المطلب الرابع: إذا أفطرت المرأة بالجماع ثم نزل الحيض في ذلك اليوم، هل تسقط الكفارة؟","level":4,"page":616},{"title":"المبحث الثالث: الطواف للحائض","level":3,"page":616},{"title":"المطلب الأول: يحرم على الحائض الطواف.","level":4,"page":616},{"title":"المطلب الثاني: في إحرام الحائض والنفساء في الحج والعمرة.","level":4,"page":617},{"title":"المطلب الثالث: في المرأة إذا اضطرت للطواف وهي حائض.","level":4,"page":617},{"title":"المطلب الرابع: يباح للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة.","level":4,"page":619},{"title":"المطلب الخامس: في المرأة المتمتعة إذا حاضت قبل طواف العمرة وخشيت فوات الحج.","level":4,"page":620},{"title":"المطلب السادس: طواف الوداع يسقط عن الحائض.","level":4,"page":623},{"title":"المبحث الرابع: وطء الحائض","level":3,"page":624},{"title":"المطلب الأول: تحريم وطء الحائض في فرجها.","level":4,"page":624},{"title":"المطلب الثاني: في كفارة من جامع امرأته وهي حائض.","level":4,"page":625},{"title":"المبحث الرابع: تحريم طلاق الحائض.","level":3,"page":628},{"title":"الفصل الرابع الاستحاضة","level":2,"page":630},{"title":"المبحث الأول: تعريف الاستحاضة","level":3,"page":630},{"title":"المبحث الثاني: الفرق بين دم الحيض والاستحاضة","level":3,"page":630},{"title":"المبحث الثالث: المستحاضة هل تعمل بالعادة أم بالتمييز؟","level":3,"page":631},{"title":"المبحث الرابع: حكم المستحاضة المعتادة غير المميزة","level":3,"page":633},{"title":"المبحث الخامس: المتحيرة وفيه مطلبان","level":3,"page":634},{"title":"المبحث السادس: في وجوب غسل المستحاضة فرجها عند الوضوء","level":3,"page":634},{"title":"المطلب الأول: المستحاضة المتحيرة بالعدد","level":3,"page":634},{"title":"المطلب الثاني: المستحاضة المتحيرة بالوقت","level":3,"page":634},{"title":"المبحث السابع: شد عصابة على فرجها عند الوضوء","level":3,"page":636},{"title":"المبحث الثامن: هل يعتبر الخروج الدائم للنجاسة كدم الاستحاضة حدثا أم لا؟","level":3,"page":637}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,63":61,"1,64":62,"1,65":63,"1,66":64,"1,67":65,"1,68":66,"1,69":67,"1,70":68,"1,71":69,"1,72":70,"1,73":71,"1,74":72,"1,75":73,"1,76":74,"1,77":75,"1,78":76,"1,79":77,"1,80":78,"1,81":79,"1,82":80,"1,83":81,"1,84":82,"1,85":83,"1,86":84,"1,87":85,"1,88":86,"1,89":87,"1,90":88,"1,91":89,"1,92":90,"1,93":91,"1,94":92,"1,95":93,"1,96":94,"1,97":95,"1,98":96,"1,99":97,"1,100":98,"1,101":99,"1,102":100,"1,103":101,"1,104":102,"1,105":103,"1,106":104,"1,107":105,"1,108":106,"1,109":107,"1,110":108,"1,111":109,"1,112":110,"1,113":111,"1,114":112,"1,115":113,"1,116":114,"1,117":115,"1,118":116,"1,119":117,"1,120":118,"1,121":119,"1,122":120,"1,123":121,"1,124":122,"1,125":123,"1,126":124,"1,127":125,"1,128":126,"1,129":127,"1,130":128,"1,131":129,"1,132":130,"1,133":131,"1,134":132,"1,135":133,"1,136":134,"1,137":135,"1,138":136,"1,139":137,"1,140":138,"1,141":139,"1,142":140,"1,143":141,"1,144":142,"1,145":143,"1,146":144,"1,147":145,"1,148":146,"1,149":147,"1,150":148,"1,151":149,"1,152":150,"1,153":151,"1,154":152,"1,155":153,"1,156":154,"1,157":155,"1,158":156,"1,159":157,"1,160":158,"1,161":159,"1,162":160,"1,163":161,"1,164":162,"1,165":163,"1,166":164,"1,167":165,"1,168":166,"1,169":167,"1,170":168,"1,171":169,"1,172":170,"1,173":171,"1,174":172,"1,175":173,"1,176":174,"1,177":175,"1,178":176,"1,179":177,"1,180":178,"1,181":179,"1,182":180,"1,183":181,"1,184":182,"1,185":183,"1,186":184,"1,187":185,"1,188":186,"1,189":187,"1,190":188,"1,191":189,"1,192":190,"1,193":191,"1,194":192,"1,195":193,"1,196":194,"1,197":195,"1,198":196,"1,199":197,"1,200":198,"1,201":199,"1,202":200,"1,203":201,"1,204":202,"1,205":203,"1,206":204,"1,207":205,"1,208":206,"1,209":207,"1,210":208,"1,211":209,"1,212":210,"1,213":211,"1,214":212,"1,215":213,"1,216":214,"1,217":215,"1,218":216,"1,219":217,"1,220":218,"1,221":219,"1,222":220,"1,223":221,"1,224":222,"1,225":223,"1,226":224,"1,227":225,"1,228":226,"1,229":227,"1,230":228,"1,231":229,"1,232":230,"1,233":231,"1,234":232,"1,235":233,"1,236":234,"1,237":235,"1,238":236,"1,239":237,"1,240":238,"1,241":239,"1,242":240,"1,243":241,"1,244":242,"1,245":243,"1,246":244,"1,247":245,"1,248":246,"1,249":247,"1,250":248,"1,251":249,"1,252":250,"1,253":251,"1,254":252,"1,255":253,"1,256":254,"1,257":255,"1,258":256,"1,259":257,"1,260":258,"1,261":259,"1,262":260,"1,263":261,"1,264":262,"1,265":263,"1,266":264,"1,267":265,"1,268":266,"1,269":267,"1,270":268,"1,271":269,"1,272":270,"1,273":271,"1,274":272,"1,275":273,"1,276":274,"1,277":275,"1,278":276,"1,279":277,"1,280":278,"1,281":279,"1,282":280,"1,283":281,"1,284":282,"1,285":283,"1,286":284,"1,287":285,"1,288":286,"1,289":287,"1,290":288,"1,291":289,"1,292":290,"1,293":291,"1,294":292,"1,295":293,"1,296":294,"1,297":295,"1,298":296,"1,299":297,"1,300":298,"1,301":299,"1,302":300,"1,303":301,"1,304":302,"1,305":303,"1,306":304,"1,307":305,"1,308":306,"1,309":307,"1,310":308,"1,311":309,"1,312":310,"1,313":311,"1,314":312,"1,315":313,"1,316":314,"1,317":315,"1,318":316,"1,319":317,"1,320":318,"1,321":319,"1,322":320,"1,323":321,"1,324":322,"1,325":323,"1,326":324,"1,327":325,"1,328":326,"1,329":327,"1,330":328,"1,331":329,"1,332":330,"1,333":331,"1,334":332,"1,335":333,"1,336":334,"1,337":335,"1,338":336,"1,339":337,"1,340":338,"1,341":339,"1,342":340,"1,343":341,"1,344":342,"1,345":343,"1,346":344,"1,347":345,"1,348":346,"1,349":347,"1,350":348,"1,351":349,"1,352":350,"1,353":351,"1,354":352,"1,355":353,"1,356":354,"1,357":355,"1,358":356,"1,359":357,"1,360":358,"1,361":359,"1,362":360,"1,363":361,"1,364":362,"1,365":363,"1,366":364,"1,367":365,"1,368":366,"1,369":367,"1,370":368,"1,371":369,"1,372":370,"1,373":371,"1,374":372,"1,375":373,"1,376":374,"1,377":375,"1,378":376,"1,379":377,"1,380":378,"1,381":379,"1,382":380,"1,383":381,"1,384":382,"1,385":383,"1,386":384,"1,387":385,"1,388":386,"1,389":387,"1,390":388,"1,391":389,"1,392":390,"1,393":391,"1,394":392,"1,395":393,"1,396":394,"1,397":395,"1,398":396,"1,399":397,"1,400":398,"1,401":399,"1,402":400,"1,403":401,"1,404":402,"1,405":403,"1,406":404,"1,407":405,"1,408":406,"1,409":407,"1,410":408,"1,411":409,"1,412":410,"1,413":411,"1,414":412,"1,415":413,"1,416":414,"1,417":415,"1,418":416,"1,419":417,"1,420":418,"1,421":419,"1,422":420,"1,423":421,"1,424":422,"1,425":423,"1,426":424,"1,427":425,"1,428":426,"1,429":427,"1,430":428,"1,431":429,"1,432":430,"1,433":431,"1,434":432,"1,435":433,"1,436":434,"1,437":435,"1,438":436,"1,439":437,"1,440":438,"1,441":439,"1,442":440,"1,443":441,"1,444":442,"1,445":443,"1,446":444,"1,447":445,"1,448":446,"1,449":447,"1,450":448,"1,451":449,"1,452":450,"1,453":451,"1,454":452,"1,455":453,"1,456":454,"1,457":455,"1,458":456,"1,459":457,"1,460":458,"1,461":459,"1,462":460,"1,463":461,"1,464":462,"1,465":463,"1,466":464,"1,467":465,"1,468":466,"1,469":467,"1,470":468,"1,471":469,"1,472":470,"1,473":471,"1,474":472,"1,475":473,"1,476":474,"1,477":475,"1,478":476,"1,479":477,"1,480":478,"1,481":479,"1,482":480,"1,483":481,"1,484":482,"1,485":483,"1,486":484,"1,487":485,"1,488":486,"1,489":487,"1,490":488,"1,491":489,"1,492":490,"1,493":491,"1,494":492,"1,495":493,"1,496":494,"1,497":495,"1,498":496,"1,499":497,"1,500":498,"1,501":499,"1,502":500,"1,503":501,"1,504":502,"1,505":503,"1,506":504,"1,507":505,"1,508":506,"1,509":507,"1,510":508,"1,511":509,"1,512":510,"1,513":511,"1,514":512,"1,515":513,"1,516":514,"1,517":515,"1,518":516,"1,519":517,"1,520":518,"1,521":519,"1,522":520,"1,523":521,"1,524":522,"1,525":523,"1,526":524,"1,527":525,"1,528":526,"1,529":527,"1,530":528,"1,531":529,"1,532":530,"1,533":531,"1,534":532,"1,535":533,"1,536":534,"1,537":535,"1,538":536,"1,539":537,"1,540":538,"1,541":539,"1,542":540,"1,543":541,"1,544":542,"1,545":543,"1,546":544,"1,547":545,"1,548":546,"1,549":547,"1,550":548,"1,551":549,"1,552":550,"1,553":551,"1,554":552,"1,555":553,"1,556":554,"1,557":555,"1,558":556,"1,559":557,"1,560":558,"1,561":559,"1,562":560,"1,563":561,"1,564":562,"1,565":563,"1,566":564,"1,567":565,"1,568":566,"1,569":567,"1,570":568,"1,571":569,"1,572":570,"1,573":571,"1,574":572,"1,575":573,"1,576":574,"1,577":575,"1,578":576,"1,579":577,"1,580":578,"1,581":579,"1,582":580,"1,583":581,"1,584":582,"1,585":583,"1,586":584,"1,587":585,"1,588":586,"1,589":587,"1,590":588,"1,591":589,"1,592":590,"1,593":591,"1,594":592,"1,595":593,"1,596":594,"1,597":595,"1,598":596,"1,599":597,"1,600":598,"1,601":599,"1,602":600,"1,603":601,"1,604":602,"1,605":603,"1,606":604,"1,607":605,"1,608":606,"1,609":607,"1,610":608,"1,611":609,"1,612":610,"1,613":611,"1,614":612,"1,615":613,"1,616":614,"1,617":615,"1,618":616,"1,619":617,"1,620":618,"1,621":619,"1,622":620,"1,623":621,"1,624":622,"1,625":623,"1,626":624,"1,627":625,"1,628":626,"1,629":627,"1,630":628,"1,631":629,"1,632":630,"1,633":631,"1,634":632,"1,635":633,"1,636":634,"1,637":635,"1,638":636,"1,639":637,"1,640":638,"1,641":639,"1,642":640,"1,643":641,"1,644":642,"1,645":643,"1,646":644},"ٜ":{"1":[3,646]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"9":[3],"10":[4],"13":[5],"19":[6,7,8,9,10,11,12,13],"21":[14],"23":[15,16],"24":[17],"30":[18,19],"32":[20,21],"33":[22,23],"37":[24],"38":[25,26],"39":[27,28],"43":[29],"44":[30,31],"45":[32,33],"46":[34],"48":[35,36],"49":[37],"50":[38,39],"51":[40],"58":[41],"60":[42,43],"61":[44,45],"63":[46,47,48,49],"64":[50],"66":[51,52,53,54],"69":[55],"71":[56,57],"73":[58],"74":[59],"75":[60],"76":[61,62,63],"77":[64],"79":[65],"81":[66,67],"82":[68],"84":[69],"90":[70,71,72],"92":[73,74,75,76],"93":[77],"96":[78,79,80],"97":[81],"98":[82],"99":[83,84],"102":[85,86],"104":[87],"105":[88],"106":[89,90,91,92],"107":[93,94,95],"108":[96],"109":[97],"110":[98],"111":[99,100,101],"112":[102,103,104],"113":[105],"114":[106,107,108,109],"117":[110,111],"118":[112],"119":[113,114,115,116,117,118,119],"120":[120,121],"121":[122],"122":[123],"124":[124,125],"125":[126],"127":[127],"128":[128],"129":[129],"130":[130],"132":[131],"134":[132,133],"138":[134],"140":[135],"144":[136],"146":[137,138,139],"147":[140],"148":[141,142,143,144],"149":[145],"151":[146,147],"152":[148],"153":[149],"154":[150,151],"155":[152,153],"156":[154],"157":[155,156],"158":[157],"159":[158],"161":[159,160,161],"163":[162],"164":[163],"165":[164,165],"167":[166],"168":[167,168],"169":[169],"170":[170],"172":[171,172,173],"173":[174],"174":[175,176],"177":[177],"178":[178,179,180],"179":[181],"180":[182],"181":[183],"182":[184,185,186],"183":[187],"184":[188],"185":[189],"191":[190],"192":[191,192],"193":[193],"194":[194],"195":[195,196],"198":[197],"201":[198],"204":[199,200],"205":[201],"208":[202],"209":[203,204],"211":[205,206],"212":[207],"214":[208],"215":[209],"216":[210],"217":[211],"218":[212,213],"219":[214],"221":[215],"222":[216],"224":[217],"225":[218,219],"226":[220],"227":[221],"229":[222,223,224,225],"230":[226],"233":[227,228,229],"234":[230],"235":[231],"237":[232],"238":[233],"242":[234,235],"243":[236],"244":[237],"246":[238,239,240],"247":[241,242],"248":[243],"249":[244,245],"250":[246],"253":[247,248],"262":[249],"264":[250,251,252],"265":[253],"266":[254],"268":[255,256],"269":[257],"270":[258,259,260,261,262],"271":[263,264],"273":[265],"275":[266],"277":[267,268],"278":[269],"279":[270],"280":[271],"283":[272],"286":[273],"289":[274],"291":[275],"292":[276],"294":[277,278],"300":[279],"301":[280,281,282,283],"302":[284,285],"304":[286],"305":[287],"306":[288],"307":[289],"308":[290,291],"311":[292,293,294],"312":[295],"315":[296,297,298],"317":[299,300],"322":[301],"323":[302],"325":[303,304,305],"328":[306,307],"329":[308,309],"332":[310],"333":[311],"334":[312],"335":[313],"337":[314,315,316,317],"338":[318,319],"339":[320],"341":[321,322,323],"342":[324,325],"344":[326],"346":[327],"347":[328,329,330],"348":[331],"349":[332,333],"352":[334,335,336],"359":[337,338],"362":[339],"363":[340],"364":[341],"367":[342],"368":[343],"369":[344],"372":[345],"378":[346],"379":[347],"382":[348],"383":[349],"395":[350,351,352,353],"396":[354],"397":[355,356],"398":[357],"402":[358],"404":[359],"406":[360,361],"407":[362,363],"408":[364],"409":[365],"410":[366],"411":[367,368],"412":[369],"414":[370],"415":[371],"417":[372,373],"418":[374],"419":[375],"420":[376,377],"421":[378,379,380],"422":[381,382],"423":[383],"424":[384],"425":[385],"426":[386,387],"427":[388],"428":[389],"429":[390,391],"433":[392,393],"441":[394],"443":[395,396,397,398],"444":[399,400],"445":[401],"446":[402],"447":[403,404],"448":[405],"449":[406],"450":[407,408],"452":[409],"453":[410,411,412],"454":[413],"455":[414],"456":[415],"459":[416,417,418],"460":[419],"462":[420],"463":[421],"466":[422,423],"467":[424,425],"470":[426,427],"471":[428,429],"474":[430],"475":[431],"476":[432],"478":[433,434],"479":[435],"480":[436],"483":[437],"486":[438],"487":[439],"488":[440],"489":[441],"490":[442],"492":[443,444,445],"497":[446],"498":[447],"505":[448],"512":[449],"518":[450],"520":[451],"521":[452,453,454,455],"523":[456],"524":[457,458,459],"527":[460,461,462,463],"531":[464],"533":[465],"534":[466,467],"535":[468,469,470],"536":[471],"537":[472,473,474],"539":[475],"540":[476],"543":[477],"549":[478],"551":[479,480,481],"552":[482,483],"553":[484],"554":[485,486,487,488],"555":[489],"556":[490],"559":[491],"562":[492,493,494],"564":[495,496,497,498,499],"565":[500],"567":[501],"568":[502,503],"569":[504],"570":[505],"571":[506],"574":[507],"575":[508,509],"579":[510],"581":[511],"585":[512,513],"587":[514],"590":[515,516],"591":[517],"592":[518,519],"593":[520],"594":[521],"596":[522],"597":[523],"598":[524],"600":[525],"601":[526,527,528],"603":[529,530],"605":[531,532],"606":[533],"607":[534],"609":[535,536,537,538],"611":[539],"614":[540,541,542],"615":[543,544],"616":[545,546,547],"617":[548,549],"619":[550],"620":[551],"623":[552],"624":[553,554],"625":[555],"628":[556],"630":[557,558,559],"631":[560],"633":[561],"634":[562,563,564,565],"636":[566],"637":[567]},"ٟ":[321]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة فضيلة الشيخ\nمصطفى العدوي</span>\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:\nفهذا كتاب الطهارة وأحكامها أعده أخي في الله الشيخ/ محمد حلاوة حفظه الله وبارك فيه، ونفع به وبعلمه وقد اعتنى فيه بهذا الباب العظيم، إذ قد بوَّب فأحسن التبويب وأورد فأحسن الإيراد، فقد أورد أدلة العلماء في المسائل سواء من الكتاب العزيز أو من السنة الصحيحة المباركة، وحكم على الأحاديث بما تستحِقّه صحةً أو ضعفًا، وجمع بين ما ظاهره التعارض، ورجح ما تقضيه المقامات من وجوه الترجيح، وذلك كما أسلفتُ بعد تخريج الأحاديث والحكم عليها، وكذا فعل بالآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم.\nوكذا فإنه وفقه الله لم يهمل أقوال الفقهاء، بل أوردها وعزاها إلى مصادرها قولًا بعد قولٍ؛ فخرج كتابه كتابًا حديثيًا فقهيًّا، فأسأل الله أن يجازيه خيرًا، ويوفقه لمزيد من العلم الشرعي والدعوة إلى الله ﷿.\nهذا، وقد نظرت في كتابه هذا وراجعتُ عمله؛ فألفيته ولله الحمد موفقًا نافعًا، فالله أسأل أن يزيده سدادًا وتوفيقًا.\nوهذا، ولأخي محمد حلاوة حفظه الله كتبٌ أُخر في الفقه منها: فقه الزكاة، وفقه الصيام، ولله الحمد فعمله موفق، فأسأل الله أن يبارك فيه وفي علمه.\nوصلِّ الله على نبينا محمد وسلم، والحمد لله رب العالمين.\n\nكتبه\nأبو عبد الله\nمصطفى بن العدوي","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>مقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على الناس أجمعين، بعثه للإيمان مناديًا، وإلى دار السلام داعيًا وللخليقة هاديًا ولكتابه تاليًا، وفي مرضاته ساعيًا وبالمعروف آمرًا وعن المنكر ناهيًا. فسبحان من شرح له صدره ووضع عنه وزره ورفع له ذكره وجعل الذلة والصَّغار على من خالف أمره فدعا إلى الله سرًّا وجهارًا، ليلًا ونهارًا إلى أن طلع فجر الإسلام، وأشرقت شمس الإيمان، وعلت كلمة الرحمن، وبطلت دعوة الشيطان، وأضاءت بنور رسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد تفرقها وشتاتها؛ فأشرق وجه الدهر حسنًا، وأصبح الظلام ضياء، واهتدى كل حيران فلما كمل الله به دينه، وأتم به نعمته، ونشر به على الخلائق رحمته، فبلغ رسالات ربه ونصح عباده، وجاهد في الله حق جهاده (^١) فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغر الميامين، وسلم تسليمًا كثيرًا.\nأما بعد:\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ١٠٢﴾ [آل عمران ١٠٢].\n_________\n(^١) مقدمة «حادي الأرواح» لابن القيم (ص: ٤).","vol":"1","page":4},{"text":"فمن أراد عزًّا وفلاحًا، ونشد خيرًا وصلاحًا، وطلب توفيقًا ونجاحًا فعليه بتقوى الله.\nفي تقوى الله الخروج من المضائق، والسلامة من العوائق، والنجاة من المآزق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق].\nالتقوى هي السبيل إلى الجنان، والطريق لرضا الرحمن، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ٦٣﴾ [مريم].\nوهي وصية الله للأولين والآخرين كما قال رب العالمين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١].\nأما بعد: فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّدٍ ﷺ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة.\nوبعد: فالصلاة من أعظم أركان الإسلام، وهي التي تصل العبد بربه المنَّان، أمر الله بها موسى الكليم، فقال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ١٤﴾ [طه: ١٤]، وأُمِرَ بها سيد الأنبياء وخاتم المرسلين فقال له ربه الكريم: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقد دعا إبراهيم الخليل فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠]، وقد أثنى الله على إسماعيل؛ لأنه ﴿كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ﴾ [مريم: ٥٥].\nفالصلاة تفرج الكربات، وترفع بها الدرجات، وتمحى بها الخطايا والسيئات، فكم ينال الخاشع في صلاته من البركات وعظيم الخيرات، ولمَّا كانت الطهارة شرطًا لصحة هذا الركن العظيم، فقد دعا الإسلام إلى طهارة القلب من الشرك بالتوحيد والإيمان، وإلى طهارة الجوارح من الأوساخ والأدران، فالطهارة شطر الإيمان، وتكفر عن العبد الخطايا والآثام، وتَحُلّ عُقَد الشيطان، وإسباغها مع النطق بالشهادتين عند ختامها تُدخل العبد الجنان، صحَّ ذلك كله عن النبي العدنان، فروى مسلم عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ، أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ، وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ الله، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا","vol":"1","page":5},{"text":"رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِله، إِلاَّ انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^١).\nوفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ، عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ، فَذَكَرَ اللهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» (^٢).\nوقد صح عند مسلم: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ، أَوْ فَيُسْبِغُ، الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (^٣).\nوالناظر في كتاب الرحمن، وفي سنة النبي العدنان يجد فيهما ما يصلح للعباد في كل مكان وزمان وفي الحال والمآل، حتى الأمور الجِبِلية التي جُبِل عليها الإنسان بفطرته، عَلَّمنا إيَّاها رسول الهدى، فروى مسلم عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ. قَالَ: فَقَالَ: «أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ …».\nفإذا كان نبينا قد علمنا كل شيء فلماذا نترك شريعة رب البرية ونتحاكم إلى حثالة أذهان البشرية، والله تعالى يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ٦٥﴾ [النساء]، فلابد للمسلم أن يسير على شرع الله في دينه ودنياه، وفي عباداته ومعاملاته، وفي كل شيء من أمور حياته، قال تعالى:\n_________\n(^١) مسلم (٨٣٢).\n(^٢) البخاري (١٠٧٤)، ومسلم (١٢٥٩).\n(^٣) مسلم (٢٣٤).","vol":"1","page":6},{"text":"﴿قلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ١٦٣﴾ [الأنعام].\nإنَّ المتأمل لما جاءت به الشريعة الغراء لَيَأْخُذْهُ العَجَبُ، ويشعر بالدهشة تملأ نفسه وتأثر قلبه، وتملك عليه جوارحه، فهي شريعة مبنية على رفع الحرج عن المكلفين، والتيسير على عموم المسلمين، فمن لم يجد الماء تيمم لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣].\nوكذا في الشتاء القارص والبرد الحالك إذا لبس المرء الخفين أبيح له المسح عليهما، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فالحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينا ومحمدًا نبينا ورسولًا.\nوبما تقدَّم من أهمية الطهارة، ولتعلُّق أحكامها بالصحة والسقم، والحل والسفر، والشروق والغروب، والليل والنهار ولمدة زمانها، وما يعتري المسلم فيها من عوارضَ تحتاج إلى أحكام وأجوبة، ولتفريط كثير من المسلمين - من أسف - فى تحصيل فقه الطهارة، وقصورِهم عن معرفة أحكامها وسننها وآدابها؛ رَغِبتُ فى إعداد هذا الكتاب وتأليفِه، وتعنَّيت لتحبيره جهدي، مستلهمًا من المولى عزَّ شأنه التسديد والتوفيق، سائلًا إياه أن يكون للمسلمين والمسلمات دليلًا ونبراسًا، ولطالب العلم أصلًا وأساسًا.\nعلى كف الندى أُهدي كتابي … وأُرخي في محبتكم ركابي\nفإن كان الذي أهدي يسيرًا … ففيض الوُد أكمل في النِّصاب\nوسميته «الجامع لأحكام الطهارة» وقد التزمت فيه ما صحَّ عن النبي العدنان  G،  مع ذكر بعض الأحاديث الضعيفة لبيان ضعفها أو للردِّ على من استدلَّ بها، وكذلك ذكرت الآثار عن الصحابة الأبرار والتابعين الأخيار، ثم ذكرت أقوال الأئمة المجتهدين، ورجَّحت ما يقتضي الدليل رُجحانَه (^١).\n_________\n(^١) قال الإمام الشافعي: «أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد»، وما يفعله بعض الناس من التعصب لجماعة أو لشيخ فهذا مخالف لهدي السلف ومخالف لما عليه أئمة المذاهب، فإنهم متفقون على ذم التقليد وذم التعصب، فالواجب على المسلم أن ينصر الدليل.","vol":"1","page":7},{"text":"وقد قسمت هذا الكتاب إلى عشرة أبواب:\nالباب الأول: المياه.\nوالباب الثاني: النجاسات.\nوالباب الثالث: الأنية.\nوالباب الرابع: قضاء الحاجة.\nوالباب الخامس: خصال الفطرة.\nوالباب السادس: الوضوء.\nوالباب السابع: المسح على الحائل.\nوالباب الثامن: الغسل.\nوالباب التاسع: التيمم.\nوالباب العاشر: الحيض.\nوهذا ترتيب منطقي فأول ما يفعله من أراد الطهارة أن يأتي بالمياه ثم توضع المياه في الأنية ثم قضاء الحاجة ثم الوضوء وإذا كان يلبس الخف يمسح عليه، وإذا أجنب فيجب عليه الغسل، وإذا فقد المرء الماء تيمم ثم ختمت بالحيض وهو خاص بالنساء.\nوبعد أن أضنيتُ نفسى فى جمع هذا الكتاب، وتبويبه وترتيبه، وتخريجِ أحاديثِه وآثارِه والحكمِ عليها في ضوء قواعدِ الجرح والتعديل، قمت بعرض ما جمعته على شيخنا المفضال مصطفى بن العدوي - حفظه الله من كل سوءٍ وبارك فيه -، فراجعه على دَيدنِه فى سماحة خلقه، وبرِّه بطلاب العلم، فقدَّم له، فأفدتُ من تسديد ألحاظه، وتصويب ألفاظه؛ فكم أذكره في خلواتي، وأدعو له في صلواتي، فجزاه الله خير الجزاء وأوفاه، وجعل ما قَدَّمه فى ميزان حسناته يوم يلقى مولاه، وأسألُه سبحانه أن يُسعدَه بجنته، ويشملَه برحمته، وأن يكرمَه بمغفرته، وأن يرزقه مزيدَ العلم النافعِ، ومزيد العمل الصالح وأن ينفع بعلمه وسعيه الإسلامَ والمسلمين، وأن يرزقَه الإخلاصَ فى جميع ذلك، وأن يتقبَّل منه جميعَ أعمالِه، وأن يجعلَه من أهل جنة الفردوس، وأن يجزيَه عني وعن المسلمين خير الجزاء.\nوإني لأعلم أن هناك من هو أكثر أهلية مني لهذا العمل الجلل، ولكني أذكر قول القائل:\nوما كنت أهلًا للذي قد كتبته … وإني لفي خوف من الله نادم","vol":"1","page":8},{"text":"ولكنني أرجو من الله عفوه … وإن لأهل العلم لا شك خادم\nولما آمل من ثواب ونجاة في اليوم المشهود لمن خدم هذا الدين، تجرأت على الشأن الكؤود، فأسأل الله أن يتقبله مني في اليوم الموعود.\nرب تقبل عملي … ولا تخيب أملي\nأصلِح أموري كلها … قبل حلول أجلي\nولم أدخر جهدًا في هذا البحث إلا بذلته في تحريره وتنقيحه وتقريره، ولا أدعي الكمال والتمام والعصمةَ من الزلل والخطأ والنسيان، فقد قيل: أبى الله أن يصح إلا كتابه. وقال الشافعي: «لقد ألفت هذه الكتب ولم آل جهدًا فيها، ولابد أن يوجد فيها الخطأ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء] فما وجدتم في كتبي هذه ما يخالف الكتاب والسنة فقد رجعت عنه، ولله در من قال:\nكم من كتاب قد تصفحته … وقلت في نفسِ أصلحته\nحتى إذا طالعته ثانيًا … وجدت تصحيفًا فصححته\nوما أحسن ما قاله العماد الأصفهاني: «إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غده: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العِبَر، وهذا دليل استيلاء النقص على جملة البشر، فسبحان مَنْ تنزَّه عن النقص».\nفمن وقف فيه على تقصير أو خلل، أو عثر فيه على تغيير أو زلل، فليعذر أخاه في ذلك متطولًا، أو ليصلح منه ما يحتاج إلى إصلاح متفضلًا، فالتقصير من الأوصاف البشرية، فليست الإحاطة بالعلم إلا لبارئ البرية، فهو الذي وسع كل شيء علمًا، وأحصى مخلوقاته عينًا واسمًا.\nسطره لنفسه … قائله وجامعه\nفليعف عن زلاته … ناقله وسامعه\nفألتمس من النبلاء الأماجد تقويم ما اعوجَّ وندَّ، والتنبيه إلى ما ندَّ عنه القلم.","vol":"1","page":9},{"text":"وإن تَجِدْ عيبًا فَسُدَّ الخَلَلَا … فَجَلَّ مَنْ لَا عَيْبَ فيه وعلا\nوأسأل الله ﷿ أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به والمسلمين، وأن يجعلَه فى ميزان حسناتي يوم الدين، وأسأله أن يجزي عنى والديَّ أعمَّ الجزاءِ والمثوبةِ، وأن يمتَّعهما بالصحة والعافية، وأن ينوِّرَ أوقاتهما بالهدى والتُّقى، وأن يرزقَهما جنةَ الفردوس.\nهذا وما كان من توفيقٍ فمن الواحد المنان، وما كان من خطأٍ أو نسيانٍ فمنى ومن الشيطان، والله ورسوله منه براءٌ، والله المستعان.\nإذا لم يكن عون من الله للفتى … فأكثر ما يجني عليه اجتهاده\nوصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n\nمحمد بن علي حلاوة\nمصر - كفر الشيخ - البرلس\nهاتف: ٠١٠١٠٦٣٧٤٦٦","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>الباب الأول</span>\nتمهيد\nوفيه مباحث\nالمبحث الأول: تعريف الطهارة.\nالمبحث الثاني: أقسام المياه من حيث حكمها (طهور، ونجس).\nالمبحث الثالث: أقسام المياه من حيث طبيعتها.\nوفيه سبعة أقسام\nالقسم الأول: الماء المطلق، وفيه سبعة مطالب:\nالقسم الثاني: الماء المستعمل.\nالقسم الثالث: الماء المتغير بطول مُكثه.\nالقسم الرابع: الماء الذي وقعت فيه نجاسة، وفيه ستة مباحث.\nالقسم الخامس: حكم الماء أو الثوب المشكوك فيه، وفيه مبحثان.\nالقسم السادس: حكم الماء الحرام، وفيه مبحثان.\nالقسم السابع: حكم الوضوء بالمائعات غير الماء، وفيه مبحثان.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>المبحث الأول تعريف الطهارة</span>\nتطلق الطهارة في اللغة على معانٍ:\nالأول: الطهارة تطلق على النظافة نقيض النجاسة.\nالثاني: تطلق على طهارة القلب من الشرك، ومنه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] بكفرهم، وطهارة المشرك بإسلامه؛ ولذا قال النبي ﷺ: «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (^١).\nالثالث: تطلق على الطهارة من الذنب بالتوبة وإقامة الحد، ومنه قول ماعز والغامدية: «يَا رَسُولَ الله إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي» أي: بإقامة الحد.\nالرابع: تطلق الطهارة على النزاهة والكف عن الإثم وما لا يحل، قال تعالى عن قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] يتنزهون عن إتيان الذكور.\nالخامس: تطلق الطهارة على الحلال والبعد عن الحرام، ومنه قوله تعالى عن قوم لوط ﵇: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] حلال لكم بالزواج بهن، ولا يحل لكم إتيان الذكور.\nالسادس: تطلق الطهارة على طهارة القلب من الريبة، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾.\nالسابع: تطلق على انقطاع دم الحيض، ومنه قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١).","vol":"1","page":12},{"text":"الثامن: تطلق الطهارة على الاغتسال، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].\nالتاسع: تطلق الطهارة على الاستنجاء بالماء، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، نزلت في أهل قباء، كانوا يستعملون الماء في الاستنجاء.\nالعاشر: تطلق الطهارة على السلامة من سائر المستقذرات، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥].\nالحادي عشر: تطلق على الطهارة من الفاحشة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ [آل عمران: ٤٢] من الفاحشة (^١).\nوالطهارة في الشرع: هي رفع الحدث وإزالة النجس أو الخبث (^٢).\nفرفع الحدث الأصغر يكون بالوضوء، ومنه قوله ﷺ: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» معنى أحدث: أي: أحدث الحدث الأصغر من بول أو غائط أو ريح، الذي يجب منه الوضوء، دل على ذلك قوله ﷺ: «حَتَّى يَتَوَضَّأَ».\nوالاحتلام حدث أكبر يكون رفعه بالاغتسال، وكذا الحيض، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي: فإذا اغتسلن بعد انقطاع دم الحيض فيحل لكم وطؤهن.\nومعنى «إزالة النجس» أي: إزالة النجس عن البدن، والثوب، والمكان، والإناء.\nفإزالة النجاسة عن البدن تكون بالاستنجاء أو الغسل، فهذا رجل يعذب في قبره لعدم نظافة بدنه، ففي الصحيحين عن ابن عباس ﴿، أن النبي ﷺ مر عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا\n_________\n(^١) انظر: «لسان العرب» (٤/ ٥٠٤)، و«القاموس المحيط» (ص ٤٥٤)، و«مختار الصحاح» (٢/ ٣٧٩)، و«نزهة الأعين النواظر»: (ص: ٤٢١).\n(^٢) «الجوهرة النيرة» (١/ ٢)، و«مواهب الجليل» (١/ ٤٣ - ٤٤)، و«المجموع» (١/ ١٢٣)، وقال ابن قدامة «المغني» (١/ ٣٤): رفع الحدث: رَفْعُ مَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ مِنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَاسَةٍ بِالْمَاءِ، أَوْ رَفْعُ حُكْمِهِ بِالتُّرَابِ.","vol":"1","page":13},{"text":"يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» (^١).\nوإزالة نجاسة الثوب بطهارته؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].\nوإزالة النجاسة عن المكان الذي يصلي فيه تكون بتطهيره من النجاسات، دل على ذلك ما ورد في الصحيحين من حديث أنس: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «دَعُوهُ وَلَا تُزْرِمُوهُ» قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْه (^٢).\nفصبُّ الماء على بول الأعرابي حين بال في المسجد دليل على وجوب تطهير المسجد عن النجاسات، ووجوب طهارة المكان الذي يصلي فيه المرء.\nوإزالة النجاسة عن الإناء الذي يتطهر منه؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» (^٣).\nوقد جمع الله في آية بين رفع الحدث وإزالة النجس؛ فقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ من النجس، الذي هو انقطاع دم الحيض، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن من الحدث الأكبر بعد الطهارة من الحيض، حل لكم وطؤهن.\n_________\n(^١) البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢).\n(^٢) البخاري (٢١٩)، ومسلم (٢٨٤).\n(^٣) رواه مسلم (٢٧٩).","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>المبحث الثاني\nأقسام المياه من حيث حكمها </span>(طهور ونجس)\nاختلف أهل العلم في أقسام المياه على قولين:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طهور وطاهر ونجس. وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (^١).\nواستدلوا لذلك بالسنة: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (^٢).\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (١/ ٦٦ - ٦٧)، و«بداية المجتهد» (١/ ٢٧١)، و«المجموع» (١/ ١٥٠)، و«كشاف القناع» (١/ ٣٠).\n(^٢) إسناده صحيح: وقد اختلف في إسناده ألوانًا:\nأ - فرواه مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ مولى ابن الأَزْرَقِ، عن الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، عن أَبي هُرَيْرَةَ: كما في الموطأ (١/ ٢٢). وأحمد (٢/ ٣٦١)، وأبي داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي «الصغرى» (٥٩، ٣٣٢)، وابن ماجه (٣٨٦) وغيرهم من طرق عن مالك. وتابع مالكًا (إسحاق بن إبراهيم، وعبد الرحمن بن إسحاق) فروياه عن صفوان عند الحاكم «(١/ ١٤١).\nب - تابع صفوانَ بن سليم، الجلاحُ، واختلف عليه: فرواه أبو النضر ويحيى بن بكير، عن الليث، عن يزيد بن حبيب، عن الجلاح، عن سعيد، عن المغيرة، عن أبي هريرة، كما أخرجه أبو عبيد «الطهور» (ص: ٢٩٤).\nوخالف أبا النضر ويحيى بن بكير قتيبة بن سعيد فرواه عن الليث عن الجلاح، عن المغيرة عن أبي هريرة به، عند أحمد (٢/ ٣٧٨)، وقد اختلف على قتيبة. فرواه النسائي (٥٩) عن قتيبة عن مالك عن صفوان بن سلمة عن المغيرة به. ورواية أبي النضر ويحيى بن بكير أرجح من رواية قتيبة؛ لموافقة رواية مالك.\nج - ورواه محمد بن إسحاق عن يزيد عن الجلاح، عن عبد الله بن سعيد، عن المغيرة، عن أبيه، عن أبي هريرة به. عند الدارمي (٧٢٨).\nوأخرجه البخاري «التاريخ الكبير» (١٥٩٩)، من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق، بدون والد المغيرة.\nوقد روى عن يحيى بن سعيد، عن المغيرة، عن رجل؛ كما في «المستدرك» (١/ ١٤١).\nوروى عنه: عن عبد الله بن المغيرة الكندي، عن رجل، كما في «المعرفة» للبيهقي (١/ ٢٢٩).\nوروى عنه: عن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة، عن رجل كما في «المستدرك» (١/ ١٤١).\nوروى عنه: عن عبد الله بن المغيرة، عن أبيه، في «الآحاد والمثاني» (٢٨١٨).\nوهناك خلافات أخرى عن يحيى بن سعيد، فدل ذلك على أنه غير محفوظ عن يحيى بن سعيد.\nقال البيهقي: معرفة السنن والآثار «١/ ٢٣١»: هَذَا الِاخْتِلَافُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ كَمَا يَنْبَغِي. وَقَدْ أَقَامَ إِسْنَادَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنِ الْجُلَاحِ أَبِي كَثِيرٍ، ثُمَّ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ الْجُلَاحِ، كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. فَصَارَ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ صَحِيحًا، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةِ أَبِي عِيسَى عَنْهُ.\nوقد صحح البخاري والدارقطني والترمذي وابن خزيمة والبيهقي وابن عبد البر والنووي وغيرهم طريق مالك =","vol":"1","page":15},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=عن صفوان عن سعيد بن سلمة عن المغيرة عن أبي هريرة به. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَسَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيح.\nوقال الدراقطني «العلل» (٩/ ١٣): وأشبهها بالصواب قول مالك ومن تابعه عن صفوان بن سليم وقال ابن المنذر: ثابت عن رسول الله كما في «الأوسط» (١/ ٢٤٧). وقال ابن عبد البر «التمهيد» (١٦/ ٢١٩): وهو عندي صحيح؛ لأن العلماء تلقوه بالقبول له والعمل به ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء.\nقال النووي «المجموع» (١/ ١٢٧): هو حديث صحيح. وكذا البيهقي «المعرفة» (١/ ١٥٢)، وكذا ابن خزيمة «صحيحه» (١/ ٥٨ - ٥٩)، وابن حبان (١٢٤٣) وغيرهم.\nوقال ابن دقيق العيد: وهذا الحديث يعل بأربع علل:\nالأولى: جهالة سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة، قالوا: لم يرو عن المغيرة إلا سعيد بن سلمة، ولا سعيد بن سلمة إلا صفوان بن سليم.\nواعترض عليه بأن سعيدًا روى عنه غير صفوان كالجلاح. وقال النسائي: ثقة. والمغيرة وثقه النسائي، وقال أبو داود: معروف. وتصحيح الحديث من البخاري وغيره الضمني لهذا الحديث يوثق هؤلاء الرواة.\nالعلة الثانية: اختلفوا في اسم سعيد بن سلمة، فقيل: هذا، وقيل: عبد الله بن سعيد، وقيل: سلمة بن سعيد.\nواعترض عليه: بأن الصحيح أنه سعيد بن سلمة وغيره خطأ، وهي رواية مالك.\nالعلة الثالثة: الإرسال. واعترض عليه بأن الصحيح أن الرواية متصلة عند مالك.\nالعلة الرابعة: الاضطراب. واعترض عليه بأن الاضطراب يكون مع عدم إمكان الترجيح، والراجح رواية مالك، والحديث صحيح، والله أعلم.","vol":"1","page":16},{"text":"وجه الدلالة: أن ماء البحر ليس بنجس وهو طاهر بلا شك، وسؤال الصحابي من أجل أن يعلم هل هو طهور أم لا؟ فدل ذلك على أن الماء ثلاثة أقسام: طهور وطاهر ونجس.\nواعترض عليه بما قاله شيخ الإسلام (^١): وَقَدْ ثَبَتَ بِسُنَّةِ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَالْبَحْرُ مُتَغَيِّرُ الطَّعْمِ تَغَيُّرًا شَدِيدًا لِشِدَّةِ مُلُوحَتِهِ، فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ مَاءَهُ طَهُورٌ - مَعَ هَذَا التَّغَيُّرِ.\nقلت: فدل ذلك على أن الماء قسمان: طهور ونجس.\nواستدلوا بحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (^٢). فإذا كان الماء الذي غمس فيه ليس بنجس، ولا يمكن التطهر منه، فهذا هو الماء الطاهر، وهو القسم الثالث من أقسام المياه.\nوأما دليلهم من المعقول فقالوا: إن الماء لا يخلو إما أن يجوز الوضوء به أو لا، فإن جاز فهو الطهور، وإن لم يجز فلا يخلو إما أن يجوز شربه أو لا، فإن جاز فهو الطاهر، وإلا فهو\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٦).\n(^٢) البخاري (٦٢)، دون قوله: «ثلاثًا»، ومسلم (٢٧٨).","vol":"1","page":17},{"text":"النجس (^١).\nالقول الآخر: أن الماء قسمان: طهور ونجس، وهو رواية عن الإمام أحمد (^٢).\nواستدلوا لهذا القول بعموم القرآن والسنة:\nأما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦].\nفكلمة (ماء) نكرة في سياق النفي فتعم كل ماء؛ سواء كان مطلقًا أو مقيدًا، مستعملًا أو غير مستعمل، خرج الماء النجس بالإجماع، وبقي ما عداه على أنه طهور (^٣).\nوقد استدل ابن المنذر بالآية على أن الماء قسمان: طهور ونجس، فقال: قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، فالطهارة على ظاهر كتاب الله بكل ماء إلا ما منع منه كتاب، أو سنة، أو إجماع. والماء الذي منع الإجماع الطهارة منه هو الماء الذي غلبت عليه النجاسة بلون، أو طعم، أو ريح (^٤).\nأما دليلهم من السنة: فعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَالنَّتْنُ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ؟ قَالَ: «الْمَاءُ طَهُورٌ، لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (^٥).\n_________\n(^١) «المبدع» (١/ ٣٢).\n(^٢) «المغني» (١/ ٢١)، و«شرح الزركشي» (١/ ١١٩).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٥ - ٢٦).\n(^٤) «الأوسط» (٢/ ٢٦٨).\n(^٥) ضعيف: مدار الحديث على سليط؛ فرواه خالد بن أبي نوف، عن سليط بن أيوب، عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه به. أخرجه أحمد (٣/ ١٥/ ١٦) بإسقاط سليط، والنسائي (٣٢٧)، وخالد بن أبي نوف لين الحديث.\nوسليط بن أيوب لين الحديث، وقد اختلف عليه: فرواه ابن إسحاق، وقد اختلف عليه ألوانًا:\nأ - فروى عن ابن إسحاق، عن سليط، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، عن أبي سعيد به. أخرجه أحمد (٣/ ٨٦)، و«شرح معاني الآثار» (١/ ١١).\nب - وروى عن ابن إسحاق، عن سليط، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع. أخرجه الدارقطني (١/ ٣١).\nج - وروى عن ابن إسحاق، عن سليط، عن عبيد الله بن رافع. أخرجه الطيالسي (٢١٩٩).\nوقد أورد البيهقي الخلاف عن ابن إسحاق، في السنن الكبرى (١/ ٢٥٧) وَقَالَ: يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَلِيطٍ عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ رَافِعٍ كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِىيُّ وَيُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَلِيطٍ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ، وَقِيلَ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الله بن أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ رَافِعٍ. وَقِيلَ: عَنْ سَلِيطٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ عَنْ أَبِيهِ.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٣١٩)، وأبو داود (٦٦)، والنسائي (١/ ١٧٤) وغيرهم من طريق الوليد ابن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله. نقل ابن عبد الهادي «التنقيح» (١/ ٢٠٦) عن الدارقطني «العلل» قال: (وأحسنها إسنادًا حديث الوليد بن كثير عن محمد بن كعب، وحديث ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي سلمة.\nالحاصل: أنه اختلف على ابن إسحاق في الواسطة بين سليط وأبي سعيد: هل هو عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، أو عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع، أو عبيد الله بن عبد الله بن رافع. وكيفما كان؛ فهو لا يُعرف حاله، كما في بيان «الوهم والإيهام» (١٠٥٩).\nوأخرجه الطيالسي (٢١٥٥) من طريق قيس، عن طريف بن سفيان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، وفي إسناده طريف ضعيف. فالحديث ضعيف، وله شواهد لا تخلو من مقال.","vol":"1","page":18},{"text":"في الحديث دلالة على أن الماء طهور لا ينجسه شيء، فهذا هو الماء الطهور الذي يجوز الوضوء به، والماء النجس ثابت بالإجماع، وبقي الماء الطاهر لا دليل عليه، فدل ذلك على أن الماء ينقسم إلى قسمين (طهور ونجس).\nوورد في الصحيحين عن حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ- أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (^١).\nفالماء إذا أضيف إليه السدر لا بد أن يتغير، وإذا كان هذا المتغير بشيء طاهرٍ يطهر الميتَ،\n_________\n(^١) البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦).","vol":"1","page":19},{"text":"فطهارة الحي كطهارة الميت، فما طهر الميت طهر الحي (^١). ومع هذا التغير فهو ماء طهور، ولم يطلق عليه ماء طاهر؛ فدل ذلك على أن الماء قسمان: طهور ونجس.\nوعَنْ أُمِّ هَانِئٍ، قَالَتْ: اغْتَسَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَيْمُونَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ (^٢).\nوجه الدلالة: أن الماء يختلط بالعجين وَتَطَهَّر به النبي ﷺ، وأطلق عليه ماء طهور، وليس بطاهر، فعُلم أن الماء ينقسم إلى قسمين: طهور ونجس.\nوقد وردت أدلة كثيرة من القرآن والسنة تدل على الماء الطهور؛ منها قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقول النبي ﷺ في ماء البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ»، والإجماع ورد بالماء النجس، ولم ترد أدلة تدل على أن هناك قسمًا ثالثًا، وهو الماء الطاهر، والحاجة إلى بيانه مما يُحتاج إليه، فدل ذلك على أن الماء قسمان، وما كان ربك نسيًّا.\n* * *\n_________\n(^١) قال شيخ الإسلام «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٦): ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِغَسْلِ الْمُحْرِمِ بِمَاءِ وَسِدْرٍ. وَأَمَرَ بِغَسْلِ ابْنَتِهِ بِمَاءِ وَسِدْرٍ. وَأَمَرَ الَّذِي أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءِ وَسِدْرٍ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ السِّدْرَ لَا بُدَّ أَنْ يُغَيِّرَ الْمَاءَ، فَلَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ يُفْسِدُ الْمَاءَ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ.\n(^٢) رجاله ثقات: أخرجه أحمد (٦/ ٣٤١ - ٣٤٢)، والنسائي (٢٤٠)، وابن ماجه (٣٧٨) وغيرهم من طرق عن إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ به.\nوقد تابع مجاهدًا كل من يوسف بن ماهك، وعطاء، والمطلب بن عبد الله بن حنطب وغيرهم.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>أقسام المياه من حيث طبيعتها</span>\n<span data-type='title' id=toc-7>القسم الأول: الماء المطلق، وفيه سبعة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-8>المطلب الأول: ماء المطر</span>؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، ولقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١].\n<span data-type='title' id=toc-9>المطلب الثاني: ماء العيون:</span> فعيون الماء إذا لم تتغير أحد أوصافها الثلاثة؛ فيجوز الوضوء والاغتسال والتطهر بمائها لعموم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١]، والينابيع هي عيون الماء.\n<span data-type='title' id=toc-10>المطلب الثالث: ماء الآبار،</span> والآبار: جمع بئر، وهي: ما يحفره الناس للحصول على الماء، كبئر بُضاعة، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَالنَّتْنُ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ؟ قَالَ: «الْمَاءُ طَهُورٌ، لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ».\nفدل ذلك على أن ماء الآبار إذا لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة؛ فهو طهور.\n\n<span data-type='title' id=toc-11>المطلب الرابع: ماء الأنهار:</span> كنهر النيل، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾ [إبراهيم: ٣٢].\n<span data-type='title' id=toc-12>المطلب الخامس: الماء الناتج عن الثلج والبَرَد.</span> ففي البلاد الباردة ينزل الثلج، ثم يتحول إلى ماء فيجوز التطهر به. في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» (^١).\n<span data-type='title' id=toc-13>المطلب السادس: ماء البحار.</span> والبحار: جمع بحر، وهو الماء المتبحر المتسع.\nقال ابن المنذر: أجمعوا على أن الماء الكثير من النيل والبحر ونحو ذلك إذا وقعت فيه نجاسة،\n_________\n(^١) البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨).","vol":"1","page":21},{"text":"فلم تغير له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا، أنه بحاله ويُتطهر منه (^١).\nوقال ابن جزي: الماء المطلق، وهو الباقي على أصله، فهو طاهر مطهر إجماعًا، سواء أكان عذبًا أو مالحًا، أو من بحر أو سماء أو أرض (^٢).\nقلت: وهذا الإجماع منخرم؛ فقد ورد عن ابن عمرو، وأبي هريرة، وابن عمر عدم التطهر بماء البحر (^٣).\n_________\n(^١) «الإجماع» (ص: ٣٣).\n(^٢) «القوانين الفقهية» (ص: ٤٤).\n(^٣) روى ابن أبي شيبة «المصنف» (١/ ١٢٢) بإسناد صحيح عن ابن عمرو قال: (مَاءُ البَحْرِ لَا يُجْزِئ مِنْ وُضُوءٍ). وروى ابن أبي شيبة (١/ ١٢٢) بإسناد صحيح عن ابن عمر، قال: (التَيَمُّمُ أَحَبّ إلىَّ مِنْ الوُضُوءِ بِمَاءِ البَحْرِ). واستدلوا بحديث ابن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إِلَّا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ الله، فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا». وجه الدلالة: إذا كان تحت البحر نار، فلا يكون فيه الطهارة والرحمة؛ فلذا لا يجوز الطهارة بماء البحر.\nواعترض عليه من وجهين:\nالأول: أن الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ؛ فقد أخرجه سعيد بن منصور رقم (٢٣٩٣)، وفي إسناده بشر بن أبي عبد الله الكندي، وبشير بن مسلم، وكلاهما مجهول، وقد حدث اضطراب في إسناده؛ فتارة يرويه بشير، عن ابن عمرو، وتارة يرويه عن بشير، عن رجل، عن ابن عمرو، وتارة عن بشير بلغه عن ابن عمرو. قال ابن عبد البر: هو حديث ضعيف مظلم الإسناد لا يصححه أهل العلم بالحديث؛ لأن رواته مجهولون لا يُعرفون.\nالوجه الثاني: ما قاله ابن قدامة «المغني» (١/ ٢٣): وَقَوْلُهُمْ: \" هُوَ نَارٌ \" إنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ نَارٌ فِي الْحَالِ فَهُوَ خِلَافُ الْحِسِّ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ يَصِيرُ نَارًا، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْوُضُوءَ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ.\nفالحاصل: أن الحديث الوارد لا يصح، وأما الآثار فلا حجة فيها؛ لا سيما إذا خالفت عموم قول النبي ﷺ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ». وقال ابن رشد «بداية المجتهد» (١/ ٧١): وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْمِيَاهِ طَاهِرَةٌ فِي نَفْسِهَا مُطَهِّرَةٌ لِغَيْرِهَا، إِلَّا مَاءَ الْبَحْرِ؛ فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ شَاذًّا، وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِتَنَاوُلِ اسْمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ لَهُ. وقال الزرقاني «شرح الموطأ» (١/ ٥٣).): فَالتَّطْهِيرُ بِهِ حَلَالٌ صَحِيحٌ كَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُالسَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ بِهِ مُزَيَّفٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّهُ أَرَادَ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ عِنْدَهُ.\nويتفرع من ماء البحر:\nالماء المتغير بالملح. فذهب جمهور العلماء إلى أن الماء المتغير بالملح طهور ما دام يسمى ماء لعموم قول النبي ﷺ في ماء البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ». وروى البخارى ومسلم من حديث ابن عباس قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ- أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ». فدل ذلك على أن السدر إن أضيف إلى الماء لا بد أن يتغير به، وإذا كان يتطهر به الميت، فالحي كذلك، وإذا كان السدر إذا أضيف إلى الماء لا يسلب الطهورية؛ فكذا الملح إذا أضيف إلى الماء. وروى أحمد (٦/ ٣٤١) بسند رجاله ثقات عن أم هانئ قالت: اغْتَسَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَيْمُونَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ. إذا كان الماء قد تغير من العجين وتطهر به النبي ﷺ وزوجه؛ دل ذلك على أن الماء إذا تغير بشيء طاهر يبقى طهورًا ما دام يسمى ماءً.","vol":"1","page":22},{"text":"وقد دل على جواز التطهر بماء البحر الكتاب والسنة:\nقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.\nوكلمة: «ماء» نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء سواء كان ماء بحر أو غيره. وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ في ماء البحر، قال: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ».\n\n<span data-type='title' id=toc-14>المطلب السابع: ماء زمزم.</span>\nأي: حكم رفع الحدث، وإزالة الخبث بماء زمزم.\nاختلف العلماء في استعمال ماء زمزم في رفع الحدث وإزالة الخبث على أقوال:\nالقول الأول: ذهب المالكية والشافعية إلى جواز رفع الحدث وإزالة الخبث بماء زمزم، وعند الشافعية إزالة الخبث بماء زمزم خلاف الأَوْلى (^١).\nالقول الثاني: ذهب الحنفية والمشهور عند الحنابلة إلى أنه يُكره استعمال ماء زمزم في رفع\n_________\n(^١) «إعانة الطالبين» (١/ ١٠٧).","vol":"1","page":23},{"text":"الحدث وإزالة الخبث (^١).\nالقول الثالث: يحرم فيهما، وهو قول عند الحنابلة (^٢).\nالقول الرابع: يُكره فيهما (^٣).\nالقول الخامس: يُستحب الوضوء بماء زمزم (^٤).\nالقول السادس: يُكره الغسل دون الوضوء (^٥).\nوالراجح: جواز رفع الحدث وإزالة الخبث بماء زمزم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وهذا ماء طهور، ولا يجوز التيمم مع وجوده.\nوأما مَنْ مَنَع إزالة الخبث ورفع الحدث بماء زمزم؛ فاستدلوا بأنه مبارك ومعظم، وأنه لا يُرفع به الحدث ولا يُزال به الخبث، بل هو للشرب؛ ولذا قال رسول الله ﷺ: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، وإِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» (^٦).\nواعترض عليه بأن الماء الذي نبع من بين أصابع النبي ﷺ ماء مبارك، ومع ذلك توضأ منه النبي ﷺ وأصحابه.\nأما من قال بأنه لا يُزال به الخبث؛ لأن فيه إهانة لماء زمزم، ويُرفع به الحدث؛ لأنه ماء مبارك لاقى بدنًا طاهرًا.\nواعترض عليه بعموم قوله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، وهذا عام في ماء زمزم وغيره.\nوأما مَنْ فَرَّق بين الغسل وبين الوضوء فاستدلوا بما روى عبد الرزاق عن ابن عباس\n_________\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (١/ ١٨٠)، و«الفروع» (١/ ٧٤).\n(^٢) «الفروع» (١/ ٧٤)، و«حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح» (١/ ١٦).\n(^٣) «المغني» (١/ ٢٨).\n(^٤) «الفروع» (١/ ٧٧).\n(^٥) «تصحيح الفروع» (١/ ٧٦).\n(^٦) مسلم (٢٤٧٣).","vol":"1","page":24},{"text":": (إِنَّى لَا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ، وَلَكِنْ هِيَ لِشَارِبٍ - أحسبه قال -: وَمُتَوَضِّئٍ حِلٌّ وَبِلٌّ) (^١).\nواعترض عليه بأنه هذا قول ابن عباس، وقد خالفه غيره من أصحاب النبي ﷺ.\nفبهذا ترجح قول من قال بالجواز؛ لقوة الأدلة، وعدم وجود دليل يمنع من رفع الحدث وإزالة الخبث بماء زمزم. وإذا كان الصحابة توضئوا بالماء المبارك الذي نبع من بين أصابع النبي ﷺ (^٢)؛ فكذا يجوز الوضوء بماء زمزم.\n\n<span data-type='title' id=toc-15>القسم الثاني: الماء المستعمل:</span>\nصور الماء المستعمل:\n\n<span data-type='title' id=toc-16>الصورة الأولى: الماء المنفصل من أعضاء المتوضئ أو المغتسل.</span>\nقال الماوردي: الماء المستعمل في رفع الحدث، وهو ما انفصل من أعضاء المحدث في وضوئه، أو بدن الجنب في غسله.\nفالحاصل: أن ما تقاطر من العضو الذي تتم به الطهارة ماء مستعمل بلا نزاع (^٣).\nالصورة الثانية: إذا غمس يده في إناء بنية رفع الحدث، هل يصير مستعملًا؟ أو انغمس في ماء قليل لرفع الجنابة، هل يصير مستعملًا؟\n_________\n(^١) إسناده صحيح، ولكن ذكر الوضوء فيه على الشك: أخرجه عبد الرزاق «المصنف» (٥/ ١١٤)، عن معمر، قال: أخبرني ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس به. وورد من طرق أخرى عن ابن عباس، كما عند ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٤١) وغيره.\n(^٢) روى البخاري (١٦٩)، ومسلم (٢٢٧٩) من حديث أنس بن مالك، أنه قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّؤوا مِنْهُ. قَالَ: فَرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ ..\n(^٣) «الحاوي» (١/ ٣٠٠)، و«شرح الخرشي» (١/ ٧٤)، وانظر: «البناية شرح الهداية» (١/ ٣٥٢)، و«منح الجليل» (١/ ٣٨)، و«المجموع» (١/ ٢١٥).","vol":"1","page":25},{"text":"ذهب الحنفية إلى أن الجنب إذا انغمس في البئر بنية رفع الحدث، فسد الماء (^١).\nوذهب المالكية إلى أنه إذا غمس يده في إناء بنية رفع الحدث صار مستعملًا، وإن كان أكثر من ذلك لم يكن مستعملًا (^٢).\nوذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا انغمس في ماء دون القلتين صار مستعملًا، وإلا فلا (^٣).\nالصورة الثالثة: وضوء الرجال والنساء من إناء واحد، ووقوع بعض الماء المستعمل في الإناء وما يتعلق من أحكام.\nتفصيل ذلك فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-17>المبحث الأول: حكم الماء المستعمل المنفصل من أعضاء المتوضئ أو المغتسل.</span>\nاختلف أهل العلم في حكم الماء المستعمل على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الماء المستعمل طهور، وبه قال المالكية، ورواية عن الحنابلة (^٤).\nواستدلوا بالقرآن والسنة والمعقول:\nأما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، «ماء» نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواءٌ كان الماء مستعملًا أو غير مستعمل، والله ﷾ أوجب التيمم على من لم يجد الماء.\nوأما دليلهم من السنة: ففي الصحيحين عن عائشة ﵄ قالت: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ\n_________\n(^١) «البحر الرائق» (١/ ٩٥)، و«المبسوط» (١/ ٥٣).\n(^٢) «حاشية الدسوقي» (١/ ٧٥ - ٧٦)، و«الاستذكار» (١/ ٢٥٣).\n(^٣) «المجموع» (١/ ٢١٥)، وقال ابن قدامة في «المغني» (١/ ٣٠٠): إذَا انْغَمَسَ الْجُنُبُ أَوْ الْمُحْدِثُ فِيمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ، صَارَ مُسْتَعْمَلًا، وَلَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِارْتِفَاعِ حَدَثِهِ فِيهِ ..\n(^٤) «الشرح الصغير» (١/ ٣٧)، و«بداية المجتهد» (١/ ٢٧٤)، و«الإنصاف» (٥/ ٣٥).","vol":"1","page":26},{"text":"ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ (^١)». ولا شك أن الإناء لا يسلم من رشاش يقع فيه من أحدهما، وهذا يدل على أن الماء المنفصل من أعضاء المغتسل أو المتوضئ طهور.\nوفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ المَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَانْخَنَسَ مِنْهُ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّ المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ» (^٢) فإذا كان المسلم بدنه طاهرًا لاقى ماء طاهرًا، فالتقاء طاهر بطاهر لا يُفقد الماءَ الطُّهُورية.\nواستدلوا بحديث الرُّبيع، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْتِينَا، فَيُكْثِرُ، فَأَتَانَا فَوَضَعْنَا لَهُ الْمِيضَأَةَ، فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، وَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، مَرَّةً مَرَّةً، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ وَضُوئِهِ فِي يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ (^٣).\nوجه الدلالة: أن النبي ﷺ مسح رأسه - وهو فرض - بالماء المتبقي من غسل يديه، وهو ماء مستعمل بلا شك، استعمل في رفع الحدث.\nواستدلوا بأن الماء المتردد على العضو طهور بالإجماع، مع أنه يمر على أول اليد، ثم يمر على آخرها، ولم يمنع كونه استعمل في أول العضو أن يطهر بقية العضو، وهذا ماء مستعمل بيقين.\nقال ابن حزم: فَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِي أَنَّ كُلَّ مُتَوَضِّئٍ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيَغْسِلُ بِهِ ذِرَاعَيْهِ مِنْ أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ إلَى مِرْفَقِهِ، وَهَكَذَا كُلُّ عُضْوٍ فِي الْوُضُوءِ وَفِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَبِالضَّرُورَةِ وَالْحِسِّ يَدْرِي كُلُّ مُشَاهِدٍ لِذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ قَدْ وُضِّئَتْ بِهِ الْكَفُّ وَغُسِلَتْ، ثُمَّ غُسِلَ بِهِ أَوَّلُ الذِّرَاعِ ثُمَّ آخِرُهُ، وَهَذَا مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ بِيَقِينٍ، ثُمَّ إنَّهُ يَرُدُّ يَدَهُ إلَى الإِنَاءِ وَهِيَ تَقْطُرُ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي طَهَّرَ بِهِ الْعُضْوَ، فَيَأْخُذُ مَاءً آخَرَ لِلْعُضْوِ الآخَرِ، فَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ\n_________\n(^١) البخاري (٢٦١)، ومسلم (٣٢١).\n(^٢) البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١).\n(^٣) ضعيف: أخرجه أحمد (٦/ ٣٥٨)، وأبو داود (١٣٠)، وابن ماجه (٤١٨) وغيرهم، ومدار الحديث على عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد تفرد به، وهو ضعيف.","vol":"1","page":27},{"text":"سَلِيمٍ أَنَّهُ لَمْ يُطَهِّرْ الْعُضْوَ الثَّانِي إلاَّ بِمَاءٍ جَدِيدٍ قَدْ مَازَجَهُ مَاءٌ آخَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي تَطْهِيرِ عُضْوٍ آخَرَ، وَهَذَا مَا لَا مَخْلَصَ مِنْهُ» (^١).\nواستدلوا بأن الماء إذا استعمل في التبرد والتنظيف فهذا الماء المستعمل طهور بالإجماع يجوز الوضوء به.\nقال ابن قدامة: إَنَّ مَا اُسْتُعْمِلَ فِي التَّبَرُّدِ وَالتَّنْظِيفِ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (^٢).\nقلت: فعُلم أن الماء إذا استعمل في التبرد والتنظيف، ولم يرد به رفع الحدث، كان طهورًا بالإجماع، فبأي دليل يخرج عن طهوريته إذا نوى به رفع الحدث؟! وهل النية تُخْرجه عن طهوريته، والنية محلها القلب؟!\nالقول الثاني: ذهب الحنفية، والشافعية، والمشهور عن الحنابلة أن الماء المستعمل طاهر غير طهور (^٣).\nواستدلوا بما ورد في البخاري عن المسور ومروان بن الحكم، قالا: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ زَمَنَ الحُدَيْبِيةَ». .. وفيه: وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ (^٤).\nوفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله، قال: جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ (^٥).\nوروى البخاري عن أبي جحيفة، قال: (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ) (^٦).\nفاستعمال الصحابة وضوء النبي ﷺ والتمسح به دليل على أنه الماء المستعمل طاهر.\n_________\n(^١) «المحلى» (١/ ١٨٤).\n(^٢) «المغني» (١/ ٣٤).\n(^٣) «شرح فتح القدير» (١/ ٨٧)، و«الأم» (٨/ ١٠٠)، و«الإنصاف» (١/ ٣٥، ٣٦).\n(^٤) البخاري (٢٧٣٤).\n(^٥) البخاري (١٩٤)، ومسلم (١٦١٦).\n(^٦) البخاري (١٨٧).","vol":"1","page":28},{"text":"قلت: وما المانع أن يكون طهورًا يرفع به الحدث ويُزَالُ به الخبث؟\nواستدلوا بأن الماء المستعمل طاهر غير طهور بما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» (^١). فنهى النبي ﷺ عن الاغتسال في الماء الدائم حتى لا يصير مستعملًا (^٢)؛ وذلك لأن الاغتسال يؤثر في الماء.\nواعترض عليه بأن قولهم: (حتى لا يصير مستعملًا) ليست علة نص عليها الحديث. ولو قلنا بأن هذه علة في الغسل، فهل يمنع الوضوء من الماء الدائم؟ فدل ذلك على بطلان هذه العلة، ثم إنهم قالوا: لو انغمس في الماء بدون نية رفع الحدث فالماء طهور؛ فهل النية تحول الماء والنية محلها القلب؟! وقد تكون العلة من النهي عن الاغتسال في الماء الدائم أنه قد يبول فيه فيؤثر في الماء.\nواستدلوا بأن النبي ﷺ وأصحابه احتاجوا في أسفارهم الكثيرة إلى الماء، ولم يجمعوا المستعمل لاستعماله مرة أخرى، ولو كان طهورًا لجمعوه؛ لأن التيمم لا يجوز مع وجود الماء (^٣).\nويجاب عنه: بأن الصحابة﴾ كانوا يقتصدون في الوضوء، وقد ثبت من حديث أنس المتفق عليه قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ .... الحديث.\nفكيف يمكن جمع هذا الماء؟! ولو أمكن جمعه لكان في ذلك مشقة، والحرج مرفوع عن هذه الأمة بنص القرآن، كما أن كونه لم يُجمع لا يدل على أنه لا يُتطهر به؛ ولهذا لم يجمعوه للشرب مع طهارته، وحاجتهم للشرب آكد، ولم يجمعوه لغير الشرب كالعجن والطبخ والتبرد، فعدم جمعه ليس دليلًا على عدم طهوريته.\nواستدلوا بأن الماء المستعمل ليس ماء مطلقًا، بل هو مقيد بكونه ماء مستعملًا، والذي يرفع الحدث هو الماء المطلق.\n_________\n(^١) مسلم (٢٨٣).\n(^٢) «المجموع» (١/ ٢٠٦).\n(^٣) «المجموع» (١/ ٢٠٦).","vol":"1","page":29},{"text":"واعترض عليه بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فيشمل الماء المستعمل وغيره. وخرج الماء النجس بالإجماع، وبقي ما عداه.\nواستدلوا بأن الماء استعمل في عبادة واجبة، فلا يمكن أن يستعمل في عبادة أخرى، كالعبد إذا أعتق لا يمكن أن يعتق مرة أخرى.\nواعترض عليه: بأن العبد إذا أعتق صار حرًّا فكيف يعتق مرة أخرى؟!\nالقول الثالث: ذهب أبو حنيفة في رواية إلى أن الماء المستعمل نجس (^١).\nواستدلوا لذلك بالقرآن والسنة:\nأما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة؛ إذ تطهير الطاهر لا يُعقل (^٢).\nواعترض على قولهم: (والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة) من وجوه:\nالأول: أن تجديد الوضوء يطلق عليه طهارة شرعية مع أنه متطهر.\nالثاني: لو كان المحدث نجسًا لما صح حمل النبى ﷺ لأُمَامَةَ في الصلاة؛ فعن أبي قتادة ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُصلي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ الله ﷺ.\nالثالث: المتوضئ لا بد أن يتساقط على ثوبه من الماء المستعمل، ومعنى ذلك أنه سوف تتنجس ثيابه، فهل حَكَم أحد بالنجاسة؟\nالرابع: إنما سُمِّيَ الوضوء والغسل طهارة لرفع الحدث، ولنفي الذنوب، كما صح في الأخبار (^٣).\nأما دليلهم من السنة: فما روى مسلم عن أبي أُمَامَة، قال عمرو بن عَبَسَة السُّلَمِي: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ\n_________\n(^١) «البناية» (١/ ٣٥٠)، و«حاشية ابن عابدين» (١/ ٢٠١).\n(^٢) «البناية» (١/ ٣٥٣، ٣٥٤).\n(^٣) «المغني» (١/ ٤٨).","vol":"1","page":30},{"text":"لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِله، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^١).\nوجه الدلالة: أن الخطايا نجاسات، فيتنجس الماء المستعمل بها؛ ولذا يكون نجسًا.\nواعترض عليه: بأن العبد إذا أذنب لا ينتقض وضوؤه، ولا يقال: إنه تنجس، وأن الذنوب ليست شيئًا حسيًّا يخالط الماء فينجسه.\nقال ابن حزم: وَمَا عَلِمْنَا لِلْخَطَايَا أَجْرَامًا تَحِلُّ فِي الْمَاءِ.\nوقال النووي: وَالْمُرَادُ بِخُرُوجِهَا مَعَ الْمَاءِ الْمَجَازُ وَالِاسْتِعَارَةُ فِي غُفْرَانِهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَجْسَامٍ فَتَخْرُجَ حَقِيقَةً (^٢).\nالدليل الثاني: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَبُلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ» (^٣).\n_________\n(^١) مسلم (٨٣٢).\n(^٢) «شرح مسلم» (٣/ ١٣٣).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢/ ٤٣٣)، وأبو داود (٧٠) وغيرهما من طريق محمد بن عجلان عن أبيه، عن أبي هريرة به. وقد حدث خلاف على ابن عجلان. وقد روى الحديث جماعة من الثقات الأثبات كالأعرج، وابن سيرين، وهمام بن همام وغيرهم بغير هذا اللفظ، كما في الصحيحين وغيرهما.\nقال النووي «المجموع» (١/ ٢٠٤): رَوَاهُ هَكَذَا أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: كَيْفَ يَفْعَلُ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا. فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ خِلَافُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رِوَايَةُ الْحُفَّاظِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.\nوحديث ابن عجلان شطره الأول: «لا يَبُلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» له شواهد في الصحيحين، وثبت في مسلم: «لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» يشهد لقوله: «وَلا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ»، ولكن علة حديث ابن عجلان أنه جمع حديثين في حديث واحد.","vol":"1","page":31},{"text":"وجه الدلالة: أن النهي عن الاغتسال في الماء الدائم جاء مقرونًا بالنهي عن البول فيه، وإذا كان البول ينجسه فكذا الاغتسال.\nواعترض عليه: بأن «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» لو صح فالاشتراك في النهي لا يلزم منه الاشتراك في الحكم. ولهذا أدلة كثيرة منها: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ والأكل للإباحة، ﴿وآتوا حقه﴾ على الوجوب.\nوالراجح: أن الماء المستعمل طهور، يجوز التطهر به إذا أطلق عليه ماء؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، «ماء» نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواءٌ كان الماء مستعملًا أو غير مستعمل، ولم يرد دليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع يُخرج الماء المستعمل من عموم الآية.\nقال ابن المنذر: وَفِي إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ النَّدَى الْبَاقِيَ عَلَى أَعْضَاءِ الْمُتَوَضِّئِ وَالْمُغْتَسِلِ وَمَا قَطَرَ مِنْهُ عَلَى ثِيَابِهِمَا طَاهِرٌ - دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَإِذَا كَانَ طَاهِرًا فَلَا مَعْنَى لِمَنْعِ الْوُضُوءِ بِهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ يَرْجِعُ إِلَيْهَا مَنْ خَالَفَ الْقَوْلَ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-18>الصورة الثانية للماء المستعمل:</span>\n<span data-type='title' id=toc-19>حكم الماء المستعمل من غمس يد القائم من نومه:</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال.\nالقول الأول: أنه إذا غمس القائم من النوم يده في الإناء، فإن الماء ينجس. وبه قال أحمد فى روااة، والطبري (^٢).\nواستدلوا بحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». فنهى النبى ﷺ عن غمس اليد\n_________\n(^١) «الأوسط» (١/ ٢٨٨).\n(^٢) «الإنصاف» (١/ ٣٨)، و«شرح النووي لصحيح مسلم» (٣/ ٢٣١)","vol":"1","page":32},{"text":"لاحتمال أن تكون اليد نجسة.\nواعترض عليه:\nبأن اليد طاهرة، وقوله ﷺ: «فَلَا يَغْمِسْ» تُحمل على الاستحباب والصارف: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»، والشك لا يقضي على اليقين.\nوكون النبي ﷺ أرشد إلى غسل اليد ثلاث مرات قبل غمسها في الإناء - قرينة على أن الغسل ليس بواجب؛ لأن الواجب مرة.\nقال ابن القيم: القول بنجاسته من أشذ الشاذ (^١).\n_________\n(^١) «تهذيب السنن» (١/ ٦٩). وذهب أحمد في رواية والظاهرية إلى أن غسل اليد واجب، واستدلوا بعموم قوله في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا»، والأصل في النهي التحريم.\nواعترض عليه من وجوه:\nالأول: بأن هناك صارفًا للوجوب وهو عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ …﴾ [المائدة: ٦]، ذكرت فرائض الوضوء ولم يذكر فيها غسل اليد، وروى مسلم من حديث عثمان: «مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ».\nالثاني: ما قاله ابن دقيق: الأمر وإن كان ظاهره الوجوب إلا أنه يُصرف عن الظاهر لقرينة، وقد دل الدليل وقامت القرينة، فإنه علل بأمر يقتضي الشك، وهو قوله: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». والقواعد تقتضي أن الشك لا يقتضي وجوبًا في الحكم، إذا كان الأصل المستحب على خلافه موجودًا، والأصل الطهارة في اليد فلتستصحب.\nالثالث: لَمَّا أرشد النبي ﷺ إلى غسل اليد ثلاثًا، عُلم أنه ليس بواجب إذ لو كان واجبًا لكفى غسلة واحدة.\nالرابع: صح أن النبي ﷺ قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ». وإذا كان الاستنثار بعد القيام من النوم سنة بالإجماع، فكذا غسل اليدين بعد القيام من النوم.","vol":"1","page":33},{"text":"القول الثاني: ذهب أحمد في رواية (^١) إلى أن هذا الماء طاهر غير مطهر.\nواستدل لذلك بأن النبي ﷺ نهى عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها، ولولا أن غمسها يؤثر في الماء لم ينه عنه، فإذا نهى عنه دل ذلك على تحول الماء إلى طاهر غير مطهر.\nواعترض عليه بأن الحديث لم يتعرض لحكم الماء، وإنما فيه نهي عن غمس اليد في الماء بعد القيام من النوم، والأصل في الماء أنه طهور.\nالقول الثالث: ذهب جمهور العلماء إلى أن الماء المستعمل في غمس يد القائم من النوم طهور، وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (^٢).\nقال ابن عبد البر: مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ أَوْ مَسَّ فَرْجَهُ أَوْ كَانَ جُنُبًا أَوِ امْرَأَةً حَائِضًا، فَأَدْخَلَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ يَضُرُّهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ في يده نَجَاسَةٌ، كَانَ ذَلِكَ الْمَاءُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَلَا يُدْخِلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا كُلُّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ وَيَأْمُرُونَ بِهِ، فَإِنْ أَدْخَلَ يَدَهُ أَحَدٌ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنْ نَوْمِهِ فِي وَضُوئِهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا وَيَدُهُ نَظِيفَةٌ لَا نَجَاسَةَ فِيهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ وُضُوءَهُ (^٣).\nالراجح: أن من استيقظ من نومه أو مس فرجه، فأدخل يده في وَضُوئِه فليس ذلك يضره، إلا أن يكون في يده نجاسة، وغَسل اليد بعد قيامه من نومه قبل أن يغمسها في الإناء على الاستحباب، وهو قول جمهور العلماء.\n\n<span data-type='title' id=toc-20>الصورة الثالثة للماء المستعمل،</span> وفيه ثلاثة مطالب:\n<span data-type='title' id=toc-21>المطلب الأول: حكم وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد ووقوع بعض الماء المستعمل في الإناء:</span>\nأجمع العلماء على جواز وضوء الرجال جميعًا من إناء واحد، وكذا النساء من إناء واحد، وكذا النساء والرجال جميعًا إذا كانوا من المحارم، وقد نقل الإجماع غير واحد.\n_________\n(^١) «مسائل أحمد رواية أبي داود» (ص: ٩)، و«الإنصاف» (١/ ٣٨).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٠)، و«المنتقى» (١/ ٤٧)، و«الأم» (١/ ٣٩)، و«الفروع» (١/ ٧٩).\n(^٣) «التمهيد» (١٨/ ٢٥٢).","vol":"1","page":34},{"text":"قال ابن حزم: وَاتَّفَقُوا فِي جَوَاز تَوَضُّؤِالرجلَيْن والمرأتين مَعًا (^١).\nقال الترمذي: قول عامة الفقهاء: أنه لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد (^٢).\nوعن عائشة ﵄ قالت: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَاحِدٍ، فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي، دَعْ لِي. قَالَتْ: وَهُمَا جُنُبَانِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-22>المطلب الثاني: وضوء المرأة بفضل الرجل:</span>\nقد نقل الإجماع غير واحد على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل.\nقال النووي: وَأَمَّا تَطْهِيُرُ الْمَرْأَةِ بِفَضْلِ الرَّجُلِ فَجَائِزٌ بِالْإِجْمَاع (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-23>المطلب الثالث: وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة:</span>\nاتفق العلماء على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل، واختلفوا في جواز وضوء الرجل بفضل المرأة إذا خلت بالماء - على أربعة أقوال:\nالقول الأول: يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة، وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (^٥).\n_________\n(^١) «مراتب الإجماع» (١/ ١٨).\n(^٢) وقال الطحاوي «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٦): الأصل المتفق عليه أن الرجل والمرأة إذا أخذا بأيديهما الماء معًا من إناء واحد أن ذلك لا ينجس الماء. وقد نقل الإجماع القرطبي كما في المفهم (١/ ٥٨٣)، وشيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥١).\n(^٣) في الصحيحين، واللفظ لمسلم (٣٢١).\n(^٤) «شرح مسلم» (٤/ ٢)، «المجموع» (٢/ ٢٢١، ٢٢٢). وقد نقل الإجماع ابن عبد البر كما في «التمهيد»، (٢/ ٢١٨) وغيره وقد ورد حديث ظاهره يعارض هذا الإجماع، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ وفيه: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ وهذا الحديث ظاهره الصحة إلا أن الإمام أحمد يضعف الأحاديث الواردة في هذا الباب، والله أعلم.\n(^٥) «شرح معاني الآثار (١/ ٢٦)، و«الاستذكار» (١/ ٣٧٢)، و«الأم» (١/ ٢١)، و«المغني» (١/ ١٣٦).","vol":"1","page":35},{"text":"واستدلوا بما روى مسلم، عن عمرو بن دينار: أكبر علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ (^١).\nواعترض عليه بأن اللفظ المحفوظ عن ابن عباس، عن ميمونة قالت: (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ).\nوعن ابن عباس: أنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ النَّبِىِّ ﷺ اسْتَحَمَّتْ مِنْ جَنَابَةٍ، فَجَاءَ النَّبِىُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ مِنْ فَضْلِهَا فَقَالَتْ: إِنِّى اغْتَسَلْتُ مِنْهُ. فَقَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (^٢).\nفالأصل في الماء أنه طهور، إلا إذا ظهر فيه النجاسات، والماء المتبقي من فضل المرأة\n_________\n(^١) مدار الحديث على عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، واختلف على عمرو:\nفرواه ابن جريج، عن عمرو بن دينار، قال: علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء عن ابن عباس به. أخرجه أحمد (١/ ٣٦٦)، ومسلم (٣٢٣) وغيرهما. ورواه سفيان، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، عن ميمونة قالت: (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ). أخرجه أحمد (٦/ ٣٢٩)، ومسلم (٣٢٢)، والترمذي (٦٢) وغيرهم.\nوأخرجه البخاري (٢٥٠)، فجعله من مسند ابن عباس. وقد أعل الحافظ رواية مسلم، فقال «فتح الباري» (١/ ٣٥٩): أَعَلَّهُ قَوْمٌ لِتَرَدُّدٍ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ؛ حَيْثُ قَالَ: عِلْمِي وَالَّذِي يَخْطِرُ عَلَى بَالِي أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ أَخْبَرَنِي … فَذَكَرَ الحَدِيث، وَقد ورد من طَرِيق أُخْرَى بِلَا تَرَدُّدٍ لَكِنَّ رَاوِيَهَا غَيْرُ ضَابِطٍ، وَقَدْ خُولِفَ. وَالْمَحْفُوظُ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ.\n(^٢) ضعيف: أخرجه أحمد (١/ ٢٨٤) وغيره. ومدار الحديث على سماك، عن عكرمة، واختلف على الرفع والإرسال. وعلى كل فرواية سماك عن عكرمة مضطربة، قاله علي بن المديني. قال النسائي: سماك كان ربما لُقِّن، فإذا انفرد بأصل لم يكن حجة؛ لأنه كان يلقن فيتلقن. وقال أبو داود: سمعت أحمد قال: قال شريك: كانوا يلقنون سماكًا أحاديثه عن عكرمة، يلقنونه عن ابن عباس، فيقول عن ابن عباس، كذا في «مسائل أبي داود» (٢٠١٦). وقد اختلف في السند على الرفع والإرسال. واختلف في متنه فرُوي بلفظ: «إِنَّ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ». وبلفظ: «إِنَّ الْمَاءُ لَا يُنَجَّسُ». وبلفظ: «إِنَّ الْمَاءُ ليسَ عليهِ جَنابة»، وبلفظ: «إنَّ الْمَاءَ لا يُجْنِبُ». وعلى كل فالحديث ضعيف، والله أعلم.","vol":"1","page":36},{"text":"طهور.\nالقول الثاني: ذهب الإمام أحمد في المشهور عنه أنه لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة، ويجوز إزالة النجاسة للرجل ورفع حدث المرأة والصبي (^١).\nواستدل بحديث الحكم بن عمرو الغِفَاري، أن رسول الله ﷺ نَهَى أَنْ يُتَوَضَّأَ الرَّجلُ مِنْ فَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ (^٢).\n_________\n(^١) «الإنصاف» (١/ ٤٨)، و«الفروع» (١/ ٨٣).\n(^٢) أعل بالوقف: مدار الحديث على أبي حاجب، وهو سوادة بن عاصم، واختلف عليه:\nأ - فرواه عاصم الأحول، واختلف عليه: فرواه شعيب عن عاصم، عن أبي حاجب، عن الحكم به، كما أخرجه أحمد (٥/ ٦٦)، ورواه محمد بن بشار، وعمرو بن علي وغيرهما، عن أبي داود الطيالسي، عن عاصم به، أخرجه أبو داود (٨٢)، والنسائي (٣٤٣)، وابن ماجه (٣٧٣) وغيرهم.\nوأخرجه الترمذي (٦٤) قال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود به. إلا أنه شك؛ فقال: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ، أَوْ قَالَ: بِسُؤْرِهَا.\nورواه يونس بن حبيب عند أبي داود الطيالسي عن عاصم به، قال: عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ. فأبهم الصحابي كما عند الطيالسي (١٢٥٢)، وتابع أبو داود الربيع بن يحيى، كما عند الطبراني (٣١٥٦)، وعبد الصمد كما عند أحمد (٤/ ٢١٣) بلفظ:: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ بِفَضْلِهَا، لَا يَدْرِي بِفَضْلِ وَضُوئِهَا، أَوْ فَضْلِ سُؤْرِهَا. ووهب ابن جرير عن أحمد (٤/ ٢١٣) بلفظ: نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ مِنْ سُؤْرِ الْمَرْأَةِ. وأخرجه الطحاوي «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٤) عن عبد الوهاب بن عطاء عن شعبة، ولفظه: بفضل المرأة أو بسؤر المرأة، لا يدري أبو حاجب أيهما قال. (عن فضل المرأة). وقد تابع شعبة سليمان التيمي عند أحمد (٥/ ٦٦)، وقيس بن الربيع عند الطبراني «الكبير» (٣١٥٥) وفيه (عن سؤر المرأة).\nب - ورواه عمران بن حدير، عن أبي حاجب عن الحكم موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٥٣)، وقد قال الترمذي «العلل الكبير» (ص: ٤٠): سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وقال أحمد: يضطربون فيه عن شعبة، وليس هو في كتاب غندر، وبعضهم يقول: عن فضل سؤر المرأة، وبعضهم يقول: فضل وضوء المرأة، فلا يتفقون عليه. انظر التنقيح (١/ ٢١٥).","vol":"1","page":37},{"text":"وعَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ، قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَرْبَعَ سِنِينَ، قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ، وَأَنْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ، وَأَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفُوا جَمِيعًا.\nهذا الحديث إسناده صحيح ولكن فى متنه النهي: (وَأَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ)، وقد أجمع العلماء على جواز تطهير المرأة بفضل الرجل؛ ولذا ضَعَّفَ أحمد أحاديث الباب.\nوعن عبد الله بن سرجس، قال: (نَهَى رَسُولَ الله ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ) (^١). واعترض عليه بأنه ضعيف.\nالقول الثالث: يُكره الوضوء بفضل المرأة، وهو مذهب سعيد بن المسيب، والحسن (^٢)، وهو قول عند الشافعية (^٣).\nواستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ نهى عن الوضوء بفضل المرأة، وتوضأ بفضل ميمونة، وفِعل النبي ﷺ لا يعارض قوله. فإن أَمَرَ بشيء وَتَرَكَهُ دل ذلك على أن الأمر على الاستحباب، وإذا نهى عن شيء وفَعَلَهُ دل ذلك على أن النهي على الكراهة، إلا إذا جاء دليل يدل على الخصوصية؛ كقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، ولما قيل له: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ الله. قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي».\nالقول الرابع: ذهب ابن عمر إلى أنه لا بأس أن يغتسل بفضل المرأة ما لم تكن جنبًا أو\n_________\n(^١) ضعيف، والصحيح فيه الوقف: مدار الحديث على عاصم الأحول واختلف فيه على الوقف والرفع؛ فرواه عبد العزيز بن المختار، عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس مرفوعًا، كما عند الطحاوي «شرح المعاني» (١/ ٢٤)، والدارقطني (١/ ١١٦).\nورواه شعبة عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس موقوفًا عليه، كما أخرجه الدارقطني (١/ ١١٧)، وقال: هذا موقوف صحيح، وهو أَوْلى بالصواب.\nقال البخارى: وحَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ سَرْجِسَ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ مَوْقُوفٌ وَمَنْ رَفَعَهُ فَهُوَ خَطَأٌ. كما في علل الترمذي الكبير (ص: ٤٠) و«سنن البيهقي» (١/ ١٩٢).\n(^٢) روى ابن أبي شيبة (٣٥٧) عن عبدة بن سليمان عن شعبة، عن قتادة، عن ابن المسيب والحسن كانا يكرهان فضل طهورها. أي: المرأة. وإسناده صحيح.\n(^٣) «المجموع» (٢/ ٢٢١)، و«الأوسط» (١/ ٢٩٢).","vol":"1","page":38},{"text":"حائضًا (^١).\nواعترض على هذا القول من وجهين:\nالأول: أنه لم يرد في القرآن والسنة اشتراط أن تكون المرأة حائضًا أو جنبًا.\nالثاني: عموم قول النبي ﷺ لعائشة: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدَيْكِ»، ومعناه أن الأذى في مكان الحيضة، وليس في مواضع الوضوء، فلا دليل على اشتراط الحيض.\nوالراجح: أنه يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل المرأة؛ ذلك لأن الأصل في الماء أنه طهور إلا ما ظهر فيه النجاسات، وفضل المرأة ليس كذلك، وأما الأحاديث الواردة في الباب أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، وأنه ﷺ توضأ بفضل ميمونة؛ فقد قال الإمام أحمد: إنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي مَنْعِ التَّطَهُّرِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَفِي جَوَازِ ذَلِكَ مُضْطَرِبَةٌ (^٢).\nقال ابن عبد البر: وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَتَتَوَضَّأَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِهِ انْفَرَدَتْ بِالْإِنَاءِ أَوْ لَمْ تَنْفَرِدْ، وَفِي مِثْلِ هَذَا آثَارٌ كَثِيرَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ صِحَاحٌ. وَالَّذِي يُذْهَبُ إِلَيْهِ أَنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا ظَهَرَ فِيهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ أَوْ غَلَبَ عَلَيْهَا مِنْهَا، فَلَا وَجْهَ لِلِاشْتِغَالِ بِمَا لَا يَصِحُّ مِنَ الْآثَارِ وَالْأَقْوَالِ، وَالله الْمُسْتَعَانُ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-24>القسم الثالث: الماء المتغير بطول مُكثه:</span>\nقال ابن المنذر (^٤): (أَجْمَعَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الْآجِنِ الَّذِي قَدْ طَالَ مُكْثُهُ فِي الْمَوْضِعِ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ حَلَّتْ فِيهِ جَائِزٌ إِلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) (^٥).\n_________\n(^١) روى مالك «الموطأ» (١/ ٥٢) عن ابن عمر بسند صحيح: (لا بَأْسَ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ مَا لَمْ تَكُنْ حَائِضًا أَوْ جُنُبًا).\n(^٢) «فتح الباري» (١/ ٣٠٠).\n(^٣) «التمهيد» (١٤/ ١٦٥).\n(^٤) «الأوسط» (١/ ٢٥٩).\n(^٥) روى ابن أبي شيبة «المصنف» (١/ ٤٦)، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا ابن عون، عن ابن سيرين أنه كان يَكره الوضوء بالماء الآجن. وسنده صحيح.","vol":"1","page":39},{"text":"وقال ابن تيمية: أما ما تغير بمكثه ومقره، فهو باقٍ على طهوريته باتفاق العلماء (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-25>القسم الرابع: الماء الذي وقعت فيه نجاسة، وفيه ستة مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-26>المبحث الأول: الماء المتغير بممازجة النجاسة:</span>\nأجمع العلماء على أن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت طعمه أو لونه، نجس؛ قليلًا كان أو كثيرًا.\nقال ابن المنذر: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ أَوِ الْكَثِيرَ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَتِ النَّجَاسَةُ الْمَاءَ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا - أَنَّهُ نَجَسٌ مَا دَامَ كَذَلِكَ، وَلَا يَجْزِي الْوُضُوءُ وَالِاغْتِسَالُ بِهِ (^٢).\nقال الشافعي: إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه كان نجسًا، يروى عن النبي من وجه لا يُثبت مثله أهل الحديث، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم اختلافًا (^٣).\nقال الطحاوي: قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ النَّجَاسَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ فَغَلَبَتْ عَلَى طَعْمِ مَائِهَا أَوْ رِيحِهِ أَوْ لَوْنِهِ، أَنَّ مَاءَهَا قَدْ فَسَدَ (^٤).\nقال الباجي: ما تغير بنجاسة خالطته؛ فلا خلاف في نجاسته (^٥).\nقال ابن نجيم: اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة لا تجوز الطهارة به، قليلًا كان الماء أو كثيرًا، جاريًا كان أو غير جارٍ (^٦).\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٦)، وذكر ابن مفلح الإجماع على ذلك، «المبدع» (١/ ٣٦).\n(^٢) «الأوسط» (١/ ٢٦٠).\n(^٣) «الأم» (٨/ ٦١٢).\n(^٤) «شرح معاني الآثار» (١/ ١٢).\n(^٥) «المنتقى» (١/ ٥٩).\n(^٦) «البحر الرائق» (١/ ٧٨) ونَقَلَ الإجماع على ذلك خلق كثير، ولقد روى ابن ماجه (٥٢١) وغيره عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ»، وفي إسناده: رشدين، وهو ضعيف.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>المبحث الثاني: الماء الكثير إذا لاقته نجاسة فلم تغيره:</span>\nالماء الكثير إذا لاقته نجاسة فلم تغيره طهور بالإجماع.\nقال ابن المنذر: أجمعوا على أن الماء الكثير من النيل والبحر ونحو ذلك، إذا وقعت فيه نجاسة، فلم تغير له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا، أنه بحاله يُتطهر منه (^١).\nقال ابن رشد: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ الْمُسْتَبْحِرَ لَا تَضُرُّهُ النَّجَاسَةُ الَّتِي لَمْ تُغَيِّرْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ وَأَنَّهُ طَاهِرٌ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-28>المبحث الثالث: الماء الراكد إذا لاقته نجاسة فلم تغيره:</span>\nاختلف العلماء في الماء الراكد إذا لاقته نجاسة فلم تغيره - على قولين:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الماء إذا كان قليلًا فإنه ينجس وإن لم يتغير، وإذا كان كثيرًا فإنه لا ينجس إلا بالتغير (^٣).\nواستدلوا بحديث ابن عمر، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» (^٤).\n_________\n(^١) «الإجماع» (ص: ٣٣)، و«الأوسط» (١/ ٢٦١)\n(^٢) «بداية المجتهد» (١/ ٢٤٥)، ونقل الإجماع ابن الهمام «شرح فتح القدير» (١/ ٧٧ - ٧٨)، وأبو الوليد بن رشد «مواهب الجليل» (١/ ٥٣)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٩/ ١٠٨)، والطبري، وابن حزم، وابن قدامة، وابن تيمية وغيرهم كثير.\n(^٣) وبه قال الحنفية، والشافعية، وقول عند الحنابلة، كما في «شرح «فتح القدير» (١/ ٧٠)، و«الأم» (١/ ١٨)، و«الكافي» (١/ ٨).\n(^٤) هذا الحديث قد اختلف في سنده ومتنه:\nأولًا: السند. فمدار الحديث على الوليد، واختلف عليه:\nأ - فرواه أبو أسامة عن الوليد، عن محمد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر به. أخرجه أبو داود (٦٣).\nب -عن الوليد، عن محمد بن جعفر، عن عبيد الله، عن ابن عمر به. أخرجه النسائي (٣٢٨).\nج - ورواه محمد بن إسحاق عن الوليد، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله، عن ابن عمر به. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٣) وغيره. وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث.\nد - وعن الوليد، عن محمد بن جعفر، ومحمد بن عباد، عن عبد الله، عن ابن عمر به. أخرجه أبو داود (٦٣).\nوللاختلاف في هذا الحديث فقد حكم عليه ابن المبارك، وابن عبد البر، وابن العربي، وابن القيم بالاضطراب، كما في «الأوسط» (١/ ٢٧١)، و«التمهيد» (١/ ٣٣٥)، و«عارضة الأحوذي» (١/ ٨٤)، و«تهذيب السنن» (١/ ٦٢). وقد رجح أبو داود (٦٣) طريق أبي أسامة عن الوليد عن محمد بن جعفر، عن عبد الله، عن أبيه.\nثانيًا: الخلاف في المتن.\n١ - رُوِى الحديث: «إذا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الخَبَثَ».\n٢ - ورُوِى: «إذا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ أو ثلاثًا …» على الشك. وهذه الرواية من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، واختلف على حماد فرواه جماعة على الشك. مثل: (وكيع، ويزيد بن هارون، وعفان … وغيرهم)، كما عند أحمد (٢/ ٢٣، ١٠٧)، وابن ماجه (٥١٨)، والدارقطني (١/ ٢٢)، وغيرهم. وخالفهم جماعة، مثل: (موسى بن إسماعيل والطيالسي، وغيرهما)، عن حماد به بدون شك.\nقلت: لعل هذا الشك من قِبل حماد؛ لأنه رواه عنه الثقات على كلا الوجهين. قال البيهقي «السنن» (١/ ١٦٢): ورواية الجماعة الذين لم يشكوا أَوْلى.\n٣ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ أَرْبَعِينَ قُلَّةً فَلَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ».\nأخرجه ابن عدي «الكامل» (٦/ ٣٤)، والدارقطني (١/ ٢٦)، وفي إسناده: القاسم بن عبد الله العمري: متروك. وعن أبي هريرة موقوفًا: (إِذَا كَانَ الْمَاءُ أَرْبَعِينَ قُلَّةً فَلَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ). أخرجه أبو عبيد «الطهور» (ص: ٢٣١). وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف. فاللفظ الصحيح: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ».","vol":"1","page":41},{"text":"فمنطوق هذا الحديث: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ»، ومفهومه: (أن الماء إذا كان دون قلتين يحمل الخبث، ولو كان الماء لا ينجس إلا بالتغير لم يكن لتحديد القلتين فائدة.\nواعترض عليه بأن مفهوم الحديث: «إن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث» إذا سقطت فيه","vol":"1","page":42},{"text":"النجاسة ولم تغيره، وبأن منطوق: «إن الْمَاء لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» بالرغم مما يلقى فيها من النتن ولم يغير أوصافه الثلاثة، وهذا سيشمل القليل والكثير، وإذا تعارض المفهوم والمنطوق، قُدم المنطوق على المفهوم، والمعنى الصحيح للحديث: أنه إذا كان الماء قليلًا دون القلتين فإن أقل نجاسة تغيره ويحمل الخبث، وإذا كان أكثر من قلتين فإنه يكون له القدرة على مدافعة النجاسة، والأصل في الماء قليلًا كان أو كثيرًا أنه لا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة.\nواستدلوا بأن الماء الراكد إذا لاقته نجاسة فإنه ينجس وإن لم يتغير؛ لما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ».\nففي الحديث نهي عن الاغتسال في المال الدائم الذي بال فيه وقد يتغير وقد لا يتغير، فلما يشترط التغير، دل ذلك على أن الماء إذا كان قليلًا فإنه لا يشترط التغير.\nواعترض عليه بأن النبي ﷺ نهى عن الاغتسال في الماء الدائم الذي بال فيه؛ لأنه ينجس بذلك، وكذلك لأنه قد يوسوس من اغتسل في الماء الذي يبول فيه.\nوأما الظاهرية فأخذوا بظاهر النص بمنع البول في الماء الراكد، وجوزوا أن يبول في إناء ثم يُصب في الماء. قال النووي: وهذا مذهب عجيب وفي غاية الفساد.\nواستدلوا بما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ» (^١).\n_________\n(^١) زيادة (فليرقه) شاذة؛ فمدار الحديث على الأعمش، واختلف عليه:\n١ - فرواه علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي رزين، وأبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ به.\nوخالف علي بن مسهر جماعة فرووه بدون زيادة: فليرقه، فرواه: إسماعيل بن زكريا عند مسلم (٢٧٩)، وأبو معاوية عند أحمد (٢/ ٢٥٣)، وعبد الرحمن بن حميد عند الطبراني «الصغير» (١/ ١٦٤) وغيرهم، كلهم رووه عن الأعمش، عن أبي رزين، وأبي صالح، عن أبي هريرة به، بدون زيادة: فليرقه.\nورواه (أبو أسامة عند ابن أبي شيبة (١٤/ ٢٠٤)، وجرير عند إسحاق بن راهويه (١/ ٢٨٣)، وأبان بن تغلب عند الطبراني «المعجم الصغير» (٢/ ١٤٩) وغيرهم، كلهم رووه عن الأعمش، عن أبي رزين، عن أبي هريرة بدون زيادة: فليرقه، فهؤلاء (إسماعيل بن زكريا، وأبو معاوية، وشعبة، وأبو أسامة، وجرير، وحفص بن غياث وغيرهم من الثقات الأثبات - رووا الحديث عن الأعمش بدون زيادة: فليرقه، وخالفهم: علي بن مسهر فتفرد بزيادة: فليرقه، فهي شاذة، قال النسائي «السنن» (١/ ٥٣): لا أعلم أحدًا تابع على بن مسهر على قوله: فليرقه، قال ابن عبد البر «التمهيد» (١٨/ ٢٧٣): وأما هذا اللفظ من حديث الأعمش (فليهرقه) فلم يذكره أصحاب الأعمش الثقات الحفاظ، مثل شعبة وغيره. وقال الحافظ في ترجمة علي بن مسهر: ثقة له غرائب بعد أن أضر. قلت: لعل هذه من غرائبه.\nومما يدل على شذوذ هذه الرواية رواية جماعة عن أبي هريرة من غير طريق الأعمش، بدون زيادة: فليرقه، منهم: محمد بن سيرين عند مسلم (٢٧٩) وغيره، والأعرج عند مسلم (٢٧٩)، وأحمد (٢/ ٢٤٥) وهمام بن منبه عند مسلم (٢٧٩)، وأحمد (٢/ ٣١٤) وغيرهما، وعبد الرحمن بن أبي عمرة عند أحمد (٢/ ٣٦٠) وغيره، وأبو سلمة عند عبد الرزاق (٣٣٥) وغيره، وأبو رافع عند النسائي «الصغرى» (٣٣٨) وغيره، وعطاء بن يسار عند الطبراني «الأوسط» (٣٧١٩)، وعبيد بن حنين عند أحمد (٢/ ٣٩٨)، وثابت مولى عبد الرحمن بن زيد عند عبد الرزاق (٣٣٥)، وأحمد (٢/ ٢٧١) وغيرهما، والحسن عند الدارقطني (١/ ٦٤)، كل هؤلاء بدون زيادة: فليرقه، فهذه الزيادة بلا شك شاذة، والله أعلم.","vol":"1","page":43},{"text":"وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بغسل الإناء وإراقة الماء بمجرد ولوغ الكلب، ولم يرد أنه فرق بين الماء إذا تغير أو لم يتغير.\nواعترض عليه بأن الماء الذي في الإناء وولغ فيه الكلب ينجس وهو يتغير حتمًا.\nالقول الثاني: ذهب مالك في رواية، وأحمد في رواية إلى أن الماء القليل والكثير لا ينجس إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه (^١).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، والماء إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره فهو باقٍ على صفته، فيصح الوضوء به.\nواستدلوا بعموم ما رُوِى عن النبي ﷺ، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِىِّ\n_________\n(^١) «المدونة» (١/ ١٣٢)، و«المغني» (١/ ٣١)، و«الأوسط» (١/ ٢٦٦).","vol":"1","page":44},{"text":"ﷺ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَوَضَّأُ مِنْهَا وَهِي يُلْقَى فِيهَا مَا يُلْقَى مِنَ النَّتْنِ؟! فَقَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»، أي: إن الماء سواء كان كثيرًا أو قليلًا ولم يتغير أحد أوصافه الثلاثة فلا ينجسه شيء، وهو طهور. واعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nواستدلوا بما روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: «دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ: ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (^١).\nوجه الدلالة: ما قاله الباجي (^٢): وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ قَلِيلَ الْمَاءِ يُنَجِّسُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ، وَهَذَا مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَرْفَعُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِبُ تَطْهِيرُهَا وَقَدْ حَكَمَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِصَبِّ دَلْوٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى مَا نَجُسَ مِنْهُ بِالْبَوْلِ، وَلَا مَعْنَى لَهُ إلَّا تَطْهِيرُهُ لِلْمُصلِّانَ فِيهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-29>المبحث الرابع: الماء المتغير بمجاورة نجاسة:</span>\nلو تغير الماء بمجاورة نجاسة كجيفة بقربه فإنه طهور، وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك.\nقال النووي: لَوْ تَغَيَّرَ المَاءُ بِجِيفَةٍ بِقُرْبِهِ - يَعْنِي جِيفَةً مُلْقَاةً خَارِجَ الْمَاءِ قَرِيبَةً مِنْهُ- وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا تَضُرُّ الْجِيفَةُ قَطْعًا بَلْ الْمَاءُ طَهُورٌ بِلَا خِلَافٍ (^٣).\nقال الحطاب: الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ بِمُجَاوِرَةِ شَيْءٍ لَهُ فَإِنَّ تَغَيُّرَهُ بِالْمُجَاوِرَةِ لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُجَاوِرُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْمَاءِ أَوْ مُلَاصِقًا لَهُ. فَالْأَوَّلُ كَمَا لَوْ كَانَ إلَى جَانِبِ الْمَاءِ جِيفَةٌ أَوْ عَذِرَةٌ أَوْ غَيْرُهُمَا فَنَقَلَتِ الرِّيحُ رَائِحَةَ ذَلِكَ إلَى الْمَاءِ فَتَغَيَّرَ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٠).\n(^٢) «المنتقى» (١/ ١٢٩).\n(^٣) «المجموع» (١/ ١٥٥).\n(^٤) «مواهب الجليل» (١/ ٥٤).","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type='title' id=toc-30>المبحث الخامس: الماء المسخن بنجاسة:</span>\nاختلف أهل العلم في الماء المسخن بنجاسة على قولين:\nالأول: ذهب الحنفية والشافعية إلى أن الماء المسخن بنجاسة طهور (^١).\nالثاني: ذهب المالكية إلى كراهة الماء المسخن بالنجاسة (^٢).\nوالراجح: أن الماء المسخن بالنجاسة طهور؛ لأنه لم تقع نجاسة تغيره، والروث النجس إذا تحول إلى دخان أصبح له حكم الدخان، والدخان كله طاهر، دل على ذلك حديث جابر ﵁: إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» (^٣).\nوجه الدلالة: إن شحوم الميتة إن كانت نجسة بالإجماع، فإنه يجوز الانتفاع بها في الوقود، ومعنى: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» هو أنه لا يجوز بيعها، مع جواز الانتفاع بها في الوقود.\n\n<span data-type='title' id=toc-31>المبحث السادس: الماء المسخن بالشمس:</span>\nاختلف أهل العلم في الماء المسخن بالشمس على قولين:\nالقول الأول: أن الماء المسخن بالشمس طهور غير مكروه، وهو قول بعض المالكية، وبعض الشافعية، والحنابلة (^٤).\nوالأصل في الماء المسخن بالشمس أنه طهور، وليس هناك دليل على الكراهة.\n_________\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٨٠)، و«المجموع» (١/ ١٣٧).\n(^٢) «مواهب الجليل» (١/ ٨٠)، واختلفت الرواية عن أحمد. انظر: «شرح منتهى الإرادات» (١/ ١٦)، و«المغني» (١/ ٢٩).\n(^٣) البخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١).\n(^٤) «مواهب الجليل» (١/ ٧٨)، و«الإنصاف» (١/ ٢٤)، وهو قول النووي.","vol":"1","page":46},{"text":"القول الآخر: ذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية (^١) إلى كراهية الماء المسخن بالشمس.\nواستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:\nأما دليلهم من السنة: فعَنْ عَائِشَةَ ﵄ قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رسول الله ﷺ وَقَدْ سَخَّنَتْ مَاءً فِي الشَّمْسِ، فقال: «لَا تَفْعَلِي هَذَا يَا حُمَيْرَاءُ فَإِنَّهُ يُوَرِّثُ الْبَرَصَ» (^٢). واعترض عليه بأنه لا يصح.\nأمادليلهم من المأثور: فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ الِاغْتِسَالَ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ وَقَالَ: إنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ (^٣). واعترض عليه بأنه لا يصح عن عمر.\nفالراجح: أن الماء المسخن بالشمس طهور من غير كراهة.\n\n<span data-type='title' id=toc-32>القسم الخامس: الماء أو الثوب المشكوك فيه: وفيه مبحثان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-33>المبحث الأول: في حكم الماء إذا كان مشكوكًا فيه.</span>\nإذا تيقن طهارة الماء وشك هل وقعت فيه نجاسة، أو تيقن نجاسة الماء وشك في نقيضه، هل يبنى على اليقين أو على الشك؟\nذهب جمهور العلماء إلى أنه يبنى على اليقين، وهو مذهب الحنفية، والشافعية،\n_________\n(^١) «البحر الرائق» (١/ ٣٠)، و«منح الجليل» (١/ ٤٠)، وقال الشافعي «الأم» (١/ ١٦): ولا أكره الماء المشمس إلا من جهة الطب.\n(^٢) موضوع: مدار الحديث على هشام، عن أبيه، عن عائشة به، ويرويه عن هشام خالد بن إسماعيل عند الدارقطني (١/ ٣٨)، وقال: غريب جدًّا، وخالد بن إسماعيل متروك. وتابع خالدًا الهيثم بن عدي، كما في «الموضوعات» لابن الجوزي (٢/ ٧٩)، ووهب بن وهب وهو كذاب كما في «المجروحين» ابن حبان (٣/ ٧٥)، ومحمد بن مروان السدي كما في «مجمع البحرين» (١/ ٣١١)، ومحمد بن مروان متروك.\nورواه الدارقطني (١/ ٣٨)، وفي إسناده عمرو بن محمد منكر الحديث.\n(^٣) ضعيف جدًّا: أخرجه الشافعي «الأم» (١/ ٣)، وفي إسناده إبراهيم بن يحيى: كذاب.","vol":"1","page":47},{"text":"والحنابلة (^١).\nقال ابن رجب: إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ أَوْ النَّجَاسَةَ فِي مَاءٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ بَدَنٍ وَشَكَّ فِي زَوَالِهَا، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الأَصْلِ إلَى أَنْ يَتَيَقَّنَ زَوَالَهُ، وَلَا يَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ وَلَا غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَيَقَّنَ حَدَثًا أَوْ نَجَاسَةً وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُهَا فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الأَصْلِ (^٢).\nقلت: كذلك لو شك في طلوع الفجر، فإنه يأكل حتى يستيقن، ولو شك في عدد الطواف، أو عدد الطلاق، أو الركعات، ففي كل ذلك يعمل باليقين ويطرح الشك.\nوقد خالف المالكية في ذلك؛ ففي «تهذيب المدونة»: ولو أيقن بالوضوء، ثم شك في الحدث، فلم يدر أأحدث بعد الوضوء أم لا، فليُعد وضوءه (^٣).\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، فيمن أيقن الوضوء وشك في الحدث وهو في الصلاة أنه لا يعيد وضوءه، وأن وضوءه صحيح، ويبني على اليقين؛ لما ورد في الصحيحين عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الرَّجُلَ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «لَا يَنْفَتِلْ أَوْ: لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (^٤).\nقال الدسوقي: مَنْ شَكَّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ طَرَأَ عَلَيْهِ الشَّكُّ فِيهَا بَعْدَ دُخُولِهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ عَنْهَا إلَّا بِيَقِينٍ، وَمَنْ شَكَّ خَارِجَهَا طَرَأَ عَلَيْهِ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إلَّا بِطَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-34>المبحث الثاني: إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة أو محرمة:</span>\nاختلف أهل العلم فيما إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة:\nالقول الأول: ذهب الحنفية، وبعض المالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد: أنه إذا\n_________\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (١/ ١٨٦)، و«المجموع» (١/ ٢١٩)، و«كشاف القناع» (١/ ١٣٢).\n(^٢) «القواعد» (ص: ٣٣٩، ٣٤٠).\n(^٣) «تهذيب المدونة» (ص: ١٨١).\n(^٤) البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١).\n(^٥) «حاشية الدسوقي» (١/ ١٢٤).","vol":"1","page":48},{"text":"اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة أنه يتحرى (^١).\nقال الشافعي: وَإِنْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ أَحَدُهُمَا طَاهِرٌ وَالْآخَرُ نَجِسٌ وَلَا يَعْرِفُهُ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ فَيُصَلِّي فِيهِ وَيُجْزِئُهُ. وإذا كان من صلى في ثوب نجس لم يعلم إلا بعد الصلاة، لم يُعد، والرسول ﷺ صلى وفي نعليه أذى ولم يُعد، فإن تحرى فهو أَوْلَى (^٢).\nقال شيخ الإسلام: لأن اجتناب النجاسة من باب الترك ولهذا لا تُشترط له النية، ولو صلى في ثوب لا يعلم نجاسته ثم علمها بعد الصلاة لم يُعد، فإن اجتهد فقد صلى في ثوب يغلب على الظن طهارته، وهذا هو الواجب عليه لا غير (^٣).\nالقول الثاني: ذهب المالكية في قول، والمشهور من مذهب أحمد إلى أنه يصلي بعدد الثياب النجسة أو المحرمة، ويزيد صلاة (^٤).\nقال ابن قدامة: وَإِنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِنَجِسَةِ، لَمْ يَجُزِ التَّحَرِّي وَصَلَّى فِي كُلِّ ثَوْبٍ بِعَدَدِ النَّجِسِ، وَزَادَ صَلَاةً (^٥).\nواستدلوا لذلك بأنه أمكنه أداء فرضه بيقين من غير حرج فلزمه، بخلاف مَنْ تحرى فقد يخطئ، والعمل بالظن مع إمكان اليقين لا يجوز.\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء وهو التحري. وأما قول من قال: إنه يصلي بعدد الثياب النجسة ويزيد صلاة؛ لأنه يقينًا يكون صلى في ثوب طاهر، فهذا أحوط إذا لم يكن هناك مشقة، فإذا كانت ثَمّ مشقة فقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الأحزاب: ٧٨].\n_________\n(^١) «المبسوط» (١٠/ ٢٠٠)، و«المنتقى» (١/ ٦٠)، و«المجموع» (١/ ١٥١)، و«الإنصاف» (١/ ٧٧).\n(^٢) «الأم» (٨/ ١١١).\n(^٣) «بدائع الفوائد» (٣/ ٧٧٦).\n(^٤) «التفريع» (١/ ٢٤١)، و«الفروع» (١/ ٦٦)، و«الإنصاف» (١/ ٧٧).\n(^٥) «المغني» (١/ ٨٢).","vol":"1","page":49},{"text":"وذهب أبو ثور إلى أنه يصلي عريانًا (^١)، واستدل بأن الثوب النجس كالمعدوم.\nواعترض عليه بما قاله ابن القيم: وقول أبي ثور فى غاية الفساد، فإنه لو تيقن نجاسة الثوب لكانت صلاته فيه خيرًا وأحب إلى الله من صلاته عريانًا بادي السوءة للناظرين (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-35>القسم السادس: الماء الحرام، وفيه مبحثان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-36>المبحث الأول: الوضوء بالماء المحرم:</span>\nإذا سرق رجل من غيره أو غصب ماءً فتوضأ به، هل يصح وضوءه؟\nذهب جمهور العلماء إلى أن من سرق ماءً فتوضأ به آثم، ويرتفع حدثه، ويُزال خبثه، واستدلوا لذلك بأن الجهة منفكة، فهو قد تطهر طهارة صحيحة، وعليه إثم الغصب أو السرقة، وهذا قول الحنفية، والمالكية، والشافعية (^٣).\nوذهب الحنابلة في المشهور إلى أنه لا يصح الوضوء بالماء المسروق أو المغصوب (^٤).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^٥).\nقال ابن حزم: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُ الله تَعَالَى وَأَمْرُ رَسُولِ الله ﷺ فَهُوَ مَرْدُودٌ بِحُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ، والوضوء بالماء المغصوب خلاف أمر الله ورسوله فهو مردود غير مقبول (^٦).\nواستدلوا بما رُوِى عَنْ عَطَاءِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُصلي وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزَارَهُ إِذْ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ»، قَالَ: فَذَهَبَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ أَمَرْتَهُ يَتَوَضَّأُ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ يُصلى وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزَارَهُ وَإِنَّ الله ﷿ لَا يَقْبَلُ\n_________\n(^١) «الأوسط» (٢/ ١٦٦).\n(^٢) «إغاثة اللهفان» (١/ ١٧٦).\n(^٣) «تبيين الحقائق» (١/ ٤٨)، و«حاشية الدسوقي» (١/ ١٤٤)، و«المجموع» (٢/ ٢٩٥).\n(^٤) «الإنصاف» (١/ ٢٨)، و«المبدع» (١/ ٤٠).\n(^٥) مسلم (١٧١٨).\n(^٦) «المحلى» (١/ ٢٠٧ - ٢٠٨).","vol":"1","page":50},{"text":"صَلَاةَ عَبْدٍ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ» (^١).\nواعترض عليه بأن هذا الحديث منكر؛ لأنه إذا كان الله لم يقبل صلاة مسبل إزاره، فلماذا أمره بإعادة الوضوء وهو لم يُحدث؟\nالراجح: أن الماء المغصوب تصح الطهارة به مع الإثم، فجهة المنع من قِبل الغصب لا من قِبل الطهارة، ولا يكون النهي مقتضيًا لفساد المنهي عنه إلا إذا عاد النهي إلى ذات العبادة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-37>المبحث الثاني: الوضوء من بئر ثمود:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز الوضوء من بئر ثمود (^٢).\nواستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين عن ابْنِ عُمَرَ ﴿، أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْضَ ثَمُودَ الحِجْرَ، وَاسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا، وَاعْتَجَنُوا بِهِ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا، وَأَنْ يَعْلِفُوا الإِبِلَ العَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ البِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ (^٣).\nوجه الدلالة: أَمْره ﷺ بإراقة ما سقوا، وعلف العجين للدواب، دل ذلك على نجاسة الماء.\nواعترض عليه بأن هذا ماء سخط وغضب، وليس ماءً نجسًا.\n_________\n(^١) منكر: أخرجه أحمد (٤/ ٦٧) من طريق هشام عن يحيى، عن أبي جعفر، عن عطاء به، ورواه النسائي «الكبرى» (٩٧٠٤) مختصرًا بلفظ: «إِنَّهُ لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ رَجُلٍ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ»، وأخرجه أبو داود (٦٣٨) من طريق موسى بن إسماعيل، عن أبان، عن يحيى، عن أبي جعفر، عن عطاء، عن أبي هريرة، فسمى الصحابي، وعلى كل فمدار الحديث على أبي جعفر المدني، قال ابن القطان: مجهول. وفي «التقريب»: مقبول، ومن زعم أنه محمد ابن علي بن الحسين فقد وهم.\n(^٢) «حاشية الدسوقي» (١/ ٣٤)، و«مواهب الجليل» (١/ ٤٩)، و«المجموع» (١/ ١٣٧)، و«مغني المحتاج» (١/ ٢٠)، و«مطالب أولي النهى» (١/ ٣٢).\n(^٣) البخاري (٣٣٧٩)، ومسلم (٢٩٨١).","vol":"1","page":51},{"text":"وذهب الشافعية في قول إلى أن الوضوء من بئر ثمود مكروه (^١).\nوالراجح: أن ماء بئر ثمود طهور؛ لأنه باقٍ على خلقته، ولكن النبي ﷺ قد أمرهم أن يهريقوا ما استقوا من بئرها؛ لأنه ماء سخط وغصب، والماء طهور، ولكن لا يجوز الوضوء منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-38>القسم السابع: الوضوء بالمائع غير الماء، وفيه مبحثان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-39>المبحث الأول: حكم الطهارة بالنبيذ.</span>\nذهب جمهور العلماء (^٢) إلى أن الحدث لا يُرفع بالنبيذ ولا غيره من المائعات إلا الماء، وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، ولكن ورد خلاف في المسألة.\nقال ابن المنذر (^٣): أجمع العلماء على أن الحدث لا يُرفع بسائل آخر غير الماء كالزيت. قال الغزالي: والطهورية مُخْتَصَّة بِالْمَاءِ من بَين سَائِر الْمَائِعَات، أما فى طَهَارَة الْحَدث فبالإجماع.\nواستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.\nقال النووي: فأحالنا إلى التيمم عند عدم الماء، ولم ينقلنا إلى سائل آخر (^٤).\nوذهب أبو حنيفة في رواية أنه يتوضأ بالنبيذ إن لم يجد غيره (^٥).\nوذهب محمد بن الحسن إلى أنه يتوضأ بالنبيذ ويتيمم إن لم يجد غيره (^٦).\nواستدلوا لذلك بحديث ابن مسعود: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ لَقِيَ الْجِنَّ، فَقَالَ: «أَمَعَكَ مَاءٌ؟» فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ: «مَا هَذَا فِي الإِدَاوَةِ؟» قُلْتُ: نَبِيذٌ. قَالَ: «أَرِنِيهَا، تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ\n_________\n(^١) «المجموع» (١/ ١٣٧).\n(^٢) «تبيين الحقائق» (١/ ٣٥)، و«المدونة» (١/ ١١٤)، و«الأم» (١/ ٧)، و«مسائل أحمد رواية عبد الله» (١/ ٢٢)، و«المغني» (١/ ٢٣).\n(^٣) «الأوسط» (١/ ٢٥٣).\n(^٤) «المجموع» (١/ ١٤٠).\n(^٥) «المبسوط» (٢/ ٩٠)، و«بدائع الصنائع» (١/ ١٥).\n(^٦) «البناية» (١/ ٤٦٤)، و«فتح القدير» (١/ ١١٨ - ١١٩)، و«بدائع الصنائع» (١/ ١٥).","vol":"1","page":52},{"text":"طَهُورٌ» فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ صَلَّى بِنَا (^١).\nواعترض عليه بأنه لا يصح، ولا يجوز رفع الحدث بالنبيذ، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-40>المبحث الثاني: حكم المائع غير الماء الذي تخالطه النجاسة:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن النجاسة إذا خالطت مائعًا كفأرة وقعت في سمن فإنه يتنجس، ولا فرق بين القليل والكثير والمتغير وغير المتغير (^٢).\nواستدلوا بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (١/ ٤٠٢)، والترمذي (١/ ٤٢٢)، وابن ماجه (٣٨٤) وغيرهم. قال ابن عدي: وَهَذَا الْحَدِيثُ مَدَارُهُ عَلَى أَبِي فَزَارَةَ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ مَوْلَى عَمْرو بْنِ حُرَيْثٍ، عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأَبُو زيد مولى عَمْرو بن حريث مَجْهُولٌ، ولَا يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهو خِلافُ الْقُرْآنِ، وقال ابن حبان «المجروحين» (٣/ ١٥٨): أَبُو زيد يروي عَنْ ابن مَسْعُود مَا لم يُتَابع عَلَيْهِ، لَيْسَ يدْرِي من هُوَ لَا يُعرف أَبوهُ وَلَا بَلَده، وَالْإِنْسَان إِذا كَانَ بِهَذَا النَّعْت ثمَّ لم يرو إِلَّا خَبرًا وَاحِدًا خَالف فِيهِ الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَالنَّظَر والرأي - يسْتَحق مجانبته فِيهَا وَلَا يحْتَج بِهِ.\nوقال ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٤٤ - ٤٥): وسألتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ حديثِ ابنِ مَسْعُودٍ فِي الوُضُوء بالنَّبيذِ، فَقَالا: هَذَا حديثٌ لَيْسَ بِقَويٍّ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ غيرُ أبي فَزَارَةَ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، وحمَّادِ بنِ سَلَمة، عَنْ علي بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وعليُّ بْنُ زَيْدٍ لَيْسَ بِقَويٍّ، وَأَبُو زَيْدٍ شيخٌ مَجْهُولٌ لا يُعْرَف، وعَلْقَمَةُ يَقُولُ: لَمْ يكنْ عبدُ الله مع النبي ﷺ ليلةَ الجِنِّ، فوَدِدتُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ. قلتُ لَهما: فإنَّ معاوية بْن سَلاَّم يحدِّث عَنْ أَخِيهِ، عَنْ جَدِّه، عَنِ ابْنِ غَيْلان، عَنِ ابْنِ مَسْعُود. قَالا: وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ بشيء؛ ابنُ غَيْلان مجهول، ولا يَصِحُّ فِي هَذَا الباب شيء. قال أبو بكر بن أبي داود: كان أبو زيد هذا نباذًا في الكوفة. وقال ابن عبد البر: اتفقوا على أن أبا زيد مجهول، وحديثه منكر، وورد حديث عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء». أخرجه الدارقطني (١/ ٧٥)، وابن عدي «الكامل» (٧/ ١٧٠)، قال الدارقطني: هو حديث منكر.\n(^٢) «المبسوط» (١٠/ ١٩٨)، و«حاشية الدسوقي» (١/ ٥٩)، و«المجموع» (٢/ ٦٢٠)، و«الإنصاف» (١/ ٣٢١).","vol":"1","page":53},{"text":"فَمَاتَتْ، فَقَالَ: «إِنْ كَانَ جَامِدًا، فَخُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، ثُمَّ كُلُوا مَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا، فَلَا تَأْكُلُوهُ» (^١).\n_________\n(^١) مدار هذا الحديث على الزهري، واختلف عليه: فرواه معمر بن راشد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة به، وقد خالف معمر الثقات عن الزهري في متنه وسنده. أخرجه أحمد (٢/ ٢٣٢)، وأبو داود (٣٨٤٢) وغيرهما. فأما المخالفة في المتن: فزاد «وَإِنْ كَانَ مَائِعًا، فَلَا تَأْكُلُوهُ».\nوأما المخالفة في السند: فجعل الحديث من مسند أبي هريرة، بينما الثقات والأثبات رووه عن الزهري؛ فجعلوه من مسند ميمونة؛ منهم:\n١ - سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة مرفوعًا، بلفظ: إنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا، فَقَالَ: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ» بدون ذكر التفصيل: إن كان جامدًا … أخرجه الحميدي «المسند» (٣١٢)، ومن طريقه البخاري في «صحيحه» (٥٥٣٨). قال الحميدي: فَقِيلَ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ مَعْمَرًا يُحَدِّثُهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ سُفْيَانُ: مَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُهُ إِلَّا عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنِ ابْنِ عباسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مِرَارًا. قلت: (رواه جماعة من الثقات الأثبات عن سفيان، منهم: الحميدي، وأحمد، وابن أبي شيبة، ومحمد بن يوسف، وأبو خيثمة وغيرهم كثير بهذا اللفظ، وخالفهم إسحاق بن راهويه، فزاد في متنه: «وإن كان ذائبًا فلا تقربوه»، وقد ذكر الذهبي «سير أعلام النبلاء» (١١/ ٣٧٨) في ترجمة إسحاق: اسْتَغرَبُوا مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ رَاهْوَيْه عَلَى سَعَةِ عِلْمِهِ سِوَى حَدِيْثٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ حَدِيْثُهُ عَنْ سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُوْنَةَ فِي الفَأْرَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَزَادَ إِسْحَاقُ فِي المَتْنِ مِنْ دُوْنِ سَائِرِ أَصْحَابِ سُفْيَانَ هَذِهِ الكَلِمَةَ: وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا، فَلَا تَقْرَبُوْهُ. قال الذهبي: وَلَعَلَّ الخَطَأَ فِيْهِ مِنْ بَعْضِ المُتَأَخِّرِيْنَ، أَوْ مِنْ رَاوِيهِ عَنْ إِسْحَاقَ.\n٢ - الأوزاعي، عن الزهري به عند أحمد (٦/ ٣٣٠).\n٣ - عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري به عند ابن أبي عاصم «الآحاد والمثاني» (٣١٠١).\n٤ - مالك بن أنس، عن الزهري به. واختلف على مالك على وجوه:\nالأول: مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة به كما في «الموطأ»، رواية يحيى (٢/ ٩٧١)، والبخاري (٢٣٦) وغيرهما. =","vol":"1","page":54},{"text":"وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بإراقة السمن الذي وقعت فيه الفأرة إذا كان مائعًا، ولم يفرق بين القليل والكثير.\nواعترض عليه بأن هذا الحديث شاذ. والمحفوظ ما رواه البخاري، عن ابن عباس، عن ميمونة، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا،\n_________\n= الثاني: مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس به بدون ذكر ميمونة، كما في «الأوسط» (٢/ ٢٨٤)، والدارمي (٢٠٨٤) وغيرهما.\nالثالث: مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ميمونة بدون ذكر ابن عباس. ذكرها ابن عبد البر «التمهيد» (٩/ ٣٣)، وقال الدارقطني: هي رواية شاذة.\nالرابع: مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن مسعود مرفوعًا، رواه أبو نعيم «الحلية» (٣/ ٣٧٩).\nالخامس: مالك، عن الزهري، عن عبيد الله مرسلًا، كما في «الموطأ برواية أبي مصعب (٢١٧٩)، ومع كل هذا الخلاف عن مالك فلم يذكروا ما ذكره معمر؛ فدل ذلك على أن رواية معمر شاذة سندًا ومتنًا.\nأما السند: فجعل الحديث من مسند أبي هريرة، والصحيح أنه من مسند ميمونة ﵄. أما المتن: «وَإِنْ كَانَ مَائِعًا، فَلَا تَأْكُلُوهُ» فلا يذكره الثقات، قلت: ومما يدل على شذوذ هذه الرواية، أن معمرًا له رواية توافق رواية الجماعة في السند. (فرواية الطيالسي، وسلمة بن شبيب، وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم)، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، وقد أعل رواية معمر غير واحد من أهل العلم: قال الترمذي: مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. وَهُوَ حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: وَحَدِيثُ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ»، هَذَا خَطَأٌ، أَخْطَأَ فِيهِ مَعْمَرٌ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ، كما في «سنن الترمذي» (١٧٩٨)، وقال أبو حاتم عن رواية معمر: وَهم. كما في «العلل» (٢/ ١٢)، وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٩٠)، و«تهذيب السنن» (٥/ ٣٣٦ - ٣٣٧).","vol":"1","page":55},{"text":"فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ».\nفدل ذلك على أنه إذا سقطت فأرة في سمن سواء كان جامدًا أو مائعًا؛ فإنه يلقى ما حولها ثم يؤكل؛ فدل على طهارة ما تبقى. وهذا هو الراجح، والله أعلم.\n===","vol":"1","page":56},{"text":"حاصل ما ورد فيما سبق\n(١) تطلق الطهارة في اللغة على النظافة نقيض النجاسة:\nوالطهارة في الشرع: هي رفع الحدث وإزالة النجس أو الخبث.\nفرفع الحدث الأصغر يكون بالوضوء، ومنه قوله ﷺ: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» والاحتلام حدث أكبر يكون رفعه بالاغتسال وكذا الحيض. ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي فإذا اغتسلن بعد انقطاع دم الحيض حل لكم وطاؤهن.\nومعنى «إزالة النجاسة» أي إزالة النجس عن البدن والثوب والمكان والإناء.\nوقد جمع الله في آية بين رفع الحدث وإزالة النجس؛ فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي من النجاسة التي هي انقطاع دم الحيض، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي اغتسلن من الحدث الأكبر بعد الطهارة حل لكم وطأهن وهذا هو رفع الحدث.\n(٢) ينقسم الماء من حيث حكمه إلى قسمين:\nطهور ونجس، لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. فكلمة «ماء» نكرة في سياق النفي فتعم كل ماء، سواء كان مطلقًا أو مقيدًا مستعملًا أو غير مستعمل، خرج الماء النجس بالإجماع، وبقي ما عداه على أنه طهور.\nوقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، وقال النبي ﷺ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» فقد ورد النص بالماء الطهور، والإجماع ورد بالماء النجس، ولم ترد أدلة علي أن هناك قسمًا ثالثًا.","vol":"1","page":57},{"text":"(٣) وينقسم الماء من حيث طبيعته إلى أقسام:\nالقسم الأول: الماء المطلق [وهو يأتي من مصادر كثيرة]:\n١ - ماء المطر: لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان].\n٢ - ماء العيون: لعموم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] والينابيع هي عيون الماء.\n٣ - ماء الآبار: جمع بئر وهو ما يحفره الناس للحصول على الماء، كبئر بضاعة ففي حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَالنَّتْنُ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ؟ قَالَ: «الْمَاءُ طَهُورٌ، لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ».\n٤ - ماء الأنهار: لعموم قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾، والماء الناتج من الثلج والبرد، ففي البلاد الباردة ينزل الثلج، ثم يتحول إلى ماء فيجوز التطهر به.\n٥ - ماء البحار: وهو الماء المتبحر المتسع، وأجمع العلماء على أن ماء البحار طهور؛ لقول النبي ﷺ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ».\n٦ - ماء زمزم: طهور ويُرفع به الحدث ويُزال به الخبث لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُو﴾ وهذا ماء طهور، ولا يجوز التيمم مع وجوده.\nالقسم الثاني: الماء المستعمل:\nوهو الماء المنفصل من أعضاء المتوضئ أو المغتسل فهذا ماء مستعمل وكذا غمس يده في إناء بنية رفع الحدث، أو وقوع بعض الماء المستعمل في الإناء الذي يتوضأ أو يغتسل منه، فهذه صور للماء المستعمل، وهو طهور لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُو﴾ كلمة «ماء» نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواء كان الماء مستعملًا أو غير مستعمل، والله ﷾ أوجب التيمم على من لم يجد الماء، وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ».\nولا شك أن الإناء لا يسلم من رشاش يقع من أحدهما، وهذا يدل على أن الماء المنفصل من أعضاء المغتسل أو المتوضئ طهور، والماء المتردد علي العضو طهور بالإجماع، مع أنه يمر","vol":"1","page":58},{"text":"على أول اليد، ثم على آخرها، ولم يمنع كونه استعمل في أول العضو أن يطهر بقية العضو.\n(٤) اتفق العلماء على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل، وذهب جمهور العلماء إلى جواز وضوء الرجل بفضل المرأة لما روى مسلم أن النبي ﷺ: «كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ». واعترض عليه بأن اللفظ المحفوظ عن ميمونة قالت: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا ورسول الله ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ» ولكن الأصل في الماء أنه طهور، إلا إذا ظهر فيه النجاسات، والماء المتبقي من فضل المرأة طهور، والأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل وضوء المرأة، وفي جواز ذلك مضطربة. قاله أحمد.\nالقسم الثالث: الماء المتغير بطول مكثه:\nما تغير بمكثه ومقره، فهو باقٍ على طهوريته بالاتفاق.\nالقسم الرابع: الماء الذي وقعت فيه نجاسة فغيرت طعمه أو لونه:\nنجس، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، بالإجماع.\nالقسم الخامس: إذا تيقن طهارة الماء وشك هل وقعت فيه نجاسة فإنه يبني على اليقين ويطرح الشك وإذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة، فإنه يتحرى ويصلي في أحد الثياب وتجزئه صلاته.\nالقسم السادس: حكم الماء الحرام، وفيه مبحثان.\nالمبحث الاول: الوضوء بالماء المغصوب أو المحرم تصح الطهارة به مع الإثم.\nالمبحث الثاني: لا يجوز الوضوء بماء بئر ثمود؛ لأن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يريقوا ما استقوا من بئرها لأنه ماء سخط وغضب والماء طهور لأنه باق على خلقته.\nالقسم السابع: لا يجوز الوضوء بالمائعات غير الماء، لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فأحالنا إلى التيمم عند عدم الماء ولم ينقلنا إلى سائل آخر.\n* * *","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>الباب الثاني النجاسات</span>\nوفيه تمهيد وفصول\nتمهيد: وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف النجاسة.\nالمبحث الثاني: أقسام النجاسات.\nالمبحث الثالث: قاعدة هامة: الأصل في المياه الطهارة.\nالفصل الأول: النجاسات. وفيه أقسام:\nالقسم الأول: النجاسة التي تخرج من الآدمي، وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: نجاسة البول والغائط من الآدمي الكبير.\nالمبحث الثاني: نجاسة بول الصبي والجارية.\nالمبحث الثالث: نجاسة المذي.\nالمبحث الرابع: نجاسة الودي.\nالمبحث الخامس: نجاسة الدم. وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: نجاسة دم الحيض.\nالمطلب الثاني: نجاسة دم الإنسان.\nالمطلب الثالث: نجاسة دم الشهيد.","vol":"1","page":60},{"text":"القسم الثاني: نجاسة الحيوان. وفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: نجاسة الكلب.\nالمبحث الثاني: نجاسة الخنزير.\nالمبحث الثالث: نجاسة سباع والطير والبهائم.\nالمبحث الرابع: نجاسة بول وروث الحيوان غير مأكول اللحم.\nالمبحث الخامس: نجاسة الميتة.\nالمبحث السادس: في الجلالة: وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: تعريف الجلالة.\nالمطلب الثاني: حكم لحم الجلالة.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-42>التمهيد</span>\nوفيه ثلاثة مباحث\n\n<span data-type='title' id=toc-43>المبحث الأول: تعريف النجاسة:</span>\nالنجاسة في اللغة: ضد النظافة والطهارة، فكل شيء يُستقذر فهو نجس.\nوفي الشرع: مستقذر مخصوص كالبول ونحوه، فالمخاط والبصاق مثلًا قذر لغة، وليس قذرًا شرعًا، والبول قذر لغة وشرعًا (^١).\nوفي «المصباح المنير»: نجس الشيء: إذا كان قذرًا غير نظيف (^٢).\nوالنجاسة في عرف الشرع: قذر مخصوص، وهو ما يمنع جنسه الصلاة، كالبول والغائط والدم.\n_________\n(^١) «موسوعة الطهارة» (١٣/ ١٦) وهي الموسوعة الذهبية في أحكام الطهارة التفصيلية، لفضيلة الشيخ: دبيان بن محمد الدبيان - حفظه الله- وهو بحث جيد ونافع وماتع، فريد في بابه مرجع للباحثين، وقد جمع فيه مصنفه بين الفقه والحديث بتحرير وإتقان، وقد تميز هذا البحث بالتوسع والإنصاف دون تعصب لقول أحد، وقد استفدت منه كثيرًا فأسأل الله أن يجازيه خيرًا الجزاء وأوفاه، وأن يبلغه أمانيه ومناه، وأن يجعل جنة الفردوس مأواه، وأن ييسر له أمر دينه ودنياه، وأن يعزه بالإسلام وأن يعز به الإسلام، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن يجمعني وإياه مع سيد الأنبياء والمرسلين.\n(^٢) «المصباح المنير» (ص: ٥٩٤)، وفي «مغني المحتاج» (١/ ٧٧): النجاسة: هي مستقذر يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص، قال ابن عابدين «حاشيته» (١/ ٨٥)\nالنجاسة: عين مستقذرة شرعًا، فقوله: (عين) خرج به الوصف، فإن النجاسة عين لها جرم محسوس، وليست من المعاني، وقوله: (مستقذرة شرعًا) خرج به الأشياء المستقذرة بالطبع، ولم يأت الشرع بتنجسها، كالمخاط والبصاق.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type='title' id=toc-44>المبحث الثاني: أقسام النجاسات:</span>\nتنقسم النجاسات باعتبار ذاتها عند الحنفية إلى قسمين:\nالأول: نجاسة حقيقية، وتكون مرئية كالغائط، أو غير مرئية كالبول إذا جف.\nالثاني: نجاسة حكمية، وهي نجاسة الحدث.\nأما الشافعية والحنابلة فقسموها إلى نجاسة حكمية وعينية.\nقال النووي: «هِيَ الَّتِي تَيَقَّنَ وُجُودَهَا وَلَا تُحَسُّ، كَالْبَوْلِ إِذَا جَفَّ عَلَى الْمَحَلِّ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ رَائِحَةٌ وَلَا أَثَرٌ، فَيَكْفِي إِجْرَاءُ الْمَاءِ عَلَى مَحَلِّهَا مَرَّةً، وَيُسَنُّ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً. وَأَمَّا الْعَيْنِيَّةُ: فَلَا بُدَّ مِنْ مُحَاوَلَةِ إِزَالَةِ مَا وُجِدَ مِنْهَا مِنْ طَعْمٍ وَلَوْنٍ وَرِيحٍ» (^١).\nوتنقسم النجاسة عند الشافعية والحنابلة باعتبار تطهيرها إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: نجاسة مغلظة: وهي نجاسة الكلب، فتحتاج إلى سبع غسلات مع غسل مرة بالتراب، بخلاف غيرها من النجاسا ت.\nالثاني: نجاسة مخففة: وهي نجاسة بول الطفل الرضيع، ويكفي في طهارته النضح.\nالثالث: نجاسة متوسطة، وهي باقي النجاسات (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-45>المبحث الثالث: قاعدة هامة: الأصل في المياه الطهارة.</span>\nالأصل في المياه الطهارة ما لم يتبين نجاستها، فكل ما لم يتبين لنا أنه نجس من المياه فهو طاهر؛ قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]. فما لم يتبين تحريمه فهو حلال.\nقال شيخ الإسلام: الْفُقَهَاءَ كُلَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ، وَأَنَّ النَّجَاسَاتِ مُحْصَاةٌ مُسْتَقْصَاةٌ (^٣).\nوقال الشوكاني: حق استصحاب البراءة الأصلاة وأصالة الطهارة أن يطالب من زعم\n_________\n(^١) «روضة الطالبين» (١/ ٢٨).\n(^٢) «مغني المحتاج» (١/ ٨٣)، و«كشاف القناع» (١/ ٥٨).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٤٢، ٥٩١).","vol":"1","page":63},{"text":"بنجاسة عين من الأعيان بالدليل، فإن نهض به كما في نجاسة بول الآدمي وغائطه والروثة فذاك، وإن عجز عنه أو جاء بما لا تقوم به الحجة، فالواجب علينا الوقوف على ما يقتضيه الأصل والبراءة (^١).\nقال ابن حزم: من ادعى نجاسة أو تحريمًا لم يُصدق إلا بدليل من نص قرآن أو سنة صحيحة (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) «السيل الجرار» (١/ ٣١).\n(^٢) «المحلى» مسألة (٣٩٤).","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type='title' id=toc-46>الفصل الأول\nالنجاسات</span>\n<span data-type='title' id=toc-47>القسم الأول: النجاسة التي تخرج من الآدمي: وفيه خمسة مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-48>المبحث الأول: نجاسة البول والغائط من الآدمي الكبير:</span>\nأجمع العلماء على نجاسة بول وغائط الآدمي الكبير.\nقال النووي: وأما بول الآدمي الكبير فنجس بإجماع المسلمين (^١).\nنقل الإجماع فيها ابن المنذر وأصحابنا وغيرهم.\nوقال ابن جزي: وأما الأبوال والرجيع (الغائط) فذلك من ابن آدم نجس إجماعًا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-49>المبحث الثاني: نجاسة بول الصبي والجارية:</span>\nذهب جماهير العلماء إلى نجاسة بول الصبي.\nوذهب بعض الحنابلة وداود الظاهري إلى طهارة بول الصبي (^٣).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ\n_________\n(^١) «المجموع» (٢/ ٥٦٧).\n(^٢) «القوانين الفقهية» (ص: ٣٥، ٣٦)، وقد نقل الإجماع الطحاوي «شرح معاني الآثار» (١/ ١٠٩)، وابن رشد «بداية المجتهد» (٢/ ١٧٥)، وابن المنذر «الأوسط» (٢/ ١٣٨) وغيرهم، ومما يدل على نجاسة البول ما رواه البخاري (٢١٩)، ومسلم (٢٥٨) من حديث أنس بن مالك قال: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: مَهْ مَهْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ» فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ ﷿ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلًا مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ.\n(^٣) «الإنصاف» (١/ ٣٢٣)، و(طرح التثريب» (٢/ ١٤٠).","vol":"1","page":65},{"text":"يَأْكُلِ الطَّعَامَ، إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ (^١).\nواعترض عليه بما قاله القرطبي: والعجَبُ ممَّن يستدِلُّ برشِّ بولِ الصبيِّ أو بالأمرِ بِنَضْحِهِ على طهارتِهِ، وليس فيه ما يَدُلُّ على ذلك! وغايةُ دلالتِهِ على التخفيف في نوعِ طهارته؛ إذْ قد رُخِّصَ في نَضْحه ورشِّه، وعُفِيَ عن غَسْله تخفيفًا، وخُصَّ بهذا التخفيف الذَّكَرُ دون الأنثى؛ لملازمتهم حَمْلَ الذُّكْرَان؛ لفرطِ فَرَحهم بهم ومحبَّتهم لهم، والله أعلم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-50>المبحث الثالث: نجاسة المذي:</span>\nقال النووي: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ (^٣).\nقال ابن عبد البر: وأما المذي المعهود المتعارف عليه، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجده من اللذة أو لطول عزبه، فعلى هذا المعنى خرج السؤال في حديث علي، وعليه وقع الجواب، وهو موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، وإيجاب غسله لنجاسته (^٤).\nوفي الصحيحين واللفظ لمسلم عنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» (^٥).\nواختلف العلماء في معنى: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ»:\nفذهب الحنفية، وبعض المالكية، والشافعية (^٦) إلى أنه يجب غسل موضع الحشفة، وهذا\n_________\n(^١) البخاري (٣٢٣)، ومسلم (٢٨٧).\n(^٢) «المفهم» (٢/ ٦٤٤).\n(^٣) «المجموع» (٢/ ٥٧١).\n(^٤) «الاستذكار» (١/ ١٩٩).\n(^٥) البخاري (٢٦٩)، ومسلم (٣٠٣).\n(^٦) «شرح معاني الآثار» (١/ ٤٨)، و«فتح البر بترتيب التمهيد» (٣/ ٣٢٣)، و«المجموع» (٢/ ١٦٤).","vol":"1","page":66},{"text":"فَهْم ابن عباس (^١).\nوذهب أكثر المالكية إلى وجوب غسل الذكر كله بعد المذي؛ لعموم الحديث: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ»، أي: كله (^٢).\nوذهب الحنابلة وابن حزم إلى غسل الذكر كله مع الأنثيين (^٣).\nواستدلوا بعموم قوله ﷺ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وأُنثييهِ وَيَتَوَضَّأُ» (^٤).\nواعترض عليه بأن زيادة: «أُنثييهِ» لا تصح عن رسول الله ﷺ.\nوالراجح: غسل حشفة الذكر؛ لأن هذا فهم ابن عباس.\n_________\n(^١) روى عبد الرزاق (٦٠٨) بإسناد صحيح، قال ابن عباس في المذي: يغسل حشفته ويتوضأ.\n(^٢) «مواهب الجليل» (١/ ٣٨٥)، والخرشي (١/ ١٤٩).\n(^٣) «الفروع» (١/ ٢١٤)، و«الإنصاف» (١/ ٣٣٠)، و«المحلى» (١/ ١١٨).\n(^٤) ولفظة (أنثييه) ضعيفة، وليست محفوظة. أخرجه أحمد (١/ ١٢٤) وغيره من طريق هشام ابن عروة، عن أبيه، قال علي … به، وعلته أن عروة لم يسمع من علي بن أبي طالب ﵁، قاله أبو حاتم وأبو زرعة وغيرهما، كما في «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص: ١٤٩)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١/ ٥٤)، و«تلخيص الحبير» (١/ ١١٧).\nورواه أبو عوانة (١/ ٢٧٣) من طريق سليمان بن حيان، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي به، وفي إسناده سليمان بن حيان متكلم فيه، ولا يتحمل المخالفة.\nوأخرجه أحمد (١/ ١٤٥) من طريق شريك، عن الركين بن الربيع، عن حصين بن قبيصة، عن علي به. وفي إسناده شريك، وهو سيئ الحفظ، وقد خالف الركين من هو أوثق منه، فزيادة: «يغسل الأنثيين» منكرة، وله شاهد من حديث رافع بن خديج، أخرجه النسائي (١٥٥)، وفي إسناده: إياس بن خليفة: مجهول، فالصحيح أن لفظة: «أنثييه» ضعيفة، وليست محفوظة، وقد روى أبو داود (٢١١) عَنْ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الله بْنِ سَعْدٍ الأَنْصَارِىِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَمَّا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَعَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بَعْدَ الْمَاءِ فَقَالَ «ذَاكَ الْمَذْيُ وَكُلُّ فَحْلٍ يُمْذِي فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَكَ وَأُنْثَيَيْكَ وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ»، وفي إسناده العلاء بن الحارث قد اختلط، قد ضعفه الحافظ في «التلخيص» (١/ ١١٧) ومعاوية بن صالح فيه مقال.","vol":"1","page":67},{"text":"والأحوط: غسل الذكر وما حوله من الأنثيين بالاستنجاء وغسل ما أصابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-51>المبحث الرابع: نجاسة الودي:</span>\nقال ابن قدامة: وَأَمَّا الْوَدْيُ فَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ عَقِيبَ الْبَوْلِ خَاثِرٌ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَوْلِ سَوَاءً؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَجَارٍ مَجْرَاهُ (^١).\nقال النووي: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-52>المبحث الخامس: نجاسة الدم: وفيه ثلاثة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-53>المطلب الأول: نجاسة دم الحيض:</span>\nقال الشوكاني: وَاعْلَمْ أَنَّ دَمَ الْحَيْضِ نَجِسٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ (^٣).\nوفي الصحيحين عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّى فِيهِ» (^٤) وعموم قول النبي ﷺ: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلِّى» (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-54>المطلب الثاني: نجاسة دم الإنسان:</span>\nقال ابن حزم: وَاتَّفَقُوا على أَنْ الْكثير من الدَّم أَي دم كَانَ حاشا دم السّمك وَمَا لَا يسيل دَمه -نجس (^٦).\n_________\n(^١) «المغني» (١/ ٤١٣).\n(^٢) «المجموع» (٢/ ٥٧١). قلت: وهذا الإجماع منخرم؛ فقد وردت رواية عن أحمد بطهارة الودي، كما في «المبدع» (١/ ٢٤٩)، و«الإنصاف» (١/ ٣٤١)، وروى ابن أبي شيبة (١/ ٨٩) بسند صحيح عن ابن عباس قال: الْمَنِيُّ وَالْوَدْيُ وَالْمَذْيُ، فَأَمَّا الْمَنِيُّ فَفِيهِ الْغُسْلُ، وَأَمَّا الْمَذْيُ وَالْوَدْيُ فَفِيهِمَا الْوُضُوءُ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ.\n(^٣) «نيل الأوطار» (١/ ٥٨).\n(^٤) البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١).\n(^٥) البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣).\n(^٦) «مراتب الإجماع» (ص: ١٩).","vol":"1","page":68},{"text":"وقال النووي: وَالدَّلَائِلُ عَلَى نَجَاسَةِ الدَّمِ مُتَظَاهِرَةٌ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ طَاهِرٌ. وَلَكِنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ (^١).\nقال ابن حجر: الدم نجس اتفاقًا (^٢).\nقال القرطبي: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الدَّمَ حَرَامٌ نَجِسٌ (^٣).\nومع أن الأئمة يرون نجاسة الدم إلا أنهم يرون العفو عن يسير الدم، أما الدم المسفوح فنجس.\nقال ابن عبد البر: وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ رِجْسٌ نَجِسٌ، إِلَّا أَنَّ الْمَسْفُوحَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الْجَارِي فِي اللُّغَةِ فَإِنَّ الْمَعْنَى فِيهِ فِي الشَّرِيعَةِ الْكَثِيرُ، إِذِ الْقَلِيلُ لَا يَكُونُ جَارِيًا مَسْفُوحًا، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنَ الدَّمِ الْجَارِي نُقْطَةٌ فِي ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ لَمْ يَكُنْ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمَسْفُوحِ الْكَثِيرِ وَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْقَلِيلِ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى أَصْلِهَا فِي اللُّغَةِ (^٤).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥].\nوجه الدلالة: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، أي: نجس.\nواعترض عليه بأن معنى: ﴿رِجْسٌ﴾، حرام.\nوأجيب عنه: بأن أول الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلى مُحَرَّمًا﴾ يدل على التحريم؛ فإن معنى رجس مغاير للتحريم، ويكون معنى رجس: نجسًا؛ ليدل على معنى جديد.\nقالوا: إذا كان معنى: ﴿رِجْسٌ﴾، أي: نجس، ولكن نجاسة معنوية.\n_________\n(^١) «المجموع» (٢/ ٥١١).\n(^٢) «فتح الباري» (١/ ٣٥٢).\n(^٣) «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٢٢)\n(^٤) «التمهيد» (٢٢/ ٢٣٠).","vol":"1","page":69},{"text":"وأجيب عنه: كيف نقول: إن نجاسة الميتة والدم المسفوح نجاسة معنوية، وهي نجاسة حسية ظاهرة؟!\nواستدلوا بأن دم الحيض نجس بالدلائل المتظاهرة، فيقاس عليه سائر الدماء.\nوذهب بعض المتكلمين والشوكاني إلى أن دم الإنسان طاهر (^١).\nواستدلوا بأن الصحابة كانوا يجاهدون ويصلون في جراحاتهم (^٢). ويُدفن الشهيد بدمه، ولو كان نجسًا لغسل منه الدم.\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين عن عائشة ﵄ قالت: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ وَفِي الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ إِلاَّ الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟! فَإِذَا\n_________\n(^١) «المجموع» (٢/ ٥٧٦)، و«الدراري المضية» (١/ ٢٦).\n(^٢) واستدلوا بما روى أحمد (٣/ ٣٥٣)، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَأُصِيبَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَافِلًا، وَجَاءَ زَوْجُهَا وَكَانَ غَائِبًا، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَنْتَهِيَ حَتَّى يُهْرِيقَ دَمًا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْزِلًا، فَقَالَ: «مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ؟ «فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَكُونُوا بِفَمِ الشِّعْبِ»، قَالَ: وَكَانُوا نَزَلُوا إِلَى شِعْبٍ مِنَ الْوَادِي، فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ، قَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلْمُهَاجِرِيِّ: أَيُّ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَكْفِيَكَهُ؟ أَوَّلَهُ أَوْ آخِرَهُ؟ قَالَ: اكْفِنِي أَوَّلَهُ. فَاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ فَنَامَ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصلِّى، وَأَتَى الرَّجُلُ، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَ الرَّجُلِ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةُ الْقَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخَرَ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ عَادَ لَهُ بِثَالِثٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ أَهَبَّ صَاحِبَهُ، فَقَالَ: اجْلِسْ فَقَدْ أُوتِيتَ! فَوَثَبَ، فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ عَرَفَ أَنْ قَدْ نَذَرُوا بِهِ فَهَرَبَ، فَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِنَ الدِّمَاءِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، أَلَا أَهْبَبْتَنِي؟! قَالَ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِذَهَا، فَلَمَّا تَابَعَ الرَّمْيَ رَكَعْتُ فَأُرِيتُكَ، وَايْمُ اللهِ، لَوْلَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِهِ، لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِذَهَا. ولكن في إسناده عقيل بن جابر: مجهول.","vol":"1","page":70},{"text":"سَعْدٌ يَغْذُو جُرْحُهُ دَمًا فَمَاتَ فِيهَا (^١).\nفعُلم أن الدم ليس بنجس؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ» (^٢). فلو كان الدم نجسًا لورد غسل المسجد.\nواستدلوا بجواز دخول المستحاضة المسجد، مع أن دمها ينزف، كما ورد في البخاري عن عائشة ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ»، فَرُبَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ (^٣). فدل ذلك على طهارة الدم.\nواعترض عليه بأن وضع الطست تحتها دليل على اجتناب النجاسة.\nوأما حديث سعد فلم يرد نص صريح أنه غسل أو لم يغسل، فليس بصريح.\nوالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من نجاسة الدم المسفوح، وأن اليسير معفو عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-55>المطلب الثالث: نجاسة دم الشهيد.</span>\nاختلف العلماء في نجاسة دم الشهيد على قولين:\nالقول الأول: ذهب الحنفية والحنابلة إلى طهارة دم الشهيد، واستدلوا بما روى البخاري عن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ» (^٤) يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ، ولو كان دم الشهيد نجسًا لأمر بغسلهم قبل دفنهم. (^٥)\nوفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي اللهِ إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ» (^٦). فشبه الدم بالمسك، والمسك طاهر، فيكون دم الشهيد طاهرًا.\n_________\n(^١) البخاري (٥٦٣)، ومسلم (١٧٦٩).\n(^٢) مسلم (٢٨٥).\n(^٣) البخاري (٣٠٩).\n(^٤) البخاري (١٣٤٦).\n(^٥) «البحر الرائق» (١/ ١٢٧)، و«الإنصاف» (١/ ٣٢٨).\n(^٦) البخاري (٢٨٠٣)، ومسلم (٣٤٨٦).","vol":"1","page":71},{"text":"واعترض عليه من وجهين:\nالأول: تشبيه الدم بالمسك هذا يُشْبه قول النبي ﷺ: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» ليس معنى ذلك أن رائحة فم الصائم تتغير، ولكن المعنى أن الأمر الناتج عن عبادة له فضل.\nالثاني: أن الريح ريح المسك في الآخرة، وأحكام الدنيا لا تقاس على أحكام الآخرة.\nالقول الآخر: ذهب جمهور العلماء إلى نجاسة دم الشهيد، وهو مذهب المالكية والشافعية، وقول عند الحنابلة (^١).\nواستدلوا بأن دم الشهيد يدخل في عموم الدم المسفوح، والإجماع الوارد على أن الدم المسفوح نجس، وقد قال تعالى عنه: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) «مواهب الجليل) (١/ ٩٦)، و«حاشية الجمل» (١/ ١٩٤)، و«الإنصاف» (١/ ٣٢٨).","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type='title' id=toc-56>القسم الثاني\nنجاسة الحيوان</span>\nوفيه ستة مباحث\n\n<span data-type='title' id=toc-57>المبحث الأول: نجاسة الكلب:</span>\nاختلف أهل العلم في نجاسة عين الكلب على قولين:\nالقول الأول: أن الكلب نجس، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nواستدلوا لذلك بما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» (^٢).\n_________\n(^١) «البناية» (١/ ٣٦٧، ٤٣٥)، و«الأم» (١/ ٥، ٦)، و«الفروع» (١/ ٢٣٥).\n(^٢) صحيح دون لفظة: «أولاهن بالتراب» فهي شاذة، فالحديث يرويه عن أبي هريرة جمع من التابعين بدون زيادة: «أولاهن بالتراب» منهم: (همام بن منبه وعبد الرحمن الأعرج، وأبو صالح، وأبو سلمة، وأبو رزين، وثابت بن عياض، وعبيد بن حنين، وعطاء بن يسار، وعبد الرحمن بن أبي كريمة) فكلهم رووه عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ غُسِلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ».\nوخالف الجماعة الثقات محمد بن سيرين من وجه وزاد لفظة: «أولاهن بالتراب» عند مسلم (٢٧٩).\nوقد حدث خلاف على ابن سيرين مرة بإثباتها، ومرة بدونها، ومرة يقول السابعة، ومرة يقول «أولاهن»، ومرة «أخراهن».\nوقد حدث عليه خلاف في الرفع والوقف فهذا يسقط رواية ابن سيرين.\nوقد تابع ابن سيرين الحسن البصري عند الدارقطني جزء أبي الطاهر (٩٨) ولكن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. وقد تابعهما نفيع بن أبي الحارث عند النسائي (٣٣٧) وقد قال البيهقي عن هذا الحديث: هذا حديث غريب.\nفالحاصل أن زيادة «أولاهن بالتراب» شاذة روى الحديث الثقات عن أبي هريرة بدونها.\nقال أبو داود وابن عبد البر: رواه الأعرج، وأبو صالح، وثابت الأحنف، وهمام بن منبه، وعبد الرحمن أبو السري، وعبيد بن حنين، وثابت بن عياض مولى عبد الرحمن بن زيد، وأبو سلمة كلهم عن أبي هريرة، ولم يذكر «التراب».","vol":"1","page":73},{"text":"فقوله: «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ» يدل على النجاسة التي حلت بولوغ الكلب فيه، وإذا كان الماء الذي في الإناء يتنجس بلعاب الكلب فلعابه نجس، وإذا كان لعابه نجسًا فيقاس عليه عرقه وبوله وسائر جسده.\nواستدلوا أيضًا بما روى مسلم عن ابن عباس، قال: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا، فَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدِ اسْتَنْكَرْتُ هَيْئَتَكَ مُنْذُ الْيَوْمِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِي اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَ وَاللهِ مَا أَخْلَفَنِي» قَالَ: فَظَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَهُ ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَنَا، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً فَنَضَحَ مَكَانَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ: «قَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ» قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ. فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ.\nوجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أخرج الكلب وأخذ بيده ماء فنضح مكانه، فهذا يدل على نجاسة الكلب.\nالقول الآخر: أن الكلب طاهر العين، وهو قول أبي حنيفة، والمالكية (^١).\nواستدلوا بعموم القرآن والسنة:\nفأما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾.\nوجه الدلالة: أن الله أباح لنا الأكل مما أمسكت الكلاب، ولو كان المكان الذي أمسكت منه الكلاب نجسًا لأمر بالغسل مكانه.\nواعترض عليه بأنه كيف يستدل على طهارة الكلب بأنيابه ولعابه الذي نص النبي ﷺ على نجاسته، ثم إن من العلماء من قال بوجوب غسل ما أصاب الكلب لنجاسته.\n_________\n(^١) «فتح القدير» (١/ ٩٣، ١٠٢)، و«المدونة» (١/ ٥، ٦).","vol":"1","page":74},{"text":"قال النووي: لنا خلاف معروف في وجوب غسل ما أصاب الكلب، فإن لم نوجبه فهو معفو عنه للحاجة والمشقة في غسله، بخلاف الإناء (^١).\nثم إن الآية أنه يباح الأكل مما أمسكت الكلاب المعلمة، وليس في الآية ما يدل على طهارة الكلب، ثم إن الآية عامة، والأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب حديث خاص يدل على نجاسة لعاب الكلب، وهذا دليل خاص، والخاص يقدم على العام.\nأما دليلهم من السنة: فعن ابن عمر قال: كَانَتِ الكِلَابُ تَبُولُ، وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ، فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (^٢).\nواعترض عليه من وجهين:\nالأول: نُقل الإجماع على نجاسة بول الكلب، فكيف يستدل به على طهارة الكلب؟!\nالثاني: أن النجاسة قد تطهر بالاستحالة، فإن لم تغسل فقد تطهرها الشمس.\nالراجح: أن الكلب نجس، والدليل أن النبي ﷺ أمر بغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب، وليس مرة بل سبع مرات الأولى بالتراب، وإذا كان لعابه نجسًا فكذا سائر جسده.\n\n<span data-type='title' id=toc-58>المبحث الثاني: نجاسة الخنزير:</span>\nقال النووي: نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى نَجَاسَةِ الْخِنْزِيرِ، وَهُوَ أَوْلَى مَا يُحْتَجُّ بِهِ لَوْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ، وَلَكِنَّ مَذهبَ مَالكٍ طهارةُ الخنْزيرِ مَادَامَ حَيًّا (^٣).\n_________\n(^١) «المجموع» (٢/ ٥٨٥).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٣٨٢)، والبخاري معلقًا (١٧٤) وابن حبان (١٦٥٦) وغيرهم من طريق يونس عن الزهري عن حمزة عن ابن عمر به.\nوأخرجه أحمد (٥٤٨٩) وغيرهم من طريق صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر به بدون لفظة: «تبول» وصالح بن أبي الأخضر: ضعيف.\nوقد ذكر البيهقي «السنن الكبرى» (٢/ ٤٢٩) قال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه أنا العباس بن الفضل ثنا أحمد بن شبيب به، وهذه اللفظة «تبول» ليست في شيئ من نسخ الصحيح لكن ذكر الأصيلي أنه من رواية إبراهيم بن معقل النسفي «تبول وتقبل وتدبر».\n(^٣) «المجموع» (٢/ ٥٨٦).","vol":"1","page":75},{"text":"وقال تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥].\nقالوا: معنى ﴿رِجْسٌ﴾ أي: نجس، ومعنى الآية أن لحم الخنزير نجس (^١).\nواعترض عليه بما قاله الشوكاني: بأن معنى ﴿رِجْسٌ﴾ أي: حرام وليس نجسًا.\nوأجيب عنه: بأن حَمْله على الحرام فيه بُعد؛ لأنه يؤدي إلى التكرار وينافي البلاغة القرآنية، فيكون تقدير الآية: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فإنه حرام) فيصعب أن يكون صدر الآية وآخرها على تَكرار التحريم، والصحيح أن قوله: ﴿رِجْسٌ﴾ دليل على النجاسة.\nواستدلوا بأن الخنزير أَوْلَى بالنجاسة من الكلب؛ لأنه يحرم اقتناؤه، بخلاف الكلاب، فإنه مباح للحاجة، ويجب قتله من غير ضرر، ومنصوص على تحريمه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-59>المبحث الثالث: نجاسة سباع البهائم والطير:</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: ذهب الحنفية والحنابلة إلى نجاسة سباع البهائم والطير (^٣).\nواستدلوا بحديثٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بِأَرْضِ الْفَلَاةِ وَمَا\n_________\n(^١) قال الجصاص «أحكام القرآن» (١/ ١٧٤): وَاللَّحْمُ وَإِنْ كَانَ مَخْصُوصًا بِالذِّكْرِ فَإِنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ اللَّحْمَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَنْفَعَتِهِ وَمَا يُبْتَغَى مِنْهُ، كَمَا نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ وَالْمُرَادُ حَظْرُ جَمِيعِ أَفْعَالِهِ فِي الصَّيْدِ، وَخَصَّ الْقَتْلَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الصَّيْدُ. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فَخَصَّ الْبَيْعَ بِالنَّهْيِ; لِأَنَّهُ كَانَ أَعْظَمَ مَا يَبْتَغُونَ مِنْ مَنَافِعِهِمْ، وَالْمَعْنِيُّ جَمِيعُ الْأُمُورِ الشَّاغِلَةِ عَنْ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى الْبَيْعِ تَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ عَنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ الصَّلَاةِ، كَذَلِكَ خَصَّ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ بِالنَّهْيِ تَأْكِيدًا لِحُكْمِ تَحْرِيمِهِ وَحَظْرًا لِسَائِرِ أَجْزَائِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ وَإِنْ كَانَ النَّصُّ خَاصًّا فِي لَحْمِهِ.\n(^٢) «موسوعة الطهارة» (١٣/ ١١٦).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (١/ ٦٤)، و«الإنصاف» (١/ ٣٤٢).","vol":"1","page":76},{"text":"يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ؟ فَقَالَ: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الْخَبَثَ» (^١). ومعنى الحديث أن السباع إذا ولغت وشربت من الماء فإن كان قليلًا فإنها تنجسه، فهذا دليل على نجاسة السباع.\nالدليل الثاني: ما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ (^٢).\nوروى مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْر (^٣).\nفدل ذلك على أن السباع ذات الناب والطير ذات المخلب محرم أكلها لنجاستها.\nالقول الآخر: ذهب المالكية والشافعية إلى طهارة سباع البهائم والطير (^٤).\nواستدلوا بأن السباع كالأسد والصقر يجوز بيعها والانتفاع بها؛ فهذا دليل على طهارتها، وكذا سباع الطير.\nواعترض عليه بأنه ليس كل نجس لا يجوز الانتفاع به، فقد ورد في الحديث أن شحوم الميتة يُنتفع بها في طلي السفن وإن كانت نجسة بالإجماع، ويحرم أكلها.\nالراجح: نجاسة السباع كالأسد والصقر وغيرهما، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-60>المبحث الرابع: نجاسة بول وروث الحيوان غير مأكول اللحم:</span>\nذهب جماهير العلماء إلى نجاسة بول وروث الحيوان غير مأكول اللحم (^٥).\nواستدلوا بأن ريق الكلب نجس، فماذا يكون الشأن في بوله؟ وكذا بول الحيوانات غير مأكولة اللحم.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) البخاري (٥٥٣٠)، ومسلم (١٩٣٢).\n(^٣) مسلم (١٩٣٤).\n(^٤) «الاستذكار» (٢/ ١٢١)، و«روضة الطالبين» (١/ ١٣).\n(^٥) «المبسوط» (١/ ٦٠)، و«المدونة» (١/ ١١٦)، و«الفروع» (١/ ٢٥٦).","vol":"1","page":77},{"text":"واستدلوا بحديث ابن عمر قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بِأَرْضِ الْفَلَاةِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ فَقَالَ: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ»، والسباع غير مأكولة اللحم إذا شربت من الماء؛ فالنبي ﷺ يقول إذا كان الماء قليلًا فإنه ينجس الماء بسبب شربها؛ فبولها وروثها من باب أَوْلى. واستدلوا بأن لحم الحيوان غير مأكول اللحم خبيث، فكذا بوله نجس (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-61>المبحث الخامس: نجاسة الميتة:</span>\nنُقل الإجماع على نجاسة الحيوان ذي الدم الذي ليس بمائي إذا مات حتف أنفه بغير ذكاة شرعية. فقال ابن قدامة: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدَّبْغِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ (^٢). وقال ابن رشد (^٣): وَأَمَّا أَنْوَاعُ النَّجَاسَاتِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا مِنْ أَعْيَانِهَا عَلَى أَرْبَعَةٍ: مَيْتَةِ الْحَيَوَانِ ذِي الدَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِمَائِيٍّ، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-62>المبحث السادس: في الجلالة، وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-63>المطلب الأول: تعريف الجلالة:</span>\nاختلف أهل العلم في تعريف الجلالة على ثلاثة أقوال:\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٨٥ - ٥٨٦).\nقلت: وذهب داود، والشعبي إلى طهارة بول وروث غير مأكول اللحم، «الفقه الإسلامي» (١/ ١٧١)، وروى ابن أبي شيبة (١/ ١٠٩) بسند حسن عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ الشَّعْبِيِّ فِي السُّوقِ، فَبَالَ بَغْلٌ فَتَنَحَّيْت مِنْهُ، فَقَالَ: مَا عَلَيْك لَوْ أَصَابَك.\nواستدلوا بما روى البخاري (١٧٤) من حديث ابن عمر، قال: (كَانَتِ الكِلَابُ تَبُولُ، وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ، فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ).\nواعترض عليه بأنه قد يكون الأمر في أولِ الإسلام ثم نُسخ، وذلك لأنه صح عن رسول الله ﷺ غسل الإناء من ولوغ الكلب، فدل ذلك على نجاسة ريقه، وبوله لن يكون أطهر من ريقه؛ ولأن هذه النجاسة تطهر بالاستحالة، فإذا أذهبت الشمس النجاسة فإنها تطهر.\n(^٢) «المغني» (١/ ٥٣).\n(^٣) «بداية المجتهد» (١/ ٦٦).","vol":"1","page":78},{"text":"القول الأول: ما كان أكثر علفها النجاسة، وهو قول الحنابلة، وقول للحنفية، وللشافعية (^١).\nقال ابن قدامة: قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهْ لُحُومَ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانَهَا. قَالَ الْقَاضِي: هِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْقَذَرَ، فَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ، حَرُمَ لَحْمُهَا وَلَبَنُهَا (^٢).\nالقول الثاني: أن الجلالة هي ما كان علفها النجاسة ولم يخلط بغيره، وأنتن لحمها من ذلك (^٣).\nالقول الثالث: أن المراد بالجلالة: ما ظهر ريح القذر في لحمها (^٤).\nقال ابن القيم: وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا عُلِفَتْ بِالنَّجَاسَةِ ثُمَّ حُبِسَتْ وَعُلِفَتْ بِالطَّاهِرَاتِ، حَلَّ لَبَنُهَا وَلَحْمُهَا.\nقال الشيخ سيد سابق: والجلالة: هي التي تأكل العَذِرة، من الإبل، والغنم، والدجاج، وغيرها، حتى يتغير ريحها، فإن حُبست بعيدة عن العَذِرة زمنًا، وعُلفت طاهرًا فطاب لحمها وذهب اسم الجلالة عنها، حلت؛ لأن علة النهي والتغير قد زالتْ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-64>المطلب الثاني: حكم لحم الجلالة.</span>\nاختلف أهل العلم في حكم الانتفاع بالجلالة؛ مِنْ أكل لحمها، وشرب لبنها، وركوب ظهرها على ثلاثة أقوال:\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٣٩)، و«المجموع» (٩/ ٣٠).\n(^٢) «المغني» (٩/ ٣٢٩).\n(^٣) قال السرخسي «المبسوط» (١١/ ٢٥٥): وَتَفْسِيرُ الْجَلَّالَةِ الَّتِي تَعْتَادُ أَكْلَ الْجِيَفِ وَلَا تُخْلَطُ فيتَغيَّرُ لَحْمُهَا، وَيَكُونُ لَحْمُهَا مُنْتِنًا فَحَرُمَ الْأَكْلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْخَبَائِثِ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهَا لِتَأَذِّي النَّاسِ بِنَتْنِهَا، وَأَمَّا مَا يَخْلِطُ فَيَتَنَاوَلُ الْجِيَفَ وَغَيْرَ الْجِيَفِ عَلَى وَجْهٍ يَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ مِنْ لَحْمِهِ، فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ.\n(^٤) قاله البيهقي «الشعب» (٥/ ١٩)، وقال النووي «المجموع» ٩/ ٣٠): وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالْكَثْرَةِ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالرَّائِحَةِ وَالنَّتْنِ، فَإِنْ وُجِدَ فِي عُرْفِهَا وَغَيْرِهِ رِيحُ النَّجَاسَةِ فَجَلَّالَةٌ وَإِلَّا فَلَا.\n(^٥) «فقه السنة» (١/ ٣٧) تحقيق الشيخ/ مصطفى العدوي.","vol":"1","page":79},{"text":"القول الأول: يُكره الانتفاع بالجلالة، قاله الحنفية، وقول للشافعية، وقول للحنابلة (^١).\nالقول الثاني: يحرم الانتفاع بالجلالة، وهو قول عند الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (^٢).\nواستدل القائلون بالتحريم والكراهة بعموم الأدلة الناهية عن الانتفاع بالجلالة، ومنها: ما ورد عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الْجَلاَّلَةِ فِى الإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا أَوْ يُشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا (^٣).\nوعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لَبَنِ شَاةِ الْجَلالَةِ (^٤)، وَعَنِ الْمُجَثَّمَةِ، وَعَنِ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ.\nالقول الثالث: ذهب المالكية إلى أنه لا بأس بالانتفاع بالجلالة (^٥).\nوالراجح: هو كراهة الشرب من لبن الجلالة، وأكل لحمها وركوب ظهرها، وإذا حُبست بعيدة عن النجاسة، وعُلفت طاهرًا حتى ذهب ريحها النتن، وطاب لحمها الرديء، وذهب اسم الجلالة عنها، حلت، وعلة النهي قد زالت، والله أعلم (^٦).\n_________\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٢٢٣)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٣٠٤)، و«الإنصاف» (١٠/ ٣٥٦).\n(^٢) «المجموع» (٩/ ٣٠)، و«المغني» (٩/ ٣٢٩)، و«الإنصاف» (١٠/ ٣٥٦).\n(^٣) معل: أخرجه أبو داود «السنن» (٣٧٨٧) من طريق عمرو بن أبي قيس، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر به. وتابع عمرو بن أبي قيس عبد الوارث، عن أيوب به، عند البيهقي (٥/ ٢٥٤)، بلفظ: (نهى عن ركوب الجلالة). وأخرجه الترمذي (١٨٢٤) من طريق ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر به. وخالف ابن إسحاق الثوري، فرواه عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مرسلًا بدون ذكر ابن عمر. أخرجه عبد الرزاق (٨٧١٨).\nورجح البخاري الرواية المرسلة، كما في «العلل» للترمذي (ص: ٣٠٤).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (١/ ٢٢٦)، وأبو داود (٣٧٨٦)، والترمذي (١٨٢٥)، والنسائي (٤٤٨) وغيرهم من طرق عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس به، أما رواية قتادة عن يحيى بن أبي كثير فقد ضعفها عدد من أهل العلم.\n(^٥) «المدونة» (١/ ٥٤٢).\n(^٦) قال الكاساني «بدائع الصنائع» (٥/ ٤٠): وَالْأَفْضَلُ أَنْ تُحْبَسَ الدَّجَاجُ حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِي بَطْنِهَا مِنْ النَّجَاسَةِ. وقد روى ابن أبي شيبة (٥/ ١٤٨) بإسناد صحيح، عن ابن عمر أنه كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَأْكُلُهُ.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-65>الفصل الثاني أشياء مختلف في نجاستها والراجح طهارتها</span>\nوينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: طهارة بني آدم، وفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: طهارة بدن المسلم.\nالمبحث الثاني: طهارة بدن المشرك.\nالمبحث الثالث: طهارة مني الإنسان.\nالمبحث الرابع: رطوبة الفرج.\nالمبحث الخامس: طهارة اللبن.\nالمبحث السادس: حكم القيء.\nالقسم الثاني: طهارة الحيوان، وفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: الحيوان مأكول اللحم، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: طهارة الحيوان مأكول اللحم.\nالمطلب الثاني: طهارة الدم في العروق بعد ذبح الحيوان المأكول اللحم.\nالمطلب الثالث: طهارة بول وروث الحيوان مأكول اللحم.","vol":"1","page":81},{"text":"المبحث الثاني: ما لا نفس له سائلة وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: تعريف النفس.\nالمطلب الثاني: طهارة ما لا نفس له سائلة.\nالمبحث الثالث: طهارة الهرة، وهي لها نفس سائلة.\nالمبحث الرابع: طهارة بدن الحيوان المركوب (كالحمار والبغل).\nالمبحث الخامس: طهارة دم الكبد، والطحال، والسمك.\nالمبحث السادس: طهارة إنفحة الميتة.\nالقسم الثالث: طهارة أشياء غير الإنسان والحيوان،\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: طهارة الخمر.\nالمبحث الثاني: طهارة الطِّيب الذي فيه كحول.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-66>القسم الأول طهارة بني آدم</span>\nوفيه ستة مباحث\n\n<span data-type='title' id=toc-67>المبحث الأول: طهارة بدن المسلم:</span>\nسواء كان محدثًا، أم غير محدث، وسواء كان حدثًا أكبر أم أصغر:\nأجمع العلماء على طهارة المسلم إذا كان متطهرًا من الحدث الأكبر والأصغر (^١)، وإذا أحدث حدثًا أكبر كالجنابة أو أصغر كالبول؛ فإنه طاهر عند جمهور العلماء.\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟» فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، يَا أَبَا هِرٍّ، إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (^٢).\nوجه الدلالة: أن أبا هريرة ﵁ كان جنبًا وهو حدث أكبر، وقال له النبي ﷺ: «إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»، ولو كان المحدث نجسًا لما حمل النبي ﷺ أمامة بنت زينب وهو يصلي، ومعلوم أن أمامة كانت جارية وهي على حدث؛ ففي الصحيحين من حديث أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ: كَانَ يُصلي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^٣).\nوروى مسلم عن عَائِشَةَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ، قَالَ لَهَا: «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ المسجدِ»، فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدَيْكِ» (^٤)، أي: لا ينجس من الحائض إلا موضع الأذى.\n_________\n(^١) انظر «شرح النووي» لمسلم (٣/ ٢٦٧).\n(^٢) البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١).\n(^٣) البخاري (٥١٦)، ومسلم (٥٤٣).\n(^٤) مسلم (٢٩٨).","vol":"1","page":83},{"text":"والأدلة على أن المسلم طاهر سواء كان محدثًا أم غير محدث، وسواء كان حدثه أكبر أم أصغر متوافرة ومتضافرة.\nقال شيخ الإسلام: وَأَبْدَانُ الْجُنُبِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ طَاهِرَةٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قولُ النَّبيِّ ﷺ: «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ». وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ بَدَنَ الْجُنُبِ طَاهِرٌ، وَعَرَقُهُ طَاهِرٌ، وَالثَّوْبُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ عَرَقُهُ طَاهِرٌ، وَلَوْ سَقَطَ الْجُنُبُ فِي دُهْنٍ أَوْ مَائِعٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ، بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ (^١).\nوذهب الحنفية في قول إلى أن من أحدث فهو نجس نجاسة حكمية (^٢).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة؛ إذ تطهير الطاهر لا يُعقل.\nواعترض عليه بأن تجديد الوضوء يسمى طهارة مع أنه متطهر، فلا يشترط أن تكون الطهارة عن نجاسة، وأبو هريرة ﵁ لما اعتبر أن حدثه نجاسة أخبره النبي ﷺ بقوله: «المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ».\nوالصحيح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من طهارة بدن المسلم، سواء كان محدثًا أم غير محدث، وسواء كان حدثه أكبر أم أصغر.\n\n<span data-type='title' id=toc-68>المبحث الثاني: طهارة بدن المشرك:</span>\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى طهارة بدن المشرك، وبه قال الحنفية، والصحيح من مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا\n_________\n(^١) «الفتاوى الكبرى» (١/ ٢٢٦).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (١/ ٧٠)، و«تبيين الحقائق» (١/ ٨٨).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (١/ ٦٤)، و«منح الجليل» (١/ ٤٧)، و«المجموع» (١/ ٣٢٠)، و«كشاف القناع» (١/ ٩٣).","vol":"1","page":84},{"text":"الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. فإن كان طعام الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى حلًّا لنا، لزم من ذلك طهارة أبدانهم وأيديهم التي يباشرون بها هذا الطعام، وإذا كان يجوز للمسلم الزواج بالعفيفة من أهل الكتاب، وبالطبع يباشر جسدها، ويصاب من عرقها، عُلم من ذلك طهارة أبدانهن.\nوفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ (^١).\nفلو كان المشرك نجس البدن لما ربط رسول الله ﷺ ثمامة وهو لا يزال مشركًا بسارية في المسجد؛ فدل ذلك على طهارة بدن المشرك (^٢).\nوفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة، وفي البخاري أن النبي ﷺ: «أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، قَالَ: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» (^٣).\nالقول الثاني: أن بدن المشرك نجس، وهو قول عند المالكية، وابن حزم (^٤).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، فدل ذلك على نجاسة بدن المشرك، ونهى لذلك عن دخولهم المسجد الحرام، والأصل أن تُحمل الألفاظ على حقيقتها الشرعية.\nواعترض عليه بأنه إذا أبيح الأكل من طعام أهل الكتاب مع أنهم يباشرون ذلك بأيديهم، فعُلم أن بدن المشرك طاهر، وأن المراد بالنجاسة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ نجاسة معنوية، والقرينة التي دلت على ذلك أن الحكم معلق على وصف، وهو الشرك.\n_________\n(^١) البخاري (٤٣٧٢)، ومسلم (١٧٦٤).\n(^٢) قال السرخسي «المبسوط» (١/ ٤٧): إن النَّبِيَّ ﷺ أَنْزَلَ وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانُوا مُشْرِكِينَ، وَلَوْ كَانَ عَيْنُ الْمُشْرِكِ نَجِسًا لَمَا أَنْزَلَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ.\n(^٣) البخاري (٣٥٧١)، ومسلم (٦٨٢).\n(^٤) «القوانين الفقهية»، و«المحلى» (١/ ١٣٧).","vol":"1","page":85},{"text":"واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْم أَهْلِ الكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قال: «فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا» (^١). قالوا: إن النبي ﷺ لم يأذن في استعمال آنية أهل الكتاب إلا بعد غسلها؛ فدل ذلك على نجاستها.\nواعترض عليه بأنه لا بد من الجمع بين الأدلة، فقد أباح الله لنا الأكل من طعام أهل الكتاب، وقد أكل ﷺ من طعام اليهود (^٢)، ونهى النبي ﷺ عن الأكل من آنية أهل الكتاب نهي احتااط واستحباب، وحَمَله بعض العلماء على أن أهل الكتاب إذا كانوا يُكثرون من أكل الخنزير وشرب الخمور فيُحمل عليه هذا الحديث ليس لنجاسة بدن المشرك، ولكن لنجاسة الخنزير.\nالراجح: ما ذهب إليه جماهير العلماء من طهارة بدن المشرك، والمراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ النجاسة المعنوية، أي: نجاسة الشرك، وإنه لو نطق بالشهادتين صار طاهرًا بإيمانه طهارة معنوية؛ لأن المؤمن لا ينجس.\n\n<span data-type='title' id=toc-69>المبحث الثالث: طهارة مني الإنسان:</span>\nاختلف أهل العلم في طهارة مني الإنسان على قولين:\nالقول الأول: ذهب الشافعية، والحنابلة إلى أن المني طاهر (^٣).\nواستدلوا لذلك بأدلة منها الدليل الأول: ما روى مسلم عن عائشة ﵄ وفيه: (وَإِنِّي\n_________\n(^١) البخاري (٥٤٧٨)، ومسلم (١٩٣٠).\n(^٢) روى البخاري (٣١٦٩) من حديث أبي هريرة ﵁ في قصة أكله عند اليهود ووضع السم في الشاة، قال رسول الله ﷺ: «هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ. قَالَ: «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟» قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟» قَالُوا: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ.\n(^٣) «المجموع» (١/ ١٤٦)، و«مسائل أحمد رواية أبي داود» (١/ ٣٢)، وعند أحمد رواية أن المني نجس، وعنه: أنه يعفى عن يسيره، وقال ابن حزم «المحلى» (١/ ١٣٤): المني طاهر، في الماء كان أو في الجسد أو الثوب لا تجب إزالته، والبصاق مثله لا فرق. اه.","vol":"1","page":86},{"text":"لأَحُكُّهُ - أي: المَنِيَّ- مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَابِسًا بِظُفُرِي) (^١). فعائشة ﵄ كانت تفركْ المَنِيَّ من ثوب رسول الله ﷺ، ولو كان نجسًا لوجب غسله كسائر النجاسات.\nواعترض عليه بأن تطهير النجاسة لا يُشترط غسلها بالماء، فطهارة النجاسة في أسفل النعل بدلكه بالأرض، وطهارة ذيل المرأة إذا أصابه نجاسة يطهره ما بعده من التراب.\nالدليل الثاني: روى ابن خزيمة عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحُكُّ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله ﷺ وهُو يصلي (^٢)، فدل ذلك على طهارة المني إذ كان يصلي به النبي ﷺ، ولو كان نجسًا لوجب غسله قبل الصلاة.\nالدليل الثالث: عن عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَسْلُتُ الْمَنِىَّ مِنْ ثَوْبِهِ بِعِرْقِ الإِذْخِرِ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ وَيَحُتُّهُ مِنْ ثَوْبِهِ يَابِسًا ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ. (^٣) فإذا كان النبي يسلت المني من ثوبه وهو رطب من غير غسل دل ذلك على طهارته.\nوصح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ، أَمِطْهُ عَنْكَ بِعُودٍ أَوْ إِذْخِرٍ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبُصَاقِ أَوِ الْمُخَاطِ (^٤).\n_________\n(^١) مسلم (٢٥٠).\n(^٢) رجاله ثقات: أخرجه ابن خزيمة (٢٩٠)، قال: حدثنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حدثنا إِسْحَاقُ - يَعْنِي الْأَزْرَقَ- نا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ به.\n(^٣) رواه أحمد، وإسحاق بن راهويه «مسنده» (١١٨٥)، وابن خزيمة (٢٩٤)، وفي إسناده عكرمة بن عمار، قال الحافظ: صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب. قلت: وباقي رجاله ثقات، والراوي عن عكرمة عبد الله بن عبيد الله بن عمير.\n(^٤) إسناده صحيح: رواه الشافعي «الأم» (١/ ٥٦)، وابن المنذر «الأوسط» (٢/ ١٥٩) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، وابن جريج، كلاهما يخبر عن عطاء، عن ابن عباس به. ورواه الطبراني «الكبير» (١١/ ١٤٨) من طريق شريك عن عطاء عن ابن عباس مرفوعًا، قال ابن تيمية «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٩٠): وأما رفعه إلى النبي ﷺ فمنكر باطل لا أصل له. قال البيهقي (٢/ ٤١٨): هذا صحيح عن ابن عباس من قوله، وقد رُوي مرفوعًا ولا يصح رفعه.","vol":"1","page":87},{"text":"القول الثاني: ذهب الحنفية والمالكية إلى أن المني نجس ويجب تطهيره (^١).\nواستدلوا لذلك بما رود في الصحيحين عَنْ مَيْمُونَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الحَائِطَ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» (^٢).\nفغسل فرجه من المني فهذا دليل على نجاسة المني.\nقال شيخ الإسلام: الاستنجاء من المني فعل النبي ﷺ وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال (^٣).\nواعترض عليه بأن الغسل لا يدل على النجاسة؛ لأنه قد يغسل ما يستقذر كالمخاط وغيره، وليس هو نجسًا بالإجماع.\nالدليل الثاني: استدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ المَاءِ فِي ثَوْبِهِ (^٤). فدل غسل المني على نجاسته، إذ الطاهر لا يحتاج إلى تطهير.\nواعترض عليه بأن المخاط وكل ما يُستقذر قد يُغسل، وليس بنجس، فليس الغسل دليلًا على النجاسة، ووَرد أن عائشة ﵄ كانت تفرك المني إذا كان يابسًا ولا تغسله.\nالدليل الثالث: عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ الله ﷺ وَأَنَا أَسْقِي نَاقَةً لِي، فَتَنَخَّمْتُ فَأَصَابَتْ نُخَامَتِي ثَوْبِي، فَأَقْبَلْتُ أَغْسِلُ ثَوْبِي مِنَ الرِّكْوَةِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا عَمَّارُ، مَا نُخَامَتُكَ وَلَا دُمُوعُ عَيْنَيْكَ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الَّذِي فِي رِكْوَتِكَ، إِنَّمَا تَغْسِلُ ثَوْبَكَ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ مِنَ الْمَاءِ الْأَعْظَمِ وَالدَّمِ وَالْقَيْءِ» (^٥).\n_________\n(^١) «الدر المختار» (١/ ٣١٢)، و«الاستذكار» (٣/ ١١٣).\n(^٢) البخاري (٢٦٠)، ومسلم (٣١٧).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٩٤).\n(^٤) البخاري (٢٢٩)، ومسلم (٢٨٨).\n(^٥) موضوع: أخرجه أبو يعلى (١٦١١)، وفي إسناده: ثابت بن حماد: متهم بالوضع، وعلي بن زيد ضعيف. قال البيهقي (١/ ١٤): هذا باطل لا أصل له، وكذا قاله ابن تيمية «الفتاوى» (٢١/ ٥٩٤).","vol":"1","page":88},{"text":"واعترض عليه بأن هذا الحديث باطل.\nالدليل الرابع: عَنْ يَحْيَى أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ عُمَرَ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَأَنَّ عُمَرَ عَرَّسَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَرِيبًا مِنْ بَعْضِ الْمِيَاهِ، فَاحْتَلَمَ عُمَرُ وَقَدْ كَادَ أَنْ يُصْبِحَ، فَلَمْ يَجِدْ مَعَ الرَّكْبِ مَاءً، فَرَكِبَ، حَتَّى جَاءَ الْمَاءَ، فَجَعَلَ يَغْسِلُ مَا رَأَى مِنْ الاِحْتِلَامِ حَتَّى أَسْفَرَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: قد أَصْبَحْتَ وَمَعَك ثِيَابٌ، فَدَعْ ثَوْبَكَ يُغْسَلُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاعَجَبًاه لَكَ يَا بْنَ الْعَاصِ، إنْ كُنْتَ تَجِدُ ثِيَابًا أَفَكُلُّ النَّاسِ يَجِدُ ثِيَابًا؟ فوَالله لَوْ فَعَلْتُهَا لَكَانَ سُنَّةً، أَغْسِلُ مَا رَأَيْتُ، وَأَنْضِحُ مَا لَمْ أَرَ (^١).\nقال الباجي: وَقَوْلُهُ: (فَجَعَلَ يَغْسِلُ مَا رَأَى مِنَ الِاحْتِلَامِ حَتَّى أَسْفَرَ) يُرِيدُ أَنَّهُ تَتَبَّعَ مَا كَانَ فِي ثَوْبِهِ مِنْ الْمَنِيِّ حَتَّى أَسْفَرَ الصُّبْحُ رَأَى أَنَّ تَطْهِيرَ ثَوْبِهِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ أَوْلَى مِنْ مُبَادَرَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ بِهِ وَتَتَبُّعَهُ لَهُ حَتَّى ذَهَبَ أَكْثَرُ الْوَقْتِ وَخِيفَ عَلَيْهِ مِنْ ضِيقِهِ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ التَّأْخِيرَ وَأَمَرَهُ بِاسْتِبْدَالِ ثَوْبٍ - دَلِيلٌ عَلَى نَجَاسَةِ الثَّوْبِ عِنْدَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا عِنْدَهُمْ لَمَا اشْتَغَلَ عُمَرُ بِغُسْلِهِ. وَلَوْ اشْتَغَلَ بِهِ لَقِيلَ لَهُ: تَشْتَغِلُ عَنْ الصَّلَاةِ بِإِزَالَةِ مَا لَمْ تَلْزَمْ إزَالَتُهُ (^٢).\nواعترض عليه بأن إسناده منقطع، فيحيى بن عبد الرحمن لم يدرك عمر.\nالدليل الخامس: واستدلوا بأن النبي ﷺ قال لعائشة ﵄: «إذا وجدتِ المني رطبًا فاغسليه، وإذا وجدته يابسًا فحُكيه» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مالك «الموطأ» (١/ ٥٠)، قال النووي «المجموع» (١/ ٢٢٦): يَحْيَى وَإِنْ كَانَ ثِقَةً فَلَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ، بَلْ وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: يَحْيَى ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ عُمَرَ بَاطِلٌ. وَكَذَا قَالَهُ غَيْرُ ابْنِ مَعِينٍ.\n(^٢) «المنتقى» (١/ ١٠٣).\n(^٣) لم أقف عليه مسندًا، قال الحافظ: «الدراية في تخريج الهداية» (١/ ٩١): لم أجده بهذه السياقة.","vol":"1","page":89},{"text":"واعترض عليه بما قاله ابن الجوزي: هذا الحديث لا يُعرف، إنما المنقول أنها هي كانت تفعل ذلك من غير أن يكون أمرها (^١).\nأما دليلهم من المعقول: فاستدلوا بقياس المني على المذي، قال الباجي: دليلنا من جهة القياس أنه مائع تثيره الشهوة، فوجب أن يكون نجسًا كالمذي (^٢).\nواعترض عليه بما قاله ابن القيم: المني والمذي هما حقيقتان مختلفتان في الماهية والصفات والعوارض والرائحة والطبيعة، فدعواك أن المذي مبدأ المني وأنه مني لم يستحكم طبخه - دعوى مجردة عن دليل نقلي وعقلي وحسي فلا تكون مقبولة (^٣).\nواستدلوا بأن المني خارج من مخرج البول، وكل ما خرج من مخرج البول نجس.\nواعترض عليه بأنه قد يخرج من مخرج واحد ما هو طاهر وما هو نجس، فيخرج من الدبر الريح وهو طاهر، ويخرج الغائط وهو نجس، ويخرج من الفم المخاط وهو طاهر، ويخرج القيء وهو نجس على قول.\nواستدلوا بأنه إذا كانت نواقض الوضوء نجسة كالبول والغائط، وإذا كان المني يوجب الغسل فنجاسته من باب أَوْلى.\nواعترض عليه بأن هذه القاعدة ليست مطردة، فخروج الريح ناقض للوضوء بالإجماع، مع أن الريح طاهر بالإجماع لا يُغسل مكانه ولا ما أصاب من الثياب، وكذا مس الفرج ليس بنجس وهو ناقض للوضوء، وكذا أكل لحم الجزور طاهر وهو ناقض للوضوء، ولو مس بولًا أو غائطًا مع أنه نجس بالإجماع لا ينقض وضوءه بل يغسل ما مسه فقط، وكذا لو جامع ولم يُنزل فإن عليه الغسل بالرغم من أنه لم يُمنِ.\nقال الشافعي: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ إذَا غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي الْفَرْجِ الْحَلَالِ وَلَمْ يَأْتِ مِنْهُ مَاءٌ فَأَوْجَبْت عَلَيْهِ الْغُسْلَ، وَلَيْسَتْ فِي الْفَرْجِ نَجَاسَةٌ، وَإِنْ غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي دَمِ خِنْزِيرٍ، أَوْ خَمْرٍ، أَوْ عَذِرَةٍ\n_________\n(^١) «التحقيق» (١/ ١٠٧).\n(^٢) «المنتقى» (١/ ١٠٣).\n(^٣) «بدائع الفوائد» (٣/ ٦٣٩).","vol":"1","page":90},{"text":"وَذَلِكَ كُلُّهُ نَجِسٌ. أَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا. قِيلَ: فَالْغُسْلُ إنْ كَانَ إنَّمَا يَجِبُ مِنْ نَجَاسَةٍ كَانَ هَذَا أَوْلَى أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ مِنْ الَّذِي غَيَّبَهُ فِي حَلَالٍ نَظِيفٍ، وَلَوْ كَانَ يَكُونُ لِقَذَرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ كَانَ الْخَلَاءُ وَالْبَوْلُ أَقْذَرَ مِنْهُ، ثُمَّ لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ غُسْلُ مَوْضِعِهِمَا الَّذِي خَرَجَا مِنْهُ، وَيَكْفِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَسْحُ بِالْحِجَارَةِ (^١).\nوالراجح: ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة من أن المني طاهر؛ لأن عائشة كانت تحك المني من ثوب رسول الله ﷺ، ولو كان نجسًا لما جاز له الصلاة فيه، وصح عن ابن عباس ﴿أنه قال: إنه بمنزلة المخاط. والمخاط طاهر، فدل ذلك على طهارة المني. ودل على ذلك أن المني مبتدأ خلق بني آدم والأنبياء والرسل، فهل يليق أن يكون أصل هؤلاء نجسًا؟ والله يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].\nقال الشافعي: بَدَأَ الله ﷿ خَلْقَ آدَمَ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ وَجَعَلَهُمَا مَعًا طَهَارَةً. وَبَدَأَ خَلْقَ وَلَدِهِ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، فَكَانَ فِي ابْتِدَائِهِ خَلْقَ آدَمَ مِنْ الطَّهَارَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا الطَّهَارَةُ دَلَالَةَ أَنْ لَا يَبْدَأَ خَلْقُ غَيْرِهِ إلَّا مِنْ طَاهِرٍ لَا مِنْ نَجِسٍ.\nوقال ابن القيم: والله تعالى أحكمُ من أن يجعل مَحَالَّ وحيه ورسالاته وقربه مبادئهم نجسة فهو أكرم من ذلك، وأيضًا فإن الله تعالى أخبر عن هذا الماء وكرر الخبر عنه في القرآن ووصفه مرة بعد مرة وأخبر أنه دافق يخرج من بين الصُّلب والترائب وأنه استودعه في قرار مكين، ولم يكن الله تعالى ليكرر ذكر شيء كالعَذِرة والبول ويعيده ويبديه ويخبر بحفظه في قرار مكين ويصفه بأحسن صفاته من الدفق وغيره، ولم يصفه بالمهانة إلا لإظهار قدرته البالغة أنه خلق من هذا الماء الضعيف هذا البشر القوي السَّوِي، فالمهين ههنا الضعيف ليس هو النجس الخبيث، وأيضًا فلو كان المني نجسًا وكل نجس خبيث لما جعله الله تعالى مبدأ خلق الطيبين من عباده والطيبات؛ ولهذا لا يتكون من البول والغائط طيب، فلقد أبعد النجعة مَنْ جعل أصول بني آدم كالبول والغائط في الخبث والنجاسة. والناس إذا سَبُّوا الرجل قالوا: (أصله خبيث) و(هو خبيث الأصل) (^٢).\n_________\n(^١) «الأم» ١/ ٥٦).\n(^٢) «بدائع الفوائد» (٣/ ٦٤٠).","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>المبحث الرابع: رطوبة الفرج:</span>\nقال ابن عابدين: وَأَمَّا رُطُوبَةُ الْفَرْجِ الْخَارِجِ فَطَاهِرَةٌ اتِّفَاقًا (^١).\nقلت: وأما رطوبة الفرج الداخل فطاهرة على قول جمهور العلماء (^٢).\nولو كانت رطوبة الفرج نجسة لبينها النبي ﷺ لأمته ولنقله لنا أمهات المؤمنين وأصحاب النبي الأمين، فلما لم يَرد ذلك عُلم طهارة رطوبة الفرج ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] والأصل الطهارة حتى يثبت خلافه، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-71>المبحث الخامس: طهارة اللبن:</span>\nلبن المرأة المسلمة طاهر بالإجماع. وكذا لبن مأكول اللحم؛ كالإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والظباء وغيرها من الصيود، طاهر بنص القرآن، والأحاديث الصحيحة، والإجماع (^٣).\nوقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦].\nقال الكاساني: خرجت الآية مخرج الامتنان، والمنة موضع النعمة تدل على الطهارة (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-72>المبحث السادس: حكم القيء:</span>\nذهب الحنفية والشافعية في المشهور عنهم إلى نجاسة القيء مطلقًا سواء تغير أم لم يتغير (^٥).\n_________\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٣١٣).\n(^٢) «حاشية الطحاوي» (١/ ٦٤)، و«شرح مسلم» (٣/ ١٩٨)، و«المبدع» (١/ ٢٥٥).\n(^٣) «المجموع» (١/ ٣٠١).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (١/ ٦٣).\n(^٥) اختلف أهل العلم في حكم القيئ على أقوال:\nالقول الأول: أن القيئ نجس مطلقًا سواء تغير أم لم يتغير، وهذا قول الحنفية في المشهور، وقول عند الشافعية كما في «بدائع الصنائع» (١/ ٢٦)، و«المجموع» (٢/ ٥٧٠).\nالقول الثاني: أن القيئ طاهر مطلقًا سواء تغير أم لا وهو قول الشوكاني كما في «السيل الجرار» (١/ ٤٣).\nالقول الثالث: أن القيئ إذا خرج متغيرًا فهو نجس وإن خرج غير متغير فهو طاهر وهو قول بعض الحنفية والمالكية وقول عند الشافعية «تبيين الحقائق» (١/ ٩)، و«حاشية الدسوقي» (١١/ ٥١)، و«المجموع» (٢/ ٥٧٠).","vol":"1","page":92},{"text":"واستدلوا لذلك بحديث عمار، قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَسْقِي نَاقَةً لِي، فَتَنَخَّمْتُ، فَأَصَابَتْ نُخَامَتِي ثَوْبِي، فَأَقْبَلْتُ أَغْسِلُ ثَوْبِي مِنَ الرِّكْوَةِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا عَمَّارُ، مَا نُخَامَتُكَ وَلَا دُمُوعُ عَيْنَيْكَ إِلاَّ بِمَنْزِلَةِ المَاءِ الَّذِي فِي رِكْوَتِكَ، إِنَّمَا تَغْسِلُ ثَوْبَكَ مِنَ البَوْلِ وَالغَائِطِ وَالمَنِيِّ مِنَ المَاءِ الأَعْظَمِ وَالدَّمِ وَالقَيْءِ»، فدل ذلك على أن القيء ينقض الوضوء، وهو نجس. واعترض عليه بأن هذا الحديث باطل.\nواستدلوا بحديث أبي الدرداء ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ، فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: أَنَا صَبَبْتُ لِرَسُولِ الله ﷺ وَضُوءَهُ (^١). قالوا: إن القيء إذا كان ينقض الوضوء فهو نجس.\nواعترض على هذا الاستدلال من وجوه:\nالأول: أن القيء مختلف في نقضه للوضوء، والراجح أنه لا ينقض الوضوء.\nالثاني: لو قلنا: إن القيء ينقض الوضوء، فليس كل ناقض للوضوء نجسًا، فأكل لحم الجزور ينقض الوضوء وهو طاهر بالإجماع، وكذا الريح طاهر وهو ناقض الوضوء.\nالثالث: أن القيء مما تبتلى به الأمهات، ويكثر من الأطفال، ولو كان هذا القيء نجسًا لبينه النبي ﷺ لأمته، ونقله لنا أمهات المؤمنين وصحابة النبي الأمين ﷺ؛ لأن هذا الفعل يكثر ويتكرر وقوعه، فلما لم يُحفظ دليل على نجاسته عُلم أنه طاهر، إذ إن الأصل الطهارة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) سيأتي تخريج هذا الحديث في نواقض الوضوء.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-73>القسم الثاني طهارة الحيوان</span>\nوفيه ستة مباحث\n\n<span data-type='title' id=toc-74>المبحث الأول: الحيوان مأكول اللحم، وفيه ثلاثة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-75>المطلب الأول: طهارة الحيوان مأكول اللحم:</span>\nوَكُلُّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ طَاهِرٌ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فَكُلُّ حَلَالٍ هُوَ طَيِّبٌ، وَالطَّيِّبُ لَا يَكُونُ نَجِسًا بَلْ هُوَ طَاهِرٌ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-76>المطلب الثاني: طهارة الدم الباقي في العروق بعد ذبح الحيوان المأكول اللحم:</span>\nقال ابن تيمية: وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَضَعُونَ اللَّحْمَ بِالْقِدْرِ فَيَبْقَى الدَّمُ فِي الْمَاءِ خُطُوطًا، وَهَذَا لَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا فِي الْعَفْوِ عَنْهُ (^٢).\nوقال ابن العربي: قال الإمام الحافظ: الصحيح أن الدم إذا كان مفردًا حرم منه كل شيء، وإن خالط اللحم جاز؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه، إنما حرم الدم بالقصد إليه (^٣).\nوفي «الجوهرة النيرة»: أما الذي يبقى في اللحم بعد الذكاة فهو طاهر (^٤).\nودل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾.\nفنصت الآية على الدم المسفوح، وهذا غير مسفوح.\n_________\n(^١) «المحلى» (١/ ١٣٧).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٤٢)، وفي «الفروع» (١/ ٢٥٤)، وقال الشيخ تقي الدين فيه: لا أعلم خلافًا في العفو عنه، وأنه لا ينجس العرق، بل يؤكل معها.\n(^٣) «الجامع لأحكام القرآن» (٢/ ٢٩١).\n(^٤) «الجوهرة النيرة» (١/ ٣٨).","vol":"1","page":94},{"text":"قال المرداوي: المحرم هو الدم المسفوح وأما الدم الذي يبقى في خلال اللحم بعد الذبح وما يبقى في العروق - فمباح (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-77>المطلب الثالث: طهارة بول وروث الحيوان مأكول اللحم:</span>\nاختلف أهل العلم في حكم بول وروث الحيوان مأكول اللحم على قولين:\nالقول الأول: ذهب المالكية والمشهور عند الحنابلة إلى طهارة بول وروث الحيوان المأكول (^٢).\nقال شيخ الإسلام: وَبَوْلُ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ طَاهِرٌ، لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَى تَنَجُّسِهِ، بَلْ الْقَوْلُ بِنَجَاسَتِهِ قَوْلٌ مُحْدَثٌ لَا سَلَفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ (^٣).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أنس ﵁ قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا (^٤). فلو كانت أبوال الإبل نجسة لما أمرهم النبي ﷺ أن يشربوا من أبوالها، فدل ذلك على طهارة أبوال الإبل.\nوروى مسلم عن جابر بن سمرة أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ، قَالَ: أُصلي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فإذا كان من شروط الصلاة طهارة البقعة التي يصلي فيها، وقد أذن له النبي ﷺ في الصلاة في مرابض الغنم مع أنها لا تخلو من البول والروث، فدل ذلك على طهارة بول وورث الغنم.\nوفي الصحيحين من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿، قَالَ: (طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ (^٥). فإدخال البعير المسجد، والطواف عليه، وقد يبول البعير أثناء الطواف، فلو كان بوله وروثه نجسًا لما أدخله المسجد.\n_________\n(^١) «الإنصاف» (١/ ٣٢٧).\n(^٢) «مواهب الجليل» (١/ ٩٤)، و«مسائل أحمد رواية عبد الله» (١/ ٣١)، و«المبدع» (١/ ٣٣٨).\n(^٣) «الفتاوى الكبرى» (٥/ ٣١٣).\n(^٤) البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١).\n(^٥) البخاري (١٦٠٨)، ومسلم (١٢٧٢).","vol":"1","page":95},{"text":"واستدلوا بأن الحَمَام يسكن في المسجد الحرام من غير نكير مع أنه يبول، فهذا دليل على طهارته، إذ لو كان بوله نجسًا لأُخرج من المسجد خاصة، فقد أمر الله بتطهير المسجد الحرام بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].\nواستدلوا بما قاله ابن تيمية: فَإِنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ تُزْرَعُ، وَنَتَيَقَّنُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ ذَلِكَ الْحَبَّ وَيُقَرُّونَ عَلَى أَكْلِهِ، وَنَتَيَقَّنُ أَنَّ الْحُبَّ لَا يُدَاسُ إلَّا بِالدَّوَابِّ، وَنَتَيَقَّنُ أَنْ لَا بُدَّ أَنْ تَبُولَ عَلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي يَبْقَى أَيَّامًا، وَهَذِهِ كُلُّهَا مُقَدِّمَاتٌ يَقِينِيَّةٌ (^١).\nالقول الثاني: أن بول وروث الحيوان المأكول نجس، وهو مذهب الشافعية، وقول عند الحنابلة (^٢).\nواستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ …»، فكلمة: «البول» تدل على نجاسة جميع الأبوال، فهنا «أل» تدل على الاستغراق، أي: عامة الأبوال.\nواعترض: بأن المراد بالبول بول الآدمي، دل عليه السياق، و«أل» للعهد الذهني.\nواستدلوا بما روى البخاري عن عَبْدِ اللهِ بن مسعود يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «هَذَا رِكْسٌ» (^٣)، أي: نجس.\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٨٤).\n(^٢) «المجموع» (٢/ ٥٤٧)، و«المستوعب» (١/ ٣١٥).\n(^٣) مدار هذا الحديث على أبي إسحاق فرواه عنه زهير، كما عند البخاري (١٥٦) قال: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: - لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ - وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الله به، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ.\nقلت: فتابع زهير يوسف عند البخاري معلقًا.=","vol":"1","page":96},{"text":"واعترض عليه: بأن الروثة قد تكون روثة حمار أو غير مأكول اللحم، وهي نجسة، حتى لو كانت روثة البهائم أو مأكول اللحم؛ فإنه لا يستنجى بها؛ لأنها طعام إخواننا من الجن.\nوالراجح: طهارة بول وروث الحيوان المأكول، والله أعلم.\n_________\n= ورواه أحمد (٤٢٩٩) قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ به.\nورواه الترمذي (١٧) قال: حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، وَقُتَيْبَةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ به وقال، وَهَكَذَا رَوَى قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ نَحْوَ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ. وَرَوَى مَعْمَرٌ، وَعَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله. وَرَوَى زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الله. وَرَوَى زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الله. وَهَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، هَلْ تَذْكُرُ مِنْ عَبْدِ اللهِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا.\nسَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَيُّ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَصَحُّ؟ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا، فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ وَكَأَنَّهُ رَأَى حَدِيثَ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله، أَشْبَهَ، وَوَضَعَهُ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ.\nوَأَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا عِنْدِي حَدِيثُ إِسْرَائِيلَ، وَقَيْسٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، لأَنَّ إِسْرَائِيلَ أَثْبَتُ وَأَحْفَظُ لِحَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ. وسَمِعْت أَبَا مُوسَى مُحَمَّدَ بْنَ الْمُثَنَّى، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: مَا فَاتَنِي الَّذِي فَاتَنِي مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، إِلاَّ لِمَا اتَّكَلْتُ بِهِ عَلَى إِسْرَائِيلَ، لأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِهِ أَتَمَّ. وَزُهَيْرٌ فِي أَبِي إِسْحَاقَ لَيْسَ بِذَاكَ لأَنَّ سَمَاعَهُ مِنْهُ بِأخِرَةٍ.\nوَسَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتَ الْحَدِيثَ عَنْ زَائِدَةَ، وَزُهَيْرٍ، فَلَا تُبَالِي أَنْ لَا تَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِهِمَا إِلاَّ حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ. وَأَبُو إِسْحَاقَ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ السَّبِيعِيُّ الْهَمْدَانِيُّ. وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ وَلَا يُعْرَفُ اسْمُهُ.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-78>المبحث الثاني: ما لا نفس له سائلة، وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-79>المطلب الأول: تعريف النفس: النفس: هو الدم، وفي الحديث عن أم سلمة قالت: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، قَالَ: «أَنُفِسْتِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. فقوله: «أَنُفِسْتِ؟» يعني: نزل منكِ الدم بالحيض؟ وكذا النفاس يسمى بذلك لنزول الدم.</span>\n<span data-type='title' id=toc-80>المطلب الثاني: طهارة ما لا نفس له سائلة:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن ما لا نفس له سائلة إذا سقط في الماء فإنه طاهر، وبه قال الحنفية، والمالكية، وقول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (^١).\nواستدلوا بما روى البخاري عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً» (^٢).\nوجه الدلالة ما قاله ابن القيم: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِمَقْلِهِ، وَهُوَ غَمْسُهُ فِي الطَّعَامِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الطَّعَامُ حَارًّا، فَلَوْ كَانَ يُنَجِّسُهُ لَكَانَ أَمْرًا بِإِفْسَادِ الطَّعَامِ، وَهُوَ ﷺ إِنَّمَا أَمَرَ بِإِصْلَاحِهِ، ثُمَّ عُدِّيَ هَذَا الْحُكْمُ إِلَى كُلِّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، كَالنَّحْلَةِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، إِذِ الْحُكْمُ يَعُمُّ بِعُمُومِ عِلَّتِهِ، وَيَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ، فَلَمَّا كَانَ سَبَبُ التَّنْجِيسِ هُوَ الدَّمَ الْمُحْتَقِنَ فِي الْحَيَوَانِ بِمَوْتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مَفْقُودًا فِيمَا لَا دَمَ لَهُ سَائِلٌ انْتَفَى الْحُكْمُ بِالتَّنْجِيسِ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ (^٣).\nالقول الثاني: أن ما لا نفس له سائلة إذا سقط في الماء نَجَّسَ الماء، وهو قول عند الشافعية (^٤).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، فإذا مات الذباب\n_________\n(^١) «المبسوط» (١/ ٥١)، و«المدونة» (١/ ١١٥)، و«الأم» (١/ ٥)، و«المغني» (١/ ٤١).\n(^٢) البخاري (٥٧٨٢).\n(^٣) «زاد المعاد» (٣/ ٢١٠).\n(^٤) «الأم» (١/ ٥).","vol":"1","page":98},{"text":"فهو نجس.\nقلت: ولكن هذه الآية عامة، وقد استثني من هذه الآية ما لا نفس له سائلة، وحديث غمس الذباب ثم الشرب من الإناء دليل على الطهارة، إذ لو كان نجسًا لأمر بإراقة ما في الإناء، فكما أن إهاب الميتة إذا دُبِغَ فقد طهر؛ لعموم قول النبي ﷺ: «أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»، فكذا ما لا نفس له سائلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-81>المبحث الثالث: طهارة الهرة، وهي لها نفس سائلة، أو هل ينجس الماء إذا ولغت الهرة فيه؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى طهارة سؤر الهرة، وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nواستدلوا بما ورد عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ فَرْوَةَ، عَنْ خَالَتِهَا كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ لِتَشْرَبَ مِنْهُ، فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ. قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا بْنَةَ أَخِي؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوِ الطَّوَّافَاتِ» (^٢).\n_________\n(^١) «المنتقى» (١/ ٦٢)، و«الأم» (١/ ٦)، و«الفروع» (١/ ٢٤٦).\n(^٢) أخرجه مالك «الموطأ» (١/ ٤٤)، وأحمد (٥/ ٣٠٣)، وأبو داود (٧٥)، والترمذي (٩٢)، وابن ماجه (٣٦٧) من طرق عن إسحاق، عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أم يحيى حميدة عن كبشة به.\nقال ابن منده: أم يحيى اسمها حميدة، وخالتها كبشة، لا يُعرف لهما رواية إلا في هذا الحديث، ومحلها محل الجهالة.\nفي «سنن البيهقي» (١/ ٢٤٥): قال أبو عيسى: سألت محمدًا - يعني: البخاري- عن هذا الحديث، فقال: جود مالك بن أنس هذا الحديث، وروايته أصح من رواية غيره. وقال الترمذي «السنن» (١/ ١٥٣): هذا حديث حسن صحيح، وهذا أحسن شيء رُوي في هذا الباب، وقد جود مالك هذا الحديث، عن إسحاق بن عبد الله، ولم يأت أحد أتم من مالك. وقال الدارقطني «العلل» (٦/ ١٦٣): وأحسنها إسنادًا ما رواه مالك، قال البيهقي: إسناده صحيح، وصححه ابن خزيمة وابن حبان.","vol":"1","page":99},{"text":"فقوله ﷺ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ» يدل على طهارة الهرة وسؤرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-82>المبحث الرابع: طهارة بدن الحيوان المركوب كالحمار والبغل:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى طهارة بدن الحمار والبغل، وبه قال المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (^١).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨].\nفسَخَّر الله الخيل، والبغال، والحمير لتركب، ولا شك أن من ركبها فإنه قد يصاب من عرقها ولعابها، ولو كانت نجسة لما أباحها الله لهم.\nقال ابن قدامة: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي: طَهَارَةُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْكَبُهَا، وَتُرْكَبُ فِي زَمَنِهِ، وَفِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ، فَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُمَا لِمُقْتَنِيهِمَا. فَأَشْبَهَا السِّنَّوْرَ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّهَا رِجْسٌ». أَرَادَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ (^٢). قلت: أي أكلها.\nوذهب الحنابلة في المشهور عنهم إلى أن الحمار والبغل نجسان (^٣).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أنس ﵁: إِنَّ الله وَرَسُولَهُ يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ (^٤).\nواعترض عليه بأن المنهي عنه أكل لحم الحمر، وقوله: «فَإِنَّهَا رِجْسٌ» أي: أكل لحوم الحمر. أما أبدان الحمر وعرقها فهي طاهرة، وكذا البغال.\n_________\n(^١) «التاج والإكليل» (١/ ٩١)، و«المجموع» (٢/ ٥٩٠)، و«الإنصاف» (١/ ٣٤٢).\n(^٢) «المغني» (١/ ٤٤).\n(^٣) «شرح الزركشي» (١/ ١٤٢).\n(^٤) البخاري (٤١٩٨)، ومسلم (١٩٤٠).","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-83>المبحث الخامس: طهارة دم الكبد والطحال والسمك:</span>\nعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» (^١).\nقال المرداوي: والكبد والطحال، وهما دمان، ولا خلاف في طهارتهما.\nقال الجصاص: لما أباح الله السمك بما فيه من الدم من غير إراقة دمه، وقد تلقى المسلمون هذا الخبر بالقبول في إباحة السمك من غير إراقة دمه، وجب تخصيص الآية: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ في إباحة دم السمك؛ إذ لو كان محظورًا لما حل دون إراقة دمه، كالشاة وسائر الحيوان ذوات الدماء (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-84>المبحث السادس: أنفحة الميتة:</span>\nاختلف أهل العلم في أنفحة الميتة إذا أُخذت من حيوان رضيع على قولين:\nالقول الأول: ذهب أبو حنيفة، ورواية عن أحمد إلى طهارة إنفحة الميتة (^٣).\nواستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:\n_________\n(^١) صحيح موقوفًا له حكم الرفع: مدار الحديث على زيد بن أسلم، واختلف عليه في الوقف والرفع: فرواه عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه به، كما عند الشافعي «مسنده» (٢/ ١٧٣)، وأحمد (٢/ ٩٧)، وابن ماجه (٣٢١٨) وغيرهم، وأخرجه ابن عدي «الكامل» (١/ ٣٨٨)، والبيهقي (٩/ ٢٧٥) من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن عبد الرحمن، وعبد الله، وأسامة أبناء زيد بن أسلم، عن أبيه به، وأولاد زيد كلهم ضعفاء، وخالفهم سليمان بن بلال، فرواه عن زيد ابن أسلم، عن ابن عمر موقوفًا عند البيهقي (١/ ٢٥٤)، قال البيهقي: هذا إسناد صحيح. وصحح الموقوف الدارقطني «العلل» (١/ ٢٦٦)، وأبو زرعة وأبو حاتم، وإن كان الصحيح في الحديث الوقف فإن له حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي: «أحل لنا» فيحصل الاستدلال بهذه الرواية؛ لأنها في معنى المرفوع، والله أعلم.\n(^٢) «أحكام القرآن» (١/ ١٧٤).\n(^٣) «البحر الرائق» (١/ ١١٢)، و«الإنصاف» (١/ ٩٢)، و«الفتاوى» (٢١/ ١٠٢).","vol":"1","page":101},{"text":"أما دليلهم من السنة، فعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ السَّمْنِ، وَالْجُبْنِ، وَالْفِرَاءِ قَالَ: «الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ الله فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ» (^١).\nوجه الدلالة: (وَمَا سَكَتَ عَنْهُ، فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ) يدل على أن إنفحة الميتة طاهرة لأنه فيها تحريم. واعترض عليه بأن الحديث لا يصح.\nوأما دليلهم من المأثور: فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: ذَكَرْنَا الْجُبْنَ عِنْدَ عُمَرَ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّهُ يُصْنَعُ فِيهِ أَنَافِح الْمَيْتَةِ. فَقَالَ: سَمُّوا عَلَيْهِ وَكُلُوهُ (^٢).\nوعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ: أَنَّ طَلْحَةَ كَانَ يَضَعُ السِّكِّينَ، وَيَذْكُرُ اسْمَ اللهِ، وَيَقْطَعُ وَيَأْكُلُ (^٣).\nالقول الثاني: ذهب جمهور العلماء إلى نجاسة الإنفحة، وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة في المشهور عنهم (^٤).\n_________\n(^١) ضعيف: رواه الترمذي (١٧٢٦)، وابن ماجه (٣٣٦٧) من طريق سيف عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان مرفوعًا، والحديث فيه علتان:\nالأولى: في إسناده سيف بن هارون: ضعيف.\nالثانية: وخالفه سفيان بن عيينة: فرواه عن التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان موقوفًا، ذكره الترمذي (١/ ١٩٢)، وقال: وكأن الحديث الموقوف أصح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أُراه محفوظًا، روى سفيان عن التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان موقوفًا، وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث «العلل» (٢/ ١٠)، فقال: رواه الثقات، عن التيمي، عن أبي عثمان، عن النبي ﷺ مرسل، ليس فيه سلمان، وهو الصحيح.\n(^٢) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ١٠٠)، عن أبي معاوية عن الأعمش، عن شقيق، عن عمرو به.\n(^٣) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ١٠٠)، عن الفضيل بن دُكين، عن عمرو بن عثمان، عن موسى به. وورد عن الحسن بن علي أنه سئل عن الجبن، فقال: لا بأس به، ضع السكين، واذكر اسم الله عليه وكل. أخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ١٠٠)، وهو ضعيف. في إسناده: جحش مجهول.\n(^٤) «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٢٠)، و«روضة الطالبين» (١/ ١٦)، و«المبدع» (١/ ٧٤).","vol":"1","page":102},{"text":"واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].\nوكذا استدلوا بما روى ثَوْرُ بْنُ قُدَامَةَ قَالَ: جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنْ لَا تَأْكُلُوا مِنَ الْجُبْنِ إِلاَّ مَا صَنَعَ أَهْلُ الْكِتَابِ (^١).\nواعترض عليه بأنه ضعيف، وقد ثبت عن عمر خلافه.\nوالراجح: ما قاله شيخ الإسلام: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ جُبْنَهُمْ حَلَالٌ وَأَنَّ إنْفَحَةَ الْمَيْتَةِ وَلَبَنَهَا طَاهِرٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا فَتَحُوا بِلَادَ الْعِرَاقِ أَكَلُوا جُبْنَ الْمَجُوسِ، وَكَانَ هَذَا ظَاهِرًا شَائِعًا بَيْنَهُمْ، وَمَا يُنْقَلُ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ فَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ مِنْ نَقْلِ بَعْضِ الْحِجَازِيِّينَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ كَانُوا أَعْلَمَ بِهَذَا فَإِنَّ الْمَجُوسَ كَانُوا بِبِلَادِهِمْ وَلَمْ يَكُونُوا بِأَرْضِ الْحِجَازِ (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه البيهقي «الكبرى» (١٠/ ٦)، وفي إسناده إبراهيم العقيلي: مجهول. وروى البيهقي بسند حسن، قال ابن مَسْعُودٍ ﵁: كُلُوا الْجُبْنَ مَا صَنَعَ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ. واعترض عليه بأنه ليس بصريح في المسألة.\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٠٣).","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-85>القسم الثالث طهارة أشياء غير الإنسان والحيوان</span>\nوفيه مبحثان\n\n<span data-type='title' id=toc-86>المبحث الأول: طهارة الخمر.</span>\nاختلف العلماء في نجاسة الخمرعلي قولين:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى نجاسة الخمر، وهو قول الأئمة الأربعة (^١). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. فالله وصف الخمر بأنها رجس، أي: نجسة نجاسة حسية.\nواعترض عليه من وجوه:\nالأول: أن الله قرن بين الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، وإذا كان الميسر والأنصاب والأزلام ليست نجسة نجاسة حسية، عُلم أن الخمر كذلك.\nالثاني: أن في الآية قرينة تدل على أن الرجس يطلق على النجاسة المعنوية وليست الحسية، وهى قوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، وعمل الشيطان ليس حسيًّا، وإنما هو معنوي، أي: إن الشيطان يزين الخمر. وقد دلت آيات من الكتاب العزيز على أن الرجس يطلق على النجاسة المعنوية، وهي نجاسة الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، والآيات كثيرة.\nالثالث: ما قاله النووي: وَلَا يَظْهَرُ مِنْ الْآيَةِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ الرِّجْسَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ\n_________\n(^١) «فتح القدير» (٩/ ٣١ - ٣٢)، و«المنتقى» (١/ ٤٣)، و«الأم» (١/ ٥٢)، و«المغني» (١/ ٤٩).","vol":"1","page":104},{"text":"الْقَذَرُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ النَّجَاسَةُ، وَكَذَا الْأَمْرُ بِالِاجْتِنَابِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ النَّجَاسَةُ (^١).\nالرابع: عن ابن عباس: قوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠].، يقول: سخط (^٢).\nواستدلوا بما روى الطيالسي، عن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي بِأَرْضٍ أَهْلُهَا أَهْلُ الْكِتَابِ يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، فَكَيْفَ بِآنِيَتِهِمْ وَقُدُورِهِمْ؟ فَقَالَ: «دَعُوهَا مَا وَجَدْتُمْ مِنْهَا بُدًّا، فَإِذَا لَمْ تَجِدُوا مِنْهَا بُدًّا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ» - أَوْ قَالَ: «اغْسِلُوهَا، ثُمَّ اطْبُخُوا فِيهَا وَكُلُوا» - قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: «وَاشْرَبُوا» (^٣).\nوجه الدلالة: أن غسل الأواني بسبب أكل لحم الخنزير وشرب الخمر - دليل على نجاستهما.\nواعترض عليه بأن لفظة: (يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ) ضعيفة لعلتين:\nالأولى: أن أبا قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة.\nالثانية: أن الحديث في الصحيحين بدون زيادة أكل لحم الخنزير وشرب الخمر.\nواستدلوا بأنه إذا كان حرم بيع الخمر وعدم الانتفاع به، وقد أمر الرسول بإراقتها، فهذا دليل على النجاسة.\nواعترض عليه: بأنه لا يشترط أن يكون كل حرام نجسًا، وقد قرن بين تحريم الخمر وتحريم بيع الأصنام، والأصنام ليست نجسة، ولكن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه، وهناك بعض الأشياء يحرم بيعها ويجوز الانتفاع بها، كما في الحديث: أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى\n_________\n(^١) «المجموع» (٢/ ٥٨٢).\n(^٢) ضعيف: أخرجه الطبري «تفسيره» (٧/ ٣٢).\n(^٣) أخرجه الطيالسي (١٠١٤)، ولفظ الصحيحين: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، وَأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، أَوْ بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ تَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ، فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا، ثُمَّ كُلُوا فِيهَا …».","vol":"1","page":105},{"text":"بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ». أي: البيع حرام، أما الانتفاع بالميتة في طلي السفن والاستصباح، ودهن الجلود، وغير ذلك من وجوه الانتفاع فمباح.\nالقول الآخر: أن الخمر طاهرة، وبه قال ربيعة، وبعض الشافعية، وداود (^١).\nواستدلوا بأن الأصل طهارة الشيء، والنجاسة تحتاج إلى دليل يقتضي نجاسة الخمر، والأدلة التي ذكروها تدل على تحريم الخمر، وليس فيها دليل صحيح صريح على نجاسة الخمر، والسم محرم الأكل وليس نجسًا.\nوفي الصحيحين عَنْ أَنَسٍ ﵁: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ، فَأَهْرِقْهَا. فَخَرَجْتُ، فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ» (^٢) ولو كانت الخمر نجسة لما سُكبت فِي سِكَكِ المَدِينَةِ لأن النبي ﷺ نهى عن التخلي في طريق الناس، ولم يرد أنهم غسلوا الأواني ولو كانت الخمر نجسة لغُسلت الأواني بعد إراقتها.\nوالراجح: أن الأصل في الأعيان الطهارة، ولم يأت دليل صحيح صريح يفيد نجاسة الخمر، والأدلة التي وردت تفيد تحريم الخمر، وعدم الانتفاع بها، وعدم بيعها وليس فيها ما يفيد النجاسة.\n\n<span data-type='title' id=toc-87>المبحث الثاني: طهارة الطِّيب الذي فيه كحول.</span>\nإذا كان الطيب فيه كحول وإذا شُرب يسكر؛ فإنه يحرم استعماله؛ لأن النبي ﷺ قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».\n«كُلُّ مُسْكِرٍ» يشمل كل مسكر، سواء كان من العطور أو العنب أو غيرهما.\nوقد أمر الله باجتناب الخمر، فلا يجوز الانتفاع بها بأي وجه من وجوه الانتفاع.\n_________\n(^١) «الجامع لأحكام القرآن» (٦/ ٢٨٨)، و«المجموع» (٢/ ٥٨١)، ورجحه الشوكاني كما في «السيل الجرار» (١/ ٣٥)، والصنعاني «سبل السلام» (١/ ٦١).\n(^٢) البخاري (٢٤٦٤)، ومسلم (٣٦٦٢).","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>الفصل الثالث تطهير النجاسات</span>\nوفيه تمهيد وتسعة مباحث\nتمهيد: حكم إزالة النجاسة أو هل تصح العبادات لو كان الإنسان ملتبسًا بالنجاسة؟\nالمبحث الأول: التطهير بالماء أو الاستنجاء، وفيه ثمانية مطالب.\nالمبحث الثاني: تطهير الإناء من ولوغ الكلب.\nالمبحث الثالث: تطهير الثوب إذا أصابه دم الحيض.\nالمبحث الرابع: تطهير الأرض التي أصابتها النجاسة.\nالمبحث الخامس: تطهير الأشياء الصقيلة كالسيف والمرآة والسكين بالمسح.\nالمبحث السادس: تطهير جلد الميتة بالدباغ.\nالمبحث السابع: التطهير بالدلك.\nالمبحث الثامن: التطهير بالاستحالة.\nالمبحث التاسع: الأسآر.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type='title' id=toc-89>التمهيد: حكم إزالة النجاسة</span>\nيختلف حكم إزالة النجاسة من عبادة إلى أخرى، فهناك عبادات لا يشترط لها إزالة النجاسة، فذكرِ الله لا يجب له الطهارة؛ فعن عائشة ﵄ قالت: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَذْكُرُ اللهَ ﷿ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ). وقال رسول الله ﷺ لعائشة ﵄ حين حاضت: «افْعلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجَّ، غَيْرَ ألاَّ تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». فالحائض تفعل كل مناسك الحج من وقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والسعي، وتُكثر من ذكر الله، غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر. أما الصلاة فيشترط لها الطهارة من الحدثين، وكذا الطواف.\n\n<span data-type='title' id=toc-90>المبحث الأول: التطهير بالماء أو الاستنجاء: وفيه ثمانية مطالب:</span>\nالأصل في تطهير النجاسات الماء، فالماء يطهر البدن بالاستنجاء، والمذي، والودي بالغسل، وكذا الثوب والبقعة وغير ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-91>المطلب الأول: حكم النية للاستنجاء.</span>\nنقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على أن طهارة الخبث لا تحتاج إلى نية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-92>المطلب الثاني: الاستنجاء من البول والغائط.</span>\nقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على نجاسة البول والغائط، ومنهم ابن عبد البر، وابن رشد، وابن المنذر، والطحاوي (^٢)، وغيرهم.\nوأجمع العلماء على جواز الاستجمار (^٣)، ودلت على ذلك النصوص المستفيضة.\n_________\n(^١) «تفسير القرطبي» (٥/ ٢١٣)، و«المجموع» (١/ ٣٥٤) وغيرهما.\n(^٢) «التمهيد» (٩/ ١٠٩)، و«بداية المجتهد» (٢/ ١٧٥)، و«الإجماع» (٣٤)، و«شرح معاني الآثار» (١/ ١٠٩).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١٦٧).","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-93>المطلب الثالث: لا يستنجى من الريح:</span>\nقال النووي: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ الرِّيحِ وَالنَّوْمِ وَلَمْسِ النِّسَاءِ وَالذَّكَرِ، وَحُكى عَنْ قَوْمٍ مِنْ الشِّيعَةِ أَنَّهُ يَجِبُ، وَالشِّيعَةُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ (^١).\nقال ابن قدامة: وَلَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ أَوْ خَرَجَتْ مِنْهُ رِيحٌ اسْتِنْجَاءٌ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-94>المطلب الرابع: هل يستنجى من الحصاة والدود؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن الحصاة والدود إذا خرج ناشفًا، فإنه لا يستنجى منه؛ لأن الاستنجاء شُرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة هنا، والحصاة إذا كانت طاهرة وخرجت ناشفة، فهي تشبه الريح، والريح لها رائحة منتنة، فإذا كان لا يستنجى منه فالحصاة الناشفة أَوْلَى.\nوهو مذهب الحنفية، والمالكية، والمشهور عن الشافعية، وبعض الحنابلة (^٣).\nوذهب الشافعية في قول، والحنابلة في المشهور عنهم إلى أنه يشرع الاستنجاء؛ لأنه خارج من مخرج الغائط (^٤).\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أنه لا يجب الاستنجاء إذا خرجت الحصاة ناشفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-95>المطلب الخامس: هل يكفي في الاستنجاء غلبة الظن أم لا بد من اليقين؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه يكفي في الاستنجاء غلبة الظن (^٥).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ\n_________\n(^١) «المجموع» (٢/ ١١٣).\n(^٢) «المغني» (١/ ١٠٠).\n(^٣) «البحر الرائق» (١/ ٢٥٢)، و«حاشية الدسوقي» (١/ ١١٣)، و«روضة الطالبين» (١/ ١٧)، و«المغني» (١/ ١٠٠).\n(^٤) «مغني المحتاج» (١/ ٤٦)، و«المغني» (١/ ١٠٠)\n(^٥) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٣٤٥)، و«الفواكه الدواني» (١/ ١٣٢)، و«روضة الطالبين» (١/ ٧٢)، و«الإنصاف» (١/ ١١٠).","vol":"1","page":109},{"text":"الجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ … (^١).\nقولها: (حَتَّى إِذَا ظَنَّ)، دل ذلك على غلبة الظن، وغسل الجنابة طهارة.\nواعترض عليه بأن الظن يأتي بمعنى اليقين: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠].\nوأجيب عليه: بأن (ظن) تفيد اليقين بقرينة، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، ولا توجد قرينة هنا.\nوذهب بعض الحنفية، وقول عند الحنابلة إلى أنه لا بد من اليقين في الاستنجاء (^٢).\nواستدلوا بماروى مسلم عن ابن عباس ﴿: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانُ لَا يَسْتَنْزِهُ عَنِ الْبَوْلِ» (^٣). فإن كان هذا الرجل يعذب لأنه كان لا يستنزه من بوله كان لا بد من اليقين عند قضاء الحاجة أنه تطهر.\nواعترض عليه بأن معنى الحديث: بأنه لا يهتم بالاستنجاء، أما إذا غلب على ظنه أنه أنقى المحل فقد تطهر، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقد تؤدي كثرة الاستنجاء إلى الوسوسة.\nفالراجح: أنه يكفي في الاستنجاء غلبة الظن، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-96>المطلب السادس: حكم الترتيب بين الاستنجاء والوضوء.</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه يصح الوضوء قبل الاستنجاء، وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (٢٧٣)، ومسلم (٣١٦).\n(^٢) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٣٤٥)، و«الإنصاف» (١/ ١١٠).\n(^٣) مسلم (٢٩٢).\n(^٤) «حاشية ابن عابدين» (١/ ١٢٣)، والخرشي (١/ ١٤١)، و«المهذب» (١/ ٢٧)، و«الإنصاف» (١/ ١١٥). والمشهور عند الحنابلة أنه لا يصح الوضوء قبل الاستنجاء.","vol":"1","page":110},{"text":"واستدلوا بأن من توضأ ثم لف على يده خرقة حتى لا يمس فرجه واستنجى، فإن طهارته صحيحة.\nواستدلوا بما روى البخاري عن علي، قال النبي ﷺ: «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ» (^١).\nواعترض عليه: بأنه وردت عند مسلم «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ» (^٢).\nثم إن الواو لا تقتضي الترتيب، والأصل هو الاستنجاء قبل الوضوء، ولو توضأ ثم لف على يده خرقة واستنجى من غير أن يمس ذكره، فهو جائز على قول جماهير أهل العلم.\nقال الحافظ: يجوز تقديم الوضوء على غسل الذكر ولكن من يقول بمسه يشترط أن يكون ذلك بحائل.\nوالسنة أن يستنجى قبل الوضوء ليخرج من الخلاف، وليأمن من عدم انتقاض طهره (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-97>المطلب السابع: نَضْح الماء على الفرج والسراويل بعد الوضوء:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب نضح الفرج أو السراويل بشيء من الماء (^٤).\nواستدلوا بما ورد عَنْ أَبِي الْحَكَمِ، أَوِ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَنَضَحَ فَرْجَهُ» (^٥).\n_________\n(^١) البخاري (٢٦٩).\n(^٢) مسلم (٣٠٣).\n(^٣) «المجموع» (٢/ ١٢٧).\n(^٤) «البحر الرائق» (١/ ٢٥٣)، «التاريخ والإكليل» (١/ ٢٨٢)، و«المجموع» (٢/ ١٣٠)، و«الفروع» (١/ ١٢٢)، و«الإنصاف» (١/ ١٠٩)، و«المغني» (١/ ١٠٣).\n(^٥) ضعيف: مدار هذا الحديث على الحَكَم واختلف عليه ألوانًا:\nفرواه أحمد (٣/ ٤١٠) وغيره من طرق (شعبة، وأبي عوانة، وجرير) عن منصور عن الحكم ابن سفيان أو أبي الحكم بن سفيان، عن النبي ﷺ. وروى عبد الرزاق (٥٨٦، ٥٨٧) وأحمد (٤/ ١٧٩) وغيرهما من طرق (معمر، والثوري) وغيرهما عن منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان أو سفيان بن أبي الحكم مرفوعًا.\nورواه الطيالسي (١٢٦٨) وغيره عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم، عن أبيه مرفوعًا.\nورواه أبو داود (١٦٧) من طريق زائدة عن منصور، عن مجاهد عن الحكم أو ابن الحكم عن أبيه.\nوأخرجه الحاكم (٦٠٩) من طريق سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن رجل عن أبيه.\nوصحح أبو زرعة عن مجاهد عن الحكم. ورجح أبو حاتم عن الحكم عن أبيه كما في «العلل» (١/ ٤٦). وقال البخاري «التاريخ الكبير» (٢/ ٣٢٩): وقال بعض ولد الحكم بن سفيان: لم يدرك الحكم النبي ﷺ. فهذا تصريح من أهل بيته أن الحكم لم يسمع من النبي ﷺ.\nفالحاصل أن هذا الحديث مضطرب قاله الترمذى ورجح أبو حاتم وغيره طريق الحكم عن النبي ﷺ والحكم لم يدرك النبى ﷺ فالحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ والله أعلم.\nوفي الباب أحاديث كحديث أبي هريرة وعمار وابن عباس وأسامة بن زيد، ولكن لا تصح.","vol":"1","page":111},{"text":"واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nوبالتالي لا يستحب نضح الفرج بعد الوضوء لأنه لا يوجد دليل صحيح يدل على نضح الفرج بعد الوضوء والأصل براءة الذمة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-98>المطلب الثامن: إذا تجاوز الخارج موضع العادة هل لا بد من الاستنجاء أم يكفي الاستجمار؟</span>\nذهب جمهور العلماء (^١) إلى أن الغائط إذا تجاوز الحد المعتاد فإن الحجارة لا تجزئ لأنها لا تنقي، ويتعين الماء الطهور.\nأما الحنفية فقالوا: يكفي بكل مائع مزيل (^٢).\nوالراجح: أن النجاسة تُزال بأي مزيل بالماء أوبالحجارة أوبالمناديل وغيرذلك، ويُشترط أن تُزال عين النجاسة، والأفضل هو الماء لأنه أفضل في الإنقاء، وقد تكون المناديل الورقية أفضل من الأحجار، وإذا تعذر استخدام الماء، فالأحجار تجزئ إذا كانت تنقي، والأمر على حَسَب الاستطاعة.\nقال شيخ الإسلام: ويجزي الاستجمار ولو بواحدة في الصفحتان والحشفة وغير ذلك\n_________\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٣٣٩)، و«مواهب الجليل» (١/ ٢٨٥)، و«الأم» (١/ ٢٢)، و«المجموع» (٢/ ١٤٢)، و«المبدع» (١/ ٨٩)، و«الإنصاف» (١/ ١٠٥).\n(^٢) «البحر الرائق» (١/ ٢٥٤).","vol":"1","page":112},{"text":"لعموم الأدلة بجواز الاستجمار، ولم ينقل عنه ﷺ في ذلك تقدير (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-99>المبحث الثاني: تطهير الإناء من ولوغ الكلب.</span>\nروى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ».\n\n<span data-type='title' id=toc-100>المبحث الثالث: تطهير الثوب إذا أصابه دم الحيض:</span>\nفي الصحيحين من حديث أسماء ﵄ قالت: إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قال ﷺ: «تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقُرُضُهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصلي فِيهِ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-101>المبحث الرابع: تطهير الأرض التي أصابتها النجاسة.</span>\nلتطهير الأرض التي أصابتها النجاسة وجهان:\nالوجه الأول: صَبُّ الماء عليها؛ لما ورد في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ- أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ- فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (^٣).\nالوجه الثاني: جفاف الأرض: روى البخاري عن ابْنِ عُمَرَ قال: كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وَكُنْتُ فَتًى شَابًّا عَزَبًا، وَكَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (^٤).\nقال الحافظ ابن حجر: وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ إِذَا لَاقَتْهَا النَّجَاسَةُ بِالْجَفَافِ، يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ: «لَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ صَبِّ الْمَاءِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى،\n_________\n(^١) الاختيارات (ص: ٩٠).\n(^٢) البخاري (٢٢٧)، ومسلم (١١٠ - ٢٩١).\n(^٣) البخاري (٢٢٠).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٣٨٢)، وقد سبق تخريجه.","vol":"1","page":113},{"text":"فَلَوْلَا أَنَّ الْجَفَافَ يُفِيدُ تَطْهِيرَ الْأَرْضِ مَا تَرَكُوا ذَلِكَ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-102>المبحث الخامس: تطهير الأشياء الصقيلة كالسيف، والمرآة والسكين بالمسح:</span>\nوذلك لأن النجاسة عين خبيثة، فإذا زالت زال حكمها، وكذلك فإن الصحابة﴾ كانوا يقاتلون، وكان يصيب سيوفهم الدم، ولم يُنقل أن النبي ﷺ أمرهم بغسلها. وكذا فالأجسام الصقيلة ليس فيها مسام؛ فلا تدخل فيها النجاسة، فإذا مُسحت طهرت.\n\n<span data-type='title' id=toc-103>المبحث السادس: تطهير جلد الميتة بالدباغ:</span>\nروى مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» (^٢).\nقال أبو داود: قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: يُسَمَّى إِهَابًا مَا لَمْ يُدْبَغْ، فَإِذَا دُبِغَ لَا يُقَالُ لَه: إِهَابٌ، إِنَّمَا يُسَمَّى شَنًّا وَقِرْبَةً (^٣).\nقال الجوهري: والإهاب: الجلد ما لم يُدبغ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-104>المبحث السابع: التطهير بالدلك::</span>\nعَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً فَكَيْفَ نَصْنَعُ إِذَا مُطِرْنَا؟ قَالَ: «أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟» قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: «فَهَذِهِ بِهَذِهِ» (^٥).\nقال الخطابي: قال مالك: إن الأرض يُطهر بعضها بعضًا، إنما هو أن يطأ الأرض القذرة، ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة، فإن بعضها يُطهر بعضها، فأما النجاسة مثل البول ونحوه\n_________\n(^١) «فتح الباري» (١/ ٢٧٩).\n(^٢) مسلم (١٠٥) (٣٦٦).\n(^٣) «السنن» (١/ ٣٧١، ٣٧٢).\n(^٤) «الصحاح» (١/ ٨٩).\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٦/ ٤٣٥).","vol":"1","page":114},{"text":"يصيب الثوب أو بعض الجسد، فإن ذلك لا يطهره إلا الغسل، وهذا إجماع (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-105>المبحث الثامن: التطهير بالاستحالة:</span>\nقال ابن القيم: وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَطَهَارَةُ الْخَمْرِ بِالِاسْتِحَالَةِ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ لِوَصْفِ الْخُبْثِ، فَإِذَا زَالَ الْمُوجِبُ زَالَ الْمُوجَبُ، وَهَذَا أَصْلُ الشَّرِيعَةِ فِي مَصَادِرِهَا وَمَوَارِدِهَا بَلْ وَأَصْلُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَعَلَى هَذَا فَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ تَعْدِيَةُ ذَلِكَ إلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ إذَا اسْتَحَالَتْ، وَقَدْ نَبَشَ النَّبِيُّ ﷺ قُبُورَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ مَوْضِعِ مَسْجِدِهِ، وَلَمْ يَنْقُلْ التُّرَابَ، وَقَدْ أَخْبَرَ الله سُبْحَانَهُ عَنْ اللَّبَنِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا عُلِفَتْ بِالنَّجَاسَةِ ثُمَّ حُبِسَتْ وَعُلِفَتْ بِالطَّاهِرَاتِ، حَلَّ لَبَنُهَا وَلَحْمُهَا، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ وَالثِّمَارُ إذَا سُقِيَتْ بِالْمَاءِ النَّجَسِ ثُمَّ سُقِيَتْ بِالطَّاهِرِ حَلَّتْ لِاسْتِحَالَةِ وَصْفِ الْخُبْثِ وَتَبَدُّلِهِ بِالطَّيِّبِ، وَعَكْسُ هَذَا أَنَّ الطَّيِّبَ إذَا اسْتَحَالَ خَبِيثًا صَارَ نَجَسًا كَالْمَاءِ وَالطَّعَامِ إذَا اسْتَحَالَ بَوْلًا وَعَذِرَةً، فَكَيْفَ أَثَّرَتِ الِاسْتِحَالَةُ فِي انْقِلَابِ الطَّيِّبِ خَبِيثًا وَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي انْقِلَابِ الْخَبِيثِ طَيِّبًا؟! وَاَلله تَعَالَى يُخْرِجُ الطَّيِّبَ مِنْ الْخَبِيثِ وَالْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْأَصْلِ، بَلْ بِوَصْفِ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ (^٢).\nقال شيخ الإسلام: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ طَهُرَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ فَإِنَّ نَفْسَ النَّجِسِ لَمْ يَطْهُرْ لَكِنْ اسْتَحَالَ، وَهَذَا الطَّاهِرُ لَيْسَ هُوَ ذَلِكَ النَّجِسَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِيلًا مِنْهُ وَالْمَادَّةُ وَاحِدَةٌ، كَمَا أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ هُوَ الزَّرْعَ وَالْهَوَاءَ وَالْحَبَّ وَتُرَابُ الْمَقْبَرَةِ لَيْسَ هُوَ الْمَيِّتَ وَالْإِنْسَانُ لَيْسَ هُوَ الْمَنِيَّ، وَاَلله تَعَالَى يَخْلُقُ أَجْسَامَ الْعَالَمِ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ وَيُحِيلُ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ، وَهِيَ تُبَدَّلُ مَعَ الْحَقَائِقِ لَيْسَ هَذَا هَذَا (^٣).\n_________\n(^١) «معالم السنن» (١/ ١٠٢).\n(^٢) «إعلام الموقعين» (١/ ٤٤٥).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٦٠٨).","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>المبحث التاسع: الأسآر، وفيه ثلاثة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-107>المطلب الأول: سؤر الآدمي:</span>\nسؤر الآدمي طاهر، سواء كان محدثًا أو غير محدث، وسواء كان رجلًا أو امرأة، دل على ذلك النصوص المستفيضة، وقد كان الصحابة﴾ يشرب بعضهم من سؤر بعض، ولو كان سؤر الآدمي نجسًا لبين ذلك النبي ﷺ لأمته.\nفي الصحيحين عن أَنَسِ ﵁: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا، وَأَتَى دَارَهُ، فَحَلَبْتُ شَاةً، فَشُبْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ البِئْرِ، فَتَنَاوَلَ القَدَحَ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَأَعْطَى الأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: «الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ» (^١).\nوعَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ، فَيَشْرَبُ (^٢).\nوسؤر الكافر طاهر؛ لأن الله أباح طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم، والأكل من آنيتهم. وصح أن النبي ﷺ وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة، وأن أحد الصحابة كان جنبًا فاغتسل من ذلك الماء.\n\n<span data-type='title' id=toc-108>المطلب الثاني: طهارة سؤر ما يؤكل لحمه:</span>\nقال ابن قدامة: أجمع الفقهاء على طهارة سؤر ما يؤكل لحمه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-109>المطلب الثالث: طهارة سؤر الهرة:</span>\nعَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبٍ، أَنَّهَا صَبَّتْ لِأَبِي قَتَادَةَ مَاءً يَتَوَضَّأُ بِهِ، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ، فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا بْنَةَ أَخِي أَتَعْجَبِينَ؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ أَوالطَّوَّافَاتِ».\n_________\n(^١) البخاري (٥٦١٩)، ومسلم (٢٠٢٩).\n(^٢) مسلم (٣٠٠).\n(^٣) «المغني» (١/ ٤٥)، وقال ابن المنذر «الإجماع» (ص: ٣٤): وأجمعوا على أن سؤر ما أُكل لحمه طاهر، ويجوز شربه والوضوء به.","vol":"1","page":116},{"text":"خلاصة ما ورد في النجاسات\nالمبحث الأول: تعريف النجاسة في الشرع: هي قذر مخصوص وهي ما يمنع من الصلاة كالبول والغائط.\nالمبحث الثاني: أقسام النجاسات:\nالقسم الأول: النجاسة التي تخرج من الآدمي:\nالمخرج الأول: خروج الغائط من الدبر. نجس بالإجماع، ولعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦].\nالمخرج الثاني: النجاسة التي تخرج من القُبل كالبول والمذي والودي\n١ - نجاسة البول: بول الآدمي الكبير نجس بالإجماع، وبول الصبي الصغير نجس عند الجمهور، وبعض الحنابلة والظاهرية يقول بطهارة بول الصبي الصغير الذي لم يأكل الطعام.\nواستدلوا بأن النبي ﷺ نضح من بول الصبي الرضيع ولم يغسله.\nواعترض عليه بأن التخفيف في تطهير النجاسة لا يدل علي الطهارة فثوب المرأة الطويل إذا أصابه نجاسة يطهره ما بعده من التراب، وقيل: إن هذا تخفيف في رش الماء من بول الصبي دون الجارية لكثرة حمل الذكران لفرحهم بهم.\n٢ - نجاسة المذي: أجمعت الأمة على نجاسة المذي وهو الذي يخرج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجده من اللذة، وفي الصحيحين عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ ابْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ».\n٣ - نجاسة الودي: وهو ماء أبيض يخرج عقيب البول، وحكمه حكم البول فهو يخرج","vol":"1","page":117},{"text":"عقباه ويجري مجراه فهو نجس بالإجماع.\n٤ - خروج دم الحيض من فرج المرأة نجس بالإجماع.\n٥ - الدم المسفوح نجس لعموم قوله تعالى: ﴿قلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أي نجس.\nالمخرج الثالث: خروج البول والغائط من غير السبيلين نجس لعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣].\nالقسم الثاني: نجاسة الحيوان غير الأنسان:\n١ - نجاسة لعاب الكلب: لعموم قول النبي ﷺ: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ». يدل على النجاسة التي حلت بولوغ الكلب فيه، فإذا كان الماء ينجس بلعاب الكلب، فلعابه نجس.\n٢ - نجاسة الخنزير: نقل ابن المنذر إجماع العلماء على نجاسة الخنزير، ودل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥].\n٣ - ذهب الحنفية والحنابلة إلى نجاسة سباع البهائم والطير.\nواستدلوا بحديثٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بِأَرْضِ الْفَلَاةِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ فَقَالَ: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الْخَبَثَ» ومعنى الحديث أن السباع إذا ولغت وشربت من الماء فإن كان قليلًا فإنها تنجسه، فهذا دليل على نجاسة السباع.\n٤ - نجاسة الميتة: نُقل الإجماع على نجاسة الحيوان ذي الدم الذي ليس بمائي إذا مات حتف أنفه بغير ذكاة شرعية.\n٥ - والجلالة: هي التي تأكل العَذِرة، من الإبل، والغنم، والدجاج، وغيرها، حتى يتغير ريحها، فإن حُبست بعيدة عن العذرة زمنًا وعُلفت طاهرًا فطاب لحمها وذهب اسم الجلالة عنها، حلت؛ لأن علة النهي قد زالت.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type='title' id=toc-110>الفصل الثاني أشياء مختلف في نجاستها والراجح طهارتها</span>\n<span data-type='title' id=toc-111>القسم الأول: طهارة الآدمي، وفيه:</span>\n١ - طهارة المسلم سواء كان محدثًا أو غير محدث لعموم قول النبي ﷺ: «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ».\n٢ - طهارة بدن المشرك: لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فإذا كان طعامهم حِلًا لنا لزم من ذلك طهارة أيديهم التي يباشرون بها الطعام، وإذا كان يجوز للمسلم الزواج بالعفيفة من أهل الكتاب وبالطبع يباشر جسدها ويصاب من عرقها، ولو كان المشرك نجس البدن لما ربط رسول الله ﷺ ثمامة بن أثال، بسارية في المسجد وهو لا يزال مشركا فدل ذلك على طهارة بدن المشرك، أما المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فهو نجاسة معنوية، أي نجاسة الشرك، وأنه لو تشهد بالشهادتين صار طاهرًا بإيمانه لأن المؤمن لا ينجس.\n٣ - طهارة المني: لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]. وإذا كان مبتدأ خلق بني آدم ومنهم الأنبياء والرسل فهل يكون أصل هؤلاء نجسًا، وصح عن ابن عباس ﵁ قال: «الْمَنِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْمُخَاطِ» قلت: وإذا كان المخاط طاهرًا فكذا المني. والله أعلم.\n٤ - طهارة رطوبة فرج المرأة: قال ابن عابدين: وأما رطوبة الفرج الخارج فطاهرة اتفاقًا. ولو كانت رطوبة فرج المرأة نجسة لبينها النبي ﷺ لأمته ولنقله لنا أمهات المؤمنين، فلما لم يرد ذلك علم طهارة رطوبة الفرج.\n٥ - طهارة اللبن: فلَّبن المرأة طاهر بالإجماع، وكذا لبن مأكول اللحم، قال تعالى ممتنًا على عباده: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [المائدة: ٦٦].\n٦ - طهارة القيء: أن القيء مما تبتلى به الأمهات، ويكثر من الأطفال، ولو كان هذا","vol":"1","page":119},{"text":"القيء نجسًا لبينه النبي ﷺ لأمته، ونقله لنا أمهات المؤمنين وصحابة النبي الأمين ﷺ؛ لأن هذا الفعل يكثر ويتكرر وقوعه، فلما لم يُحفظ دليل على نجاسته عُلم أنه طاهر، إذ إن الأصل الطهارة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-112>القسم الثاني: أنواع الحيوان الطاهر:</span>\n١ - طهارة الحيوان مأكول اللحم: وقد نقل ابن حزم الإجماع على طهارة لحمه.\n٢ - طهارة الدم الباقي في العروق بعد ذبح الحيوان المأكول اللحم.\n٣ - طهارة بول وروث الحيوان مأكول اللحم: لأن النبي ﷺ أَمَر بعض المرضى بالشرب من أبوال الإبل. فهذا يدل على طهارتها، وطاف النبي ﷺ على بعير وقد يبول البعير أثناء الطواف، ولو كان بوله وروثه نجسًا لما أدخله النبي ﷺ المسجد، والحمَام يسكن في المسجد الحرام من غير نكير مع أنه يبول.\n٤ - طهارة ما لا نفس له سائلة: لعموم قوله ﷺ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً».\n٥ - ذهب جمهور العلماء إلى طهارة سؤر الهرة: لعموم ما ورد عن أبي قتادة أنه أصغى الإناء للهرة حتى شربت منه ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ».\n٦ - طهارة بدن الحيوان المركوب كالحمار والبغل: لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [المائدة: ٨]. فسَخَّر الله الخيل، والبغال، والحمير لتُركب، ولا شك أن من ركبها فإنه قد يصاب من عرقها ولعابها، ولو كانت نجسة لما أباحها الله لهم.\n٧ - طهارة دم الكبد والطحال والسمك: لعموم قول ابْنِ عُمَرَ، «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ».\n٨ - إنفحة الميتة طاهرة. وهل الخمر نجسة؟ الأصل في الأعيان الطهارة ولم يأت دليل صحيح صريح يدل على نجاسة الخمر، والأدلة التي وردت تفيد تحريم الخمر وعدم الانتفاع بها وغير ذلك، وليس فيها ما يفيد النجاسة، والله أعلم.","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type='title' id=toc-113>الفصل الثالث: تطهير النجاسات</span>\n<span data-type='title' id=toc-114>١ - حكم ازالة النجاسة:</span> هناك عبادات يشترط لها إزالة النجاسة كالصلاة، وهناك عبادات لا يشترط لها إزالة النجاسة كالذكر، فكان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.\n<span data-type='title' id=toc-115>٢ - الأصل في تطهير النجاسات الماء،</span> فالماء يطهر البدن بالاستنجاء وكذا يُطَهِّر من المذي والودي بغسل، ويُطَهّر الثوب والمكان وغير ذلك.\n<span data-type='title' id=toc-116>٣ - تطهير الإناء من ولوغ الكلب:</span> لما روى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ».\n<span data-type='title' id=toc-117>٤ - تطهير الثوب إذا أصابه دم الحيض:</span> في الصحيحين من حديث أسماء ﵄ قالت: إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قال ﷺ: «تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقُرُضُهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصلي فِيهِ».\n<span data-type='title' id=toc-118>٥ - تطهير الأرض التي أصابتها النجاسة:</span> لتطهير الأرض التي أصابتها النجاسة وجهان: الوجه الأول: صَبُّ الماء عليها؛ لما ورد في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ- أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ- فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ».\nالوجه الثاني: جفاف الأرض: روى البخاري عن ابْنِ عُمَرَ قال: كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، وَكُنْتُ فَتًى شَابًّا عَزَبًا، وَكَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-119>٦ - تطهير جلد الميتة بالدباغ:</span>\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ».","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-120>٧ - التطهير بالدلك:</span>\nفعَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً فَكَيْفَ نَصْنَعُ إِذَا مُطِرْنَا؟ قَالَ: «أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟» قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: «فَهَذِهِ بِهَذِهِ».\n\n<span data-type='title' id=toc-121>٨ - التطهير بالاستحالة:</span>\nقال شيخ الإسلام: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ طَهُرَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ فَإِنَّ نَفْسَ النَّجِسِ لَمْ يَطْهُرْ لَكِنْ اسْتَحَالَ، وَهَذَا الطَّاهِرُ لَيْسَ هُوَ ذَلِكَ النَّجِسَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِيلًا مِنْهُ وَالْمَادَّةُ وَاحِدَةٌ، كَمَا أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ هُوَ الزَّرْعَ وَالْهَوَاءَ وَالْحَبَّ وَتُرَابُ الْمَقْبَرَةِ لَيْسَ هُوَ الْمَيِّتَ وَالْإِنْسَانُ لَيْسَ هُوَ الْمَنِيَّ، وَاَلله تَعَالَى يَخْلُقُ أَجْسَامَ الْعَالَمِ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ وَيُحِيلُ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ، وَهِيَ تُبَدَّلُ مَعَ الْحَقَائِقِ لَيْسَ هَذَا هَذَا.\n* * *","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-122>الباب الثالث: الآنية</span>\nوفيه أربعة مباحث\nالمبحث الأول: حكم استعمال الأواني من الجواهر النفيسة كالياقوت والفيروز وغيرهما\nإلا الذهب والفضة.\nالمبحث الثاني: الآنية المتخذة من الذهب والفضة، وفيه ستة مطالب:\nالمطلب الأول: حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة.\nالمطلب الثاني: حكم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب.\nالمطلب الثالث: حكم الطهارة في أواني الذهب والفضة.\nالمطلب الرابع: حكم اتخاذ أواني الذهب والفضة.\nالمطلب الخامس: حكم الأكل والشرب في الإناء المضبب بالذهب.\nالمطلب السادس: حكم الإناء المضبب بالفضة.\nالمبحث الثالث: في طهارة آنية الكفار.\nالمبحث الرابع: الآنية المتخذة من الميتة، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: الأواني المتخذة من جلود الميتة.\nالمطلب الثاني: حكم الأواني المتخذة من عظام الميتة وقرنها.\nالمطلب الثالث: حكم الأواني المتخذة من شعر الميتة ووبرها وصوفها.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-123>المبحث الأول حكم استعمال الأواني من الجواهر النفيسة كالياقوت والفيروز وغيرهما إلا الذهب والفضة</span>\nحُكي الإجماع على جواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة غير الذهب والفضة.\nقال ابن حجر: وَقد نَقَل ابن الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ، وَتَبِعَهُ الرَّافِعِيُّ وَمَنْ بَعْدَهُ (^١).\nقلت: ولكن هذا الإجماع منخرم، فقد حدث خلاف في المسألة.\nوهذا القول ذهب إليه الحنفية والمشهور عند المالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا لذلك بأن الأصل في الأشياء الإباحة، دل على الأصل عموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٢٩].\nقال ابن حزم: فَصَحَّ أن كل مسكوت عن ذكره بتحريم أو أمر فهو مباح (^٣).\nوقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٩].\nقال بعض المالكية: وحكى قولًا في مذهب الشافعية أنه يحرم الأكل والشرب وسائر الاستعمال في الأواني النفيسة (^٤).\n_________\n(^١) «فتح الباري» (١٠/ ١٠٠).\n(^٢) «البناية» (١/ ٨٢)، و«الشرح الكبير» للدسوقي (١/ ٦٤)، و«المجموع» (١/ ٣٠٨)، و«الإنصاف» (١/ ٧٩).\n(^٣) «المحلى» (٢/ ٢٢٤).\n(^٤) «مواهب الجليل» (١/ ١٢٩)، و«المجموع» (١/ ٣٠٨).","vol":"1","page":124},{"text":"واستدلوا بأنه إذا كانت العلة في الذهب والفضة هي الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، فهي محرمة، فمن باب أَوْلى هذه الأواني النفيسة التي هي أغلى ثمنًا من الذهب والفضة.\nواعترض عليه بأن هذه الأواني من الياقوت والزبرجد نادرة ولا يعرفها إلا خواص الناس، والحكم للغالب.\nوالراجح: جواز استعمال الأواني النفيسة من الزبرجد والياقوت غير الذهب والفضة.\n* * *","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type='title' id=toc-124>المبحث الثاني الآنية المتخذة من الذهب والفضة</span>\nوفيه ستة مطالب\n\n<span data-type='title' id=toc-125>المطلب الأول: حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة:</span>\nحكى الإجماع على تحريم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة.\nواعترض عليه بأن هذا الإجماع منخرم فقد ورد خلاف في المسألة (^١).\nولكن ذهب إلى التحريم الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بما روى مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إن الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ- إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» (^٣).\n_________\n(^١) فقد ورد قول للشافعي في القديم كما في «المجموع» (١/ ٣٠٢)، ورواية عن أحمد كما في «الإنصاف» (١/ ٨٠) على أن النهي عن الأكل والشرب للكراهة.\nواعترض عليه بأن هذا الوعيد الشديد يدل على التحريم بلا شك، وذهب داود الظاهري إلى أنه يحرم الشرب خاصة دون الأكل.\n(^٢) «البحر الرائق» (١/ ٢١٠)، و«التمهيد» (١٦/ ١٠٤)، و«الأم» (١/ ١٠)، و«الإنصاف» (١/ ٩٧).\n(^٣) مدار الحديث على نافع عن زيد بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أم سلمة. وقد اختلف على نافع في متنه: فرواه علي بن مسهر عن نافع به عند مسلم (٢٠٦٥) بذكر الأكل والذهب، وتابع علي بن مسهر أبو أسامة كما عند ابن أبي شيبة «المصنف» (٥/ ١٠٣). وخالفهما جماعة من الثقات الأثبات عن نافع بلفظ: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» بدون ذكر الأكل والذهب، منهم: مالك كما في «الموطأ» (٢/ ٩٢٤)، والبخاري (٥٦٣٤)، ومسلم (٢٠٦٥)، والليث بن سعد عند مسلم (٢٠٦٥)، ويحيى بن سعيد القطان عند مسلم (٢٠٦٥)، وأيوب السختياني، ومحمد بن بشر، وموسى بن عقبة عند مسلم (٢٠٦٥)، وجرير بن حازم عند أحمد (٦/ ٣٠٤)، وصخر بن جويرية عند الطيالسي (١٦٠١)، وإسماعيل بن أمية عند النسائي «الكبرى» (٦٨٧٤)، وغيرهم. فدل ذلك أن ذكر الأكل. قال البيهقي: وذكر الأكل والذهب غير محفوظ في غير رواية عليِّ بن مسهر.","vol":"1","page":126},{"text":"واعترض عليه بأن ذكر الأكل والذهب ليس محفوظًا من حديث أم سلمة، وأن المحفوظ ما ورد في الصحيحين عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ،، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ».\nواستدلوا بما روي عن حذيفة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-126>المطلب الثاني: حكم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب.</span>\nنقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، كالادهان والتطيب والوضوء وغيرها من سائر الاستعمالات.\nفقال ابن عبد البر: وَالْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ لَا يُجِيزُونَ اسْتِعْمَالَ الْأَوَانِي مِنَ الذَّهَبِ، كَمَا لَا يُجِيزُونَ\n_________\n(^١) مدار الحديث على عبد الرحمن بن أبي ليلى:\n١ - فرواه مجاهد عن عبد الرحمن عن حذيفة مرفوعًا به، وانفرد مجاهد من وجه عنه بذكر الأكل، أي: «وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا»، واختلف على مجاهد، فرواه سيف بن أبي سليمان عند البخاري (٥٤٢٦)، ومسلم (٢٠٦٧)، وابن أبي نجيح عند البخاري (٥٨٣٧)، ومسلم (٢٠٦٧)، ومنصور عند مسلم (٢٠٦٧) ثلاثتهم عن مجاهد به بذكر الأكل مع الشرب، ورواه عبد الله بن عون عند البخاري (٥٦٣٣)، ومسلم (٢٠٦٧)، وأبو بشر عند ابن ماجه (٣٤١٤) بالاقتصار على ذكر الشرب.\n٢ - عن الحكم بن أبي ليلى بدون ذكر الأكل عند البخاري (٥٦٢٣)، ومسلم (٢٠٦٧).\n٣ - عن يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى بدون ذكر الأكل عند مسلم (٢٠٦٧).\n٤ - أخرجه البزار (٧/ ٢٨٧) من طريق محمد بن طلحة بن مصرف عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة بدون ذكر الأكل.\nأما طريق عبد الله بن حكيم فقد رواه مسلم (٢٠٦٧) بدون ذكر الأكل.","vol":"1","page":127},{"text":"ذَلِكَ مِنَ الْفِضَّةِ (^١).\nوقال ابن قدامة: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ اسْتِعْمَالَ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (^٢) (^٣).\nقلت: ورد خلاف في المسألة: قال الشوكاني: وَأَمَّا حِكَايَةُ النَّوَوِيِّ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ فَلَا تَتِمُّ مَعَ مُخَالَفَةِ دَاوُدَ وَالشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ (^٤).\nفالصحيح أن هذا قول الجمهور وليس في المسألة إجماع.\nواستدلوا لذلك بأن الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة محرم، وعلة التحريم هي السرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء، ويقاس عليه سائر الاستعمال؛ لأن العلة في تحريم الأكل والشرب موجودة في الاستعمال.\nوذهب الصنعاني (^٥) والشوكاني (^٦) إلى أنه لا يحرم إلا الأكل والشرب؛ لأن الأحاديث نص في تحريم الأكل والشرب، دل ذلك على أن ما عداهما جائز، ولو كان الاستعمال حرامًا لبينه رسول الله ﷺ وما كان ربك نسيًّا.\n_________\n(^١) «التمهيد» (١٦/ ١٠٥)، و«الاستذكار» (٢٦/ ٢٧٠).\n(^٢) «المغني» (١/ ١٠١).\n(^٣) وممن نقل الإجماع ابن مفلح كما في «المبدع» (١/ ٦٦).\n(^٤) «نيل الأوطار» (١/ ٦٧). قال النووي «المجموع» (١/ ٣٠٦) أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الِاسْتِعْمَالِ فِي إنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُدَ وَإِلَّا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ. وقال ابن مفلح «الفروع» (١/ ٩٧): إن التحريم هو قول الجمهور مما يدل على أنه لا إجماع في الباب. وقال الحافظ ابن حجر «فتح الباري» (١٠/ ١٠٠). فيما نقله عن القرطبي: في الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَيُلْحَقُ بِهِمَا مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِثْلُ التَّطَيُّبِ وَالتَّكَحُّلِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالَاتِ، وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ، وَأَغْرَبَتْ طَائِفَةٌ شَذَّتْ فَأَبَاحَتْ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَصَرَ التَّحْرِيمَ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ.\n(^٥) «سبل السلام» (١/ ٦٣).\n(^٦) «نيل الأوطار» (١/ ٦٧).","vol":"1","page":128},{"text":"واعترض عليه بأن ذكر الأكل والشرب لا يدل على التخصيص؛ لأنه خرج مخرج الغالب وأن الله حرم الأكل والشرب لأنه نوع من الاستعمال، ولهذا شواهد: قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، وليس المحرم أكل مال اليتيم فقط ولكن المحرم سائر الاستعمالات، وذِكْر بعض أفراد العام لا يخصصه.\nفالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء أنه يحرم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، وذكر بعض أفراد العام لا يخصصه.\n\n<span data-type='title' id=toc-127>المطلب الثالث: حكم الطهارة في آنية الذهب والفضة.</span>\nاختلف العلماء على قولين:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الطهارة في آنية الذهب والفضة صحيحة مع الإثم، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن أحمد (^١).\nواستدلوا لذلك بأن حقيقة الوضوء هو جريان الماء على الأعضاء فليس هذا بمحرم، كما أنه لو أكل في إناء الذهب لم يكن المأكول حرامًا، إنما المحرم إناء الذهب، فكذا الطهارة.\nقال الشافعي: وَلَمْ أَزْعُمْ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي شَرِبَ وَلَا الطَّعَامَ الَّذِي أَكَلَ فِيهَا مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ وَكَانَ الْفِعْلُ مِنْ الشُّرْبِ فِيهَا مَعْصِيَةً، فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يُنْهَى عَنْهَا وَلَا يَحْرُمُ الْمَاءُ فِيهَا؟ قِيلَ لَهُ - إنْ شَاءَ اللهُ-: إنَّ رَسُولَ الله ﷺ إنَّمَا نَهَى عَنْ الْفِعْلِ فِيهَا لَا عَنْ تِبْرِهَا، وَقَدْ فُرِضَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ وَتَمَوَّلَهَا الْمُسْلِمُونَ وَلَوْ كَانَتْ نَجِسًا لَمْ يَتَمَوَّلْهَا أَحَدٌ وَلَمْ يَحِلَّ بَيْعُهَا وَلَا شِرَاؤُهَا (^٢).\nالقول الثاني: لا تصح الطهارة في آنية الذهب والفضة، وهو قول في مذهب المالكية ورواية عند الحنابلة، وبه قال داود الظاهري (^٣).\n_________\n(^١) «البحر الرائق» (٨/ ٢١١)، و«مواهب الجليل» (١/ ٥٠٦)، و«المجموع» (١/ ٣٠٧)، و«المغني» (١/ ٥٨).\n(^٢) «الأم» (١/ ٢٣).\n(^٣) «الفواكه الدواني» (٢/ ٣١٩)، و«المغني» (١/ ٥٨)، و«المجموع» (١/ ٣٠٧)، و«المحلى» (١/ ٢٠٨).","vol":"1","page":129},{"text":"واستدلوا بأنه لما حرم استعمال الإناء كان التطهر به معصية، دل ذلك على أنه لا يجزئ التطهر منه.\nواعترض عليه: بأنه لا تلازم بين التحريم والصحة إلا إذا كان في ركن العبادة أو شرطها، أما إذا كان في أجنبي عنها لم يؤثر، كما لو صلى رجل وفي يده خاتم ذهب فهو محرم ويأثم مع صحة الصلاة.\nقال شيخ الإسلام: وَالْإِنَاءُ فِي الطَّهَارَةِ أَجْنَبِيٌّ عَنْهَا؛ فَلِهَذَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا (^١).\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من صحة الطهارة مع الإثم، والنهي عن استعمال الآنية لم يكن عائدًا للوضوء وإنما هو لأمر خارج، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-128>المطلب الرابع: حكم اتخاذ أواني الذهب والفضة.</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه يحرم اتخاذ أواني الذهب والفضة، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة في المشهور عنهم (^٢).\nاستدلوا بعموم قوله ﷺ: «فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ»، مفهومه أنها ليست لكم في الدنيا، دل ذلك على تحريم الاتخاذ والاستعمال للمؤمنين في الدنيا (^٣)، وإذا كانت العلة في الاستعمال السرف والخيلاء فهي موجودة في الاتخاذ (^٤)، والاتخاذ ذريعة للاستعمال.\nقال ابن عبد البر: مَعْلُومٌ أَنَّ مَنِ اتَّخَذَهَا لَا يَسْلَمُ مِنْ بِيعَهَا أَوِ اسْتِعْمَالِهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَأْكُولَةً وَلَا مَشْرُوبَةً، فَلَا فَائِدَةَ فِيهَا غَيْرَ اسْتِعْمَالِهِ (^٥).\n_________\n(^١) «الفتاوى الكبرى» (١/ ٤٣٨).\n(^٢) «الاستذكار» (٢٦/ ٢٧٠)، و«المجموع» (١/ ٣٠٨)، و«الإنصاف» (١/ ٩٧).\n(^٣) «المنتقى» (٧/ ٢٣٦) للباجي.\n(^٤) «المجموع» (١/ ٣٠٨).\n(^٥) «الاستذكار» (٢٦/ ٢٧٠).","vol":"1","page":130},{"text":"وذهب الحنفية وقول عند المالكية وبعض أصحاب الشافعي ورواية عند أحمد (^١) إلى جواز اتخاذ أواني الذهب والفضة.\nواستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين أن حذيفة ﵁ اقْتَنَى إِنَاءٍ مِنْ الفِضَّةٍ.\nواستدلوا بأن الأحاديث وردت بتحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، والاتخاذ غير ذلك فلا يدخل في هذه النصوص.\nواستدلوا بجواز اتخاذ أواني الفضة بالقياس على جواز اتخاذ ثياب الحرير.\nواعترض عليه بأن هذا قياس مع الفارق فإن ثياب الحرير إذا كانت محرمة للرجال فقد أبيحت للنساء، أما تحريم آنية الذهب والفضة فمحرمة على النساء والرجال.\nفالراجح: حرمة اتخاذ أواني الذهب والفضة؛ لعموم قوله ﷺ: «فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا» مفهومه أنها ليست لكم في الدنيا، وإذا كانت العلة في الاستعمال هي السرف والخيلاء فهو موجودة في الاتخاذ، وإذا رآها الفقير فقد ينكسر قلبه فهو لا يجد ما يسد جوعته ويواري سوءته وهذا الغني يتخذ هذه الأواني، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-129>المطلب الخامس: حكم الأكل والشرب في الإناء المضبب بالذهب.</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: بجواز الأكل والشرب بالإناء المضبب بالذهب، وهو قول أبي حنيفة وبعض المالكية وقول عند الشافعية، وبعض الحنابلة (^٢).\nواستدلوا لذلك بأن المحرم هو آنية الذهب والفضة، والمضبب بالذهب لا يطلق عليه إناء ذهب.\n_________\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٣٤٢)، و«حاشية الصاوي» (١/ ٢٦)، و«المجموع» (١/ ٣٠٨)، و«الإنصاف» (١/ ٨٠).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٥/ ١٣٢)، و«مواهب الجليل» (١/ ١٢٩)، و«المجموع» (١/ ٣١٢)، و«المغني» (١/ ٥٩).","vol":"1","page":131},{"text":"واستدلوا بالقياس، فكما أنه يحرم على الرجل لبس الحرير وأبيح إن كان يسيرًا وكان تابعًا، فكذا المضبب بالذهب إذا كان كذلك. وكما أنه يحرم إناء الفضة وإذا كان مضببًا جاز، فكذا الذهب.\nواعترض عليه بأن النص أباح المضبب بالفضة، والفضة أقل ثمنًا من الذهب وأوسع ولذا أبيح الخاتم من الفضة.\nالقول الثاني: يحرم التضبيب بالذهب، وهو المشهور عن المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١)، واستدلوا بعموم النصوص التي تدل على تحريم آنية الذهب والفضة، فيدخل في النص القليل والكثير من الضبة، واستثنى الفضة بالنص فبقي ضبة الذهب على التحريم.\nواعترض عليه بأنه إذا أبيحت ضبة الفضة فيقاس عليه الذهب لأن النص المحرم جَمَع بين حكمها، فلما أبيح ضبة الفضة أبيحت ضبة الذهب.\n\n<span data-type='title' id=toc-130>المطلب السادس: حكم الإناء المضبب بالفضة:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى جواز التضبيب بالفضة، وإليه ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (^٢)، واستدلوا لذلك بما روى البخاري (^٣) من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ» قَالَ عَاصِمٌ: رَأَيْتُ القَدَحَ وَشَرِبْتُ فِيهِ. فدل ذلك على أن المضبب بالفضة جائز.\nوذهب مالك في قول ورواية عن أحمد أنه لا يجوز التضبيب بالفضة مطلقًا (^٤).\nواستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:\nأما دليلهم من السنة فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ مِنْ إِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ\n_________\n(^١) «المنتقى» (٧/ ٢٣٦)، و«روضة الطالبين» (١/ ٤٦)، و«الإنصاف» (١/ ٧٩).\n(^٢) «البحر الرائق» (٨/ ٢١٢)، و«روضة الطالبين» (١/ ٤٥)، و«المبدع» (١/ ٦٧).\n(^٣) «البخاري» (٣١٠٩).\n(^٤) «التمهيد» (١٦/ ١١١)، و«مواهب الجليل» (١/ ١٢٩)، و«الإنصاف» (١/ ٨٣).","vol":"1","page":132},{"text":"فِضَّةٍ أَوْ إِنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» (^١).\nواعترض عليه بأن زيادة (أو إناء فيه شيء من ذلك) منكرة.\nأما دليلهم من المأثور:\n١ - فعَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنه كَانَ لَا يَشْرَبُ مِنْ قَدَحٍ فِيهِ حَلْقَةُ فِضَّةٍ، وَلَا ضَبَّةُ فِضَّةٍ» (^٢).\n٢ - وعَن عمْرَة أَنَّهَا قَالَتْ: كنا مع عائشة فما زلنا بها حتى رخصت لنا فِى الحلي ولم ترخص لنا فِي الْإِنَاء المفضض (^٣).\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء وهو جواز الوضوء في الإناء المضبب بالفضة؛ لما ورد أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ، ولأن النبي ﷺ نهى عن الشرب في آنية الفضة، ولا يقال للإناء المضبب بالفضة إنه إناء من فضة فلا يدخل في عموم النهي.\n* * *\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: وزيادة «أو إناء فيه شيء» زيادة منكرة، أخرجه الدارقطني (١/ ٤٠)، والبيهقي «السنن الكبرى» (١/ ٤٥)، وفي «تنقيح التحقيق» (١/ ٣٢١)، قال ابن القطان: حديث ابن عمر لا يصح، وزكريا هو وأبوه لا يُعرفان.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٠٤).\n(^٣) أخرجه البيهقي «السنن الكبرى» (١/ ٢٩).","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-131>المبحث الثالث في طهارة آنية الكفار</span>\nاختلف أهل العلم في طهارة آنية الكفار على خمسة أقوال:\nالقول الأول: يُكره استعمال أواني المشركين قبل غسلها، وهو قول الحنفية (^١).\nواستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي المُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ الله فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ المُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» (^٢).\nنهى النبي ﷺ عن استعمال أواني الكفار مع وجود غيرها والنهي إذا كان للتحريم فقد وردت أدلة تصرف النهي للكراهة كقوله تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ (٥)﴾ [المائدة]، وقد أكل النبي ﷺ من طعام أهل الكتاب.\nالقول الثاني: ذهب مالك إلى أنه يجب غسل ما استعملوه من الآنية، ولا يجب غسل ما صنعوه ولم يستعملوه (^٣) لعموم قول النبى ﷺ: «فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا»، والنهي للتحريم، وأهل الكتاب يأكلون الميتة فيغلب على آنيتهم النجاسة.\nواعترض عليه بأن النبي ﷺ أكل من طعام أهل الكتاب، ولو كان محرمًا ما فعله ﷺ. وأما التفريق الذي فرقوه فليس عليه دليل.\n_________\n(^١) «البحر الرائق» (٨/ ٢٣٢)، و«المبسوط» (١/ ٩٧).\n(^٢) «البخاري» (٥٤٧٨)، و«مسلم» (١٩٣٠).\n(^٣) «مختصر خليل» (ص ١١)، و«مواهب الجليل» (١/ ١٢١).","vol":"1","page":134},{"text":"القول الثالث: إذا تيقن طهارتها لم يُكره له استعمالها، وإن لم يَتَقن طهارتها كره استعمالها حتى تُغسل، وبه قال الشافعية (^١).\nالقول الرابع: يباح استعمال آنية الكفار حتى يُعلم نجاستها، وبه قال الحنابلة (^٢)، واستدلوا لذلك بما روي في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: أَصَبْتُ جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ. قَالَ: فَالْتَزَمْتُهُ، فَقُلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا. قَالَ: «فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَبَسِّمًا» (^٣). والجراب إناء من آنية أهل الكتاب، ولو كان غسله واجبًا لبينه رسول الله ﷺ.\nوروى البخاري عن أبي هريرة وفيه: «هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟»، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ. قَالَ: «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟»، قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ (^٤). فالنبي ﷺ أكل من طعام اليهود في آنيتهم، وصح أن النبي ﷺ وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة، وأحدهم اغتسل منها. واستدلوا أيضًا بأن الأصل في أواني المشركين الطهارة حتى يُعلم نجاستها.\nالقول الخامس: يجب غسل أواني المشركين ولا يجب غسل أواني أهل الكتاب، وهو قول عند الحنابلة (^٥). واستدلوا بأن أهل الكتاب تحل ذبيحتهم بخلاف المشركين، فكذا لا يجب غسل أوانيهم بخلاف المشركين.\nواعترض عليه: بما ورد في الصحيحين من حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة.\nوالراجح: أنه يستحب غسل آنية المشركين وأهل الكتاب جمعًا بين حديث أبي ثعلبة والأدلة التي تُجوز ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) «المجموع» (١/ ٣١٩، ٣٢٠).\n(^٢) «المغني» (١/ ٦٢)، و«الإنصاف» (١/ ٨٥).\n(^٣) «البخاري» (٥٥٠٨)، و«مسلم» (١٧٧٢)، واللفظ له.\n(^٤) «البخاري» (٣١٦٩).\n(^٥) «المغني» (١/ ٦٢)، و«الإنصاف» (١/ ٨٥).","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-132>المبحث الرابع الآنية المتخذة من الميتة</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-133>المطلب الأول: هل الدباغ يطهر جلود الميتة أم لا؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسالة على أقوال:\nالقول الأول: أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ مطلقًا، وبه قال مالك، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^١).\nواستدلوا لهذا القول بالقرآن والسنة:\nأما دليلهم من القرآن فعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].\nفإذا كان الجلد جزء من الميتة فلا يطهر بالدباغ كاللحم.\nواعترض عليه بأن الذي يحرم بالموت هو اللحم.\nأما الشعر فهو طاهر على قول الجمهور اذا جز سواء في حال الحياة أو بعد الموت، أما الجلد فقد صح فيه قول النبي ﷺ «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ» (^٢).\n_________\n(^١) حاشية الدسوقي (١/ ٥٤، ٥٥)، (١/ ٧٠)، والمغني (١/ ٥٣).\n(^٢) حسن: مدار الحديث على زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن وعلة عن ابن عباس ورواه سليمان بن بلال عن زيد به. كما أخرجه مسلم (٣٦٦). ورواه ابن عيينة عن زيد به بلفظ: «أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ». أخرجه أحمد (١/ ٢١٩)، والترمذي (١٧٢٨)، وابن ماجه (٣٦٠٩). ورواه مالك، وسفيان الثوري، وعبد العزيز بن محمد بن زيد به باللفظين معًا كما في الموطأ (٢/ ٤٩٨)، وعبد الرازق (١٩٠)، الترمذي (١٧٢٨) ومدار الحديث على عبد الرحمن بن وعلة وإن كان ضعفه أحمد فقد وثقه ابن معين والنسائي وقال أبو حاتم: شيخ وقال الحافظ: صدوق.","vol":"1","page":136},{"text":"أما دليلهم من السنة فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ الله ﷺ بِأَرْضِ جُهَيْنَةَ وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ: أَنْ لَا تَسْتَمْتِعُوا مِنِ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ (^١).\nواعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) هذا الحديث قد اختلف في سنده ومتنه ألوانًا: أما الخلاف في سنده، فرواه الحكم بن عتيبة، واختلف عليه:\nالطريق الأول: فرواه جماعة منهم: (محمد بن جعفر ووكيع ومنصور والأعمش) وغيرهم كثير عن الحكم بن عتيبة عن ابن أبي ليلى عن عكيم مرسلًا، أخرجه احمد (٤/ ٣١١)، والنسائي (٣٢٥٠)، والترمذي (١٧٢٩)، وابن ماجه (٣٦١٣) وغيرهم.\nالطريق الثاني: الحكم عن رجال مجهولين عن عبد الله بن عكيم به. أخرجه ابو داود (٤١٢٨).\nالطريق الثالث: الحكم عن عبد الله بن عكيم به. أخرجه أحمد (٤/ ٣١٠) وأرجح هذه الروايات ما رواه الجماعة من الثقات كغندر ووكيع ومنصور والأعمش وغيرهم عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم. وراه القاسم بن مخيمرة واختلف عليه، فرواه القاسم عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ من جهينة عند الطحاوي «شرح معاني الآثار» (١/ ٤٦٨)، ورواه القاسم عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم. رواه ابن حبان (١٢٧٩).\nوكما اختلفوا في سنده فقد اختلفوا في متنه: فقيل: قبل وفاته بثلاثة أيام، فقيل: قبل وفاته بشهر، وقيل: قبل وفاته بشهر أو شهرين.\nقال الترمذي (٤/ ١٩٤) سمعت أحمد بن الحسن يقول: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل موته بشهرين أو كان يقول: كان هذا آخر أمر النبي ﷺ، ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده حيث روى بعضهم فقال عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ من جهينة. وفي «التمهيد» (٤/ ١٦٤) قال داود بن علي: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث فضعفه وقال: ليس بشيء إنما يقول: حدثني الأشياخ.\nوقال ابن عبد البر: وهذا اضطراب كما ترى يوجب التوقف عن العمل بمثل هذا الخبر.\nوقال النووي: وحديث ابن عكيم أعل بأمور ثلاثة:\nأحدها: الاضطراب في إسناده.\nالثاني: الاضطراب في متنه، فروى قبل موته بثلاثة أيام، وروى بشهرين، وروى بأربعين يومًا.\nالثالث: الاختلاف في صحبته، قال البيهقي وغيره: لا صحبة له فهو مرسل.","vol":"1","page":137},{"text":"القول الثاني: أن الدباغ يطهر جميع الجلود حتى جلد الكلب والخنزير وهو قول الظاهرية (^١)\nواستدلوا بما روى مسلم عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله يقول: «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ» (^٢).\nوفي الصحيحين عن ابن عباس قال: وَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ شَاةً مَيِّتَةً، أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟» فقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ: قَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» (^٣).\nوانفرد مسلم في رواية بلفظ: «هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟» فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» وزيادة: «فَدَبَغْتُمُوهُ» شاذة (^٤).\nعن عائشة عن النبي ﷺ قال: «طَهُورُ كُلِّ أَدِيمٍ دِبَاغُهُ» (^٥).\n_________\n(^١) «المحلى» لابن حزم (١/ ١٣٢).\n(^٢) مسلم (٣٦٦).\n(^٣) البخاري (١٤٩٢)، ومسلم (٣٦٣).\n(^٤) مدار الحديث علي الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، واختلف على الزهري فيه: فرواه ابن عيينة عن الزهري بذكر «فَدَبَغْتُمُوهُ» ورواه مالك في الموطأ (٢/ ٤٩٨)، وصالح بن كيسان عند البخاري (٢٢٢١) ومسلم (٣٦٥)، يونس بن يزيد عند البخاري (١٤٢١) ومسلم (٣٦٣) ومعمر عند عبد الرزاق (١٨٤، ١٨٥) وأحمد (١/ ٣٦٥) وغيرهم عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس بدون زيادة: «فَدَبَغْتُمُوهُ»؛ فتبين شذوذ ذكر الدباغ من طريق ابن عيينة.\nقال ابن تيمية «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٠١): ليس في صحيح البخاري ذكر الدباغ ولم يذكر عامة أصحاب الزهري عنه لكن ذكره ابن عيينة، ورواه مسلم في صحيحه، وقد طعن الإمام أحمد في ذلك وأشار إلى غلط ابن عيينة فيه، وذكر أن الزهري وغيره كانوا يبيحون الانتفاع بجلود الميتة بلا دباغ لأجل الحديث فهذا شذوذ في المتن، وفي نفس الحديث شذوذ في السند أيضًا لابن عيينة فهناك خلاف عليه في جعل الحديث من مسند ميمونة، وأصحاب الزهري الثقات الأثبات جعلوا الحديث من مسند ابن عباس.\n(^٥) أخرجه الدارقطني (١/ ٤٩)، والبيهقي (١/ ٢١) وغيرهما من طريق إبراهيم بن الهيثم عن علي بن عياش عن محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عائشة به. وقال الدارقطني: إسناده حسن كلهم ثقات.","vol":"1","page":138},{"text":"القول الثالث: إن الدباغ لا يطهر ما تحله الذكاة وهو قول مالك في رواية وقول عند الحنابلة (^١).\nعن سلمة أن النبي ﷺ أَتَى عَلَى بَيْتٍ قُدَّامُهُ قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَسَأَلَ النَّبِيُّ الشَّرَابَ؟ فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: «دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا». وفي لفظ: «ذَكَاةُ الأَدِيمِ دِبَاغُهُ»، وفي لفظ: «دِبَاغُهُ طَهُورُهُ» (^٢).\nوجه الدلالة بأن ذكاة الأديم دباغه، فإن الدباغ ينزل منزلة الذكاة فالذي يحل جلده إذا مات حتف أنفه، وما لا يحل أكل لحمه إذا ذكى ذكاة شرعية كالحمار الدباغ لا يحل جلده إذا مات حتف أنفه.\nواعترض على هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: أن الحديث ضعيف. الثاني: أن قد ورد لفظة: «دِبَاغُهُ طَهُورُهُ» فهو يدل على أن الدباغ يطهر كل إهاب، وهو يوافق حديث: «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ».\nقال أبو ثور: وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّهُ لَا يُتَوَضَّأُ فِي جِلْدِ خِنْزِيرٍ وَإِنْ دُبِغَ فَلَمَّا كَانَ الْخِنْزِيرُ حَرَامًا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَإِنْ ذُكِّيَ وَكَانَتْ السِّبَاعُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا وَإِنْ ذُكِّيَتْ كَانَ حَرَامًا أَنْ يُنْتَفَعَ بِجِلُودِهَا وَإِنْ دُبْغَتْ قِيَاسًا عَلَى ما أجمعوا عليه من الخنزير إذ كَانَتِ الْعِلَّةُ وَاحِدَةً (^٣).\nعن أبي المليح بن أسامة عن أبيه أن رسول الله ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ (^٤).\n_________\n(^١) البيان والتحصيل (١/ ١٠١)، الإنصاف (١/ ٨٧).\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (٥/ ٦) وفي إسناده جون بن قتادة مجهول، قال أحمد: لا أعرفه، وقال الترمذي: لا أدري من هو. وقال ابن المديني: جون معروف. وقال مرة أخرى: مجهول. فالراجح أن جون مجهول والحديث ضعيف، والله أعلم.\nوالفرق بين قوله: «ذَكَاةُ الأَدِيمِ دِبَاغُهُ» فإن الدباغ ينزل منزلة الذكاة فالذي يحل أكل لحمه بالذكاة فالدباغ يحل جلده إذا مات والذي لا يحل أكل لحمه كالحمار فالدباغ لا يحل جلد. أما قوله: «دِبَاغُهُ طَهُورُهُ» فهو يدل على أن الدباغ يطهر كل إهاب سواء كانت الزكاة أم لا؟\n(^٣) الاستذكار (١٥/ ٣٢٦).\n(^٤) الحديث يرويه قتادة عن أبي المليح به. ورواه عن قتادة سعيد بن أبي عروبة، وسعيد أثبت في قتادة ولم يختلف على قتادة، أخرجه أحمد (٥/ ٧٤). ورواه شعبة عن يزيد الرشك عن أبي المليح عن النبي ﷺ مرسلًا أخرجه الطبراني «الكبير» (١/ ١٩٢) من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به. وأخرجه البزار (٢٣٣٢) من طريق محمد بن المثنى عن شعبة عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه فوافق حديث سعيد بن أبي عروبة. وعلى كل حال فقتادة أثبت من يزيد الرشك، ويزيد حصل عليه خلاف كثير مما يوهن رواية يزيد. فالصحيح رواية قتادة عن أبي المليح عن أبيه أن رسول الله نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ، وإسناده صحيح، والله أعلم.","vol":"1","page":139},{"text":"القول الرابع: أن الدباغ يطهر جميع جلود الميتة بما في ذلك ما لا يؤكل لحمه إلا الكلب والخنزير وبه قال الشافعية (^١) (^٢).\nقال الشافعي: وجلود ما لا يؤكل لحمه من السباع قياسا عليها إلا جلد الكلب والخنزير فإنه لا يطهر بالدباغ؛ لأن النجاسة فيهما وهما حيان قائمة، وإنما يطهر بالدباغ ما لم يكن نجسًا حيًّا (^٣).\nفالشافعي استدل بطهارة جميع الجلود لعموم قول النبي ﷺ «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ». واستثنى الكلب والخنزير لأنهما مما إذا كانا نجاسان وهم حيّان فكذا بعد الموت.\nأما الحنفية فيرون طهارة جلد الكلب بالدباغ أما الخنزير فلا يطهر بالدباغ. وكذا استثنى جلد الإنسان فلا يجوز الانتفاع به لاحترامه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-134>المطلب الثاني: حكم الأواني المتخذة من عظام الميتة وقرنها </span>(^٥).\nاختلف أهل العلم في حكم الآنية المتخذة من عظام الميتة على قولين:\n_________\n(^١) الأم (١/ ٩)، والمجموع (١/ ٢٧٥).\n(^٢) الأم (١/ ٩)، والمجموع (١/ ٢٧٥).\n(^٣) الأم (١/ ٢٢).\n(^٤) «البحر الرائق» (١/ ١١٢)، و«بدائع الصنائع» (١/ ٦٣).\n(^٥) الآنية المتخذة من عظام مأكول اللحم إذا ذكي تذكية شرعية يحل استعمالها، ويحرم استعمال الآنية المتخذة من عظام الآدمي لكرامة المؤمن وتحريم المثلة بالكافر.","vol":"1","page":140},{"text":"القول الأول: ذهب الحنفية إلى جواز اتخاذ الآنية من عظام الميتة (^١).\nواستدلوا بأن علة نجاسة الميتة إنما هو احتباس الدم؛ ولذا ما لا نفس له سائلة كالذباب إذا وقع في الإناء فمات فلا يتنجس الإناء، فالعظم أَوْلى بعدم التنجيس.\nالقول الآخر: ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن عظام الميتة نجسة مثل لحم الميتة (^٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، والعظم من جملتها فيكون محرمًا، وعموم قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ٧٨ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨]، وما يحيا فهو يموت، ولأن دليل الحياة الإحساس والألم، والألم في العظم أشد من الألم في اللحم والجلد.\nواعترض عليه بما قاله شيخ الإسلام: وَأَمَّا الْعِظَامُ وَنَحْوُهَا فَإِذَا قِيلَ: إنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمَيْتَةِ لِأَنَّهَا تُحِسُّ وَتَأْلَمُ. قِيلَ لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ: أَنْتُمْ لَمْ تَأْخُذُوا بِعُمُومِ اللَّفْظِ؛ فَإِنَّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ كَالذُّبَابِ وَالْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ لَا يُنَجِّسُ عِنْدَكُمْ وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مَعَ أَنَّهَا مَيِّتَةٌ مَوْتًا حَيَوَانِيًّا. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءٌ وَفِي الْآخَرِ شِفَاءٌ». وَمَنْ نَجَّسَ هَذَا قَالَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: إنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَائِعَاتِ الْوَاقِعَ فِيهَا لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّ عِلَّةَ نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ إنَّمَا هُوَ احْتِبَاسُ الدَّمِ فِيهَا، فَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ فَإِذَا مَاتَ لَمْ يَحْتَبِسْ فِيهِ الدَّمُ؛ فَلَا يُنَجِّسُ. فَالْعَظْمُ وَنَحْوُهُ أَوْلَى بِعَدَمِ التَّنْجِيسِ مِنْ هَذَا؛ فَإِنَّ الْعَظْمَ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ وَلَا كَانَ مُتَحَرِّكًا بِالْإِرَادَةِ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ. فَإِذَا كَانَ الْحَيَوَانُ الْكَامِلُ الْحَسَّاسُ الْمُتَحَرِّكُ بِالْإِرَادَةِ لَا يُنَجِّسُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ، فَكَيْفَ يُنَجِّسُ الْعَظْمُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ! (^٣).\n_________\n(^١) «البحر الرائق» (١/ ١١٢)، و«بدائع الصنائع» (١/ ٦٣).\n(^٢) «التمهيد» (٩/ ٥٢)، و«الأم» (١/ ٢٣)، و«المغني» (١/ ٩٩).\n(^٣) «الفتاوى» (٢١/ ٩٩).","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type='title' id=toc-135>المطلب الثالث: حكم الأواني المتخذة من شعر الميتة ووبرها وصوفها.</span>\nأجمع العلماء على أن الشعر والصوف والوبر إذا جُز من حيوان طاهر وهو حي، فإنه طاهر، واختلفوا فيما إذا جز من حيوان ميت:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى طهارة الشعر والصوف والوبر؛ لأنها لا تدخلها الحياة (^١).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ [النحل].\nوجه الدلالة: أن الله ذكر بعض النعم والانتفاع بها، وهي أصواف الشاة، وأوبار الإبل، وأشعار المعز، وبهذا يجوز اتخاذ الآنية من الشعر والصوف والوبر.\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ٥﴾ [النحل: ٨٠]. وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ والدفء الذي يحصل من الأنعام ما يتدفأ به من شعرها وصوفها ووبرها، وذلك يقتضي إباحة الانتفاع بالشعر والصوف والوبر من الأنعام حال الحياة والموت.\nوفي الصحيحين عن عَبْدِ الله بْنَ عَبَّاسٍ ﴿قال: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ، فَقَالَ: «هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟»، قَالُوا: إِنَّهَا مَيِّتَةٌ. قَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» (^٢)، أما الشعر والصوف والوبر فلا بأس بذلك.\nقال ابن القيم: وَيَدْخُلُ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ بَيْعُ أَجْزَائِهَا الَّتِي تَحِلُّهَا الْحَيَاةُ، وَتُفَارِقُهَا بِالْمَوْتِ، كَاللَّحْمِ وَالشَّحْمِ وَالْعَصَبِ، وَأَمَّا الشَّعْرُ وَالْوَبَرُ وَالصُّوفُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَيْتَةِ، وَلَا تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ (^٣).\n_________\n(^١) «شرح فتح القدير» (١/ ٩٦)، و«المنتقى» (١/ ١٨٠)، و«مجموع الفتاوى» (٢١/ ٦١٧).\n(^٢) «البخاري» (١٤٩٤)، و«مسلم» (٣٦٣).\n(^٣) «زاد المعاد» (٥/ ٥٧٣).","vol":"1","page":142},{"text":"وقال ابن تيمية: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ وَالصُّوفَ إذَا جُزَّ مِنْ الْحَيَوَانِ كَانَ طَاهِرًا (^١). قلت: فلو كان الشعر جزءًا من الحيوان لما أبيح أخذه حال الحياة.\nوذهب الشافعية في المشهور عنهم، ورواية عن أحمد أن الشعر والوبر والصوف من الميتة نجس (^٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وهذا عام في كل أجزاء الميتة من شعر وصوف ووبر وغيره.\nواعترض عليه من وجهين:\nالأول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] هذا عام، ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ [النحل: ٨٠] هذا خاص في طهارة الشعر والصوف والوبر، والخاص مقدم على العام.\nالثاني: أن الشعر لا تدخله الحياة (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٩٨).\n(^٢) «المجموع» (١/ ٢٩١)، و«الإنصاف» (١/ ٩٢).\n(^٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٩٧، ٩٨).","vol":"1","page":143},{"text":"خلاصة الآنية\n(١) يجوز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة غير الذهب والفضة، والأصل في الأشياء الإباحة.\n(٢) يحرم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة لعموم قول النبي ﷺ: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ وَالْفِضَّةِ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ».\n(٣) ذهب جمهور العلماء إلى أن الطهارة في آنية الذهب والفضة صحيحة مع الإثم.\n(٤) ذهب جمهور العلماء إلى أنه يحرم اتخاذ أواني الذهب والفضة. دل على ذلك عموم قول النبي ﷺ: «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَهِيَ لَكُمْ فِي الْآخِرَةٍ» مفهومه أنها ليست لكم في الدنيا، دل ذلك على تحريم الاتخاذ والاستعمال للمؤمنين في الدنيا، وإذا كانت العلة في الاستعمال السرف والخيلاء فهي موجودة في الاتخاذ، والاتخاذ ذريعة للاستعمال. وإذا رآها الفقير فقد ينكسر قلبه وهو لا يجد ما يسد جوعته ويواري سوءته وهذا الغني يتخذ هذه الأواني.\n(٥) يجوز الأكل والشرب بالإناء المضبب بالذهب، لأن المحرم هو آنية الذهب، والمضبب بالذهب لا يطلق عليه إناء ذهب.\n(٦) ذهب جمهور العلماء إلى جواز التضبيب بالفضة؛ لما روى البخاري من حديث أنس أن قدح النبي ﷺ: «انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ» قال عاصم: رأيت القدح وشربت فيه، فدل ذلك على أن المضبب بالفضة جائز.\n(٧) يستحب غسل آنية المشركين وأهل الكتاب قبل الأكل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وقد أكل النبي ﷺ من طعام أهل الكتاب، روى البخاري من حديث أبي هريرة: وفيه «فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ؟» فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ،. قَالَ: «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟»، قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى","vol":"1","page":144},{"text":"ذَلِكَ؟»، قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ. والرسول ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم شربوا من مزادة امرأة مشركة، وأحدهم اغتسل منها وكان جنبًا.\nأما ما ورد عن أبي ثعلبة: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي المُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا» فنهى النبي ﷺ عن استعمال أواني الكفار مع وجود غيرها وقد يكونون يأكلون الخنزير ويشربون الخمر فدل ذلك على استحباب غسل آنية المشركين.\nالآنية المتخذة من الميتة:\n١ - يطهر جلد الميتة بالدباغ؛ لما روى مسلم عن ابن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» فدل الحديث على أن الدباغ يُطهر كل إهاب.\n٢ - يجوز اتخاذ الآنية المتخذة من عظام الميتة لأن علة نجاسة الميتة إنما هو احتباس الدم؛ ولذا ما لا نفس له سائلة كالذباب إذا وقع في الإناء فمات فلا يتنجس الإناء، فالعظم أَوْلى.\n٣ - أجمع العلماء على أن الشعر والصوف والوبر إذا جُزَّ من حيوان طاهر وهو حي؛ فإنه طاهر، وذهب جمهور العلماء إلى طهارة الشعر والصوف والوبر؛ لأنها لا تدخلها الحياة. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ٨٠﴾ [النحل: ٨٠]. أن الله ذكر بعض النعم والانتفاع بها وهي أصواف الشاة.\n* * *","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-136>الباب الرابع قضاء الحاجة</span>\nوفيه تمهيد وأربعة فصول\nالتمهيد، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: مقدمة لا بد منها.\nالمبحث الثاني: تعريف الاستنجاء.\nالمبحث الثالث: وجوب ستر العورة عند قضاء الحاجة.\nالفصل الأول: ما يستحب عند قضاء الحاجة، وفيه ثلاثة عشر مبحثًا:\nالمبحث الأول: استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء.\nالمبحث الثاني: أذكار دخول الخلاء، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: استحباب التعوذ من الخبث والخبائث.\nالمطلب الثاني: حكم التسمية عند دخول الخلاء.\nالمبحث الثالث: يستحب لبس الحذاء عند دخول الخلاء.\nالمبحث الرابع: استحباب تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء، وتقديم الرجل اليمنى عند الخروج.\nالمبحث الخامس: يستحب أن يطلب لبوله مكانًا رخوًا.\nالمبحث السادس: استحباب أن لا يرفع الثوب قبل الدنو من الأرض.\nالمبحث السابع: الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة.","vol":"1","page":146},{"text":"المبحث الثامن: يستحب عند الاستنجاء أن يبدأ بغسل القبل قبل الدبر\nحتى لا تتنجس يده.\nالمبحث التاسع: يستحب قطع الاستنجاء على وتر.\nالمبحث العاشر: في تغطية الرأس حال قضاء الحاجة.\nالمبحث الحادي عشر: استحباب عدم اللبث فوق الحاجة.\nالمبحث الثاني عشر: أدعية الخروج من الخلاء، وفيه مطلبان:\nالأول: قول: غفرانك.\nالثاني: قول: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني.\nالمبحث الثالث عشر: استحباب تنظيف اليد بعد الاستنجاء.\nالفصل الثانى: ما يُكره عند قضاء الحاجة، وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: الكلام أثناء قضاء الحاجة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: يُكره ذكر الله تعالى داخل الخلاء.\nالمطلب الثاني: الكلام في الخلاء.\nالمبحث الثاني: يُكره الاستنجاء باليد اليمنى.\nالمبحث الثالث: يُكره مس الذكر باليمين حال البول ولا يُكره مطلقًا.\nالمبحث الرابع: البول قائمًا.\nالمبحث الخامس: يُكره البول في الشق كالجحر.\nالفصل الثالث: ما يباح عند قضاء الحاجة وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: يباح استقبال الشمس والقمر حال قضاء الحاجة.\nالمبحث الثاني: يباح البول في الإناء.\nالمبحث الثالث: الأثر المتبقي من النجاسة بعد الاستجمار معفو عنه بالإجماع.\nالفصل الرابع: ما يحرم عند قضاء الحاجة.","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type='title' id=toc-137>التمهيد</span>\nوفيه ثلاثة مباحث\n\n<span data-type='title' id=toc-138>المبحث الأول: مقدمة لا بد منها.</span>\nالحمد لله الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على خير الأنام، وعلى آله وأصحابه أجمعين، فالناظر في الشريعة الغراء يجدها شريعة كاملة وشاملة لما يُصلح العباد في الحال والمآل، حتى الأمور الجبلية قد علَّمنا إياها رسول الهدى ﷺ؛ فروى مسلم عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ. قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ … (^١).\nفإذا كان نبينا ﷺ قد علَّمنا كل شيء، فلماذا نتحاكم إلى حثالة أذهان البشرية ونترك شريعة رب البرية؟! قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥]، وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء: ٣٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-139>المبحث الثاني: تعريف الاستنجاء:</span>\nهو مَسْح موضع الأذى أو غسله، وفي الصحاح: استنجى: مسح موضع النجو أو غسله (^٢).\n_________\n(^١) مسلم (١/ ١٥٣).\n(^٢) انظر: «لسان العرب» (١٥/ ٣٠٦)، واستجمر: أي استنجى بالجمار، وهي الأحجار الصغيرة، كما في «تاج العروس» (٦٠/ ٢١٣). والاستطابة: تطلق على الاستنجاء، ومعناها: طيب المكان الذي يخرج منه البول والغائط بإزالة ما يعلق به من أذى، وفي الحديث عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ، فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ؛ فَإِنَّهُنَّ تُجْزِئُ عَنْهُ».\nوالاستنقاء، أي: طلب النقاوة والنظافة. «النهاية في غريب الحديث» (١/ ١١٢).","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-140>المبحث الثالث: وجوب ستر العورة عند قضاء الحاجة:</span>\nقال النووي: فَسَتْرُ الْعَوْرَةِ عَنْ الْعُيُونِ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ (^١).\nودل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. وروى مسلم من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ» (^٢).\nوروى أحمد وغيره بإسناد حسن: قال رسول الله ﷺ: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ» (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ١٦٦).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٣٨)\n(^٣) أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٣)، أبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٦٩)، والنسائي (الكبرى) (٨٩٧٢) وغيرهم من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده.","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type='title' id=toc-141>الفصل الأول ما يستحب عند قضاء الحاجة</span>\nوفيه ثلاثة عشر مبحثًا\n\n<span data-type='title' id=toc-142>المبحث الأول: استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء:</span>\nوقد نقل النووي الإجماع على استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء (^١)، ودل على ذلك النصوص الكثيرة فمنها: ما ورد في الصحيحين عَنْ المُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: «يَا مُغِيرَةُ، خُذِ الإِدَاوَةَ»، فَأَخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ (^٢).\nهل يشرع الابتعاد في الغائط فقط أو البول والغائط؟\nالابتعاد في الغائط لأن فيه زيادة تَكَشُّف، وإذا كان المقصود التستر فقد يحصل لمن بال قائمًا بإرخاء ذيله. ففي الصحيحين عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا فَتَنَحَّيْتُ فَقَالَ: «ادْنُهْ» فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ فَتَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ (^٣).\nفدل هذا الحديث على أن النبي أمر حذيفة أن يكون قريبًا منه وهو يبول وأن هذا جائز، فلا بأس على من يبول بقرب الناس إذا كان لا يخشى من ظهور عورته.\n\n<span data-type='title' id=toc-143>المبحث الثاني: أذكار دخول الخلاء، وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-144>المطلب الأول: استحباب التعوذ من الخبث والخبائث:</span>\nنقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على استحباب قول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٩٢)\n(^٢) البخاري (٣٦٣) ومسلم (٢٧٤)\n(^٣) البخاري (٢٢٤) ومسلم (٢٧٣)","vol":"1","page":150},{"text":"والخبائث عند دخول الخلاء (^١).\nقال النووي: وهو مجمع على استحبابه، لا فرق بين البنيان والصحراء (^٢).\nوفي الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ (^٣) قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائث» (^٤).\nوقال الجمهور: يُشرع قول هذا الدعاء في الصحاري وفي البنيان، فإذا كان المكان معدًّا لقضاء الحاجة قال الذكر قبل دخوله، وإن كان في الصحاري قال الذكر قبل أن يشمر ثوبه.\n\n<span data-type='title' id=toc-145>المطلب الثاني: حكم التسمية عند دخول الخلاء:</span>\nنقل النووي الإجماع على استحباب التسمية عند دخول الخلاء فقال: وهذا الأدب (يعني: قول التسمية) متفق على استحبابه، ويستوي فيه الصحراء والبنيان (^٥).\nوهذا الإجماع منخرم فهناك قول للمالكية بأنه لا يشرع التسمية مطلقًا (^٦).\nواستدل جمهور العلماء بما ورد عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ: «إِذَا دَخَلْتُمْ الْخَلَاءَ،\n_________\n(^١) قال الخطابي (معالم السنن) (١/ ٦١): الخبث بضم الباء، جميع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم. قال ابن العربي: أصل الخبث في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من المِلل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار، وقيل: الخبث: الشر والمكروه: والخبائث: الشياطين. فكأنه استعاذ من الشر وأهله.\n(^٢) شرح النووي (٤/ ٧١).\n(^٣) معنى «إذا دخل» إذا أراد أن يدخل، قال ابن دقيق في شرحه لحديث أنس: يحتمل أن يراد به: إذا أراد الدخول كما في قوله تعالى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل].\n(^٤) البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥).\n(^٥) المجموع (١/ ٨٨).\n(^٦) الخرشي (١/ ١٤٣).","vol":"1","page":151},{"text":"فَقُولُوا: بِسْمِ الله: أَعُوذُ بِالله مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» (^١)\nواعترض عليه بأن زيادة (بِسْمِ الله) شاذة ولا تصح عن رسول الله.\nوعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ: إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الخَلَاءَ أَنْ يَقُولَ: «بِسْمِ الله» (^٢).\nواعترض عليه بأن الأحاديث التي ذُكر فيها بسم الله لا تصح. والصحيح أن يقول الداخل إلى الخلاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» بدون ذكر التسمية.\n_________\n(^١) مدار الحديث على عبد العزيز بن صهيب عن أنس، واختلف عليه: فرواه عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب به، وتفرد بزيادة (باسم الله).\nورواه الثقات كشعبة عند البخاري (١٤٢)، وإسماعيل بن علية عند مسلم (٣٧٥)، وحماد بن زيد عند أبي داود (٤) وحماد بن سلمة عند أبي يعلى (٣٩١٤) وغيرهم، بدون زيادة (بسم الله).\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١١) بزيادة بسم الله، وفي إسناده: أبو معشر ضعيف، فالصحيح أن هذه الزيادة شاذة لا تصح عن رسول الله ﷺ.\nوأخرجه ابن عدي (الكامل) (٣/ ١٩٨) من طريق زيد العمي عن أنس به، وفي إسناده: زيد العمي: ضعيف. وسعيد بن مسلمة: قال البخاري: منكر الحديث.\nوأخرجه تمام (الفوائد) (ق ٢٧٠/ ١) من طريق عاصم الأحول عن أنس، وفيه محمد بن خلف لم أقف عليه، فالحديث عن أنس لا يصح.\n(^٢) ضعيف جدًّا: أخرجه الترمذي (٦٠٦)، وابن ماجه (٢٩٧). وفي إسناده: محمد بن حميد، فقد اتهمه بالكذب النسائي وأبو زرعة وابن وارة، وقال البخاري: فيه نظر. وقال أبو علي النيسابوري: قلت لابن خزيمة: لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد، فإن أحمد بن حنبل قد أحسن الثناء عليه؟ قال: إنه لو عرفه كما عرفناه لما أثنى عليه أصلًا. وإن كان وثقه ابن معين، ففي الجرح والتعديل (٧/ ٢٣٢): قال أبو حاتم الرازي: سألني يحيى بن معين عن ابن حميد من قبل أن يظهر منه ما ظهر، فقال: أي شيء تنقمون عليه؟ فقلت: يكون في كتابه الشيء، فنقول: ليس هذا هكذا، إنما هو كذا وكذا، فيأخذ القلم فيغيره على ما نقول. قال: بئس هذه الخصلة.\nوفي إسناده الحكم بن عبد الله النصري: لين الحديث.","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type='title' id=toc-146>المبحث الثالث: يستحب لبس الحذاء عند الدخول للخلاء:</span>\nروى البيهقي عَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ لَبِسَ حِذَاءَهُ، وَغَطَّى رَأْسَهُ (^١).\nقلت: إسناده ضعيف لكن الأولى لبس الحذاء لأنه يقي من النجاسة، فإذا دخل حافيًا فقد تتنجس رجلاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-147>المبحث الرابع: استحباب تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء وتقديم الرجل اليمنى عند الخروج:</span>\nنقل النووي الإجماع على استحباب تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء.\nوتقديم الرجل اليمنى عند الخروج فقال: وهذا الأدب متفق على استحبابه (^٢)\nوكذا نقل الإجماع ابن قاسم في حاشيته (^٣).\nواستدلوا بأن ما كان من ذلك من باب التكريم قدم فيه اليمين.\nقال شيخ الإسلام: وَقَدْ اسْتَقَرَّتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي تَشْتَرِكُ فِيهَا الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى تُقَدَّمُ فِيهَا الْيُمْنَى إذَا كَانَتْ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ؛ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَتُقَدَّمُ الْيُسْرَى فِي ضِدِّ ذَلِكَ كَدُخُولِ الْخَلَاءِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ (^٤).\nقال النووي: يُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ بِالْيُمْنَى فِي كُلِّ مَا كانَ مِنْ بَابِ التَّكريمِ كَلُبْسِ النَّعْلِ وَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْخَلَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ويُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ باليَسارِ\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه البيهقي (١/ ٩٦) من طريق إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن عبد الله عن حبيب به. فحبيب بن صالح لم يدرك النبي ﷺ، وأبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم ضعيف.\n(^٢) المجموع (٢/ ٩١)\n(^٣) الروض المربع (١/ ١٢٢)\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٨)","vol":"1","page":153},{"text":"فىِ كُلِّ مَا هو ضِدُّ ذَلِكَ كخَلْعُ النَّعْلِ وَالْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَدُخُولُ الْخَلَاءِ (^١).\nوفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ» (^٢).\nوفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِاليَمِينِ، وَإِذَا انْتَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، لِتَكُنِ اليُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-148>المبحث الخامس: يستحب أن يطلب لبوله مكانًا رخوًا:</span>\nقال النووي: وهذا الأدب متفق على استحبابه (^٤).\nقال العراقي: يندب لقاضي الحاجة أن يتحرى أرضًا لينة من نحو تراب أو رمل؛ لئلا يعود عليه الرشاش فينجسه، فإذا لم يجد إلا صُلبة لَيَّنها بنحو عود (^٥).\n_________\n(^١) شرح النووي (١٤/ ٧٤)\n(^٢) مسلم (٢٦٧) واللفظ للبخاري (١٥٤).\n(^٣) البخاري (٥٨٥٦)، ومسلم (٢٠٩٧). وروى الحاكم بإسناد صحيح عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «مِنَ السُّنَّةِ إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُمْنَى، وَإِذَا خَرَجْتَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُسْرَى». «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، فَقَدِ احْتَجَّ بِشَدَّادِ بْنِ سَعِيدٍ أَبِي طَلْحَةَ الرَّاسِبِيِّ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ» وروى أحمد (٦/ ٢٦٥) عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَلِطَعَامِهِ، وَكَانَتِ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى. والحديث ضعيف وله شاهد من حديث حفصة.\n(^٤) المجموع (٢/ ٩٨).\n(^٥) الجامع الصغير (٤٩٥). ووردت أحاديث في الباب، روى أحمد (المسند) (٤/ ٣٩٩) عن أبي التياح عن شيخ لهم عن أبي موسى قال رسول الله: «إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَوْلُ قَرَضُوهُ بِالْمَقَراِضينِ، فَإِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ». وإسناده ضعيف لإبهام شيخ أبي التياح، وروي الطبراني (الأوسط) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَبَوَّأُ لِبَوْلِهِ كَمَا يَتَبَوَّأُ لِمَنْزِلِهِ» ورواه ابن عدي (الكامل) (٣/ ٣٧٧) وإسناده ضعيف قال الهيثمي (المجمع) (١/ ٢٠٤): رواه الطبراني في (الأوسط) وهو من رواية يحيى بن عبيد عن أبيه ولم أر من ذكرهما وبقية رجاله موثقون.\nوروى ابن عدي (الكامل) (٥/ ٣١) عن أبي قتادة: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَبَوَّأُ لِلْبَوْلِ كَمَا يَتَبَوَّأُ الرجل لنفسه منزلًا. وفي إسناده عمر بن هارون البلخي وهو متروك، وفي الباب حديث طلحة ابن أبي قنان وهو لا يصح.","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type='title' id=toc-149>المبحث السادس: استحباب أن لا يرفع الثوب قبل الدنو من الأرض:</span>\nقال النووي: هذا الأدب مستحب بالاتفاق.\nوفي رواية لأحمد: يحرم ذلك (^١)\nوفي قول للحنابلة: يجوز بلا كراهة إذا أمن النظر إلى العورة (^٢)\nوعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ حَاجَةً لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ (^٣).\nوعَنْ بَهْزٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ: «إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا». قُلْتُ فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: «فَالله أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ» (^٤).\n_________\n(^١) الفروع (١/ ١١٦).\n(^٢) الفروع (١/ ١١٦).\n(^٣) ضعيف: مدار هذا الحديث على الأعمش، فرواه أبو داود (١٤) من طريق وكيع عن الأعمش عن رجل عن ابن عمر به، وفيه رجل مبهم. رَوَاهُ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ:، فالأعمش لم يسمع من أنس، وفي علل الترمذي (ص ٢٥) ذكر حديث ابن عمر، وحديث أنس، وقال: فَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ: أَيُّهُمَا أَصَحُّ؟ فَقَالَ: كِلَاهُمَا مُرْسَلٌ، وَلَمْ يَقُلْ: أَيُّهُمَا أَصَحُّ، فالظاهر أن حديث ابن عمر فيه مبهم، والأعمش لم يسمع من أنس.\n(^٤) إسناده حسن: رواه أحمد (٥/ ٤٢٣)، وأبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٦٩) وغيرهم من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.","vol":"1","page":155},{"text":"قال ابن حجر: ظاهر الحديث يدل على أن التعري في الخلوة غير جائز مطلقًا.\nقال الشوكاني: أصل ستر العورة الوجوب، فالاستتار قبل حالة الخروج واجب، فيكشف عورته حال الانحطاط لخروج الخارج لا حال كونه قائمًا ولا حال كونه ماشيًا إلى قضاء الحاجة (^١).\nفالحاصل أنه يستحب أن لا يرفع ثوبه قبل الدنو من الارض.\n\n<span data-type='title' id=toc-150>المبحث السابع: الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا لذلك بما ورد عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِى مُدْلِجٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ فَقَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ الله ﷺ إِذَا دَخَلَ أَحَدُنَا الْخَلَاءَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى الْيُسْرَى وَيَنْصِبَ الْيُمْنَى (^٣). واعترض بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nواستدلوا بأن الاعتماد علي الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة إكرام لليمين.\nقال الشوكاني: لم يصح دليل من قرآن ولا سنة ولا إجماع على استحباب الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة، فلا يستحب ذلك (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-151>المبحث الثامن: أن يبدأ بالقبل قبل الدبر:</span>\nذهب بعض أهل العلم إلى أن الإنسان في حال الاستنجاء يستحب له تقديم غسل القبل\n_________\n(^١) السيل الجرار (١/ ٦٤).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، والخرشي (١/ ١٤١)، والمجموع (٢/ ١٠٤)، والفروع (١/ ١١٤).\n(^٣) ضعيف: أخرجه البيهقي (١/ ٩٦) والطبراني (الكبير) (٧/ ١٦٠)، رقم (٦٦٠٥) وفي إسناده زمعة بن صالح ضعيف، وفيه رجل من بني مدلح وأبوه وكلاهما مبهم.\n(^٤) السيل الجرار (١/ ٦٤).","vol":"1","page":156},{"text":"قبل الدبر من أجل أن يأمن التلوث عند غسل الدبر؛ لأن يده قد تمس ذكره، فتتنجس يده (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-152>المبحث التاسع: يستحب قطع الاستنجاء على وتر:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه يستحب قطع الاستنجاء على وتر (^٢) لما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-153>المبحث العاشر: في تغطية الرأس حال قضاء الحاجة:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب تغطية الرأس حال قضاء الحاجة، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (^٤).\nواستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:\nأما السنة: فعَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ لَبِسَ حِذَاءَهُ، وَغَطَّى رَأْسَهُ (^٥). واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله.\nوعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ غَطَّى رَأْسَهُ، وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ غَطَّى رَأْسَهُ (^٦).\n_________\n(^١) حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٣١)، والشرح الكبير (١/ ١٠٦).\n(^٢) شرح معاني الأثار (١/ ١٢١١٢٣)، والتمهيد (١١/ ١٧)، والمجموع (٢/ ١١٢)، والمغني (١/ ١٠٢)، والمبدع (١/ ٩٥).\n(^٣) البخاري (١٦٢) ومسلم (٢٣٧) وروى مسلم (٢٣٩) من حديث جَابِرَ: أن رَسُولُ اللهِ ﷺ قال: «إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُوتِرْ».\n(^٤) البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، ومواهب الجليل (١/ ٢٧٠)، والمجموع (١/ ١٠٩)، والمبدع (١/ ٨٢).\n(^٥) ضعيف جدًّا: أخرجه البيهقي (١/ ٩٦) وفي إسناده أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم: ضعيف، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث، طَرَقه لصوص، فأخذوا متاعه، فاختلط. وفي إسناده محمد بن يونس متهم بالوضع.\n(^٦) موضوع: أخرجه ابن عدي (الكامل) (٦/ ٢٩٣).","vol":"1","page":157},{"text":"واعترض عليه بأنه حديث موضوع.\nأما دليلهم من المأثور: فعن عُرْوَةُ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ، فَوَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لأَظَلُّ حِين أَذْهَبُ إلَى الْغَائِطِ فِي الْفَضَاءِ مُغَطّيًا رَأْسِي اسْتِحْيَاءً مِنْ رَبِّي (^١).\nعَنِ ابْنِ طَاوسٍ قَالَ: أَمَرَنِي أَبِي إذَا دَخَلْتُ الْخَلَاءَ أَنْ أُقَنِّعَ رَأْسِي (^٢).\nقلت: أن تغطية الرأس حال قضاء الحاجة لا تصل للاستحباب، والأحاديث الواردة في الباب لا تصح عن رسول الله. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-154>المبحث الحادي عشر: استحباب عدم اللبث فوق الحاجة:</span>\nنقل النووي الإجماع على استحباب عدم إطالة القعود فوق الحاجة (^٣).\nولكن هذا الإجماع فيه نظر ففي مذهب الحنابلة ثلاث روايات: فهناك رواية بالتحريم (^٤) وهناك رواية بالجواز (^٥).\nروى الترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُكُمْ إِلاَّ عِنْدَ الغَائِطِ وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ» (^٦). وهذا الحديث لا يصح عن رسول الله.\nوقال ابن المنذر: وروينا عن لقمان أنه قال لمولاه: إن طول القعود على الخلاء يجمع منه\n_________\n(^١) رجاله ثقات: أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف) (١/ ١٠٠) عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري قال: أخبرني عروة عن أبيه عن أبي بكر به.\n(^٢) رجاله ثقات: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٠١) من طريق ابن علية عن ابن طاوس به.\n(^٣) المجموع (٢/ ١٠٥) وحكاه ابن قاسم في حاشيته.\n(^٤) كشاف القناع (١/ ٦٧).\n(^٥) الإنصاف (١/ ٩٧٠٩٦).\n(^٦) ضعيف: أخرجه الترمذي (٢٨٠٠) وقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ وَأَبُو مُحَيَّاةَ اسْمُهُ: يَحْيَى بْنُ يَعْلَى.","vol":"1","page":158},{"text":"الكبد ويأخذ منه الناسور.\nواعترض عليه بما قاله الشوكاني: ومما يُضحك منه التمسك بما رُوي عن لقمان الحكيم أنه يورث الباسور. فيا الله العجب ممن لا يتحاشى عن تدوين مثل هذا الكلام في كتب الهداية، ولقد أبعد النجعة من اعتمد في مثل هذه المسألة الشرعية على لقمان الحكيم (^١).\nقلت: وإذا ثبت عن طريق الطب أن الإطالة تضر بصحة الإنسان فإن هذا له اعتبار.\nوالراجح: استحباب عدم إطالة القعود فوق الحاجة، وعدم كشف العورة إلا لحاجة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ [الانفطار] فالله مطلع علينا ناظر إلينا.\n\n<span data-type='title' id=toc-155>المبحث الثاني عشر: أدعية الخروج من الخلاء، وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-156>المطلب الأول: قول غفرانك:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب قول غفرانك لمن خرج من الخلاء (^٢).\nواستدلوا لذلك بما روى أحمد وغيره، عن عَائِشَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ قَالَ: «غُفْرَانَكَ» (^٣).\nوسبب طلب المغفرة بعد قضاء الحاجة ما قَالَه الْخَطَّابِيُّ: وَقِيلَ فِي سَبَبِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا\n_________\n(^١) السيل الجرار (١/ ٧١).\n(^٢) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٥)، والتاج والإكليل (١/ ٣٩١)، والمجموع (٢/ ٩٠)، والمغني (١/ ١٠١).\n(^٣) ضعيف: أخرجه أحمد (٦/ ١٥٥)، وأبو داود (٣٠) وغيرهما من طريق عن إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة عن أبيه قال: حدثتني عائشة به. وفي إسناده: يوسف بن أبي بردة. ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٢٢٦) وسكت عليه وقال العجلي: كوفي ثقة، وذكره ابن حبان في (الثقات) (٧/ ٦٣٨) وابن حبان والعجلي متساهلان في توثيق المجاهيل، وقال الشيخ مصطفى العدوي: وإن حسنه البعض فله وجه لكون يوسف بن أبي بردة لم يطعن فيه طاعن، وقد حسن الحديث جملة من العلماء واغتفر ذلك لكونه في فضائل الأعمال، والله أعلم.","vol":"1","page":159},{"text":"الذِّكْرَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ قَوْلَانِ.\nأَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ مِنْ تَرْكِ ذِكْرِ الله تَعَالَى حَالَ لَبْثِهِ عَلَى الْخَلَاءِ وَكَانَ لا يهجر ذكر الله تعالى إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ.\nوَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ خَوْفًا مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي شُكْرِ نِعْمَةِ الله تَعَالَى الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ فَأَطْعَمَهُ ثُمَّ هَضَّمَهُ ثُمَّ سَهَّلَ خُرُوجَهُ، فَرَأَى شُكْرَهُ قَاصِرًا عَنْ بُلُوغِ هَذِهِ النِّعْمَةِ فَتَدَارَكَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ.\nقال ابن القيم: في هذا من السر أن النجو يُثقل البدن ويؤذيه باحتباسه والذنوب تُثقل القلب وتؤذيه باحتباسها فيه، فهما مؤذيان مضران بالبدن والقلب، فحَمِد الله عند خروجه على خلاصه من هذا المؤذي لبدنه، وسأل أن يخلصه من المؤذي الآخر ويريح قلبه منه ويخففه، وأسرار كلماته وأدعيته فوق ما يخطر بالبال (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-157>المطلب الثاني: قول «الْحَمْدُ لِله الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافاني.</span>\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ، قَالَ: «الْحَمْدُ لِله الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافاني» (^٢).\n_________\n(^١) إغاثة اللفهان (١/ ٥٨، ٥٩).\n(^٢) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٣٠١) وفي إسناده: إسماعيل بن مسلم المكي، قال البخاري (التاريخ الكبير) (١/ ٣٧٢): تركه ابن المبارك وربما روى عنه، وتركه يحيى وابن مهدي وقال في الزوائد: متفق على ضعفه، وله شاهد رواه النسائي في «عمل اليوم والليلة» كما في «تحفة الأشراف» (٩/ ١٩٤، ١٩٥) من طريق يحيى بن بكير، عن شعبة، عن منصور، عن أبي الفيض عن أبي ذر: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: «الْحَمْدُ لِله الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي».\nوهذا الحديث له علتان:\nالأولي: خالف يحيى بن بكير محمد بن جعفر فرواه عن شعبة عن منصور قال: سمعت رجلًا يرفع الحديث إلى أبي ذر قوله كما في التحفة ومحمد بن جعفر أوثق من يحيى بن بكير لا سيما في شعبة، وقال الدارقطني (العلل) (٦/ ٢٣٥): يرويه شعبة واختلف عليه: فرواه عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن شعبة عن منصور، عن أبي الفيض عن سهل بن أبي حثمة وأبي ذر عن النبي. وليس هذا القول بمحفوظ، وغيره يرويه عن شعبة عن منصور عن رجل يقال له الفيض عن أبي حثمة عن أبي ذر موقوفًا وهو أصح.\nالثانية: أن الصحيح في هذا الحديث الوقف؛ روى ابن أبي شيبة (المصنف) (٧/ ١٢) رقم (١٠) قال: حدثنا عبدة بن سليمان ووكيع عن سفيان عن منصور عن أبي علي أن أبا ذر كان يقول: إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ، قَالَ: «الْحَمْدُ لِله الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي»، قال أبو زرعة: وهِم شعبة في هذا الحديث، ورواه الثوري فقال: عن منصور عن أبي علي عبيد بن علي عن أبي ذر. وهذا هو الصحيح\nقلت (محمد): إذا كانت هذه الرواية الموقوفة هي الراجحة ففي إسنادها أبو علي الأزدي: لين الحديث. وروى ابن أبي شيبة (المصنف) (١/ ١٢) رقم (١١) قال: حدثنا عبدة عن جوبير عن الضحاك، قال: كان حذيفة … موقوفًا به وفي إسناده: جوبير ضعيف جدًّا. وروى ابن أبي شيبة (١/ ١٢) رقم (١٣) قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا هريم، عن ليث، عن المنهال بن عمرو قال: كان أبو الدرداء إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ، قَالَ: «الْحَمْدُ لِله الَّذِي أماط عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي»، وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، والمنهال بن عمرو لم يدرك أبا الدرداء.\nفالحاصل أن حديث أنس مرفوعًا ضعيف، وحديث أبي ذر الصحيح فيه أنه موقوف ضعيف ولا يصح عن حذيفة ولا عن أبي الدرداء، فلا يصح في الباب حديث، والله أعلم.","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type='title' id=toc-158>المبحث الثالث عشر: استحباب تنظيف اليد بعد الاستنجاء:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب تنظيف اليد بعد الاستنجاء. وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا لذلك بالسنة: فعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ دَعَا بِمَاءٍ فَاسْتَنْجَى، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ (^٢).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٥٣)، وحاشية الدسوقي (١/ ١٠٥)، والمجموع (٢/ ١٢٩)، والمغني (١/ ١٠٣).\n(^٢) إسناده ضعيف: مدار هذا الحديث على إبراهيم بن جرير، واختلف عليه: فرواه عنه شريك عن إبراهيم عن أبي زرعة عن أبي هريرة به، أخرجه أحمد (٢/ ٤٥٤)، وأبو داود (٤٥) وغيرهما، ورواه جماعة (محمد بن يوسف، وشعيب بن حرب، وأبو نعيم وغيرهم) عن أبان بن عبد الله البجلي عن إبراهيم بن جرير عن أبيه جرير بمعناه، أخرجه الدارمي (٦٧٦) والنسائي (٥١) وغيرهما.\nقال النسائي: هذا أشبه بالصواب من حديث شريك، وابراهيم بن جرير لم يسمع عن أبيه؛ وخالفهم جماعة (محمد بن عبد الله بن الزبير، وأبو داود الطيالسي، وغيرهما عن أبان عن مولى لابي هريرة، ومولى أبي هريرة مجهول فالحديث ضعيف. والله أعلم.","vol":"1","page":161},{"text":"وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الحَائِطَ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ (^١).\nفقوله: (فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الحَائِطَ) يدل على تنظيف اليد بالصابون أو غيره بعد الاستنجاء لكي تذهب الرائحة، فالإسلام دين الطهارة والنظافة والله يحب المتطهرين، فالحمد لله أن رضى الإسلام لنا دينًا؛ ولذا ندعو جميع الشعوب إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع مجالات الحياة قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال تعالي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (٢٦٠)، ومسلم (٢١٧).","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type='title' id=toc-159>الفصل الثانى ما يُكره عند قضاء الحاجة</span>\nوفيه خمسة مباحث\n\n<span data-type='title' id=toc-160>المبحث الاول: الكلام أثناء قضاء الحاجة، وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-161>المطلب الاول: يُكره ذكر الله تعالى داخل الخلاء.</span>\nأجمع العلماء على جواز ذكر الله في القلب حال قضاء الحاجة (^١).\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يكره أن يذكر الله داخل الخلاء، وبه قال الحنفية وقول عند المالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا لذلك بما روى مسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا مَرَّ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَبُولُ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ (^٣). فدل ذلك على كراهة ذكر الله في أماكن الخلاء.\nواعترض عليه بأنه يحتمل أنه لم يرد عليه لأنه على غير طهر، دل على ذلك ما رواه أبو داود بسند صحيح عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ أَنَّهُ أتَى النَّبِىَّ - صلى الله عليه - وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: «إِنِّى كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ الله ﷿ إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ» (^٤). وأجيب عليه: بأن الرسول كان يذكر الله علي كل أحيانه، ولو سلم عليه وهو على غير هذا الحال لرد عليه.\nواستدلوا بما روى أبو داود عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ\n_________\n(^١) حاشية العدوي على الخرشي (١/ ١٤٥)\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، وحاشية الدسوقي (١/ ١٠٦)، والمجموع (٢/ ١٠٣)، والمبدع (١/ ٧٩).\n(^٣) مسلم (٣٧٥).\n(^٤) سنن أبي داود (١٧).","vol":"1","page":163},{"text":"خَاتَمَهُ (^١). واعترض عليه بأن الحديث معل.\nواستدلوا بأن عدم ذكر الله في هذا المكان فيه تكريم لاسم الله ﷾ وتكريم أسماء الله وإبعادها عن الأماكن الخبيثة وصونها عن ذلك من تعظيم الله.\nالقول الآخر: أنه لا مانع من ذكر الله داخل الأماكن المعدة، فإذا عطس فليحمد الله ولو كان على حاجته. وهو قول مالك (^٢) وصح ذلك عن ابن سيرين (^٣) والشعبي (^٤) وإبراهيم (^٥).\nواستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ.\nو(كل) من ألفاظ العموم فتعم ذكر الله في كل حال ومنه حال قضاء الحاجة.\nواعترض عليه بأنه وردت أدلة تدل بعمومها علي استثناء هذا المكان من ذكر الله.\nواستدلوا أيضًا بما ورد في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَبْلُغُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرُّهُ» (^٦). فإذا كان الإنسان يذكر الله بعد كشف العورة عند الوقاع فلا مانع من ذكر\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أبو داود (١٩) قال: حدثنا نصر بن عليِّ، عن أبي علي الحنفي عن همام، عن ابن جريج، عن الزهري عن أنس به، وهذا السند وإن كان ظاهره الصحة فقد أعله الحفاظ بعلتين، الأولى: أن همامًا وهم في هذا الحديث. الثانية: أن ابن جريج لم يسمعه من الزهري، قال أبو داود: هذا حديث منكر، والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام، قال النسائي: هذا حديث غير محفوظ.\nوحكم عليه الدارقطني بالشذوذ كما في (التلخيص الحبير) (١/ ١٠٧/ ١٠٨).\n(^٢) التاج والإكليل (١/ ٣٩٢)، والفواكه الدواني (٢/ ٣٤٨، ٣٤٩).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٠٨) قال: حدثنا ابن علية عن ابن عون عن محمد به.\n(^٤) رجاله ثقات: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٠٨).\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٠٨).\n(^٦) البخاري (٦٣٨٨)، ومسلم (١٤٣٤).","vol":"1","page":164},{"text":"الله حال البول والغائط.\nواستدلوا أيضًا بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ القُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ (^١). فإذا كان النبي يذكر الله مع قربه من موضع الحيض دل ذلك على إباحة ذكر الله مع قضاء الحاجة.\nوالراجح: أنه يكره ذكر الله داخل الخلاء لما روى مسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا مَرَّ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَبُولُ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. وردُّ السلام واجب؛ فلما لم يرد عليه رسول الله في هذا المكان، عُلم كراهة ذكر الله في أماكن الخلاء وخاصة حال قضاء الحاجة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-162>المطلب الثاني: الكلام في الخلاء:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن الكلام في الخلاء يُكره لغير حاجة (^٢).\nواستدلوا لذلك بما روى أحمد عن أَبُي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْرُجِ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَينِ عَوْرَتَهُمَا يَتَحَدَّثَانِ؛ فَإِنَّ الله يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٧٥٤٩)، ومسلم (٣٠١).\n(^٢) فتح القدير (١/ ٢١٣)، والتاج والإكليل (١/ ٣٩٧)، والمجموع (٢/ ١٠٣)، والفروع (١/ ١١٤).\n(^٣) ضعيف: أخرجه أحمد (٣/ ٣٦)، وأبو داود (١٥) وغيرهما من طرق عن عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض، عن أبي سعيد به.\nولهذا السند علل:\nالأولى: في إسناده هلال بن عياض قال الذهبي: لا يُعرف.\nالثانية: أن الصحيح في هذا الحديث الإرسال، فقد خالف عكرمة بن عمار الأوزاعي فرواه عن يحيى بن أبي كثير عن رسول الله مرسلًا. أخرجه الحاكم (٥٦٠) والبيهقي (١/ ١٠٠).\nقال أبو حاتم: الصحيح في هذا المعنى حديث الأوزاعي وحديث عكرمة وهم.\nالثالثة: الاختلاف على عكرمة. انظر العلل للدارقطني.\nالرابعة: نقل الذهبي عن أحمد والبخاري ويحيى القطان أن أحاديث عكرمة بن عمار عن يحيى ابن أبي كثير ضعاف.","vol":"1","page":165},{"text":"واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله.\nالحاصل: ذهب جمهور العلماء إلى كراهة الكلام في الخلاء لغير حاجة، وإن كان الحديث الوارد في الباب ضعيفًا لكن لا ينبغي الكلام في مثل هذه الحالة إلا لحاجة.\n\n<span data-type='title' id=toc-163>المبحث الثاني: يُكره الاستنجاء باليد اليمنى:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى كراهة مس الفرج باليمين، وكذا كراهة الاستنجاء باليمين (^١). واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أبي قتادة: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ» (^٢).\nوعن سَلْمَانَ قال: لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ.\nوحَمَل الجمهور النهي على الكراهة وعللوا ذلك بأن القرينة الصارفة هي أنه أدب من الآداب. قالوا: لأنه لو استنجى باليمين فإذا أراد أن يأكل بيمينه فقد يتأذى بذلك.\nوذهب بعض الحنفية وابن حزم والشوكاني إلى أنه يحرم مس الفرج باليمين حال البول، وكذا الاستنجاء باليمين (^٣).\nواستدلوا بعموم هذه الأحاديث وأن النهي للتحريم.\nوذهب بعض الحنابلة وبعض الشافعية (^٤) إلى أنه يكره مس الذكر باليمين ويحرم الاستنجاء بها. واستدلوا بأن الاستنجاء فيه مباشرة للنجاسة وهو أقبح من مس الذكر لأنه طاهر. واعترض عليه: بأن مس الذكر حال البول قد تتنجس اليد.\nالحاصل أن جمهور العلماء يحمل الكثير من النصوص في الفضائل والآداب في الأمر\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ١١٩)، وشرح فتح القدير (١/ ٢١٦)، ومواهب الجليل (١/ ٢٩٠)، والخرشي (١/ ١٤١)، والمجموع (٢/ ١٢٥)، والمغني (١/ ١٠٣).\n(^٢) البخاري (١٥٤) ومسلم (٢٦٧).\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٢٥٥)، المحلى (١/ ١٠٨)، ونيل الأوطار (١/ ١٠٦).\n(^٤) الفروع (١/ ٩٣).","vol":"1","page":166},{"text":"والنهي على الاستحباب والكراهة، ومنها هذا النهي فحملوه على الكراهة.\n\n<span data-type='title' id=toc-164>المبحث الثالث: يُكره مس الذكر باليمين حال البول ولا يُكره مطلقًا </span>(^١):\nلأن النصوص الصحيحة قيدت ذلك، ففى الصحيحين عن أبي قتادة: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ» (^٢) ولأن مس الذكر باليمين عرضة للتنجس، أما في غير هذه الحالة فإن هذا الموضع طاهر وقد تلحق بذلك بعض المشقة، وقد قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وإذا استنجى بيمينه فإن ذلك يجزئه لأن المقصود إزالة النجاسة مع الكراهة على قول الجمهور.\nومن قال التحريم فإنهم اختلفوا فمنهم من ذهب إلى أنه يجزي مع التحريم.\nوذهب ابن حزم إلى أن النهي للبطلان. وهذا قول ضعيف لأن النجاسة زالت.\nوالراجح أن مس الذكر يكره حال البول ولا يكره مطلقًا، وإذا استنجى بيمينه فإن ذلك يجزئه مع الكراهة لأن المقصود إزالة النجاسة. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-165>المبحث الرابع: البول قائمًا:</span>\nاختلف أهل العلم في حكم البول قائمًا علي قولين:\nالقول الاول: ذهب الحنفية والشافعية ورواية عن أحمد إلى أنه يكره البول قائمًا من غير عذر (^٣).\nواستدلوا لذلك بالجمع بين الأدلة:\nفروى أحمد عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقْهُ، مَا بَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمًا مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ (^٤).\n_________\n(^١) فتح الباري (شرح حديث ١٥٤).\n(^٢) البخاري (١٥٤) ومسلم (٢٦٧).\n(^٣) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٤)، والمجموع (٢/ ١٠٠)، والإنصاف (١/ ٩٩).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٦/ ١٩٢) وغيره من طريق سفيان عن المقدام عن أبيه قالت عائشة. به.","vol":"1","page":167},{"text":"وفي الصحيحين عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ (^١). وفعل النبي لبيان الجواز.\nالقول الثاني: ذهب المالكية والمشهور عن الحنابلة إلى جواز البول قائمًا (^٢).\nواستدلوا بحديث حُذَيْفَةَ، قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا.\nعَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، قَالَ: «رَأَيْتُ عَلِيًّا بَالَ قَائِمًا» (^٣).\nعَنْ زَيْدٍ قَالَ: «رَأَيْتُ عُمَرَ بَالَ قَائِمًا» (^٤).\nوالراجح أن للبائل قائمًا ثلاث حالات:\nالأولى: يكره البول قائمًا إذا أمن البائل من تطاير البول عليه.\nالثانية: ويحرم البول قائمًا إذا كان البول يتطاير على البائل (^٥).\nالثالثة: ويجوز البول واقفًا من عذر بالاتفاق.\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٤) ومسلم (٢٧٣).\n(^٢) المدونة (١/ ١٣١)، والفروع (١/ ١١٧).\n(^٣) رجاله ثقات: مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٧٣).\n(^٤) إسناده صحيح: مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١١٥).\n(^٥) قال الشوكاني «السيل» (١/ ٦٦): إن كان البول في الصلب أو التهوية به مما يتأثر عنه عود شيء منه إلى البائل فتجنب ذلك واجب لأن التلوث به حرام وما يتسبب عنه الحرام حرام.","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-166>المبحث الخامس: يُكره البول في الشق كالجحر:</span>\nذهب الأئمة الأربعة إلى كراهة البول في الشق كالجحر وغيره (^١)، بل قد نقل النووي الإجماع (^٢).\nعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْجُحْرِ»، قَالُوا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنَ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ؟ قَالَ: «يُقَالُ: إِنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ» (^٣).\nومن استدلالهم: أن البول في الحجر فيه اعتداء علي الهوام، وقد تخرج بعض الهوام كالحيات وغيرها وقد يكون فيه اعتداء علي البائل وقد يتلوث بالنجاسة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) مراقي الفلاح (ص ٢٣)، والخرشي (١/ ١٤٤)، ومختصر خليل (ص ١٥)، والمجموع (٢/ ١٠٠/ ١٠١)، والمغني (١/ ١٠٨)، والفروع (١/ ١١٦).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٠١).\n(^٣) رجاله ثقات: أخرجه أحمد (٥/ ٨٢)، وأبو داود (٢٩) وغيرهما، من طرق عن معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة عن عبد الله بن سرجس، وفي سماع قتادة من ابن سرجس خلاف فأثبت السماع على بن المديني كما في تلخيص الحبير (١/ ١٠٦) وأبو حاتم كما في المراسيل (ص ٧٥) وأحمد كما في رواية ابنه عبد الله، وعن حرب بن إسماعيل عن أحمد: ما أعلم قتادة روى عن أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا عن أنس، قيل: فأبن سرجس؟ فكأنه لم يره سماعًا. وفي الباب ما قد رواه الطبراني (الكبير) (٦/ رقم ٥٣٥٩) عن ابن سيرين قال: بَيْنَا سَعْدٌ يَبُولُ قَائِمًا، إِذِ اتَّكَأَ فَمَاتَ، قَتَلَتْهُ الْجِنُّ، فَقَالُوا: نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ، سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ فَلَمْ نُخْطِئْ فُؤَادَهْ. قال الهيثمي (مجمع الزوائد) (١/ ٢٠٦): ابن سيرين لم يدرك سعد بن عبادة، وقد تابع ابن سيرين قتادة وعطاء وغيرهما ولا يصح من هذه المتابعات شيء. والله أعلم.","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type='title' id=toc-167>الفصل الثالث ما يباح عند قضاء الحاجة</span>\nوفيه ثلاثة مباحث\n\n<span data-type='title' id=toc-168>المبحث الاول: يباح استقبال الشمس والقمر حال قضاء الحاجة:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى كراهة استقبال عين الشمس والقمر عند قضاء الحاجة ولا يكره الاستدبار، وهو المشهور عن الحنفية وقول للمالكية وأكثر الشافعية والحنابلة (^١). واستدلوا بأن النبي ﷺ نَهَى أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ وَفَرْجُهُ بَادٍ لِلشَّمْسِ، وَنَهَى أن يبول وَفَرْجُهُ بَادٍ لِلْقَمَرِ (^٢).\nواعترض عليه بأنه حديث باطل لا أصل له.\nواستدلوا بأن الله أقسم بالشمس وضحاها والقمر إذا تلاها، فدل ذلك على كراهة قضاء الحاجة إلى عين الشمس والقمر.\nواعترض عليه بما قاله الشوكاني: وأما استقبال القبلة النيرين فهذه من غرائب أهل الفروع، فإنه لم يدل على ذلك دليل لا صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف، وما رُوي في ذلك فهذا كذب على رسول الله ومن رواية الكذابين، وإن كان ذلك بالقياس علي القبلة، فقد اتسع الخرق علي الراقع، ويقال لهذا القائس: ما هكذا تورد يا سعد الإبل!! وأعجب من هذا إلحاق النجوم النيرات بالقمرين فإن الأصل باطل، فكيف بالفرع؟ وكان ينبغي لهذا القائس أن يُلحق السماء، فإن لها شرفًا عظيمًا لكونها مستقر الملائكة، ثم يُلحق الأرض لأنها مكان العبادات والطاعات، ومستقر عباد الله الصالحين، فحينئذٍ تضيق على قاضي الحاجة الأرض بما رحبت، ويحتاج أن يخرج عن هذا العالم عند قضاء الحاجة، وسبحان الله ما يفعل بالتساهل\n_________\n(^١) لبحر الرائق (١/ ٢٥٦)، وحاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٢)، والتاج والإكليل (١/ ٤٠٧)، وأسني المطالب (١/ ٤٦)، والمغني (١/ ١٠٧) ومطالب أولي النهى (١/ ٦٧).\n(^٢) تلخيص الجبير (١/ ١٨٠) قال الحافظ: وهو حديث باطل لا أصل له.","vol":"1","page":170},{"text":"في إثبات أحكام الله من الأمور التي يبكى لها تارة ويضحك منها أخرى (^١).\nوذهب بعض الحنفية وبعض الشافعية أنه يكره استقبالهما واستدبارهما (^٢).\nوذهب بعض المالكية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة إلى جواز استقبالهما (^٣).\nقال ابن القيم: لم ينقل عنه ﷺ في ذلك كلمة واحدة لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل، وليس لهذه المسألة أصل في الشرع (^٤).\nوالراجح أن استقبال الشمس والقمر ببول أو غائط جائز، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-169>المبحث الثاني: يباح البول في الإناء:</span>\nقال الشوكاني: جواز إعداد الآنية للبول فيها بالليل، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا (^٥).\nومذهب الحنابلة أن البول في الإناء يكره لغير حاجة (^٦).\nوروى النسائي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ، لَقَدْ دَعَا بِالطَّسْتِ لِيَبُولَ فِيهَا (^٧).\n_________\n(^١) نيل الأوطار (١/ ٧٠).\n(^٢) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٢)، وأسنى المطالب (١/ ٤٦).\n(^٣) منح الجليل (١/ ١٠٣/ ١٠٤)، والمجموع (٢/ ١١٠)، والإنصاف (١/ ١٠٠).\n(^٤) مفتاح السعادة (٢/ ٢٠٥).\n(^٥) نيل الاوطار (١/ ١١٥).\n(^٦) الإنصاف (١/ ٩٩)، والفروع (١/ ٨٥).\n(^٧) إسناده صحيح: أخرجه النسائي (٣٣) وأخرجه البخاري (٢٧٤١) (٤٤٥٩) ومسلم (١٦٣٦) بدون ذكر البول، بلفظ: «فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟»، فهل رواية النسائى بذكر البول شاذة أو يجمع بين الروايات؟ قال النووي (المجموع) (٢/ ١٠٨): وهو محمول على الرواية الصحيحة الصريحة في البول. وفي الباب عَنْ حُكَيْمَةَ بِنْتِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ، عَنْ أُمِّهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَدَحٌ مِنْ عِيدَانٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ، يَبُولُ فِيهِ بِاللَّيْلِ» أخرجه أبو داود (٣٤) وفي إسناده: حكيمة، غير معروفة.","vol":"1","page":171},{"text":"والأصل أن البول في الإناء جائز إذا أمن عدم تنجيس البائل، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-170>المبحث الثالث: الأثر المتبقي من النجاسة بعد الاستجمار معفو عنه بالإجماع:</span>\nقال ابن قدامة: عُفِيَ عَنْ أَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ بَعْدَ الْإِنْقَاءِ، وَاسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (^١).\nقلت: دل علي ذلك النصوص الكثيرة، قال النبي ﷺ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقْلِبْ نَعْلَهُ، وَلْيَنْظُرْ فِيهَا، فَإِنْ رَأَى بِهَا خَبَثًا فَلْيُمِسَّهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ» (^٢). فإن كان النعل يطهر بالتراب مع بقاء الأثر، وإذا كان ذيل المرأة إذا تنجس يطهره ما بعده من التراب الطيب (^٣)، وإزالة الأثر بالكلية فيه مشقة وحرج وقد قال تعالي: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وقد يؤدي ذلك إلى الوسوسة المنهي عنها والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المغني (١/ ٤١١) وقال البهوتي كشاف القناع (١/ ١٩٢): وأثر الاستجمار نجس لأن بقية الخارج من السبيل يعفى عن يسيره بعد الإنقاء واستيفاء العدد، بغير خلاف نعلمه.\n(^٢) رواه أحمد (المسند) (٣/ ٢٠/ ٩٢) بإسناد صحيح.\n(^٣) رواه أحمد (٦/ ٤٣٤) بإسناد صحيح عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً فَكَيْفَ نَصْنَعُ إِذَا مُطِرْنَا؟ قَالَ: أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟ قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى قَالَ: «فَهَذِهِ بِهَذِهِ».","vol":"1","page":172},{"text":"الفصل الرابع ما يحرم عند قضاء الحاجة\nوفيه أربعة مباحث\nالمبحث الأول: في المواطن التي يحرم قضاء الحاجة فيها، وفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الاول: يحرم قضاء الحاجة في الطريق والظل.\nالمطلب الثاني: يحرم البول في المسجد.\nالمطلب الثالث: يحرم البول على القبر.\nالمطلب الرابع: استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط.\nالمطلب الخامس: تحريم استقبال الريح حال البول إذا كان يرتد عليه\nالمبحث الثاني: الأشياء التي يحرم الاستجمار بها وفيه تمهيد وخمسة مطالب:\nالتمهيد: ما يستنجى به.\nالمطلب الاول: يحرم الاستنجاء بالشيء النجس.\nالمطلب الثاني: يحرم الاستنجاء بعظم أو روث.\nالمطلب الثالث: يحرم الاستنجاء بالكتب الشرعية.\nالمطلب الرابع: يحرم الاستنجاء بالطعام.\nالمطلب الخامس: يحرم الاستنجاء بالشيء المغصوب والمسروق.\nالمبحث الثالث: يحرم الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار وما يتعلق به.\nالمبحث الرابع: يحرم مسح الذكر ونتره بعد الفراغ من البول إنما الواجب غسله فقط.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type='title' id=toc-171>الفصل الرابع ما يحرم عند قضاء الحاجة</span>\nوفيه أربعة مباحث\n\n<span data-type='title' id=toc-172>المبحث الأول: في المواطن التي يحرم قضاء الحاجة فيها</span>\n<span data-type='title' id=toc-173>المطلب الاول: يحرم قضاء الحاجة في الطريق والظل:</span>\nاختلف أهل العلم في حكم البول في الطريق والظل علي قولين:\nالقول الاول: يحرم البول في الطريق والظل النافع؛ وهو قول بعض المالكية وبعض الشافعية ورواية عند أحمد (^١).\nواستدلوا لذلك بالقران والسنة:\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨] والذي يتغوط في الطريق أو الظل، فقد آذى المؤمنين بذلك.\nوروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا اللاَّعِنَيْنِ»، قَالُوا: وَمَا اللاَّعِنَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» (^٢).\nاتقوا اللاعنين: أي الملعون فاعلهما أو الجالب للعن.\nوقال النووي: ينبغي أن يكون محرمًا لهذه الأحاديث لما فيه من إيذاء المسلمين.\nوروى أبو داود عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسول الله ﷺ: «اتَّقُوا الْمَلاعِنَ الثَّلاثَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ» (^٣).\n_________\n(^١) حاشية الخرشي (١/ ١٤٥)، والمجموع (١/ ١٠٢)، والمغني (١/ ١٠٨).\n(^٢) مسلم (٢٦٩).\n(^٣) إسناده ضعيف: أخرجه أبو داود (٢٦) وغيره، وفي مصباح الزجاجة (١/ ٤٨) قال: فيه أبو سعيد الحميري، قال ابن القطان: مجهول. وقال أبو داود والترمذي وغيرهما: روايته عن معاذ مرسلة.","vol":"1","page":174},{"text":"القول الثاني: ذهب الحنفية وبعض المالكية والمشهور عن الشافعية ورواية عن أحمد إلى أنه يُكره قضاء الحاجة في الطريق والظل النافع (^١).\nواستدلوا بأن هذه الأدلة تدل على الكراهة ولا تصل إلى التحريم.\nواعترض عليه بأن ظاهر حديث «اتَّقُوا اللاَّعِنَيْنِ» يدل على التحريم لأن فاعل المكروه لا يُلعن (^٢).\nوالراجح: أنه يحرم قضاء الحاجة في الطريق والظل النافع؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا اللاَّعِنَيْنِ»، قَالُوا: وَمَا اللاَّعِنَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ»، والطريق إذا لم تكن مطروقة والظل الذي لا ينتفع به لا بأس بالتبول فيهما، وكذا مجامع الناس لا تقضى فيها الحاجة.\nقال ابن عابدين: ينبغي تقييده بما إذا لم يكن محلًّا للاجتماع على محرم.\n\n<span data-type='title' id=toc-174>المطلب الثاني: يحرم البول في المسجد:</span>\nلما روى مسلم عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ ﷿، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» (^٣).\nوفي الصحيحين عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» (^٤) فإذا كان البصاق في المسجد خطيئة، فماذا يكون البول وغيره.\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، ومواهب الجليل (١/ ٢٧٦)، وروضة الطالبين (١/ ٦٦)، والفروع (١/ ١١٦).\n(^٢) الخرشي (١/ ١٤٥).\n(^٣) مسلم (٢٨٥).\n(^٤) البخاري (٤١٥)، ومسلم (٥٥٢).","vol":"1","page":175},{"text":"وإذا كان مَنْ أكل الثوم فلا يقرب المسجد فكيف بقضاء الحاجة؟!\nأما البول في إناء في المسجد فيجوز عند الضرورة لأنه يؤمن تنجيس المكان، أما إذا لم يكن هناك ضرورة فلا يجوز ذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-175>المطلب الثالث: يحرم البول على القبر:</span>\nوهو مذهب الجمهور (^١).\nودل على ذلك ماروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ - خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» (^٢). فإذا كان الجلوس على القبر محرمًا، فماذا يكون البول والتغوط على القبر؟\nوبعض العلماء كأبي حنيفة ومالك يفسر الجلوس بالجلوس لقضاء الحاجة، وعلى كلٍّ، فقضاء الحاجة على القبر محرم، ويكره التغوط بالقرب من القبر لأن فيه أذية لزائري القبور وحرمة الميت كحرمة الحي.\n\n<span data-type='title' id=toc-176>المطلب الرابع: استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط:</span>\nاختلف أهل العلم في حكم استقبال القبلة ببول أو غائط علي ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يحرم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط، وهو المشهور من مذهب الحنفية وبعض المالكية ورواية عن أحمد (^٣).\nواستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين عنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا»، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ:\n_________\n(^١) مواهب الجليل (٢/ ٢٥٣)، والأم (١/ ٢٧٧، ٢٧٨)، والمغني (٢/ ٩٢) وذهب أبو حنيفة ورواية عن أحمد إلى كراهة البول على القبر، انظر: البحر الرائق (٢/ ١٠٩) والإنصاف (١/ ١٠٠)، وفي رواية لأحمد بالجواز كما في الإنصاف (١/ ٩٩).\n(^٢) مسلم (٩٧١).\n(^٣) شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣٦)، وعارضة الأحوذي (١/ ٢٧)، والفروع (١/ ١١١).","vol":"1","page":176},{"text":"فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ، وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى (^١).\nالنهي في هذا الحديث مطلق، وهذا يشمل الصحراء والبينان والنهي للتحريم. وروى مسلم عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ (^٢).\nوروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا» (^٣). والأصل في النهي التحريم.\nالقول الثاني: يجوز استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط مطلقًا وهو قول عائشة وعروة وربيعة وداود (^٤).\nواستدلوا بما روى أحمد عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ نَهَانَا عَنْ أَنْ نَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ أَوْ نَسْتَقْبِلَهَا بِفُرُوجِنَا إِذَا أَهْرَقْنَا الْمَاءَ. قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَة (^٥).\n_________\n(^١) البخاري (٣٩٤) ومسلم (٢٦٤).\n(^٢) مسلم (٢٦٢).\n(^٣) مسلم (٢٦٥).\n(^٤) المنتقى شرح الموطأ (١/ ٣٣٦).\n(^٥) إسناده حسن: أخرجه أحمد (٣/ ٣٦٠) وأبو داود (١٣) وغيرهما، وفي إسناده ابن إسحاق وقد صرح بالتحديث وأبان بن صالح أخطأ المزي وابن عبد البر وابن حزم فضعفوه وقد وثقه الأئمة كابن معين وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم، قال ابن حجر: وثقه الأئمة، ووهم ابن حزم فجهَّله وابن عبد البر فضعفه. واستدلوا أيضًا بما روى أحمد (٦/ ١٣٧) وغيره من طريق خَالِدِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اسْتَقْبَلُوا بِمَقْعَدَتِي الْقِبْلَةَ». ولهذا الحديث علتان: الأولى: في إسناده، خالد بن أبي الصامت: مجهول. والثانية: قد اختلف فيه ألوانًا، فرواه أحمد (٦/ ١٨٣) من طريق خالد الحذاء عن رجل عن عراك، عن عائشة به، ورواه إسحاق بن راهويه (٩٤/ ١) من طرق خالد الحذاء عن عراك عن عائشة بدون ذكر خالد بن أبي الصلت، وذكر البخاري «التاريخ الكبير» (٣/ ١٥٥) وابن أبي حاتم (٥٠) عن عراك عن عائشة موقوفًا ورجح البخاري وأبو حاتم أن الصحيح في هذا الحديث الوقف.","vol":"1","page":177},{"text":"وهذا الفعل لبيان الجواز.\nالقول الثالث: ذهب جمهور العلماء: إلى أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط فى الصحراء، ويجوزفى البنيان، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث عنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا».\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين عن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ فَلَا تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ المَقْدِسِ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ (^٢).\nواستدلوا بحديث جابر قال: (رَأَيْتُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ).\nقال ابن حجر: وَدَلَّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى جَوَازِ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ فِي الْأَبْنِيَةِ وَحَدِيثُ جَابِرٍ عَلَى جَوَازِ اسْتِقْبَالِهَا، وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ لَا يُخَصُّ مِنْ عُمُومِهِ بِحَدِيث ابن عُمَرَ إِلَّا جَوَازُ الِاسْتِدْبَارِ فَقَطْ، وَلَا يُقَالُ: يُلْحَقُ بِهِ الِاسْتِقْبَالُ قِيَاسًا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلْحَاقُهُ بِهِ لِكَوْنِهِ فَوْقَهُ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ قَوْمٌ فَقَالُوا بِجَوَازِ الِاسْتِدْبَارِ دُونَ الِاسْتِقْبَالِ، حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَبِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَالصَّحْرَاءِ مُطْلَقًا قَالَ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ، وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ (^٣).\n_________\n(^١) المدونة (١/ ١١٧)، والأم (١/ ١٧٦)، والمغنى (١/ ١٠٧).\n(^٢) البخارى (١٤٨)، ومسلم (٢٦٦).\n(^٣) فتح الباري (١/ ٢٤٦).","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-177>المطلب الخامس: تحريم استقبال الريح حال البول إذا كان يرتد عليه:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى كراهية استقبال الريح حال البول (^١).\nواستدلوا لذلك بالسنة والمعقول:\nأما من السنة: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَرَجَ أَحَدُكُمْ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلَا يَسْتَقْبِلِ الرِّيحَ» (^٢). «ولا يستقبل الريح» زيادة منكرة.\nأما دليلهم من المعقول: فهو أن في استقبال الريح تعرضًا للتلوث بالنجاسة لأنها قد تَرُد عليه بوله، وإن كانت الأحاديث الواردة في الباب لا تصح عن رسول الله ﷺ، فإن كان البائل يستقبل الريح ويرتد عليه فهو ممنوع لأن الطهارة واجبة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، وحاشية الدسوقي (١/ ١٠٧)، والمجموع (٢/ ١٠٩)، والإنصاف (١/ ١٠٠)\n(^٢) زيادة (وَلَا يَسْتَقْبِلِ الرِّيحَ) منكرة، أخرجه الطحاوي (شرح معاني الآثار) (٤/ ٢٣٣) وفي إسناده ابن لهيعة، ضعيف، ورواه مسلم (٢٦٥) بلفظ: «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا» فدل ذلك على أن لفظة: «وَلَا يَسْتَقْبِلِ الرِّيحَ» زيادة منكرة، انفرد بها ابن لهيعة، وحديث أبي هريرة في مسلم بدون هذه الزيادة وله شواهد: الأول: شاهد عائشة، أخرجه الدارقطني (١/ ٥٦) وفي إسناده مبشر وهو متروك. والشاهد الثاني: أخرجه ابن عدي (الكامل) (٧/ ١٦٣) وفي إسناده: يوسف بن السفر كان يضع الحديث.","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-178>المبحث الثاني الأشياء التي يحرم الاستجمار بها</span>\nوفيه تمهيد ووخمسة مطالب\n\n<span data-type='title' id=toc-179>تمهيد: ما يستنجى به:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى جواز الاستجمار بكل طاهر منقٍّ من حجر أو ورق أو غيرهما (^١). واستدلوا لذلك بعموم قول النبي ﷺ: «وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ، وَلَا رَوْثٍ».\nوهذا منطوق، والمفهوم إتني بغيرهما، فدل ذلك على جواز الاستجمار بكل طاهر مُنَقٍّ حجر وورق وغيرهما.\nوذهب ابن حزم إلى أنه لا يجوز الاستجمار بغير الماء والحجارة لأنه ورد النص بذلك (^٢).\nوالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من جواز الاستجمار بكل طاهر مُنَقٍّ، من حجر أو ورق أو خشب أو غيرهم مما يزيل النجاسة كالمناديل الورقية، ولما خص النبي ﷺ النهي بالعظم والروثة دل ذلك على إباحة ما سواهما إذا كان ينقي، فالزجاج وغيره إذا كان لا ينقي فإنه لا يجزي؛ لإن النجاسة عين خبيثة لها طعم أو لون أو رائحة، والمطلوب إزالة كل ذلك، فإن ذهب طعمها ولونها ورائحتها بأي مزيل زال حكمها وأصبح المحل طاهرًا، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-180>المطلب الأول: يحرم الاستنجاء بالشيء النجس:</span>\nاختلف أهل العلم علي قولين:\nالقول الأول: ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يشترط أن تكون الأحجار\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٥٣)، وحاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٧)، والمنتقى (١/ ٦٨، ٦٧)، والأم (١/ ٢٢)، والمهذب (١/ ٢٨)، والمبدع (١/ ٩١)، والفروع (١/ ٩٢).\n(^٢) المحلى (١/ ١٠٨).","vol":"1","page":180},{"text":"طاهرة (^١).\nواستدلوا لذلك بما روي البخاري عن عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «هَذَا رِكْسٌ» (^٢).\nقوله: «هذا ركس»، أي نجس، فهذا فيه دليل على أنه يشترط أن تكون الأحجار طاهرة.\nالقول الثاني: ذهب الحنفية إلى أنه يجزي الاستجمار بكل ما يزيل النجاسة ولو كان المزيل نجسًا.\nقال الكاساني: أمَّا الاستِنْجَاءُ بالَّروْثِ فَإِنَّ فِعْلَ ذَلِكَ يُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَنَا، فَيَكُونُ مُقِيمًا سُنَّةً، وَمُرْتَكِبًا كَرَاهَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِفِعْلٍ وَاحِدٍ جِهَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَيَكُونُ بِجِهَةِ كَذَا، وَبِجِهَةِ كَذَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّوْثَ نَجَسٌ فِي نَفْسِهِ، وَالنَّجَسُ كَيْفَ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ؟ (وَلَنَا) أَنَّ النَّصَّ مَعْلُولٌ بِمَعْنَى الطَّهَارَةِ وَقَدْ حَصَلَتْ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَمَا تَحْصُلُ بِالْأَحْجَارِ، إلَّا أَنَّهُ كُرِهَ بِالرَّوْثِ لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِعْمَالِ النَّجَسِ وَإِفْسَادِ عَلَفِ دَوَابِّ الْجِنِّ (^٣).\nوالراجح: يشترط أن تكون الأحجار طاهرة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-181>المطلب الثاني: يحرم الاستنجاء بعظم أو روث:</span>\nاختلف أهل العلم فى حكم الاستنجاء بعظم أو روث علي قولين:\nالقول الأول: يحرم الاستنجاء بعظم أو روث. وهو قول بعض الحنفية وبعض المالكية والشافعية والحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) المنتقى (١/ ٦٨/ ٦٩)، والأم (١/ ٢٢)، ومطالب أولي النهى (١/ ٧٧).\n(^٢) البخاري (١٥٦).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ١٨).\n(^٤) مراقي الفلاح ص ٢١٠، والكافي في فقه أهل المدينة (١/ ١٧)، والمهذب (١/ ٢٨)، والفروع (١/ ٩٢).","vol":"1","page":181},{"text":"واستدلوا بحديث سلمان: لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ، أَوْ بِعَظْمٍ. وروى البخاري من حديث أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ: «ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ، وَلَا بِرَوْثَةٍ» فَقُلْتُ: مَا بَالُ العَظْمِ وَالرَّوْثَةِ؟ قَالَ: «هُمَا مِنْ طَعَامِ الجِنِّ» (^١).\nالقول الثاني: يُكره الاستنجاء بعظم أو روث، وهو قول بعض المالكية وبعض الحنفية (^٢)، والصارف من التحريم إلى الكراهة هو أن كان العظم والروث نجسًا، فقد ورد في حديث جابر الانتفاع بشحم الميتة في طلاء السفن، فهذا صارف للتحريم إلى الكراهة.\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من تحريم الاستنجاء بالعظم والروث.\n\n<span data-type='title' id=toc-182>المطلب الثالث: يحرم الاستنجاء بالكتب الشرعية:</span>\nذهب جماهير العلماء إلى تحريم الاستنجاء بالكتب الشرعية (^٣).\nواستدلوا لذلك بأن الاستنجاء بها فيه إهانة لها، وهذا منهي عنه، وكذا الكتب الشرعية لا تخلو من آيات قرانية وأحاديث نبوية، وهذه يجب توقيرها وعدم إهانتها، فمن فعل ذلك فعليه التوبة.\nأما الاستجمار بكتب غير شرعية وليس فيها آيات قرانية ولا أحاديث نبوية فإنها جائزة إذا أزالت النجاسة\nقال النووي: وَمِنَ الْأَشْيَاءِ المُحْتَرمةِ الَّتِي يَحْرُمُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا الْكُتُبُ الَّتِي فِيهَا شيئ من علوم الشرع فإنِ استنجي بشئٍ منه عَالِمًا أَثِمَ (^٤).\nوقال في موضع: ولو استنجي بشيئ مِنْ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ وَالْعِيَاذُ بِاَلله عَالِمًا صَارَ كَافِرًا مُرْتَدًّا.\n_________\n(^١) البخاري (٣٨٦٠).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٢٨٨)، والبحر الرائق (١/ ٢٥٥).\n(^٣) الخرشي (١/ ١٥١)، والتمهيد (١/ ٣٤٧)، والطالبين (١/ ٦٨).\n(^٤) المجموع (٢/ ١٣٧).","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type='title' id=toc-183>المطلب الرابع: يحرم الاستنجاء بالطعام:</span>\nذهب جماهير العلماء إلى تحريم الاستنجاء بالطعام (^١).\nقال ابن عبد البر: ما يجوز أكله لا يجوز الاستنجاء به (^٢).\nقال النووي: فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِعَظْمٍ وَلَا خُبْزٍ وَلَا غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَطْعُومِ، فَإِنْ خَالَفَ وَاسْتَنْجَى بِهِ عَصَى وَلَا يُجْزِئُهُ (^٣).\nواستدلوا لذلك بما روى مسلم من حديث ابن مسعود: قال النبي ﷺ: «أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ وَسَأَلُوهُ الزَّادَ فَقَالَ: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ». فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ» (^٤). وإذا كان طعام الجن منهيًّا عنه فطعام الإنس أولى، والاستنجاء بالطعام فيه كفران للنعمة وامتهان لها.\nقال ابن تيمية: لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ (^٥)\nوإذا استنجى بالطعام هل يجزئه؟\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٢٨٦)، والمجموع (١/ ١٣٥)، والمغني (١/ ١٠٤).\n(^٢) الكافي (ص ١٧).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٣٥).\n(^٤) مسلم (٤٥٠).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٧٥) وقال في بدائع الصنائع (١/ ١٨): وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَسْتَنْجُوا بِالْعَظْمِ وَلَا بِالرَّوْثِ فَإِنَّ الْعَظْمَ زَادُ إخْوَانِكُمْ الْجِنِّ، وَالرَّوْثُ عَلَفُ دَوَابِّهِمْ» فَإِنَّ فِعْلَ ذَلِكَ يُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَنَا، فَيَكُونُ مُقِيمًا سُنَّةً، وَمُرْتَكِبًا كَرَاهَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِفِعْلٍ وَاحِدٍ جِهَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَيَكُونُ بِجِهَةِ كَذَا، وَبِجِهَةِ كَذَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، حَتَّى لَا تَجُوزَ صَلَاتُهُ إذَا لَمْ يَسْتَنْجِ بِالْأَحْجَارِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَجْهُ قَوْلِهِ: إنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِالْأَحْجَارِ فَيُرَاعَى عَيْنُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الرَّوْثَ نَجَسٌ فِي نَفْسِهِ، وَالنَّجَسُ كَيْفَ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ؟ (وَلَنَا) أَنَّ النَّصَّ مَعْلُولٌ بِمَعْنَى الطَّهَارَةِ وَقَدْ حَصَلَتْ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَمَا تَحْصُلُ بِالْأَحْجَارِ، إلَّا أَنَّهُ كُرِهَ بِالرَّوْثِ لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِعْمَالِ النَّجَسِ، وَإِفْسَادِ عَلَفِ دَوَابِّ الْجِنِّ.","vol":"1","page":183},{"text":"ذهبت الحنفية والمالكية إلى أنه يجزئه مع الإثم لأن النجاسة إذا أزيلت بأي مزيل فإنها تطهر.\nوذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجزئه الاستنجاء بالمطعوم، واستدلوا بأن هذا الفعل مخالف لأمر الله ورسوله،؛ لأن الرخصة لا تباح بمعصية.\nوالراجح ما ذهب إليه الحنفية والمالكية من أنه يجزئه إذا أزيلت النجاسة مع الإثم.\n\n<span data-type='title' id=toc-184>المطلب الخامس: يحرم الاستنجاء بالشيء المغصوب والمسروق:</span>\nلعموم قوله ﷺ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ».\nقال ابن حزم: مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ أُخِذَ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ اغْتَسَلَ بِهِ أَوْ مِنْ إنَاءٍ كَذَلِكَ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ ذَلِكَ الْمَاءَ وَذَلِكَ الإِنَاءَ فِي غُسْلِهِ وَوُضُوئِهِ حَرَامٌ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-185>المبحث الثالث: يحرم الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار وما يتعلق به: وفيه مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-186>المطلب الأول: هل يشترط في الاستجمار ثلاثة أحجار؟ اختلف أهل العلم على قولين:</span>\nالقول الأول: لا يجب العدد، بل المعتبر الإنقاء ولو بحجر واحد، وإليه ذهب الحنفية والمالكية (^٢).\nواستدلوا لذلك بما روى البخاري عن عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ» (^٣).\nقال الطحاوي: فَلَمَّا أَتَاهُ عَبْدُ اللهِ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ الْحَجَرَيْنِ، وَعَلَى أَنَّهُ قَدْ رَأَى أَنَّ الِاسْتِجْمَارَ بِهِمَا يُجْزِئُ مِمَّا يُجْزِئُ مِنْهُ الِاسْتِجْمَارُ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَا يُجْزِئُ الِاسْتِجْمَارُ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ، لَمَا اكْتَفَى بِالْحَجَرَيْنِ\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٢٠٧).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ١٩)، والمنتقى (١/ ٦٨)، والتمهيد (١/ ١٧).\n(^٣) البخاري (١٥٦).","vol":"1","page":184},{"text":"وَلَأَمَرَ عَبْدَ اللهِ أَنْ يَبْغِيَهُ ثَالِثًا، فَفِي تَرْكِهِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى اكْتِفَائِهِ بِالْحَجَرَيْنِ (^١).\nواعترض عليه بما قاله ابن حزم: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ اكْتَفَى بِالْحَجَرَيْنِ، وَقَدْ صَحَّ أَمْرُهُ ﵇ لَهُ بِأَنْ يَأْتِيَهُ بِأَحْجَارٍ، فَالأَمْرُ بَاقٍ لَازِمٌ لَا بُدَّ مِنْ إبْقَائِهِ (^٢).\nواستدلوا بأن المقصود من الاستنجاء الإنقاء وقد يحصل بحجر.\nواعترض عليه بأن الإنقاء لا يكون بحجر واحد وأنه ورد ألا نستنجي بأقل من ثلاث ولا قياس مع النص.\nالقول الآخر: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجزئ أقل من ثلاثة أحجار (^٣).\nواستدلوا لذلك بما روى مسلم عن سلمان: لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ.\nوالنهي للتحريم. وقد حكى الإجماع ابن المنذر وابن حزم بوجوب ثلاثة أحجار، وهذا الإجماع منخرم ولكن حديث سلمان كافٍ في وجوب ثلاثة أحجار، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-187>المطلب الثالث: عدد الغسلات عند الاستنجاء</span>\nاختلف أهل العلم في عدد الغسلات عند الاستنجاء على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يعتبر عدد معين، بل المطلوب الإنقاء بأي عدد كان، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية وقول عند الحنابلة (^٤).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَليِّ» (^٥). هنا لم يحدد عدد الغسلات. وقال النبي للمستحاضة: «فَاغْسِلِي عَنْكِ\n_________\n(^١) شرح معاني الأثار (١/ ١٢٢).\n(^٢) المحلى (١/ ١١٣).\n(^٣) الأم (١/ ٢٢)، والمجموع (٢/ ١٢٠)، والمغني (١/ ١٠٢).\n(^٤) بدائع الصنائع (١/ ٢١)، والتمهيد (١/ ٢٢)، والمغني (١/ ١٠٦)، والمبدع (١/ ٢٣٨).\n(^٥) البخاري (٢٧٧)، ومسلم (٢٩١).","vol":"1","page":185},{"text":"الدَّمَ وَصَلِّي» (^١). ولم يحدد عدد الغسلات فكذا البول والغائط.\nالقول الثاني: أن عدد الغسلات سبع مرات، وهو قول الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بما رُوي في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» (^٣).\nواعترض عليه بأن نجاسة الكلب مغلظة لا يقاس عليها غيرها، فإنه لم يُذكر التراب في تطهير شيء من النجاسات إلا في نجاسة الكلب، أما دم الحيض مع أنه مُجمع على نجاسته فقال النبي: «اغسلي عنك الدم» ولم يحدد عدد الغسلات ولم يذكر التراب، فدل ذلك على فساد هذا القياس.\nالقول الثالث: أن عدد الغسلات ثلاث، وهو قول عند الحنابلة (^٤).\nواستدلوا بحديث سلمان: (لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ)\nواعترض عليه بأن هذا قياس مع الفارق، فإن الماء يزيل النجاسة أكثر من الأحجار.\nوالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء أنه لا يعتبر عدد معين بل المطلوب الإنقاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-188>المطلب الثالث: هل يكتفى بحجر واحد له ثلاث شعب؟</span>\nذهب الشافعية والمشهور عند الحنابلة إلى أنه يكفي الحجر الواحد ذو الثلاث شعب (^٥). واستدلوا بأنه يمسح به ثلاث مسحات، وهذا المعنى في ثلاثة أحجار.\nوذهب ابن حزم وابن المنذر ورواية عن أحمد إلى أن الحجر ذا الثلاث شعب لا يكفي بل\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٣١٣).\n(^٣) البخاري (١٧٢) ومسلم (٢٩٧).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٣١٣)، والمغني (١/ ١٠٦).\n(^٥) الأم (١/ ٢٢)، وكشاف القناع (١/ ٦٩)، والمغني (١/ ١٠٥).","vol":"1","page":186},{"text":"لابد من ثلاثة أحجار (^١). وهذا لظاهر النص، فعن سلمان: (لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ).\nواعترض عليه بأنه لو كان للحجر ثلاث شعب ومسح به ثلاث مسحات فحصل الإنقاء وهو بمعنى ثلاثة أحجار.\n\n<span data-type='title' id=toc-189>المبحث الرابع: يحرم مسح الذكر عند الفراغ من البول ونتره إنما الواجب غسله:</span>\nذهب الحنفية والمالكية إلى أنه يجب سلت الذكر (^٢).\nواستدلوا بما روى النسائي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ» (^٣).\nواعترض عليه بأن الاستبراء لا يقتضي مسح الذكر ولكن هو الاستنجاء أو الاستبراء بالغسل وليس سلت الذكر.\nوذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب ذلك (^٤).\nواستدلوا بعموم قول النَّبِيِّ ﷺ: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ» (^٥).\nدل على مسح ذكره بشماله.\nواعترض عليه بأن هذا الاستنجاء بغسل الذكر وليس سلته.\nقال ابن تيمية: سَلْتُ الْبَوْلِ بِدْعَةٌ لَمْ يُشَرِّعْ ذَلِكَ رَسُولُ الله ﷺ. وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ لَا أَصْلَ لَهُ، وَالْبَوْلُ يَخْرُجُ بِطَبْعِهِ وَإِذَا فَرَغَ انْقَطَعَ بِطَبْعِهِ، وَهُوَ كَمَا قِيلَ: كَالضَّرْعِ إنْ تَرَكْته قَرَّ وَإِنْ\n_________\n(^١) المحلى (١/ ١٠٨)، والأوسط (١/ ٣٥٤)، والمغني (١/ ١٠٥).\n(^٢) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٤)، والتاج والإكليل (١/ ٤٠٧، ٤٠٨)، ومواهب الجليل (١/ ١٨٢).\n(^٣) النسائي (٢٠٦٨) وأصل الحديث في الصحيحين.\n(^٤) أسنى المطالب (١/ ٤٩)، والإنصاف (١/ ١٠٢)، ومطالب أولي النهى (١/ ٧٢).\n(^٥) البخاري (٥٦٣٠) ومسلم (٣٦٧).","vol":"1","page":187},{"text":"حَلَبْته دَرَّ. وَكُلَّمَا فَتَحَ الْإِنْسَانُ ذَكَرَهُ فَقَدْ يَخْرُجُ مِنْهُ وَلَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ. وَقَدْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ وَهُوَ وَسْوَاسٌ وَقَدْ يُحِسُّ مَنْ يَجِدُهُ بَرْدًا لِمُلَاقَاةِ رَأْسِ الذَّكَرِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَمْ يَخْرُجْ، وَالْبَوْلُ يَكُونُ وَاقِفًا مَحْبُوسًا فِي رَأْسِ الْإِحْلِيلِ لَا يَقْطُرُ، فَإِذَا عَصَرَ الذَّكَرَ أَوْ الْفَرْجَ أَوْ الثُّقْبَ بِحَجَرِ أَوْ أُصْبُعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ خَرَجَتْ الرُّطُوبَةُ، فَهَذَا أَيْضًا بِدْعَةٌ، وَذَلِكَ الْبَوْلُ الْوَاقِفُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إخْرَاجٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ لَا بِحَجَرِ وَلَا أُصْبُعٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ كُلَّمَا أَخْرَجَهُ جَاءَ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ يَرْشَحُ دَائِمًا (^١).\nفالحاصل أنه يغسل ذكره بعد انقطاع البول، هذا هو المأمور به والمشروع، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٦).","vol":"1","page":188},{"text":"نتائج بحث قضاء الحاجة\nالأول: الناظر في الشريعة يجدها شريعة كاملة وشاملة لما يصلح في الحال والمآل، حتى الأمور الجبلية عَلَّمنا إياها رسول الهدى؛ روى مسلم عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: قَالُوا لِسَلْمَانَ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ. فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ. وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].\nالثاني: الاستنجاء: هو مسح موضع الأذى أو غسله.\n١ - استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء بالإجماع في الغائط، ودلت الأحاديث المستفيضة على أن الرسول ﷺ كان إذا أتى حاجته أبعد.\nوفي الصحيحين عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: «يَا مُغِيرَةُ، خُذِ الإِدَاوَةَ»، فَأَخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ. أما في البول فلا بأس أن يبول بقرب الناس إذا كان لا يخشى الابتعاد في الغائط؛ لأن فيه زيادة تكشف. ففي الصحيحين عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا فَتَنَحَّيْتُ فَقَالَ: «ادْنُهْ» فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ.\n٢ - استحباب التعوذ من الخبث والخبائث بالإجماع، في الصحيحين عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ، ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ». قيل: ذكران الشياطين وإناثهم. وقال ابن العربي: أصل الخبث في كلام العربي المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الِملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار. وقيل: الخبث: الشر والمكروه: والخبائث: الشياطين، فكأنه استعاذ من الشر وأهله، ومعنى: (إذا دخل)، إذا أراد أن يدخل، ومنه قوله تعالي: ﴿فَإِذَا","vol":"1","page":189},{"text":"قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].\nورد في رواية: «إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث»، زيادة (بسم الله) لا تصح عن رسول الله.\n٣ - يستحب لبس الحذاء عند الدخول للخلاء، روى البيهقي، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ لَبِسَ حِذَاءَهُ وَغَطَّى رَأْسَهُ. ولكن إسناده ضعيف، والأولى لبس الحذاء؛ لأنه يقي من النجاسات، فإذا دخل حافيًا فقد تنجس رجلاه.\n٤ - استحباب تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء، وتقديم الرجل اليمنى عند الخروج.\n٥ - يستحب أن يطلب لبوله مكانًا رخوًا لئلا يعود عليه الرشاش فينجسه.\nوينبغي إذا كان الحمام بلديًّا أن يكون ما يقعد عليه نازلًا لئلا يعود الرشاش عليه.\n٦ - يستحب أن لا يرفع الثوب قبل الدنو من الأرض، فعن ابن عمر قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ بَرَزَ حَتَّى لا يَرَى أَحَدًا، وَكَانَ لا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأَرْضِ. ولكنه حديث ضعيف، وأصل ستر العورة الوجوب، فلا يحل كشفها إلا لضرورة؛ ولذا لا يرفع ثوبه قبل الدنو من الأرض.\n٧ - يستحب تقديم غسل القبل قبل الدبر من أجل أن يأمن من تلوث يده.\n٨ - يستحب قطع الاستنجاء على وتر، قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ».\n٩ - ذهب جمهور العلماء إلى استحباب تغطية الرأس حال قضاء الحاجة، واستدلوا بأحاديث لا تصح عن رسول الله ﷺ، وصح عن أبي بكر أنه قال: (إِنِّي لأَظَلُّ حِينَ أَذْهَبُ إِلَى الْغَائِطِ فِي الْفَضَاءِ مُغَطِّيًا رَأْسِي اسْتِحْيَاءً مِنْ رَبِّي ﷿.). أما حديث حبيب بن صالح: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ لَبِسَ حِذَاءَهُ وَغَطَّى رَأْسَهُ. فلا يصح.\n١٠ - يستحب عدم إطالة القعود على الحاجة فوق الحاجة؛ لأن ستر العورة واجب، ولا يحل كشفها إلا لضرورة، وتقدر بقدرها، وهذا ينافي ما يفعله كثير من الناس من التوسع في","vol":"1","page":190},{"text":"الحمامات ويقضى فيه الكثير من الوقت وهو بيت الخبث والخبائث.\n١١ - ذهب جمهور العلماء إلى استحباب قول: (غفرانك)، عند الخروج من الخلاء، والحديث ضعيف. الخطابي في ذلك وجهين:\nالأول: أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ مِنْ تَرْكِ ذِكْرِ الله تَعَالَى حَالَ لَبْثِهِ عَلَى الْخَلَاءِ وَكَانَ لا يهجر ذكر الله تعالى إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ.\nوَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ خَوْفًا مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي شُكْرِ نِعْمَةِ الله تَعَالَى الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ فَأَطْعَمَهُ ثُمَّ هَضَّمَهُ ثُمَّ سَهَّلَ خُرُوجَهُ.\n١٢ - يستحب تنظيف اليد بعد الاستنجاء، دل على ذلك أن النبي اغتسل من الجنابة فغسل فرجه بيده ثم دلك بها الحائط ثم غسلها ثم توضأ، فدل ذلك على تنظيف اليد بالصابون بعد الاستنجاء كي تذهب الرائحة، فالإسلام دين الطهارة والنظافة: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، فالحمد لله الذي رضى لنا الإسلام دينًا.\nالخامس: ما يباح عند قضاء الحاجة.\n١ - يباح استقبال الشمس والقبر حال قضاء الحاجة.\n٢ - يباح البول في الإناء. روى النسائي عن عائشة: لقد دعا النبي ﷺ بالطست ليبول فيه.\n٣ - الأثر المتبقي من النجاسة بعد الاستجمار معفو عنه.\nالسادس: المواطن التي يحرم قضاء الحاجة فيها:\n١ - يحرم قضاء الحاجة في الظل والطريق؛ لعموم قول النبي ﷺ: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ،؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ».\n٢ - يحرم البول في المسجد؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ ولَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ الله وَالصَّلاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ».\n٣ - يحرم البول على القبر؛ لعموم قول النبي ﷺ: «لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ حَتَّى تُفْضِيَ إِلَى جِلْدِهِ - خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ».","vol":"1","page":191},{"text":"فإذا كان الجلوس على القبر محرمًا؛ فماذا بالبول والغائط؟\n٤ - يحرم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط في الصحاري دون البنيان؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا»، واستثنى البنيان بحديث ابن عمر: (لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ).\n٥ - يحرم استقبال الريح حال البول إذا كان يرتد عليه؛ لأن المكلف مأمور بالتحرز من النجاسة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\n٦ - الاشياء التي يحرم الاستنجاء بها: - يحرم الاستنجاء بالشيء النجس.\n٣ - لا يستجمر بما هو محترم، سواء كان محترمًا لحق الله كالكتب الشرعية، أو محترمًا لحق آدمي كطعامه، أو محترمًا لحق حيوان كالاستنجاء بالعلف ودواب الطعام.\n٤ - يحرم الاستنجاء بالطعام، وإذا كان طعام الجن منهيًّا عن الاستنجاء به فطعام الإنس أولى.\n٥ - يحرم الاستنجاء بالشيء المغصوب أو المسروق.\n٦ - يحرم الاستنجاء بأقل من ثلاثة أجحار.\nيجب غسل الذكر بعد الفراغ من البول، ويحرم مسح الذكر ونتره؛ لأن الأصل أن البول يخرج بطبعه، فإذا انقطع غسل ذكره، وأما عصر الذكر والتكلف الذي يؤدي إلى الوسوسة فمحرم.\n* * *","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type='title' id=toc-190>الباب الخامس خصال الفطرة</span>\nفسنن الفطرة تدخل في باب الطهارة لأن تقليم الأظفار والختان وغير ذلك تدخل في باب\nالتنظف وتدخل أيضًا في باب الزينة.\nتمهيد: تعريف الفطرة وخصالها.\nالفصل الأول: الختان.\nالفصل الثاني: الاستحداد.\nالفصل الثالث: تقليم الأظفار ونتف الإبط.\nالفصل الرابع: قص الشارب وإعفاء اللحية.\nالفصل الخامس: حلق الشعر وغسل البراجم.\nالفصل السادس: السواك.","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-191>تمهيد: تعريف الفطرة وخصالها</span>\n<span data-type='title' id=toc-192>المبحث الأول: تعريف الفطرة:</span>\nأصل الفطر: الشق، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ١﴾ [الإنفطار: ١] أي: انشقت (^١).\nوفي الحديث: «قَامَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ» أي انشقتا.\nتطلق الفطرة على معانٍ:\nالأول: الخلقة، والفاطر الخالق، قال تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] أي خلقني.\nالثانى: الابتداء، عَنْ مُجَاهِدٍ، عن ابْنَ عَبَّاسٍ قال: كُنْتُ لَا أَدْرِي مَا فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَنَا فَطَرْتُهَا. يَقُولُ: أَنَا ابْتَدَأْتُهَا (^٢).\nالثالث: السنة (^٣)، قال النبي ﷺ: «مِنَ السُّنَّةِ قَصُّ الشَّارِبِ» فقوله: «من السنة» أي من الفطرة.\nالرابع: الإسلام (^٤)، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ١] «فطرة الله» أي الإسلام، وعموم قول النبي ﷺ «مَا مِنْ مَوْلُودٍ\n_________\n(^١) انظر: لسان العرب، مادة فطر.\n(^٢) أخرجه الطبري في (تفسيره) (٧/ ١٥٨) في إسناده ابن وكيع لكن تابعه ابن بشار كما في التمهيد (١٨/ ٧٨)، وفي إسناده إبراهيم بن مهاجر: صدوق لين الحفظ.\n(^٣) المجموع (١/ ٣٣٨).\n(^٤) التمهيد (١٨/ ٧٢).","vol":"1","page":194},{"text":"يُولَدُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ»، «على الفطرة» أي على الإسلام.\nالخامس: الميثاق والعهد المأخوذ على ذرية آدم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-193>المبحث الثاني: خصال الفطرة:</span> في الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ وَالاسْتِحْدَادُ وَنَتْفُ الإبْطِ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الأظْفَارِ» (^٢).\nوعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقٌ بِالْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ» (^٣).\nونفصل سنن الفطرة في الفصول الأتية: على حَسَب هذا الحديث:\nعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ وَالاسْتِحْدَادُ وَنَتْفُ الإبْطِ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الأظْفَارِ».\n===\n_________\n(^١) طرح التثريب (٧/ ٢٢٧، ٢٢٨).\n(^٢) البخاري (٥٨٩١) ومسلم (٢٥٧).\n(^٣) ضعيف: فمدار الحديث على طلق بن حبيب واختلف عليه: فرواه مصعبَ بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن ابن الزبير، عن عائشة مرفوعًا. أخرجه مسلم (٢٦١) وغيره. وهذا الحديث ضعيف لضعف مصعب بن شيبة. وقد خالف مصعبًا كل من سليمان التيمي عند النسائي «الصغرى» (٥٠٤١)، وأبو بشر (جعفر بن إياس) عند النسائي (٥٠٤٢)، فرواياه عن طلق بن حبيب من قوله، قال: «عشر من الفطرة». قال النسائي: حديث سليمان التيمي، وجعفر بن إياس أولى بالصواب من حديث مصعب بن شيبة، ومصعب منكر الحديث. وقال الدارقطني: تفرد به مصعب بن شيبة، وخالفه أبو بشر وسليمان التيمي، فروياه عن طلق بن حبيب قوله غير مرفوع، وسليمان وجعفر أثبت من مصعب، وأصح حديثًا. انظر السنن (١/ ٩٤) قال أحمد: «الوضوء من الحجامة» حديث منكر، رواه مصعب بن شيبة، أحاديثه مناكير منها هذا الحديث، وعشرة من الفطرة. كما في «الضعفاء الكبير» (٤/ ١٩٧).","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type='title' id=toc-194>الفصل الأول: الختان</span>\nوفيه سبعة مباحث\nالمبحث الأول: تعريف الختان.\nالمبحث الثاني: وقت الختان.\nالمبحث الثالث: حكم ختان الذكر.\nالمبحث الرابع: حكم ختان المرأة.\nالمبحث الخامس: خنان الخنثى.\nالمبحث السادس: حكم ختان الميت.\nالمبحث السابع: فوائد الختان.","vol":"1","page":196},{"text":"الفصل الأول\nالختان\n\n<span data-type='title' id=toc-195>المبحث الأول: تعريف الختان:</span>\nقال الحافظ: الْخِتَانُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَنَّاةِ: مَصْدَرُ خَتَن، أَيْ قَطَعَ، والخَتْن بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ: قَطْعُ بَعْضٍ مَخْصُوصٍ مِنْ عُضْوٍ مَخْصُوصٍ.\nقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: خِتَانُ الذَّكَرِ قَطْعُ الْجِلْدَةِ الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَةَ، وَالْمُسْتَحَقُّ مِنْ خِتَانِ الْمَرْأَةِ قَطْعُ جِلْدَةٍ تَكُونُ فِي أَعْلَى فَرْجِهَا فَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ كَالنَّوَاةِ أَوْ كَعُرْفِ الدِّيكِ، وَالْوَاجِبُ قَطْعُ الْجِلْدَةِ الْمُسْتَعْلِيَةِ مِنْهُ دُونَ اسْتِئْصَالِهِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-196>المبحث الثاني: وقت الختان:</span>\nاختلف أهل العلم في وقت وجوب الختان على أربعة أقوال:\nالقول الأول: أن وقت وجوب الختان عند البلوغ، ويستحب في الصغر في اليوم السابع، وهو المشهور عن الشافعية، والحنابلة (^٢).\nواستدلوا لذلك بالمأثور والمعقول:\nأما دليلهم من المأثور: فعَن سعيد بن جُبَير قَالَ: سُئِلَ ابْن عَبَّاس: مثل من أَنْت حِين قُبض النَّبِي ﷺ؟ قَالَ: أَنا يَوْمئِذٍ مختون. وَكَانُوا لَا يختنون الرجل حَتَّى يدْرك (^٣). حتي يدرك: أي حتي يبلغ.\n_________\n(^١) وانظر: روضة الطالبين (٣/ ١٤٨)، (١٠/ ١٨٠)، وفتح الباري (١٠/ ٣٤٠).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٥٠)، وتحفة المحتاج (٩/ ٢٠٠)، والإنصاف (١/ ١٢٤).\n(^٣) البخاري (٦٢٩٩).","vol":"1","page":197},{"text":"أما المعقول: فقالوا: الصلاة لا تجب إلا بالبلوغ فكذا الطهارة وكذا الختان.\nواستدلوا على استحباب الختان في اليوم السابع بما ورد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «سَبْعَةٌ مِنَ السُّنَةِ فِي الصَّبِيِّ يَوْمَ السَّابِعِ: يُسَمَّى، ويُخْتَنُ، وَيُمَاطُ عَنْهُ الْأَذَى، وتُثْقَبُ أُذُنُهُ، ويُعَقُّ عَنْهُ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، ويُلَطَّخُ بِدَمِ عَقِيقَتِهِ، وَيُتَصَدَّقُ بِوَزْنِ شَعَرِهِ فِي رَأْسِهِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً» (^١).\nالقول الثاني: أن الختان يُكره في اليوم السابع، وهو المشهور من مذهب المالكية ورواية عن الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بأن اليهود تختن في اليوم السابع، وقد أُمرنا بمخالفتهم.\nواعترض عليه بأننا أُمرنا بمخالفة ما عندهم من الباطل، وقد يكون عندهم حق في بعض الأمور، فنحن أولى باتباع هذا الحق منهم.\nروى مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟» فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى الله فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ» فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ (^٣).\nقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ فِي بَابِ الْخِتَانِ نَهْيٌ يَثْبُتُ وَلَا لِوَقْتِهِ حَدٌّ يُرْجَعُ إلَيْهِ وَلَا سُنَّةٌ تُتَّبَعُ، وَالْأَشْيَاءُ على الإباحة ولا يجوز حظر شيئ مِنْهَا إلَّا بِحُجَّةٍ، وَلَا نَعْلَمُ مَعَ مَنْ مَنَعَ أَنْ يُخْتَنَ\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه الطبراني في الأوسط (٥٥٨)، وفي إسناده: القاسم بن المساور ذكره الخطيب (تاريخ بغداد) (١٢/ ٤٢٧) ولم يذكر فيه شيئًا. وفي إسناده رواد بن الجراح ضعفه البخاري والنسائي وأبوحاتم، والعقيلي، ووثقه ابن معين وقال أحمد: لا بأس به، وقال الحافظ: صدوق اختلط بأخره فترك، وفي حديثه عن الثوري ضعف.\n(^٢) المنتقى (٧/ ٢٢٣)، والإنصاف (١/ ١٢٥).\n(^٣) مسلم (١١٣٠).","vol":"1","page":198},{"text":"الصَّبِيُّ لِسَبْعَةِ أَيَّامٍ حُجَّةً (^١).\nالقول الثالث: أن وقت الختان من سبع سنين إلى عشر سنين، وهي رواية عن مالك، وقول عند الحنابلة، وقول لبعض الحنفية (^٢).\nواستدلوا لذلك بما روى أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ».\nاعترض عليه بأن هذا الحديث أسانيده ضعيفة، ولو صح فليس فيه حجة لأن هذا الأمر للاستحباب ولا تجب عليه الصلاة إلا بالبلوغ. وهذا الأمر لتدريب الصبيان على الطاعات وتعويدهم القربات.\nالقول الرابع: أنه يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ.\nوهو قول للشافعية، ورجحه الإمام ابن القيم من الحنابلة فقال: وعندي أنه يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ بحيث يبلغ مختونًا، فإن ذلك لا يتم الواجب إلا به (^٣).\nوأما قول ابن عباس: (كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك) أي حتى يقارب البلوغ فهو كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وبعد بلوغ الأجل لا يتأتى الإمساك، وقد صرح ابن عباس أنه كان يوم موت النبي مختونًا وأخبر في حجة الوداع التي عاش بعدها رسول الله بضعة وثمانين يومًا أنه كان قد ناهز الاحتلام وقد أمر النبي الآباء أن يأمروا أولادهم بالصلاة لسبع وأن يضربوهم على تركها لعشر، فكيف يسوغ لهم ترك ختانهم حتى يجاوزوا البلوغ؟!\nوهناك أقوال أخرى ولكنها عارية عن الأدلة فأعرضت عن ذكرها.\nالراجح: أنه كلما عجل بختن ولده كان أفضل، وإذا بلغ وجب الختان في حقه.\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٥٢).\n(^٢) المنتقى (٧/ ٢٣٣)، الإنصاف (١/ ١٢٤)، والبحر الرائق (٧/ ٩٦).\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٧٦)، والمجموع (١/ ٣٥٠)، وتحفة المودود (١٨٢).","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type='title' id=toc-197>المبحث الثالث: حكم ختان الذكر.</span>\nاختلف أهل العلم في حكم ختان الذكر على قولين:\nالقول الأول: أن الختان واجب في حق الرجال، وهو المشهور عن الشافعية، والحنابلة (^١)، واستدلوا بأن إبراهيم ﵇ اختتن وقد أُمرنا باتباعه، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالقَدُّومِ» (^٢)، فكون إبراهيم يختتن وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم يدل علي وجوبه.\nوعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] قَالَ: ابْتَلَاهُ اللهُ ﷿ بِالطَّهَارَةِ: خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ، وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ:\nفِي الرَّأْسِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَالسِّوَاكُ، وَفَرْقُ الرَّأْسِ.\nوَفِي الْجَسَدِ: تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَالْخِتَانُ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَغَسْلُ مَكَانِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ بِالْمَاءِ (^٣). وقد أُمرنا باتباع ملة إبراهيم فقال تعالي: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨].\nواعترض عليه بأن هذه الخصال منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب.\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» (^٤). قوله ﷺ: «وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ» تدل على وجوب الختان.\nوعَنْ عُثَيْمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: قَدْ أَسْلَمْتُ. فَقَالَ: «أَلْقِ عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْرِ» يَقُولُ: احْلِقْ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي آخَرُ مَعَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِآخَرَ: «أَلْقِ\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٤٩)، وتحفة المحتاج (٩/ ١٩٨)، والمحرر (١/ ١١).\n(^٢) البخاري (٣٣٥٦) ومسلم (٢٣٧٠).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه البيهقي (١/ ١٤٩).\n(^٤) مسلم (٣٤٩).","vol":"1","page":200},{"text":"عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْرِ، وَاخْتَتِنْ» (^١).\nوَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيَخْتَتِنْ» (^٢).\nعن عَلِىٍّ ﵁ قَالَ: وَجَدْنَا فِى قَائِمِ سَيْفِ رَسُولِ الله ﷺ فِى الصَّحِيفَةِ: «إِنَّ الأَقْلَفَ لَا يُتْرَكُ فِى الإِسْلَامِ حَتَّى يَخْتَتِنَ وَلَوْ بَلَغَ ثَمَانِينَ سَنَةً» (^٣).\nأما دليلهم من المعقول: فهو أن الجلدة التي تغطي الحشفة قد تحبس البول فينجس بها، والطهارة شرط لصحة الصلاة.\nواعترض عليه بأنه يمكن تطهير النجاسة، وليس الختان شرطًا في صحة الطهارة.\nواستدلوا بأنه إذا كان يجوز كشف العورة للختان وستر العورة واجب، فدل ذلك علي وجوب الختان.\nواعترض عليه بأنه قد يترك الواجب لغير الواجب، فالإنصات للجمعة واجب، وصلاة ركعتين عند الدخول إلى المسجد مستحبة، فالداخل والإمام على المنبر يترك الإنصات مع وجوبه، ويصلي السنة.\nواستدلوا بأنه من شعار المسلمين؛ ولذا يطلق على أمة محمد أمة الختان.\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا: أخرجه أحمد (٣/ ٤١٥) من طريق ابن جريج قال: أخبرت عن عثيم به، وفي الحديث علل: قول ابن جريج: (أخبرت عن عثيم) إنما حدثه به إبراهيم بن أبي يحيى، قال أحمد: كان قدريًّا معتزلًا جهميًّا، كل بلاء فيه. وعثيم بن كثير بن كليب وأبوه كلاهما مجهول: قاله ابن القطان كما في (التلخيص) (١/ ١٥٣).\n(^٢) ضعيف: ذكره الحافظ (التلخيص الحبير) (٤/ ٨٢) عن حرب بن إسماعيل في مسائله (قلت): كان يحيى بن القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة الريح. وروى البخاري (الأدب المفرد) (١٢٨٨) عن عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثنا سليمان بن بلال عن يونس، عن ابن شهاب قال: وكان الرجل إذا أسلم أُمر بالاختتان وإن كان كبيرًا. وهذا قول الزهري وليس عن رسول الله ﷺ.\n(^٣) موضوع: أخرجه البيهقي (٨/ ٣٢٤) وفي إسناده محمد بن الأشعث متهم بالكذب.","vol":"1","page":201},{"text":"واعترض عليه بأن شعائر الدين ليست كلها واجبة، فمنها ما هو واجب كالصلاة والصيام، ومنها ما هو مستحب كالأذان والعيدين.\nالقول الثاني: أن الختان سنة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وبعض الشافعية (^١).\nواستدلوا لذلك بحديث أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ، مَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ» (^٢).\nوفي الصحيحين: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ» (^٣) فإذا قرن الختان بالمستحبات دل ذلك على استحباب الختان.\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٧١)، شرح الخرشي (٣/ ٤٨)، وطرح التثريب (٢/ ٧٥).\n(^٢) ضعيف: مدار الحديث على الحجاج واختلف عليه: فرواه سريج عن عباد بن العوام عن الحجاج عن أبي المليح به، أخرجه أحمد (٥/ ٧٥)، ورواه البيهقي (٨/ ٣٢٥)، قال البيهقي: الحجاج بن أرطاة لا يُحتج به وقيل: عنه، عن مكحول، عن أبي أيوب. وهو منقطع. ورواه ابن أبي شيبة (٥/ ٣١٧)، عن عباد بن العوام عن حجاج عن رجل عن أبي المليح عن شداد به. ورواه محمد بن فضيل وحفص بن غياث كلاهما عن حجاج عن أبي المليح عن أبيه عن شداد به. كما في الطبراني (الكبير) (٧/ ٢٧٣)، رقم (٧١١٢)، وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث (٢/ ٢٤٧)، فقال: وَرَوَاهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ أَبِي: الَّذِي أَتَوَهَّمُ أَنَّ حَدِيثَ مَكْحُولٍ خَطَأٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ حَدِيثَ حَجَّاجٍ مَا قَدْ رَوَاهُ مَكْحُولٌ، عَنْ أَبِي الشِّمَالِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: خَمْسٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: التَّعَطُّرُ وَالْحِنَّاءُ وَالسِّوَاكُ فَتَرَكَ أَبَا الشِّمَالِ، فَلا أَدْرِي هَذَا مِنَ الْحَجَّاجِ، أَوْ مِنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ مَكْحُولٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: الْخَتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ مَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ.\nوله شاهد من حديث ابن عباس، أخرجه الطبراني (الكبير) (١١٥٩٠)، من طريق أيوب عن محمد الوزان، ثنا الوليد ثنا ابن ثوبان عن محمد بن عجلان عن عكرمة عن ابن عباس به، وأخرجه الطبراني (الكبير) (١٢٠٠٩) موقوفًا على ابن عباس وكلا الحديثين الموقوف والمرفوع ضعيف عن ابن عباس، والله أعلم.\n(^٣) البخاري (٥٨٩١)، ومسلم (٢٥٧).","vol":"1","page":202},{"text":"واعترض عليه بأن دلالة الاقتران ضعيفة ولذلك من شواهد القرآن، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. ولا خلاف أن الأكل للإباحة، وآتوا حقه للوجوب وهي الزكاة المفروضة، وأيضًا بعض العلماء قالوا بأن الخصال المذكورة في الحديث واجبة.\nقال ابن العربي: والذي عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة فإن المرء لو تركها لم تبق صورته علي صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين؟!\n\n<span data-type='title' id=toc-198>المبحث الرابع: حكم ختان المرأة:</span>\nمن العلماء من نقل الإجماع على إباحة الختان ومنهم من نقل الاستحباب.\nقال ابن حزم: وَاتَّفَقُوا على إباحة الْخِتَان للنِّسَاء (^١).\nقال ابن القيم: لا خلاف في استحبابه للأنثى (^٢).\nواختلف العلماء في وجوب الختان للمرأة علي قولين:\nالقول الأول: يجب ختان المرأة كما يجب على الرجل، وهو قول الشافعية، وقول الحنابلة (^٣).\nقال النووي: الْخِتَانُ وَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عِنْدَنَا (^٤).\nواستدلوا بما ورد من أدلة في المسألة السابقة.\nوالقول الآخر: أن ختان الإناث سنة. وهو قول الحنفية، والمالكية، ورجحه الحنابلة (^٥). واستدلوا بما مضى من الأدلة.\n_________\n(^١) مراتب الإجماع (١٥٧).\n(^٢) تحفة المودود (٢٠٦).\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٧٥)، والمحرر (١/ ١١)، والمغني (١/ ٦٣).\n(^٤) المجموع (١/ ٣٠٠).\n(^٥) شرح فتح القدير (١/ ٦٣)، ومواهب الجليل (٣/ ٢٥٩)، والمغني (١/ ٦٣).","vol":"1","page":203},{"text":"قال ابن قدامة: فَأَمَّا الْخِتَانُ فَوَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ، وَمَكْرُمَةٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِنَّ. هَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ أَحْمَدُ: الرَّجُلُ أَشَدُّ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا لَمْ يَخْتَتِنْ، فَتِلْكَ الْجِلْدَةُ مُدَلَّاةٌ عَلَى الْكَمَرَةِ، وَلَا يُنَقَّى مَا ثَمَّ، وَالْمَرْأَةُ أَهْوَنُ (^١).\n_________\n(^١) المغني (١/ ٦٣).\nقال الشيخ دبيان بن محمد الدبيان (٣/ ١١٤، ١٢٠): شبهة وردها: في بعض البلاد الإسلامية صدق قرار وزاري بمنع إجراء ختان الإناث بالمستشفيات أو العيادات العامة والخاصة، وقصر إجرائها على الحالات المرضية. وقامت على إثره هجمة شرسة علي ختان المرأة. وقد ألغت محكمة القضاء الإداري في تلك البلاد قرار وزير الصحة. وجاء في جريدة القبس في تاريخ (١٤/ ١١/ ١٩٨٩)، بأن نحو مائتي مسلم في بلغاريا قتلوا، وهم يقاومون أوامر صدرت بتحريم الختان، سواء بالنسبة للذكور والإناث، وهناك من يصف خفاض الإناث بأنه وحشية. وهي حملة غريبة ودخيلة علي الأمة الإسلامية، تدعي أن خفاض الإناث ينجم عنه أضرار سيئة تلحق بالفتاة من الناحية الصحية كالنزيف وإصابة مجرى البول … إلى آخر ما هنالك من أضرار تنجم عن سوء إجراء عملية الخفاض.\nوأريد أن أثبت أن ختان المرأة مشروع في الإسلام، وليس فيه خلاف في مشروعيته، وإنما الخلاف في وجوبه: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَأَلْزَقَ الْخِتَانَ بِالْخِتَانِ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» فقوله: «وألزق الختان بالختان» دليل على أن المرأة تختن، وأن هذا معروف في زمن الصحابة، وواضح أن من عادتهم ختان الأنثى. نعم قد يقوم بالختان من لا يحسن الختان من النساء والرجال، ورأيت كثيرًا في مجتمعنا في السابق من يذهب في ختان الأولاد إلى الحلاقين، والعوام الذين لا يحسنون المهنة، فينجم عن ذلك أضرار بالغة، ولا يعني هذا أن يترك الختان من أجل سوء التصرف، بل ينبغي أن تكون هناك توعية للناس بأن يذهبوا إلى الأطباء المتخصصين. والله الموفق.\nقال أحد الأطباء: إن ما يتم في مناطق كثيرة من العالم، ومنه بعض بلاد المسلمين مثل الصومال والسودان وأرياف مصر من أخذ البظر بأكمله، أو أخذ البظر والشفرين الصغيرين، أو أخذ ذلك كله مع إزالة الشفرين الكبيرين، فهو مخالف للسنة، ويؤدي إلى مضاعفات كثيرة، وهو الختان المعروف باسم الختان الفرعوني، وهو على صفة لا علاقة ما بالختان الذي أمر به المصطفي ﷺ. =","vol":"1","page":204},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومضار هذا النوع من الختان المخالف للسنة، كما يلي:\nأولًا: المضاعفات الحادة: مثل النزيف والالتهابات الميكروبية نتيجة إجراء عملية الختان في مكان غير معقم، وأدوات غير معقمة، وبواسطة خاتنة لا تعرف من الطب والجراحة إلا ما تعلمته من الخاتنات مثلها.\nثانيًا: مضاعفات متأخرة: مثل البرود الجنسي، والرتق وهو التصاق فتحة الفرج مما يؤدي إلي صعوبة الجماع، وصعوبة الولادة، وتعسرها عند حدوثها.\nوهذا كله ناتج عن مخالفة السنة، واتباع الأهواء والعادات الفرعونية، ولا بد أن يجري الختان كما أمر المصطفى ﷺ، ثم يجب أن يتم بواسطة طبيبة لديها التدريب الكافي لإجراء الختان، وفي مكان معقم، وبأدوات معقمة، مثل أي عملية جراحية.\nولذا فإن الضجة المفتعلة ضد ختان البنات لا مبرر لها؛ لأن المضاعفات، والمشاكل ناتجة عن شيئين لا ثالث لهما: الأول: مخالفة السنة.\nالثاني: إجراء العملية بدون تعقيم، ومن قبل غير الأطباء. ولو تمت أي عملية بدون تعقيم، كان الذي يجريها لا علاقة له بالطب مضاعفاتها فستكون مروعة.\n* فرع في أنواع الخفاض: جاء في تقرير الدكتور مأمون الحاج إبراهيم، أستاذ أمراض النساء والولادة بكلية الطب بجامعة الكويت بيان أنواع كيفية ممارسة الخفاض:\nالنوع الأول: يقصد به إزالة قطعة الجلد التي في أعلى الفرج على ما سبق وقد يزاد على ذلك.\nالنوع الثاني: خياطة الشفرين الصغيرين، من غير إزالة أجزاء منهما، وذلك لتضييق فتحة المهبل، وهذا مخالف للشرع.\nالنوع الثالث: وُيعرف باسم الخفاض الفرعوني، وهو أشدها، والذي بدأت ممارسته في مصر القديمة أيام الفراعنة. وفي هذا النوع تتم إزالة البظر والشفريين الصغيرين، ومعظم الشفرين الكبيرين، ثم تتم عملية خياطة الجانبين لقفل فتحة المهبل، وتُترك فتحة صغيرة جدًّا في الجزء الأسفل من المهبل لخروج البول، ودم الحيض، والشفران الصغيران يقعان بين الشفرين الكبيرين، وفيهما الأنسجة الدموية والأعصاب، ويشكلان مع البظر أكثر الأعضاء الجنسية حساسية. أما البظر فيقع في مقدمة الأعضاء التناسلية الخارجية، فوق فتحة البول، وهو أكثر الأعضاء حساسية عند المرأة. ويصاحب هذا النوع كثير من المضاعفات مثل النزيف الحاد، والتهاب مجاري البول، والالتهاب التناسلي، أو الموت، خاصة أنه يُعمل بواسطة نساء غير مؤهلات طبيًّا، وليس لهن دراية بالعمليات الجراحية.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-199>المبحث الخامس: ختان الخنثى:</span>\nاختلف أهل العلم في ختان الخنثى: فمن قائل: بختان الخنثى ومن قائل: لا يختتن، ومن قائل: يختن نفسه، وأقوال أخرى في المسألة وكلها عارية عن الأدلة.\nومع تقدم الطب الحديث الآن أصبح كثير من الأطباء باستطاعتهم أن يتحققوا من الخنثى وهل هو رجل أو امرأة، فقد يقولون هذا رجل لوجود خصيتين مختفيتين أو لوجود هرمون الذكورة فيكون حكمه حكم الرجال، أو يقولون: إن هذه امرأة لوجود رحم في جوفها ووجود مبايض أو لوجود الحيض. وإن عجز الطب عن تحديد الجنس وكان له ذكر وفرج، ختنهما جميعًا لأن الختان لا يضر.\n\n<span data-type='title' id=toc-200>المبحث السادس: حكم ختان الميت:</span>\nذهب المالكية، والشافعية، والمشهور عن الحنابلة إلى أن الميت لا يختن بعد موته (^١). واستدلوا لذلك بأن المقصود من الختان الطهارة وقد زالت هذه الحاجة بالموت.\nوذهب ابن حزم وبعض الشافعية إلى أن الميت يختن بعد موته إن لم يكن مختونًا، وإذا كان المقصود من الغسل النظافة ويجوز أخذ الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط، فكذا يجوز الختان (^٢).\nواعترض عليه بأن هذا قياس مع الفارق فتقليم الأظفار بخلاف الختان الذي فيه قطع عضو من أعضائه (^٣).\nوعند الشافعية في وجه: يختن الكبير دون الصغير (^٤).\n_________\n(^١) التاج والإكليل (٣/ ٥٢)، والمجموع (١/ ٣٥١)، والمغني (٢/ ٢١١).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٥١).\n(^٣) تحفة المودود (٢١٤).\n(^٤) المجموع (١/ ٣٥١)، ومغني المحتاج (٥/ ٥٤١).","vol":"1","page":206},{"text":"والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الميت لا يختن بعد موته لأن المقصود من الختان الطهارة وقد زالت هذه الحاجة بالموت، ولأن النبي ﷺ أخبر «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى الله حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» (^١). قوله ﷺ: «غرلًا» أي غير مختونين، فما الفائدة من قطع عضو سيبعث يوم القيامة به وهو من تمام خلقه في النشأة الأخرى (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-201>المبحث السابع: فوائد الختان:</span>\nذكرت الدراسات الطبية أن عملية الختان لها فوائد لا تكاد تحصر، فمنها الوقاية من الالتهابات في القضيب، والوقاية من سرطان القضيب وغير ذلك (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٦٥٢٦)، ومسلم (٢٨٦٠).\n(^٢) تحفة المودود (٢١٤).\n(^٣) قال الشيخ دبيان محمد الدبيان: ذكر الطبيب محمد علي الباز في كتابه الختان فصلًا في ذكر فوائد الختان، وقد نقل بحثه من مقالات، وبحوث غربية عن أضرار ترك الختان، وسوف أنقل لك هذا الفصل لأهميته.\nنقل الطبيب من مقال للدكتور البرفيسور (wiseewell Te)  نشرته المجلة الأمريكية لطبيب الأسرة، وقد استعرض المكاسب الصحية الهامة للختان من أهمها ما يلي.\nالأول: الوقاية من الالتهابات الموضعية في القضيب، الناتجة عن وجود القلفة، ويسمى ضيق القلفة ويؤدي إلى حقن البول، إجراء الختان لعلاجها، أما إذا أزمنت فإنها تعرض الطفل المصاب لأمراض عديدة في المستقبل من أخطرها سرطان القضيب.\nالثاني: أثبتت الأبحاث العديدة أن الأطفال غير المختونين يتعرضون لزيادة كبيرة في التهابات المجاري البولية، وفي بعض الدراسات بلغت النسبة (٣٩) ضعف ما هي عليه عند الأطفال غير المختونين، وفي دراسات أخرى كانت النسبة عشرة أضعاف وفي دراسة أخرى تبين أن (٩٥ %) من الأطفال الذين يعانون من التهابات المجاري البولية هم من غير المختونين، بينما كانت نسبة الأطفال المختونين لا تتعدى (٥ %)، والتهابات المجاري البولية عند الأطفال خطيرة في بعض الأحيان.\nالثالث: الوقاية من سرطان القضيب. قد أجمعت الدراسات على أن سرطان القضيب يكاد يكون معدومًا لدي المختونين، بينما نسبته لدى غير المختونين ليست قليلة وفي البلاد التي لا يختن بها =","vol":"1","page":207},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إلا الأقليات المسلمة مثل الصين وبولندا فإن سرطان القضيب يشكل ما بين (١٢ إلي ٢٢ %) من مجموع السرطانات التي تصيب الرجال، وهي نسبة عالية جدَّا.\nالرابع: الأمراض الجنسية: فقد وجد الباحثون أن الأمراض الجنسية التي تنتقل عبر الاتصال الجنسي (غالبًا بسبب الزنا واللواط) تنتشر بصورة أكبر وأخطر لدى غير المختونين، وخاصة الهربس والقرحة الرخوة (Chancroid)  والزهري، والكانديدا (فطر المبيضة) والسيلان والثآليل الجنسية.\nوهناك أبحاث عدة تؤكد أن الختان يقلل من احتمال الإصابة بالإيدز، وأن غير المختونين يصابون بالإيدز بنسبة أعلى من قرنائهم من المختونين، ولكن ذلك لا ينفي أن المختون إذا تعرض للعدوى نتيجة اتصال جنسي بشخص مصاب بالإيدز قد لا يصاب بهذا المرض الخطير، وليس الختان واقيًا منه، وليست هناك وسيلة حقيقية للوقاية من هذه الأمراض الجنسية العديدة سوى الابتعاد عن الزنا والخنا واللواط، وغيرها من القاذورات.\nالخامس: وقاية الزوجة من سرطان عنق الرحم.\nيرتبط سرطان عنق الرحم بعوامل عديدة، أهمها: عدد المخاللين لهذه المرأة، وكلما زاد الزنا وزاد عدد المخاللين والمتصلين بها زادت احتمالات الإصابة بهذا المرض الخبيث .. وهذا هو أهم العوامل. وهناك عامل الزمن، فكلما كان التعرض للاتصال الجنسي مبكرًا في حياة المرأة كان احتمال الإصابة بهذا المرض أكثر. وقد لاحظ الباحثون أيضًا أن زوجات المختونين أقل تعرضًا للإصابة بسرطان عنق الرحم من غير المختونين. وقد تبين أن سرطان القضيب وسرطان عنق الرحم كلاهما مرتبط بفيروسات الثآليل الجنسي (Human papilloma viruses)  وخاصة المجموعة رقم (١٦، ورقم ١٨).\nوبما أن هذه الثآليل الجنسية معدية، وبما أن غير المختونين أكثر تعرضًا لهذا، فإن احتمال إصابة زوجة غير المختون أكبر مما هي عليه عند المختون.\nالسادس: أن عملية الختان بسيطة وسهلة، وغير مكلفة إذا تم إجراؤها في الطفل المولود. ففي الولايات المتحدة تتم ولادة (٨، ١) مليون طفل ذكر سنويًّا، وتبلغ كلفة العملية مائة دولار لكل طفل مولود، أما إذا تُرك هؤلاء الأطفال دون ختان فإن (١٠ إلى ١٥ %) منهم سيحتاجون للختان في سن متقدمة بسبب ضيق القلفة، وحقب البول، والتهابات الحشفة، والقلفة، وذلك يحتاج إلى إدخال المريض المستشفى، وإجراء العملية تحت التخدير العام، وتصل كلفة العملية ما =","vol":"1","page":208},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بين (٢٠٠٠ إلى ٥٠٠٠) دولار بالإضافة إلى التغيب عن الدراسة أو العمل، ومعنى ذلك ببساطة أن إجراء عملية الختان لليافعين والمراهقين سيكلف ما بين (٣٦٠ - ٩٠٠) مليون دولار. هذا إذا لم نحسب الأمراض التي يصاب بها غير المختونين، وكلفتها الباهظة .. ولهذا فإن عملية الختان في أثناء الطفولة الباكرة هي عمل اقتصادي كبير.\nالسابع: أن مضاعفات عملية الختان في الطفولة إذا تم إجراؤها بيد طبيب مجرب ضئيلة جدًّا، وهي لا تتعدى اثنين من كل ألف طفل، وأغلبها من النوع البسيط مثل النزف الذي يمكن التحكم فيه بسرعة، وقد أظهرت الدراسات التي شملت أكثر من مليوني طفل مختون حدوث وفاة واحدة بسبب الختان، وكان الطفل مصابًا بالناعور (الهيموفليا) والذي أجرى عملية الختان غير طبيب.\nالثامن: أن عملية تنظيف القلفة لدى غير المختونين التي يدعو لها بعض الأطباء في الغرب غير مجدية كما يقول (البرفيسور ويزويل) في مقاله الذي نشرته مجلة طبيب الأسرة الأمريكية، وقد أثبتت الأبحاث العديدة التي أجريت على الأطفال غير المختونين في الولايات المتحدة وأوربا صعوبة تنظيف القلفة (الغرلة) وما تحتها بانتظام، ولا يوجد أي دليل على أن عملية التنظيف ستقي من السرطان والمضاعفات الأخرى المرتبطة بعدم الختان، بل إن الأطباء أنفسهم لا يعرفون كيف يتم تنظيف القلفة بالطريقة المثلى، إذ لا توجد هذه الطريقة مما حدا بجمعية الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية أن تنصح بترك قضيب الطفل دون محاولات التنظيف، وشد القلفة التي قد تنتهي بنزف. والحل الصحيح هو إجراء عملية الختان في وقت مبكر.\nهذه بعض الفوائد لعملية الختان، والتي ننهي بها بحث الختان، وأرجو أن أكون قد أتيت فيه على جل مباحث الختان. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type='title' id=toc-202>الفصل الثاني الاستحداد</span>\nوفيه ثمانية مباحث\nالمبحث الأول: تعريف الاستحداد.\nالمبحث الثاني: حكم الاستحداد (حلق العانة).\nالمبحث الثالث: وقت الاستحداد.\nالمبحث الرابع: حكم ترك الاستحداد أكثر من أربعين يومًا.\nالمبحث الخامس: كيفية الاستحداد.\nالمبحث السادس: حكم حلق شعر الدبر.\nالمبحث السابع: حكم حلق عانة الميت.\nالمبحث الثامن: استخدام النورة.","vol":"1","page":210},{"text":"الفصل الثاني\nالا ستحداد\n\n<span data-type='title' id=toc-203>المبحث الأول: تعريف الاستحداد:</span>\nالاستحداد في اللغة: يعني الاحتلاق بالحديد (^١)، أي: حلق العانة بالحديدة.\nوفي الشرع: قال النووي: الاستحداد: إزالة شعر العانة، هو الذي حول الفرج، سواء إزالته بنتف أو نورة أو حلق، مأخوذ من الحديدة، وهي الموسى التي يُحْلَق بها (^٢).\nقال النفراوي: الاستحداد حلق العانة: هي ما فوق العسيب والفرج وما بين الدبر والأنثيين (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-204>المبحث الثاني: حكم الاستحداد، (حلق العانة):</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن الاستحداد سنة (^٤).\nواستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ» (^٥).\nقال ابن قدامة: الاستحداد مُسْتحَبُّ، لأنَّه مِنَ الفِطْرَةِ وَيَفْحُشْ بِتَرْكْهِ (^٦).\n_________\n(^١) تاح العروس (٤/ ٤١٢).\n(^٢) تحرير ألفاظ التنبيه (٢٥٣).\n(^٣) الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٦).\n(^٤) البحر الرائق (١/ ٥٠)، والتمهيد (٢١، ٦١، ٦٨)، والمجموع (١/ ٣٤٢)، والمغني (١/ ٦٤).\n(^٥) البخاري (٥٨٩١)، ومسلم (٢٥٧).\n(^٦) المغني (١/ ٦٤).","vol":"1","page":211},{"text":"وقال النووي: مُعظم هذه الخَصَالِ ليست بِواجبة عند العلماء، وفي بعضها خلاف في وجوبها كالختان، والمضمضة والاستنشاق، ولا يمتنع قرن الواجب بغيره، كما قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] والإيتاء واجب والأكل مباح.\nوذهب ابن العربي، والشوكاني، إلى وجوب خصال الفطرة ومنها وجوب الاستحداد (^١). واستدلوا لذلك بما روي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا» (^٢)، فهذا يدل على أن ترك الشارب محرم، وأن أخذ الشارب واجبًا، وإذا كان الأخذ من الشارب واجب فكذا حلق العانة واجب، وأن الإنسان لو ترك أظفاره وشاربه وغير ذلك لم تبق له صورة الآدميين، قال تعالي: عن أصحاب الكهف الذين مكثوا أكثر من ثلاثة قرون: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨].\nقال ابن العربي: والذي عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة، فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين فكيف من جملة المسلمين؟! (^٣).\nوعلى هذا القول فلكل من الزوجين أن يجبر الآخر على الاستحداد، وتقليم الأظفار ونتف الإبط، وعموم التنظيف له، فالزوج لا بد أن يتنظف لزوجته لعموم قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] والزوجة لا بد أن تتنظف وتتجمل لزوجها لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٢٢٨].\nقال ابن قدامة: وَلَهُ إجْبَارُهَا عَلَى إزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ إذَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٤٨).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٤/ ٣٦٦، ٣٦٨)، والنسائي «الكبري» (١٣، ١٤)، والترمذي (٢٧٦١) وغيرهم من طرق عن يوسف بن صهيب، عن حبيب بن يسار، عن زيد بن أرقم به.\n(^٣) العدة شرح العمدة (١/ ٣٥١).\n(^٤) المغني (٧/ ٢٢٥).","vol":"1","page":212},{"text":"فالحاصل أن الاستحداد مُسْتحَبٌ ويجب إزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ إذَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-205>المبحث الثالث: وقت الاستحداد:</span>\nاختلف أهل العلم في وقت الاستحداد على قولين:\nذهب جمهور العلماء إلى أنه يستحب حلق العانة ونتف الإبط كل جمعة، وبه قال الحنفية، والمالكية، وحكاه النووي عن الشافعي ورواية عن أحمد (^١).\nواستدلوا لذلك بأنه إذا كان يستحب الاغتسال لكل جمعة، فكذا يستحب التنظيف بحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار وغيرها.\nوذهب الشافعية إلى أن حلق العانة ليس له وقت محدد، فمتى طالت استحب حلقها، وهذا يختلف باختلاف الأماكن والأشخاص.\n\n<span data-type='title' id=toc-206>المبحث الرابع: حكم ترك الاستحداد أكثر من أربعين يومًا:</span>\nاختلف أهل العلم في حكم ترك الاستحداد فوق الأربعين على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يحرم ترك العانة ونتف الإبط أكثر من أربعين يومًا، وإليه ذهب الحنفية (^٢).\nواستدلوا بما رواه مسلم عَنْ أَنَسِ: قَالَ: وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (^٣).\n_________\n(^١) الفتاوى الهندية (١/ ٣٥٧) والمفهم (١/ ٥١٥)، قال النووي في المجموع (١/ ٣٣٩): وقد نص الشافعي علي أنه يستحب تقليم الأظفار والأخذ من هذه الشعور يوم الجمعة. الفروع (١/ ١٣١).\n(^٢) حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٠٧).\n(^٣) مسلم (٢٥٨) وقد انتقد هذا الحديث القرطبي فقال في (تفسيره) (٢/ ١٠٧): هذا الحديث يرويه جعفر بن سليمان، قال العقيلي: في حديثه نظر، وقال أبو عمر: ليس بحجة لسوء حفظه وكثرة غلطه، وهذا الحديث ليس بالقوي من جهة النقل.\nوقد رد علي هذا النووي في (شرح مسلم) (٣/ ١٥٠) فقال: قد وثق كثير من الأئمة المتقدمين جعفر ابن سليمان، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم. وقد تابعه غيره. وقد تابع جعفرًا، صدقة بن موسى. فقد أخرجه أحمد (٣/ ١٢٢، ٢٠٣) من طريق صدقة عن أبي عمران الجوني عن أنس قال: وقت لنا رسول الله ﷺ في قَصْ الشَّارِبِ وَتَقْليمِ الأظْفَار وحَلْقِ العَانةَ في كل أَرْبَعين يومًا. وفي إسناده: صدقة فيه مقال.","vol":"1","page":213},{"text":"قال الشوكاني: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُضْبَطُ بِالْأَرْبَعِينَ الَّتِي ضَبَطَ بِهَا رَسُولُ الله ﷺ فَلَا يَجُوزُ تَجَاوُزُهَا (^١).\nوقال النووي: معنى هذا الحديث أنهم لا يؤخرون فعل هذه الأشياء عن وقتها، فإن أخروها فلا يؤخرونها أكثر من أربعين يومًا، وليس معناه الإذن في التأخير أربعين مطلقًا.\nالقول الثاني: أن تأخير الاستحداد أربعين يومًا يُكره كراهة شديدة، وبه قال الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بحديث أَنَسِ: قَالَ: وُقِّتَ لَنَا فِي حَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. قالوا إن النهى للكراهة وليس للتحريم.\nالقول الثالث: ما قاله ابن عبد البر: مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ وَقَّتَ فِي حَلْقِ الْعَانَةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنْ لَا تَوْقِيتَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (^٣).\nوفي الفتاوى الهندية: يحلق عانته في كل أسبوع مرة، فإن لم يفعل ففي كل خمسة عشر يومًا، ولا يُعذر في تركه وراء الأربعين ويستحق الوعيد.\n\n<span data-type='title' id=toc-207>المبحث الخامس: كيفية الاستحداد:</span>\nاختلف أهل العلم في كيفية الاستحداد على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: السنة في الرجل حلق العانة، والسنة في المرأة نتف العانة، وهو مذهب\n_________\n(^١) نيل الأوطار ١/ ١٦٩).\n(^٢) روضة الطالبين (٣/ ٢٣٤)، وكشاف القناع (١/ ٧٧).\n(^٣) التمهيد (٢١/ ٦٨) وقال القرطبي: إلا أنه إذا كثر ذلك أزيل.","vol":"1","page":214},{"text":"الحنفية، والشافعية (^١).\nواستدلوا بأن المرأة أشد حاجة إلى إزالة الشعر وتأخر نموه أكثر من الرجل ولذا كان يستحب للمرأة النتف وللرجل الحلق.\nواعترض عليه بأنه ورد في الحديث «حَلْق الْعَانَةِ» وهذا يشمل الذكر والأُنثي.\nوفي الصحيحين: «حَتَّى تَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ» أي: المرأة الغائب عنها زوجها وهذا دليل خاص.\nالقول الثاني: السنة حلق العانة للرجل والمرأة. وهو مذهب المالكية (^٢).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين: عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ وَالاسْتِحْدَادُ …» (^٣).\nوفي البخاري عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «مِنَ الْفِطْرَةِ حَلْقُ الْعَانَةِ …» (^٤) ففي هذه الأحاديث دليل على أن السنة حلق العانة للرجل والمرأة.\nوورد في الصحيحين: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ﴿؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلْتَ لَيْلًا، فَلَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ حَتَّى تَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ …» (^٥).\nوهو استعمال الحديدة في حلق العانة.\nالقول الثالث: ذهب الحنابلة في المشهور عنهم إلي أنه بأي شيء تزال العانة فلا بأس بذلك (^٦). واستدلوا بأن المقصود إزالة الشعر والتنظيف بأي مزيل.\nوالراجح: أن الحلق أفضل لأنه ورد في الأحاديث الصحاح حلق العانة والاستحداد وهو\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٠٦)، وتحفة المحتاج (٩/ ٣٧٥).\n(^٢) الثمر الدواني (٦٨٢).\n(^٣) البخاري (٥٨٩١) ومسلم (٢٥٧).\n(^٤) البخاري (٥٨٩٠).\n(^٥) البخاري (٥٢٤٦) ومسلم (٧١٥).\n(^٦) المغني (١/ ٦٤) والإنصاف (١/ ١٢٢).","vol":"1","page":215},{"text":"استعمال الحديدة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-208>المبحث السادس: حكم حلق شعر الدبر:</span>\nاختلف العلماء في حكم شعر الدبر على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يستحب حلق شعر الدبر، وهو قول بعض الحنفية.\nقال ابن عابدين: والعانة: الشعر القريب من فرج الرجل والمرأة، ومثلها شعر الدبر وهو أولى بالإزالة لئلا يتعلق به شيء من الخارج عند الاستنجاء بالحجر (^١).\nالقول الثاني: يباح حلق الدبر، وهو مذهب المالكية وبعض الشافعية (^٢).\nواستدلوا بأن الشعر قد ينهى عن حلقه كشعر اللحية وقد يؤمر بحلقه كشعر العانة وشعر لم يؤمر فيه ولم ينه عنه فهذا على الإباحة كشعر الدبر.\nالقول الثالث: لا يشرع حلق الدبر وهو قول بعض المالكية (^٣).\nواستدلوا بأنه ليس هناك دليل من قول الرسول ولا من فعله ولا من فعل الصحابة. وعليه فلا يُشرع.\nقال الشوكاني: الِاسْتِحْدَادُ إنْ كَانَ فِي اللُّغَةِ حَلْقَ الْعَانَةِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فَلَا دَلِيلَ عَلَى سُنِّيَّةِ حَلْقِ الشَّعْرِ النَّابِتِ حَوْلَ الدُّبُرِ، وَإِنْ كَانَ الِاحْتِلَاقُ بِالْحَدِيدِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ حَلْقِ الْعَانَةِ.\nوالراجح: ما قاله النووي: لا مانع مِنْ حَلْقِ شَعْرِ الدُّبُرِ، وَأَمَّا اسْتِحْبَابُهُ فَلَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا لِمَنْ يُعْتَمَدُ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّنَظُّفَ وَسُهُولَةَ الِاسْتِنْجَاءِ فَهُوَ حَسَنٌ مَحْبُوبٌ (^٤).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (٢/ ٤٨١).\n(^٢) حاشية العدوي (٢/ ٥٧٩)، والمجموع (١/ ٣٤١).\n(^٣) حاشية العدوي (٢/ ٥٧٩).\n(^٤) المجموع (١/ ٣٤١).","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type='title' id=toc-209>المبحث السابع: حكم حلق عانة الميت:</span>\nاختلف أهل العلم في حكم حلق عانة الميت على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه يحرم حلق عانة الميت لأن في ذلك كشفًا لعورته، وبه قال الحنفية والمشهور من مذهب أحمد (^١).\nالقول الثاني: يكره حلق عانة الميت، وإليه ذهب المالكية، والشافعية (^٢).\nالقول الثالث: أنه يباح حلق عانة الميت. وهو قول عند الشافعية (^٣).\nواستدلوا بأنه يجوز من باب التنظيف.\nقال ابن حزم: وَإِنْ كَانَتْ أَظْفَارُ الْمَيِّتِ وَافِرَةً، أَوْ شَارِبُهُ وَافِيًا، أَوْ عَانَتُهُ أُخَذَ كُلَّ ذَلِكَ; لأنَّ النَّصَّ قَدْ صَحَّ بِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الْفِطْرَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجَهَّزَ إلَى رَبِّهِ تَعَالَى إلاَّ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا.\nوالراجح: أن حلق عانة الميت محرم لأن في ذلك كشفًا لعورته، وإذا أمكن إزالة شعر العانة بدون النظر إلى العورة وعدم ملامسة البشرة بالنورة أو كان الذي يباشر ذلك الزوجة فَلَا بَأْسَ.\nقال ابن قدامة: وَإِنْ اطَّلَى بِنَوْرَةٍ فَلَا بَأْسَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَدَعُ أَحَدًا يَلِي عَوْرَتَهُ إلَّا مَنْ يَحِلُّ لَهُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا؛ مِنْ زَوْجَةٍ، أَوْ أَمَةٍ (^٤).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٠١)، وفتح القدير (٢/ ١١١)، والمغني (٢/ ٢١٠).\n(^٢) المنتقى (٢/ ٧)، والتاج والإكليل (٢/ ٥٢)، والمجموع (٥/ ١٤١).\n(^٣) الشافعي في الأم (١/ ٣١٩) فإذا كان في عانته شعر فمن الناس من كره أخذه عنه، ومنهم من رخص فيه، فمن رخص فيه لم ير بأسًا أن يحلق بالنورة. وانظر المجموع (٥/ ١٤١) والمحلى (٥/ ١٧٧).\n(^٤) المغني (١/ ٦٤) (قلت): استعمال النورة جائز ولكنها لا تخلو من مواد كيماوية قد تؤثر في الجلد، والأفضل في حلق العانة الاستحداد الذي أرشد إليه النبي ﷺ.","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type='title' id=toc-210>المبحث الثامن: استخدام النورة:</span>\nالنورة: طلاء بشرة العانة بالنورة ليزيل الشعر الذى عليها.\nقال النووي: وَالسُّنَّةُ فِي الْعَانَةِ الْحَلْقُ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْحَدِيثِ، فَلَوْ نَتَفَهَا أَوْ قَصَّهَا أَوْ أَزَالَهَا بِالنُّورَةِ، جَازَ (^١).\nوعن أم سلمة: «أَنّ النَبِّيَّ ﷺ كَانَ يَتَنَوَّرُ وَيَلِي عَانَتَهُ بِيَدِهِ (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) المجموع (١/ ١٣٠، ١٣١).\n(^٢) مدار الحديث على حبيب بن أبي ثابت ويرويه عن حبيب جماعة: فرواه كامل بن العلاء عن حبيب عن سلمة به، أخرجه الطيالسي (١٦١٠). ولهذا الحديث علتان:\nالأولى: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من أم سلمة، قاله أبو زرعة كما في المراسيل (٤٧).\nالثانية: رواه منصور عن حبيب عن رسول الله ﷺ مرسلًا كما عند عبد الرزاق (١١٢٧) وأخرجه البيهقي (١/ ١٥٢) وقال: أسنده كامل بن العلاء وأرسله من هو أوثق منه، وللحديث طرق أخرى لا يصح منها طريق أعرضت عنها لعدم الإطالة، وورد في الباب أحاديث أن النبي ﷺ لا يتنور. وكلها ضعيفة، فعن أنس قال: كان النبي ﷺ لا يتنور، فإذا كثر شعره حلقه، ضعيف جدًّا. أخرجه البيهقي (١/ ٥٢)، وفي إسناده مسلم الملائي: ذاهب الحديث. وعن الحسن قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر لا يطيلون. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٠٥) وهو مرسل. وورد عن قتادة أيضًا، أخرجه أبو داود (المراسيل) (٣٢٨) ومراسيل قتادة والحسن من أضعف المراسيل. ورد حديث في هذا المعني عن يعلى بن مرة عند الطبراني (الكبير) (٢٢/ ٢٦٦) وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة الواسطي: منكر الحديث.","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type='title' id=toc-211>الفصل الثالث\nفى تقليم الأظفار ونتف الإبط</span>\nوفيه تمهيد وتسعة مباحث\nالمبحث الأول: حكم تقليم الأظفار، ونتف الإبط.\nالمبحث الثاني: وقت تقليم الأظفار، ونتف الإبط.\nالمبحث الثالث: كيفية تقليم الأظفار.\nالمبحث الرابع: إزالة الوسخ الذي تحت الظفر.\nالمبحث الخامس: دفن الظفر والشعر.\nالمبحث السادس: من توضأ ثم قلم أظفاره، هل يعيد الوضوء؟\nالمبحث السابع: من توضأ ثم نتف إبطه هل يعيد الوضوء.\nالمبحث الثامن: توفير الأظفار في الحرب.\nالمبحث التاسع: السنة نتف الإبط وليس الحلق.","vol":"1","page":219},{"text":"الفصل الثالث\nتقليم الأظفار ونتف الإبط\n\n<span data-type='title' id=toc-212>تمهيد: معني تقليم الأظفار:</span>\nهو أخذ ما طال منها، وذلك لتحسين الهيئة وإزالة القباحة من طول الأظفار، ومنع الوسخ الذين يكون تحت الظفر وقد يمنع من كمال الطهارة.\n\n<span data-type='title' id=toc-213>المبحث الأول: حكم تقليم الأظفار، ونتف الإبط:</span>\nقال النووي: أَمَّا تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ فَمُجْمَعٌ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ: وَسَوَاءٌ فِيهِ الرجل والمرأة وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ (^١). وأما نتف الإبط فمتفق على أنه سنة.\nأما إذا طالت الأظفار وفحشت فيحرم تركها من غير تقليم.\nقال ابن دقيق العيد: وفي تقليم الأظفار معنيان: أَحَدُهُمَا: تَحْسِينُ الْهَيْئَةِ وَالزِّينَةِ، وَإِزَالَةُ الْقَبَاحَةِ مِنْ طُولِ الْأَظْفَارِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى تَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ، لِمَا عَسَاهُ يَحْصُلُ تَحْتَهَا مِنَ الْوَسَخِ الْمَانِعِ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ، وَهَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَخْرُجَ طُولُهَا عَنْ الْعَادَةِ خُرُوجًا بَيِّنًا، وَهَذَا الَّذِي أَشَرْنَا إلَى أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى تَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ طُولُهَا عَنِ الْعَادَةِ يُعْفَى عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ يَسِيرِ الْوَسَخِ، وَأَمَّا إذَا زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ: فَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَوْسَاخِ مَانِعٌ مِنَ حُصُولِ الطَّهَارَةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْإِشَارَةُ إلَى هَذَا الْمَعْنَى (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٩٣، ٣٤١).\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ١٢٤، ١٢٥).\n(^٣) روى أحمد عن رجل من بني غفار أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ لمَ يَحْلِقْ عَانَتَه وَيُقَلِّم أَظْفَارَه وَيُجْزِ شَارِبَه فَليسَ مِنَّا» وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف الحديث و«ليس منا» ليست صريحة في الإستدلال، بل لها قرائن محتفة بها فقد قال: ﷺ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» وهذا علي سبيل الاستحباب وقد قال ﷺ: «منْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» فهذا على سبيل التحريم.","vol":"1","page":220},{"text":"قال ابن العربي: والذي عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين فكيف من جملة المسلمين؟!.\nقال تعالي عن أهل الكهف لما طالت أظفارهم وشواربهم وشعرهم: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨].\nفالحاصل أن تقْلِيم الْأَظْفَار ونتف الإبط سنة إلا إذا طالت وفحشت فيحرم تركها.\n\n<span data-type='title' id=toc-214>المبحث الثاني: وقت تقليم الأظفار، ونتف الإبط:</span>\nاختلف العلماء في وقت تقليم الأظفار على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يستحب تقليم الأظفار كل جمعة. وبه قال الحنفية، والمالكية، وقول عند الحنابلة. (^١) واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور والمعقول:\nأما دليلهم من السنة: فعَنْ أَبِي عَبْدِ الله الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ ويَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إِلَى الصَّلَاةِ» (^٢).\nوعَنِ ابْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ شَارِبَهُ وَأَظْفَارَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ (^٣).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٠٦)، والفواكه الدواني (٢/ ٣٠٦)، والفروع (١/ ١٣٠).\n(^٢) ضعيف: أخرجه الطبراني (الأوسط) (٨٤٦)، قال الهيثمي: (مجمع الزوائد) (٢/ ١٧٠): رواه البزار والطبراني (الأوسط) وفي إسناده إبراهيم بن قدامة. قال البزار: ليس بحجة إذا تفرد وقد تفرد به. وضعفه الحافظ (الفتح) (١٠/ ٣٤٦).\n(^٣) ضعيف جدًّا: أخرجه أبوالشيخ (أخلاق النبي ﷺ وآدابه) (٨١٠) وفي إسناده محمد بن القاسم: متروك.، وكذا في إسناده: محمد بن سليمان ضعيف.\nوله شواهد: فعن عبد الله بن محمد بن حاطب، عن أبيه، أن النبي ﷺ كان يأخذ من شاربه، أو ظفره يوم الجمعة. أخرجه أبو الشيخ (أخلاق النبي ﷺ (٤/ ١٠٩) وله علتان: الأولى في إسناده إبراهيم بن قدامة: ضعيف. الثانية: عبد الله بن محمد لم يدرك أحدًا من الصحابة.\n٢) شاهد ابن عمر «أن النبي ﷺ كان يقص أظفاره يوم الجمعة» أخرجه أبوالشيخ (أخلاق النبي ﷺ وآدابه) (٤/ ١٠٧) وفي إسناده الوليد بن مسلم مدلس وقد عنعن، وفيه عبد العزيز بن أبي رواد فيه مقال.\nشاهد عائشة: أخرجه الطبراني (الأوسط) (٤٧٤٦) وفي إسناده: أحمد بن ثابت بن عتاب: كذاب، والعلاء بن هلال: منكر الحديث.\nشاهد ابن عباس مرفوعًا: «من قلم أظافيره يوم الجمعة قبل الصلاة أخرج الله منه كل داء وأدخل مكانه الشفاء والرحمة» وفي إسناده طلحة بن عمرو: متروك.","vol":"1","page":221},{"text":"وأما دليلهم من المأثور: فعن ابْنَ عُمَرَ أنه كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ، وَيَقُصُّ شَارِبَهُ فِى كُلِّ جُمُعَةٍ (^١).\nالقول الثاني: يستحب تقليم الأظفار يوم الخميس، وهو قول عند الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بعموم قول النبى ﷺ: «من أَرَادَ أَنْ يَأْمَن الْفقر وشكاية الْعَمى والبرص وَالْجُنُون فليقلم أَظْفَاره يَوْم الْخَمِيس بعد الْعَصْر» (^٣). واعترض عليه بأنه لا أصل له.\nالقول الثالث: إن التوقيت في تقليم الأظفار معتبر بطولها، فإذا طالت قلمها ولا تؤخر عن أربعين يومًا.\nواستدلوا بما رواه مسلم: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (^٤).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه البيهقي (٣/ ٢٤٤).\n(^٢) الفروع (١/ ١٣٠) والإنصاف (١/ ١٢٢).\n(^٣) أخرجه الديلمي (مسند الفردوس) (٥٨٦٥) وقال: ولا أعلم له أصلًا. وروى ابن الجوزي (الموضوعات) (١٤٥١): وعَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ: «مَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ السَّبْتِ خَرَجَ مِنْهُ الدَّاءُ وَدَخَلَ فِيهِ الشِّفَاءُ، وَمَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الأَحَدِ خَرَجَتْ مِنْهُ الْفَاقَةُ وَدَخَلَ فِيهِ الْغِنَى، وَمَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ خَرَجَتْ مِنْهُ الْعِلَّةُ وَدَخَلَتْ فِيهِ الصِّحَّةُ، وَمَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ خَرَجَ مِنْهُ الْبَرَصُ وَدَخَلَ فِيهِ الْعَافِيَةُ، وَمَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ خَرَجَ الْوِسْوَاسُ وَالْخَوْفُ وِدَخَلَ فِيهِ الأَمْنُ وَالصِّحَّةُ، وَمَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ خَرَجَ مِنْهُ الْجُذَامَ وَدَخَلَ فِيهِ الْعَافِيَةِ، وَمَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَخَلَتْ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَخَرَجَ مِنْهُ الذُّنُوبُ». حديث موضوع.\n(^٤) مسلم (٥٢٠).","vol":"1","page":222},{"text":"قال القرطبي: هذا تحديد المدة، والمستحب تَفَقُّد ذلك من الجمعة إلى الجمعة وإلا فلا تحديد فيه للعلماء، إلا أنه إذا كثر ذلك أزيل.\nالحاصل: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب تقليم الأظفار كل جمعة والأحاديث الواردة أن النبي ﷺ كان يقلم أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة لا تصح، ولكن صح عن ابن عمر أنه كان يقلم أظفاره، وقص شاربه في كل جمعة، وإن كان يستحب غسل الجمعة للتنظف، فكذا تقليم الأظفار ويقص الشارب وغير ذلك من سنن الفطرة من باب التنظيف، ولا تُترك أكثر من أربعين يومًا لحديث «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-215>المبحث الثالث: كيفية تقليم الأظفار:</span>\nاختلف العلماء في كيفية تقليم الأظفار على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يبدأ بخنصر اليمنى ثم الوسطى ثم الإبهام ثم السباحة ثم إبهام اليسرى، وهو قول للحنابلة (^١).\nالقول الثاني: يبدأ فيها بالوسطى، ثم الخنصر، ثم الإبهام، ثم البنصر، ثم السباحة، وهو قول للحنابلة (^٢).\nالقول الثالث: يبدأ بسبابة يمناه بلا مخالفة، وهو قول بعض الشافعية، وقول عند الحنابلة (^٣).\nوهناك أقوال أخر ولا يصح في هذا الباب حديث خاص ولو قدم يده اليمني علي اليسري لعموم حديث عائشة، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ٧٥)، ومطالب أولي النهى (١/ ٨٦).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٢٢).\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٧٨) والإنصاف (١/ ١٢٢).","vol":"1","page":223},{"text":"وَطُهُورِهِ» (^١). لكان أحسن، والله ولي التوفيق.\n\n<span data-type='title' id=toc-216>المبحث الرابع: إزالة الوسخ الذي تحت الظفر.</span>\nاختلف العلماء في حكم إزالة الوسخ الذي تحت الظفر على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: تجب إزالة الوسخ مطلقًا، ولا يصح الوضوء مع وجود هذا الوسخ، وهو قول بعض الشافعية، وبعض الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بحديث وَاصِلِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا أَيُّوبَ الْأَزْدِيَّ فَصَافَحْتُهُ فَرَأَى أَظْفَارِي طِوَالًا، فَقَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ الله ﷺ يَسْأَلُهُ فَقَالَ: «يَسْأَلُنِي أَحَدُكُمْ عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ وَيَدَعُ أَظْفَارَهُ كَأَظْفَارِ الطَّيْرِ تَجَمَّعُ فِيهَا الْخَبَاثَةُ وَالتَّفَثُ» (^٣). واعترض عليه بأنه لا يصح.\n_________\n(^١) البخاري (١٦٨).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٤٠) والمغني (١/ ٨٦).\n(^٣) ضعيف: أخرجه الطيالسي (٥٩٦) ووقع عنده خطأ فقال عن واصل بن سليم والصواب: أبو واصل سليمان بن فروخ، ورواه أحمد (٥/ ٤١٧) فرواه عن وكيع فجعله من مسند أبي أيوب الأنصاري، ثم بين أن وكيعًا أخطأ والصحيح أنه أبو أيوب العتكي. وعلة هذا الحديث الإرسال، فأبو أيوب تابعي أرسله ولم يدرك النبي ﷺ قال ابن أبي حاتم (العلل) (٢/ ٢٨٨) سألت أبي عن حديث رواه أبو داود الطيالسي، عن قريش بن حبان، عن واصل بن سليم … الحديث، فسمعت أبي يقول: هذا خطأ، ليس هو واصل بن سليم، بل إنما هو أبو واصل سليمان بن فروخ، عن أبي أيوب، وليس هو من أصحاب النبي ﷺ، هو أبو أيوب: يحيى بن مالك العتكي من التابعين. قال ابن أبي حاتم: ولم يفهم يونس بن حبيب أن أبا أيوب الأزدي، وهو العتكي، فأدخله في مسند أبي أيوب الأنصاري. قال البخاري: سليمان بن فروخ أبو واصل، قال: لقيني أبو أيوب، هو الأزدي، مرسل.\nقال البيهقي «الكبرى» (١/ ١٧٦): وهذا مرسل، أبو أيوب العتكي غير أبي أيوب الأنصاري.\nوله شواهد: ١ - فعن وابصة بن معبد يقول: سألت رسول الله ﷺ عن كل شيء حتي سألته عن الوسخ الذي يكون في الأظفار فقال: «دَعْ مَا يُريبَكْ إلى مَا لا يُرَيَبكْ» أخرجه الطبراني «الكبير» (٢٢/ ١٤٧) وفي إسناده طلحة بن زيد الرقي: منكر الحديث.\n٢ - عن قيس، قال: «صلى رسول الله ﷺ صلاة، فلما قضى صلاته، قالوا: يا رسول الله وهمت. قال النبي ﷺ: وما لي لا أهم، ورفغ أحدكم بين ظفره، وأنملته. مرسل: ومدار الحديث على إسماعيل عن قيس واختلف عليه فرواه سفيان بن عيينة عن إسماعيل عن قيس به، أخرجه العقيلي (الضعفاء) (٢/ ٢١) ورواه الضحاك بن زيد عن إسماعيل عن قيس عن عبد الله قال: قال: رسول الله ﷺ به. أخرجه البزار في مختصر مسنده (١٧٠) والصحيح الرواية المرسلة، وسفيان بن عيينة أوثق من الضحاك. والضحاك قال عنه ابن حبان: كان ممن يرفع المراسيل، ويسند الموقوف، لا يجوز الاحتجاج به لما كثر منه (المجروحين) (١/ ٣٧٩) قال الحافظ (فتح الباري) (١٠/ ٣٤٥): والرفغ (بضم الراء وفتحها وسكون الفاء بعدها غين معجمة) يُجمع على أرفاغ، وهي مغبن الجسد، كالإبط، وما بين الأنثيين، وكل شيء يجتمع فيه الوسخ .... والمعنى أنكم لا تقلمون أظفاركم ثم تحكون بها رفاغكم فيتحلق بها ما في الأرفاغ من الأوساخ المجتمعة. قال أبو عبيد: أنكر عليهم طول الأظفار وترك قصها، وفيه إشارة إلى الندب إلى تنظيف المغابن كلها، ويستحب الاستقصاء في إزالتها إلى حد لا يدخل منه ضرر على الأصبع.","vol":"1","page":224},{"text":"أما دليلهم من المعقول: فقال ابن حجر: قد يعلق بالظفر إذا طال النجو لمن استنجى بالماء، ولم يمعن غسله فيكون إذا صَلَّى حَامِلًا للنَّجَاسَّة (^١).\nالقول الثاني: لا يجب إزالة الوسخ، وبه قال بعض الشافعية، وبعض الحنابلة (^٢).\nواستدلوا لذلك بأن هذا الأمر مما عمت به البلوى ولو كان غسله واجبًا لبينه النبي ﷺ ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nالقول الثالث: إن كان ما تحت الظفر يسيرًا عفي عنه وإن فحش وجب إزالته، وهو مذهب المالكية، وقول ابن دقيق العيد، وابن تيمية (^٣).\nواستدلوا بما رواه البخاري عن عائشة ﵄ قالت: ما كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ\n_________\n(^١) فتح الباري (١٠/ ٣٤٥).\n(^٢) تحفة المحتاج ١/ ١٨٧) والمغني (١/ ٨٦).\n(^٣) الفواكه الدواني (١/ ١٤٠)، وإحكام الأحكام (١/ ١٢٥)، والفتاوى الكبرى (٥/ ٣٠٣).","vol":"1","page":225},{"text":"تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ قَالَتْ بِرِيقِهَا فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا (^١).\nوهذا دليل على أن الوسخ القليل تحت الظفر معفو عنه، وإنما أزالت الدم بظفرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-217>المبحث الخامس: دفن الظفر والشعر:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب دفن ما قلم من أظفاره أو أزال من شعره. وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^٢).\nواستدلوا لذلك بالسنة: فعَنْ مِيلِ، قَالَتْ: رَأَيْتُ أَبِي قَلَّمَ أَظْفَارَهُ، ثُمَّ دَفَنَهَا، وَقَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ هَكَذَا» (^٣).\nوعن عبد الجبار عن أبيه عن النبي ﷺ كانَ يأمُرُ بِدَفْنِ الشَّعْرِ والأَظَفار (^٤).\nوعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ ﷺ: «ادْفِنُوا الأَظْفَارَ وَالشَّعَرَ وَالدَّمَ فَإِنَّهَا مَيْتَةٌ» (^٥).\nوعن عبد الله بن بسر قال ﷺ: «قُصُّوا أَظَافِيرَكُمْ وَادْفِنُوا قُلَامَاتِكُمْ وَنَقُّوا بَرَاجِمَكُمْ» (^٦).\nوهذه الأحاديث لا تصح عن رسول الله ﷺ، والصحيح أنه لا يستحب دفن الأظفار\n_________\n(^١) البخاري (٣١٢).\n(^٢) الفتاوى الهندية (٥/ ٣٥٨)، والمجموع (١/ ٣٤٢).\n(^٣) ضعيف: أخرجه الطبراني (الكبير) (٢٠/ ٣٢٢)، والبيهقي (الشعب) (٥/ ٢٣٢)، والبزار (مسنده) (١٢٢٦) وفي إسناده: محمد بن سليمان، وعبيد الله بن سلمة بن وهرام: وكلاهما ضعيف.\n(^٤) ضعيف: أخرجه البيهقي: (شعب الإيمان) (٥/ ٢٣٢) وقال: هذا إسناد ضعيف وله طرق كلها ضعيفة.\n(^٥) ضعيف جدًّا: أخرجه ابن عدي (الكامل) (٤/ ٢٠١) وفي إسناده عبد الله بن عبد العزيز ابن أبي رواد أحاديثه مناكير كما في الجرح والتعديل (٥/ ١٠٤) والضعفاء الكبير (٢/ ٢٧٩).\n(^٦) ضعيف: أخرجه الحكيم «النوادر» (١٦٩) قال العراقي (طرح التثريب (/ ٨٤) وفي إسناده عمر بن أبي عمر البلخي جهله الجوزقاني وجعله الحافظ هو وابن رباح واحدا وقال: كذبوه. وقال ابن عدي: عمر بن بلال ليس بمعروف، «الكامل» (٥/ ٥٦) ..","vol":"1","page":226},{"text":"والشعر.\n\n<span data-type='title' id=toc-218>المبحث السادس: من توضأ ثم قلم أظفاره هل يعيد الوضوء؟</span>\nاختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: لا يعيد الوضوء. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١). واستدلوا بما رُوى عن أبي مجلز، قال: رأيت ابن عمر أخذ من أظفاره، فقلت له: أخذت من أظفارك، ولم تتوضأ؟ قال: مَا أَكْيَسَكَ؟! أَنْتَ أَكْيَس ممنْ سَمَّاهُ أَهْلَهُ كَيْسًا (^٢).\nوقَالَ علي: مَا زَادَهُ إِلَّا طَهَارَةً يَعْنِي الْأَخْذَ مِنَ الشَّعْرِ والظفر (^٣).\nوأما دليلهم من المعقول: فهو أن تقليم الأظفار ليس بحدث حتي ينتقض الوضوء.\nوذهب مجاهد (^٤) وابن جرير إلى أن عليه أن يعيد الوضوء.\nوذهب عطاء (^٥) وإبراهيم وحماد (^٦) وغيرهم إلى أنه يغسل موضع الأظفار.\nوالأصح ما ذهب إليه جماهير أهل العلم، أي صحة وضوء من قلم أظفاره ولا إعادة عليه، وغسل رؤوس الأصابع بعد القص (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-219>المبحث السابع: من توضأ ثم نتف إبطه هل يعيد الوضوء؟</span>\nلم يأت في قرآن ولا سنة ولا إجماع إيجاب الوضوء من نتف الإبط.\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ٦٥)، المنتقي (شرح الموطأ) (١/ ٣٩)، والأم (١/ ٣٦)، والفروع (١/ ١٨٦، ١٨٧).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف) (١/ ٥٥).\n(^٣) إسناده ضعيف: المطالب العالية (٧٢) عَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ: أَنَّ عَلِيًّا ﵁ به.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة (١/ ٥٦) بسند صحيح.\n(^٥) رواه عبد الرزاق في (المصنف) (١/ ١٢٦) بسند صحيح.\n(^٦) المصنف لابن أبي شيبة (١/ ٥٦).\n(^٧) استحب الشافعية، والحنابلة: غسل رؤوس الأصابع بعد قص الأظفار، قال ابن قدامة: قيل: إن الحك قبل غسلها يضر بالجسد وليس هناك ما يدل على الاستحباب والله أعلم.","vol":"1","page":227},{"text":"وأما ما ورد عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَجُلًا حَكَّ إِبْطَهُ، أَوْ مَسَّهُ، فَقَالَ: «قُمْ فَاغْسِلْ يَدَيْكَ أَوْ تَطَهَّرْ» (^١).\nفاعترض عليه بأن هذا لم يصح عن عمر.\nوما ورد عن عبد الله بن عمرو «أنَّه كَان يَغْتَسلِ مِنْ نَتْفِ الإبِطِ» (^٢) فإسناده صحيح، إلا أن هذا الاغتسال للتنظيف والتبرد؛ لأن الشعر الذي نتفه ربما آذاه.\nفمن توضأ ثم نتف إبطه لا يتوضأ، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-220>المبحث الثامن: توفير الأظفار في الحرب:</span>\nاستحب الحنفية والحنابلة، توفير الأظفار في الحرب (^٣).\nواستدلوا لذلك بالسنة، والمأثور، والمعقول:\nأما دليلهم من السنة: فعَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﵌ أن لا نحفى الْأَظْفَارَ فِي الْجِهَادِ وَقَالَ: «إنَّ الْقُوَّةَ فِي الْأَظْفَارِ» (^٤).\nأما دليلهم من المأثور: فعن عُمَرَ قَالَ: وَفِّرُوا أَظْفَارَكُمْ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَإِنَّهَا سِلَاحٌ (^٥).\nأما دليلهم من المعقول: فهو أن المجاهد إذا سقط السلاح من يده ودنا منه العدو ربما\n_________\n(^١) ضعيف: رواه ابن أبي شيبة (المصنف) (١/ ٥٤)، قال أبو زرعة طلق بن حبيب عن عمر مرسل. انظر جامع التحصيل (ص ٣١٥)، وروى ابن أبي شيبة (المصنف) (١/ ١٢٦) بإسناده عن عمر «من نقي أنفه أو نتف إبطه توضأ» وهذا إسناد ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم، ومجاهد لم يسمع من عمر.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف) (١/ ٥٥).\n(^٣) البحر الرائق (٥/ ٨٢).\n(^٤) ضعيف جدًّا: أخرجه الجصاص في «أحكام القرآن» (٣/ ١٠٢) وفي إسناده عيسى بن إبراهيم الهاشمي: متروك.\n(^٥) ضعيف: أخرجه مسدد (المطالب العالية (٢٠١٢) وفي إسناده من أبهم في السند فقال: «عن أشياخه» وفي إسناده: أبو بكر بن أبي مريم، ضعيف.","vol":"1","page":228},{"text":"يتمكن من دفعه بأظافيره (^١).\nقال أحمد: يحتاج إليه في أرض العدو (^٢).\nفالحاصل أن توفير الأظفار قد يباح في الحروب القديمة إذا كان يحتاج إليه، أما إذا كانت الحروب بالأسلحة والقنابل كما هو موجود الآن. فإن الأظفار تقلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-221>المبحث التاسع: السنة نتف الإبط وليس الحلق:</span>\nودليل ذلك حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الفِّطْرَة خمَس» … وذكر منها الاسِّتِحْدَاد، وَنَتْفِ الإبطِ (^٣).\nوالحكمة في العانة الحلق وفي الإبط النتف.\nوَ«نَتْفُ الْآبَاطِ» إزَالَةُ مَا نَبَتَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّعْرِ بِهَذَا الْوَجْهِ، أَعْنِي النَّتْفَ، وَقَدْ يَقُومُ مَقَامَهُ مَا يُؤَدِّي إلَى الْمَقْصُودِ، إلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ أَوْلَى، وَقَدْ فَرَّقَ لَفْظُ الْحَدِيثِ بَيْنَ إزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ وَإِزَالَةِ شَعْرِ الْإِبْطِ، فَذَكَرَ فِي الْأَوَّلِ الِاسْتِحْدَادَ وَفِي الثَّانِي النَّتْفَ وَذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى رِعَايَةِ هَاتَيْنِ الْهَيْئَتَيْنِ فِي مَحِلِّهِمَا، وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ أَنَّ الشَّعْرَ بِحَلْقِهِ يَقْوَى أَصْلُهُ، وَيَغْلُظُ جِرْمُهُ، وَلِهَذَا يَصِفُ الْأَطِبَّاءُ تَكْرَارَ حَلْقِ الشَّعْرِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُرَادُ قُوَّتُهُ فِيهَا، وَالْإِبْطُ إذَا قَوِيَ فِيهِ الشَّعْرُ وَغَلُظَ جِرْمُهُ كَانَ أَفْوَحَ لِلرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ الْمُؤْذِيَةِ لِمَنْ يُقَارِبُهَا، فَنَاسَبَ أَنْ يُسَنَّ فِيهِ النَّتْفُ الْمُضْعِفُ لِأَصْلِهِ، الْمُقَلِّلُ لِلرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، وَأَمَّا الْعَانَةُ فَلَا يَظْهَرُ فِيهَا مِنْ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ مَا يَظْهَرُ فِي الْإِبْطِ، فَزَالَ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلنَّتْفِ، ورُجِعَ إلَى الِاسْتِحْدَادِ؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ وَأَخَفُّ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنِ غَيْرِ مُعَارِضٍ (^٤).\n_________\n(^١) البحر الرائق (٥/ ٨٢).\n(^٢) المغني (٩/ ١٦٧).\n(^٣) البخاري (٥٨٩١) ومسلم (٢٥٧).\n(^٤) إحكام الأحكام (١/ ١٢٥)","vol":"1","page":229},{"text":"الفصل الرابع\nقص الشارب وإعفاء اللحية\nوفيه تمهيد ومبحثان\nالمبحث الأول: قص الشارب، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم قص الشارب.\nالمطلب الثاني: هل يقص الشارب أو يحلق؟\nالمبحث الثاني: إعفاء اللحية، وفيه ستة مطالب:\nالمطلب الأول: تعريف اللحية.\nالمطلب الثاني: حكم حلق اللحية.\nالمطلب الثالث: حكم الأخذ من اللحية.\nالمطلب الرابع: حكم نتف الشيب.\nالمطلب الخامس: تغيير الشيب بغير السواد.\nالمطلب السادس: تغيير الشيب بالسواد.","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-222>الفصل الرابع قص الشارب وإعفاء اللحية</span>\n<span data-type='title' id=toc-223>تمهيد:\nالمقصود بالشارب:</span> الشعر النابت على الشفة العليا.\nقص الشارب هو قص طرف الشعر المستدير على الشفة (^١).\nقال ابن دقيق العيد: وَالْأَصْلُ فِي قَصِّ الشَّوَارِبِ وَإِحْفَائِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مُخَالَفَةُ زِيِّ الْأَعَاجِمِ، وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةٌ فِي الصَّحِيحِ، حَيْثُ قَالَ «خَالِفُوا الْمَجُوسَ». وَالثَّانِي: أَنَّ زَوَالَهَا عَنْ مَدْخَلِ الطَّعَامِ أَبْلَغُ فِي النَّظَافَةِ، وَأَنْزَهُ مِنْ وَضَرِ الطَّعَامِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-224>المبحث الأول: فى قص الشارب، وفيه مطلبان.</span>\n<span data-type='title' id=toc-225>المطلب الأول: حكم قص الشارب.</span>\nحكى الإجماع على استحباب قص الشارب غير واحد من أهل العلم.\nقال النووي: أما قص الشارب فمتفق على أنه سنة (^٣).\nوذهب ابن حزم وابن العربي والشوكاني إلى وجوب قص الشارب (^٤).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» (^٥) وروى مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «جُزُّوا\n_________\n(^١) الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٥).\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ١٢٤).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٤٠)، وانظر: طرح التثريب (٢/ ٧٦).\n(^٤) المحلى (١/ ٤٢٣).\n(^٥) البخاري (٥٨٩٢) ومسلم (٢٥٩).","vol":"1","page":231},{"text":"الشَّوَارِبَ» (^١) وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا» (^٢) فهذه أوامر تدل على وجوب إحفاء الشارب والأمر للوجوب وليس هناك قرينة تدل على الاستحباب.\nوالحاصل أن قص الشارب سنة، أما إذا طال على العادة فيجب قصه.\n\n<span data-type='title' id=toc-226>المطلب الثاني: هل يقص الشارب أو يحلق؟</span>\nاختلف العلماء في حكم قص الشارب على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الشارب يقص ولا يحلق، وبه قال المالكية (^٣) والشافعية (^٤)، وقول عند الحنابلة (^٥). واستدلوا بما ورد في الصحيحين: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الفِّطْرَةُ خمَسٌ … وذَكَرَ منها» «قَصُّ الشَّارِبِ» (^٦)، وروى مسلم عن أنس ﵁ قال: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ».\nوروى أحمد عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا» (^٧).\nكل هذه الأحاديث وغيرها تدل على قص الشارب وليس حلقه.\n_________\n(^١) مسلم (٢٦٠).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٤/ ٣٦٦).\n(^٣) الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٥)، والمنتقى، (٧/ ٢٦٦)، قال مالك: أري أن يؤدب من حلق شاربه وقال أيضًا: حلقه من البدع، وقال إن حلقه مثلةً.\n(^٤) طرح التثريب (٢/ ٧٦)، وتحفة المحتاج (٩/ ٣٧٥). قال النووي: في المجموع (١/ ٣٤٠): ثم ضابط قص الشارب أن يقص حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله\n(^٥) الإنصاف ١/ ١٢١، ١٢٢).\n(^٦) البخاري (٥٨٩١) ومسلم (٢٥٧).\n(^٧) إسناده صحيح: أحمد في «المسند» (٤١/ ٣٦٦، ٣٦٨).","vol":"1","page":232},{"text":"القول الثاني: ذهب أبو حنيفة ورواية عن أحمد (^١) إلى أن الحف أولى من القص.\nواستدلوا لذلك بما روى البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى».\nوروى مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ» (^٢) وفي البخاري من حديث ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَوَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» (^٣).\nوجه الدلالة من قوله ﷺ: «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ» وقوله ﷺ: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ» وقوله ﷺ: «وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ»، ما قاله الحافظ ابن حجر: فَكُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِزَالَةِ لِأَنَّ الْجَزَّ وَهُوَ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ الثَّقِيلَةِ قَصُّ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْجِلْدَ، وَالْإِحْفَاءُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ الِاسْتِقْصَاءُ وَمِنْهُ «حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ: مَعْنَاهُ الْزَقُوا الْجَزَّ بِالْبَشَرَةِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِقْصَاءِ. وَالنَّهْكُ بِالنُّونِ وَالْكَافِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِزَالَةِ. وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْخِتَانِ قَوْلُهُ ﷺ لِلْخَافِضَةِ: «أَشِمِّي وَلَا تُنْهِكِي» أَيْ لَا تُبَالِغِي فِي خِتَانِ الْمَرْأَةِ. وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ أهل اللُّغَة، وَقَالَ ابن بَطَّالٍ: النَّهْكُ التَّأْثِيرُ فِي الشَّيْءِ وَهُوَ غَيْرُ الِاسْتِئْصَالِ (^٤).\nوعن عُثْمَانَ بْن عُبَيْدِ اللهِ، أَنَّهُ رَأَى أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وَسَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ، وَأَبَا أُسَيْدٍ الْبَدْرِيَّ، وَرَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ﴾ يَأْخُذُونَ مِنَ الشَّوَارِبِ كَأَخْذِ الْحَلْقِ، وَيُعْفُونَ اللِّحَى، وَيَنْتِفُونَ الْآبَاطَ (^٥).\n_________\n(^١) الفتاوى الهندية (٤/ ٢٣٠ - ٢٣١).\n(^٢) مسلم (٢٦٠).\n(^٣) البخاري (٥٨٩٢) ومسلم (٥٤)، (٢٥٩).\n(^٤) فتح الباري (١٠/ ٣٥٩)\n(^٥) أخرجه الطبراني (الكبير) (١/ ١٥١) وفي إسناده يحيى بن أيوب المصري: صدوق، وفي إسناده: عثمان بن عبيد الله بن رافع، قال الهيثمي: عثمان هذا لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":233},{"text":"واعترض عليه بأنه اختلف على الصحابة: فعَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: \" رَأَيْتُ خَمْسَةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُمُّونَ شَوَارِبَهُمْ وَيُعْفُونَ لِحَاهُمْ وَيَصُرُّونَهَا: أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ، وَالْحَجَّاجَ بْنَ عَامِرٍ الثُّمَالِيَّ، وَالْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِيكَرِبَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ بُسْرٍ الْمَازِنِيَّ، وَعُتْبَةَ بْنَ عَبْدٍ السُّلَمِيَّ، كَانُوا يَقُمُّونَ مَعَ طَرَفِ الشَّفَةِ (^١).\nواستدلوا بالقياس على الحج فكما أن الحلق أفضل من التقصير في الحج، فكذا حلق الشارب أفضل من قصه (^٢).\nواعترض عليه بأن أكثر الأحاديث صريحة في قص الشارب وإن كان في بعض الأحاديث بالإحفاء ولا قياس مع النص.\nالقول الثالث: ذهب الطبري إلى أنه يخير بين الأمرين (القص، والإحفاء) للجمع بين الأدلة فقد دلت السنة على الأمرين ولا تعارض، فإن القص يدل على أخذ البعض، والإحفاء يدل على أخذ الكل، وكلاهما ثابت فيتخير فيما شاء.\nواعترض عليه بما قاله ابن عبد البر: الإحفاء محتمل لأخذ الكل، والقص مفسر المراد، والمفسر مقدم على المجمل (^٣).\nوأجيب عنه، بأن لو سلمنا في لفظة «أحفوا» فماذا نفعل في لفظة «انهكوا»، ولفظة «جزوا» كل هذا في الصحاح. فدل ذلك علي ثبوت الأمرين، وإن كان كلاهما جائزًا وإن كان أحاديث القص أكثر وأصح، فالأفضل القص، والحلق جائز.\nقال النووي: وَالْمُخْتَارُ فِي الشَّارِبِ تَرْكُ الِاسْتِئْصَالِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يَبْدُو بِهِ طَرَفُ الشَّفَةِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي (السنن الكبرى) (١/ ١٥١) وإسناده حسن. وفي إسناده إسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل الشام وشرحبيل شامي فيكون حسنًا، والله أعلم.\n(^٢) شرح معاني الآثار (٤/ ٢٣١).\n(^٣) فتح الباري (١٠/ ٣٥٩).\n(^٤) قال النووي: «شرح مسلم» (٣/ ٤٩٨): قال القاضي: وَأَمَّا الشَّارِبُ فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى اسْتِئْصَالِهِ وَحَلْقِهِ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ أَحْفُوا وَانْهَكُوا وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ، وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى مَنْعِ الْحَلْقِ وَالِاسْتِئْصَالِ وَقَالَهُ مَالِكٌ وَكَانَ يَرَى حَلْقَهُ مُثْلَةً وَيَأْمُرُ بِأَدَبِ فَاعِلِهِ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ أَعْلَاهُ، وَيَذْهَبُ هَؤُلَاءِ إِلَى أَنَّ الْإِحْفَاءَ وَالْجَزَّ وَالْقَصَّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ الْأَخْذُ مِنْهُ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type='title' id=toc-227>المبحث الثاني: إعفاء اللحية، وفيه ستة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-228>المطلب الأول: تعريف اللحية:</span>\nقال الجوهري: اللحية اسم يجمع من الشعر ما نبت على الخدين والذقن (^١).\nوفي المصباح: اللحية: الشعر النازل على الذقن (^٢).\nفتخلص أن اللحية قد تشمل الشعر الذى علي الذقن والخدين أو الشعر الذي على الذقن دون الخذين.\nوالراجح: شمول اللحية للشعر النابت علي الخدين والذقن؛ لأن النصوص المستفيضة عن النبي العدنان ﷺ تدل على أنه كان كث اللحية وأمر بإعفاء اللحية، ولم يرد أنه أخذ شعر الخدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-229>المطلب الثاني: حكم حلق اللحية:</span>\nقال ابن حزم: وَاتَّفَقُوا أَنْ حلق جَمِيع اللِّحْيَة مثلَة لَا تجوز (^٣).\n_________\n(^١) مختار الصحاح (٢٤٨).\n(^٢) المصباح المنير (٢/ ٥٥١) قال ابن نجيم: اللحية: الشعر النابت بمجتمع اللحيين والعارض وما بينهما وبين العذار كما في البحر الرائق (١/ ١٦)، قال الخرشي (شرح مختصر خليل) (١/ ١٢١): اللحية وَهِيَ مَا يَنْبُتُ مِنْ الشَّعْرِ عَلَى ظَاهِرِ اللَّحَى بِفَتْحِ اللَّامِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا فِي الْمُفْرَدِ وَالتَّثْنِيَةِ وَهُوَ فَكُّ الْحَنَكِ الْأَسْفَلِ، وفي تحفة المحتاج (١/ ٢٠٤): واللحية: هي الشعر النابت على الذقن التي هي مجتمع اللحيين، ومثلها العارض.\n(^٣) مراتب الإجماع (١٨٢).","vol":"1","page":235},{"text":"قال ابن عابدين: وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْهَا وَهِيَ دُونَ القبضة كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ، وَمُخَنَّثَةُ الرِّجَالِ فَلَمْ يُبِحْهُ أَحَدٌ، وَأَخْذُ كُلِّهَا فِعْلُ يَهُودِ الْهِنْدِ وَمَجُوسِ الْأَعَاجِم (^١).\nواستدلوا بالنصوص المستفيضة بإعفاء اللحية، ففي البخاري: عن ابْنِ عُمَرَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى» (^٢).\nوفي مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-230>المطلب الثالث: حكم الأخذ من اللحية:</span>\nوردت النصوص المستفيضة بإعفاء اللحية: روى البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﴿، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى».\nوروى مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ».\nقال النووي: والمختار ترك اللحية على حالها، وأن لا يتعرض لها بتقصير شيئ أصلًا (^٤).\nوذهب جمهور العلماء إلى أن له أن يأخذ من اللحية ما زاد عن القبضة، وهو مذهب الحنفية (^٥)، ........................................................................\n_________\n(^١) تنقيح الفتاوى الحامدية (١/ ٣٢٩). (قلت): وقد ورد أن حلق اللحية مكروه وهو وجه ضعيف عند الشافعية، أسنى المطالب (١/ ٥٥١).\n(^٢) البخاري (٥٨٩٢).\n(^٣) مسلم (٢٦٠).\n(^٤) المجموع (١/ ٣٤٤).\n(^٥) قال في البحر الرائق (٣/ ١٢):: الإعفاء تركها تكثر وتكثر والقص سنة فيها، وهو أن يقبض الرجل لحيته فما زاد منها على قبضة قطعها، كذلك ذكر محمد في كتاب الآثار عن أبي حنيفة. قال: وبه نأخذ. وفى (رد المحتار) (٢/ ٥٥٠): وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ أَيْ الْوَارِدُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، تَرْكُهَا حَتَّى تَكْثُرَ، وَالسُّنَّةُ قَدْرُ الْقَبْضَةِ، فَمَا زَادَ قَطَعَهُ.","vol":"1","page":236},{"text":"والمالكية (^١)، والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بما روى البخاري: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَوَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ (^٣).\nوورد عند ابن أبي شيبةعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: التَّفَثُ: الرَّمْيُ وَالذَّبْحُ وَالْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ، وَالأَخْذُ مِنَ الشَّارِبِ، وَالأَظْفَارِ، وَاللِّحْيَةِ (^٤).\nقال ابن تيمية: وأما إعفاء اللحية فإنه يُترك، ولو أخذ ما زاد علي القبضة لم يكره (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-231>المطلب الرابع: حكم نتف الشيب:</span>\nاختلف العلماء في حكم نتف الشيب على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يكره نتف الشيب، وهو مذهب المالكية، والشافعية، وجمهور الحنابلة (^٦).\n_________\n(^١) قال القرطبي: (المفهم) (١/ ٥١٢): لا يجوزُ حَلْقُها، ولا نَتْفُها، ولا قَصُّ الكثير منها،، فأما أخذُ ما تطايَرَ منها وما يُشَوِّهُ ويدعو إلى الشهرةِ طُولًا وعَرْضًا: فحَسَنٌ عند مالك وغيره من السلفِ. وانظر المدونة (١/ ٣٤٠)، والمنتقى (٧/ ٢٦٦)، والتمهيد (٢٤/ ١٤٥).\n(^٢) سُئِلَ أَحْمَدُ عَنِ الْأَخْذِ مِنَ اللِّحْيَةِ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ مِنْهَا مَا زَادَ عَنِ الْقَبْضَةِ. وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَيْهِ، قُلْتُ لَهُ: مَا الْإِعْفَاءِ؟ قَالَ: يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ: كَأَنَّ هَذَا عِنْدَهُ الْإِعْفَاءُ. كما في (الوقف والترجل) للخلال (١٢٩) و(أحكام أهل الملل) (للخلال ١١)، وانظر (مسائل أحمد رواية ابن هانئ) (٢/ ١٥١) والشافعي يرى أن يأخذ من اللحية في الحج والعمرة.\nقال الشافعي في (الأم) (٢/ ٢٣٢): وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ أَخَذَ مِنْ لِحْيَتِهِ وَشَارِبَيْهِ حَتَّى يَضَعَ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا لله، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النُّسُكَ إنَّمَا هُوَ فِي الرَّأْسِ لَا فِي اللِّحْيَةِ.\n(^٣) البخاري (٥٨٩٢).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٢٩).\n(^٥) شرح العمدة (١/ ٣٦).\n(^٦) المنتقى (٧/ ٢٧٠)، سئل مالك عن نتف الشيب، قال: ما علمته حرامًا، وتَرْكه أحب إلى»، والمجموع (١/ ٣٤٤)، والمغني (١/ ٦٦)، والإنصاف (١/ ١٢٣).","vol":"1","page":237},{"text":"واستدلوا لذلك بما روى أحمد بسند حسن عن ابن عمر ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ عَبْدٍ يَشِيبُ فِي الْإِسْلَامِ شَيْبَةً إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً» (^١).\nوروى ابن حبان بسند حسن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ فَإِنَّهُ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ شَابَ شَيْبَة فِي الْإِسْلَامِ كُتِبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ وَرُفِعَ له بها درجة» (^٢). وروى الطيالسي بسند صحيح عن أبي نجيح السلمي، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللهِ، كَانَتْ نُورًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٣).\nالقول الثاني: يحرم نتف الشيب. وهذا القول حُكى عن الشافعي وقاله ابن مفلح (^٤). واستدلوا بأن هذه الأحاديث تدل علي التحريم.\nالقول الثالث: أنه لا بأس بنتف الشيب. وهو قول بعض الحنفية (^٥).\nواستدلوا بأن الأحاديث الواردة في الباب ضعيفة والأصل الإباحة.\nقال عمر بن بدر الموصلي: لا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله ﷺ.\nالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من كراهة نتف الشيب، والله أعلم.\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢/ ١٧٩) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\n(^٢) صحيح ابن حبان (٢٩٨٥) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة.\n(^٣) أبو داود الطيالسي (١١٥٤)، والحديث طويل وهذه فقرة منه من طريق هشام عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن أبي نجيح السلمي به.\n(^٤) المجموع (١/ ٣٤٤)، والفروع (١/ ١٣١).\n(^٥) حاشية ابن عابدين (٢/ ٤١٨).","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-232>المطلب الخامس: تغيير الشيب بغير السواد:</span>\nاختلف العلماء في تغيير الشيب بغير السواد على أربعة أقوال:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يسن خضاب الشيب بغير السواد من حمرة أو صفرة، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nواستدلوا بما ورد فى الصحيحين عن أَبَى هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ» (^٢). ففي الحديث الأمر بالصبغ مخالفة لليهود.\nوروى مسلم عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَضَبَ؟ فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغِ الْخِضَابَ، كَانَ فِي لِحْيَتِهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ. قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَخْضِبُ؟ قَالَ: فَقَالَ: نَعَمْ، بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ (^٣).\nالقول الثاني: ذهب المالكية إلى أنه يباح تغيير الشيب (^٤).\nقال ابن عبد البر: جاء عن جماعة كثيرة من السلف من الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين أنهم خضبوا بالحمرة، والصفرة، وجاء عن جماعة كثيرة منهم أنهم لم يخضبوا، وكل ذلك واسع كما قال مالك، والحمد لله (^٥).\nعَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، قَدْ مَلأَتْ مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ (^٦).\nالقول الثالث: يجب تغيير الشيب، وهو قول عند الحنابلة (^٧).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٢٢)، والمجموع (١/ ٣٤٥)، والإنصاف (١/ ١٢٣).\n(^٢) البخاري (٣٤٦٢)، ومسلم (٢١٠٣).\n(^٣) مسلم (٢٣٤١).\n(^٤) الموطأ (٢/ ٩٤٩).\n(^٥) التمهيد (٢١/ ٨٤).\n(^٦) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) (٥/ ١٨٦).\n(^٧) مسائل ابن هانئ (١٨٣٥).","vol":"1","page":239},{"text":"القول الرابع: يُكره تغيير الشيب، وهو مروي عن عمر (^١)، وسعيد بن جبير (^٢).\nواستدلوا بما روى مسلم: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: يُكْرَهُ أَنْ يَنْتِفَ الرَّجُلُ الشَّعْرَةَ الْبَيْضَاءَ مِنْ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ (^٣).\nواستدلوا بعموم قوله ﷺ: «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللهِ، كَانَتْ نُورًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». والصبغ يُذهب الشيب فكره لذلك.\nوالراجح: جواز الخضاب بغير السواد. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-233>المطلب السادس: تغيير الشيب بالسواد:</span>\nاتفق العلماء على جواز الخضاب بالسواد في الحرب واختلفوا في غير الحرب على أربعة أقوال (^٤):\nالقول الأول: يحرم الخضاب بالسواد، وهو قول عند الشافعية (^٥).\nواستدلوا بما ورد عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثُّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» (^٦).\n_________\n(^١) ورد عند الطبراني في «الأوسط» (١٨٢٥) عن سليم بن عامر، قال: رأيت أبا بكر الصديق يخضب بالحناء والكتم، وكان عمر لا يخضب وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة» وهذا الحديث معل بما رواه مسلم (٢٣٤١): عن ثَابِت، قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ خِضَابِ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَقَالَ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ فَعَلْتُ. وَقَالَ: لَمْ يَخْتَضِبْ، وَقَدِ اخْتَضَبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَاخْتَضَبَ عُمَرُ بِالْحِنَّاءِ بَحْتًا.\n(^٢) كما في (المصنف) لابن أبي شيبة (٥/ ١٨٤).\n(^٣) مسلم (٢٣٤١).\n(^٤) فتح الباري (٦/ ٤٩٩).\n(^٥) المجموع (١/ ٣٤٥).\n(^٦) مدار الحديث على أبي الزبير عن جابر، واختلف على أبي الزبير في لفظة: (واجتنبوا السواد) فرواه ابن جريج عند مسلم (٢١٠٢) وأيوب السختياني عند أبي عوانة (٥/ ٥١٣)، وليث بن =","vol":"1","page":240},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أبي سليم عند عبد الرزاق (١١/ ١٥٤)، والأجلح، عند أبي يعلى (١٨١٩)، ومطر بن طهمان الوراق عند الطبراني (الكبير) (٨٣٢٥)، كلهم رووه عن أبي الزبير به بلفظة: (واجتنبوا السواد).\nوخالفهم: زهير بن معاوية عند الطيالسي (١٧٥٣)، وعزرة بن ثابت عند النسائي «الصغري) (٥٢٤٢)، فروياه عن أبي الزبير عن جابر ولم يقولا: (وجنبوه السواد)، وهذه الرواية أرجح، وذلك أن أبا الزبير الذي عليه مدار الحديث أنكر زيادة (وجنبوه السواد) فعند الطيالسي قال: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَحَدَّثَكَ جَابِرٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لأَبِي قُحَافَةَ: «غَيِّرُوا، وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» فَقَالَ: لَا. وهذه الرواية مختصرة والأمر بالتغيير ثابت إنما المراد أن النبي ﷺ لم يقل: «وجنبوه السواد».\nودل على ذلك ما رواه أحمد (٣/ ٣٣٨) قال: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَا: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَبِي قُحَافَةَ، أَوْ جَاءَ عَامَ الْفَتْحِ، وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ مِثْلُ الثَّغَامِ، أَوْ مِثْلُ الثَّغَامَةِ. قَالَ حَسَنٌ: فَأَمَرَ بِهِ إِلَى نِسَائِهِ، قَالَ: «غَيِّرُوا هَذَا الشَّيْبَ». قَالَ حَسَنٌ: قَالَ زُهَيْرٌ: قُلْتُ لأَبِي الزُّبَيْرِ: أَقَالَ: «جَنِّبُوهُ السَّوَادَ؟» قَالَ: لَا. فإما أن يكون الخطأ من أبي الزبير في زيادة «وجنبوه السواد» أو من الرواة الذين رووه بالزيادة.\nوله شاهد من حديث أنس بن مالك. أخرجه أحمد (٣/ ١٦٠) عن محمد بن سلمة عن هشام عن محمد بن سيرين عن أنس وفيه قصة لأبي قحافة، وفي متنه «وجنبوه السواد» وهذا شاذة لأن محمد بن سلمة خالفه جماعة بدون هذه الزيادة منهم. عبد الله بن إدريس عند مسلم (٢٣٤١) وروح عند أحمد (٣/ ٢٠٦) ووهب بن جرير عند الطحاوي (شرح مشكل الآثار) (٣٦٩١) ثلاثتهم عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: سئل أنس بن مالك: هل خضب رسول الله ﷺ؟ قال: إنه لم يكن رأى من الشيب. قال ابن إدريس كأنه يقلله، وقد خضب أبو بكر وعمر بالحناء والكتم، وليس فيه «وجنبوه السواد» فدل ذلك على أن هذه الزيادة شاذة.\n(قلت): ومما يؤيد ذلك رواية جماعة غير هشام عن محمد بن سيرين بدون زيادة «وجنبوه السواد» منهم. أيوب عند البخاري (٥٨٩٤)، وعاصم الأحول عند مسلم (٢٣٤١) ويزيد بن هارون عند الطيالسي (٢١٠٠) ثلاثتهم عن ابن سيرين عن أنس بدون زيادة «وجنبوه السواد». ويرويه جماعة عن أنس بدون زيادة «وجنبوه السواد» منهم قتادة عند البخاري (٣٥٥٠)، ومسلم (٢٣٤١). وحميد الطويل عند أحمد (٣/ ١٧٨) ومعاوية بن قرة عند مسلم (٢٤٣١) وغيرهم كلهم رووه عن أنس بدون زيادة «وجنبوه السواد».\nوله شاهد من حديث أسماء. ومدار الحديث علي مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عن أسماء فرواه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ عن ابن إسحاق به بزيادة «وجنبوه السواد» أخرجه الطحاوي «شرح مشكل الآثار» (٩/ ٣٠٢).\nوخالف عبد الرحمن المحاربى إبراهيم بن سعد عند أحمد (٦/ ٣٤٩، ٣٥٠) وجرير بن حازم عند الطبراني (الكبير) (٢٤/ ٨٩) فروياه عن ابن إسحاق بدون زيادة «وجنبوه السواد» فعلم أن هذه الزيادة ضعيفة وشاذة وله شاهد عن أبي هريرة ولا يصح. والله أعلم.","vol":"1","page":241},{"text":"وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ فِى آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ، لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» (^١).\nالقول الثاني: يُكره الخضاب بالسواد في غير الحرب، وبه قال الحنفية، والمالكية، وقول عند الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (^٢). هؤلاء جمعوا بين أحاديث المنع من الخضاب وبين\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٢٧٣)، وأبو داود (٢/ ٤٢) وغيرهما من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به مرفوعا، وفي هذا الحديث إشكالان:\nالأول: ما ذكره الحافظ ابن حجر أن الحديث اختلف في رفعه ووقفه، ولم أقف على الطريق الموقوف، فقال في الفتح (٦/ ٤٩٩) ولأبي داود وصححه ابن حبان حديث ابن عباس مرفوعًا «يَكُونُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَخْضِبُونَ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِلَا يَجِدُونَ رِيحَ الْجَنَّةِ» وإسناده قوي إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه وعلى تقدير ترجيح وقفه فمثله لا يقال بالرأي فحكمه الرفع.\nالإشكال الثاني: أن من هو عبد الكريم هل هو الجزري أو ابن أبي المخارق فعند أبي داود (٢/ ٤٢) والبيهقي (شعب الإيمان) (٥/ ٢١٥) رقم (٦٤١٤) عبد الكريم الجزري، وعند ابن الجوزي (الموضوعات) (١٤٥٥) قال: هذا الحديث لا يصح عن رسول الله والمتهم به عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية البصري، وقد تَعقب الحافظ هذا القول في (القول المسدد) (ص ٤٨) فقال: أخطأ ابن الجوزي فإن عبد الكريم الذي هو في الإسناد هو ابن مالك الجزري الثقة المخرج له في الصحيح.\nقلت: ويدل على أن هذا الراوي هو عبد الكريم الجزري أن عبيد الله بن عمرو الرقي قال: كان صدوقًا ولكنه كان ينفرد بالأشياء المناكير، فلا يعجبني الاحتجاج بما انفرد.\nفالحاصل في سنده عبد الكريم إن كان الجزري فثقة، وإن كان بن أبي المخارق فهو كذاب.\n(^٢) حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٢٢) والموطأ (٢/ ٩٤٩) والمجموع (١/ ٣٢٥) والمغني (١/ ٦٧).","vol":"1","page":242},{"text":"فعل الصحابة على أن النهي للكراهة فروى عبد الرزاق عن الزهري قال: «إن الحسين بن علي يخضب بالسواد (^١). قال وكان الحسن بن علي يخضب بالسواد (^٢).\nروى ابن أبي شيبة عن أبي عُشَانَةَ الْمَعَافِرِيُّ، قَالَ: رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يُخَضِّبُ بِالسَّوَادِ وَيَقُولُ: نُسَوِّدُ أَعْلَاهَا وَتَأْبَى أُصُولُهَا (^٣).\nالقول الثالث: أن الخضاب بالسواد جائز بلا كراهة، وهو قول عند الحنفية (^٤)، وصح عن عدد من الصحابة والتابعين.\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين عن أَبَى هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ» (^٥).\nفإذا كان اليهود لا يصبغون وأمر النبي ﷺ بمخالفتهم أمر بالصبغ بالسواد.\nوروى أحمد: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أن رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «غَيِّرُوا الشَّيْبَ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى» (^٦). فالرسول ﷺ أمر بتغيير الشيب بالسواد وغيره.\nالقول الرابع: أن الخضاب يجوز للمرأة، ولا يجوز للرجل (^٧). واستدلوا بأن المرأة إذا كان لها أن تلبس الذهب دون الرجل لأن حاجتها إلى الزينة أشد فكذا الخضاب يجوز للمرأة دون الرجل.\nالحاصل هو ما ذهب إليه جمهور العلماء من كراهة الخضاب بالسواد، والله أعلم.\n_________\n(^١) رجاله ثقات: أخرجه عبد الرزاق (المصنف) (٢٠١٨٤).\n(^٢) رجاله ثقات: أخرجه عبد الرزاق (المصنف) (٢٠١٩٠).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف) (٥/ ١٨٤).\n(^٤) حاشية ابن عابدين (٦/ ٧٥٦).\n(^٥) البخاري (٣٤٦٢)، ومسلم (٢١٠٣).\n(^٦) إسناده حسن: رواه أحمد (٢/ ٤٩٩) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة.\n(^٧) كتاب الوقف والترجل (١٣٩)، وهو قول إسحاق.","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-234>الفصل الخامس حلق شعر الرأس وغسل البراجم</span>\nوفيه ثلاثة مباحث\n\n<span data-type='title' id=toc-235>المبحث الأول: حكم حلق شعر الرأس:</span>\nاختلف العلماء فى حكم حلق شعر الرأس على أربعة أقوال:\nالقول الأول: أن ترك الشعر أفضل إلا مَنْ شق عليه تعهده فالحلق أفضل، وهو قول الشافعية (^١).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين: عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴿قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعًا، بَعِيدَ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، لَهُ شَعَرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ (^٢).\nوفي الصحيحين: قوله ﷺ عن عيسى: «تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ» (^٣).\nفهذا رسول الله ﷺ كثير الشعر ولقد كان لكم في رسول الله ﷺ أسوة حسنة. وهذا عيسى من أولي العزم من الرسل الذين وصفهم الله في كتابه ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠].\nالقول الثاني: يكره حلق شعر الرأس لغير نسك، وهو قول المالكية، ورواية عن أحمد (^٤).\nقال النووي: لَمْ يَصِحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَقَهُ إلَّا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَة (^٥).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٤٧).\n(^٢) البخاري (٣٣٥٨)، ومسلم (٢٣٣٧).\n(^٣) البخاري (٣٢٥٦)، ومسلم (١٦٩).\n(^٤) حاشية العدوي ٢/ ٤٤٤)، والفروع (١/ ١٣٢).\n(^٥) المجموع (١/ ٢٤٧).","vol":"1","page":244},{"text":"القول الثالث: أن حلق الشعر سنة، وهو مذهب الحنفية (^١).\nالقول الرابع: يباح حلق الشعر، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بما روى أبو داود: عَنْ عبدِ الله بن جَعْفَرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَالَ: «لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدِ الْيَوْمِ». ثُمَّ قَالَ: «ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي». فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ فَقَالَ: «ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ» فَأَمَرَهُ فَحَلَقَ رؤوسنا (^٣).\nوالراجح: أن ترك الشعر أفضل من حلقه مع تعهده وتنظيفه، دل على ذلك ما رُوى عن البراء أنه قال: كان النبي ﷺ لَهُ شَعَرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ.\nوعَنْ هِشَامٍ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَجَابِرًا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُمَّةٌ (^٤).\nوسئل أحمد عن تطويل الشعر فقال: تدبرت مرة، فإذا هو عن بضعة عشر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ (^٥).\nقلت: أما في الحج فتحلق الرأس لعموم قوله تعالي: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-236>المبحث الثاني: ما المراد بالقزع المنهي عنه؟</span>\nقال القرطبي: لا خلاف أنه إذا حلق من الرأس مواضع، وأبقيت مواضع أنه القزع المنهي عنه (^٦).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٠٧).\n(^٢) الإنصاف (١/ ١٢٢)، وكشاف القناع (١/ ٧٩).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٤١٩٢)، والنسائي (٥٢٢٧).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٨٧).\n(^٥) كتاب الوقوف والترجل من الجامع لمسائل أحمد للخلال (١١٧، ١١٨).\n(^٦) قال في المفهم (٥/ ٤٤١)، اختلف في المعنى الذي لأجله كُره، فقيل: لأنه من زي أهل الدعارة والفساد، وقيل: لأنه تشبه وكأن هذه العلة أشبه.","vol":"1","page":245},{"text":"وروى مسلم: عَنِ عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْقَزَعِ. قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ وَمَا الْقَزَعُ قَالَ: يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ وَيُتْرَكُ بَعْضٌ (^١).\nقال المازري: إذا كان القزع في مواضع كثيرة فمنهي عنه بلا خلاف، وإن لم يكن كذلك كالناصية وشبهها فاختلف في جوازه.\nقال النووي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الْقَزَعِ إِذَا كَانَ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِمُدَاوَاةٍ وَنَحْوِهَا، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-237>المبحث الثالث: غسل البراجم:</span>\nالبراجم: المفاصل والعُقد التي تكون في ظهور الأصابع، ويجتمع فيها الوسخ (^٣).\nوغسل البراجم: تنظيف المواضع التي يجتمع فيها الوسخ، والمراد الاعتناء بها في الاغتسال (^٤). روى مسلم: عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ …» (^٥)، وذكر منها «وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ».\nقال النووي: وَأَمَّا غَسْلُ الْبَرَاجِمِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) مسلم (٢١٢٠).\n(^٢) شرح النووي (١٤/ ١٠٠).\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٥٠)، وحاشية ابن عابدين (٥/ ٢٥٨).\n(^٤) حاشية السندي على النسائي (٨/ ١٢٧).\n(^٥) مسلم (٢٦١) والحديث فيه ضعف وقد سبق بيانه.\n(^٦) المجموع (١/ ٣٤١).","vol":"1","page":246},{"text":"الفصل السادس\nالسواك\nوفيه عشرة مباحث\nالمبحث الأول: تعريف السواك.\nالمبحث الثاني: حكم السواك.\nالمبحث الثالث: أفضل السواك.\nالمبحث الرابع: هل يجوز التسوك بالأصبع والخرقة؟\nالمبحث الخامس: هل يحصل بالمعجون إصابة السنة؟\nالمبحث السادس: حكم السواك للصائم.\nالمبحث السابع: حكم التسوك في المسجد.\nالمبحث الثامن: ذكر المواضع التي يتأكد فيها السواك.\nالمبحث التاسع: هل يبدأ المتسوك بجانب فمه الأيمن أو الأيسر؟\nالمبحث العاشر: هل يستاك بيده اليسرى؟","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-238>الفصل السادس السواك</span>\n<span data-type='title' id=toc-239>المبحث الأول: تعريف السواك:</span>\nفي اللسان: السواك: ما يدلك به الفم من العيدان.\nقال النووي: السواك هو استعمال عود أو نحوه في الأسنان لإذهاب التغير (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-240>المبحث الثاني: حكم السواك:</span>\nقال النووي: فَالسِّوَاكُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا مَا حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ أَوْجَبَهُ (^٢).\nوقال الشوكانى: لو صح إيجابه عن داود لم يضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون (^٣).\nقال ابن عبد البر: فضل السواك مجمع عليه، لا اختلاف فيه (^٤).\nوفي الصحيحين: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي- أَوْ عَلَى النَّاسِ- لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» (^٥).\nقالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ شَقَّ أَوْ لَمْ يَشُقَّ (^٦).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٢٦).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٢٧).\n(^٣) نيل الأوطار (١/ ١٣٤).\n(^٤) التمهيد (٣/ ١٧٢).\n(^٥) البخاري (٨٨٧)، ومسلم (٤٢).\n(^٦) المجموع (١/ ٢٧١).","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-241>المبحث الثالث: أفضل السواك:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن أفضل السواك الأراك (^١).\nواستدلوا لذلك بما روى أحمد عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنَ الْأَرَاكِ، وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟» قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ. فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُد» (^٢).\nثم يأتي في الأفضلية جريد النخل؛ وذلك لأن النبي ﷺ استن به في آخر حياته (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-242>المبحث الرابع: هل يجوز التسوك بالأصبع، والخرقة؟</span>\nعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «يُجْزِئُ مِنَ السِّوَاكِ الأَصَابِعُ» (^٤).\nعن عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «الْأَصَابِعُ تَجْرِي\n_________\n(^١) وجاء في الفتاوى الهندية (١/ ٧): وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ السِّوَاكُ مِنْ أَشْجَارٍ مُرَّةٍ؛ لِأَنَّهُ يُطَيِّبُ نَكْهَةَ الْفَمِ وَيَشُدُّ الْأَسْنَانَ وَيُقَوِّي الْمَعِدَةَ. وقال البهوتي: السواك من أراك أو عرجون أو زيتون. المحرر (١/ ١٠)، وفي مواهب الجليل (١/ ٢٦٥): وَيَتَجَنَّبُ مِنْ السِّوَاكِ مَا فِيهِ أَذًى لِلْفَمِ كَالْقَصَبِ فَإِنَّهُ يَجْرَحُ اللِّثَةَ وَيُفْسِدُهَا وَكَالرَّيْحَانِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَقُولُ الْأَطِبَّاءُ فِيهِ فَسَادٌ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ.\n(^٢) أخرجه أحمد، والطيالسي (٣٥٥) عن عاصم بن أبي النجود عن زر عن ابن مسعود به.\n(^٣) روى البخاري (٤٢٩٦) عَنْ عَائِشَةَ، ﵄، قَالَتْ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَكَانَتْ إِحْدَانَا تُعَوِّذُهُ بِدُعَاءٍ إِذَا مَرِضَ، فَذَهَبْتُ أُعَوِّذُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: «فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى»، وَمَرَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَفِي يَدِهِ جَرِيدَةٌ رَطْبَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ بِهَا حَاجَةً، فَأَخَذْتُهَا، فَمَضَغْتُ رَأْسَهَا وَنَفَضْتُهَا، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ، فَاسْتَنَّ بِهَا كَأَحْسَنِ مَا كَانَ مُسْتَنًّا ثُمَّ نَاوَلَنِيهَا، فَسَقَطَتْ يَدُهُ، أَوْ سَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ، فَجَمَعَ اللهُ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ. وجه الدلالة: في يده جريدة رطبة فاستن بها.\n(^٤) ضعيف جدًّا: أخرجه ابن عدي (الكامل) (٥/ ٣٣٤)، وفي إسناده: عبد الحكم: منكر.","vol":"1","page":249},{"text":"مَجْرَى السِّوَاكِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ سِوَاكٌ» (^١).\nواعترض عليه بأن هذه الأحاديث إن كانت لا تصح عن رسول الله ﷺ فالمراد من السواك أنه يطهر الفم وينظفه، فإذا نظف الفم الأصبع والخرقة وغير ذلك فإنه يستحب فالله يحب المتطهرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-243>المبحث الخامس: هل يحصل بالمعجون إصابة السنة؟</span>\nلا شك أن السواك أفضل من معجون الأسنان بكل حال.\nأولًا: مرضاة الرب.\nثانيًا: خفيف الحمل.\nثالثًا: يُفعل في كل وقت، وفي كل مكان.\nرابعًا: المعجون يحتاج إلى الماء كما يحتاج إلى فرشاة خاصة، بخلاف السواك.\nخامسًا: بعض الناس يكون عنده حساسية من المعجون أو من الفرشاة.\nكل هذا وغيره يجعل السواك أفضل من المعجون ولكن هل يصيب السنة لو فعل ذلك بالمعجون؟\nالجواب: إذا كان السواك مطهرة للفم مرضاة للرب فالمعجون يصيب السنة من حيث إنه مطهرة للفم (^٢).\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا: أخرجه الطبراني (الأوسط) (٦٤٣٧)، وفي إسناده: كثير بن عمرو: متروك.\n(^٢) موسوعة الطهارة (٤/ ٦١٥) ومن الناحية الطبية يقولون: «إن المسواك يفوق جميع الوسائل والطرق المستعملة لتنظيف الأسنان، فالمسواك منظف آلي يقوم مقام الفرشاة لاحتوائه على ألياف سيليولوزية طبيعية خير من ألياف الفرشاة، أو المسحوق المنظف، بل أفضل منه؛ لما يحتويه من مواد مطهرة مثل: العصف، والسنجرين، وبيكربونات الصوديوم.","vol":"1","page":250},{"text":"<span data-type='title' id=toc-244>المبحث السادس: حكم السواك للصائم:</span>\nيباح السواك للصائم في أول النهار وآخره، وهو قول عمر، وابن عمر، وابن الزبير، ورُوي عن أبي هريرة وعائشة، وابن عباس، وبه قال أبو حنيفة، ومالك.\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ»، ولم يستثن مفطرًا دون صائم ففيه دلالة علي أن السواك للصائم عند كل صلاة فضيلة فهو كالمفطر.\nأما حديث: «إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ» فلا يصح عن رسول الله ﷺ. أما حديث «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» فليس فيه نهي عن السواك (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-245>المبحث السابع: حكم التسوك في المسجد:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى إباحة الاستياك في المسجد (^٢).\nواستدلوا بما رواه البخاري عن النبى ﷺ أنه قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» (^٣).\nقال ابن تيمية: السِّوَاكُ فِي الْمَسْجِدِ، فَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ كَرِهَهُ، بَلْ الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَسْتَاكُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبْصُقَ الرَّجُلُ فِي ثِيَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَمْتَخِطَ فِي ثِيَابِهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَبِسُنَّةِ رَسُولِ الله الثَّابِتَةِ عَنْهُ، بَلْ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ فِي الْمَسْجِدِ بِلَا كَرَاهَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا جَازَ الْوُضُوءُ فِيهِ، مَعَ أَنَّ الْوُضُوءَ يَكُونُ فِيهِ السِّوَاكُ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَالصَّلَاةُ يَسْتَاكُ عِنْدَهَا، فَكَيْفَ يُكْرَهُ السِّوَاكُ؟ (^٤).\n_________\n(^١) انظر كتاب «الجامع العام في فقه الصيام» (٢٣٩، ٢٤١) وقد توسعت في هذا البحث.\n(^٢) تحفة المحتاج (١/ ٢١٩)، وكشاف القناع (١/ ٣٧٤)، ومطالب أولي النهي (٢/ ٢٦٣).\n(^٣) البخاري (٨٨٧).\n(^٤) الفتاوى الكبرى (١/ ٢٧٢، ٣٠٢).","vol":"1","page":251},{"text":"ذهب بعض الحنفية والمالكية إلي كراهة الاستياك في المسجد (^١).\nواستدلوا بما روى مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ ﷿» (^٢) والمستاك قد يخرج من أسنانه بقايا الطعام والقذر، والمساجد يجب صيانتها عن هذا القذر.\nقال القرطبي: حجةٌ لمالكٍ في منعِ إدخال الميِّت المسجدَ، وتنزيهِهَا عن الأقذار جملةً، فلا يُقَصُّ فيها شعر، ولا ظُفُر، ولا يتسوَّكُ فيها؛ لأنه مِنْ بابِ إزالةِ القَذَر (^٣).\nواعترض عليه بما قاله العراقي: وَلَوْ سَلِمَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْقَاذُورَاتِ فَهُوَ لَا يُلْقِيهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا يُزِيلُهُ فِي السِّوَاكِ، فَإِذَا كَانَ السِّوَاكُ مَحْفُوظًا مَعَهُ فَلَا بَأْسَ، وَقَدْ نُدِبَ إلَى السِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَيُؤْمَرُ حَاضِرُ الْمَسْجِدِ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يَسْتَاكَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ؟ هَذَا مِمَّا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-246>المبحث الثامن: ذِكر المواضع التي يتأكد فيها السواك:</span>\nلا شك أن السواك مسنون في كل وقت لقول النبي ﷺ: «السِّوَاكُ مُطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (^٥).\nقال الشوكاني: أُطْلِقَ فِيهِ السِّوَاكُ وَلَمْ يَخُصَّهُ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَلَا بِحَالَة «مَخْصُوصَة» فَأَشْعَرَ بِمُطْلَقِ شَرْعِيَّتِهِ، وَهُوَ مِنْ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ (^٦).\n_________\n(^١) الفواكه الدواني (١/ ٢٦٥)، والتاج والإكليل (١/ ٦١٨).\n(^٢) مسلم (٥٨٧).\n(^٣) المفهم (١/ ٥٤٤).\n(^٤) طرح التثريب (٢/ ١٤١).\n(^٥) أخرجه البخاري معلقا برقم (٤٩١٦).\n(^٦) نيل الأوطار (١/ ١٣٣، ١٣٤).","vol":"1","page":252},{"text":"وإن كان السواك مستحبًّا في كل وقت، لكن في بعض الأوقات أشد استحبابًا:\n• عند الصلاة: في الصحيحين: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» (^١).\n• عند الوضوء: يسن الاستياك عند الوضو، فقد. روى أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ».\nاختلف العلماء في محل السواك من الوضوء. فقيل: قبل الوضوء.\nواستدلوا بما روى ابن أبي شيبة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ» (^٢). أي قبل كل وضوء.\nوقيل: عند المضمضة وردت عند أحمد: «مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» قالوا: المعية تقتضي المصاحبة لأن من تسوك بعد غسل الكفين وقبل المضمضة يصدق عليه أنه تسوك مع الوضوء. وقالوا: لأن التسوك والمضمضة كلاهما متعلق بالفم دون سائر أعضاء الوضوء.\n• عند الانتباه من النوم: فعَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ (^٣).\nقال ابن دقيق العيد: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ عند الْقِيَامُ مِنِ النَّوْمِ وَعِلَّتُهُ: أَنَّ النَّوْمَ مُقْتَضٍ لِتُغَيِّرْ الْفَمِ، وَالسِّوَاكُ هُوَ آلَةُ التَّنْظِيفِ لِلْفَمِ، فَيُسَنُّ عِنْدَ مُقْتَضَى التَّغَيُّر (^٤).\n• عند تغير الفم: قال العراقي: تَغَيُّرُ الْفَمِ سَوَاءٌ فِيهِ تَغَيُّرُ الرَّائِحَةِ أَوْ تَغَيُّرُ اللَّوْنِ كَصُفْرَةِ الْأَسْنَانِ (^٥).\n_________\n(^١) البخاري (٨٨٧)، ومسلم (٢٥٢).\n(^٢) المصنف (١/ ١٥٥).\n(^٣) البخاري (٨٨٩)، ومسلم (٤٧، ٢٥٥).\n(^٤) إحكام الأحكام (١/ ١٠٩).\n(^٥) طرح التثريب (١/ ٦٦).","vol":"1","page":253},{"text":"وعن عائشة عن النبي ﷺ قال: «السِّوَاكُ مُطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ (^١).\nفالسواك سبب لطهارة الفم وسبب لمرضاة الرب، وتطهير الفم إنما شرع لمناجاة الله ﷿ ولذا شُرع عند الصلاة، ولتلاوة كتاب الله.\n• عند دخول البيت: فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ (^٢).\nقال القرطبي: الحكمة في ذلك أنه ربما تغير رائحة الفم عند محادثة الناس، فإذا دخل البيت كان من حسن معاشرة الأهل إزالة ذلك (^٣).\n• عند قراءة القرآن: روى البيهقى بسند صحيح، عَنْ عَلِىٍّ ﵁ قَالَ: أُمِرْنَا بِالسِّوَاكِ وَقَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَامَ يُصَليِّ أَتَاهُ الْمَلَكُ فَقَامَ خَلْفَهُ يَسْتَمِعُ الْقُرْآنَ وَيَدْنُو، فَلَا يَزَالُ يَسْتَمِعُ وَيَدْنُو حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ، فَلَا يَقْرَأُ آيَةً إِلاَّ كَانَتْ فِى جَوْفِ الْمَلَكِ» (^٤).\n• عند الجمعة: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ» (^٥).\nواستنبط الحنفية بأن السواك كما يستحب يوم الجمعة لاجتماع الناس، فكذا في العيدين وفي مجامع الناس مطلقًا (^٦).\n• عند الاحتضار: عَنْ عَائِشَةَ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَصَرَهُ، فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ فَقَضَمْتُهُ وَنَفَضْتُهُ وَطَيَّبْتُهُ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري معلقا (٤٩١٦).\n(^٢) مسلم (١/ ١٥١).\n(^٣) شرح السيوطي علي سنن النسائي (١/ ١٣).\n(^٤) رجاله ثقات: أخرجه عبد الرزاق (٤١٨١) والبيهقى (السنن الكبرى) (١/ ٣٨)، وهناك خلاف في سماع أبي عبد الرحمن السلمي من علي، فأثبته شعبة والبخاري، ونفاه أبو حاتم الرازي كما في المراسيل (١٠٧).\n(^٥) مسلم (٨٤٦).\n(^٦) حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٨).","vol":"1","page":254},{"text":"اسْتَنَّ اسْتِنَانًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَفَعَ يَدَهُ أَوْ إِصْبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: «فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى». ثَلَاثًا، ثُمَّ قَضَى. وَكَانَتْ تَقُولُ: مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي (^١).\nفالرسول ﷺ استاك عند سكرات الموت، وَطَّيب رسول الله ﷺ فمه عند اقتراب الملائكة منه فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، وإذا كان يستحب السواك عند الصلاة للقاء الله ولئلا تتأذى الملائكة فكذا يستحب السواك عند لقاء الله في الآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-247>المبحث التاسع: هل يبدأ المتسوك بجانب فمه الأيمن أو الأيسر؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن المتسوك يبدأ بجانب فمه الأيمن (^٢).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ (^٣).\nفإذا كان يستحب التيمن في الطهور واستعمال السواك من الطهارة، وإذا كان يبدأ باليمن في الوضوء، فكذا يبدأ بالجانب الأيمن في الفم في السواك.\n\n<span data-type='title' id=toc-248>المبحث العاشر: هل يستاك بيده اليمنى أم اليسرى؟</span>\nاختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: ذهب الحنفية، والمالكية، وبعض الشافعية وبعض الحنابلة إلى أن التسوك يكون باليد اليمنى (^٤).\nاستدلوا لذلك بما روى أحمد: عَنْ عَائِشَةَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْعَلُ يَدَهُ الْيُمْنَى\n_________\n(^١) البخاري (٤٤٣٨).\n(^٢) حاشية ابن عابدين (١/ ١١٣)، وحاشية الدسوقي (١/ ١٠٢)، والمجموع (١/ ٣٣٦)، والإنصاف (١/ ١٢٨).\n(^٣) البخاري (٦١٨)، ومسلم (٢٦٨).\n(^٤) البحر الرائق (١/ ٢١)، وحاشية ابن عابدين (١/ ١١٤)، ومواهب الجليل (١/ ٢٦٥)،\nوالخرشي (١/ ١٣٨، ١٣٩) مغني المحتاج (١/ ١٨٣)، والإنصاف (١/ ١٢٨).","vol":"1","page":255},{"text":"لِطَهُورِهِ، وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى (^١).\nإسناده ضعيف ولكن في الطهارة، والوضوء، والغسل يبدأ بالأيمن، والسواك تطهير للفم فيبدأ بالأيمن كالوضوء، والغسل، وكان النبي ﷺ يعجبه التيمن في طهوره.\nالقول الثاني: أن التسوك باليد اليسرى أفضل، وهو قول بعض الحنفية والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nقال ابن تيمية: الِاسْتِيَاكَ مِنْ بَابِ إمَاطَةِ الْأَذَى فَهُوَ كَالِاسْتِنْثَارِ وَالِامْتِخَاطِ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ إزَالَةُ الْأَذَى وَذَلِكَ بِالْيُسْرَى كَمَا أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَاتِ كَالِاسْتِجْمَارِ وَنَحْوِهِ بِالْيُسْرَى وَإِزَالَةُ الْأَذَى وَاجِبُهَا وَمُسْتَحَبُّهَا بِالْيُسْرَى (^٣).\nواعترض عليه: بأن الاستنجاء يكون فيه مباشرة باليد، بينما الاستياك يكون بمباشرة السواك.\nوالراجح: ما ذهب إليه الجمهور من استعمال السواك باليد اليمنى لأن النبي ﷺ كان يعجبه التيمن في طهوره، والاستياك نوع من الطهور فيكون باليمين.\n_________\n(^١) ضعيف: مدار الحديث على سعيد بن أبي عروبة: واختلف عليه: فرواه عبد الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَر، عَنِ النَّخَعِيِ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ به. أخرجه أحمد (٦/ ٢٦٥)، وأبو داود (٣٤)\nورواه مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عند أحمد (٦/ ٢٦٥)، وعبدة بن سليمان عند إسحاق بن راهويه (١٦٣٩)، وعيسى بن يونس عند أبي داود (٣٣) ثلاثتهم عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَر، عَنِ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ به، بإسقاط الأسود، فذكرالأسود في السند شاذ لأن رواية هؤلاء الثقات الأثبات بدونه، وهم أرجح من عبد الوهاب.\nومما يؤيد ذلك ما رواه أحمد (٦/ ١٧٠) قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْرِغُ يَمِينَهُ لِمَطْعَمِهِ وَلِحَاجَتِهِ، وَيُفْرِغُ شِمَالَهُ لِلاِسْتِنْجَاءِ وَلِمَا هُنَاكَ، وعلته أن النَّخَعِي لم يسمع مَنْ عَائِشَةَ.\n(^٢) كشاف القناع (١/ ٧٣).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٨).","vol":"1","page":256},{"text":"نتائج بحث سنن الفطرة\nالفائدة الأولى:\nأصل الفطر: الشق، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ١﴾ [الإنفطار] أي: انشقت.\nوتطلق على الخلقة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] أي: خلقني. وتطلق على الإسلام، ومنه قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ أي: الإسلام، وقول النبي ﷺ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ».\nالفائدة الثانية: خصال الفطرة: منها ما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ».\nالفائدة الثالثة: السنة الأولى من سنن الفطرة: الختان، وفيه:\n١ - أصل الختن في اللغة: القطع، وفي الشرع: ختان الذكر قطع الجلدة التي تغطي الحشفة، وختان الأنثى: قَطْعُ جِلْدَةٍ تَكُونُ فِي أَعْلَى فَرْجِهَا فَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ كَالنَّوَاةِ أَوْ كَعُرْفِ الدِّيكِ، وَالْوَاجِبُ قَطْعُ الْجِلْدَةِ الْمُسْتَعْلِيَةِ مِنْهُ دُونَ اسْتِئْصَالِهِ (^١).\n٢ - أول من اختتن: أجمع العلماء على أن إبراهيم ﵇ أول من اختتن من الرجال، وذهب جمهور العلماء إلى أن سارة أول من اختتنت من النساء.\n٣ - وقت الختان: يجب على الوليِ أن يختن الصبي قبل البلوغ بحيث يبلغ مختونًا، وكلما عجل بختن ولده كان أفضل، وإذا بلغ وجب الختان في حقه.\n_________\n(^١) «فتح الباري» (١٠/ ٣٤٠).","vol":"1","page":257},{"text":"٤ - حكم ختان الذكر: الختان واجب في حق الرجال؛ دل على ذلك ما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالقَدُّومِ».\nفهذا يدل على وجوبه، والحشفة قد تحبس البول فينجس بها، والطهارة شرط لصحة الصلاة.\n٥ - حكم ختان النساء: قال ابن القيم: لَا خلاف فِي اسْتِحْبَابه للْأُنْثَى وَاخْتلف فِي وُجُوبه، وَعَنْ أَحْمد فِي ذَلِك رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: يجب على الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَالثَّانيِة: يخْتَص وُجُوبه بالذكور، وَحجَّة هَذِه الرِّوَايَة حَدِيث شَدَّاد بن أَوْس: الْخِتَان سنة للرِّجَال مكرمَة للنِّسَاء. والحديث ضعيف.\n٦ - صدر قرار وزاري بمنع ختان الإناث، ويصفون خفاض الإناث بأنه وحشية، وادعوا كذبًا وزورًا أنه ينجم عنه أضرار سيئة تلحق بالفتاة كالنزيف.\nوقد أجمع العلماء على استحباب ختان الإناث، روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ». دليل على أن أمة محمد فيها الختان.\n٧ - الميت لا يختن بعد موته؛ لأن المقصود من الختان الطهارة، وقد زالت هذه الحاجة بالموت، ولأن النبي ﷺ أخبر: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا» غرلًا: أي غير مختونين، فما الفائدة من قطع عضو سيبعث يوم القيامة به، وهو من تمام خلقه في النشأة الأخرى؟!\n٨ - من فوائد الختان: الوقاية من الالتهابات في القضيب الناتجة عن وجود القلفة، والوقاية من الالتهابات في المجاري البولية، والوقاية من سرطان القضيب، والوقاية من الأمراض الجنسية.\nالسنة الثانية من سنن الفطرة: الاستحداد.\n١ - الاستحداد في اللغة: حلق العانة بالحديدة.\nوفي الشرع: إزالة شعر العانة، وهو الذي حول الفرج، سواء إزالته بنتف أو حلق.","vol":"1","page":258},{"text":"٢ - حكم الاستحداد: ذهب جمهور العلماء إلى أن الاستحداد سنة؛ لعموم قول النبي ﷺ: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ». وقد تجب سنن الفطرة إذا خرجت عن العادة؛ لأن الإنسان لو ترك أظفاره وشاربه وعانته وغير ذلك لم تبق له صورة الآدميين، قال تعالى عن أصحاب الكهف الذين مكثوا أكثر من ثلاثة قرون: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨]. وعلى هذا فلكل من الزوجين أن يجبر الآخر على الاستحداد، وتقليم الأطفار، ونتف الإبط، وعموم التنظيف إذا خرج عن العادة، فالزوج لا بد أن ينتظف لزوجته؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، والزوجة لا بد أن تنتظف وتتجمل لزوجها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\n٣ - وقت الاستحداد: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يستحب حلق العانة كل جمعة، فإذا كان يستحب الاغتسال يوم الجمعة للتنظيف، فكذا الاستحداد.\n٤ - ونص على عدم ترك العانة ونتف الإبط أكثر من أربعين يومًا، روى مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، وَنَتْفِ الْإِبْطِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً».\n٥ - هل الحلق أفضل أم النتف؟ ذهب الحنفية والشافعية إلى أن السنة في الرجل حلق العانة؛ لعموم قوله ﷺ: «وَحَلْقِ الْعَانَةِ»، والسنة في المرأة النتف؛ لأن المرأة أشد حاجة إلى إزالة الشعر وتأخر نموه أكثر من الرجل، ولكن ورد في الصحيحين عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ﴿أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلْتَ لَيْلًا، فَلَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ حَتَّى تَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ».\n٦ - حلق شعر الدبر: لا مانع من حلق شعر الدبر، وإن قصد به التنظف وسهولة الاستنجاء، فهو حسن مندوب، والله أعلم.\n٧ - حلق عانة الميت محرم؛ لأن في ذلك كشفًا لعورته، وإذا أمكن إزالة شعر العانة بالنورة، ويباشر ذلك الزوجة فيجوز ذلك.","vol":"1","page":259},{"text":"٨ - يجوز استخدام النورة وهو الطلاء بالنورة ليزال بها الشعر.\nالسنة الثالثة والرابعة: تقليم الأظفار ونتف الإبط:\n١ - معنى تقليم الأظفار: أَخْذ ما طال منها، وفيه تحسين للهيئة، ومنع الوسخ الذي يكون في الظفر، والذي يمنع من كمال الطهارة.\n٢ - حكم تقليم الأظفار: قال النووي: أَمَّا تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ ونَتْفُ الْإِبْطِ فَمُجْمَعٌ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَسَوَاءٌ فِيهِ الرجل والمرأة وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ.\nأما إذا طالت الأظفار عن المعتاد، فقد يتعلق بها من الأوساخ ما يمنع من حصول الطهارة، فيجب تقليمها؛ لأن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، قال تعالى عن أهل الكهف لما طالت أظفارهم وغير ذلك: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨].\n٣ - وقت تقليم الأظفار ونتف الإبط، ذهب جمهور العلماء إلى أنه يستحب تقليم الأظفار كل جمعة، واستدلوا بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ ويَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إِلَى الصَّلَاة. والحديث ضعيف، وصح عن ابن عمر أنه كان يقلم أظفاره، ويقص شاربه في كل جمعة.\nوذهب بعض الحنابلة إلى أنه يستحب تقليم الأظفار يوم الخميس. واستدلوا بحديث أبي هريرة: من أَرَادَ أَنْ يَأْمَن الْفقر وشكاية الْعَمى والبرص وَالْجُنُون، فليقلم أَظْفَاره يَوْم الْخَمِيس بعد الْعَصْر. واعترض عليه: بأنه لا أصل له.\nوهناك قول ثالث: إن التوقيت في تقليم الأظفار معتبر بطولها فإذا طالت قلمها.\nقال القرطبي: المستحب تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة وإلا فلا تحديد فيه للعلماء، إلا أنه إذا كثر ذلك أزيل. قلت: ولا تترك أكثر من أربعين يومًا.\n٤ - إزالة الوسخ تحت الظفر إذا خرج عن العادة، أما إذا كان ما تحت الظفر يسيرًا عفي عنه؛ لأن هذا الأمر مما عمت به البلوى، ولو كان غسله واجبًا لبينه النبي ﷺ.","vol":"1","page":260},{"text":"٥ - دفن الظفر والشعر: ففي الحديث عن النبي أنه كَانَ يَأْمُرُ بِدَفْنِ الشَّعرِ وَالأَظَفَارِ، ولم يصح في الباب حديث؛ ولذا لا يستحب دفن الظفر ولا الشعر.\n٦ - من توضأ أو نتف إبطه ثم قلمه، هل يعيد الوضوء؟ لا يعيد لأن تقليم الأظفار ليس بحدث حتى ينتقض وضوءه.\n٧ - توفير الأظفار في الحرب، ففي الحديث: «وَفِّرُوا أَظْفَارَكُمْ فِي أَرْضِ العَدُو؛ فِإِنَّهُ سِلَاح»، ولم يصح في هذا الباب حديث، واستدلوا بأن المجاهد إذا سقط السلاح من يده فربما يتمكن من دفع العدو بأظافيره. قلت: وهذا في الحروب القديمة، أما الآن فالحروب بالأسلحة والقنابل فلا يستحب توفير الأظفار.\n٨ - من السنة نتف الإبط، وليس الحلق، ففي الحديث: «وَنَتْفُ الآبَاطِ».\nالسنة الخامسة: قص الشارب:\n١ - قص الشارب مستحب بالإجماع، وفي الحديث: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ».\n٢ - هل يقص الشارب أو يحلق؟ أكثر الأحاديث على قص الشارب؛ لحديث: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ …» وذكر منها «قَصُّ الشَّارِبِ»، وفي الحديث: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ»، وفي الحديث: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا»، فكل هذه الأحاديث تدل على قص الشارب، وفي الباب أحاديث أُخر، وهي: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ»، و«وَحُفُّوا الشَّوَارِبَ»، و«انْهَكُوا الشَّوَارِبَ»، وكل هذه الألفاظ في الصحاح، وتدل على المبالغة في الإزالة، والجمع بين هذه الأحاديث أن أحاديث القص أكثر وأصح وأصرح، فالأفضل القص، والحلق جائز، والله أعلم.\nالسنة السادسة: إعفاء اللحية:\n١ - تعريف اللحية: هي الشعر النابت على الذقن والخدين.\n٢ - حكم اللحية: اتفقوا على أن حلق جميع اللحية مثلة ولا يجوز، وفي الحديث: «خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَوَفِّرُوا اللِّحَى»، وقول الرسول ﷺ: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى»، قال ابن","vol":"1","page":261},{"text":"عابدين: الأخذ من اللحية دون القبضة كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال لم يبحه أحد.\n٣ - حكم الأخذ من اللحية: في الحديث: «وَاعْفُوا اللِّحَى»، «وَأَرْخُوا اللِّحَى»، قال النووي: المختار ترك اللحية على حالها، وأن لا يتعرض لها بتقصير شيء أصلًا. وذهب جمهور العلماء إلى أخذ ما زاد على القبضة، واستدلوا بما ورد في البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَوَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ»، وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه.\n٤ - حكم نتف الشيب: ذهب جمهور العلماء إلى كراهة نتف الشيب؛ لما روى أحمد بسند حسن عن النبي ﷺ: «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ؛ فَإِنَّهُ مَا مِنْ عَبْدٍ يَشِيبُ فِي الإِسْلَامِ شَيْبَةً، إِلاَّ كَتَبَ الله لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً».\n٥ - تغيير الشيب بغير السواد: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يسن تغيير الشيب بغير السواد من حمرة أو صفرة، لعموم قول النبى ﷺ: «إِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ».\n٦ - تغيير الشيب بالسواد: ذهب جمهور العلماء إلى كراهة تغيير الشيب بالسواد.\nواستدلوا بما روى مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ». واعترض عليه: بأن لفظة: «وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» فيها ضعف.\nالسنة السابعة والثامنة: حلق الشعر وغسل البراجم:\n١ - ترك شعر الرأس أفضل من حلقه مع تعهده وتنظيفه، وهذا فعل الأنبياء والمرسلين، وكذا سيد المرسلين وصحابته الغر الميامين، ويجوز حلقه.\n٢ - القزع: لا خلاف أنه إذا حلق من الرأس مواضع وأبقى مواضع أنه القزع المنهي عنه، روى مسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْقَزَعِ قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: وَمَا الْقَزَعُ؟ قَالَ: «يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ وَيُتْرَكُ بَعْضٌ». قلت: ويدخل فيه ما يفعله بعض الحلاقين من تطويل الشعر على الناصية وتقصيره من الجوانب.\n٣ - غسل البراجم: أي غسل المفاصل والعُقد التي تكون في ظهور الأصابع، ويجتمع","vol":"1","page":262},{"text":"فيها الوسخ، قال النووي: أما غسل البراجم فمتفق على استحبابه.\nالسنة التاسعة: السواك:\n١ - تعريفه: وهو: استِعمَالُ عُودٍ أَوْ نَحوه فِي الأَسْنَانِ لِإِذهَابِ التَّغَيُّرِ وَنَحْوَهُ.\n٢ - حكمه: السواك سنة بالإجماع، وفي الحديث: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، أَوْ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ».\n٣ - أفضل السواك الأراك، ثم يأتي جريد النخل؛ لأن النبي ﷺ استن به في آخر حياته.\nهل يحصل بالمعجون إصابة السنة؟\nالجواب: السواك أفضل من المعجون لأمور: الأول: فيه مرضاة للرب. الثاني: خفيف الحمل. الثالث: لا يحتاج إلى ماء كالمعجون. الرابع: لا يسبب ضررًا في اللثة كالمعجون.\n٥ - يباح السواك للصائم في أول النهار وآخره لعموم قول النبي ﷺ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، أَوْ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ».\n٦ - يستحب عند الانتباه من النوم لحديث حُذَيْفَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.\nوعند دخول البيت: فعَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ». وعند قراءة القرآن، وعند الجمعة، وعند الاحتضار.\n٧ - يستحب استعمال السواك باليد اليمنى؛ لأن النبي ﷺ كان يعجبه التيمن في طهوره، والاستياك نوع من الطهور فيكون باليمين.\n* * *","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-249>الباب السادس الوضوء</span>\nوفيه تمهيد وأربعة فصول\nالتمهيد:\nالفصل الأول: شروط صحة الوضوء.\nالفصل الثاني: فرائض الوضوء.\nالفصل الثالث: سنن الوضوء.\nالفصل الرابع: نواقض الوضوء.","vol":"1","page":264},{"text":"التمهيد\nوفيه أربعة مباحث\nالمبحث الأول: تعريف الوضوء لغة واصطلاحًا.\nالمبحث الثاني: فضل الوضوء.\nالمبحث الثالث: حكم الوضوء.\nالمبحث الرابع: الوضوء في شريعة مَنْ قبلنا.","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-250>التمهيد</span>\nوفيه أربعة مباحث\n\n<span data-type='title' id=toc-251>المبحث الأول: تعريف الوضوء لغة واصطلاحًا:</span>\nأَصْلُ الْوُضُوءِ مِنَ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ الْحُسْنُ وَالنَّظَافَةُ، وَسُمِّيَ وُضُوءُ الصَّلَاةِ وُضُوءًا لِأَنَّهُ يُنَظِّفُ الْمُتَوَضِّئَ وَيُحَسِّنُهُ. (^١)\nوالوضوء فى الشرع: اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ مُفْتَتَحًا بِنِيَّةٍ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-252>المبحث الثاني: فضل الوضوء:</span>\n١ - الوضوء يُكفر الخطايا والذنوب والآثام، روى مسلم من حديث عمرو بن عبسة ﵁: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ الله، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ …» (^٣).\n٢ - الطهور شطر الإيمان، دل على ذلك ما رواه مسلم (^٤) عن أبي مالك الأشعري قال:\n_________\n(^١) انظر: «تاج العروس» (١/ ٢٧٦، ٢٧٧)، و«لسان العرب» (١/ ١٩٤)، و«مختار الصحاح» (٣٠٣). والوُضُوءُ بالضمِّ: الفِعْلُ، وَبالفَتْح مَاؤُهُ المُعَدُّ لَهُ، قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٤] فَقَالَ: الوَقُودُ، بِالفَتْح: الحَطَبُ، والوُقُود، بالضمّ: الاتِّقَادُ، وَهُوَ الفِعْلُ وقيل: هما لغتان بمعنى واحد: يعني بالفتح والضم.\n(^٢) «أسنى المطالب» (١/ ٢٨). في حدود ابن عرفة الوضوء: غُسْلٌ وَمَسْحٌ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ لِرَفْعِ حَدَثٍ.\n(^٣) «مسلم» (٨٣٢).\n(^٤) «مسلم» (٢٢٣).","vol":"1","page":266},{"text":"قال رسول الله ﷺ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» (^١).\n٣ - تميز أمة محمد بالوضوء يوم القيامة عن سائر الأمم، ففي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ» (^٢).\n٤ - حل عقدة الشيطان بالوضوء، ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ، عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ. فَإِنِ اسْتَيْقَظَ، فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» (^٣).\n٥ - إسباغ الوضوء ونطق الشهادتين بعده من أسباب دخول الجنة، روى مسلم من حديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ، أَوْ فَيُسْبِغُ، الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ. إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-253>المبحث الثالث: حكم الوضوء:</span>\nيختلف حكم الوضوء من عبادة لأخرى: فقد يكون واجبًا إذا أراد المحدث الصلاة؛\n_________\n(^١) قال النووي «شرح مسلم» (٢/ ١٠٢): وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» فَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَجْرَ فِيهِ يَنْتَهِي تَضْعِيفُهُ إِلَى نِصْفِ أَجْرِ الْإِيمَانِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِيمَانَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْخَطَايَا وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَصِحُّ إِلَّا مَعَ الْإِيمَانِ فَصَارَ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِيمَانِ فِي مَعْنَى الشَّطْرِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ هُنَا الصَّلَاةُ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣] وَالطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَصَارَتْ كَالشَّطْرِ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ فِي الشَّطْرِ أَنْ يَكُونَ نِصْفًا حَقِيقِيًّا. وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يكون مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ وَانْقِيَادٌ بِالظَّاهِرِ، وَهُمَا شَطْرَانِ لِلْإِيمَانِ وَالطَّهَارَةُ مُتَضَمِّنَةٌ الصَّلَاةَ فَهِيَ انْقِيَادٌ فِي الظَّاهِرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.\n(^٢) «البخاري» (١٣٦)، و«مسلم» (٢٤٦).\n(^٣) «البخاري» (١٠٧٤)، و«مسلم» (١٢٥٩).\n(^٤) «مسلم» (٢٣٤).","vol":"1","page":267},{"text":"لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولعموم قوله ﷺ: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ». قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة إذا وجد المرء إليها السبيل (^١).\nوقد يكون مستحبًّا إذا أراد النوم (^٢)، ويستحب للمسلم البقاء على طهارة (^٣).\nوالوضوء بالماء المغصوب أو المسروق محرم. وهكذا يختلف حكم الوضوء من عبادة إلى أخرى.\n\n<span data-type='title' id=toc-254>المبحث الرابع: الوضوء في شريعة مَنْ قبلنا:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن الوضوء كان في شريعة من قبلنا، وإنما الغرة والتحجيل مما خُصت به هذه الأمة (^٤).\nواستدلوا لذلك بما روى البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، دَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ، أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنْ\n_________\n(^١) «الإجماع» (٢٩).\n(^٢) روى «البخاري» (٢٤٧). عن البَرَاءِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، اللهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ»، قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ: «لَا، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ».\n(^٣) روى «البخاري» (١٤٤٩)، و«مسلم» (٢٤٥٨). من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ: «يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ»، قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي: أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا، فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، إِلاَّ صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ.\n(^٤) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٩٠)، و«شرح الزرقاني» (١/ ٦٤)، و«مغني المحتاج» (١/ ٦١)، و«الفروع» (١/ ٣٢٥).","vol":"1","page":268},{"text":"أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا، فَأَرْسَلَ بِهَا. فَقَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِرَ. فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ» (^١).\nوجه الدلالة: «فقامت توضأ»، فدل ذلك على أن الوضوء كان في شريعة إبراهيم، أي أن الوضوء كان في شريعة من قبلنا.\nأما دليل أن الغرة والتحجيل من خصائص هذه الأمة، فقد ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ» (^٢).\nوروى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ وفيه قال النبي ﷺ: «لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلِيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ» (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) «البخاري» (٦٩٥٠). وكذلك في قصة جريج العابد، روى البخاري (٢٤٨٢) من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ، يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ، فَدَعَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِسَاتِ!! وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لَأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا!! فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَكَلَّمَتْهُ، فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ!! فَأَتَوْهُ، وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، وأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الغُلَامَ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: الرَّاعِي. قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ».\n(^٢) «البخاري» (١٣٦)، و«مسلم» (٢٤٦).\n(^٣) «مسلم» (٢٤٧).","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type='title' id=toc-255>الفصل الأول شروط صحة الوضوء</span>\n<span data-type='title' id=toc-256>الشرط الأول: الإسلام:</span>\nفلا يصح الوضوء من كافر، وكذا جميع العبادات، دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٥٤] (^١).\n_________\n(^١) هذه المسألة مبنية على أصل هو: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟\nقد أجمع العلماء على مخاطبة الكفار بأصول الشريعة كالتوحيد، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].\nواختلفوا في مخاطبة الكفار بفروع الشريعة:\nفذهب جمهور العلماء إلى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ويعاقبون على تركها في الآخرة، قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر] فكان من أسباب العذاب وموجباته إهمال حق المسكين، وهذا الحق من فروع الشريعة، وقال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت] فأوجب لهم الويل بكفرهم وإخلالهم بالزكاة. وهذا الذي أوتي كتابه بشماله قال: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٢٦] قال الله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾ [الحاقة] والسبب في هذا ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ [الحاقة] يعذب بإضاعة حق اليتيم، وهذا من فروع الشريعة.\nواستدل الجمهور بالقياس، فكما أن الكافر يُلزم بالنواهي بالإجماع فإذا سرق قُطع وإذا زنا حُد، فكذا يُلزم بالأوامر.\nوذهب بعض الحنفية وبعض الشافعية إلى أن الكافر لا يخاطب بفروع الشريعة، واستدلوا بما ورد في الصحيحين، من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ». ففي الحديث أن الصلاة والزكاة والصيام لا تجب إلا بعد الإيمان. واستدلوا أيضًا بأن الكافر ليس أهلًا لأداء العبادات.\nوالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء أي أن الكافر لا يطالب بالفروع كالصلاة والزكاة والصوم وغيرها في الدنيا مع كفره لأن لا يُقبل منه حتى يسلم فيطالب بالأصول والفروع، ولا يلزمه قضاء ما مضى إذا أسلم، ويعاقب ويعذب على ترك الفروع في الآخرة زيادة على عذاب الكفر. «انظر المجموع» (٣/ ٥)، وفي «أصول السرخسي» (١/ ٧٤)، قال: مخاطبته بالأوامر والنواهي، وإيجاب الشيء عليه لا يلزم منه صحته لو فعله، لأن المانع من قِبله هو، وليس من قِبل الشرع، فإذا أُمر الإنسان بأن يفعل فعلًا، وكان هناك مانع يمنع من صحة الفعل، إن كان المانع من قِبل الشرع، كالعجز عن الفعل سقط الفعل، وإن كان المانع من قِبل المكلف أثم ولم يرتفع عنه الخطاب. انظر «الشامل الميسر» لمحمد صبحي (١/ ١٤٢).","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-257>الشرط الثاني: التكليف:</span>\nالمكلف هو البالغ العاقل، فلا يجب الوضوء على طفل ولا مجنون.\nويصح الوضوء من الطفل المميز، ولا يصح وضوء مجنون ولا غير مميز.\nعن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (^١).\nقال شيخ الإسلام: والأقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول ويقصده، فأما\n_________\n(^١) ورد هذا الحديث عن عدد من الصحابة، أصحها حديث عائشة. أخرجه أحمد (٦/ ١٠٠، ١٠١)، والنسائي (٦/ ١٥٦)، وأبو داود (٤٣٩٨). وابن ماجه (٢٠٤١) وغيرهم، من طرق عن حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة مرفوعًا. قال أحمد: حماد بن سلمة عنده عن حماد بن أبي سليمان تخليط. وقال الترمذي «العلل الكبير» (ص ٢٢٥): سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: أرجو أن يكون محفوظًا. قلت له: روى الحديث غير حماد؟ قال: لا أعلمه. وقال ابن رجب «شرح البخاري» (٥/ ٢٩٤): قال النسائي: ليس في الباب حديث صحيح إلا حديث عائشة فإنه حسن. قلت: في الباب حديث علي وأبي قتادة وابن عباس وثوبان وغيرهم، ولا يصح منهم حديث.","vol":"1","page":271},{"text":"المجنون والطفل الذي لا يميز فأقواله كلها لغو في الشرع، لا يصح منه إيمان ولا كفر، ولا عقد من العقود، ولا شيء من الأقوال باتفاق المسلمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-258>الشرط الثالث: ارتفاع دم الحيض والنفاس:</span>\nفلو توضأت الحائض أو النفساء لم يرتفع حدثهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-259>الشرط الرابع: طهارة الماء:</span> فلا يصح الوضوء بالماء النجس.\n<span data-type='title' id=toc-260>الشرط الخامس: القدرة على استعمال الماء:</span>\nفإن عجز عن استعمال الماء لمرض ونحوه، فإنه يسقط. لعموم قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\nواشترط الحنابلة أن يكون الماء مباحًا. فيحرم الوضوء بالماء المغصوب ويبطل. والصحيح ما ذهب إليه جمهور العلماء من صحة وضوئه مع الإثم؛ فليس هذا شرطًا في صحة الوضوء.\n\n<span data-type='title' id=toc-261>الشرط السادس: عدم حصول ناقض أثناء الوضوء:</span>\nكخروج الريح في وسط الوضوء فيجب عليه الإعادة، ويستثنى من ذلك المعذور كصاحب سلس البول والمستحاضة وغيرهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-262>الشرط السابع: عدم الحائل الذي يمنع وصول الماء إلى البشرة:</span>\nفإذا توضأ وهناك حاجز يمنع وصول الماء إلى البشرة كالشمع، أو دهان، أو طلاء الأظفار، أو أدوات التجميل، وكل ما يمنع من وصول الماء إلى البشرة، فإنه لا بد من إزالته؛ لأن الله تعالى أمر بغسل أعضاء الوجه واليدين إذا كانت مكشوفة، فإن كان على العضو المغسول ما يمنع من وصول الماء فهو لم يغسل، وكذا مثبتات الشعر التي يسمونها الجيل التي يستعملها الشباب، فلو أدى استعمالها إلى وجود طبقة عازلة تحول بين شعر الرأس الذي يجب مسحه وبين الماء الذي يتم المسح به، فلا يصح الوضوء (^١).\n_________\n(^١) الذي يعمل في طلاء الجدران والأخشاب يغسل يديه بمنظفات ويحاول إزالته بقدر استطاعته، وما بقي منه فإنه يعفى عنه لعموم قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وكذا من يعمل بصيد الأسماك فإنه يبقى على يديه من أثر السمك ما يكون إزالته صعبًا وعسيرًا، فإنه ينظف ما يستطيع ولا حرج فيما بقي، والله أعلم.","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type='title' id=toc-263>الشرط الثامن: قيام الحدث:</span>\nفمن لم يكن محدثًا لم يجب عليه الوضوء؛ وذلك لما روى البخاري من حديث عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ (^١).\nوعن بريدة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ (^٢).\nوَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وأَصْحَابُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَلَمْ يُحْدِثْ وُضُوءًا لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ، وَلَا أَمَرَ النَّاسَ بِإِحْدَاثِ وُضُوءٍ، وَلَا نَقَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ، وَلَمَّا قَدِمَ مُزْدَلِفَةَ صَلَّى بِهِمُ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمْعًا مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ وُضُوءٍ لِلْعِشَاءِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-264>الشرط التاسع: النية:</span>\nتعريف النية: النية لغة: القصد والعزم (^٤).\nقال البهوتي: النية شرعًا: هي عزم القلب على فعل العبادة تقربًا إلى الله (^٥).\n_________\n(^١) «البخاري» (٢١٤).\n(^٢) «مسلم» (٢٧٧).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٧١، ٣٧٢).\n(^٤) «معجم مقاييس اللغة» (٥/ ٣٦٦).\n(^٥) وقال ابن عابدين «حاشية» (١/ ١٠٥) النية: قَصْدُ الطَّاعَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى الله تَعَالَى فِي إيجَادِ الْفِعْلِ. وفي «حاشية العدوي» (١/ ٢٠٣): النية: قَصْدُ الْمُكَلَّفِ الشَّيْءَ الْمَأْمُورَ بِهِ. وقال النووي «المجموع» (١/ ٣٥٣): النِّيَّةُ عَزْمُ الْقَلْبِ عَلَى عَمَلِ فَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ.","vol":"1","page":273},{"text":"هل يجهر بالنية قبل الوضوء؟\nقال ابن تيمية: وَقَدِ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الْجَهْرَ بِالنِّيَّةِ وَتَكْرِيرَهَا لَيْسَ بِمَشْرُوعِ، بَلْ مَنِ اعْتَادَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَدَّبَ تَأْدِيبًا يَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ التَّعَبُّدِ بِالْبِدَعِ وَإِيذَاءِ النَّاسِ بِرَفْعِ صَوْتِهِ (^١).\nوقال ابن القيم: وَلَمْ يَكُنْ يَقُولُ ﷺ فِي أَوَّلِهِ: نَوَيْتُ رَفْعَ الْحَدَثِ وَلَا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْبَتَّةَ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ حَرْفٌ وَاحِدٌ، لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ (^٢).\nوذهب الحنفية (^٣) والشافعية إلى أنه يستحب التلفظ بالنية عند الوضوء، قالوا: الحاج إذا أراد النسك جهر بالنية باللسان فيقول: (لبيك حجًّا) فكذا يقول: نويت الوضوء (^٤).\nواعترض عليه: بأن الجهر في الحج ورد النص عن النبي ﷺ بذلك بينما الجهر بالنية في بداية الوضوء لم يرو فيه حديث صحيح، ولو كان الجهر بالنية عند الوضوء وفي بداية الصلاة مشروعًا لبينه الشرع وما كان ربك نسيًّا.\n* * *\n_________\n(^١) «الفتاوى الكبرى» (١/ ٢١٤).\n(^٢) «زاد المعاد» (١/ ٢٩٦).\n(^٣) «حاشية ابن عابدين» (١/ ١٠٨).\n(^٤) «المجموع» (٦/ ٣٠٢).","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type='title' id=toc-265>الفصل الثاني فرائض الوضوء</span>\nفرائض الوضوء ستة\nالفرض الأول: غسل الوجه.\nالفرض الثاني: غسل اليدين، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: غسل المرفقين مع اليدين.\nالمبحث الثاني: كيف يغسل من كان أقطع اليدين أو بعضهما؟\nالمبحث الثالث: في الوسخ يكون تحت الظفر.\nالفرض الثالث: مسح الرأس وبيان المقدار الواجب مسحه.\nالفرض الرابع: غسل الرجلين.\nالفرض الخامس: الترتيب.\nالفرض السادس: الموالاة.","vol":"1","page":275},{"text":"الفصل الثاني\nفرائض الوضوء\nمن فرائض الوضوء غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك.\nقال ابن عبد البر: الْعُلَمَاءُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَمَسْحَ الرَّأْسِ فَرْضٌ ذَلِكَ كُلُّهُ لِأَمْرِ الله بِهِ فِي كِتَابِهِ الْمُسْلِمَ عِنْدَ قِيَامِهِ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَضِّئًا، لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا فِي مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ وَغَسْلِهِمَا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ (^١).\nوقال ابن رشد: فَرَائِضُ الوُضُوءِ ثَمَانِيَةٌ: مِنْهَا أَرْبَعَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَهِيَ الَّتِي نَصَّ اللهُ ﵎ عَلَيْهَا: غَسْلُ الوَجْهِ وَاليَدَيْنِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ (^٢).\nقال الطحاوي: نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ، فَرَأَيْنَا الأَعْضَاءَ الَّتِي اتَّفَقُوا عَلَى فَرَضِيَتِهَا فِي الوُضُوءِ: الوَجْهُ، وَاليَدَانِ، وِالرِّجْلَانِ، والرَّأْسُ (^٣).\nدل على ذلك الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦]. وأما السنة، فالأحاديث الكثيرة المستفيضة في صفة وضوء النبي ﷺ كحديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما.\n_________\n(^١) «التمهيد» (٤/ ٣١).\n(^٢) «مقدمات ابن رشد» (١/ ٥٣).\n(^٣) «شرح معاني الآثار» (١/ ٣٣)، وقد نقل الإجماع على ذلك الخرشي في «حاشيته» (١/ ١٢٠)، والماوردي «الحاوي» (١/ ١١٢)، وابن مفلح «الفروع» (١/ ١٤٧) وغيرهم كثير.","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-266>الفرض الأول: غسل الوجه:</span>\nقال ابن عبد البر: العُلَمَاءُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَسْلَ الوَجْهِ فَرْضٌ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ القُرْآَنُ وَالأَحَادِيْثُ الكَثِيْرَةُ المُسْتَفِيْضَةُ فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ.\nحد الوجه:\nذهب جمهور العلماء إلى أن حد الوجه: من منبت الشعر إلى الذقن طولًا، وعرضه من الأذن إلى الأذن (^١).\nوقول (منابت الرأس أو الشعر المعتاد) خرج به الأجلح والأفرع والأنزع.\nأما الأجلح: وهو من كان ينحسر شعره عن مقدم رأسه؛ فلا يجب عليه غسلَ ذلك الموضع بِلَا خلاف لأنه من الرأسِ (^٢).\nأما الأفرع: هو من نبت الشعر على جبهته (^٣). أما الأنزع: وهو من به بياض انحسر عنه شعر الرأس من جانبي مقدمة الرأس، فلا يجب غسلهما؛ لأنهما من الرأس. وهو قول الجمهور (^٤).\nالحاصل في غسل الوجه:\n١ - أن حد الوجه منابت الرأس المعتاد إلى الذقن طولًا وعرضه من الأذن إلى الأذن.\n٢ - الأجلح إذا انصلع الشعر عن ناصيته لا يجب عليه غسل ذلك الموضع؛ لأنه ليس من الوجه بل هو من الرأس.\n٣ - الأفرع هو الذي ينزل شعره على وجهه. فعليه أن يغسل مع الوجه ما نزل عن منابت الشعر المعتاد. قال النووي: وَلَوْ نَزَلَ الشَّعْرُ عَنْ الْمَنَابِتِ الْمُعْتَادَةِ إلَى الْجَبْهَةِ نُظِرَ إنْ عَمَّهَا\n_________\n(^١) انظر «المبسوط» (١/ ٦)، و«الشرح الصغير مع حاشية الصاوي» (١/ ١٠٥).\n(^٢) «المجموع» (١/ ٤٠٦).\n(^٣) «مواهب الجليل» (١/ ١٨٤، ١٨٥).\n(^٤) «البحر الرائق» (١/ ١٢)، و«الشرح الصغير» (١/ ١٠٥)، و«الإنصاف» (١/ ١٥٦).","vol":"1","page":277},{"text":"وَجبَ غَسْلُهَا كُلِّها بلا خِلافٍ وإنْ سَتَرَ بعضها فَطَرِيقَانِ، الصَّحِيحُ مِنْهُمَا وُجُوبُ غَسْلِ ذَلِكَ الْمَسْتُورِ.\n٤ - الأنزع: وهو من به بياض انحسر عنه شعر الرأس من جانبي مقدم الرأس، ولا يجب غسلهما لأنهما من الرأس.\n٥ - شعر اللحية: فالوجه يجب غسله قبل نبات الشعر، فإذا نبت الشعر سقط غسل ما تحته عند عامة العلماء، وقال أبو عبد الله البلخي: إنه لا يسقط غسله،. وقال الشافعي: إذا كان الشعر كثيفًا يسقط، وإن كان خفيفًا لا يسقط.\nوالراجح وجوب غسل الوجه قبل نبات الشعر، فإذا نبت الشعر فيغسل ظاهر اللحية ولا يجب غسل ما تحت الشعر، ولو كان ذلك واجبًا لبين النبي ﷺ لأمته ولنقله لنا صحابته الكرام، وقد وردت أحاديث في الصحيحين عن عثمان بن عفان وعبد الله بن زيد وغيرهما، وليس فيها هذه المشقة والتعنت. والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، والأحاديث الواردة في تخليل اللحية لا يصح منها حديث كما قال الإمام أحمد وسوف يأتي بحثها.\n٦ - المتوضئ إذا غسل وجهه فعليه أن يغسل جزءًا من رأسه وسائر الجوانب المجاورة للوجه احتياطًا، وليس بواجب وذلك لاستيعاب الوجه (^١).\n٧ - الظاهر من الفم والأنف والشارب وغيرها التي على ظاهر الوجه تُغسل لأن كل هذا داخل في حدود الوجه.\n٨ - ما تحت الذقن لا يغسل مع الوجه. قال في مواهب الجليل: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ مَا تَحْتَ الذَّقْنِ، وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (^٢).\n_________\n(^١) «مواهب الجليل» (١/ ١٨٧)، و«المجموع» (١/ ١٤٦)، و«المغني» (١/ ٣٣).\n(^٢) «مواهب الجليل» (١/ ١٨٥).","vol":"1","page":278},{"text":"٩ - أما البياض الواقع بين الأذن والعذار (^١). فذهب جمهور العلماء إلى أن هذا البياض من الوجه يجب غسله ولأنه من الوجه في حق الطفل والمرأة فيغسل (^٢) كذا في حق الملتحي.\nوقيل: إنه لا يجب غسل البياض بين الأذن والعذار.\nقال ابن رشد: وَهُوَ الْمَشْهُورُ عنْ مَالِكٍ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-267>الفرض الثاني: غسل اليدين.</span>\nقال الماوردي: غَسْلُ الذِّرَاعَيْنِ وَاجِبٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ (^٤).\nوفيه ثلاثة مباحث:\n\n•<span data-type='title' id=toc-268> المبحث الأول: غسل المرفقين مع اليدين:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى وجوب إدخال المرفقين في غسل اليدين (^٥).\nواستدلوا لذلك بما روى مسلم من حديث نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ (^٦).\nقال الشافعي: لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء.\nواعترض على هذا الإجماع بأنه منخرم فقد ورد عن مالك في رواية وأحمد والظاهرية أنه\n_________\n(^١) والعذار: هو الشعر النابت المحاذي للأذنين بين الصدغ والعارض وهو أول ما ينبت للأمرد غالبًا\n(^٢) «المبسوط» (١/ ٦)، و«المجموع» (١/ ٤٠٧)، و«المغني» (١/ ٨١).\n(^٣) «بداية المجتهد» (١/ ١١٩).\n(^٤) «الحاوي» (١/ ١١٢).\n(^٥) «بدائع الصنائع» (١/ ٤)، و«حاشية الدسوقي» (١/ ٨٧)، و«المغني» (١/ ٨٤، ٨٥).\n(^٦) «مسلم» (٢٤٦).","vol":"1","page":279},{"text":"لا يجب إدخال المرفقين في غسل اليدين (^١).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، فكلمة ﴿إلى﴾ لانتهاء الغاية، أي حتى المرافق فلا يجب دخول المرفقين في غسل اليدين كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ولا يدخل الليل في الصيام فإلى هنا للغاية.\nواعترض عليه بأن معنى ﴿إلى﴾ في الآية بمعنى (مع)، أي: واغسلوا أيديكم مع المرافقين، والذي يحدد ذلك هو السياق. فإذا كان النبي ﷺ هو المبين لما أنزل إليه، ففي صفة وضوء النبي ﷺ أنه غسل اليدين مع المرفقين فتعين حمل الآية على هذا المعنى. ولهذا المعنى شواهد، منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أي مع أموالكم.\nوقد قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] والقطع إنما هو للكف والذي بَيَّن هو النبي ﷺ، وقال تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والتيمم يكون بالضرب بالكف والذي بَيَّن هو النبي ﷺ.\nوالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من وجوب إدخال المرفقين في غسل اليدين، وحد غسل اليدين من أطراف الأصابع مع إدخال المرفقين في غسل اليدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-269>المبحث الثاني: كيف يغسل من كان أقطع اليد أو بعضهما؟</span>\nإذا كان الرجل أقطع اليد وجب غسل ما بقي من محل الفرض بالإجماع (^٢).\nوقد قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال رسول الله ﷺ: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (^٣).\nفيجب عليه غسل ما بقي من محل الفرض، وسقط عنه ما عجز عنه.\nوإن كان مقطوع اليد من المفصل ففيه قولان:\n_________\n(^١) «المنتقى» للباجي (١/ ٣٦)، و«الإنصاف» (١/ ١٥٧)، و«المحلى» (١/ ٢٩٤).\n(^٢) وقد نقل الإجماع النووي كما في «المجموع» (١/ ٤٢٤)، والحطاب كما في «مواهب الجليل» (١/ ١٩١)\n(^٣) «البخاري» (٧٣٨٨)، و«مسلم» (١٣٣٧).","vol":"1","page":280},{"text":"القول الأول: أنه يجب عليه غسل رأس العضد وهو قول عند الشافعية، والمشهور عن الحنابلة (^١).\nالقول الثاني: أنه لا يجب عليه غسل رأس العضد وهو قول عند الشافعية (^٢).\nوالراجح: أنه يغسل رأس العضد الذي على المرفق، وأما إذا قطع ما فوق المرفق فإنه يمسه بالماء لأن محل الفرض قد سقط بزوال العضو الواجب وليس له بدل، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-270>المبحث الثالث: في الوسخ يكون تحت الظفر:</span>\nإذا كان تحت الظفر وسخ يمنع وصول الماء هل يصح وضوءه؟\nاختلف أهل العلم: فمنهم من قال: تجب إزالة الوسخ ولا يصح الوضوء مع وجوده (^٣). ومنهم من قال: يصح الوضوء ويعفى عن الوسخ ولوكان كثيرا (^٤). ومنهم من قال: يعفى عن اليسير (^٥).\nوالصحيح أنه يصح الوضوء مع وجود هذا الوسخ إذا كان يسيرًا ولم يخرج عن المعتاد، وقد كان الأعراب على عهد النبي ﷺ لا يتعاهدون نظافة أظفارهم وقد كانوا يعملون بجمع الحطب ولم يرد عن رسول في ذلك نص، ولو كان يجب في ذلك شيء لبينه ﷺ (^٦).\nقال ابن تيمية: وَإِنْ مَنَعَ يَسِيرُ وَسَخِ ظُفْرٍ وَنَحْوِهِ وُصُولَ الْمَاءِ صَحَّتِ الطَّهَارَةُ، وَهُوَ وَجْهٌ\n_________\n(^١) «البيان في مذهب الشافعي» (١/ ١٢٢، ١٢٣)، و«كشاف القناع» (١/ ١٠١).\n(^٢) «المجموع» (١/ ٤٢٤».\n(^٣) اختار هذا القول المتولي من الشافعية كما في «المجموع» (١/ ٣٤٠)، وقال ابن قدامة «المغني» (١/ ٨٦): إذَا كَانَ تَحْتَ أَظْفَارِهِ وَسَخٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ حَتَّى يُزِيلَهُ.\n(^٤) «تحفة المحتاج» (١/ ١٨٧)، و«المجموع» (١/ ٣٤٠)، و«المغني» (١/ ٨٦).\n(^٥) «إحكام الأحكام» (١/ ١٢٥).\n(^٦) انظر «سنن الفطرة في تقليم الأظفار» من هذا الكتاب.","vol":"1","page":281},{"text":"لِأَصْحَابِنَا، وَمِثْلُهُ كُلُّ يَسِيرٍ مَنَعَ وُصُولَ الْمَاءِ حَيْثُ كَانَ، كَدَمٍ وَعَجِينٍ (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-271> الفرض الثالث: مَسْح الرأس وبيان المقدار الواجب مسحه:</span>\nمن فروض الوضوء مسح الرأس بالنص والإجماع.\nقال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على أن مسح الرأس من فروض الوضوء.\nالمقدار الواجب مسحه من الرأس.\nاختلف أهل العلم في المقدار الواجب مسحه من الرأس على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يجب مسح جميع الرأس، وهو مذهب المالكية وبعض الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢). واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد، وفيه: «ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» (^٣).\nوقال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والمراد بمسح الرأس: مسح جميع الرأس (^٤)، والباء هنا للإلصاق، وبَيَّن ذلك النبي ﷺ كما في الأحاديث الصحاح.\nالقول الثاني: ذهب الحنفية إلى أنه يكفي في مسح الرأس مقدار الناصية وهو ربع\n_________\n(^١) «الفتاوى الكبرى» (٥/ ٣٠٣)، وقال في «الفواكه الدواني» (١/ ١٤٠): وَلَا يَلْزَمُهُ إزَالَةُ مَا تَحْتَ أَظَافِرِهِ مِنِ الْأَوْسَاخِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ عنِ الْمُعْتَادِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إزَالَتُهُ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَلْمُ ظُفْرِهِ السَّاتِرِ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ.\n(^٢) «الاستذكار» (٢/ ٣٠)، و«المجموع» (١/ ٤٣١)، و«الإنصاف» (١/ ١٦).\n(^٣) «البخاري» (١٨٥)، و«مسلم» (٢٣٥).\n(^٤) قال ابن العربي «أحكام القرآن» (٢/ ٦٤): قوله تعالى: ﴿برؤوسكم﴾ الرأس عبارة عن الجملة التي يعلمها الناس ضرورة، ومنها الوجه، فلما ذكره الله في الوضوء وعَيَّن الوجه للغسل بقي باقيه للمسح.","vol":"1","page":282},{"text":"الرأس (^١).\nواستدلوا بما روى أحمد عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ (^٢).\nقال الطحاوي: لَمَّا اكْتَفَى النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْأَثَرِ بَمَسْحِ النَّاصِيَةِ عَلَى مَسْحِ مَا بَقِيَ مِنَ الرَّأْسِ، دَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْفَرْضَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ هُوَ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ وَهُو رُبْعُ الرَّأْسِ (^٣).\nواعترض عليه بما قاله ابن العربي: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ مَسَحَ نَاصِيَتَهُ وَعِمَامَتَهُ، وَهَذَا نَصٌّ عَلَى الْبَعْضِ؟ قُلْنَا: بَلْ هُوَ نَصٌّ عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَلْزَمْ الْجَمِيعُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْعِمَامَةِ وَالرَّأْسِ. فَلَمَّا مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى مَا أَدْرَكَ مِنْ رَأْسِهِ وَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَى الْحَائِلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَاقِيهِ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْحَائِلِ مِنْ جَبِيرَةٍ أَوْ خُفٍّ، وَنَقَلَ الْفَرْضَ إلَيْهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي هَذَيْنِ (^٤).\nواستدلوا بما روى أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِ وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ» (^٥).\nواعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله.\nوروى عبد الرزاق قال: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ الْعِمَامَةُ يُؤَخِّرُهَا عَنْ رَأْسِهِ، وَلَا يَحُلُّهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِه (^٦). واعترض عليه بأنه لم يصح عن رسول الله وهو مرسل.\nقال ابن القيم: وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ بَعْضِ رَأْسِهِ الْبَتَّةَ،\n_________\n(^١) «المبسوط» (١/ ٦٣)، و«بدائع الصنائع» (١/ ٤)، و«حاشية ابن عابدين» (١/ ٩٩).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٤/ ٢٥٥).\n(^٣) «شرح معاني الآثار» (١/ ٣١).\n(^٤) «الجامع لأحكام القرآن» (٢/ ٦٤).\n(^٥) إسناده ضعيف: «سنن أبي داود» (١٤٧) وفي إسناده أبو معقل، قال ابن القطان: مجهول وعبد العزيز بن مسلم الأنصاري: لين الحديث.\n(^٦) مرسل: «المصنف» (٧٣٩).","vol":"1","page":283},{"text":"وَلَكِنْ كَانَ إِذَا مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ كَمَّلَ عَلَى الْعِمَامَةِ … ثم قال: وَأَمَّا اقْتِصَارُهُ عَلَى النَّاصِيَةِ مُجَرَّدَةً فَلَمْ يُحْفَظْ عَنْه (^١).\nأما دليلهم من المأثور فعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً» (^٢).\nالقول الثالث: ذهب الشافعية إلى أنه لو مسح على شعرة أو شعرات من رأسه أجزأه (^٣). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. والباء للتبعيض أي: امسحوا بعض رؤوسكم، كما تقول: مسحت بالحائط، وهو مسح بجزء من الحائط.\nواعترض عليه: بأن الباء إذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه أفادت قدرًا زائدًا، فلو قال: وامسحوا رؤوسكم لم تدل على ما يلتصق بالمسح، فإنك تقول: (مسحت رأس فلان) وإن لم يكن بيدك بلل، فإذا قيل: وامسحوا برؤوسكم وبوجوهكم ضمن المسح معنى الإلصاق، فأفاد أنكم تلصقون برؤوسكم شيئًا بهذا، ولو أراد بعض الرأس لقال: امسحوا رؤوسكم.\nقلت: وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ٢٩﴾ [الحج: ٢٩]، وقد أجمعوا على أنه لا يجوز الطواف ببعضه، أى: الطواف بجميع البيت، فكذلك مسح الرأس لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] أى: مسح جميع الرأس لا يجوز مسح بعضها.\nواستدلوا بما ورد عن النبي ﷺ أنه مسح بناصيته، فهذا يدل على عدم وجوب الاستيعاب، والناصية أقل من الربع، فدل ذلك على أنه لو مسح على شعرة أو شعرات أجزأه.\nواعترض عليه بأن ذلك لم يصح.\nوالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من وجوب مسح جميع الرأس لعموم قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ والمراد بمسح الرأس مسح جميع الرأس، بَيَّن النبي أن المراد ب\n_________\n(^١) «زاد المعاد) (١/ ١٩٣).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة «المصنف» (١/ ٢٢).\n(^٣) «المجموع» (١/ ٤٣٠)، و«الحاوي» (١/ ١١٤).\nانظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ١٢٩) بتصرف.","vol":"1","page":284},{"text":"﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ جميع الرأس وهو المبين للناس ما أُنزل إليه، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد: «ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ»، فهذا بيان لما أجمل في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ كما في عموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ٢٩﴾. وقد أجمعوا على أنه لا يجوز الطواف ببعضه، فكذلك في مسح الرأس لا يجوز مسح بعض الرأس، ثم إن مَنْ مسح جميع الرأس أجزاه بلا خلاف.\nقال ابن عبد البر: الفرائض لا تؤدى إلا باليقين، واليقين ما أجمعوا عليه من مسح جميع الرأس، فقد أجمعوا أن من مسح برأسه كله فقد أحسن، وفَعَل أكمل ما يلزمه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-272>الفرض الرابع: غسل الرجلين:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن غسل الرجلين فرض.\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فأرجلكم معطوفة على وجوهكم والعامل فيها الفعل في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ أي: فاغسلوا وجوهكم وأرجلكم.\nوالأحاديث المستفيضة الصحيحة في صفة وضوء النبي ﷺ كحديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما.\nوقال الطحاوي: رَأَيْنَا الْأَعْضَاءَ الَّتِي قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى فَرْضِيَّتِهَا فِي الْوُضُوءِ: الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالرَّأْسُ. فَكَانَ الْوَجْهُ يُغْسَلُ كُلُّهُ، والْيَدَانِ، وَكَذَلِكَ الرِّجْلَانِ (^٢).\nوقال ابن قدامة: وَالمَفْرُوْضُ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافِ خَمْسَةٌ: النِّيةُ … وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ.\nالقول الثاني: أن فرض الرجلين المسح، حُكِي هذا القول عن علي بن أبي طالب وابن عباس وأنس، وهو مذهب الحسن البصري وعكرمة والشعبي.\n_________\n(^١) فتح البر بترتيت التمهيد (٣/ ٢٢٧).\n(^٢) «شرح معاني الآثار» (١٠/ ٣٣).","vol":"1","page":285},{"text":"قال ابن حزم: المسح مذهب لعلي وابن عباس وأنس﴾ (^١).\nواعترض عليه بما قاله الحافظ بن حجر بعد ذكر الإجماع على غسل الرجلين: وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ عليٍّ وابن عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُمُ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ (^٢).\nوصح عن أنس (^٣)، والحسن (^٤)، والشعبي (^٥)، وعكرمة (^٦) المسح على القدمين.\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾، والاستدلال بقراءة جر (وأرجلكم) من قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾.\nقال ابن حزم: الْقُرْآنَ نَزَلَ بِالْمَسْحِ، وَسَوَاءٌ قُرِئَ بِخَفْضِ اللَّامِ أَوْ بِفَتْحِهَا، هِيَ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَطْفٌ عَلَى الرُّءُوسِ: إمَّا عَلَى اللَّفْظِ وَإِمَّا عَلَى الْمَوْضِعِ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِقَضِيَّةٍ مُبْتَدَأَةٍ (^٧).\nواعترض على هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: أن النبي ﷺ هو المبين لما في القرآن، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بغسل الرجلين.\nقال ابن العربي: وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَال: إِنَّ قِرَاءَةَ الخَفْضِ عَطْفٌ عَلَى الرَّأسِ، فَهُمَا\n_________\n(^١) «المحلى» (١/ ٣٠١).\n(^٢) «فتح الباري» في شرح الحديث (١٦٣).\n(^٣) روى ابن أبي شيبة (١/ ٢٩٨) بسند صحيح، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: كَانَ أَنَسٌ إذَا مَسَحَ عَلَى قَدَمَيْهِ بَلَّهُمَا.\n(^٤) وروى ابن أبي شيبة (١/ ٢٩٨) بسند صحيح عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنَّمَا هُوَ الْمَسْحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، وَكَانَ يَقُولُ: يُمْسَحُ ظَاهِرُهُمَا وَبَاطِنُهُمَا.\n(^٥) وروى ابن أبي شيبة (١/ ٢٩٨) بسند صحيح عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: إنَّمَا هُوَ الْمَسْحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ\n(^٦) وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أيوب قال: رأيت عكرمة يمسح على رجليه.\n(^٧) «المحلى» (١/ ٣٠١).","vol":"1","page":286},{"text":"يُمْسَحَانِ بِكَفٍّ إِذَا كَانَ عَلَيْهِمَا خِفْافٌ أَوْ تَلقَينَا هَذَا القَيْدَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللهِ إَذْ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَ رِجْلَيْهِ إِلَّا وَعَلِيْهِ خِفَافُ، وَالمُتَوَاتِرُ عَنْهُ غَسْلُهُما، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ بِفِعْلِهِ الحَالَ الَّتِي تُغْسَلُ فِيهَا الرِّجْلُ وَالحَالَ الَّذِي تُمْسَحُ فِيهِ (^١).\nوالثاني: ما قاله النووي: لَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ الْمَسْحُ لِحُمِلَ الْمَسْحُ عَلَى الْغَسْلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَالْقِرَاءَتَيْنِ لِأَنَّ الْمَسْحَ يُطْلَقُ عَلَى الْغَسْلِ، كَذَا نَقَلَهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ: مِنْهُمْ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَآخَرُونَ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ العربُ تُسميِّ خفيفَ الغُسْل مسحًا. وَروى البيهقي بإسناده عن الأعمش قال: كانوا يقرؤُوُنَها وَكَانُوا يَغْسِلُون (^٢).\nوقال ابن العربي: من المستعمل في أرض الحجاز: تمسَّحنا للصلاة، أي توضأنا.\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ الله ﷺ فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلَاةَ صَلَاةَ العَصْرِ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (^٣).\nواعترض عليه بما قاله ابن العربي: ولفظة: (نمسح على أرجلنا)، قد يتمسك به من قال بجواز المسح على الرجلين، ولا حجة فيه لأربعة أوجه:\nالأول: أن المسح هنا يراد به الغسل، فمن الفاشي المستعمل في أرض الحجاز أنهم يقولون: (تمسَّحنا للصلاة): أي توضأنا.\nوالثاني: قوله: (وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء)، يدل على أنهم كانوا يغسلون أرجلهم، إذ لو كانوا يمسحونها لكانت القدم كلها، فإن المسح لا يحصل منه بلل الممسوح.\nوالثالث: أن هذا الحديث قد رواه أبو هريرة فقال: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَيْهِ فَقَالَ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».\n_________\n(^١) «المفهم» (١/ ٤٩٦).\n(^٢) «المجموع» (١/ ٤٥٠).\n(^٣) «البخاري» (٩٦)، و«مسلم» (٢٤١).","vol":"1","page":287},{"text":"الرابع: أننا لو سلَّمنا أنهم مسحوا لم يضرنا ذلك، ولم تكن فيه حجة لهم؛ لأن ذلك المسح هو الذي توعد عليه بالعقاب، فلا يكون مشروعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-273>الفرض الخامس: الترتيب:</span>\nاختلف أهل العلم في حكم الترتيب بين أعضاء الوضوء على قولين:\nالقول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الترتيب فرض (^١).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة: أن الله أمر بغسل الوجه وغسل اليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، فلما ذكر الله ممسوحًا بين مغسولات دل ذلك على وجوب الترتيب، ولو لم يجب الترتيب لما قطع النظير عن نظيره ولكانت المغسولات في نسق وفي الآخرة المسح.\nقال في (المهذب): فَأَدْخَلَ المَسْحَ بَيْنَ الغُسْلَينِ وَقَطَعَ النَّظَيرَ عَنِ نَّظِيره، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ إِيجَابَ التَّرْتِيبِ.\nواعترض على هذه الاستدلال بأن هذا الأمر للاستحباب.\nوأجيب عنه بما قاله النووي: فَإِنْ قِيلَ: فَائِدَتُهُ اسْتِحْبَابُ التَّرْتِيبِ، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْن:\nأَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.\nوَالثَّانِي: أَنَّ الْآيَةَ بَيَانٌ لِلْوُضُوءِ الْوَاجِبِ لَا لِلْمَسْنُونِ، فَلَيْسَ فِيهَا شيءٌ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ.\nالدَّلَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ مَذْهَبَ الْعَرَبِ إذَا ذَكَرَتْ أَشْيَاءَ وَعَطَفَتْ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ تَبْتَدِئُ\n_________\n(^١) «الوسيط» (١/ ٣٧٥)، و«مغني المحتاج» (١/ ٥٤)، و«الإنصاف» (١/ ١٣٨). وقال النووي: الله تَعَالَى ذَكَرَ مَمْسُوحًا بَيْنَ مَغْسُولَاتٍ، وَعَادَةُ الْعَرَبِ إذَا ذَكَرَتْ أَشْيَاءَ مُتَجَانِسَةً وَغَيْرَ مُتَجَانِسَةٍ جَمَعَتِ الْمُتَجَانِسَةَ عَلَى نَسَقٍ ثُمَّ عَطَفَتْ غَيْرَهَا، لَا يُخَالِفُونَ ذَلِكَ إلَّا لِفَائِدَةٍ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا لَمَا قَطَعَ النَّظِيرَ عَنْ نظِيرِهِ.","vol":"1","page":288},{"text":"الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ، لَا يُخَالَفُ ذَلِكَ إلَّا لِمَقْصُودٍ، فَلَمَّا بَدَأَ سُبْحَانَهُ بِالْوَجْهِ ثُمَّ الْيَدَيْنِ ثُمَّ الرَّأْسِ ثُمَّ الرِّجْلَيْنِ دَلَّ الْأَمْرِ على التَّرْتِيبِ.\nأما دليلهم من السنة: فالأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات الصحابة في صفة وضوء النبي ﷺ وكلهم وصفوه مرتبًا مع كثرتهم، وكثرة المواطن التي رأوه فيها، ولم يثبت صفة غير مرتبة، وفِعله ﷺ بيان للوضوء المأمور به، ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز.\nقال ابن القيم: وَكَذَلِكَ كَانَ وُضُوءُهُ مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا لَمْ يُخِلَّ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً (^١).\nوروى مسلم عن عمرو بن عبسة وفيه: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِله، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^٢)، و«ثُمَّ» دليل على أن الترتيب واجب.\nالقول الآخر: ذهب الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤) إلى أن الترتيب في أعضاء الوضوء سنة. واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ....﴾ [المائدة: ٦] والواو لا تقتضي الترتيب كما في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وجائز عند الجميع أن يعتمر قبل أن يحج، ومثل ذلك كثير في القرآن، فدل على أن الواو لا توجب رتبة، وقد قال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ\n_________\n(^١) «زاد المعاد» (١/ ١٩٤).\n(^٢) «مسلم» (٨٣٢).\n(^٣) «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ٥٠٧)، و«المبسوط» (١/ ٥٥)، و«بدائع الصنائع» (١/ ١٨).\n(^٤) «المدونة» (١/ ١٤).","vol":"1","page":289},{"text":"الرَّاكِعِينَ ٤٣﴾ [ال عمران]، ومعلوم أن السجود بعد الركوع (^١).\nواعترض عليه: بأن الواو إذا كانت أحيانًا لا تقتضي ترتيبًا، فأحيانًا تقتضي ترتيبًا، والذي يحدد ذلك السياق، والنبي ﷺ هو المبين لما أنزل عليه وتوضأ مرتبًا كما أمره الله، دل ذلك على وجوب الترتيب كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فقال النبي ﷺ: «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» فبدأ رسول الله بالصفا، والأمر للوجوب والنبي هو المبين، فقد بدأ الله بذكر الوجه فاليدين وكذا فعل النبي، فدل ذلك على وجوب الترتيب.\nأما دليلهم من المأثور: فعن علي قال: مَا أُبَالِي إِذَا تَمَّمْتُ وُضُوئِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْتُ (^٢).\nواعترض عليه من وجهين:\nالأول: أن هذا القول لا يصح عن علي.\nالثاني: أنه لو صح فهو محمول على تقديم الشمال على اليمين وليس تقديم اليد على الوجه، وورد عن علي تقديم الشمال على اليمين كما ورد من طريق الحارث عنه وقد قال الإمام عبد الله بن أحمد: قَالَ أبي: وَالَّذِي رُوِيَ عَنْ عَليّ وَابْن مَسْعُود: (مَا أُبَالِي بِأَيّ أعضائي بدأت) قَالَ: إِنَّمَا يَعْنِي الْيُسْرَى قبل الْيُمْنَى، وَلَا بَأْس أَنْ يبْدَأ بيسار قبل يَمِين لِأَن مخرجها من الْكتاب وَاحِد، قَالَ تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فَلَا بأس أَنْ يبْدَأ باليسار قبل الْيَمين (^٣).\nواستدلوا بما ورد عن ابن مسعود: لَا بَأْسَ أَنْ تبْدأَ بِرِجْلَيْكَ قَبْلَ يَدَيْكَ فِي الْوُضُوءِ (^٤).\nواعترض عليه بأنه لا يصح عن ابن مسعود، والمحفوظ عن ابن مسعود هو جواز تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى.\n_________\n(^١) انظر «التمهيد» (٢/ ١٨) بتصرف.\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٣).\n(^٣) «مسائل عبد الله» (١/ ٩٩، ١٠٠).\n(^٤) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٣)، وهو منقطع فمجاهد لم يسمع من ابن مسعود.","vol":"1","page":290},{"text":"واستدلوا بما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ (^١). هذا الأثر لم أقف له على إسناد.\nواستدلوا بالقياس فقالوا: كما لا يجب الترتيب في طهارة الجنابة فكذا في الوضوء.\nواعترض عليه بأنه قياس مع الفارق لأن النبي هو المبين، والنبي أعطى لأحد الصحابة إناء وقال له: «أفرِغه عليك»، ولو انغمس الجنب في الماء ارتفع حدثه، بخلاف الوضوء فلو غسل أعضاءه دفعة واحدة لم يصح له.\nوالراجح هو وجوب الترتيب كما ذكر الله في كتابه من غسل الوجه فاليدين فالرأس فالرجلين، دل على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي، وكلهم وصفوه مرتبًا مع كثرتهم، ولو جاز ترك الترتيب لتركه ﷺ في بعض الأحوال لبيان الجواز.\n\n<span data-type='title' id=toc-274>الفرض السادس: الموالاة:</span>\nأي تتابع غسل الأعضاء، بعضها إثر بعض، بألا يقطع المتوضئ وضوءه بعمل أجنبي، يُعد في العرف انصرافًا عنه (^٢).\nاتفق العلماء على أن التفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر.\nقال النووي (^٣): التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَا يَضُرُّ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.\nواختلف العلماء في حكم الموالاة بين أفعال الوضوء على قولين:\nالقول الأول: تجب الموالاة. وهو مذهب المالكية والحنابلة وقول الشافعي في القديم (^٤).\nاستدلوا بما روى مسلم عَنْ جَابِرٍ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ\n_________\n(^١) لم أقف له على إسناد: وقال النووي «المجموع» (١/ ٤٧١): إنه ضعيف لا يُعرف.\n(^٢) فقه السنة (١/ ٨١).\n(^٣) «المجموع» (١/ ٤٧٨).\n(^٤) «المدونة» (١/ ١٥)، و«المغني» (١/ ٩٣)، و«المجموع» (١/ ٤٧٨).","vol":"1","page":291},{"text":"ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ، فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ» فَرَجَعَ، ثُمَّ صَلَّى» (^١).\nقال القاضي عياض: في هذا الحديث دليل على وجوب الموالاة في الوضوء؛ لقوله: «أحسِن وضوءك» ولم يقل: اغسل ذلك الموضع الذي تركته.\nوروى أحمد عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي، وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ (^٢).\nواستدلوا بالأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي، وكلهم وصفوه متواليًا مع كثرتهم، ولو جاز ترك التوالي لبينه النبي ﷺ.\nقال ابن القيم: وَكَذَلِكَ كَانَ وُضُوءُهُ مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا لَمْ يُخِلَّ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً (^٣).\nالقول الثاني: ذهب الحنفية وقول الشافعي في الجديد والظاهرية إلى استحباب الموالاة (^٤). واستدلوا بأن الله أمر بغسل هذه الأعضاء فكيفما غسل هذه الأعضاء فقد امتثل الأمر.\n_________\n(^١) «مسلم» (٢٤٣) من طريق معقل عن أبي الزبير عن جابر، وقد أعل الإمام أحمد هذا الحديث لأن معقل بن عبيد الجزري ضعيف في أبي الزبير، فقال ابن رجب في (علل الترمذي) (٣٤٤): معقل بن عبيد الله الجزري ثقة، كان أحمد يضعف حديثه عن أبي الزبير خاصة ويقول: يشبه حديثه حديث ابن لهيعة، ومن أراد حقيقة الوقوف على ذلك فلينظر إلى أحاديثه عن أبي الزبير، فإنه يجدها عند ابن لهيعة يرويها عن أبي الزبير كما يرويها معقل سواء. ومما أنكر على (معقل) بهذا الإسناد حديث \"الذي توضأ وترك لمعة لم يصبها الماء\".\nقلت: ومما يؤيد قول أحمد متابعة ابن لهيعة لمعقل، كما عند ابن ماجة (٦٦٦)، وأحمد (١/ ٢١، ٢٢) وابن لهيعة ضعيف، ومعقل يسقط ابن لهيعة من السند كما قال أحمد، فالحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٢) ضعيف: أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٤)، وأبوداود (١٧٥) وغيرهما، وفي إسناده بقية بن الوليد، وهو مدلس تدليس التسوية، ولم يصرح بالتحديث إلى نهاية السند، وله شاهد أخرجه الدارقطني (١/ ١٠٩) وغيره عن ابن عمر عن أبي بكر وعمر عن النبي ﷺ، به.\n(^٣) «زاد المعاد» (١/ ١٩٤).\n(^٤) «البحر الرائق» (١/ ٢٧)، و«المجموع» (١/ ٤٧٨)، و«المحلى» (١/ ٣١٢).","vol":"1","page":292},{"text":"واعترض عليه بأن النبي كان يوالي في وضوئه بين الأعضاء وهو المبين لما أُنزل إليه.\nواستدلوا بأن عبد الله بن عمر بال في السوق، ثم توضأ، فغسل وجهه ويديه ومسح رأسهُ ثم دُعي لجنازة ليصلي عليها حين دخل المسجد، فمسح على خفيه، ثم صلى عليها.\nوهذا وإن كان إسناده صحيحًا إلا أنه ليس بصريح ثم إن الموقوف يحتج به إذا خلت المسألة من المرفوعات إلى رسول الله ﷺ فكيف إذا ورد عن رسول الله ﷺ أحاديث صحيحة مستفيضة عن جماعات من الصحابة وكان وضوءه متواليًا لم يُخل منه مرة واحدة؟! فدل ذلك على وجوب الموالاة في الوضوء.\n\n<span data-type='title' id=toc-275>حد الموالاة:</span>\nالموالاة لغة: التتابع.\nوفى الشرع ما قاله الكاساني: هِيَ أَنْ لَا يَشْتَغِلُ الْمُتَوَضِّئُ بَيْنَ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ بِعَمَلٍ لَيْسَ مِنْهُ (^١).\nوفي التاج: الْمُوَالَاةُ أَنْ يَفْعَلَ الْوُضُوءَ كُلَّهُ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ (^٢).\nوقال ابن عابدين: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ جَفَّ الْعُضْوُ الْأَوَّلُ بَعْدَ غَسْلِ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ وِلَاءٌ (^٣).\nوفى المواهب: الموالاة هي الْإِتْيَانُ بِجَمِيعِ الطَّهَارَةِ فِي زَمَنٍ مُتَّصِلٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ فَاحِشٍ.\n* * *\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٢).\n(^٢) «التاج والإكليل» (١/ ٣٢٢).\n(^٣) «حاشية ابن عابدين» (١/ ١٢٢).","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-276>الفصل الثالث\nسنن الوضوء</span>\nويشتمل على أربعة أقسام\nالقسم الأول: سنن قبل الوضوء وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: هل يستحب التسمية قبل الوضوء؟\nالمبحث الثاني: يستحب أن يتسوك قبل الوضوء.\nالقسم الثاني: سنن أثناء الوضوء وفيه أحد عشر مبحثًا:\nالمبحث الأول: غسل الكفين ثلاثًا، وفيه مطلبان:\nالمبحث الثاني: المضمضة والاستنشاق، وفيه سبعة مطالب.\nالمبحث الثالث: هل يستحب تخلية اللحية في غسل الوجه وفيه مطلبان:\nالمبحث الرابع: في إطالة الغرة والتحجيل.\nالمبحث الخامس: في مسح الأذنين، وفيه مطلبان:\nالمبحث السادس: لا يستحب مسح العنق.\nالمبحث السابع: تخليل الأصابع.\nالمبحث الثامن: استحباب تحريك الخاتم.","vol":"1","page":294},{"text":"المبحث التاسع: التثليث في الوضوء، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: استحباب الوضوء مرتين أو ثلاثًا عدا الرأس والأذنين.\nالمطلب الثاني: حكم الزيادة على الثلاث.\nالمطلب الثالث: استحباب الاقتصاد في الماء وعدم الإسراف فيه.\nالمبحث العاشر: التيامن.\nالمبحث الحادي عشر: الدلك.\nالقسم الثالث: سنن بعد الوضوء وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: أذكار ما بعد الوضوء.\nالمبحث الثاني: هل يستحب تنشيف الأعضاء؟\nالقسم الرابع: متفرقات في سنن الوضوء، وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: استحباب تجديد الوضوء لكل صلاة.\nالمبحث الثاني: استقبال القبلة حال الوضوء.\nالمبحث الثالث: في تخفيف الوضوء المستحب.\nالمبحث الرابع: حكم الاستعانة في الوضوء.\nالمبحث الخامس: حكم الكلام أثناء الوضوء.","vol":"1","page":295},{"text":"الفصل الثالث\n\n<span data-type='title' id=toc-277>القسم الأول: سنن قبل الوضوء</span>\nوفيه مبحثان\n\n<span data-type='title' id=toc-278>المبحث الأول: هل يستحب التسمية قبل الوضوء؟</span>\nاختلف أهل العلم في حكم التسمية قبل الوضوء على أربعة أقوال:\nالقول الأول: أن التسمية في الوضوء واجبة وهو قول عند الحنابلة (^١).\nواستدلوا لذلك بعموم قول النبى ﷺ: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله ﷿» (^٢).\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ٩٠) ومطالب أولي النهى (١/ ٩٩). قال أبو داود (مسائله) (ص ١١): سَمِعْتُ أَحْمَد يَقُولُ: إِذَا بَدَأَ يَتَوَضَّأُ، يَقُولُ: بِسْمِ الله. قُلْتُ لِأَحْمَدَ: إِذَا نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي الْوُضُوءِ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتْرُكَهُ خَطَأً وَلَا عَمْدًا، وَلَيْسَ فِيهِ إِسْنَادٌ. قلت: أي يصح.\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (٣/ ٤١)، وابن أبي شيبة (المصنف) (١/ ١٢)، وعبد بن حميد (المنتخب) (٩١٠)، وغيرهم من طرق عن كثير بن زيد، عن ربيح بن عبد الرحمن ابن أبي سعيد الخدري عن أبيه، عن جده به. وفي إسناده: ربيح بن عبد الرحمن. قال فيه ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به وذكره ابن حبان في (الثقات). لكن قال فيه البخاري: منكر الحديث. كما في العلل للترمذي (ص ٣٣)، قال أبو زرعة: شيخ. كما في الجرح والتعديل (٣/ ٥١٨).\nفالحاصل أن ربيح بن عبد الرحمن لين الحديث. وقال أحمد بن حفص السعدي: سئل أحمد بن حنبل عن التسمية في الوضوء فقال: لا أعلم حديثًا يثبت، أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد عن ربيح، وربيح رجل ليس بمعروف. انظر: الكامل (٣/ ١٧٣)، ومع أن ربيح بن عبد الرحمن لين الحديث. ففي إسناده كثير بن زيد فيه مقال.\nولهذا الحديث شواهد:\n١ - شاهد أبي هريرة: قال رسول الله: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله عَلَيْهِ»، رواه أحمد «٢/ ٤١٨)، =","vol":"1","page":296},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأبو داود (١٠١) وغيرهما من طرق عن محمد بن موسى عن يعقوب بن سلمة، عن أبيه عن أبي هريرة به وأخطأ الحاكم فقال: يعقوب بن أبي سلمة وقال: إسناده صحيح. كما في المستدرك (٥١٩) والصحيح يعقوب بن سلمة ولذا تعقبه الذهبي، وانظر البدر المنير (٣/ ٢٢٨)، ونصب الراية (١٢/ ٣).\nوهذا الحديث فيه ثلاث علل:\nالأولى: ضعف يعقوب بن سلمة.\nالثانية: جهالة سلمة الليثي وضعفه.\nالثالثة: الانقطاع بين يعقوب وأبيه، والانقطاع بين أبيه وأبي هريرة.\nقال البخاري (التاريخ الكبير) (٤/ ٧٦): لا يُعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب من أبيه.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ٧١)، والبيهقي (١/ ٤٤)، من طريق محمود بن محمد الظفري عن أيوب بن النجار عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: «مَا تَوَضَّأَ مَنْ لَمْ يَذْكِرِ اسمَ اللهِ عَلَيْهِ، وَمَا صَلَّى مَنْ لَم يَتَوَضَّأْ». وفي إسناده: محمود بن محمد الظفري قال الدارقطني: ليس بالقوي، فيه نظر. قال البيهقي: وهذا الحديث لا يُعرف من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة إلا من هذا الوجه، وكان أيوب بن النجار يقول: لم أسمع من يحيى بن أبي كثير إلا حديثًا واحدًا وهو حديث: التقى آدم وموسى. ذكره يحيى بن معين فيما رواه عنه ابن أبي مريم فكان حديثه هذا منقطعًا.\nورواه الطبراني (المعجم الصغير) (١/ ١٣١) رقم (١٩٦). وفي إسناده إبراهيم بن محمد الأنصاري: ذو مناكير. وذكره ابن حجر في (لسان الميزان): هذا الحديث في ترجمة إبراهيم، وقال: وهو منكر.\nوروى الطبراني (الأوسط) (٩/ ٦٣) رقم (٩٣١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أحدُكم مِنْ مَنامِه فَلا يُدْخِل يدَه فِي الإِنَاءِ حَتَّى يغسِلَها فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ، وَيُسَمِّي قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهًا». وزيادة «وَيُسَمِّي قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا» منكرة، تفرد بها عبد الله بن محمد بن يحيى وهو متروك.\n(٢) شاهد سهل: أخرجه ابن ماجه (٤٠٠) وفي إسناده عبد المهيمن: منكر الحديث. وتابع عبد المهيمن، ابن أبي عباس كما في الطبراني (الكبير) (٥٦٩٩) ولكنه ضعيف، والمشهور أنه حديث عبد المهيمن.\n(٣) شاهد عائشة: أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف) (١/ ١٢) رقم (١٦)، وإسحاق بن راهويه (١) =","vol":"1","page":297},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عَنْ عَمْرَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَة: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ الله ﷺ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ سَمَّى فَتَوَضَّأَ، وَيُسْبِغُ الْوُضُوء. وفي إسناده حارثة بن أبي الرجال، متروك الحديث.\nقال ابن عدي: بلغني عن أحمد أنه نظر في جامع إسحاق بن راهويه فإذا أول حديث أخرجه هذا الحديث، فأنكره جدًّا، وقال: هذا أول حديث يكون في الجامع عن حارثة.\n(٤) وروى الطبراني (الأوسط) (٢/ ٢٦) رقم (١١١٥) وغيره من طريق عيسى بن سبرة عن أبيه عن جده به، قال الهيثمي (المجمع) (١/ ٢٢٨): وعيسى بن سبرة وأبوه وعيسى بن يزيد لم أر من ذكر أحدًا منهم.\n(٥) شاهد علي: روى ابن عدي (الكامل) (٥/ ٢٤٣) من طريق عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي مرفوعًا به: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْه» وفي إسناده عيسى بن عبد الله، قال فيه أبو نعيم: روى عن أبيه عن آبائه أحاديث مناكير، وقال فيه ابن حبان (المجروحين) (٢/ ١٢١): يروي عن أبيه عن آبائه أشياء موضوعة، لا يحل الاحتجاج به.\n(٦) شاهد سعيد بن زيد: وروى أحمد (المسند) (٥/ ٣٨١) من طريق ابن حرملة، عن أبي ثفال المزني أنه قال: سمعت رباح بن عبد الرحمن بن حويطب يقول: حدثتني جدتي أنها سمعت أباها … مرفوعًا به.\nولهذا الحديث علل:\nالأولى: أن مدار الحديث على أبي ثفال المزني، وهو ضعيف.\nالثانية: ما قاله البخاري: أبو ثفال عن رباح بن عبد الرحمن في حديثه نظر.\nالثالثة: أنه حدث خلاف على أبي ثفال، فجعل تارة في مسند سعيد بن زيد كما ذكر، وجعل تارة من مسند أسماء بنت سعيد بن زيد، وجعل تارة من مسند أبي هريرة كما رواه الطحاوي (شرح معاني الآثار) (١/ ٢٧).\n(٧) شاهد أنس: وذكر عبد الحق في «البدر المنير» (٣/ ٢٥١) من طريق عبد الملك بن حبيب عن أسد بن موسى عن حماد عن ثابت عن أنس. قال الحافظ (التلخيص) (١/ ١٢٨): وعبد الملك شديد الضعف.\nوصحح هذه الأحاديث بمجموع الطرق المنذري (الترغيب) (١/ ٨٨) قال: ولا شك أن الأحاديث التي وردت فيها عن الوضوء وإن كان لا يسلم شيء منها من مقال، فإنها تتعضد بكثرة طرقها، وتكتسب قوة.\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثبت أن النبي ﷺ قاله، وصححه بمجموع الطرق ابن الصلاح وابن الملقن في (البدر التمام) (٣/ ٢٥٣) والعراقي. وقد قال الحافظ ابن حجر: الظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلًا. (التلخيص الحبير) (١/ ١٢٠٨).","vol":"1","page":298},{"text":"واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «تَوَضَّئُوا بِاسْمِ اللهِ» (^١).\nواعترض عليه بأن زيادة التسمية ضعيفة (^٢).\n_________\n=\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثبت أن النبي ﷺ قاله، وصححه بمجموع الطرق ابن الصلاح وابن الملقن في (البدر التمام) (٣/ ٢٥٣) والعراقي. وقد قال الحافظ ابن حجر: الظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلًا. (التلخيص الحبير) (١/ ١٢٠٨).\n\n(^١) ضعيف: أخرجه أحمد (٣/ ١٦٥)، وعبد الرزاق (٢٠٥٣٥) وغيرهما من طريق معمر، عن ثابت وقتادة، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَظَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ وَضُوءًا، فَلَمْ يَجِدُوا، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَاهُنَا مَاءٌ» قَالَ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ. ثُمَّ قَالَ: «تَوَضَّئُوا بِاسْمِ الله» فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَفُورُ - بَيْنَ أَصَابِعِهِ - وَالْقَوْمُ يَتَوَضَّئُونَ، حَتَّى تَوَضَّئُوا عَنْ آخِرِهِمْ. قَالَ ثَابِتٌ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: كَمْ تُرَاهُمْ كَانُوا؟ قَالَ: نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ.\nوذِكر التسمية في الحديث شاذة، تفرد بها معمر عن ثابت وقتادة. قال ابن رجب «شرح البخاري» (١/ ٢٩٩): رواية معمر عن قتادة ليست بالقوية. قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: قال معمر: جلست إلى قتادة وأنا صغير، فلم أحفظ عنه الأسانيد. وقال الدارقطني في «العلل»: معمر سيئ الحفظ لحديث قتادة. وقال الحافظ: معمر ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهاشم شيئًا.\nوقد خالف معمرًا جماعة فلم يذكروا التسمية:\n١ - سعيد بن أبي عروبة كما عند البخاري (٣٥٧٢)، ومسلم (٢٢٧٩) عن قتادة عن أنس.\n٢ - وهشام الدستوائي عن قتادة عن أنس كما عند مسلم (٢٢٧٩).\n٣ - وهمام عن قتادة عن أنس كما عند أحمد (٣/ ٢٨٩).\n٤ - حماد بن زيد عن ثابت عن أنس كما عند البخاري (٢٠٠)، ومسلم (٢٢٧٩).\nقلت: وقد رواه حميد الطويل عن أنس بدون ذكر التسمية كما عند البخاري (١٩٥).\nورواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس، كذا بدون ذكر التسمية كما عند البخاري (١٦٩)، ومسلم (٢٢٧٩). ورواه الحسن البصري قال: حدثنا أنس كما عند البخاري (٣٥٧٤).\nفهذه الرواية تدل على أن رواية معمر عن ثابت وقتادة بذكر التسمية في الحديث ضعيفة.\n(^٢) «التلخيص» (١/ ١٢٩). قال الحافظ: أصله في الصحيحين بدون هذه اللفظة.","vol":"1","page":299},{"text":"القول الثاني: أن التسمية شرط لصحة الوضوء، وهو قول داود الظاهري (^١).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله تَعَالَى عَلَيْهِ».\nالقول الثالث: ذهب جمهور العلماء إلى أن التسمية في الوضوء سنة. وهو مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية عن أحمد. والمشهور عن المالكية أن التسمية من فضائل الوضوء (^٢).\nواستدلوا لهذا بما ورد في الصحيحين من حديث ابن عباس يبلغ به النبي ﷺ قال: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ الله، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرُّهُ».\nوجه الدلالة ما قاله العيني: لما كَانَ حَال الوقاع أبعد حَال من ذكر الله تَعَالَى وَمَعَ ذَلِك تُسن التَّسْمِيَة فِيهِ، فَفِي سَائِر الْأَحْوَال بِالطَّرِيقِ الأَوْلى؛ فَلذَلِك أوردهُ البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب للتّنْبِيه على مَشْرُوعِيَّة التَّسْمِيَة عِنْد الْوضُوء (^٣).\nواعترض عليه بأن التسمية لا تشرع عند كل فضل كالأذان إذ لا تستحب التسمية قبله لعدم ورود الدليل الصحيح.\nواستدلوا بالجمع بين أحاديث لا وضوء لمن لم يذكر الله، وبين الأحاديث الواردة في الوضوء ولم يذكر فيها التسمية، فدل ذلك على أن التسمية مستحبة.\nواعترض عليه من وجهين:\nالوجه الأول: أن الأحاديث التي استدلوا بها على أنه لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه لا يصح منها حديث، وأن الأحاديث الصحيحة التي وردت في صفة وضوء النبي لم يذكر فيها\n_________\n(^١) «عون المعبود» (١/ ١٢١).\n(^٢) «البحر الرائق» (١/ ١٩)، و«حاشية ابن عابدين» (١/ ١٠٨، ١٠٩)، و«الأم» (١/ ٣١)، و«حاشية الدسوقي» (١/ ١٠٣)، و«المجموع» (١/ ٣٨٥)، و«المغني» (١/ ٧٣).\n(^٣) «عمدة القاري» (٢/ ٢٦٦).","vol":"1","page":300},{"text":"التسمية، ففي الصحيحين من حديث حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^١). فعثمان وصف وضوء النبي ﷺ ولم يذكر فيه التسمية.\nالوجه الثاني: أن أحاديث التسمية لو صحت فيصعب الجمع بينها وبين الأحاديث الأخرى لأن المتن: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله تَعَالَى عَلَيْهِ»، فالمعنى: فكما أنه لا تصح صلاة بغير وضوء، فكذا لا يصح وضوء بغير تسمية.\nوكيف يليق بالصحابة وهم يصفون وضوء النبي ﷺ أن يهملوا التسمية؟! ففي الصحيحين من حديث عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ. فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ، (^٢) ثم وصف وضوء رسول الله ﷺ ولم يذكر التسمية.\nالقول الرابع: أن التسمية في الوضوء مكروهة. وهو قول في مذهب مالك (^٣).\nواستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ …﴾ [المائدة: ٦]. والآية لم تذكر فيها التسمية ولو كانت مشروعة لذكرت.\nواعترض عليه: بأن هناك سننًا للوضوء لم تُذكر في الآية.\nوأجيب عنه: بأن السنن وردت بأدلة صحيحة.\n_________\n(^١) «البخاري» (١٥٩)، و«مسلم» (٢٣٦).\n(^٢) «البخاري» (١٨٥)، و«مسلم» (٢٣٥).\n(^٣) «حاشية العدوي» (١/ ١٨٢).","vol":"1","page":301},{"text":"واعترض عليه: بأن الأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل على المشروعية، ولم يرد ذكر التسمية في الأحاديث الصحيحة التي سيقت في صفة وضوء رسول الله ﷺ، ولو كانت التسمية واجبة لبينها الصحابة﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-279>المبحث الثاني: يستحب أن يتسوك قبل الوضوء:</span>\nدليل ذلك ما رواه أحمد من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٢/ ٤٦٠) عن مالك عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبي هريرة به. والحديث في الموطأ (١/ ٦٦).","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-280>القسم الثاني سنن أثناء الوضوء</span>\nوفيه أحد عشر مبحثًا\n\n<span data-type='title' id=toc-281>المبحث الأول: غسل الكفين ثلاثًا، وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-282>المطلب الأول: غسل الكفين ثلاثًا في ابتداء الوضوء سنة بالإجماع.</span>\nقال ابن المنذر: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ غَسْلَ الْيَدَيْنِ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ سُنَّةٌ يُسْتَحَبُّ اسْتِعْمَالَهَا، وَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ غَسَلَهُمَا مَرَّةً وَإِنْ شَاءَ غَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا، أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ، وَغَسْلُهُمَا ثَلَاثًا أَحَبُّ إِلَيَّ (^١).\n(قلت) وعموم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾ [المائدة: ٦] فهذه الآية فيها فرائض الوضوء، وما ذكر في السنة ما عدا الآية فهو سنة وقد وردت السنة بغسل الكفين عند ابتداء الوضوء.\nقال النووي: وَقَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُوْنَ عَلَى أَنَّ الوَاجِبَ فِي غُسْلِ الأَعْضَاءِ المَغْسُولَةِ هُوَ مَرَّة مَرَّة إِذَا أَسْبَغَ، وَأَنَّ الاِثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِمَا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-283>المطلب الثاني: السنة أن يغسل كفيه قبل أن يدخلهما الإناء:</span>\nوفي الصحيحين من حديث حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ … (^٣)\nوجه الدلالة أنه غسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء، ثم أدخل يده في الإناء فمضمض\n_________\n(^١) «الإجماع» (ص ٣٤)، و«الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف» (١/ ٣٧٥).\n(^٢) «شرح مسلم» (١/ ١٠٦ - ١١٤).\n(^٣) «البخاري» (١٦٠)، و«مسلم» (٢٢٦).","vol":"1","page":303},{"text":"فدل على أن ذلك هو السنة.\nقال الماوردي: غَسْلُ الْكَفَّيْنِ ثَلَاثًا قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ سُنَّةٌ عَلَى كُلِّ مُتَوَضِّئٍ أَوْ مُغْتَسِلٍ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. إن كان في يده نجاسة، وتغير الماء بالنجاسة نجس إجماعًا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-284>المبحث الثانى: المضمضة والاستنشاق، وفيه سبعة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-285>المطلب الأول: حكم المضمضة والاستنشاق:</span>\nاختلف أهل العلم في حكم المضمضة والاستنشاق على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء، وبه قال المالكية والشافعية (^٢).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، والمذكور في الآية فرائض الوضوء، وليس فيها المضمضة والاستنشاق فدل ذلك على أن المضمضة والاستنشاق سنة، ومما يؤكذ هذا المعنى ما رواه مسلم (^٣) أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى، فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ».\nالقول الثاني: أن المضمضة والاستنشاق واجبة وهذا هو المشهور عن الحنابلة (^٤). واستدلوا لذلك بما ورد في الأخبار من الأمر بالمضمضة والاستنشاق والأمر يقتضي الوجوب، ففي الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ، ثُمَّ لِيَنْثُرْ» (^٥). وإذا كان الأمر بالاستنشاق فيه أمر بالمضمضة لأنه كالعضو الواحد فالأمر يقتضي الوجوب.\n_________\n(^١) «الحاوي» (١/ ١٠١).\n(^٢) «مواهب الجليل» (١/ ٣١٣)، «الأم» (١/ ٤١).\n(^٣) «مسلم» (٢٣١).\n(^٤) «الفروع» (١/ ١٤٤)، «الإنصاف» (١/ ١٥٢، ١٥٣)، «المحرر» (١/ ١١).\n(^٥) «البخاري» (١٦٢)، و«مسلم» (٢٣٧).","vol":"1","page":304},{"text":"واعترض عليه بأن الفرائض هى التي ذُكرت في الآية تجعل هذا الأمر للاستحباب حتى يُجمع بين الأدلة.\nواستدلوا بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ «بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ» (^١). واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح.\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه الدارقطني «السنن» (١/ ١١٦): من طريق هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به. تَابَعَهُ دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ فَوَصَلَهُ، وَأَرْسَلَهُ غَيْرُهُمَا. لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ حَمَّادٍ غَيْرُ هَذَيْنِ، وَغَيْرُهُمَا يَرْوِيهِ عَنْهُ، عَنْ عَمَّارٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا يَذْكُرُ أَبَا هُرَيْرَةَ. وقال البيهقي (١/ ٥٢): هُدْبَةُ أَرْسَلَهُ مَرَّةً، وَوَصَلَهُ أُخْرَى، وَتَابَعَهُ دَاوُدُ ابْنُ الْمُحَبَّرِ، عَنْ حَمَّادٍ فِي وَصْلِهِ، وَغَيْرُهُمَا يَرْوِيهِ مُرْسَلًا. فالصحيح في هذا الحديث الإرسال.\nوله شواهد: عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنَ الْوُضُوءِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ». مدار هذا الحديث على ابن جريج عن سليمان بن موسى، واختلف عليه في الاتصال والارسال، فرواه عصام بن يوسف عن ابن المبارك عن ابن جريج عن سليمان ابن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة به. أخرجه الدارقطني «السنن» (١/ ٨٤). ورواه وكيع، عن ابن جريج عن سلميان بن موسى مرسلًا عن النبي ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَتَمَضْمَضْ وَلْيَسْتَنْشِقْ».\nوقد رجح الدارقطني المرسل فقال: تفرد به عصام عن ابن المبارك ووهم فيه، والصواب عن ابن جريج عن سليمان بن موسى مرسلًا عن النبي ﷺ، وأحسب عصامًا حدث به من حفظه فاختلط عليه، فاشتبه عليه حديث ابن جريج عن سليمان عن الزهري عن عروة عن عائشة: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ». وقال البيهقي «الكبرى» (١/ ٥٢): وَهَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَالْمُرْسَلُ أَصَحُّ.\nوعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنَ الْوُضُوءِ الَّذِي لَا يَتِمُّ الْوُضُوءُ إِلَّا بِهِمَا، وَالْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ». أخرجه الدارقطني (١/ ١٠٠).\nوفي إسناده علتان:\nالأولى: في إسناده جابر الجعفي، متهم بالكذب.\nالثانية: رواه الدارقطني (١/ ١٠١) من طريق أبي مطيع عن إبراهيم عن جابر عن عطاء عن النبي ﷺ مرسلًا، وقال الدارقطني: وهو أشبه بالصواب.","vol":"1","page":305},{"text":"القول الثالث: أن الاستنشاق واجب والمضمضة سنة.\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (^١).\nقال ابن المنذر: وَالَّذِي بِهِ نَقُولُ إِيجَابُ الِاسْتِنْشَاقِ خَاصَّةً دُونَ الْمَضْمَضَةِ لِثُبُوتِ الْأَخْبَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِالِاسْتِنْشَاقِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْمَضْمَضَةِ، قَالَ ﷺ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَنْثُرْ» وَأَمْرُهُ عَلَى الْفَرْضِ وَأَحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا الْقَوْلِ أَصْحَابُنَا لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْأَمْرَ فَرْضًا، وَاعْتَلَّ الشَّافِعِيُّ فِي وُقُوفِهِ عَنْ إِيجَابِ الِاسْتِنْشَاقِ أَنَّهُ ذَكَرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ خِلَافًا فِي أَنْ لَا إِعَادَةَ عَلَى تَارِكِهِمَا (^٢).\nوقال ابن عبد البر: وَحُجَّةُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ الْمَضْمَضَةَ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهَا، وَأَفْعَالُهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَفَعَلَ الِاسْتِنْثَارَ وَأَمَرَ بِهِ وَأَمْرُهُ عَلَى الْوُجُوبِ أَبَدًا إِلَّا أَنْ تَبَيَّنَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مُرَادِهِ (^٣).\nقلت: والراجح أ ن المضمضة والاستنشاق سنة لعدم ذكرهما فى الأية، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-286>المطلب الثاني: يستحب تقديم المضمضة على الاستنشاق:</span>\nقال ابن نجيم: الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ سُنَّتَانِ مُشْتَمِلَتَانِ عَلَى سُنَنٍ مِنْهَا تَقْدِيمُ الْمَضْمَضَةِ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ بِالْإِجْمَاعِ (^٤).\nودل على سنية ذلك مواظبة النبي ﷺ على هذا التقديم (^٥).\nوذهب الشافعية في أصح الوجهين والحنابلة في رواية إلى أن تقديم الفم على الأنف شرط\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ٣٢، ٣٣)، وأبو داود (٢٣٦٦)، والترمذي (٧٨٨)، والنسائي (١/ ٦٦)، وابن ماجه (٤٠٧) وغيرهم. وفي إسناده عاصم بن لقيط بن صبرة، ذكره ابن حبان في الثقات قال النسائي: ثقة. والنسائي يوثق بعض المجاهيل.\n(^٢) «الأوسط» (١/ ٣٧٩).\n(^٣) «فتح البر بتمهيد ابن عبد البر» (٣/ ٢٠٨).\n(^٤) «البحر الرائق» (١/ ٢٢).\n(^٥) «بدائع الصنائع» (١/ ٢١) بتصرف.","vol":"1","page":306},{"text":"في صحة الوضوء، ولو أن المتوضئ قدم الأنف على الفم فإن وضوءه باطل (^١).\nواستدلوا لذلك بأن الفم والأنف عضوان مختلفان، فيشترط الترتيب بينهما كما يشترط الترتيب بين الوجه والفم.\nواعترض عليه: بأن الفم والأنف كالعضو الواحد؛ ولذا فإنه يمضمض ويستنشق من الغرفة الواحدة، ثم يعود الثانية.\nوالراجح أن تقديم المضمضة على الاستنشاق سنة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-287>المطلب الثالث: يستحب المبالغة في المضمضة والاستنشاق:</span>\nوفي الحديث: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا».\nقال النووي: الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ سُنَّةٌ بِلَا خِلَافٍ (^٢).\nقال الخرشي: يُسْتَحَبُّ الْمُبَالَغَةُ وَهِيَ إدَارَةُ الْمَاءِ فِي أَقَاصِي الْحَلْقِ فِي الْمَضْمَضَةِ، وَفِي الِاسْتِنْشَاقِ جَذْبُهُ لِأَقْصَى الْأَنْفِ (^٣).\nوقال النووي: الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ أَنْ يُبَلِّغَ الْمَاءَ أَقْصَى الْحَلْقِ وَيُدِيرَهُ فِيهِ (^٤).\nوفي مطالب أولي النهى: أَنْ يُبَلِّغَ الْمَاءَ أَقْصَى الحَنَكِ ووجْهَي الأَسْنَانِ واللِّثَةِ (^٥).\nالحاصل: أن المبالغة في المضمضة في إدارة الماء في أكثر الفم من مقدم الأسنان حتى أقصى الحلق، والمبالغة في الاستنشاق جذب الماء لأقصى الأنف.\n_________\n(^١) «المجموع» (١/ ٤٠٠)، و«المغني» (١/ ٨٤).\n(^٢) «المجموع» (١/ ٣٩٦).\n(^٣) «الخرشي» (١/ ١٣٤).\n(^٤) «المجموع» (١/ ٣٩٦).\n(^٥) «مطالب أولي النهى» (١/ ٩٥).","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-288>المطلب الرابع: حكم المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم:</span>\nاختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: يكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم وهو قول الجمهور (^١).\nواستدلوا بالسنة والمعقول:\nأما دليلهم من السنة فعموم قول النبي ﷺ: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا».\nأما المعقول: فإن الصائم إذا بالغ في المضمضة فإنه يخشى من نزول الماء إلى الجوف.\nالقول الثاني: يحرم المبالغة للصائم، وهو قول بعض الشافعية وبعض الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بأن النهي في الحديث: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» للتحريم، وإذا كانت القُبلة تحرم على الصائم إذا خشي الإنزال، فكذا يحرم المبالغة في المضمضة والاستنشاق إذا خشي فساد الصوم.\nالقول الثالث: تكره المبالغة في الاستنشاق دون المضمضة وهو قول بعض الشافعية (^٣). واستدلوا بأن النص ورد في النهي عن الاستنشاق دون المضمضة فوجب الاقتصار على ما ورد في النص، وما كان ربك نسيًّا، وقالوا في المضمضة يمكن رد الماء بإطباق حلقه بخلاف الاستنشاق فلا يمكن ذلك.\nواعترض عليه: بأن النص الوارد في الاستنشاق لا يخلو من مقال، فصار العمدة في المسألة أنه يكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق لأنه يخشى من نزول الماء إلى الجوف والله أعلم.\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (١/ ٢١)، و«الخرشي» (١/ ١٣٤)، و«المجموع» (١/ ٣٩٢)، و«الإنصاف» (١/ ١٣٣).\n(^٢) «المجموع» (١/ ٣٩٦)، و«الإنصاف» (١/ ١٣٣)، و«المغني» (١/ ١٥٧).\n(^٣) «مغني المحتاج» (١/ ٥٨).","vol":"1","page":308},{"text":"<span data-type='title' id=toc-289>المطلب الخامس: استحباب المضمضة والاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب المضمضة والاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال (^١).\nواستدلوا لذلك بالسنة والقياس:\nأما دليلهم من السنة: فما رواه أحمد عن عبد خير قال: جلس علي … وفيه: ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ وَنَثَرَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى (^٢).\nأما دليلهم من القياس: فهو أنه لما كان الاستنثار فيه إزالة للوسخ الذي في الأنف، فدل على أن ذلك يكون بالشمال.\nواستدلوا بحديث عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَلِطَعَامِهِ، وَكَانَتِ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى. ويدخل في ذلك قضاء الحاجة وإزالة الوسخ الذي في الأنف.\nقال الخرشي: وَمِنِ السُّنَنِ الِاسْتِنْثَارُ وَهُوَ نَثْرُ الْمَاءِ أَيْ طَرْحُهُ مِنْ أَنْفِهِ بِنَفَسِهِ بِالسَّبَّابَةِ\n_________\n(^١) «شرح فتح القدير» (١/ ٣٦)، «الخرشي» (١/ ١٣٤)، «المجموع» (١/ ٣٩٧)، «المغني» (١/ ٨٤).\n(^٢) زيادة «وَنَثَرَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى» ضعيفة، أخرجه أحمد (١/ ١٣٥)، وأبو داود (١١٢)، والنسائي (٩١) وغيرهم عن زائدة بن قدامة عن خالد بن علقمة عن عبد خير قال: جلس علي .... به وخالف زائدة أبو عوانة كما عند أحمد (١/ ١٥٤) وشعبة كما عند الطيالسي (١٤٩) وسفيان الثوري كما في «زوائد المسند» (١/ ١١٥) لعبد الله بن أحمد وغيرهم كلهم رووه عن خالد بن علقمة، عن عبد خير عن علي فلم يذكروا الاستنثار بالشمال.\nقلت: وقد رواه غير خالد بن علقمة عن عبد خير فلم يذكروا الاستنثار بالشمال، منهم:\nالأول: حسن بن عقبة المرادي عن عبد خير به كما عند أحمد (١/ ١٢٣)، وإسناده صحيح.\nالثاني: أبو إسحاق السبيعي عن عبد خير كما عند الترمذي (٤٩) وغيره.\nالثالث: عبد الملك بن سلع الهمداني عن عبد خير كما عند أحمد (١/ ١١٠)، وغيره، وقد تابع عبد خير أبو حية بن قيس عن علي كما عند أحمد (١/ ١٢٠) ولكن أبو حية مجهول.","vol":"1","page":309},{"text":"وَالْإِبْهَامِ مِنْ الْيَدِ الْيُسْرَى مَاسِكًا لَهُ مِنْ أَعْلَاهُ يَمُرُّ بِهِمَا عَلَيْهِ لِآخِرِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-290>المطلب السادس: استحباب الاستنثار بعد الاستنشاق:</span>\nالاستنثار: هُوَ طَرْحُ الْمَاءِ الَّذِي يَسْتَنْشِقُهُ الْمُتَوَضِّئُ بِرِيحِ أَنْفِهِ، سَوَاءٌ كَانَ بِإِعَانَةِ يَدِهِ أَمْ لَا (^١).\nذهب جمهور العلماء إلى أن الاستنثار سنة.\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلِيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ» (^٢).\nوذهب ابن حزم إلى أن الاستنثار فرض (^٣).\nواستدل بعموم قوله: «ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ» والأمر للوجوب.\nواعترض عليه بأن المضمضة والاستنشاق والاستنثار سنة لأن الفروض ذكرت في آية المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] وليست المضمضة والاستنشاق والاستنثار في الآية، وقد روى مسلم عن عُثْمَانَ بْن عَفَّان، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى، فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ».\nفالراجح أن الاستنثار سنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-291>المطلب السابع: استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة:</span>\nدل على ذلك ما ورد في الصحيحين من حديث وُهَيْبٌ، قال: حدثنا عَمْرٍو بن يحيى، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ، وفيه: «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ» (^٤).\n_________\n(^١) «فتح الباري» في شرح حديث (١٦١).\n(^٢) «البخاري» (١٦٢)، و«مسلم» (٢٣٧).\n(^٣) «المحلى» (١/ ٢٩٦).\n(^٤) «البخاري» (١٩٢)، و«مسلم» (٢٣٥).","vol":"1","page":310},{"text":"وفي رواية أيضًا في الصحيحين من طريق خَالِد بْن عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَمْرِو بنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ وفيه: «فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ».\nوفي البخاري عن ابن عباس: «أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ» (^١). قال الحافظ: وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مِنْ كُلِّ غَرْفَةٍ.\nقال النووي: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ أَنْ يَكُونَ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ، يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا (^٢).\nقال ابن القيم: وَلَمْ يَجِئ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ.\nقلت: فدل هذا على الجمع بين المضمضة والاستنشاق. وهذا قول عند المالكية والمنصوص عن الشافعي والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\nوذهب الحنفية وقول في مذهب المالكية وهو قول أكثر الشافعية (^٤) أنه يفصل بين المضمضة والاستنشاق.\nواستدلوا بما رُويَ عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «دَخَلْتُ - يَعْنِي - عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، وَالْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ وَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ عَلَى صَدْرِهِ، فَرَأَيْتُهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ» (^٥).\n_________\n(^١) «البخاري» (١٤٠).\n(^٢) «شرح مسلم» (٣/ ٦٢١).\n(^٣) «المنتقى» (١/ ٤٥)، «الأم» (١/ ٢٤)، «المغني» (١/ ١٦٩ - ١٧٠).\n(^٤) «البحر الرائق» (١/ ٢٢)، «الخرشي» (١/ ١٣٤)، «المجموع» (١/ ٣٩٧).\n(^٥) ضعيف: رواه أبو داود (١٣٩) من طريق ليث يذكر عن طلحة عن أبيه عن جده به.\nولهذا الحديث علل:\nالأولى: في إسناده ليث بن أبي سليم ضعيف.\nالثانية: وفي إسناده طلحة لا يُعرف من هو، في الجرح والتعديل (٤/ ٤٧٣): سئل أبو زرعة عن طلحة الذي يروي عن أبيه عن جده قال: رأيت النبي يتوضأ … الحديث، فقال: لا أعرف أحدًا سمى والد طلحة إلا أن بعضهم يقول: ابن مصرف.\nالثالثة: ما قاله ابن القطان في بيان الوهم والإيهام: وعلة هَذا الخبر عندنا الْجَهْل بِحَال مصرف بن عَمْرو، وَالِد طَلْحَة بن مصرف، كما في «البدر المنير» (٣/ ٢٨٤) وجد طلحة بن مصرف اختلف في صحبته وأنكر صحبته ابن معين، وأثبت صحبته ابن مهدي. انظر «البدر المنير» (٣/ ٢٨٢). وإن لم يكن طلحة بن مصرف وكان طلحة آخر فهذا مجهول وأبوه مجهول وجده مجهول- فالحديث لا يصح والله أعلم.","vol":"1","page":311},{"text":"واعترض عليه بأنه لم يصح عن رسول الله ﷺ ولو صح فهو لبيان الجواز.\nوعَنْ أَبِي مَطَرٍ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ فِي الْمَسْجِدِ، عَلَى بَابِ الرَّحَبَةِ، جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَرِنِي وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ عِنْدَ الزَّوَالِ. فَدَعَا قَنْبَرًا فَقَالَ: «ائْتِنِي بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ. فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ ثَلاثًا، وَتَمَضْمَضَ ثَلاثًا، فَأَدْخَلَ بَعْضَ أَصَابِعِهِ فِي فِيهِ، وَاسْتَنْشَقَ ثَلاثًا» (^١).\nواعترض عليه بأن في إسناده مختار بن نافع: منكر الحديث.\nقال النووي: وَأَمَّا الْفَصْلُ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حَدِيثٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا جَاءَ فِيهِ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وقال: فلا يحتج به لو لم يعارضه شيئٌ فَكَيْفَ إذَا عَارَضَهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صِحَاحٌ (^٢).\nواستدلوا بأن الفم والأنف عضوان منفصلان والمتوضئ لا ينتقل إلى عضو حتى ينتهي من الذي قبله، فدل ذلك على الفصل بين المضمضة والاستنشاق.\nواعترض عليه بأن هذا القياس فاسد مع وجود النصوص الصحيحة.\nوالراجح أنه يجمع بين المضمضة والاستنشاق من ثلاث غرفات كما ورد في الأحاديث\n_________\n(^١) أخرجه أحمد «المسند» (١/ ١٥٨) وفي إسناده مختار بن نافع: منكر الحديث.\n(^٢) «المجموع» (١/ ٣٩٨).","vol":"1","page":312},{"text":"الصحاح، منها: «فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ»، هذا هو السنة مع جواز الفصل بين المضمضة والاستنشاق والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-293>المطلب الثامن: في صفة الجمع بين المضمضة والاستنشاق:</span>\nفي ذلك صفتان:\nالصفة الأولى: أن يأخذ ثلاث غرفات، من كل غرفة يتمضمض ويستنشق.\nروى البخاري من حديث عَبْدِ الله بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ: «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ» (^١).\nالصفة الثانية: أن يأخذ غرفة واحدة يتمضمض ويستنشق منها ثلاث مرات، وروى البخاري عن عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ: «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ» (^٢).\nوالجمع بين الروايات ما قاله الحافظ ابن حجر: وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ مَرَّةٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَيُحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ. وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِبَاقِي الرِّوَايَاتِ فَهُوَ أَوْلَى (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-292>المبحث الثالث: تخليل اللحية في الوضوء وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-294>المطلب الأول: معنى تخليل اللحية: هو إدخال الماء بين شعر اللحية مع التخليل بالأصابع حتى يصل الماء إلى بشرته.</span>\n_________\n(^١) «البخاري» (١٩٢) قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا وهيب عن عمر بن يحيى عن أبيه قال: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد به.\n(^٢) «البخاري» (١٩٩) قال حدثنا خالد بن مخلد قال حدثنا سليمان قال حدثني عمرو بن يحيى عن أبيه قال: كان عمي يكثر من الوضوء، قال لعبد الله بن زيد به.\n(^٣) «فتح الباري» (١/ ٣٦٣).","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type='title' id=toc-295>المطلب الثاني: حكم تخليل اللحية:</span>\nاختلف العلماء في حكم تخليل اللحية في الوضوء على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يستحب تخليل اللحية الكثيفة، وهو قول الحنفية وقول للمالكية والشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا لذلك بالسنة فعن عائشة: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ بِالْمَاءِ» (^٢).\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٣)، «مواهب الجليل» (١/ ١٨٩)، «تحفة المحتاج» (١/ ٢٣٤)، «الإنصاف» (١/ ١٣٤)، «كشاف القناع» (١/ ١٠٦).\n(^٢) ضعيف: مدار الحديث على عمر بن أبي وهب، فرواه ابن المبارك وشعبة وعبد الصمد بن عبد الوارث وغيرهم عن عمر بن أبي وهب عن موسى بن ثروان عن طلحة بن عبيد الله عن عائشة به. أخرجه أحمد (٦/ ٢٣٤)، وإسحاق بن راهويه «مسنده» (١٣٧١)، وغيرهما. ورواه زيد بن الحباب عن عمر عن موسى بن طلحة عن عائشة، أخرجه أحمد (٦/ ٢٣٣). وموسى بن طلحة خطأ، والصواب موسى عن طلحة. فهذا الحديث تفرد به موسى عن طلحة، وتفرد به طلحة عن عائشة، ولا يدرى هل سمع طلحة من عائشة أم لا؟. قال أبو داود: قلت لأحمد بن حنبل: تخليل اللحية؟ قال: يخللها، قد رُوي فيها أحاديث ليس يثبت فيهم حديث. كما في مسائل أحمد (٤٠)، وانظر «حاشية ابن القيم» على سنن أبي داود (١/ ١٧٠). قال ابن دقيق: والذي اعتل به في هذا الحديث الاضطراب.\nقيل: موسى بن ثروان من رواية شعبة، وقيل: ابن ثروان من رواية وكيع.\nوللحديث شواهد:\n١ - روى عبد الرزاق (١٢٥)، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا. وفيه: وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ حِينَ غَسَلَ وَجْهَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَفْعَلُ كَالَّذِي رَأَيْتُمُونِي، وفي إسناده عامر بن شقيق، قال فيه النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات لكن ضعفه ابن معين وأبو حاتم، ومع ذلك فقد خالف من أوثق منه عن أبي وائل، وخالف جميع من روى الحديث عن عثمان حيث لم يذكروا تخليل اللحية.=","vol":"1","page":314},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوقد خالف عامرًا عبدة بن أبي لبابة عن أبي وائل عن عثمان به بدون ذكر تخليل اللحية، وعبدة ابن أبي لبابة أوثق من عامر بن شقيق. وقد روى هذا الحديث عدد من التابعين عن عثمان بدون ذكر التخليل والحديث في الصحيحين منهم حمران مولى عثمان. قال البخاري: أصح شيء عندي حديث عثمان. قيل: إنهم يتكلمون في هذا. قال: هو حسن. فقوله: (أصح شيء) لا يقتضي أنه صحيح، والحسن الذي في كلام البخاري لا يراد به الحسن الاصطلاحي عند المتأخرين.\n٢ - شاهد عمار: روى ابن أبي شيبة (١/ ١٩)، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ تَوَضَّأَ فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فَعَلَهُ. وفي إسناده عبد الكريم بن أبي أمية، ضعيف. وفي سنده انقطاع بين عبد الكريم وحسان. قال البخاري «التاريخ الكبير» (٣/ ٣١): لَمْ يَسْمَعْ عَبْدُ الْكَرِيمِ مِنْ حَسَّانَ، قال أحمد: لَمْ يَسْمَعْ عَبْدُ الْكَرِيمِ مِنْ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ حَدِيثَ التَّخْلِيلِ، انظر سنن الترمذي (٢٩). ووقع في رواية أبو يعلى (١٦٠٤) التصريح بالتحديث بين عبد الكريم وحسان، ولعله حدث خطأ لا سيما في أدوات التحمل قد يحدث فيها خطأ؛ لأن هذا مخالف لنصوص الأئمة.\n٣ - شاهد أنس، قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ وخلل لحيته بأصابعه من تحتها، وقال: بهذا أمرني به. ومدار هذا على محمد بن حرب، فرواه محمد بن وهب بن أبي كريمة عن محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن أنس به، أخرجه الحاكم «المستدرك» (١/ ١٤٩) ورواه يزيد بن عبد ربه، ثنا محمد بن حرب عن الزبيدي، أنه بلغه عن أنس، كما ذكره الحافظ في «التلخيص الحبير» (١/ ١٥٠). ويزيد بن عبد ربه أوثق من محمد بن وهب بن أبي كريمة. فالصحيح فيه الإرسال.\nوتابع الزهري يزيد الرقاشي عند ابن أبي شيبة (١/ ٢٠)، واختلف على يزيد، وعلى كل فيزيد ضعيف. ووردت طرق أخرى عن أنس لا تخلو من مقال.\n٤ - شاهد أبي أمامة. ومداره على أبي غالب واختلف عليه. فرواه عمر بن سليم عن أبي غالب عن أبي أمامة مرفوعًا، ورواه آدم أبو عباد عن أبي غالب أنه رأى أبا أمامة يخلل لحيته. أي موقوف في «التاريخ الكبير» (٣/ ٢/ ١٦١). وآدم أوثق من عمر بن سليم فيكون الموقوف أصح. وفي إسناده أبو غالب: ضعيف.\n٥ - شاهد أبي أيوب. رواه أحمد «المسند» (٥/ ٤١٧)، وغيره. في إسناد واصل بن السائب الرقاشي: منكر الحديث ومع هذا فهناك انقطاع بين أبي سورة وأبي أيوب، قال البخاري: لا يُعرف لأبي سورة سماع من أبي أيوب، كما في «العلل الكبير» للترمذي. =","vol":"1","page":315},{"text":"القول الثاني: يجب تخليل اللحية وهو قول للمالكية (^١).\nواستدلوا بالأدلة الواردة بتخليل اللحية وقالوا: هذه الأدلة تصل إلى الوجوب.\nالقول الثالث: يكره تخليل اللحية، ذكره ابن عبد البر عن مالك (^٢).\nواستدلوا بأن الأحاديث الصحيحة التي وردت في صفة الوضوء لم يذكر فيها تخليل اللحية.\n_________\n= ٦ - شاهد ابن عمر قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ عَرَكَ عَارِضَيْهِ بَعْضَ الْعَرْكِ، ثُمَّ شَبَكَ لِحْيَتَهُ بِأَصَابِعِهِ مِنْ تَحْتِهَا، رواه ابن ماجه (٤٣٢) من طريق الأوزاعي عن عبد الواحد عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، ورواه الدارقطني (١/ ١٥٢) من طريق إِسْمَاعِيل بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَمَاعَةَ، ثنا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ قَيسٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَيَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ مرسلًا، ورواه الدارقطني من طرق وقال: الصواب هو المرسل. ورجح أبو حاتم المرسل كما في «العلل لأبي حاتم» (١/ ٣١)، وعلى كل فمدار الحديث على عبد الواحد بن قيس وهو ضعيف.\n٧ - شاهد عبد الله بن أبي أوفى، أخرجه أبوعبيد «الطهور» (٨٢)، وفي إسناده أبو ورقاء العبدي: متروك.\n٨ - شاهد أبي بكرة، أخرجه البزار (١٦٤)، وإسناده ضعيف.\n٩ - شاهد جابر، رواه ابن عدي «الكامل» (١/ ٤٠٣)، وفي إسناده أصرم عن مقاتل بن حيان، منكر الحديث، قاله البخاري كما في «التاريخ الكبير» (٢/ ٥٦).\n١٠ - عن كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بَاطِنَ لِحْيَتِهِ وَقَفَاهُ.\nرواه الطبراني «المعجم الكبير» (١٩/ ١٨١)، وفي إسناده مصرف بن عمرو، وأبوه وجده لا يُعرفون، قاله ابن القطان كما في «الوهم والإيهام» (٣/ ٣١٦).\nوله شواهد عن أم سلمة، وابن عباس، وأبي الدرداء وغيرهم، ولكن لا يصح في هذا الباب حديث.\n(^١) «مواهب الجليل» (١/ ١٨٩)، «الفواكه الدواني» (١/ ١٣٩).\n(^٢) في «التمهيد» (٢٠/ ١٢١): قال مالك: تخليلها في الوضوء ليس من أمر الناس. وعاب ذلك على من فعله.","vol":"1","page":316},{"text":"وكل الأحاديث التي وردت في تخليل اللحية لا يصح منها حديث.\nقال أحمد: ليس يصح عن النبي ﷺ في التخليل شيء (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-296>المبحث الرابع: في إطالة الغرة والتحجيل، فيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-297>المطلب الأول: تعريف الغرة والتحجيل.</span>\nالغرة: (بالكسر) بياض في الجبهة:\nوفي الشرع: الغرة غسل شيء من مقدم الرأس مع الوجه، والتحجيل هو تجاوز غسل المرفقين في غسل اليدين، وتجاوز الكعبين في غسل الرجلين (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-298>المطلب الثاني: حكم إطالة الغرة والتحجيل:</span>\nاختلف أهل العلم في حكم إطالة الغرة والتحجيل على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: ذهب جمهور الحنفية والشافعية والحنابلة (^٣) إلى أنه يشرع إطالة الغرة والتحجيل.\nواستدلوا لذلك بما روى مسلم من حديث نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ.\nوَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ إِسْباغِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ\n_________\n(^١) «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (١/ ١٧٠).\n(^٢) «لسان العرب» (٥/ ١٤)، (١١/ ١٤٤)، و«النهاية في غريب الحديث» (١/ ٣٤٦). وأَصل الغُرَّة الْبَيَاضِ الَّذِي يَكُونُ فِي وَجْهِ الْفَرَسِ، وكأَنه عُبّر عَنِ الْجِسْمِ كُلِّهِ بالغُرَّةِ.\nوفى النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٥٤) قال: وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «غُرٌّ مُحَجَّلون مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ» الغُرُّ: جَمْعُ الأَغَرِّ، مِنَ الغُرَّة: بياضِ الوجْه، يُريد بَياض وجُوهِهم بِنُورِ الوُضوء يَوْمَ الْقِيَامَةِ.\n(^٣) «فتح القدير» (١/ ٣٦)، «المجموع» (١/ ٤٥٨ - ٤٦٠)، «المغني» (١/ ٧٤).","vol":"1","page":317},{"text":"اسْتَطَاعَ مِنْكمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ» (^١).\nواعترض على هذا الحديث من وجهين:\nالأول: ما قاله الحافظ ابن حجر: لَمْ أَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي رِوَايَةِ أَحَدٍ مِمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُمْ عَشَرَةٌ، وَلَا مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرَ رِوَايَةِ نُعَيْمٍ هَذِهِ. أي رواه الثقات بدونها (^٢).\nالثاني: ما قاله ابن القيم: لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ تَجَاوَزَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ، وَلَكِنْ أَبُو هُرَيْرَةَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيَتَأَوَّلُ حَدِيثَ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ غَسَلَ يَدَيْهِ حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدَيْنِ وَرِجْلَيْهِ حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقَيْنِ، فَهُوَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى إِدْخَالِ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى مَسْأَلَةِ الْإِطَالَةِ (^٣).\nالقول الثاني: تشرع إطالة التحجيل دون الغرة (^٤).\nواستدلوا بأنه لا يمكن إطالة إلا في اليد والساق بخلاف الوجه، فإن الوجه يجب استيعابه.\nالقول الثالث: ذهب المالكية (^٥) إلى أنه لا يشرع إطالة الغرة والتحجيل، واختاره من الحنابلة ابن القيم (^٦).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾\n_________\n(^١) «مسلم» (٢٤٦)، وروى «البخاري» (١٣٦)، و«مسلم» (٢٤٦) من طريق نعيم ولفظه: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ».\n(^٢) «فتح الباري» (١/ ٢٣٦).\n(^٣) «زاد المعاد» (١/ ١٩٦).\n(^٤) «المجموع» (١/ ٤٥٩).\n(^٥) «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١/ ١٢٨)، «حاشية الدسوقي» (١/ ١٠٣).\n(^٦) «زاد المعاد» (١/ ١٩٦).","vol":"1","page":318},{"text":"[المائدة: ٦] فحدد الله في كتابه موضع الوضوء.، وردت صفة الوضوء عن عدد متوافر من الصحابة أن رسول الله كان يغسل اليدين إلى المرفقين والأرجل إلى الكعبين، فدل ذلك على أنه لايجوز مجاوزة ما حد الله ورسوله؛ ولذا اعتبره المالكية من الغلو ومجاوزة الحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-299>المبحث الخامس: مسح الأذنين: وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-300>المطلب الأول: حكم مسح الأذنين:</span>\nقال ابن هبيرة: وأجمعوا على أن مسح باطن الأذنين وظاهرهما سنة من سنن الوضوء، إلا أحمد فإنه رأى مسحهما واجبًا، وعنه أنه سنة (^١).\nوقال القرطبي: وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه، ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي ﷺ، ولا يوجبون عليه إعادة إلا إسحاق (^٢).\nودل على أن مسح الأذنين سنة ما ورد فى الصحيحين: من حديث عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ وفيه: «ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ … ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» (^٣).\nوفي الصحيحين من حديث حمران وفيه: «ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» (^٤)، وهذا الحديث من أصح الأحاديث في بيان صفة وضوء النبي ﷺ وفيه: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».\nوفيه «ثم مسح رأسه»، ثم غسل رجليه، ولم يذكر بينهما مسح الأذنين، ولو كان مسحًا واجبًا لذكر فيهما مسح الأذنين فعُلم أنه مسح الأذنين سنة.\nالقول الثاني: يجب مسح الأذنين. وهو قول بعض المالكية والمشهور من مذهب الحنابلة\n_________\n(^١) «الإفصاح» (١/ ٧٤).\n(^٢) «الجامع لأحكام القرآن» (٦/ ٩٠).\n(^٣) «البخاري» (١٨٥)، و«مسلم» (٢٣٥).\n(^٤) «البخاري» (١٥٩)، و«مسلم» (٢٣٦).","vol":"1","page":319},{"text":"وإسحاق (^١).\nواستدلوا بعموم قول النبى ﷺ: «الأُذُنَان مِنَ الرَّأْسِ» (^٢).\n_________\n(^١) «المنتقى» (١/ ٧٥)، «الإنصاف» (١/ ٦٢، ٦٣)، «الأوسط» (١/ ٤٠٥).\n(^٢) ضعيف: مدار هذا الحديث على ابن جريج، واختلف عليه، فرواه أبو كامل عن غندر عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس به. رواه البزارفي «مسنده»، وأخرجه الدارقطني (١/ ٩٨، ٩٩)، وتابع أبا كامل الربيع بن بدر كما عند الدارقطني (١/ ٩٩) والربيع متروك، وخالفهما جماعة منهم وكيع، وعبد الرزاق وسفيان وعبد الوهاب وغيرهم، كلهم عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن النبي ﷺ. أي مرسلًا. كما عند الدارقطني (١/ ٩٩)، وقد صرح ابن جريج بالتحديث في الرواية المرسلة كما عند أبي عبيد «الطهور» (٣٦٠)، وقد رجح الدارقطني الرواية المرسلة. وقد بين الحافظ علة هذا الخبر فقال: رواه الدارقطني، وهذا رجاله رجال مسلم إلا أن له علة، فإن أبا كامل الجحدري تفرد به عن غندر وتفرد به غندر عن ابن جريج وخالفه من هو أحفظ منه وأكثر عددًا فرووه عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن النبي ﷺ معضلًا كما في النكت (١/ ٤١٢)، وروى الطبراني (الكبير) (١٠/ ٣٩١): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ قَارِظِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي غَطَفَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اسْتَنْشِقُوا مَرَّتَيْنِ، وَالْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» وزيادة (وَالْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ) وَهِمَ فيها الطبراني، ودل على ذلك أن الجماعة رووه بدون هذه الزيادة، فرواه ابن أبي شيبة (١/ ٣٣)، وأبو داود (١٤١) عن إبراهيم بن موسى وابن المبارك كما في «سنن النسائي» (٥/ ٢٧٨)، وأسد بن موسى كما في «المنتقى» (٧٧) وابن الجارود وغيرهم، فتبين من هذا شذوذ الطبراني، ورواه الدارقطني (١/ ١٠١)، وفي إسناده القاسم بن غصن، ضعيف، وروى عن ابن عباس موقوفًا عليه كما رواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٤)، وفي إسناده عليّ بن زيد وهو مشهور الضعف.\nوللحديث شواهد:\nالأول: حديث أبي أمامة، وفي إسناده سنان بن ربيعة وشهر بن حوشب، كلاهما فيه ضعف.\nالثاني: حديث عبد الله بن زيد كما رواه ابن ماجه (٤٤٣)، وفي إسناده سويد بن سعيد، فيه ضعف.\nالثالث: حديث ابن عمر، أخرجه الدارقطني (١/ ١٠٢) وفيه علل: الأولى: في إسناده يحيى ابن العريان، ذكره الخطيب «تاريخه» (١٤/ ١٦١)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. الثانية: في إسناده أسامة بن زيد فيه مقال. الثالثة: اختلف فيه على أسامة على الوقف والرفع. فرواه حاتم =","vol":"1","page":320},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بن إسماعيل عن أسامة عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، أخرجه الدارقطني (١/ ١٠٢)، وقد خالف حاتمًا أبو أسامة، فرواه موقوفًا عند ابن أبي شيبة (١/ ٢٤)، قال الدارقطني: رفعه وهم، والصواب عن ابن عمر من قوله، وله طرق عن ابن عمر لا تصح.\nالرابع: حديث عائشة أخرجه الدارقطني (١/ ١٠٠)، وله علتان:\n١ - في إسناده محمد بن الأزهر، كَذَّبه أحمد. ٢ - أن الصحيح في هذا الحديث الإرسال.\nالخامس: حديث أبي هريرة وله طرق: الطريق الأول: مداره على ابن جريج واختلف عليه، فرواه علي بن عاصم عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «الأُذُنَان مِنَ الرَّأْسِ»، أخرجه الدارقطني (١/ ١٠٠). ورواه محمد بن جعفر (غندر) عن ابن جريج. أخرجه الدارقطني (١/ ٩٩). ورواه وكيع وسفيان وعبد الرزاق وغيرهم عن ابن جريج عن سليمان عن النبي ﷺ مرسلًا، وهو الصواب وقد سبق بيانه.\nورواه الدارقطني (١/ ١٠١)، من طريق إسماعيل بن مسلم عن عطاء عن أبي هريرة وقد اختلف فيه على إسماعيل وقد سبق بيانه في حديث ابن عباس، وقد أخرجه ابن ماجه (٤٤٥) وغيره من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به مرفوعًا، وفي إسناده عمرو بن الحصين متروك. وأخرجه الدارقطني (١/ ١٠٢) عن البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا، قال الدارقطني: البختري بن عبيد ضعيف، وأبوه مجهول.\nالسادس: حديث أبي موسى، ومداره على عبد الرحيم بن سليمان، أخرجه الدارقطني (١/ ١٠٢) من طريق علي بن جعفر بن زياد عن عبد الرحيم عن أشعث بن سوار عن الحسن عن أبي موسى مرفوعًا وفي إسناده علل:\nالأولى: الحسن لم يسمع من أبي موسى.\nالثانية: خالف علي بن جعفر ابن أبي شيبة (١/ ٢٤) فرواه موقوفًا، قال الدارقطني: تابعه (أي: ابن أبي شيبة) إبراهيم بن موسى الفراء وغيره، عن عبد الرحيم، قال: والصواب موقوف، الحسن لم يسمع من أبي موسى. وقال ابن عدي «الكامل» (١/ ٣٧٣): لا أعلم رفع هذا الحديث عن عبد الرحيم غير جعفر بن زياد ورواه غيره موقوفًا عن عبد الرحيم.\nالشاهد السابع: حديث أنس، رواه الدارقطني (١/ ١٠٤)، وغيره، وفي إسناده عبد الحكم، قال الدارقطني: لا يحتج به. ورواه الطبراني «مجمع البحرين» (٤١٦) وفي إسناده عمر بن أبان، قال الذهبي «الميزان» (٣/ ١٨١) عن أنس في الوضوء لا يُعرف.","vol":"1","page":321},{"text":"وجه الدلالة: أن مسح الرأس يقتضي معها مسح الأذنين؛ لأن الأذنين من الرأس، فإذا كان الأذنان من الرأس فإذا كان في الأحاديث غسل برأسه اقتضى ذلك مسح الأذنين مع الرأس. واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله.\nواستدلوا بما رواه مالك من حديث عَبْدِ اللهِ الصُّنَابِحِيِّ وفيه: «فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ» (^١). قال السندي: اُسْتُدِلَّ بقوله: «حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ» على أن الأذنين من الرأس؛ لأن خروج الخطايا منهما بمسح الرأس. واعترض عليه: بأنه ضعيف.\nواستدلوا بحديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «تَوَضَّأَ رَسُولُ الله ﷺ فَغَرَفَ غَرْفَةً فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ بَاطِنِهِمَا بِالسَّبَّاحَتَيْنِ وَظَاهِرِهِمَا بَإِبْهَامَيْهِ، ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى» (^٢).\n_________\n(^١) مرسل: وروى مالك «الموطأ» (١/ ٣١) عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ الله الصُّنَابِحِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَتَمَضْمَضَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ، وَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ». وقال مالك: عبد الله الصنابحي وهو خطأ والصواب أبو عبد الله الصنابحي. قال الترمذي سألت محمد بن إسماعيل البخاري فقال: وهم فيه مالك، وهو أبو عبد الله الصنابحي، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة، ولم يسمع من النبي، وقال علي بن المديني ما قاله البخاري. فالحديث منقطع، الصنابحي لم يدرك النبي ﷺ، وروى مالك «الموطأ» (١/ ٣٢) عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ بمعناه ولم يذكر مسح الرأس ولا الأذنين. وروى مسلم (٨٣٢) من حديث عمرو بن عبسة وفيه: «ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ». ولم يتعرض فيه لمسح الأذن.\n(^٢) مدار الحديث على زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس، فرواه الجماعة بدون ذكر مسح الأذنين، منهم: سفيان الثوري عند البخاري (١٥٧)، وسليمان بن بلال عند البخاري","vol":"1","page":322},{"text":"\n_________\n= (١٤٠)، وداود بن قيس عند أحمد (١/ ٣٣٦).، ومعمر عند عبد الرزاق (١٢٦)، وأبو بكر بن محمد عند عبد الرزاق (١٢٩)، وورقاء بن عمر عند البيهقي (١/ ٧٣)، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير عند البيهقي (١/ ٧٣).\nأما من ذكر مسح الأذنين فهم: ابن عجلان عند النسائي (١٠٢)، وهشام بن سعد عند أبي داود (١٣٧)، وعبد العزيز الدراوردي عند النسائي (١٠١)، وابن ماجه (٤٠٣)، ولا يخلو هؤلاء الثلاثة من المقال، مع مخالفتهم للثقات. فالراجح رواية الجماعة بدون ذكر مسح الأذنين. وورد عن ابن عباس في قصة مبيته عند خالته ميمونة وفيه: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً»، أخرجه أحمد (١/ ٣٦٩، ٣٧٠)، وفي إسناده عباد بن منصور، ضعيف. وورد الحديث في الصحيحين، وفيه ذكر الوضوء مجملًا ولم يذكرمسح الأذنين فالحديث ضعيف.\nوهناك أحاديث وردت في مسح الأذنين:\n١ - فعَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ. وفيه: «ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا» وإسناده ضعيف، أخرجه عبد الرزاق «المصنف» (١٢٥)، وقد سبق تخريجه.\n٢ - شاهد الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ، قَالَتْ: «أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَوَضَعْنَا لَهُ الْمِيضَأَةَ، فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ، بَدَأَ بِمُؤَخَّرِهِ، وَأَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ». رواه أحمد (٦/ ٣٥٩)، وغيره، ومدار الحديث على عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ضعيف.\n٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْرَجْتُ إِلَيْهِ مَاءً يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ أَقْبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ، وَمَسَحَ بِأُذُنَيْهِ، وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ»، شاذ، والحديث مداره على عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد، ورواه عنه جماعة منهم عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، واختلف عليه: فرواه هاشم بن القاسم عن عبد العزيز يذكر مسح الأذنين، وخالف هاشمًا جماعة منهم أحمد بن يونس كما عند البخاري (١٩٧)، وأحمد بن عبد الله كما عند ابن ماجه (١٠٩٣) وأبو الوليد وسهل بن حماد كما عند أبي داود (١٠٠)، وغيرهم بدون ذكر مسح الأذنين، وروى الحديث الثقات الأثبات عن عمرو بن يحيى ولم يذكروا مسح الأذنين، منهم: مالك، كما في «الموطأ» (١/ ١٨)، ومن طريقه البخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥) ووهيب بن خالد كما عند البخاري (١٨٦)، ومسلم (٢٣٥) وسليمان بن بلال كما عند البخاري (١٩٩)، ومسلم (٢٣٥) وخالد بن عبد الله الطحان كما عند البخاري (١٩١)، ومسلم (٢٣ وغيرهم كثير =","vol":"1","page":323},{"text":"واعترض عليه، بأن الأحاديث تدل على مسح الأذنين وإن كانت لا تخلو من مقال فقد أجمع العلماء على أن مسح الأذنين سنة من سنن الوضوء وليس هناك دليل صحيح على أن الأذنين من الرأس، والفرض الذي في كتاب الله بالإجماع هو مسح الرأس، فدل ذلك على أن مسح الأذنين سنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-301>المطلب الثاني: في صفة مسح الأذنين:</span>\nقال ابن عابدين: يمسح باطنهما بباطن السبابتين، وظاهرهما بباطن الإبهامين (^١). وفى حديث ابن عباس: «ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ بَاطِنِهِمَا بِالسَّبَّاحَتَيْنِ وَظَاهِرِهِمَا بَإِبْهَامَيْهِ».\n_________\n=فلم يذكروا مسح الأذنين. وروى مسلم (٢٣٦) من طريق حبان بن واسع، عن أبيه عن عبد الله بن زيد بدون ذكر مسح الأذنين، فهذه الزيادة شاذة بلا شك.\n٤ - وروى أبو داود (١٣٥) عن مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «يَا رَسُولَ الله كَيْفَ الطُّهُورُ؟ فَدَعَا بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ، وَبِالسَّبَّاحَتَيْنِ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا»، ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ - أَوْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ -».\nمدار هذا الحديث على موسى بن أبي عائشة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، واختلف على موسى: فرواه أبو عوانة بهذا اللفظ كما عند أبي داود (١٣٥)، ورواه سفيان عن موسى، واختلف على سفيان، فرواه أبو أسامة عن سفيان كرواية أبي عوانة كما عند ابن أبي شيبة (١/ ١٦٥)، وخالف أبا أسامة يعلى بن عبيد عن موسى كما عند أحمد (٢/ ١٨٠) بلفظ قال: «هَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ، وَتَعَدَّى، وَظَلَمَ».\nوتابع يعلى بن عبيد، الأشجعي عن سفيان به كما في «المنتقى» (٧٥) لابن الجارود، وابن خزيمة (١٧٤)، فمن نقص في الحديث ضعيفة. قال السندي في حاشيته «سنن النسائي» (١/ ٨٨): والمحققون على أنه وهم؛ لجواز الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين. قال الحافظ: إسناده جيد، لكن عده مسلم في جملة ما أنكره على عمرو بن شعيب، لأن ظاهره ذم النقص عن الثلاث، كما في «فتح الباري» (١/ ٢٣٣).\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٢٤٣).","vol":"1","page":324},{"text":"وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه: «ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ».\nوعن أبي وائل عن عثمان وفيه: أنه توضأ، فمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ.\nوعن الْمِقْدَامِ بْنَ مَعْدِ يكَرِبَ وفيه: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا (^١).\nقلت: وكل الأحاديث في مسح الأذنين ضعيفة.\nوقال البهوتي: وكيف مسح الأذنين أجزأ.\nفالحاصل: أنه يمسح باطن الأذنين بالسبابتين، وظاهرهما بباطن الإبهامين وتمسح الأذنان معًا، ولا يقدم اليمنى على اليسرى (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-302>المبحث السادس: في مسح العنق</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يستحب مسح العنق (^٣).\nقال ابن القيم: ولم يصح عنه في مسح العنق حديث البتة (^٤).\nوذهب الحنفية وقول عند الشافعية ورواية عن الحنابلة إلى أنه يستحب مسح العنق في الوضوء (^٥).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين عن عبد الله بن زيد وفيه: «ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ». قالوا: فالقفا يدخل في العنق.\nواعترض: بأن حد مسح الرأس إلى القفا، وليس في الحديث سنية مسح العنق.\n_________\n(^١) ضعيف، أخرجه أحمد (٤/ ١٣٢)، وفي إسناده: عبد الرحمن بن ميسرة: مجهول.\n(^٢) «المجموع» (١/ ٤٤٣).\n(^٣) «حاشية الدسوقي» (١/ ١٠٣)، «إعانة الطالبين» (١/ ٤٩)، «الإنصاف» (١/ ١٣٧).\n(^٤) «زاد المعاد» (١/ ١٩٥).\n(^٥) «البحر الرائق» (١/ ٢٩)، و«روضة الطالبين» (١/ ٦١)، و«شرح العمدة» (١/ ١٩٣).","vol":"1","page":325},{"text":"واستدلوا بما وردعَنْ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ رَأْسَهُ حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ، وَمَا يَلِيهِ مِنْ مُقَدَّمِ الْعُنُقِ بِمَرَّةً (^١).\nقال: القذال: أي القفا. فدل هذا الحديث على استحباب مسح القفا.\nوعَن ابْن عمر ﴿أنه إذا توضأ مسح عنقه ويقول: قال النَّبِي ﷺ: «من تَوَضَّأ وَمسح عُنُقه وُقِي الغل يَوْم الْقِيَامَة» (^٢).\nواعترض عليه بما قاله النووي: وَلم يَصح فِي مسح الرَّقَبَة شَيْء (^٣).\nالراجح أنه لا يشرع مسح العنق في الوضوء، لأنه لايصح فى مسح العنق حديث.\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أحمد (٣/ ٤١٨) وفيه علل:\nالأولى: ليث بن أبي سليم فيه ضعف.\nالثانية: طلحة لا يدرى من هو، فإن كان طلحة بن مصرف فمصرف هذا مجهول كما قال ابن القطان «البدر المنير» (٣/ ٢٨٤)، وجد طلحة مختلف في صحبته. وقد ورد هذا السند في حديث الفصل بين المضمضة والاستنشاق، ورواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٧) عند حفص ابن غياث عن ليث به. ولفظه: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ رَأْسَهُ هَكَذَا، وَأَمَرَّ حَفْصٌ بِيَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى مَسَحَ قَفَاهُ». وأخرجه البيهقي وفيه: «أبصر النبي ﷺ حيث توضأ مسح رأسه وأذنيه وأمر يديه على قفاه» وضَعَّفه البيهقي. قال النووي «المجموع» (١/ ٤٨٨): ضعيف باتفاق. وضَعَّفه الحافظ كما في «التلخيص» (١/ ٩٢).\n(^٢) قال الحافظ في «التلخيص» (١/ ٩٣): قال أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» ثم ذكر السند والمتن. قال ابن الملقن في هذا الحديث: غريب لا أعرفه إلا من كلام موسى بن طلحة كذلك رواه أبو عبيد في غريبه. وقال الحافظ (١/ ٩٢): رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطُّهُورِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنِ الْمَسْعُودِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: «مَنْ مَسَحَ قَفَاهُ مَعَ رَأْسِهِ وُقِيَ الْغُلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».\n(^٣) «البدر المنير» (١/ ٣٨).","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type='title' id=toc-303>المبحث السابع: تخليل الأصابع، وفيه مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-304>المطلب الأول: معنى تخليل الأصابع: قال ابن سِيده: قال أصحابنا: من سنن الوضوء تخليل أصابع الرجلين في غسلهما، وهذا إذا كان الماء يصل إليهما من غير تخليل، فلو كانت الأصابع ملتفة لا يصل إليها الماء إلا بتخليل فحينئذ يجب التخليل لا لذاته، ولكن لأداء فرض الغسل </span>(^١).\n<span data-type='title' id=toc-305>المطلب الثاني: استحباب تخليل الأصابع في الوضوء:</span>\nاختلف العلماء في حكم تخليل الأصابع في الوضوء على أقوال:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى استحاب تخليل الأصابع، وهو مذهب الحنفية وبعض المالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بما روى أبو داود عن لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ. قَالَ: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (^٣). وعن ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الصَّلاةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ: «خَلِّلْ\n_________\n(^١) انظر «الفتاوي الهندية» (١/ ٧).\n(^٢) «تبيين الحقائق» (١/ ٥)، «شرح فتح القدير» (١/ ٣٠)، «مقدمات ابن رشد» (١/ ٨٣)، «المجموع» (١/ ٤٥٥)، «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٤٨)، «كشاف القناع» (١/ ١٠٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٤٢)، والترمذي (٧٨٨)، والنسائي (١/ ٦٦)، وابن ماجه (٤٠٧٠)، وغيرهم عن إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط عن أبيه مرفوعًا، وفي إسناده عاصم ابن لقيط، روى عن أبيه لقيط بن صبرة، وعنه أبو هشام إسماعيل بن كثير المكي، قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، له عندهم حديث واحد في المبالغة في الاستنشاق، فالراجح أن عاصمًا مجهول، والنسائي يوثق بعض المجاهيل، وكذا ابن حبان يذكر بعض المجاهيل في كتابه الثقات.","vol":"1","page":327},{"text":"أَصَابِعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ» (^١).\nالقول الثاني: أن التخليل واجب في اليدين والرجلين، وهو قول عند المالكية (^٢).\nواستدلوا بحديث لقيط بن صبرة، وفيه: «وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ».\nوَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَوَضَّأُ وَيُخَلِّلُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَيُدَلِّكُ عَقِبَيْهِ، وَيَقُولُ: «لَا يُخَلِّلُ الله تَعَالَى بَيْنَهَا بِالنَّارِ» (^٣).\nوجه الدلالة: «خَلِّلُوا بَيْنَ أَصَابِعِكُمْ»، هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب.\nواعترض عليه بأن في إسناده عمر بن قيس: منكر الحديث.\nقال الشوكاني: وَالْأَحَادِيثُ قَدْ صَرَّحَتْ بِوُجُوبِ التَّخْلِيلِ وَثَبَتَتْ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ وَفِعْلِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إمْكَانِ وُصُولِ الْمَاءِ بِدُونِ تَخْلِيلٍ وَعَدَمِهِ، وَلَا بَيْنَ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، فَالتَّقْيِيدُ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٢٨٧)، وفي إسناده صالح مولى التوأمة فيه ضعف، وعبد الرحمن بن أبي الزناد صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد. وعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ، صَاحِبِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ»، أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٩)، وغيره، ومدار الحديث على ابن لهيعة وهو ضعيف.\nوَعَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَتَوَضَّأُ، وفيه: ثُمَّ خَلَّلَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ كَالَّذِي رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ»، وفي إسناده عامر بن شقيق فيه ضعف، أخرجه الدارقطني (١/ ٨٦).\n(^٢) «الجامع لأحكام القرآن» (٢/ ٧٥).\n(^٣) منكر: أخرجه الدارقطني (١/ ٩٥): وقال الحافظ في «التلخيص الحبير» (١/ ٩٤): روى زيد بن أبي الزرقاء عن الثوري عن أبي مسكين واسمه حر بن مسكين عن هزيل بن شرحبيل عن ابن مسعود مرفوعًا: «لِيَنْهَكَنَّ أَحَدُكُمْ أَصَابِعَهُ قَبْلَ أَنْ تُنْهِكَهُ النَّارُ». وخالف زيد بن أبي الزرقاء عبد الرزاق (٦٨) فرواه عن الثوري موقوفًا، ورواه أبو الأحوص عن أبي مسكين موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٩).\nورواه وكيع عن سفيان بن منصور عن طلحة عن عبد الله قال: «خَلِّلُوا بَيْنَ أَصَابِعِكُمْ بِالْمَاءِ قَبْلَ أنْ تَحْشُوهَا النَّارُ»، أخرجه ابن أبي شيبة (١٩) ورجاله ثقات.","vol":"1","page":328},{"text":"بِأَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ أَوْ بِعَدَمِ إمْكَانِ وُصُولِ الْمَاءِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ (^١).\nواعترض عليه بأن الله ذكر في كتابه غسل الرجلين، وكذا الأحاديث الصحاح، في صفة الوضوء كحديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما ليس فيهما ذكر تخليل الأصابع، ولو كان واجبًا لذكر في الأحاديث الصحاح، والأحاديث التي فيها تخليل الأصابع لا تخلو من مقال.\nالقول الثالث: تخليل أصابع الرجلين واجب في اليدين، سنة في الرجلين، وهو قول للمالكية (^٢).\nقال الخرشي: وَإِنَّمَا وَجَبَ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ دُونَ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ لِعَدَمِ شِدَّةِ اتِّصَالِ مَا بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، فَأَشْبَهَ مَا بَيْنَهُمَا الْبَاطِنَ لِشِدَّةِ الِاتِّصَالِ فِيمَا بَيْنَهُمَا.\nقال ابن العربي: وَالْحَقُّ أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي الْيَدَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِالدَّلْكِ، غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الرِّجْلَيْنِ؛ لِأَنَّ تَخْلِيلَهَا بِالْمَاءِ يُقَرِّحُ بَاطِنَهَا، وَقَدْ شَاهَدْنَا ذَلِكَ، وَمَا عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ فِي تَخْلِيلٍ تَتَقَرَّحُ بِهِ الْأَقْدَامُ؟! (^٣).\nواعترض عليه بأن الأحاديث الواردة في الباب عامة: «وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ»، وهذا يشمل أصابع اليدين والرجلين.\nالقول الرابع: أن التخليل «يفعل أحيانًا» وهذا هو السنة.\nقال ابن القيم: كَذَلِكَ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ لَمْ يَكُنْ يُحَافِظُ عَلَيْهِ، وَفِي \" السُّنَنِ \" عَنِ المستورد بن شداد: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ يُدَلِّكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ»، وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ عَنْهُ فَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَحْيَانًا؛ وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِهِ الَّذِينَ اعْتَنَوْا بِضَبْطِ وُضُوئِهِ كعثمان وعلي وعبد الله بن زيد (^٤).\nوالراجح: أنه إذا كان الماء يصل إلى الأصابع بغير تخليل فإنه لا يجب عليه التخليل،\n_________\n(^١) نيل الأوطار (١/ ١٩٦).\n(^٢) «المنتقى» للباجي (١/ ٣٧).\n(^٣) «الجامع لأحكام القرآن» (٢/ ٧٥).\n(^٤) «زاد المعاد» (١/ ١٨٩).","vol":"1","page":329},{"text":"والأحاديث التي في الباب لا يصح منها حديث، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-306>المطلب الثالث: في صفة تخليل الأصابع:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه يبدأ في اليدين بالتشبيك، وفي الرجلين يخلل بخنصر يده اليسرى بادئًا بخنصر رجله اليمنى حتى يصل إلى الإبهام، ثم يبدأ بإبهام الرجل اليسرى ويختم بالخنصر (^١).\nوذهب بعض الشافعية إلى أنه يخلل رجله بخنصر يده اليمنى (^٢).\nوهناك بعض الأقوال الأخرى ولا تخلو من مقال.\nوفي الباب حديث المستورد قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ».\nقلت: ولا يصح عن رسول الله ﷺ دليل خاص صحيح فيما أعلم يفيد تعيين اليد اليمنى أو اليسرى للتخليل.\n\n<span data-type='title' id=toc-307>المبحث الثامن: استحباب تحريك الخاتم:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن من كان في أصبعه خاتم فلم يصل الماء إلى ما تحته وجب إيصال الماء إلى ما تحته بتحريكه أو خلعه، وإن تحقق وصوله استحب تحريكه، وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) «فى شرح فتح القدير» (١/ ٣٠) قال: صِفَتُهُ فِي الرِّجْلَيْنِ أَنْ يُخَلِّلَ بِخِنْصِرِ يَدِهِ الْيُسْرَى خِنْصِرَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى، وَيَخْتِمَ بِخِنْصِرِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى. وانظر «البحر الرائق» (١/ ٢٢)، «حاشية العدوي» (١/ ١٩٧)، «كشاف القناع» (١/ ٢)، «المغني» (١/ ٧٦).\n(^٢) «المجموع» (١/ ٤٥٥).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٢)، «المجموع» (١/ ٤٢٧)، «المغني» (١/ ١٥٣).","vol":"1","page":330},{"text":"واستدلوا بما روى ابن ماجه (^١) عن أَبِي رَافِعٍ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ، حَرَّكَ خَاتَمَهُ.\nوإن كان هذا الحديث ضعيفًا، لكن غسل الأصابع ثابت فيغسل ما تحت الخاتم ليعم الماء جميع البشرة، أما إن كان الخاتم واسعًا ووصل الماء فلا حاجة إلى التحريك، وإن كان ضيقًا\nفلا بد من التحريك ليصل الماء إلى ما تحته (^٢).\nوذهب مالك إلى أنه لا يجب عليه تحريك خاتمه (^٣)، وأن الخاتم قد يشق نزعه عند كل وضوء، وإذا كان ما تحته يسيرًا فيعفى عنه.\nواعترض عليه بأن الأمر بغسل اليد والأصابع يشمل غسل ما تحت الخاتم.\nفالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من إيصال الماء إلى ما تحت الخاتم، سواء كان واسعًا أم ضيقًا وأنَّ غسل اليدين إلى المرفقين واجب من رؤوس الأصابع حتى نهاية المرفقين، وإذا كان النبي ﷺ قال: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»، وكان هذا التوعد على ترك جزء من القدم لم يمسه الماء، فقد دل ذلك على عدم ترك ما تحت الخاتم أو الساعة والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-308>المبحث التاسع: التثليث في الوضوء وفيه ثلاثة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-309>المطلب الأول: استحباب الغسلة الثانية والثالثة عدا الرأس والأذنين</span>\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب الغسلة الثانية والثالثة عدا الرأس والأذنين في الوضوء وبه قال الحنفية وقول عند المالكية والحنابلة (^٤).\nواستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين من حديث حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ\n_________\n(^١) منكر: أخرجه ابن ماجه (٤٤٩)، وفي إسناده معمر بن محمد بن عبيد الله: منكر الحديث، وأبوه محمد بن عبيد الله بن أبي رافع: منكر الحديث.\n(^٢) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٢).\n(^٣) «الفواكه الدواني» (١/ ٤٩)، «المنتقى» (١/ ٣٦).\n(^٤) «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٩)، و«المنتقى» (١/ ٣٦)، و«المغني» (١/ ٩٤).","vol":"1","page":331},{"text":"عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^١).\nالحديث فيه استحباب الثلاث غسلات، ما عدا الرأس فإنها تمسح مرة واحدة.\nوذهب الشافعي إلى استحباب الغسلة الثانية والثالثة في جميع الأعضاء بما فيها الرأس والأذنان (^٢). واستدلوا بما روى مسلم أَنَّ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ فَقَالَ: أَلَا أُرِيكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا (^٣).\nوجه الدلالة: «توضأ النبي ثلاثًا ثلاثًا» فيدخل في ذلك مسح الرأس ثلاثًا.\nواعترض عليه بأن هذا حديث مجمل، وورد مفصلًا، وفيه غسل سائر أعضاء الوضوء ثلاثًا عدا مسح الرأس فهى مرة واحدة.\nقال البيهقي: أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا، اعْتَمَدَ الشَّافِعِىُّ فِى تَكْرَارِ الْمَسْحِ وَهَذِهِ رِوَايَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَالرِّوَايَاتُ الثَّابِتَةُ الْمُفَسَّرَةُ عَنْ حُمْرَانَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكْرَارَ وَقَعَ فِيمَا عَدَا الرَّأْسِ مِنَ الأَعْضَاءِ وَأَنَّهُ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً.\nواستدلوا بما روى أبو داود عَنْ شَقِيقِ، قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا\n_________\n(^١) البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٣٦).\n(^٢) «المجموع» (١/ ٤٦١)، «روضة الطالبين» (١/ ٥٩)، «سنن البيهقي» (١/ ٦٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٣٠) من طريق أبي أنس مالك بن عامر الأصبحي، وقد رواه الدارقطني «السنن» (١/ ٩٢) من طريق صالح بن عبد الجبار عن البيلماني عن أبيه عن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ، وفيه: (وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا) وفي إسناده البيلماني هو محمد بن عبد الرحمن: منكر الحديث، وقد اختلف في إسناده، وأخرجه أحمد (١/ ٦١)، وفي إسناده زيد بن دارة: مجهول الحال، وأخرجه أبو داود (١٠٧) وفي إسناده عبد الرحمن بن وردان: لين الحديث.","vol":"1","page":332},{"text":"ثَلَاثًا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فَعَلَ هَذَا (^١).\nواعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nالقول الثالث: ما قاله ابن القاسم: لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يُوَقِّتُ فِي الْوُضُوءِ مَرَّةً وَلَا مَرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثًا. وَقَالَ: إنَّمَا قَالَ الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فَلَمْ يُوَقِّتْ ﵎ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ (^٢).\nوالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي استحباب الغسلة الثانية والثالثة عدا الرأس والأذنين.\nوأختم بما قاله النووي: وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ مَرَّةً مَرَّةً وَعَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ سُنَّةٌ، وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالْغَسْلِ مَرَّةً مَرَّةً وَثَلَاثًا ثَلَاثًا وَبَعْضُ الْأَعْضَاءِ ثَلَاثًا وَبَعْضُهَا مَرَّتَيْنِ وَبَعْضُهَا مَرَّةً، قَالَ الْعُلَمَاءُ: فَاخْتِلَافُهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَأَنَّ الثَّلَاثَ هِيَ الْكَمَالُ وَالْوَاحِدَةُ تُجْزِئُ فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ اخْتِلَافُ الْأَحَادِيثِ.\nورجح شيخ الإسلام: أن الأفضل أن يتوضأ أحيانًا مرة مرة، وأحيانًا مرتين مرتين، وأحيانًا ثلاثًا ثلاثًا، وأحيانًا ينوع في الوضوء الواحد بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثًا؛ ليفعل السنن على جميع وجوهها (^٣).\n_________\n(^١) مدار الحديث على عامر بن شقيق وهو لين الحديث، واختلف عليه. فرواه أبو داود عن يحيى بن آدم عن إسرائيل عن عامر عن شقيق به، ولفظة: «وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا» منكرة؛ لأن الرواة الأثبات الثقات (وكيع وابن مهدي وأبو عامر العقدي وغيرهم) رووا الحديث عن إسرائيل عن عامر بن شقيق به، ولم يذكروا: «وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا» فهذه اللفظة منكرة.\nأخرجه أحمد (١/ ٧٥)، وعبد الرزاق (١٢٥)، وابن الجارود «المنتقى» (٧٢)،.\n(^٢) «المدونة» (١/ ١١٣).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٣٣٧). وانظرشرح النووي على مسلم (٣/ ١٠٦)","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-310>المطلب الثاني: هل الزيادة على الثلاث من الإسراف؟</span>\nقال الشوكاني: لا خلاف في كراهة الزيادة على الثلاث.\nوفي «البحر الرائق»: أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ثَلَاثٍ مَكْرُوهَةٌ، وَهِيَ مِنْ الْإِسْرَافِ، وَهَذَا إذَا كَانَ مَاءَ نَهْرٍ أَوْ مَمْلُوكًا لَهُ، فَإِنْ كَانَ مَاءً مَوْقُوفًا عَلَى مَنْ يَتَطَهَّرُ أَوْ يَتَوَضَّأُ حَرُمَتْ الزِّيَادَةُ وَالسَّرَفُ بِلَا خِلَافٍ وَمَاءُ الْمَدَارِسِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُوقَفُ وَيُسَاقُ لِمَنْ يَتَوَضَّأُ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ (^١).\nواستدلوا بأن الزيادة على الثلاث من الإسراف بالسنة والمعقول:\nأما دليلهم من السنة: فروى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو وفيه قول رسول الله ﷺ: «ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا»، ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ - أَوْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ -».\nأما دليلهم من المعقول: فإن الزيادة عن الثلاث تورث الوسوسة.\nقال أحمد وإسحاق: لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى.\nوالراجح: أنه يكره الزيادة على الثلاث والله أعلم.\nقال النووي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ، وَالْمُرَادُ بِالثَّلَاثِ الْمُسْتَوْعِبَةِ لِلْعُضْوِ (^٢).\n_________\n(^١) (١/ ٣٠). وقال ابن تيمية «الفتاوى الكبرى» (١/ ٢٢٤): فَاَلَّذِي يُكْثِرُ صَبَّ الْمَاءِ حَتَّى يَغْتَسِلَ بِقِنْطَارِ مَاءٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لَلسُّنَّةِ، وَمَنْ تَدَيَّنَ بِهِ عُوقِبَ عُقُوبَةً تَزْجُرُهُ وَأَمْثَالَهُ عَنْ ذَلِكَ كَسَائِرِ الْمُتَدَيِّنِينَ بِالْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لَلسُّنَّةِ.\nقال ابن حزم: ويكره الإكثار من الماء في الغسل والوضوء والزيادة على الثلاث في غسل أعضاء الوضوء لأنه لم يأت عن رسول الله أكثر من ذلك، «المحلى» (المسألة ٢٠٨).\n(^٢) «شرح مسلم» (٢/ ١١١).","vol":"1","page":334},{"text":"<span data-type='title' id=toc-311>المطلب الثالث: استحباب الاقتصاد في الماء وعدم الإسراف فيه:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى كراهة الإسراف في الماء واستحباب الاقتصاد في الوضوء.\nواستدلوا بما روى أحمد من حديث عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ: «سَيَكُونُ من بعدي قَوْمٌ من هَذِهِ الْأُمَّةِ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ وَالطَّهُورِ» (^١).\nواعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) مدار هذا الحديث على حماد بن سلمة: فرواه سليمان بن حرب وعفان وموسى بن إسماعيل وعبد الصمد وغيرهم، كلهم عن حماد بن سلمة عن سعيد الجريري عن أبي نعامة عن عبد الله بن مغفل به، أخرجه أحمد (٤/ ٨٧)، وأبو داود (٩٦)، وابن ماجه (٣٨٦٤)، وغيرهم، وحماد بن سلمة وإن كان سمع من الجريري قبل الاختلاط كما في (الكواكب النيرات) (١٨٣)، فإن أبا نعامة لم يسمع من عبد الله بن مغفل، قال الذهبي في تعليقه على المستدرك (١/ ١٦٢): فيه إرسال. ورواه يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أبي نعامة به كما عند أحمد (٤/ ٨٦)، ويزيد: ضعيف ولعله أخطأ، والصواب رواية الجماعة. ورواه أبو الوليد الطيالسي عن حماد عن الجريري عن أبي العلاء، عن عبد الله بن مغفل، أخرجه ابن حبان (٦٧٦٣) وهذه الرواية معلة لمخالفتها لرواية الجماعة فجعل بدلًا من أبي نعامة أبي العلاء وأبو الوليد الطيالسي في روايته عن حماد مقال. قال أبو حاتم في ترجمة أبي الوليد: إن سماعه من حماد فيه شيء وكأنه سمع منه بآخره، وكان حماد بن سلمة ساء حفظه في آخر عمره كما في تهذيب الكمال، ورواية الجماعة أَوْلى بالصواب وفيها انقطاع بين الجريري وأبو نعامة.\nوله شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص، أخرجه أحمد (١/ ١٧٢) قال حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ زِيَادُ بْنُ مِخْرَاقٍ: قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ عَبَايَةَ يُحَدِّثُ عَنْ مَوْلًى لِسَعْدٍ (ح) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ مِخْرَاقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ عَبَايَةَ الْقَيْسِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ مَوْلًى لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ ابْنٍ لِسَعْدٍ أن سعدًا .... الحديث. وأبو عباية اسمه: قيس بن عباية، انظر: «تعجيل المنفعة» (١٣١٩). فأبو عباية يحدث به مرة عن عبد الله بن مغفل ومرة يحدث به عن مولى سعد أن سعدًا. وفي إسناده زياد بن مخراق، قال الأثرم: سألت أحمد عنه فقال: ما أدري، قال قلت له: روى حديث سعد أن النبي قال: «يكون بعدي قوم يعتدون في الدعاء»، فقال: لم يقم إسناده. قلت: فهو لا يصح.","vol":"1","page":335},{"text":"الْإِسْرَافَ: هُوَ الِاسْتِعْمَالُ فَوْقَ الْحَاجَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ (^١).\nقال الكاساني: لَا يُسْرِفَ فِي الْوُضُوءِ وَلَا يُقَتِّرَ، وَالْأَدَبُ فِيمَا بَيْنَ الْإِسْرَافِ، وَالتَّقْتِيرِ؛ إذْ الْحَقُّ بَيْنَ الْغُلُوِّ، وَالتَّقْصِيرِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا» (^٢).\nوعلى هذا التعريف فقد يخطئ من يقتر في الماء إلى حد لا يسبغ معه الوضوء.\nوالإسراف نسبي على حسب توافر الماء وقلته أو عدمه. والله أعلم.\nوالحاصل: ما ذهب الجمهور من كراهة الإسراف في الماء.\n\n<span data-type='title' id=toc-312>المبحث العاشر: من سنن الوضوء التيامن:</span>\nقال النووي: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ مِنَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ، لَوْ خَالَفَهَا فَاتَهُ الْفَضْلُ وَصَحَّ وُضْوءُهُ (^٣).\nقال ابن المنذر: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ بَدَأَ بِيَسَارِهِ قَبْلَ يَمِينِهِ (^٤).\nوفي الصحيحين: من حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» (^٥).\nوروى أحمد: من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «إِذَا لَبِسْتُمْ، وَإِذَا تَوَضَّأْتُمْ، فَابْدَءُوا بِأَيَامِنِكُمْ» (^٦).\n_________\n(^١) «البحر الرائق» (١/ ٣٠).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٣).\n(^٣) «شرح مسلم» (٣/ ١٦٠).\n(^٤) «الأوسط» (١/ ٣٨٧)، ونقل عن أحمد والشافعي القول بأن الترتيب بين اليمنى واليسرى واجب كما في «فتح الباري» (١/ ٢٧٠)، و«المبدع» (١/ ١١٠)، ولا يصح هذا القول عنهما، ونقل النووي كما في «شرح مسلم» (١/ ١٦٠) القول عن الشافعي بكراهة البداءة باليسار.\n(^٥) «البخاري» (١٦٨)، «مسلم» (٢٦٨).\n(^٦) إسناده صحيح: رواه أحمد (٢/ ٣٥٤)، وأبو داود «٤١٤١)، وابن ماجه (٤١٢).","vol":"1","page":336},{"text":"أما مَنْ قَدَّمَ يده اليسرى على اليمنى صح وضوءه وفاته الفضل لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة: ما قاله أبو عبيد: لِأَنَّ التَّنْزِيلَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِيَمِينٍ قَبْلَ يَسَارٍ، إِنَّمَا نَزَلَ بِالْجُمْلَةِ فِي ذِكْرِ الْأَيْدِي، وَذِكْرِ الْأَرْجُلِ، فَهَذَا الَّذِي أَبَاحَ الْعُلَمَاءُ تَقْدِيمَ الْمَيَاسِرِ عَلَى الْمَيَامِن.\n\n<span data-type='title' id=toc-313>المبحث الحادي عشر: من سنن الوضوء: الدلك:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن دلك أعضاء الوضوء مستحب.\nقال النووي: لَا يَجِبُ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْوَجْهِ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْضَاءِ لَا فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْغُسْل، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، هَذَا مَذْهَبُنَا (^١) وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ (^٢).\nواستدلوا لهذا بأن الرجل الذي أصابته الجنابة أعطاه النبي إناء وقال: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ»، ولو كان الدلك شرطًا لأخبره به النبي ﷺ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nوروى مسلم عن أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: «لَا. إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» (^٣). (ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ) أى: أن الطهارة بمجرد إفاضة الماء.\nوذهب مالك وبعض الشافعية إلى أن الدلك شرط في الوضوء والغسل (^٤).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.\nوجه الدلالة: ما قَالَه عَطَاءٌ فِي الْجُنُبِ يُفِيضُ عَلَيْهِ الْمَاءَ، قَالَ: لَا، بَلْ يَغْتَسِلُ غُسْلَانِ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ وَلَا يُقَالُ: اغْتَسَلَ إلَّا لِمَنْ دَلَكَ نَفْسَهُ؛ وَلِأَنَّ الْغُسْلَ طَهَارَةٌ عَنْ\n_________\n(^١) «المجموع شرح المهذب» (١/ ٣٨٢).\n(^٢) انظر: «أحكام القرآن للجصاص» (٢/ ٥٢٢)، «حاشية ابن عابدين» (١/ ١٢٣)، «المغني» (١/ ٢٩٠).\n(^٣) «مسلم» (٣٣٠).\n(^٤) «المدونة» (١/ ١٣٢، ١٣٣)، وهو قول المزني كما في «المجموع» (١/ ٢١٤).","vol":"1","page":337},{"text":"حَدَثٍ، فَوَجَبَ إمْرَارُ الْيَدِ فِيهَا، كَالتَّيَمُّمِ (^١).\nواعترض عليه بأن من صب الماء عليه بغير دلك يسمى مغتسلًا.\nقال ابن حزم: مَنْ غَمَسَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ فِي الْمَاءِ وَنَوَى بِهِ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ، أَوْ وَقَفَ تَحْتَ مِيزَابٍ حَتَّى عَمَّهَا الْمَاءُ وَنَوَى بِذَلِكَ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ، أَوْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ، أَوْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ غَيْرُهُ وَنَوَى هُوَ بِذَلِكَ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ اسْمَ غُسْلٍ يَقَعُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ اسْمَ الْغُسْلِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى التَّدَلُّكِ بِالْيَدِ فَقَد ادَّعَى مَا لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ (^٢).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ لعائشة: «وادلكي بيدك» الأمر للوجوب واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله (^٣).\nواستدلوا بأنه إذا كان يشترط في التيمم المسح، أي التدليك، فكذا في الوضوء.\nواعترض عليه بما قاله ابن قدامة: أما قياسه (أي الوضوء على التيمم) فبعيد؛ لأن التيمم أمرنا فيه بالمسح، والمسح لا يكون إلا باليد، ويتعذر في الغالب إمرار التراب إلا باليد (^٤).\nوالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء أي أن دلك أعضاء الوضوء مستحب لعموم قوله ﷺ للرجل الذي أصابته الجنابة: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ». ولو أن رجلًا جنبًا انغمس في نهر أو بحر أن ذلك يجزئه، فدل ذلك على أن التدليك مستحب وليس بشرط. الله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) «المغني» (١/ ٢٩٠).\n(^٢) «المحلى» (مسألة ١١٥).\n(^٣) «مواهب الجليل» (١/ ٢١٨).\n(^٤) «المغني» (١/ ٢٩٠).","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-314>القسم الثالث سنن بعد الوضوء</span>\nوفيه مبحثان\n\n<span data-type='title' id=toc-315>المبحث الأول: أذكار ما بعد الوضوء.</span> وفيه أربعة مطالب:\n<span data-type='title' id=toc-316>المطلب الأول: يستحب أن يقول بعد فراغه من الوضوء: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ»</span> (^١).\n<span data-type='title' id=toc-317>المطلب الثانى: هل يستحب أن يقول بعد الوضوء اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ؟</span>\nروى الترمذي عن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ، فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (^٢).\n_________\n(^١) روى مسلم (٢٣٤) من حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الْإِبِلِ فَجَاءَتْ نَوْبَتِي فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَائِمًا يُحَدِّثُ النَّاسَ فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» قَالَ: فَقُلْتُ: مَا أَجْوَدَ هَذِهِ!! فَإِذَا قَائِلٌ بَيْنَ يَدَيَّ يَقُولُ: الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ. فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ قَالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ جِئْتَ آنِفًا، قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».\n(^٢) زيادة (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) شاذة. مدار الحديث على معاوية بن صالح واختلف عليه، فرواه زيد بن الحباب عن معاوية عن ربيعة الدمشقي عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن عمر به.\nوخالف زيد بن الحباب جماعة في السند والمتن، منهم: ابن مهدي كما عند مسلم (٢٣٤). وابن وهب عند أبي داود (١٦٩) والليث بن سعد عند أحمد (٤/ ١٤٥، ١٤٦)، وغيرهم، كلهم عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن عقبة بن عامر به بدون زيادة «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين»، فهذه شاذة، وهذه المخالفة في المتن.\nأما المخالفة في السند فزيد بن الحباب جعل الحديث يرويه أبو إدريس وأبو عثمان عن عمر وقد تابع أبا إدريس أبو عثمان كما في «مسلم» (٢٣٤) من طريق ابن مهدي عن معاوية بن صالح عن أبي عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة بدون الزيادة، وقد تابعهما عبد الوهاب ابن بخت كما عند أحمد (٤/ ١٤٥، ١٤٦)، والبيهقي (١/ ٧٨)، بدون الزيادة، فكل هذا يدل على شذوذ لفظه: «اللهم اجعلني من التوابين».","vol":"1","page":339},{"text":"واعترض عليه بأن زيادة «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ» شاذة ولا تصح عن رسول الله. ولذا فلا تقال عقب الوضوء.\n\n<span data-type='title' id=toc-318>المطلب الثالث: هل يستحب رفع البصر إلى السماء عند ذكر الدعاء بعد الوضوء؟</span>\nعن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ مِنَ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».\nقلت: وزيادة «رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ» منكرة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-319>المطلب الرابع: في الأذكار التي تقال عند غسل الأعضاء:</span>\nقال ابن حجر: قَالَ الرَّافِعِيُّ: مِنَ السُّنَنِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الدَّعَوَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْوُضُوءِ، فَيَقُولُ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ: اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ. وَعِنْدَ غَسْلِ الْيَدِ الْيُمْنَى: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي وَحَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا. وَعِنْدَ غَسْلِ الْيُسْرَى: اللَّهُمَّ لَا تُعْطِنِي كِتَابِي بِشِمَالِي، وَلَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي. وَعِنْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ: اللَّهُمَّ حَرِّمْ شَعْرِي وَبَشَرِي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ١٩)، وأبو داود (١٧٠)، وغيرهما من طريق أبي عقيل عن ابن عم أبي عقيل، عن عقبة بن عامر به، وابن عم أبي عقيل مجهول، ومع جهالته فقد ذكر زيادة «ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ» لم يرويه الأثبات الثقات فهي شاذة، والله أعلم.","vol":"1","page":340},{"text":"عَلَى النَّارِ. وَرُوِيَ: اللَّهُمَّ احْفَظْ رَأْسِي وَمَا وَعَى، وَبَطْنِي وَمَا حَوَى. وَرُوِيَ اللَّهُمَّ أَغِثْنِي بِرَحْمَتِكَ، وَأَنْزِلْ عَلَيَّ مِنْ بَرَكَتِكَ، وَأَظِلَّنِي تَحْتَ عَرْشِكَ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّكَ. وَعِنْدَ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ. وَعِنْدَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمَيَّ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَامُ (^١).\nقال الخرشي: وَمَا يُقَالُ عِنْدَ فِعْلِ كُلِّ عُضْوٍ فَحَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا وَلَا يُعْمَلُ بِه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-320>المبحث الثانى: هل يستحب تنشيف الأعضاء؟</span>\nأجمع العلماء على أن التنشيف بالمناديل وغيره بعد الوضوء والغسل لا يحرم.\nوذهب جمهور العلماء إلى أنه لا بأس بالتمسح بالمنديل بعد الوضوء والغسل، وبه قال الحنفية والمالكية وقول عند الشافعية والمشهور من قول الحنابلة (^٣).\nواستدلوا لذلك بما روى الترمذي من حديث مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ وَجْهَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ» (^٤).\nوروى الترمذي أيضًا من حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ لِرَسُولِ الله ﷺ خِرْقَةٌ يُنَشِّفُ بِهَا بَعْدَ الوُضُوءِ» (^٥).\n_________\n(^١) «التلخيص الحبير» (١/ ١٣٧).\nقال النووي في الروضة: هذا الدعاء لا أصل له، وقال ابن الصلاح: لم يصح فيه حديث.\n(^٢) «الخرشي» (١/ ١٣٩). حكم قراءة سورة القدر بعد الوضوء: سئل ابن حجر الهيثمي عَنْ حَدِيثِ «مَنْ قَرَأَ فِي أَثَرِ وُضُوئِهِ إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً كَانَ مِنْ الصِّدِّيقِينَ، وَمَنْ قَرَأَهَا مَرَّتَيْنِ كُتِبَ فِي دِيوَانِ الشُّهَدَاءِ وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثًا حَشَرَهُ الله مَحْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ» مَنْ رَوَاهُ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: رَوَاهُ الديْلمِي، وَفِي سَنَدِهِ مَجْهُولٌ وَاَلله أَعْلَمُ.\n(^٣) «المبسوط» (١/ ٧٣)، «المدونة» (١/ ١٢٥)، «المجموع» (١/ ٤٦٨)، «المغني» (١/ ٩٥)، «الفروع» (١/ ١٥٦)، «الإنصاف» (١/ ١٦٦).\n(^٤) إسناده ضعيف جدًّا: أخرجه الترمذي (٥٤)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ الإفْرِيقِيُّ يُضَعَّفَانِ فِي الحَدِيثِ.\n(^٥) ضعيف جدًّا: أخرجه الترمذي (٥٣) حَدِيثُ عَائِشَةَ لَيْسَ بِالقَائِمِ، وَلَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا البَابِ شَيْءٌ. وَأَبُو مُعَاذٍ: يَقُولُونَ: هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.","vol":"1","page":341},{"text":"روى ابن ماجه من حديث سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ «تَوَضَّأَ، فَقَلَبَ جُبَّةَ صُوفٍ كَانَتْ عَلَيْهِ، فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ» (^١).\nواعترض على هذه الأحاديث بما قاله الترمذي: ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء.\nوذهب الحنابلة في قول إلى كراهة التمسح بالمنديل ونحوه في الوضوء والغسل (^٢).\nواستدلوا بما روى البخاري من حديث مَيْمُونَةَ قَالَتْ: «وَضَعَ رَسُولُ الله ﷺ وَضُوءًا لِجَنَابَةٍ» وفيه: «ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» قَالَتْ: «فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ» (^٣). وفي رواية: «ثُمَّ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا» (^٤). وفي مسلم: «ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ» (^٥). وجه الدلالة: رَدُّ النبي ﷺ للمنديل دليل على الكراهة.\nواعترض عليه من وجهين: الأول: ما قاله ابن رجب: واستدل بعضهم برد النبي الثوب على ميمونة على كراهة التنشيف، ولا دلالة فيهِ على الكراهة، بل على أن التنشيف ليس مستحبًّا، ولا أن فعله هو أولى، لا دلالة للحديث على أكثر من ذلك، كذا قاله الإمام أحمد وغيره من العلماء. والثاني: ما قاله ابن دقيق العيد: بأن نفضه الماء بيديه يدل على أن لا كراهة للتنشيف؛ لأن كلا منهما إزالة.\nوالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء أنه لا بأس بالتمسح بالمنديل ونحوه بعد الوضوء والغسل.\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٤٦٨)، وله علتان:\nالأولى: في إسناده الوضين بن عطاء، فيه مقال.\nالثانية: الانقطاع، فمحفوظ بن علقمة لم يسمع من سلمان الفارسي.\n(^٢) «الإنصاف» (١/ ١٦٦).\n(^٣) «البخاري» (٢٧٤).\n(^٤) «البخاري» (٢٥٩).\n(^٥) «مسلم» (٣١٧).","vol":"1","page":342},{"text":"<span data-type='title' id=toc-321>القسم الرابع متفرقات في سنن الوضوء</span>\nوفيه خمسة مباحث\n\n<span data-type='title' id=toc-322>المبحث الأول: استحباب تجديد الوضوء لكل صلاة:</span>\nروى البخاري من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ (^١).\nوالحديث فيه استحباب الوضوء لكل صلاة مع جواز جمع أكثر من صلاة بوضوء واحد، دل على ذلك ما رواه مسلم من حديث بُرَيْدَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ …» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-323>المبحث الثاني: استقبال القبلة حال الوضوء:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب استقبال القبلة حال الوضوء (^٣).\nقال ابن مفلح: وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَلَا تَصْرِيحَ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ فِي كُلِّ طَاعَةٍ إلَّا لِدَلِيلٍ (^٤).\nقلت: ليس ثَمَّ دليل على استحباب استقبال القبلة حال الوضوء؛ ولذا فالوضوء على حسب ما تيسر ولا يتقصد استقبال القبلة بذلك؛ لأن هذا لم يرد عن رسول الله، ولو كان هذا\n_________\n(^١) «البخاري» (٢١٤).\n(^٢) «مسلم» (٢١٧).\n(^٣) «تبيين الحقائق» (١/ ٦)، «حاشية ابن عابدين» (١/ ١٢٥)، الخرشي (١/ ١٣٧)، «المجموع» (١/ ٤٨٩)، «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٤٦).\n(^٤) «الفروع» (١/ ١٥٢).","vol":"1","page":343},{"text":"مستحبًّا لنقله الصحابة الكرام، وما كان ربك نسيًّا.\n\n<span data-type='title' id=toc-324>المبحث الثالث: في تخفيف الوضوء المستحب:</span>\nروى أحمد عن النَّزَّالِ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا ﵁ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ قَعَدَ لِحَوَائِجِ النَّاسِ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ أُتِيَ بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَخَذَ مِنْهُ كَفًّا فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ فَضْلَهُ فَشَرِبَ قَائِمًا، وَقَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ هَذَا وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَفْعَلُهُ، هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ (^١).\nوجه الدلالة: ما قاله ابن مفلح: توضأ علي فمسح وجهه ويديه ورأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث، وأن النبي ﷺ صنع مثله.\nوروى مالك عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَوْ يَطْعَمَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ طَعِمَ أَوْ نَامَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-325>المبحث الرابع: حكم الاستعانة في الوضوء:</span>\nالاستعانة على الوضوء لها حالتان:\nالحالة الأولى: إذا لم يقدر على الوضوء لزمه تحصيل من يوضئه إما متبرعًا، وإما بأجرة المثل إذا وجدها. وهذا لا خلاف فيه (^٣).\nالحالة الثانية: أن تكون الاستعانة بمن يصب عليه الماء.\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة:\nفذهب المالكية والحنابلة إلى إباحة الاستعانة بصب الماء على المتوضئ (^٤).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (١/ ١٣٥)، ورواه البخاري (٥٦١٦) بمعناه بدون لفظة: «هذا وضوء من لم يحدث».\n(^٢) «الموطأ» (١/ ٤٨)، وإسناده من أصح الأسانيد.\n(^٣) «المجموع» (١/ ٤٢٥).\n(^٤) «مواهب الجليل» (١/ ٢١٩)، «المغني» (١/ ٩٥)، «كشاف القناع» (١/ ١٠٦).","vol":"1","page":344},{"text":"واستدلوا لذلك بما روى في الصحيحين عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ … وفيه: «فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» (^١).\nوفي الصحيحين: قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: … فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: «المُصَلَّى أَمَامَكَ» (^٢).\nوذهب الحنفية وقول عند الشافعية إلى أنه تكره الاستعانة بأحد في الوضوء (^٣) وأن من آداب الوضوء ألا يستعين المتوضئ على وضوئه بأحد (^٤).\nواستدلوا بما روى ابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَا يَكِلُ طُهُورَهُ إِلَى أَحَدٍ، وَلَا صَدَقَتَهُ الَّتِي يَتَصَدَّقُ بِهَا، يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ» (^٥).\nوفي الباب حديث أبي الجنوب (^٦)، وحديث العباس بن عبد الرحمن المدني (^٧).\nومن أدلتهم أن الصحابة بايعوا رسول الله على عدم سؤال الناس شيئًا (^٨).\n_________\n(^١) «البخاري» (١٨٢)، و«مسلم» (٢٧٤).\n(^٢) «البخاري» (١٨١) واللفظ له، و«مسلم» (١٢٨٠).\n(^٣) «مراقي الفلاح» (ص ٣٣)، «فتح القدير» (١/ ٣٦)، «المجموع» (١/ ٣٨٣).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٣)، «تبيين الحقائق» (١/ ٦، ٧).\n(^٥) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٣٦٢) وله علتان: الأولى: ضعف مطهر بن الهيثم، الثانية: علقمة ابن أبي حمزة: مجهول.\n(^٦) أخرجه أبو يعلى والحديث ضعيف جدًّا؛ لضعف أبي الجنوب والنضر بن منصور، كما في «التلخيص الحبير» (١/ ١٦٨).\n(^٧) ضعيف جدًّا: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٧٨) رقم (٢٠٤٥).\n(^٨) روى مسلم من حديث عَوْف بْن مَالِكٍ الْأَشْجَعِي، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ. ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ. ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا» فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ.","vol":"1","page":345},{"text":"والراجح ما ذهب إليه المالكية والحنابلة من إباحة الاستعانة بصب الماء على المتوضئ. واستدلوا لذلك بما روى في الصحيحين عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ … وفيه: «فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ»، فدل ذلك على إباحة الإستعانة بصب الماء على المتوضئ.\n\n<span data-type='title' id=toc-326>المبحث الخامس: حكم الكلام أثناء الوضوء:</span>\nيجوز الكلام أثناء الوضوء لأن النبي ﷺ كلم أم هانئ وهو يغتسل وإذا كان يجوز الكلام أثناء الغسل مع ما فيه من تعري فالجواز في الوضوء من باب أَوْلى.\nفي الصحيحين عن أُمِّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ. قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ»، فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ»، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ (^١).\nوذهب المالكية وفي المشهور من مذهب الحنابلة إلى أن يكره الكلام أثناء الوضوء (^٢).\nواستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:\nأما السنة فعن عثمان أنه توضأ وفيه: وَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى فَرَغَ، فَلَمَّا فَرَغَ كَلَّمَهُ مُعْتَذِرًا إِلَيْهِ، وَقَالَ: لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّنِي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا\n_________\n(^١) «البخاري» (٣٥٧)، و«مسلم» (٣٣٦).\n(^٢) قال القاضي عياض في شرح مسلم: إن العلماء كرهوا الكلام في الوضوء والغسل. «الإنصاف» (١/ ١٣٧).","vol":"1","page":346},{"text":"عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ» (^١). واعترض عليه بأنه ضعيف.\nوروى أحمد عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذِ قَالَ: سَلَّمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ قَالَ: «لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ» (^٢).\nواعترض علاه من وجهين: الأول: أن المحفوظ أنه سلم عليه وهو يبول.\nالثاني: لو صح فليس فيه دلالة لأن عدم الرد ليس من أجل أن يتوضأ ولكن من أجل أنه على غير طهارة.\nأما دليلهم من المعقول: فمنع من الكلام أثناء الوضوء لئلا ينشغل عن الدعاء المأثور.\nواعترض عليه بأن الدعاء المأثور الصحيح إنما هو بعد الوضوء ولا يصح أثناء الوضوء دعاء مأثور.\nوالراجح: أنه يجوز الكلام أثناء الوضوء؛ لأن رسول الله ﷺ كلم أم هانئ وهو يغتسل، مع أن الانشغال بإسباغ الوضوء أولى من الكلام.\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا: أخرجه الدارقطني (١/ ٩٢)، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن البيلماني: ضعيف جدًّا، وأبوه مجهول كما في «التلخيص الحبير»، وصالح بن عبد الجبار مجهول الحال، قاله ابن القطان كما في «نصب الراية» (١/ ٣٢).\n(^٢) ضعيف: مدار هذا الحديث على قتادة، واختلف عليه، فرواه شعبة كما عند الحاكم (٥٩٢)، ومعاذ بن معاذ كما في «سنن النسائي» (٣٧)، وهشام الدستوائي كما في سنن الدارمي (٢٦٤١)، ثلاثتهم عن قتادة بلفظ: «أنه سلم على النبي وهو يبول، وأنه ﷺ تيمم لرد السلام»، ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، واختلف على سعيد فرواه الجماعة عنه (روح بن عبادة، ويزيد بن زريع، ومحمد بن جعفر) وغيرهم عن سعيد عن قتادة بلفظ: «أنه سلم على النبي وهو يتوضأ»، كما عند أحمد (٥/ ٨٠)، وابن ماجه (٣٥٠)، ورواه أبو داود (١٧) عن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى عن سعيد بلفظ وهو يبول، قلت: ورواية الجماعة (شعبة، ومعاذ، وهشام) بلفظ: «وهو يبول» أولى من الرواية بلفظ «وهو يتوضأ» فدل ذلك على أن المحفوظ أن المهاجر سلم على النبي ﷺ وهو يبول.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type='title' id=toc-327>الفصل الرابع نواقض الوضوء</span>\nوفيه خمسة مباحث\nالمبحث الأول: الخارج من السبيلين، وفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: خروج البول والغائط.\nالمطلب الثاني: خروج الريح.\nالمطلب الثالث: خروج المذي.\nالمطلب الرابع: خروج الودي.\nالمطلب الخامس: في الخارج النادر من السبيلين كالحصى والدود.\nالمبحث الثاني: خروج النجس من البدن من غير السبيلين، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: خروج البول والغائط من غير السبيلين.\nالمطلب الثاني: في خروج النجس غير البول والغائط من غير السبيلين.\nالمبحث الثالث: زوال العقل، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: زوال العقل بجنون أو إغماء.\nالمطلب الثاني: زوال العقل بنوم.\nالمبحث الرابع: نقض الوضوء بمس الذكَر، وفيه أربعة مطالب.\nالمبحث الخامس: أكل لحم الجزور هل ينتقض وضوءه؟","vol":"1","page":348},{"text":"<span data-type='title' id=toc-328>المبحث الأول الخارج من السبيلين</span>\nوفيه خمسة مطالب\n\n•<span data-type='title' id=toc-329> المطلب الأول: خروج البول والغائط:</span>\nخروج البول والغائط حدث ينقض الوضوء بالكتاب والسنة والإجماع.\nقال ابن المنذر: أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الخَارِجِ حَدَثٌ يَنْقُضُ الوُضُوء (^١).\nوقال ابن حزم: وَأَمَّا الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ فَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ. على أنه حدث ينقض الوضوء.\nوقال ابن قدامة: الخَارِجِ مِنَ السَّبِيْلَيْنِ، وهو نوعان: معتاد فينقض بلا خلاف. لقول الله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (^٢).\nوأما السنة فمستفيضة على أن البول والغائط حدث ناقض للوضوء.\n\n•<span data-type='title' id=toc-330> المطلب الثاني: خروج الريح:</span>\nخروج الريح من الدبر حدث ناقض للوضوء.\nقال ابن المنذر: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الْغَائِطِ مِنَ الدُّبُرِ حَدَثٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ (^٣).\n_________\n(^١) «الأوسط» (١/ ١١٣)، و«المحلى» (١/ ٢١٨).\n(^٢) «الكافي» (١/ ٤١)، وقد نقل الإجماع النووي كما في «المجموع»، وأبو بكر كما في «الجوهرة النيرة» (١/ ٧)، والشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ٢٤٠).\n(^٣) «الأوسط» (١/ ١١٣).","vol":"1","page":349},{"text":"وقال ابن حزم: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ الْفَسْوِ وَالضُّرَاطِ (^١).\nوقال ابن قدامة: الْخَارِجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُعْتَادٍ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَالرِّيحِ، فَهَذَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إجْمَاعًا (^٢).\nوروى البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-331> المطلب الثالث: خروج المذي:</span>\nقال ابن المنذر: وَلَسْتُ أَعْلَمُ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْهُ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ (^٤).\nعَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَسَأَلَه فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» (^٥).\nقال ابن عبد البر: وأما المذي المعهود المتعارف عليه، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجده من اللذة، أو لطول غربة، فعلى هذا المعنى خرج السؤال في حديث علي هذا، وعليه وقع الجواب، وهو موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، وإيجاب غسله لنجاسته (^٦).\nوقال ابن قدامة: الْخَارِجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُعْتَادٍ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَالرِّيحِ، فَهَذَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إجْمَاعًا (^٧).\n_________\n(^١) «المحلى» (١/ ٢١٨).\n(^٢) «المغني» (١/ ١١١).\n(^٣) «البخاري» (١٣٥)، ورواه مسلم (٢٢٥) بدون زيادة: قال رجل من حضر موت.\n(^٤) «الأوسط» (١/ ٣٤٦).\n(^٥) «البخاري» (٢٦٩)، و«مسلم» (٣٠٣) واللفظ له.\n(^٦) «الاستذكار» (١/ ١٩٩).\n(^٧) «المغني» (١/ ١١١).","vol":"1","page":350},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-332> المطلب الرابع: خروج الودي:</span>\nقال ابن المنذر: الْوَدْيُ شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ عَلَى أَثَرِ الْبَوْلِ (^١).\nوقال ابن عابدين: الوَدْيُ مَاءٌ ثَخِينٌ أَبْيَضُ كَدِرٌ يَخْرُجُ عَقِبَ الْبَوْلِ (^٢).\nوقال ابن قدامة: الْخَارِجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُعْتَادٍ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَالرِّيحِ، فَهَذَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إجْمَاعًا (^٣).\nوقال النووي: أَجْمَعَت الْأُمَّةُ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَذْيِ وَالْوَدْي (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-333> المطلب الخامس: في الخارج النادر من السبيلين كالحصى والدود:</span>\nنقل بعض أهل العلم الإجماع على أن الخارج من السبيلين ينقض الوضوء من غير تفريق بين المعتاد كالبول والغائط وبين النادر كالحصى والدود.\nقال أبو بكر الحنفي: الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ مُتَّفَقٌ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ (^٥).\nقال ابن المنذر: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الخارج حَدَثٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ (^٦).\nذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (^٧) إلى أن الخارج من السبيلين المعتاد وغير المعتاد ينقض الوضوء.\nوذهب المالكية: إلى أنه إذا خرج من السبيلين وهو غير معتاد فإنه لا ينقض كالحصاة\n_________\n(^١) «الأوسط» (١/ ١٣٥).\n(^٢) «حاشية ابن عابدين» (١/ ١٦٥).\n(^٣) «المغني» (١/ ١١١).\n(^٤) «المجموع» (٢/ ٥٧١).\n(^٥) «الجوهرة النيرة» (١/ ٧).\n(^٦) «الأوسط» (١/ ١١٣).\n(^٧) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٤)، و«مغني المحتاج» (١/ ٣٢)، و«الفروع» (١/ ١٧٤).","vol":"1","page":351},{"text":"والدودة (^١).\nواستدلوا بأن الحصاة إذا خرجت ناشفة وغير متغيرة بنجاسة فهي طاهرة ولا تنقض الوضوء.\nواعترض عليه بأن الريح طاهرة، وتنقض الوضوء بالإجماع.\nواستدلوا بأنه لم يأت نص من قرآن ولا سنة يدل على نقض الوضوء إذا كان الخارج غير معتاد كالحصاة.\nوالأحوط في هذه المسألة: ما ذهب إليه جمهور العلماءُ أي أن كل ما يخرج من السبيلين فإنه ناقض للوضوء؛ لأن الريح طاهرة وإذا خرجت من الدبر كانت حدثًا وإذا خرجت من الفم لم تكن ناقضة، وأما قول المالكية أن الخارج غير المعتاد لا ينقض الوضوء فيناقش بأن الودي نادر وغير معتاد وخروجه ينقض الوضوء بالإجماع، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) «الخرشي» (١/ ١٥٢)، و«مواهب الجليل» (١/ ٢٩١).","vol":"1","page":352},{"text":"المبحث الثاني\nخروج النجس من البدن من غير السبيلين\nاختلف أهل العلم في خروج البول والغائط من غير السبيلين على قولين:\nالقول الأول: ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن خروج البول والغائط من غير السبيلين ينقض الوضوء مطلقًا (^١).\nواستدلوا بأن العبرة بالخارج لا بالمخرج، ودل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]، فالغائط إذا خرج من أي مخرج فإنه ينقض الوضوء.\nالقول الثاني: فصَّلوا في المسألة: إذا كان المخرج المعتاد لم ينسد فلا ينقض الوضوء، وإذا كان المخرج المعتاد انسد وكان مخرج البول والغائط تحت المعدة فإنه ينقض الوضوء، وإذا كان المخرج فوق المعدة فلا ينقض الوضوء. وهذا هو قول المالكية والمشهور عند الشافعية (^٢).\nواستدلوا بأن المخرج إذا كان فوق المعدة أشبه القيء والتجشؤ، وإذا كان تحت المعدة أشبه الغائط.\nالحاصل: أنه إذا انسد المخرج وكان مخرج البول والغائط تحت المعدة فإنه ينقض الوضوء على قول الجماهير، وأما إذا كان فوق المعدة فإذا خرج بول أو غائط فإنه ينقض أيضًا، لعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]، فالغائط إذا خرج من أي مخرج فإنه ينقض الوضوء؛ لأن العبرة بالخارج لا يالمخرج، والله أعلم.\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٤)، و«كشاف القناع» (١/ ١٢٤).\n(^٢) «حاشية الدسوقي» (١/ ١١٨)، و«المجموع» (٢/ ٨)، و«مغني المحتاج» (١/ ٣٣).","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type='title' id=toc-334>المبحث الثالث زوال العقل</span>\nوفيه مطلبان\n\n•<span data-type='title' id=toc-335> المطلب الأول: زوال العقل بجنون أو إغماء:</span>\nقال ابن المنذر: وَأَجْمَعُوا عَلَى إِيجَابِ الطَّهَارَةِ عَلَى مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ إِغْمَاءٍ (^١).\nوقال النووي: أَجْمَعَت الْأُمَّةُ عَلَى انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِالْجُنُونِ وَبِالْإِغْمَاء (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-336> المطلب الثاني: زوال العقل بنوم:</span>\nاختلف أهل العلم في نقض الوضوء بالنوم على خمسة أقوال:\nالقول الأول: أن النوم لا ينقض الوضوء مطلقًا، وهو مذهب أبي موسى وابن عمر وسعيد بن المسيب وأبي مجلز وحميد والأعرج وشعبة (^٣).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة .... وإن كنتم جنبًا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [النساء: ٤٣].\nفذكر في الآية نواقض الوضوء ولم يذكر النوم، فدل ذلك على النوم ليس بناقض.\nواعترض عليه من وجوه:\nالأول: أن الآية لم تحصر نواقض الوضوء بل ذكرت بعضها، والسنة بينت الباقي، وزوال العقل بإغماء أو جنون ناقض بالإجماع ولم تذكره الآية.\n_________\n(^١) «الأوسط» (١/ ٦٦).\n(^٢) «المجموع» (٢/ ٥).\n(^٣) «شرح مسلم» شرح حديث (٣٧٦).","vol":"1","page":354},{"text":"الثاني: أن الآية لها تأويلات، منها ما ذكره الشافعي قال: سمعت مَنْ أرضى علمه بالقرآن يزعم أنها نزلت في القائمين من النوم (^١).\nقلت: والآية تدل على وجوب الوضوء لمن قام إلى الصلاة من غير طهر، أو تجديد الوضوء إذا كان متوضئًا.\nواستدلوا بأن النوم ليس بحدث وأن الحدث ما خرج من القبل والدبر، ودل على ذلك عموم قول النبى ﷺ: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ». ففي الحديث أن الوضوء مما خرج من القبل والدبر، والنوم ليس منها فليس بناقض.\nواعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nواستدلوا بما روى مسلم عن أَنَسٍ قال: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» (^٢).\n_________\n(^١) «الأم» (١/ ١٢).\n(^٢) «مسلم» (٣٧٦) مدار الحديث على قتادة عن أنس مرفوعًا، ويرويه عن قتادة جماعة.\nفرواه شعبة عن قتادة، ويرويه عن شعبة جماعة، منهم خالد بن الحارث عند مسلم (٣٧٦)، وأبو عامر العقدي عند أبي عوانة (١/ ٢٦٦)، وشبابة عند أبي يعلى (٣٢٤٠)، وهاشم بن القاسم عند الطحاوي في (مشكل الآثار) (٣٤٤٨) أربعتهم عن شعبة عن قتادة عن أنس به. بهذا اللفظ.\nورواه يحيى بن سعيد عن شعبة، واختلف على يحيى؛ فرواه أحمد (٣/ ٢٧٧) بهذا اللفظ أيضًا.\nورواه محمد بن بشار عن يحيى، فزاد فيه زيادات شاذة.\nورواه عن ابن بشار تمتام، فزاد فيه «على عهد رسول الله» وهي شاذة؛ لأن الثقات لم يذكروها.\nورواه محمد بن عبد السلام الخشني عن ابن بشار به بلفظ «كان أصحاب رسول الله ينتظرون، فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثم يقومون إلى الصلاة» أخرجه ابن حزم (المحلى) (١/ ٢١٣) وهذا شاذ من رواية شعبة والصحيح من رواية أحمد عن ابن بشار لإمامته ولموافقته للثقات.\nوقد أورد الحافظ «في التلخيص الحبير» (١/ ٢١) أن الحديث رواه البزار في (مسنده) من طريق عبد الأعلى، عن شعبة به، بلفظ «كان أصحاب رسول الله ينتظرون الصلاة فيضعون جنوبهم فمنهم من ينام، ثم يقومون إلى الصلاة».\nقلت: وهذا المتن شاذ لمخالفة عبد الأعلى للثقات، مثل: خالد بن الحارث، وأبي عامر العقدي، وشبابة وغيرهم.\nويرويه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة واختلف على سعيد:\nفرواه خالد بن الحارث عن سعيد عن قتادة عن أنس أو عن أناس من أصحاب النبي أنهم كانوا يضعون جنوبهم، فينامون منهم من يتوضأ، ومنهم من لا يتوضأ» كما عند أبي يعلى في (المسند) (٣١٩٩) ورواه أبو نعيم في (المستخرج) (٨٢٩) عن بندار عن ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة بلفظ: كان أصحاب رسول الله ينامون، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضؤن. وهذا اللفظ موافق لرواية الجماعة فهو أرجح من لفظ خالد بن الحارث، وإن كان رواه البزار (٢٨٢) عن ابن المثنى عن ابن أبي عدي بلفظ خالد بن الحارث.\nويرويه هشام عن قتادة. فرواه من هذا الوجه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٣)، وأبو داود (٢٠٠) وغيرهم به، بلفظ «كان أصحاب رسول الله يخفقون برؤوسهم، ينتظرون صلاة العشاء ثم يقومون فيصلون ولا يتوضؤون»\nفزاد هشام «يخفقون برؤوسهم». ويرويه أبوهلال الراسبي عن قتادة. بلفظ: «كنا نأتي مسجد النبي ننتظر الصلاة، فمنا من ينعس وينام، ثم يصلي ولا يتوضأ» أخرجه الطحاوي (مشكل الآثار) (٣٤٤٤)، والدارقطني في (السنن) (١/ ١٣٠) وفي إسناده: أبو هلال الراسبي: لين الحديث.\nويرويه معمر عن قتادة عن أنس، قال: لقد رأيت أصحاب رسول الله يوقظون للصلاة، وإني لأسمع لبعضهم غطيطًا. أخرجه عبد الرزاق (٤٨٣) ومعمر ضعيف في قتادة.\nقال ابن معين: قال معمر: جلست إلى قتادة وأنا صغير، لم أحفظ عنه الأسانيد.","vol":"1","page":355},{"text":"وفي الصحيحين: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلًا فِي جَانِبِ المَسْجِدِ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ القَوْمُ» (^١).\nواعترض عليه على وجهين:\nالأول: بأن المراد بالنوم نوم الجالس الممكن مقعدته (^٢).\nوالثاني: بأن المراد النوم الخفيف الذي يشعر معه بما يفعل، فإن أحدث شعر، ويعبر عنه\n_________\n(^١) «البخاري» (٦٤٢)، و«مسلم» (٣٧٦).\n(^٢) حكاه ابن حجر عن ابن المبارك وابن مهدي والشافعي «التلخيص الحبير» (١/ ٢١٠).","vol":"1","page":356},{"text":"بالسِّنة (^١)، أي مقدمة النوم.\nواستدلوا بما روى البخاري: عن عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ الله ﷺ بِالعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: الصَّلَاةَ، نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ (^٢). ولم يرد أنهم توضئوا قبل الصلاة.\nواعترض عليه بأن عدم ذكر الوضوء لا ينافي أنهم توضئوا، وإذا لم يتوضئوا فإن المراد بالنوم هو النعاس الذي يستشعر معه ما حوله، وقد يكون ممكنًا مقعدته وهو جالس.\nالقول الثاني: أن النوم حدث ناقض للوضوء مطلقًا (^٣).\nواستدلوا بما روى أبو داود عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «وِكَاءُ السَّهِ الْعَيْنَانِ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» (^٤).\nواعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nوروى أحمد عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: كُنَّا نَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَيَأْمُرُنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ (^٥).\n_________\n(^١) قال القرطبي في المفهم: وهذا النوم في هذه الأحاديث هو الخفيف المعبر عنه بالسنة التي ذكرها الله تعالى، في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\n(^٢) «البخاري» (٥٦٩)، و«مسلم» (٦٣٨).\n(^٣) حُكى هذا القول عن أبي هريرة وأبي رافع وعروة بن الزبير وعطاء والحسن البصري وابن المسيب والزهري والمزني وابن حزم كما في «المجموع» (٢/ ١٣).\n(^٤) ضعيف: أخرجه أبو داود (٢٠٣)، وأحمد (١/ ١١١) ولهذا الحديث علل:\nالاولى: الانقطاع فعبد الرحمن بن عائذ لم يسمع من علي، «العلل» لابن أبي حاتم (١/ ٤٧).\nالثانية: الوضين بن عطاء سيئ الحفظ.\nالثالثة: بقية مدلس ولم يصرح بالتحديث إلى نهاية السند.\nوله شاهد من حديث معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الْعَيْنَيْنِ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتُطْلِقَ الْوِكَاءُ»، أخرجه الدارمي (٧٢٢) وغيره، وفي إسناده أبو بكر ابن أبي مريم، ضعيف، وقد كان قد سُرق بيته فاختلط.\n(^٥) إسناده حسن: أخرجه أحمد (٤/ ٢٣٩)، والنسائي (١/ ٨٣)، والترمذي (٩٦)، وغيرهم عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن صفوان بن عسال به.","vol":"1","page":357},{"text":"وجه الدلالة: أنه قرن في الحديث بين البول والغائط والنوم، فكما أن البول ينقض الوضوء فكذا النوم، ولم يفرق بين قليل النوم وكثيره والمضجع والقاعد.\nواعترض عليه بأن المراد النوم الثقيل الذي يزول معه العقل.\nواستدلوا بالقياس، فكما أن من زال عقله بجنون أو إغماء عليه الوضوء بالإجماع، فكذا من زال عقله بنوم.\nواعترض عليه بأن النوم الخفيف الذي يشعر معه بما حوله لا يصح قياسه على المجنون لأنه لا يزال عقله، أما النوم الثقيل الذي يزال معه العقل فيصح قياسه.\nالقول الثالث: ذهب أبو حنيفة إلى أن من نام مستلقيًا أو مضجعًا انتقض وضوءه (^١).\nواستدلوا بما روى أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ سَاجِدًا وُضُوءٌ حَتَّى يَضْطَجِعَ، فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ» (^٢).\nوعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ نَامَ وَهُوَ جَالِسٌ فَلَا وَضُوءَ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَضَعَ جَنْبَهُ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ» (^٣).\nوعَن حُذَيْفَة بن اليمان قَالَ: كنت في مسجد المدينة جالسًا أخفق حتى احتضنني رجل من خَلْفي فَالْتَفت فَإِذا أنا بالنَّبِي ﷺ فَقلت: يا رسول الله، هَلْ وَجب عَليّ الْوضُوء؟ قَالَ: «لَا،\n_________\n(^١) «شرح فتح القدير» (١/ ٤٨، ٤٩)، و«حاشية ابن عابدين» (١/ ١٤٢).\n(^٢) ضعيف: أخرجه أحمد (١/ ٢٥٦)، وغيره، وفي إسناده يزيد بن عبد الرحمن الدالاني: ضعيف، وقد خالف من هو أوثق منه. وقد رواه أبو داود (٢٠٢)، وغيره بلفظ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَسْجُدُ وَيَنَامُ وَيَنْفُخُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: صَلَّيْتَ وَلَمْ تَتَوَضَّأْ وَقَدْ نِمْتَ. فَقَالَ: «إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا»، قال أبو داود: قوله: «إنما الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا» هو حديث منكر، لم يروه إلا يزيد بن خالد الدالاني عن قتادة. وروى أوله جماعة عن ابن عباس، ولم يذكروا شيئًا من هذا. وذكر أبو داود علة أخرى في السند وهي أن قتادة لم يسمع هذا الحديث من أبي العالية.\n(^٣) منكر: أخرجه الطبراني «الأوسط» (٦٠٦٠)، وفي إسناده الحسن بن أبي جعفر: منكر الحديث، قاله البخاري. ورواه ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٤٦٨)، من طريق آخر عن عمرو به وفي إسناده مهدي بن هلال، كذاب.","vol":"1","page":358},{"text":"حَتَّى تضع جَنْبك» (^١).\nوعن أبي أمامة أن النبي ﷺ نام حتى نفخ ثم قال: «الوُضُوءُ عَلَى مَنْ اضْطجَعَ» (^٢).\nأما دليلهم من المأثور: وعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ جَالِسٌ فَلَا يَتَوَضَّأُ، وَإِذَا نَامَ مُضْطَجِعًا أَعَادَ الْوُضُوءَ (^٣).\nوعن أَبي هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْمُحْتَبِي النَّائِمِ وَلَا عَلَى الْقَائِمِ النَّائِمِ وَلَا عَلَى السَّاجِدِ النَّائِمِ وُضُوءٌ، حَتَّى يَضْطَجِعَ، فَإِذَا اضْطَجَعَ تَوَضَّأَ (^٤).\nالقول الرابع: من نام ممكنًا مقعده من الأرض لم ينتقض وضوءه، وهو المشهور عن الشافعية (^٥)، واستدلوا بحديث أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» (^٦).\nوجه الدلالة: (حتى تخفق رؤوسهم) وهذا يدل على أنهم كانوا ينامون وهم قعود.\nوفي الصحيحين عن ابن عباس: قال عمر: «نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ». أي وهم ينتظرون صلاة العشاء بكونهم جلوسًا، فدل ذلك على أن نوم الجالس لا ينقض وضوءه.\nالقول الخامس: النوم الثقيل ناقض للوضوء دون الخفيف، وهو قول المالكية (^٧).\n_________\n(^١) منكر: أخرجه البيهقي (١/ ٢٠)، وفي إسناده بحر بن السقاء: متروك الحديث.\n(^٢) موضوع: أخرجه الطبراني «الكبير» (٧٩٤٨)، وفي إسناده جعفر بن الزبير، كذاب.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق «المصنف» (٤٨٥).\n(^٤) أخرجه البيهقي «الكبرى» (١/ ١٢٢)، وفي إسناده أبو صخر حميد الخراط مختلف فيه، وقد يحسن حديثه، وفي الباب عن عمر بن الخطاب قال: إذا نام أحدكم مضطجعًا فليتوضأ. أخرجه مالك «الموطأ» (١/ ٢١)، وهو ضعيف لانقطاعه فزيد بن أسلم لم يسمع من عمر. وفي الباب عن جابر موقوفًا ولا يصح.\n(^٥) «المهذب» (١/ ٢٣)، و«روضة الطالبين» (١/ ٧٤)، وذهب الحنابلة إلى أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء من قاعد أو قائم. انظر «المبدع» (١/ ١٥٩)، و«الإنصاف» (١/ ١٩٩).\n(^٦) واللفظ الصحيح عن أنس «كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» وقد سبق تخريجه.\n(^٧) «التمهيد» (١٨/ ٢٤١)، و«حاشية الدسوقي» (١/ ١١٩)، و«مواهب الجليل» (١/ ٢٩٤، ٢٩٥).","vol":"1","page":359},{"text":"واستدلوا بحديث أَنَسٍ، أَوْ عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ «أَنَّهُمْ كَانُوا يَضَعُونَ جُنُوبَهُمْ فَيَنَامُونَ، مِنْهُمْ مَنْ يَتَوَضَّأُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَتَوَضَّأُ».\nواستدلوا بحديث: «وجب الوضوء على كل نائم إلا من خفق خفقة برأسه» (^١). فدل ذلك على أن النوم الثقيل يوجب الوضوء والنوم الخفيف لا يوجبه، وهذا القول يجمع بين الأدلة.\nوالراجح: أنه إذا زال العقل بنوم وأن المرء إذا أحدث في تلك الحالة لا يعلم، فهذا النوم الذي ينقض الوضوء، أما أول النوم وهو النعاس - وصفته أن المرء إذا كُلم فيه سمع وإن حُدث علم - فهذا لا ينقض الوضوء، وهذا القول يجمع بين الأدلة.\nقال ابن حبان: الرُّقَادُ لَهُ بِدَايَةٌ وَنِهَايَةٌ، فَبِدَايَتُهُ النُّعَاسُ الَّذِي هُوَ أَوَائِلُ النَّوْمِ، وَصِفَتُهُ أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا كُلِّمَ فِيهِ يَسْمَعُ، وَإِنْ أَحْدَثَ عَلِمَ، إِلَّا أَنَّهُ يَتَمَايَلُ تَمَايُلًا، وَنِهَايَتُهُ زَوَالُ الْعَقْلِ، وَصِفَتُهُ أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا أَحْدَثَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ يَعْلَمْ، وَإِنْ تَكَلَّمَ لَمْ يَفْهَمْ. فَالنُّعَاسُ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى أَحَدٍ، قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَ النَّاعِسُ، وَالنَّوْمُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى مَنْ وُجِدَ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَ النَّائِمُ، عَلَى أَنَّ اسْمَ النَّوْمِ قَدْ يَقَعُ عَلَى النُّعَاسِ، وَالنُّعَاسُ عَلَى النَّوْمِ، وَمَعْنَاهُمَا مُخْتَلِفَانِ، وَالله فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَنَامُ حَتَّى يَنْفُخَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ فَكَانَ يَقْظَانَ. فَلَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ لَشَعَرَ بِهِ. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِحَدَثِ فِي نَفْسِهِ؛ إذْ لَوْ كَانَ حَدَثًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَرْقٌ بَيْنَ النَّبِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَحْدَاثِ (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٣١٩٩) وهذا اللفظ ضعيف، وقد سبق.\n(^٢) صحيح ابن حبان (٣/ ٣٨٣).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٢٩).","vol":"1","page":360},{"text":"<span data-type='title' id=toc-337>المبحث الرابع نقض الوضوء بمس الذكر</span>\nوفيه ثلاثة مطالب\n\n•<span data-type='title' id=toc-338> المطلب الأول: مس الرجل:</span>\nاختلف أهل العلم في مس الذكر هل ينقض الوضوء؟ على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن مس الرجل ذكره ينقض الوضوء وهو قول بعض المالكية (^١) ومذهب الشافعية (^٢) والحنابلة (^٣) ولكن الشافعية يقيدون المس بباطن الكف والحنابلة يقيدون النقض بمسه بالكف.\nواستدلوا بحديث عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَتَذَاكَرْنَا مَا يَكُونُ مِنْهُ الْوُضُوءُ، فَقَالَ مَرْوَانُ: وَمِنْ مَسِّ الذَّكَرِ الْوُضُوءُ. فَقَالَ عُرْوَةُ: مَا عَلِمْتُ هَذَا. فَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: أَخْبَرَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (^٤).\n_________\n(^١) وهو قول أصبغ من المالكية، انظر «حاشية الدسوقي» (١/ ١٢١).\n(^٢) «الأم» (١/ ١٩، ٢٠)، و«المجموع» (٢/ ٣٨)، و«روضة الطالبين» (١/ ٧٥).\n(^٣) «كشاف القناع» (١/ ١٢٦)، و«المبدع» (١/ ١٦٠)، و«الإنصاف» (١/ ٢٠٢).\n(^٤) أخرجه مالك «الموطأ» (١/ ٤٢)، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أنه سمع عروة به.\nوقد تابع مالكًا ابن علية كما في «المسند» (٦/ ٤٠٦)، وشعبة كما في «مسند الطيالسي» (١٦٥٧)، وسفيان بن عيينة في الراجح عنه كما في «مسند أحمد» (٦/ ٤٠٦)، وغيرهم\nقال البيهقي: هذا الحديث وإن لم يخرجه الشيخان فقد احتجا بجميع رواته، واحتج البخاري بمروان بن الحكم في عدة أحاديث، فهو على شرط البخاري بكل حال.\nوفي إسناده مروان بن الحكم، قال الذهبي: له أعمال موبقة، نسأل الله السلامة، رمى طلحة بسهم وفَعَل وفَعَل «الميزان» (٤/ ٩٨). وقال الحافظ: لا تثبت له صحبة، قال عروة بن الزبير: مروان لا يتهم في الحديث .. =","vol":"1","page":361},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وصحح هذا الحديث يحيى بن معين في «التلخيص الحبير» (١/ ٢١٥) وفي «سؤالات مضر بن محمد»: قلت ليحيى بن معين: أي شيء يصح في مس الذكر؟ قال: حديث مالك، عن عبد الله بن أبي بكر عن عروة عن مروان عن بسرة، فإنه يقول فيه: (سمعت) ولولا هذا لقلت: لا يصح فيه شيء. قال ابن حجر: فأثبت صحته لهذا الطريق خاصة، وصححه ابن عبد البر من حديث مالك، وتابع مالكًا الزهري، وقد اختلف عليه ألوانًا:\nفرواه (شعيب، والليث، وعقيل) كلهم عن الزهري به، كما في «مسند أحمد» (٦/ ٤٠٧)، والطحاوي (١/ ٧٢)، والبيهقي (١/ ١٣٢)، وهذا الطريق هو أصح الطرق عن الزهري لموافقته رواية مالك وسفيان وشعبة وابن علية وغيرهم.\nفرواه شعبة عن معمر عن الزهري عن عروة عن بسرة به بدون ذكر مروان، كما أخرجه النسائي (٤٤٥). وهذه الرواية خطأ لأمرين:\nالأول: شعبة بصري، قال أبو حاتم: ما حدث معمر بالبصرة ففيه أغاليط.\nالثاني: ورواه عبد الرزاق «المصنف» (٤١١) عن معمر عن الزهري عن عروة عن مروان عن بسرة، وعبد الرزاق أثبت في معمر من شعبة. ورواه ابن جريج عن الزهري عن عبد الله عن عروة عن بسرة عن زيد بن خالد الجهني، فجعل الحديث من مسند زيد كما أخرجه عبد الرزاق (٤١٢). ولهذا الطريق علتان:\nالأولى: أن ابن جريج ليس بشيء في الزهري، قاله ابن معين.\nوالثانية: ما قاله أبو حاتم: أخشى أن يكون ابن جريج أخذ هذا الحديث من إبراهيم بن أبي يحيى. ورواه إبراهيم بن إسماعيل عن عمرو بن شريح عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «من مس فرجه فليتوضأ»، كما في «شرح معاني الآثار» (١/ ٧٤)، وفي إسناده إبراهيم: ضعيف.\nورواه بشر بن أبي بكر عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي بكر بن محمد عن عروة عن بسرة بإسقاط مروان، أخرجه الطحاوي (١/ ٧٢). وقال مسلمة بن صلة: بشر بن بكر روى عن الأوزاعي أشياء انفرد بها، فهذه رواية شاذة لمخالفة الثقات.\nوطريق هشام بن عروة عن أبيه وقد اختلف عليه ألوانًا:\nفرواه (أبو أسامة وسفيان الثوري وعبد الله بن إدريس، وغيرهم) كلهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن مروان عن بسرة، كما عند الترمذي (٨٣)، وابن ماجه (٤٧٩)، وابن حبان «الموارد» (٢١٣) وغيرهم، وهذا أصح الطرق، وقد وردت طرق أخرى بإسقاط مروان كما عند أحمد (٦/ ٤٠٦)، وورد عن عروة عن أبيه عن مروان، ثم إن عروة سأل بسرة فصدقت ما قال مروان، كما عند الدارقطني (١/ ١٤٦).\nوورد عن هشام بن عروة عن أبي بكر عن عروة بذكر واسطة أبي بكر بن هشام وأبيه كما عند الطحاوي =","vol":"1","page":362},{"text":"وعَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ، لَيْسَ دونها حِجَابٌ، فقد وجب عليه الوضوء» (^١).\nالقول الثاني: ذهب الحنفية وبعض المالكية إلى أن مس الذكر لا ينقض الوضوء (^٢).\nواستدلوا بما رُويَ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا إِلَى نَبِيِّ الله ﷺ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «وَهَلْ هِيَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْهُ أَوْ مُضْغَةٌ» (^٣).\nالقول الثالث: إنْ مَسَّ الذكر بشهوة أعاد الوضوء، وإن مسه بغير شهوة لم ينقض، وهو قول جماعة من البغداديين من أصحاب مالك (^٤).\n_________\n= «شرح معاني الآثار» (١/ ٧٣). وله طرق أخرى عن هشام، والصحيح من هذه الطرق: هشام عن أبيه عن مروان عن بسرة لموافقته لرواية الجماعة، قال الشيخ مصطفى العدوي: الذي أذهب إليه في هذا الحديث أنه ضعيف لجهالة الواسطة بين مروان وبسرة، وما ذُكر من كون عُروة يسأل بسرة فصدقته معلول، والله أعلم.\n(^١) ضعيف: أخرجه الشافعي «الأم» (٣٤)، وأحمد (٢/ ٣٣٣)، وغيرهما من طرق عن يزيد بن عبد الملك النوفلي عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، وفي إسناده يزيد بن عبد الملك، ضعيف، ولكنه تابعه نافع بن عبد الرحمن أبو نعيم القاري، كما عند الطبراني «المعجم الصغير» (١/ ٤٢)، ونافع بن عبد الرحمن وثقه ابن معين وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، وقال أحمد: كان يؤخذ عنه القرآن، ليس في الحديث بشيء. وقال: منكر الحديث. وقال الحافظ: صدوق ثبت بالقراءة، ولكن المحفوظ أنه حديث يزيد بن عبد الملك، وذِكر نافع قد يكون غير محفوظ، والله أعلم.\n(^٢) «تبيين الحقائق» (١/ ١٢)، و«مواهب الجليل» (١/ ٢٩٩).\n(^٣) ضعيف: أخرجه أحمد (٤/ ٢٣)، وأبو داود (١٢٨، ١٨٣)، والترمذي (٨٥)، والنسائي (١٦٥) وغيرهم، من طرق عن قيس بن طلق عن أبيه، ومدار الحديث على قيس بن طلق وإن كان وثقه ابن معين في رواية فقد ضعفه في أخرى، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: قيس ابن طلق ليس ممن تقوم به حجة. انظر «سنن الدارقطني» (١/ ١٣٩)، والبيهقي (١/ ١٣٥)، وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقال أحمد: غيره أثبت منه. وقال النسائي: قد سألنا عن قيس بن طلق فلم نجد من يعرفه، بما يكون لنا قبول خبره. انظر «تهذيب التهذيب» (٨/ ٣٥٦).\n(^٤) «الخرشي» (١/ ١٥٦)، و«مواهب الجليل» (١/ ٢٩٩)، و«الاستذكار» (٣/ ٢٥).","vol":"1","page":363},{"text":"هؤلاء جمعوا بين حديث (من مس ذكره - أي بشهوة - فليتوضأ).\nوحديث (إنما هو بضعة منك) أي كان بغير شهوة.\nواعترض على حديث (إنما هو بضعة منك) بأنه لا يصح عن رسول الله.\nالراجح: هو ما ذهب إليه جمهورالعلماء إلى أن من مس ذكره بدون حائل انتقض وضوءه لعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، وأن المرأة إذا مست فرجها، فيجب عليها أن تتوضأ.\nوسئلت اللجنة الدائمة رقم (٦٣٢٠) عن حكم من مس ذكره أثناء التنشيف بعد اغتساله، فأجابت: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد: ينتقض وضوءه إذا مسه بدون حائل لعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، فَلْيَتَوَضَّأْ» وبالله التوفيق.\n\n•<span data-type='title' id=toc-339> المطلب الثاني: مس المرأة ذكر الرجل أو فرج الصغير:</span>\nذهب الشافعية والحنابلة إلى أن المرأة إذا مست ذكر الرجل فإنه يجب عليها الوضوء.\nواستدلوا بلفظ فى حديث بُسْرَة بِنْت صَفْوَانَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ الله ﷺ «يَأْمُرُ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ» (^١).\nواعترض عليه: بأن هذا اللفظ شاذ. والرواية الصحيحة: «إذا مَسَّ أحدكم ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ».\nواستدلوا بالقياس، فَإِذَا انْتَقَضَ بِمَسِّ ذَكَرِ نَفْسِهِ فَبِمَسِّ ذَكَرِ غَيْرِهِ أَوْلَى.\nواعترض عليه بأن العلة في النقض من مس الذكر تعبدية وليست معقولة المعنى.\n_________\n(^١) شاذ: رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن بسرة به، واختلف على معمر فرُوي بألفاظ أخرى وقد روى الحديث مالك وسفيان بن عيينة وابن علية وغيرهم، عن عبد الله بن أبي بكر عن عروة بلفظ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، وقد سبق تخريج هذا الحديث، ولا شك أن هذا هو اللفظ الصحيح، ولفظ أن الرسول يأمر بالوضوء من مس الفرج شاذ.","vol":"1","page":364},{"text":"وذهب الحنفية إلى أن مس الذكر لا ينقض الوضوء مطلقًا.\nوالمالكية فرقوا، يقولوا إنْ مسه بشهوة وإلا فلا.\nوالراجح: أن من مس ذكر غيره لا ينتقض وضوءه وخاصة مس المرأة فرج طفلها لأنه لم يأت نص بذلك. قال ابن عبد البر: الوُضُوءُ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ فَرْجَهُ قَاصِدًا مُفْضِيًا، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يُوجِبُ الظَّاهِرَ والأصل أن الوضوء المجتمع عَلَيْهِ لَا يَنْتَقِضُ إِلَّا بِإِجْمَاعٍ أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ غَيْرِ مُحْتَمِلَةٍ لِلتَّأْوِيلِ (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-340> المطلب الثالث: مس الأنثيين والأليتين والرفغين:</span>\nذهب الأئمة الأربعة إلى أن مَنْ مَسَّ أنثييه أو أليتيه أو رفغيه لا ينتقض وضوءه.\nوذهب عروة بن الزبير إلى أنه يجب عليه الوضوء، ودل على ذلك حديث بُسْرَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ، يَقُولُ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ رَفْغَيْهِ فَلْيَتَوَضَّأْ» (^٢).\nواعترض عليه بأن ذِكر الأنثيين والرفغين مدرج من كلام عروة.\nوالراجح: أن مَنْ مَسَّ أنثييه أو رفغيه لا ينتقض وضوءه، والله أعلم.\n_________\n(^١) «فتح البر بترتيب التمهيد لابن عبد البر» (٣/ ٣٤٢) وعلى ذلك، فإن مس فرج الميت في الغسل لا ينقض الوضوء، ولا ينتقض وضوء الملموس لأن الأحاديث جاءت في اللامس، ولا يجب الوضوء على مس فرج البهيمة؛ لأن الوضوء يجب بمس المرء فرجه لا فرج غيره، من مس حلقة الدبر لا ينتقض وضوءه، واستدلوا بأن النص الوارد «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» فدل على أن مس الدبر لا ينقض الوضوء.\n(^٢) ذكر الأنثيين والرفغين مدرج. أخرجه الدارقطني (١/ ١٤٨) وقال: كذا رواه عبد الحميد بن جعفر، عن هشام ووهم في ذكر الأنثيين والرفغ، وإدراجه ذلك في حديث بسرة عن النبي ﷺ والمحفوظ أن ذلك من قول عروة غير مرفوع، كذلك رواه الثقات عن هشام، منهم أيوب وحماد بن زيد وغيرهما، قال النووي «المجموع» (٢/ ٤٤): هذا حديث باطل موضوع، وإنما هو من كلام عروة. وأخرجه الدارقطني (١/ ١٤٨) من طريق أيوب عن هشام عن عروة عن بسرة مرفوعًا: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» وكان عروة يقول: «إذا مَسَّ رَفْغَيْهِ أَوْ أُنْثَيَيْهِ فَلْيَتَوَضَّأْ»»، فتبين أن هذا مدرج من قول عروة.","vol":"1","page":365},{"text":"<span data-type='title' id=toc-341>المبحث الخامس من أكل لحم الجزور هل ينتقض وضوءه؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: ذهب الشافعي في القديم وأحمد إلى أن من أكل لحم الجزور انتقض وضوءه (^١).\nواستدلوا بما روى مسلم: عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ» قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ» قَالَ: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «لَا» (^٢).\nوروى أحمد عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ فَقَالَ: «تَوَضَّئُوا مِنْهَا» وَسُئِلَ عَنْ لُحُومِ الْغَنَمِ فَقَالَ: «لَا تَوَضَّئُوا مِنْهَا»، وَسُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ، فَقَالَ: «لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ، فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ» وَسُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، فَقَالَ: «صَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ» (^٣).\n_________\n(^١) «المجموع» (٢/ ٦٦)، و«الفروع» (١/ ١٨٣)، و«الإنصاف» (١/ ٢١٦)، و«صحيح ابن خزيمة» (١/ ٢١)، وابن حبان (٣/ ٤٣٢)، و«سنن الترمذي» (١/ ١٢٠).\n(^٢) «مسلم» (٣٦٠). وفي إسناده: جعفر بن أبي ثور، قال فيه الحافظ: مقبول. قلت: أي لين الحديث، وقد انفرد، فقد صحح حديثه الإمام أحمد، قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: حديث البراء وحديث جابر بن سمرة جميعًا صحيح إن شاء الله تعالى، «مسائل أحمد رواية عبد الله» (١/ ٦٥)، وقد صححه إسحاق كما نقله عنه البيهقي «السنن» (١/ ١٥٩)، قال ابن خزيمة: لم نر خلافًا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر أيضًا صحيح من جهة النقل؛ لعدالة ناقليه.\n(^٣) إسناده صحيح: مدار الحديث على عبد الرحمن بن أبي ليلى واختلف عليه:\n١ - فرواه الأعمش عن عبد الله الرازي، عن ا بن أبي ليلى عن البراء به، أخرجه أحمد (٤/ ٣٠٣)\n٢ - ورواه حجاج بن أرطأة عن عبد الله عن عبد الرحمن عن أبيه عن أسيد بن حضير، عند أحمد (٤/ ٣٥٢)\n٣ - ورواه عبيدة الضبي عن عبد الله عن عبد الرحمن عن ذي الغرة الجهني، رواه عبد الله ابن أحمد «زوائد المسند» (٥/ ١١٢).\n٤ - ورواه جابر الجعفي عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سليك الغطفاني.\nوقد رجح أحمد وإسحاق وأبو حاتم وغيرهم أن الصحيح رواية الأعمش عن عبد الله عن عبد الرحمن عن البراء. قال البيهقي «السنن» (١/ ٣٥٩): بلغني عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه أنهما قالا: قَدْ صَحَّ فِي هَذَا البَابِ حَدِيْثَانِ عَنِ النَّبِي، حَدِيْث البَرَاءِ، وحَدِيْث جَابِر بِنْ سمرة. وقال الترمذي «العلل الكبير» (١/ ١٥٢): الصحيح ما رواه الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء عن النبي، والأعمش أحفظ. كما رجح ذلك ابن خزيمة والبيهقي وغيرهم، انظر «صحيح ابن خزيمة» (١/ ٢٢)، و«السنن الكبرى للبيهقي» (١/ ١٥٩).","vol":"1","page":366},{"text":"القول الآخر: أن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء، وهو مذهب الجمهور (^١).\nواستدلوا بما روى أبو داود عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ» (^٢).\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (١/ ٣٢)، و«المنتقى للباجي» (١/ ٦٥)، و«المجموع» (٢/ ٦٦).\n(^٢) ضعيف: أخرجه أبو داود (٣٩٢)، ومدار هذا الحديث على محمد بن المنكدر عن جابر، ولهذا الحديث علتان:\nالأولى: في السند، أن محمد بن المنكدر لم يسمع هذا الحديث من جابر، وإنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل كما في المعرفة للبيهقي (١/ ٣٩٥)، وقد روى أحمد (٣/ ٣٠٧)، ثنا سفيان: سمعت ابن المنكدر غير مرة يقول: عن جابر، وكأني سمعته مرة يقول: أخبرني من سمع جابرًا، وظننته سمعه من ابن عقيل، وقد ذكر البيهقي أن ابن المنكدر يقول: سمعت جابر بن عبد الله. وهذا وهم، فقد قال البخاري (التاريخ الصغير»: قال بعضهم عن ابن المنكدر: سمعت جابرًا ولا يصح.\nالثانية: في المتن، فإذا كان مدار الحديث على محمد بن المنكدر عن جابر به فقد اختلف على ابن المنكدر: فرواه شعيب بن حمزة عن محمد بن المنكدر بهذا اللفظ. ورواه ابن عيينة وأيوب ومعمر وروح وغيرهم، عن ابن المنكدر عن جابر بأن الرسول ﷺ نَزَلَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَرَّبَت لَهُ لحَمًا، فَأَكَلَ ثُمَّ حَانَ وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَتَوضَّأَ، وَصَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَقَرَّبَت لَهُ فَضْلُ طَعَامِهِ فَأَكَلَ فَحَانَت صَلَاةُ العَصْرِ، فَصَلَّى وَلَم يَتَوَضَّأ. كما أخرجه أحمد (٣/ ٣٠٧)، وابن ماجه (٤٨٩)،، قال ابن أبي حاتم «العلل» (١/ ٦٤): سمعت أبي يقول: هذا حديث مضطرب عن جابر، ويحتمل أن يكون شعيب حدث به من حفظه فوهم فيه.","vol":"1","page":367},{"text":"روى ابن أبي شيبة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ» (^١).\nوعَنْ يَحْيَى قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ، فَقَالَ: «الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ، وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَلَا يُخْرِجُهُ إِلَّا خَبِيثًا» (^٢).\nالراجح: أن من أكل لحم الجزور انتقض وضوءه؛ لما روى مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ».\nوعن البراء قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: «تَوَضَّئُوا مِنْهَا».\nأما من قالوا: إن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء فاستدلوا بحديث جابر ابن عبد الله: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار.\nفاعترض عليه من وجهين:\nالأول: أن الحديث لا يصح عن رسول الله.\nالثاني: أن حديث ترك الوضوء مما مست النار حديث عام، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص، وإذا تعارض العام والخاص قُدم الخاص على العام، ثم إنه لو كانت العلة في الوضوء من لحوم الإبل كون النار قد مستها، لم يختلف الحكم في لحم الغنم؛ لأن النار أيضًا قد مستها.\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٥٢) رقم (٥٣٥)، وروى عبد الرزاق «المصنف» (٦٥٣) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّمَا النَّارُ بَرَكَةُ الله، وَمَا تُحِلُّ مِنْ شَيْءٍ وَلَا تُحَرِّمُهُ وَلَا وُضُوءَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَلَا وُضُوءَ مِمَّا دَخَلَ، إِنَّمَا الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ مِنَ الْإِنْسَانِ. وإسناده صحيح.\n(^٢) رجاله ثقات: أخرجه ابن الجعد «مسنده» (٤٤٧)، ويحيى هو ابن وثاب قد ورد عن علي ابن أبي طالب وابن مسعود أن الوضوء مما خرج. ولا يصح عنهما، والله أعلم.","vol":"1","page":368},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-342> المبحث السادس: شرب لبن الإبل لا ينقض الوضوء:</span>\nاختلف أهل العلم فيمن شرب لبن إبل هل يتوضأ منه؟\nذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب الوضوء.\nوعن أحمد في رواية أنه يتوضأ من لبن الإبل (^١).\nواستدلوا بحديث ابن عمر يقول: سمعت رسول الله يقول: «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ، وَتَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ وَلَا تَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ، وَصَلُّوا فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ وَلَا تُصَلُّوا فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ» (^٢).\nوالراجح: أن شرب لبن الإبل لا ينقض الوضوء؛ لأنه لا يصح حديث في الوضوء من ألبان الإبل، وإنما الصحيح الوضوء من أكل لحم الإبل، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) «المغني» (١/ ١٢٢)، و«الإنصاف» (١/ ٢١٨).\n(^٢) ضعيف: مدار الحديث على عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن ابن عمر، واختلف عليه في الوقف والرفع: فرواه بقية عن خالد بن يزيد عن عطاء بن السائب عن محارب عن ابن عمر مرفوعًا، أخرجه ابن ماجه (٤٩٧). ولهذا الحديث علل:\nالأولى: عطاء بن السائب: تغير بآخره.\nالثانية: وخالد بن يزيد: غير مشهور.\nالثالثة: ورواه ابن إسحاق عن عطاء عن محارب عن ابن عمر موقوفًا.\nذكره ابن أبي حاتم «العلل» (٤٨) وقال: حديث ابن إسحاق أشبه موقوفًا، وقال ابن عبد الهادي «التنقيح» (١/ ١٧٦): وقد رُويَ هذا الحديث موقوفًا على ابن عمر وهو أشبه.\nوفي الباب حديث أسيد، وابن عمرو، وسمرة في الوضوء من ألبان الإبل، ولا يصح حديث.","vol":"1","page":369},{"text":"<span data-type='title' id=toc-343>الفصل الخامس ما لا ينقض الوضوء</span>\nوفيه ستة مباحث\nالمبحث الأول: مس بدن المرأة.\nالمبحث الثاني: خروج الدم والقيء والرعاف.\nالمبحث الثالث: القهقهة.\nالمبحث الرابع: تغسيل الميت.\nالمبحث الخامس: أكل ما مست النار إلا لحم الجزور.\nالمبحث السادس: الردة.","vol":"1","page":370},{"text":"الفصل الخامس ما لا ينقض الوضوء\n\n<span data-type='title' id=toc-344>المبحث الأول: مس بدن المرأة:</span>\nاختلف أهل العلم في حكم مس بدن المرأة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: لا ينقض الوضوء من مس بدن المرأة، وبه قال الحنفية (^١).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: كُنْتُ أَنَامُ بَينَ يَدَي رَسُولِ اللهِ ورِجلايَ فِي قِبْلَتِهِ، فِإِذَا سَجَدَ غَمَزَني فقَبضتُّ رِجلِي، فِإِذَا قَامَ بَسطتُّها (^٢).\nوروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (^٣). فعائشة ﵄ تمس قدم النبي وهو يصلي، ولو كان لمس المرأة ينقض الوضوء لخرج ﷺ من الصلاة، ولو كان مس المرأة ناقضًا للوضوء لما مس الرسول الله عائشة وهو في الصلاة مما يدل على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء.\nوعَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قَالَ عُرْوَةُ: قُلْتُ لَهَا: مَنْ هِيَ إِلاَّ أَنْتِ؟ قَالَ: فَضَحِكَتْ (^٤).\n_________\n(^١) «البحر الرائق» (١/ ٤٧)، و«المبسوط» (١/ ٦٨).\n(^٢) البخاري (٣٨٢) ومسلم (٥١٢).\n(^٣) مسلم (٤٨٦).\n(^٤) ضعيف: أخرجه أحمد (المسند) (٦/ ٢١٠)، وأبو داود (١٧٩)، والترمذي (٨٦) وابن ماجه (٥٠٢) وغيرهم من طرق عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة به. وفي الحديث علل: العلة الأولى: صرح أبو داود أن حبيبًا لا يروي إلا عن عروة المزني، وعلى كل فعروة المزني مجهول، وحبيب لم يسمع من عروة بن الزبير قاله أحمد وابن معين والبخاري وأبو حاتم وابن القطان، وسفيان وغيرهم كما في المراسيل (ص/ ٢٨)، والسنن للترمذي (١/ ١٣٥)، وتهذيب الكمال (٥/ ٣٦٢).\nالعلة الثانية: حبيب بن أبي ثابت مدلس وقد عنعن ولم يصرح بالتحديث.\nالعلة الثالثة: أن الثابت عن عروة عن عائشة في القبلة للصائم، وليس في الوضوء من القبلة.","vol":"1","page":371},{"text":"وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ، وَلَا يُحَدِّثُ وُضُوءًا (^١).\nالقول الثاني: ذهب الشافعية إلى أن مس المرأة ينقض الوضوء مطلقًا (^٢).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. واللمس هو ملاقاة البشرتين، دل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧]، ولذا نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ لُبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ: نَهَى عَنِ المُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ فِي البَيْع، وَالمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ وَلَا يُقَلِّبُهُ إِلَّا بِذَلِك (^٣). فكذا لمس المرأة باليد أو غيرها ينقض الوضوء.\nواعترض على هذا الاستدلال بأن السياق هو الذي يحكم المعنى، فإذا صح عن النبي ﷺ أنه كان يمس عائشة وهو يصلي وهذا غير ناقض للوضوء، دل ذلك على أن المراد بقوله:\n﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] أنه الجماع.\nواستدلوا بأن ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: «يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ، وَمِنَ اللَّمْسِ بِيَدِهِ، وَمِنَ\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ١٠٦) من طريق يزيد بن سنان عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة به. ولهذا الحديث علتان:\nالأولى: ضعف يزيد بن سنان.\nوالثانية: مخالفة يزيد للثقات فقد روى الثقات عن عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يُقَبِّلُها وَهُوَ صَائِمٌ وفي الباب ما رواه الطبراني (الأوسط) (٧٢٢٧) عن أبي مسعود الأنصاري أَنَّ رَجُلًا أَقْبَلَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَاسْتَقْبَلَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَأَكَبَّ عَلَيْهَا، فَتَنَاوَلَهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَلَمْ يَنْهَهُ. وفي إسناده: ليث ضعيف.\n(^٢) المجموع (٢/ ٢٩)، ومغني المحتاج (١/ ٣٤).\n(^٣) البخاري (٢١٤٤)، ومسلم (١٥١٢).","vol":"1","page":372},{"text":"الْقُبْلَةِ إِذَا قَبَّلَ امْرَأَتَهُ» وَكَانَ يَقُولُ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قَالَ: «هُوَ الْغَمْزُ» (^١).\nوعن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَجَسُّهَا بِيَدِهِ- مِنَ الْمُلَامَسَةِ، فَمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَسَّهَا بِيَدِهِ، فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ (^٢).\nواعترض بأن قول ابن مسعود لا يصح عنه، وقول ابن عمر معارض بقول ابن عباس في تفسير قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. قال: هو الجماع (^٣). وهذا موافق لفعل الرسول، فالرسول مس عائشة وهو يصلي، وكذا مست عائشة الرسول وهو يصلي ولم يتوضأ، فدل ذلك على أن المراد باللمس فى الآية الجماع. وورد اللمس في القرآن وأريد به الجماع، قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.\nولو عقد رجل على امرأة ثم مسها بِيده بِحضرة جماعة ولم يخل بِها، فطلقها - فلها نصف الصداق، فدل ذلك على المراد بالمس فى هذه الآيات الجماع.\nقال ابن المنذر: وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى أَنَّ رَجُلًا لَو تَزَوّجَ امْرَأَةً ثُمَّ مَسَّهَا بِيَدِه أَوْ قَبَّلَهَا بِحَضرَةِ جَمَاعَة وَلَمْ يَخلُ بِهَا، فَطَلَّقَها - أَنَّ لَهَا نِصْف الصِّدَاق …\nالقول الثالث: أن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء وبغيرشهوة لا ينقض، وهو قول المالكية والحنابلة (^٤).\nواستدل بما قال ابن المنذر: وَمَا زَالَ النَّاسُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ يَتَعَارَفُونَ أَنْ يُعَانِقَ الرَّجُلُ أُمَّهُ وَجَدَّتَهُ وَيُقَبِّلَ ابْنَتَهُ فِي حَالِ الصِّغَرِ قُبْلَةَ الرَّحْمَةِ، وَلَايَرَوْنَ ذَلِكَ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَلَا يُوجِبُ\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه عبد الرزاق (٤٩٩)، والأوسط (١/ ١١٨)، والطبراني (الكبير) (٩/ ٢٨٥) وهو منقطع، وأبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود ..\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه مالك (الموطأ) (١/ ٤٣).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف) (١/ ١٥٣).\n(^٤) المدونة (١/ ١٣)، المحرر (١/ ١٣)، الإنصاف (١/ ٢١١).","vol":"1","page":373},{"text":"وُضُوءًا عِنْدَهُمْ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَدَثًا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَيُوجِبُ الْوُضُوءَ لَتَكَلَّمَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ (^١).\nوالراجح: القول بأن لمس بدن المرأة بشهوة أو بغير شهوة لا ينقض الوضوء.\nقال ابن تيمية: وَأَمَّا وُجُوبُ الْوُضُوءِ مِنْ مُجَرَّدِ مَسِّ الْمَرْأَةِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَهُوَ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا رَوَى أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْ ذَلِكَ؛ مَعَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ غَالِبٌ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ فِي عُمُومِ الْأَحْوَالِ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يُنَاوِلُ امْرَأَتَهُ شَيْئًا وَتَأْخُذُهُ بِيَدِهَا وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ ابْتِلَاءُ النَّاسِ بِهِ، فَلَوْ كَانَ الْوُضُوءُ مِنْ ذَلِكَ وَاجِبًا لَكَانَ النَّبِيُّ يَأْمُرُ بِذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَيَشِيعُ ذَلِكَ، وَلَوْ فَعَلَ لَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْهُ وَلَوْ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ أَمَرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ - مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ - عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-345>المبحث الثاني: خروج الدم والقيء والرعاف:</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: ذهب المالكية والشافعية إلى أن القيء والرعاف وما يخرج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء (^٢).\nواستدلوا بما روى أحمد: عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا وُضُوءَ إِلاَّ مِنْ صَوْتٍ، أَوْ رِيحٍ» (^٣).\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ١٣١): وقد أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن لا وضوء على الرجل إذا قَبَّل أمه.\n(^٢) حاشية الدسوقي (١/ ١١٨) مواهب الجليل (١/ ١٢٩٣)، المجموع (٢/ ٨).\n(^٣) ضعيف: مدار هذا الحديث على سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة وقد اختلف في متنه: فرواه شعبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا بهذا اللفظ، أخرجه أحمد (٢/ ٤٧١) وغيره، وتابع شعبة سعيد بن أبي عروبة كما عند أبي عبيد (الطهور) (٤٠٤) وخالفهما في متن هذا الحديث: جرير بن عبد الحميد كما عند مسلم (٣٦٢)، وحماد بن سلمة كما عند أحمد (٢/ ٤١٤)، وخالد بن عبد الله الواسطي كما عند ابن خزيمة (٢٨)، وعبد العزيز الدراوردي كما عند الترمذي (٧٥)، أربعتهم عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «إِذَا أوجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»، فهذا هو اللفظ الصحيح، وأما لفظ: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ» فهو وهم. قال أبو حاتم: هذا وهم، اختصر شعبة متن هذا الحديث فقال: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ» ورواه أصحاب سهيل عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ أَحَدَكُمْ فِي صَلَاةٍ فَوَجَدَ رِيْحًا فِي نَفسِهِ فَلَا يَخْرُجَنَّ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وكذا رجح ابن خزيمة هذه الرواية (١/ ١٨، ١٩)، مما يؤيد ذلك ما أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٠) من طريق الضحاك ابن عثمان عن أبي هريرة وفيه: «فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وإسناده صحيح.","vol":"1","page":374},{"text":"واعترض عليه بأن المحفوظ من الحديث فيمن شك في الحدث وهو في الصلاة. فقال الرسول: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحً».\nوعن أنس بن مالك، قال: احْتَجَمَ رَسُولُ الله ﷺ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى غَسْلِ مَحَاجِمِهِ (^١).\nواعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله.\nوعن ثوبان: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ صَائِمًا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ فَأَصَابَهُ غَمٌّ آذَاهُ فَتَقَيَّأَ فَقَاءَ فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَفْطَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرِيضَةٌ الْوُضُوءُ مِنَ الْقَيْءِ؟ قَالَ: «لَوْ كَانَ فَرِيضَةً لَوَجَدْتَهَ فِي الْقُرْآنِ» وَقَالَ: ثُمَّ صَامَ رَسُولُ الله ﷺ الْغَدَ فَسَمِعْتُهُ، يَقُولُ: «هَذَا مَكَانُ إِفْطَارِي أَمْسِ» (^٢).\nواعترض عليه بأنه لا يصح.\nوأما دليلهم من المأثور: فعن بكر بن عبد الله المزني قال: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَصَرَ بَثْرَةً فِي وَجْهِهِ فَخَرَجَ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ، فَحَكَّهُ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (^٣).\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه الدارقطني (١/ ١٥٧) وفي إسناده: صالح بن مقاتل، ليس بالقوي، وأبوه غير معروف وسليمان بن داود مجهول، قاله الدارقطني كما في نصب الراية (١/ ٤٣).\n(^٢) منكر: أخرجه الدارقطني (١/ ١٥٩) وفي إسناده: عتبة بن السكن: منكر الحديث.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٨).","vol":"1","page":375},{"text":"وعَنْ عَطَاءِ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ الله بْنَ أَبِي أَوْفَى بَصَقَ دَمًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (^١).\nوعَنْ جَابِرٍ ﵁؛ أَنَّهُ أَدْخَلَ إصْبَعَهُ فِي أَنْفِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهَا دَمٌ فَمَسَحَهُ بِالأَرْضِ أَوْ بِالتُّرَابِ ثُمَّ صَلَّى (^٢).\n٤ - وعن مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ أَدْخَلَ إِصْبَعَهُ فِي أَنْفِهِ فَخَرَجَتْ مُخَضَّبَةً دَمًا فَفَتَّهُ، ثُمَّ صَلَّى فَلَمْ يَتَوَضَّأْ (^٣).\nواستدلوا ببراءة الذمة، فلا يصح دليل بوجوب الوضوء من القيء والحجامة.\nقال ابن المنذر: إن الْفَرَائِضَ إِنَّمَا تَجِبُ بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَلَيْسَ مَعَ مَنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ حُجَّةٌ، بَلْ قَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَطَهَّرَ طَاهِرٌ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي نَقْضِ طَهَارَتِهِ بَعْدَ حُدُوثِ الرُّعَافِ وَالْحِجَامَةِ وَخُرُوجِ الدِّمَاءِ مِنْ غَيْرِ الْقَرْحِ وَالْقَيْءِ وَالْقَلْسِ. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: انْتُقِضَتْ طَهَارَتُهُ، وَقَالَ آخَرُونَ لَمْ تُنْقَضْ قَالَ: فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تُنْقَضَ طَهَارَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا إِلَّا بِإِجْمَاعِ مِثْلِهِ أَوْ خَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا مُعَارِضَ لَهُ (^٤).\nواستدلوا بما قاله الشافعي: لَمْ يَخْتَلِفِ النَّاسُ فِي الْبُصَاقِ يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ وَالْمُخَاطِ وَالنَّفَسِ يَأْتِي مِنْ الْأَنْفِ، وَالْجُشَاءِ الْمُتَغَيِّرِ وَغَيْرِ الْمُتَغَيِّرِ يَأْتِي مِنَ الْفَمِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنْ لَا وُضُوءَ فِي قَيْءٍ وَلَا رُعَافٍ وَلَا حِجَامَةٍ وَلَا شَيْءٍ خَرَجَ مِنِ الْجَسَدِ وَلَا أُخْرِجَ مِنْهُ غَيْرِ الْفُرُوجِ الثَّلَاثَةِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ وَالذَّكَرِ; لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ عَلَى نَجَاسَةِ مَا يَخْرُجُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرِّيحَ تَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ وَلَا تُنَجِّسُ شَيْئًا فَيَجِبُ بِهَا الْوُضُوءُ كَمَا يَجِبُ بِالْغَائِطِ، وَأَنَّ الْمَنِيَّ غَيْرُ نَجَسٍ وَالْغُسْلُ يَجِبُ بِهِ، وَإِنَّمَا الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ تَعَبُّدٌ (^٥).\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه عبد الرزاق (٥٧١) وعطاء هو ابْنِ السَّائِبِ.\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٨).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٨).\n(^٤) الأوسط (١/ ١٧٣).\n(^٥) الأم (١/ ١٨).","vol":"1","page":376},{"text":"القول الآخر: ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن خروج القيء والرعاف حدث ناقض للوضوء (^١)، واستدلوا بما روى الترمذي عَنْ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ. قَالَ: فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءه (^٢).\nوجه الدلالة: (أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءه) يدل على أن القيء ينقض الوضوء.\nواعترض عليه بما قاله ابن المنذر: وَلَيْسَ يَخْلُو هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا أو غيرَ ثابتٍ: فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ؛ كَمَا أَمَرَ بِالْوُضُوءِ مِنْ سَائِرِ الْأَحْدَاثِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٌ فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَجِبَ فِيهِ فَرْضٌ.\nوعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ أَوْ قَلَسٌ أَوْ مَذْيٌ، فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ».\nواعترض: بأنه لا يصح (^٣).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٢٤) وكشاف القناع (١/ ١٢٤) والفروع (١/ ١٧٦).\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه الترمذي (٨٧) وقد توسعت في تخريجه في كتاب الجامع العام في فقه الصيام (١٥١).\n(^٣) مدار هذا الحديث على إسماعيل بن عياش واختلف عليه: (١) فروى إسماعيل، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به. أخرجه ابن ماجه (١٢٢١) (٢) ورواه الوليد ابن مسلم عن إسماعيل عن ابن جريج عن أبيه عن عائشة به كما في (السنن الكبرى) للبيهقي (١/ ١٤٢) (٣) ورواه داود بن رشيد عن إسماعيل عن ابن جريج عن أبيه وابن أبي مليكة، أخرجه الدارقطني (١/ ١٥٣/ ١٥٤) (٤) ورواه الربيع بن نافع عن إسماعيل عن ابن جريج عن أبيه مرسلًا كما في الدارقطني (١/ ١٥٤).\nولهذا الحديث ثلاث علل:\nالأولى: أن مدار الحديث على إسماعيل وهو ضعيف عن غير أهل الشام وابن جريج من أهل الحجاز.\nالثانية: أن إسماعيل مع ضعفه فقد اختلف عليه ألوانًا مما يزيده ضعفًا.\nالثالثة: أن أصحاب ابن جريج قد خالفوا إسماعيل فرووا الحديث مرسلًا وهو الصحيح فروى (عبد الرزاق) وأبو عاصم، ومحمد بن عبد الله الأنصاري وغيرهم عن ابن جريج عن أبيه مرسلًا، كما فى المصنف (٣٦١٨) وسنن الدارقطني (١/ ١٥٥) والبيهقي (١/ ١٤٢) وقد رجح أبوحاتم الإرسال كما في العلل (١/ ٣١)، وقال الدارقطني (١/ ١٥٤): أصحاب ابن جريج الحفاظ عنه يروونه عن ابن جريج عن أبيه مرسلًا، وكذا رجح البيهقي كما في السنن الكبرى (٢/ ٢٥٥).","vol":"1","page":377},{"text":"وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَرْجِعْ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ» (^١).\nوعن ابن عباس قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ تَوَضَّأَ ثُمَّ بَنَى عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ (^٢).\nوعَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: رَعَفْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَمَرَنِي أَنْ أُحْدِثَ وُضُوءًا (^٣).\nوعن عمر بن عبد العزيز قال: قال تميم الداري: قال رسول الله ﷺ: «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ» (^٤).\nوعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ فِي الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ مِنَ الدَّمِ وُضُوءٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ دَمًا سَائِلًا» (^٥).\nوعن زيد بن علي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «الْقَلْسُ حَدَثٌ» (^٦).\n_________\n(^١) منكر: أخرجه الدارقطني (١/ ١٥٧)، وفي إسناده أبو بكر الداهري عبد الله بن حكيم: متروك الحديث، قاله الدارقطني، وقال أحمد: يروي أحاديث مناكير، ليس بشيء.\n(^٢) ضعيف جدًّا: أخرجه الدارقطني (١/ ١٥٦) وفي إسناده: عمر بن رياح: متروك\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٥٢/ ١٥٣) وفي إسناده سليمان بن أرقم: متروك.\n(^٣) ضعيف: أخرجه الطبراني (الكبير) (٦/ ٢٣٩) وقال: عن يزيد بن أبي خالد: (وهو خطأ)، والصواب يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالاني وهو ضعيف، وكذا جعفر بن زياد الأحمر ضعيف.\n(^٤) ضعيف جدًّا: أخرجه الدارقطني (١/ ١٥٧). وفيه علتان:\nالأولى: عمر بن عبد العزيز لم يسمع من تميم ولا رآه.\nالثانية: يزيد بن خالد، ويزيد بن محمد كلاهما مجهول.\n(^٥) ضعيف جدًّا: أخرجه الدارقطني (١/ ١٥٧) وفي إسناده محمد بن الفضل: كذاب.\n(^٦) أخرجه الدارقطني (١/ ١٥٥) وفي إسناده سوار بن مصعب: متروك.","vol":"1","page":378},{"text":"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يُعَادُ الْوُضُوءُ مِنْ سَبْعٍ: مِنْ إقْطَارِ الْبَوْلِ وَالدَّمِ السَّائِلِ، وَالْقَيْءِ، وَمِنْ دَسْعَةٍ تَمْلَأُ الْفَمَ، وَنَوْمِ الْمُضْطَجِعِ، وَقَهْقَهَةِ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ، وَخُرُوجِ الدَّمِ» (^١).\nوروى البخاري عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «لَا؛ إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» وقال: «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ» (^٢). وإذا كان أَمَر فاطمة بالوضوء من دم الاستحاضة، فقد دل ذلك على أن خروج دماء العروق من أي مكان يوجب الوضوء\nواعترض على هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: لفظة «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» ليست من قول النبي، إنما من قول عروة.\nوالثاني: أن الراجح أن الدم ليس بنجس ولا ينقض الوضوء فالصحابة كانوا يصلون في جراحاتهم.\nأما دليلهم من القياس فإذا كان خروج النجس من السبيلين ينقض الوضوء، فكذا خروج النجس من أي مكان من الجسد.\nواعترض عليه بما قاله ابن المنذر: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشَبَّهَ مَا يَخْرُجُ مِنْ سَائِرِ الْجَسَدِ بِمَا يَخْرُجُ مِنَ أَوِ الدُّبُرِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ رِيحٍ تَخْرُجُ مِنَ الدُّبُرِ وَبَيْنَ الْجُشَاءِ الْمُتَغَيِّرُ يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ، فَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الطَّهَارَةِ فِي أَحَدِهِمَا وَهُوَ الرِّيحُ الْخَارِجُ مِنَ الدُّبُرِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْجُشَاءَ لَا وُضُوءَ فِيهِ، فَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَخْرُجُ مِنْ مَخْرَجِ الْحَدَثِ وَبَيْنَ مَا يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ مَخْرَجِ الْحَدَثِ أَبْيَنُ الْبَيَانِ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ سَائِرِ الْجَسَدِ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَاسَ عَلَى مَا خَرَجَ مِنْ مَخْرَجِ الْحَدَثِ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في (الخلافيات) (٦٥٨) وفي إسناده: سهل بن عفان مجهول، والجارود بن يزيد ضعيف.\n(^٢) البخاري (٢٢٨) ومسلم (٢٣٤) بدون لفظة: «توضئي لكل صلاة».\n(^٣) الأوسط (١/ ١٧٥).","vol":"1","page":379},{"text":"والراجح أن خروج النجس من غير السبيلين لا ينقض الوضوء إلا أن يكون بولًا أو غائطًا؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولا يصح دليل بوجوب الوضوء من الرعاف والحجامة والقيء، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-346>المبحث الثالث: القهقهة:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن القهقهة في الصلاة لا تنقض الوضوء (^١).\nواستدلوا بالبراءة الأصلية فلم يأت دليل صحيح بأن القهقهة تنقض الوضوء إذ ليست القهقهة بحدث. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: إذَا ضَحِكَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ، أَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِد الْوُضُوءَ (^٢).\nوذهب الحنفية إلى أن القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء (^٣).\nواستدلوا بحديث أبي المليح بن أسامة عن أبيه قال: بَيْنَا نَحْنُ نُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ الله ﷺ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَوَقَعَ فِي حُفْرَةٍ، فَضَحِكْنَا مِنْهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ كَامِلًا وَإِعَادَةِ الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِهَا (^٤).\n_________\n(^١) المدونة (١/ ١٩٠) المهذب (١/ ٢٤) المغني (١/ ١١٦).\n(^٢) المصنف (١/ ٣٤٠) رقم (٣٩٠٨).\n(^٣) المبسوط (١/ ٧٧)، شرح فتح القدير (١/ ٤٥)، بدائع الصنائع (١/ ٣٢).\n(^٤) ضعيف: ومدار الحديث على ابن اسحاق واختلف عليه:\nفرواه إبراهيم بن سعد، عن ابن اسحاق، عن الحسن بن دينار عن الحسن بن أبي الحسن عن أبي المليح به. أخرجه الدارقطني (١/ ١٦٠/ ١٦١)، وفي إسناده: الحسن بن دينار: متروك. ورواه محمد بن مسلمة عن ابن إسحاق عن الحسن بن دينار، عن قتادة عن أبي المليح أخرجه الدارقطني (١/ ١٦٢).\nوقد ذكر الدارقطني (١/ ١٦١) رواية ابن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن خالد الحذاء عن أبي المليح عن أبيه وقال: فوهم قبيح وإنما رواه خالد الحذاء عن حفصة بنت سيرين عن أبي العالية عن النبي ﷺ رواه عنه كذلك سفيان الثوري وهشيم ووهيب وحماد بن سلمة وغيرهم، وقد اضطرب ابن اسحاق في روايته عن الحسن بن دينار. وله شاهد عن أنس، أخرجه الدارقطني (١/ ١٦٣) وفي إسناده داود بن المحبر وهو متروك.\nوقد أورد الدارقطني طرقًا كثيرة من طريق قتادة، أصحها ما يرويه قتادة عن أبي العالية مرسلًا.","vol":"1","page":380},{"text":"وعن جابر قال: قال لنا رسول الله ﷺ: «مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ» (^١).\nواعترض عليه بأنه لا يصح.\nوالراجح أن القهقهة لا تنقض الوضوء.\n\n<span data-type='title' id=toc-347>المبحث الرابع: تغسيل الميت:</span>\nذهب جماهير العلماء إلى أن مَنْ غَسَّل ميتًا لا ينتقض وضوءه (^٢).\nلأنه لا يصح في وجوب الغسل حديث.\nوذهب أحمد في رواية إلى مَنْ غَسَّل ميتًا انتقض وضوءه (^٣).\nواستدل بالسنة والمأثور والمعقول:\nأما من السنة: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ غُسْلِهَا الْغُسْلُ، وَمِنْ حَمْلِهَا\n_________\n(^١) منكر: أخرجه الدارقطني (١/ ١٧٢)، ومدار هذا الحديث على الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، فرواه يزيد بن سنان عن أبيه عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر به.\nولهذا الحديث علتان:\nالأولى: يزيد بن سفيان ضعيف.\nالثانية: أن يزيد بن سنان قد خالف الثقات في المتن ووقفوه عن جابر. فرواه (سفيان الثوري ووكيع ومعاوية الضرير وغيرهم) عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر يقول: من ضحك في الصلاة أعاد الصلاة ولم يعد الوضوء. أخرجه الدارقطني (١/ ١٧٢)، وأبو يعلى (٢٣١٣). وفى الباب حديث عمران بن حصين، أخرجه الدارقطني (١/ ١٥٦)، وفي إسناده: عمر بن قيس المكي: متروك، وحديث أبي هريرة، أخرجه الدارقطني (١/ ١٦٤)، وفي إسناده عبد الكريم، وعبد العزيز بن الحصين، وكلاهما متروك الحديث.\n(^٢) المبسوط (١/ ٨٢)، بدائع الصنائع (١/ ٣٢)، الفروع (١/ ١٨٤).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٢١٥)، المغني (١/ ١٢٣).","vol":"1","page":381},{"text":"الْوُضُوءُ» (^١). أي: الجنازة أو الميت.\n_________\n(^١) ضعيف: مدار الحديث على سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، واختلف على سهيل في الحديث ألوانًا، فرواه ابن جريج كما عند أحمد (٢/ ٢٧٢)، وعبد العزيز بن المختار كما عند الترمذي (٣٩٣) وحماد بن سلمة كما عند ابن حبان (١١٦١) وغيرهم كلهم عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا.\nورواه ابن عيينة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، ذكره الدارقطني في العلل (١/ ١٦٢).\nورواه الحميدي وابن عمر وغيرهما عن ابن عيينة عن سهيل عن أبيه عن إسحاق مولى زائدة عن أبي هريرة مرفوعًا كما عند أبي داود (٣١٦٢) والدارقطني (العلل) (١٠/ ١٦٢)، ورواه ابن علية، عن سهيل، عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة عن أبي هريرة موقوفًا، رواه البخاري (التاريخ الكبير) (١/ ٣٩٦)\nوأخرجه الدارقطني (العلل) عن ابن علية بدون ذكر (أبي صالح).\nورواه وهيب بن خالد عن سهيل عن أبيه عن الحارث بن مخلد عن أبي هريرة مرفوعًا كما أخرجه البيهقي (١/ ٣٠١) ورواه ابن أبي ذئب، واختلف عليه: فرواه عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا كما عند الدارقطني (العلل) (١٠/ ٣٧٩) من طريق ابن أبي فديك عنه، وقد أغرب ابن أبي فديك، ورواه حبان بن علي عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة، ذكره الدارقطني وقال: حديث المقبري أصح.\nورواه حجاج عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة مرفوعًا، كما عند أحمد (٢/ ٤٣٣)، وقال البيهقي: هذا المشهور من حديث ابن أبي ذئب، وصالح مولى التوأمة ليس بالقوي.\nوأخرجه أبو داود (٣١٦١) من طريق ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن القاسم بن عباس عن عمرو بن عمير عن أبي هريرة مرفوعًا، قال الدارقطني: سهيل يشبه أن يكون يضطرب فيه.\nورواه ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا أخرجه البيهقي (١/ ٣٠١)، ورواه (عبدة بن سليمان، ويزيد بن هارون، وعبد الوهاب بن عطاء) عن القعقاع بن حكيم عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا كما أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٧٠) والبيهقي (١/ ٣٠٢) وللحديث طرق أخرى لا تخلو من مقال. وقد تضافرت أقوال أهل العلم على أن الصحيح في هذا الحديث الوقف (١) قال أبو حاتم «العلل» (١/ ٣٥١): إنما هو موقوف على أبي هريرة، لا يرفعه الأثبات (٢) وصحح الوقف البخاري كما في التاريخ الصغير (١/ ٣٩٧)، (٣) وقال البيهقي (١/ ٣٠٣): والصحيح عن أبي هريرة من قوله موقوفًا غير مرفوعًا، (٤) قال أحمد: لا يصح في هذا الباب شيء (٥) قال ابن المديني: لا يثبت فيه حديث، وقاله الذهلي وابن المنذر وغيرهما، فهذا الحديث لا يصح.","vol":"1","page":382},{"text":"أما من المأثور: فعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَعَلَى مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا غُسْلٌ؟ قَالَ: «لَا، قَدْ إِذَنْ نَجَّسُوا صَاحِبَهُمْ، وَلَكِنْ وُضُوءٌ (^١).\nواعترض عليه من وجهين:\nالأول: أنه اختلف على ابن عباس، والصحيح عنه بعدم ذكر الوضوء.\nالثاني: أن الوضوء قد يكون على الاستحباب عنده.\nعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «إِذَا غَسَّلْتَ الْمَيِّتَ فَأَصَابَكَ مِنْهُ أَذًى فَاغْتَسِلْ، وَإِلَّا إِنَّمَا يَكْفِيكَ الْوُضُوءُ» (^٢). واعترض عليه بأنه لا يصح عنه.\nوأما دليلهم من المعقول\nفاستدلوا بأن العادة أن الغاسل قد تقع يده على فرج الميت فلذا يجب الوضوء.\nواعترض بأن لا يجوز للغاسل مسح فرج الميت قاصدًا، وأنه لابد من مراعاة الضوابط الشرعية من عدم رؤية العورات وعدم مس الفرج بحسب الاستطاعة.\nوالراجح أنه لا يجب الوضوء على من غسل ميتًا، والحديث الوارد في الباب لا يصح.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٦١٠١)، ورواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم ولم يذكر زيادة الوضوء. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٦٩) من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس قال: لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيْسَ بِنَجِسٍ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا. ولم يذكر هنا الوضوء. وروى البيهقي (٣/ ٣٩٨) من طريق أبي شيبة، ثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي غَسْلِ مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ، إنَّ مَيِّتَكُم يَمُوتُ طَاهِرًا، ولَيْسَ بِنَجَسٍ فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُم» وفي إسناده أبو شيبة، ضعفه البيهقي.\nوقد رد عليه الحافظ في التهذيب فقال: وهم البيهقي في ذلك، وكأنه ظنه جده إبراهيم بن عثمان، وقال في التلخيص: أبو شيبة هو إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، احتج به النسائي ووثقه الناس … فالإسناد حسن.\n(^٢) ضعيف: أخرجه عبد الرزاق (٦١٠٧) وفي إسناده عبد الله بن عمر العمري، ضعيف.","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type='title' id=toc-348>المبحث الخامس: أكل ما مست النار إلا لحم الجزور:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب الوضوء مما مست النار (^١).\nواستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَسَلَّمَ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (^٢). فدل ذلك على أن النبي أكل ما مست النار ثم صلى ولم يتوضأ.\nوذهبت عائشة وطلحة وابن عمر إلى أنه يجب الوضوء مما مست النار (^٣).\nواستدلوا لذلك بما روى مسلم عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» (^٤).\nواعترض على هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: أن الوضوء مما مست النار مستحب ليس بواجب، وهو رواية عن أحمد وابن تيمية (^٥).\nالثاني: أن الوضوء مما مست النار منسوخ.\nواستدلوا على النسخ بحديث جَابِرِ قَالَ: «كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» (^٦).\nقلت: وإن كان هذا ضعيفًا الحديث فإنه لا يجب الوضوء مما مست النار إلا في أكل لحم الإبل لما ورد في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ\n_________\n(^١) التمهيد (٣/ ٣٣٢) والمفهم (١/ ٦٠٣).\n(^٢) البخاري (٢٠٧) ومسلم (٣٥٤).\n(^٣) الأوسط (٢/ ٢١٣) والتمهيد (٣/ ٣٣١).\n(^٤) مسلم (٣٥١).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٥٢٤)، شرح العمدة (١/ ٣٣٠).\n(^٦) ضعيف: أخرجه أبو داود (السنن) (١٩٢) ومحمد بن المنكدر لم يسمع هذا الحديث من جابر وإنما سمعه ابن عقيل وفيه ضعف، قاله الشافعي كما (المعرفة للبيهقي) (١/ ٣٩٥).","vol":"1","page":384},{"text":"يَتَوَضَّأْ. فالنبي أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ.\n\n<span data-type='title' id=toc-349>المبحث السادس: الردة:</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الردة لا تنقض الوضوء لأنها ليست بحدث، وبه قال الحنفية وقول للمالكية ووجه عند الشافعية (^١).\nقال ابن حزم: وَأَمَّا الرِّدَّةُ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ أَوْ كَانَتِ امْرَأَةً فَاغْتَسَلَتْ مِنَ الْحَيْضِ ثُمَّ ارْتَدَّا ثُمَّ رَاجَعَا الإِسْلَامَ دُونَ حَدَثٍ يَكُونُ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ بِأَنَّ الرِّدَّةَ حَدَثٌ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ، وَهُمْ يُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تَنْقُضُ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، وَلَا غُسْلَ الْحَيْضِ، وَلَا أَحْبَاسَهُ السَّالِفَةَ، وَلَا عِتْقَهُ السَّالِفَ، وَلَا حُرْمَةَ الرَّجُلِ، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ أَنَّهَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ؟! فَهَلاَّ قَاسُوا الْوُضُوءَ عَلَى الْغُسْلِ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ يَكُونُ أَصَحَّ قِيَاسٍ لو كان شيءٌ من القياس صحيحًا (^٢).\nالقول الثاني: أن الردة تبطل الوضوء، وهو قول بعض المالكية ووجه في مذهب الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\nواستدلوا بعموم قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ أي يحبط كل عمل بما فيه الوضوء فينقض.\nواعترض عليه بما قاله ابن حزم: فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ ٦٥﴾ [الزمر] قلنا: هَذَا عَلَى مَنْ مَاتَ كَافِرًا لَا عَلَى مَنْ رَاجَعَ الإِسْلَامَ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الزمر: ٦٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ ٦٥﴾ شَهَادَةٌ\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١١٦/ ١١٧)، المنتقى (١/ ٦٦)، المجموع (٢/ ٥).\n(^٢) المحلي (١/ ٢٤١).\n(^٣) الخرشي علي مختصر خليل (١/ ١٥٧)، المجموع (٢/ ٥)، المغني (١/ ١١٥).","vol":"1","page":385},{"text":"صَحِيحَةٌ قَاطِعَةٌ لِقَوْلِنَا؛ لأنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنِ الآُمَّةِ فِي أَنَّ مَنْ ارْتَدَّ ثُمَّ رَاجَعَ الإِسْلَامَ وَمَاتَ مُسْلِمًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، بَلْ مِنْ الرَّابِحِينَ الْمُفْلِحِينَ، وَإِنَّمَا الْخَاسِرُ مَنْ مَاتَ كَافِرًا (^١).\nواستدلوا بما روى مسلم عن أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ». فإذا كان الطهور شطر الإيمان، والردة تبطل الإيمان فهي تبطل الوضوء (^٢).\nالقول الثالث: أن الردة تبطل التيمم دون الوضوء، وهو وجه عند الشافعية (^٣).\nوهذا القول أضعف الأقوال.\nوالراجح أن الردة لا تنقض الوضوء لأنها ليست بحدث، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المحلي (١/ ٢٤١).\n(^٢) مسلم (٢٢٣).\n(^٣) المجموع (٢/ ٥)","vol":"1","page":386},{"text":"حاصل ما ورد الوضوء\n١ - الْوُضُوءِ لغة: مِنَ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ الْحُسْنُ وَالنَّظَافَةُ، وَسُمِّيَ وُضُوءُ الصَّلَاةِ وُضُوءًا لِأَنَّهُ يُنَظِّفُ الْمُتَوَضِّئَ وَيُحَسِّنُهُ.\nوشرعًا: اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ مُفْتَتَحًا بِنِيَّةٍ.\n٢ - فضل الوضوء:\n١ - الوضوء يكفر الخطايا والذنوب والآثام.\n٢ - الطهور شطر الإيمان، روى مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ».\n٣ - تميز أمة محمد بالوضوء يوم القيامة عن سائر الأمم، في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ».\n٤ - حل عقدة الشيطان بالوضوء.\n٥ - إسباغ الوضوء ونطق الشهادتين بعده من أسباب دخول الجنة، روى مسلم من حديث عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ، أَوْ فَيُسْبِغُ، الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».\n٣ - حكم الوضوء:\nيختلف حكم الوضوء من عبادة لأخرى، فقد يكون واجبًا إذا أراد المحدث الصلاة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦]، وقد يستحب الوضوء إذا أراده للنوم.","vol":"1","page":387},{"text":"الوضوء كان في شريعة من قبلنا.\nذهب جمهور العلماء إلى أن الوضوء كان في شريعة من قبلنا، وإنما الغرة والتحجيل مما خُصت به هذه الأمة. روى البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، دَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ، أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا. فَأَرْسَلَ بِهَا، فَقَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِرَ!! فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ».\nأما دليل أن الغرة والتحجيل من خصائص هذه الأمة: ففي الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ».\n* * *","vol":"1","page":388},{"text":"الفصل الأول\nفي شروط صحة الوضوء\nالشرط الأول: الإسلام، فلا يصح الوضوء من كافر.\nالشرط الثاني: التكليف: المكلف هو البالغ العاقل: فلا يجب الوضوء على طفل ولا مجنون. ويصح الوضوء من الطفل المميز، ولا يصح وضوء مجنون ولا غير مميز.\nالشرط الثالث: ارتفاع دم الحيض والنفاس: فلو توضأت الحائض أو النفساء لم يرتفع حدثهما.\nالشرط الرابع: طهارة الماء: فلا يصح الوضوء بالماء النجس.\nالشرط الخامس: القدرة على استعمال الماء، فإن عجز عن استعمال الماء لمرض أو لعجز عنه، فإنه يسقط لعموم قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ولقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\nالشرط السادس: عدم حصول ناقض أثناء الوضوء، كخروج الريح في وسط الوضوء فيجب عليه الإعادة، ويستثنى من ذلك المعذور كصاحب سلس البول والمستحاضة وغيرهما.\nالشرط السابع: عدم الحائل الذي يحول بين وصول الماء إلى البشرة.\nفإذا توضأ وهناك حاجز يمنع وصول الماء إلى البشرة كالشمع والعجين، أو الدهان، أو طلاء الأظافر، أو أدوات التجميل، وكل ما يمنع من وصول الماء إلى البشرة؛ فإنه لا بد من إزالته بقدر المستطاع؛ لأن الله تعالى أمر بغسل الوجه واليدين إذا كانت مكشوفة.\nالشرط الثامن: قيام الحدث: فمن لم يكن محدثًا لم يجب عليه الوضوء.\nالشرط التاسع: النية: وهي عزم القلب على فعل العبادة تقربًا إلى الله تعالى.\nوالنية شرط لصحة الوضوء لعموم قوله ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، والنية محلها القلب، وقد اتفق الأئمة على أن الجهر بالنية ليس بمشروع.\nقال ابن القيم: وَلَمْ يَكُنْ يَقُولُ ﷺ فِي أَوَّلِهِ: نَوَيْتُ رَفْعَ الْحَدَثِ وَلَا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ. لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْبَتَّةَ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ حَرْفٌ وَاحِدٌ، لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ.","vol":"1","page":389},{"text":"الفصل الثاني\nفرائض الوضوء\nمن فروض الوضوء غسل الوجه واليدين إلى المرفقين وغسل الرجلين ومسح الرأس. وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك.\nقال ابن عبد البر: الْعُلَمَاءُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَمَسْحَ الرَّأْسِ فَرْضٌ ذَلِكَ كُلُّهُ لِأَمْرِ الله بِهِ فِي كِتَابِهِ الْمُسْلِمَ عِنْدَ قِيَامِهِ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَضِّئًا، لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا فِي مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ وَغَسْلِهِمَا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ.\nدل على ذلك الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، وأما السنة، فالأحاديث الكثيرة المستفيضة في صفة وضوء النبي ﷺ كحديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما.\nالحاصل في غسل الوجه:\nحد الوجه: من منابت شعر الرأس المعتاد إلى الذقن طولًا، وعرضه من الأذن إلى الأذن.\nالأجلح إذا انصلع الشعر عن ناصيته لا يجب عليه غسل ذلك الموضع لأنه ليس من الوجه بل هو من الرأس.\nالأفرع هو الذي ينزل شعره على وجهه، فعليه أن يغسل مع الوجه ما نزل عن منابت الشعر المعتادة.\nالأنزع: وهو الذي انحسر عنه شعر الرأس من جانبي مقدم الرأس لا يجب عليه غسلهما لأنهما من الرأس.\nالمتوضئ إذا غسل وجهه فعليه أن يغسل جزءًا من رأسه وسائر الجوانب المجاورة للوجه احتياطًا وليس بواجب وذلك لاستيعاب الوجه.","vol":"1","page":390},{"text":"الظاهر من الفم والأنف والشارب وغيرهما تغسل لأن كل هذا داخل في حدود الوجه.\nالبياض الواقع بين الأذن وآخر اللحية (العذار).\nما تحت الذقن لا يغسل مع الوجه. قال في مواهب الجليل: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ مَا تَحْتَ الذَّقْنِ، وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.\nالفرض الثاني: غسل اليدين إلى المرفقين:\nقال الماوردي: غَسْلُ الذِّرَاعَيْنِ وَاجِبٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.\nذهب جمهور العلماء إلى وجوب إدخال المرفقين في غسل اليدين.\nالفرض الثالث: مسح الرأس:\nمن فروض الوضوء مسح الرأس بالنص والإجماع. قال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم أن مسح الرأس من فروض الوضوء.\nوالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من وجوب مسح جميع الرأس لعموم قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ والمراد بمسح الرأس مسح جميع الرأس.\nالفرض الرابع: غسل الرجلين:\nذهب جمهور العلماء إلى أن غسل الرجلين فرض، واستدلوا بعموم قول تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فأرجلكم معطوفة على وجوهكم والعامل فيها الفعل في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ أي: فاغسلوا وجوهكم وأرجلكم. واستدلوا بالأحاديث المستفيضة الصحيحة في صفة وضوء النبي ﷺ كحديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما.\nالفرض الخامس: الترتيب:\nالترتيب فرض، دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.","vol":"1","page":391},{"text":"والله ﷾ أمر بغسل الوجه وغسل اليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، فلما ذكر الله ممسوحًا بين مغسولات دل ذلك على وجوب الترتيب، ولو لم يجب الترتيب لما قُطع النظير عن نظيره ولكانت المغسولات في نسق وفي الآخر المسح. دل على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي وكلهم وصفوه مرتبًا مع كثرتهم، ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز، والله أعلم.\nالفرض السادس: الموالاة:\nودلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي وكلهم وصفوه متواليًا مع كثرتهم. ولو جاز ترك التوالي لبينة النبي ﷺ.\n* * *","vol":"1","page":392},{"text":"الفصل الثالث\nما ذُكر في سنن الوضوء\n١ - التسمية: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب التسمية قبل الوضوء، واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «لا صَلاةَ لِمَنْ لا وُضُوءَ لَهُ، وَلا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ». وهذا الحديث لا يصح، والأحاديث الصحيحة في صفة الوضوء لم تذكر التسمية.\n٢ - السواك؛ لعموم قول النبي ﷺ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ».\n٣ - غسل الكفين ثلاثًا.\n٤ - المضمضة والاستنشاق؛ لقول النبي ﷺ: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»، واستحباب المضمضة والاستنشاق باليمين، والاستنثار بالشمال «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَنثَره بِيَدِهِ الْيُسْرَى»، ولفظة «وَنثَره بِيَدِهِ الْيُسْرَى» ضعيفة، استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، وفي الصحيحين عن عبد الله بن زيد «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ».\n٥ - تخليل اللحية: هو إدخال الماء بين شعر اللحية مع التخليل بالأصابع حتى يصل الماء إلى بشرته، وفي الحديث عن عائشة «كَانَ رسولُ اللهِ إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ بِالْمَاءِ»، وجميع الأحاديث الواردة في تخليل اللحية ضعيفة.\n٦ - إطالة الغرة، وهي غسل شيء من مقدم الرأس مع الوجه، وأما التحجيل، فهو تجاوز غسل المرفقين في غسل اليدين وتجاوز الكعبين في غسل الرجلين، قال رسول الله ﷺ: «أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ إِسْباغِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ فَليفْعَلْ».","vol":"1","page":393},{"text":"٧ - مسح باطن الأذن وظاهرهما.\n٨ - مسح العنق لا يُشرع في الوضوء، وذهب بعض العلماء إلا استحباب مسح العنق.\nواستدلوا بحديث: «من توضأ فمسح عُنقَه لم يُغَل بالأغَلالِ يوم القيامة»، وهو حديث منكر.\n٩ - تخليل الأصابع، ولا يصح في الباب حديث.\n١٠ - استحباب تحريك الخاتم: ورد في الحديث: «كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ حَرَّكَ خَاتَمَهُ»، والحديث ضعيف، لكن وصول الماء إلى بشرة اليدين يجب، وكذا يستحب تحريك الساعة والخاتم لوصول الماء تحتهما، والله أعلم.\n١١ - استحباب الغسلة الثانية والثالثة عدا الرأس والأذنين، لحديث حمران أنه رأى عثمان دعا بإناء فأفرغ علي كفيه ثلاث مرار فغسلهما ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثًا ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار ثم مسح برأسه ثم غسل برجليه ثلاث مرار إلى الكعبين.\n١٢ - قول الذكر بعد الوضوء: روى مسلم عن عمر «مَنْ أَسْبِغِ الْوُضُوءَ ثم قال عقبه: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ»، زيادة «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ» شاذة وزيادة «ثم رفع يده إلى السماء» شاذة.\n* * *","vol":"1","page":394},{"text":"الفصل الرابع\nنواقض الوضوء\nالناقض الأول: الخارج من السبيلين: كالبول والغائط والريح والمذي والودي كل ذلك ينقض الوضوء بالإجماع.\nالناقض الثاني: خروج البول والغائط من غير السبيلين، لعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦].\nالناقض الثالث: زوال العقل بجنون أو إغماء ينقض بالإجماع.\nالناقض الرابع: زوال العقل بنوم، والنوم الذي يزول معه العقل ينقض الوضوء على أي حال، قال تعالى عن نفسه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقد ورد في الصحيحين أن النبي ﷺ نَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَخَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ؛ لأنه كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، فكان يقظان، فلو خرج منه شيء لشعر به.\nالناقض الخامس: مس الذكر؛ لعموم قوله ﷺ: «إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ، أما الحديث الذي فيه رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله، مَا تَرَى فِي مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «إنما هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ منك» لا يصح عن رسول الله ﷺ، وكذا المرأة إذا مست فرجها فلتتوضأ؛ لعموم قول النبي ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ»، أما مس المرأة فرج الغير وخاصة الصغير فلا ينقض الوضوء؛ لأن النص ورد فيمن مس ذكره وليس ذكر غيره، وكذا مس الأنثيين والأليتين والرفغين لا ينقض الوضوء، وحديث: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، أَوْ أُنْثَيَيْهِ، أَوْ رُفْغَيْهِ فليَتَوضأْ» ضعيف.\nالناقض السادس: أكل لحم الجزور؛ لما روى مسلم عن جابر بن سمرة أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ قال: أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قال: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَتَوَضَّأْ، قال: أأتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم».","vol":"1","page":395},{"text":"الفصل الخامس\nما لا ينقض الوضوء\n١ - القهقهة: ورد عن جابر بسند صحيح قال: «إِذَا ضَحِكَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدِ الْوُضُوءَ»، أما حديث جابر: «مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُعِدِ الْوُضُوءَ»، فهو حديث منكر.\n٢ - القيء والرعاف وكذا الدم، فالخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء إلا أن يكون بولًا أو غائطًا لأن الأصل براءة الذمة، ولا يصح دليل يوجب الوضوء من الرعاف والحجامة والقيء والدم، والله أعلم.\n٣ - مس بدن المرأة، دل على ذلك ما ورد في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ.\nأما المراد بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فالمراد بها الجماع، دل على ذلك آيات منها عموم قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾: أي تجامعوهن.\n٤ - الردة، فلو أن رجلًا مسلمًا توضأ ثم ارتد ثم رجع إلى الإسلام، فوضوءه صحيح.\n٥ - أكل ما مست النار، ففي الصحيحين عن ابن عباس «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ».\n٦ - تغسيل الميت لا ينقض الوضوء، أما حديث: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ، فَلْيَتَوَضَّأْ»، لا يصح عن رسول الله ﷺ.\n٧ - من توضأ ثم شك وهو يصلي أن وضوءه انتقض فلا يخرج من الصلاة؛ في الصحيحين عن عباد بن تميم عن عمه أنه شكا إلى رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا».","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type='title' id=toc-350>الباب السابع\nالمسح على الحائل</span>\n<span data-type='title' id=toc-351>التمهيد:</span> مقدمة لا بد منها: وفيها ثلاثة مباحث:\n<span data-type='title' id=toc-352>المبحث الأول: رفع الحرج:</span>\nإن هذه الشريعة الغراء مبنية على اليسر ورفع الحرج، لا عنت فيها ولا مشقة.\nفهذا المسافر يقصر الصلاة وكذا يفطر في رمضان، وهذا المريض يصلي قائمًا مع القدرة فإن لم يستطع فقاعدًا فإن لم يستطع فعلى جنب، والذي يلبس الخفين وهناك مشقة في خلعهما عند الوضوء يمسح عليهما وخاصة في أيام البرد القارص. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فالحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينًا ومحمدًا نبيًّا ورسولًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-353>المبحث الثاني: لماذا ذُكر المسح على الخفين في كتب العقيدة؟</span>\nذُكر المسح على الخفين في كتب العقيدة بالرغم من أنه من المسائل الفقهية: للتنبيه على أن حكم هذه المسألة فرق بين أهل السنة وأهل البدع:\nفالرافضة ينكرون المسح على الخفين مع أنهم يَدَّعون محبة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ وقد ثبت عنه المسح على الخفين، وكذا ثبت النهي عن نكاح المتعة من حديث عليّ ﵁، فتبين من ذلك أنهم لا يتبعون عليًّا ولا آل البيت الطيبين ولكن يتبعون سنة الشيطان الرجيم.\nفخالف الرافضة أهل السنة من وجهين:\nالوجه الأول: أنكروا المسح على الخفين مع استفاضة الأحاديث عن رسول الله ﷺ التي تدل على جواز ذلك.\nالوجه الثاني: أنكروا غسل الرجلين ورأوا المسح على القدمين، فوقعوا فيما توعد به النبي ﷺ بقوله: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.","vol":"1","page":397},{"text":"قال ابن عبد البر بعد ذكر حديث المغيرة: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ»: وَفِيهِ الْحُكْمُ الْجَلِيلُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ وَهُوَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا مَخْذُولٌ أَوْ مُبْتَدِعٌ خَارِجٌ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ، لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَسَائِرِ الْبُلْدَانِ إِلَّا قَوْمًا ابْتَدَعُوا فَأَنْكَرُوا الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقَالُوا: إِنَّهُ خِلَافُ الْقُرْآنِ وَعَسَى الْقُرْآنُ نَسَخَهُ. وَمَعَاذَ الله أَنْ يُخَالِفَ رَسُولَ ﷺ كِتَابَ الله، بَلْ بَيَّنَ مُرَادَ الله مِنْهُ كَمَا أَمَرَهُ الله ﷿ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وَقَالَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بينهم﴾ [النساء: ٦٥] الآية.\nوَالْقَائِلُونَ بِالْمَسْحِ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءُ الْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ جَازَ عَلَيْهِمْ جَهْلُ مَعْنَى الْقُرْآنِ أَعَاذَنَا الله مِنَ الْخِذْلَانِ، رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: (رَأَيْتُ جَرِيرًا يَتَوَضَّأُ مِنْ مِطْهَرَةٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا؟! فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَفْعَلَهُ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَفْعَلُهُ؟! قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَكَانُوا يَعْنِي- أَصْحَابَ عَبْدِ الله وَغَيْرَهُمْ- يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِهِ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ.\nثم قال: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ كُلُّهُمْ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ، وَعَمِلَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَسَائِرُ أَهْلِ بَدْرٍ وَالْحُدَيْبِيَةِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَجْمَعِينَ وَفُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَجَمَاعَةِ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ، كُلُّهُمْ يُجِيزُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. اه\n\n<span data-type='title' id=toc-354>المبحث الثالث: الفرق بين الخف والجورب والجبيرة:</span>\nالخف: ما يُلبس في الرِّجل من جلد رقيق.\nالجورب: ما يُلبس في الرِّجل على هيئة الخف من غير الجلد.\nالجبيرة: العيدان التي تُجبر بها العظام (^١).\n_________\n(^١) مختار الصحاح (ص/ ٦٨)، المعجم الوسيط (١/ ٢٤٧).","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type='title' id=toc-355>الفصل الأول: المسح على الخفين والجوربين</span>\n<span data-type='title' id=toc-356>المبحث الأول: جواز المسح على الخفين:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى جواز المسح على الخفين في السفر والحضر (^١).\nقال الجصاص: ثَبَتَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ التَّوَاتُرِ وَالِاسْتِفَاضَةِ مِنْ حَيْثُ يُوجِبُ الْعِلْمَ (^٢).\nوفي الصحيحين عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: «يَا مُغِيرَةُ خُذِ الإِدَاوَةَ»، فَأَخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ، فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى.\nوروى البخاري عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ»\nوروي البخاري عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ» (^٣) والأحاديث في هذا الباب متوافرة (^٤).\nشبهات المانعين من المسح على الخفين:\nاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] أي بالفتح، فأمَر الله بغسل الرجلين فكيف يمسح على الخفين؟!\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ٩٧)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤١)، الأم (١/ ٤٩ - ٥٠)، المغني (١/ ١٧٤)\n(^٢) أحكام القرآن (٣/ ٣٥٣)\n(^٣) البخاري (٢٠٤)\n(^٤) البخاري (٢٠٢)","vol":"1","page":399},{"text":"واعترض على هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: ما ثبت في الصحيحين من حديث جرير قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» (^١) قال الأعمش: قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.\nالثاني: ما قاله القرطبي في تفسير الآية: قِيلَ: إِنَّ الْخَفْضَ فِي الرِّجْلَيْنِ إِنَّمَا جَاءَ مُقَيَّدًا لِمَسْحِهِمَا لَكِنْ إِذَا كَانَ عَلَيْهِمَا خُفَّانِ، وَتَلَقَّيْنَا هَذَا الْقَيْدَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ، إِذْ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَ رِجْلَيْهِ إِلَّا وَعَلَيْهِمَا خُفَّانِ، فَبَيَّنَ ﷺ بِفِعْلِهِ الْحَالَ الَّتِي تُغْسَلُ فِيهِ الرِّجْلُ وَالْحَالَ الَّتِي تُمْسَحُ فِيهِ، وَهَذَا حَسَنٌ (^٢).\nوقال ابن العربي: جَاءَتِ السُّنَّةُ قَاضِيَةً بِأَنَّ النَّصْبَ يُوجِبُ الْعَطْفَ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَدَخَلَ بَيْنَهُمَا مَسْحُ الرَّأْسِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَظِيفَتُهُ كَوَظِيفَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ قَبْلَ الرِّجْلَيْنِ لَا بَعْدَهُمَا، فَذُكِرَ لِبَيَانِ التَّرْتِيبِ لَا لِيَشْتَرِكَا فِي صِفَةِ التَّطْهِيرِ، وَجَاءَ الْخَفْضُ لِيُبَيِّنَّ أَنَّ الرِّجْلَيْنِ يُمْسَحَانِ حَالَ الِاخْتِيَارِ عَلَى حَائِلٍ، وَهُمَا الْخُفَّانِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ، فَعَطَفَ بِالنَّصْبِ مَغْسُولًا عَلَى مَغْسُولٍ، وَعَطَفَ بِالْخَفْضِ مَمْسُوحًا عَلَى مَمْسُوحٍ، وَصَحَّ الْمَعْنَى فِيهِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-357>المبحث الأول: المسح على الجوربين:</span>\nاختلف أهل العلم في جواز المسح على الجوربين على أقوال: القول الأول: ذهب بعض الحنفية وقول للشافعية والحنابلة إلى جواز المسح على الجوربين الصفقين (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (٣٨٧) ومسلم (٢٧٢) واللفظ له.\n(^٢) تفسير القرطبي (٦/ ٩٣).\n(^٣) أحكام القرآن (٢/ ٧٢).\n(^٤) ذهب محمد بن الحسن وأبو يوسف من الحنفية وأرجح القولين عن الشافعية والحنابلة إلى جواز المسح على الجوربين الصفيقين. انظر المبسوط (١/ ١٠٢)، والمجموع (١/ ٥٢٦)، والمغني (١/ ١٨١).\nوذهب أبو حنيفة والشافعي إلى جواز المسح على الجوربين المجلدين أو المنعلين. شرح معاني الآثار (١/ ٩٧) والأم (١/ ٤٩).\nوذهب مالك في قول إلى جواز المسح على الجورب المجلد. كما في المدونة (١/ ١٤٣).","vol":"1","page":400},{"text":"واستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور:\nأما دليلهم من السنة: فعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ (^١).\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٢)، وأبو داود (١٥٩)، والترمذي (٩٩)، والنسائي (الكبرى) (١٣٠)، وابن ماجه (٥٥٩) وغيرهم من طريق وكيع عن سفيان عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة به.\nوفي إسناده أبو قيس وهو عبد الرحمن بن ثروان، قال فيه أحمد: يخالف في أحاديثه.\nوقد تضافرت أقوال أهل العلم على إعلال هذا الحديث. فقد أخرجه مسلم في كتاب التمييز (٢/ ٢٠٢) وقال: هذا خبر ليس بمحفوظ المتن. وقال البيهقي (١/ ٢٨٤): قال يحيى بن منصور: رأيت مسلم بن الحجاج ضَعَّف هذا الخبر، وقال: أبو قيس الأودي وهزيل لا يحتملان هذا مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا عن المغيرة، فقالوا: ومسح على الخفين. وقال: نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهزيل؟! وقال أبو داود (السنن) (١٥٩): كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث لأن المعروف عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين. وقال أحمد: هذا حديث منكر.\nفالحاصل أنه ضَعَّف هذا الحديث كل من: مسلم، وابن مهدي، وأحمد، وسفيان الثوري، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم. انظر السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٨٤) والسنن الكبرى للنسائي (١٣٠) والعلل للدارقطني (٧/ ١١٢). أما تصحيح الترمذي بعد ذكر العلماء لتضعيف الحديث فقد قال النووي (المجموع) (١/ ٥٠٠): وهؤلاء هم أعلام أئمة الحديث، وإن كان الترمذي قال: (حديث حسن صحيح) فهؤلاء مقدمون عليه، بل كل واحد من هؤلاء لو انفرد مقدم على الترمذي باتفاق أهل المعرفة، وإن كان صحح الحديث ابن حزيمة وابن حبان وغيرهما من المتأخرين، ولا شك أن كلام المتقدمين مقدم فهم أهل هذا العلم وصيارفته.\nوله شواهد: (١) شاهد أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ. أخرجه ابن ماجه (٥٦٠)، وفي الحديث علتان ذكرهما البوصيري (الزوائد) (١/ ٨٠) فقال الضحاك: لم يسمع من أبي موسى، وعيسى (ابن سنان) ضعيف لا يُحتج به.\n(٢) شاهد بلال ﵁: «كان رسول الله يمسح على الخفين والجوربين» أخرجه الطبراني (الكبير) (١/ ٣٥٠)، ومدار الحديث على ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال، واختلف عليه: فرواه يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى عن كعب عن بلال: كان يمسح على الخفين والجوربين. ولهذا الحديث علتان: الأولى: ضعف يزيد. والثانية: خالف يزيدَ الحكمُ بن عتيبة فرواه عن ابن أبي ليلى عن كعب عن بلال قال: كان رسول الله يمسح على الخفين وعلى الخمار. رواه مسلم (٢٧٥) وهذا المحفوظ. قلت: ولا يصح في الباب حديث.","vol":"1","page":401},{"text":"أما دليلهم من المأثور: فقال ابن قدامة: الصَّحَابَة ﵃ مَسَحُوا عَلَى الْجَوَارِبِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا (^١).\nوقال ابن القيم: الذين سمعوا القرآن من النبي ﷺ وعرفوا تأويله- مسحوا على الجوربين، وهم أعلم الأمة بظاهر القرآن، ومراد الله منه (^٢).\nبعض الآثار عن الصحابة في المسح على الجوربين:\nأثر عليّ بن أبي طالب عن عمرو بن حريث، أن عليًّا توضأ ومسح على الجوربين (^٣).\nأثر أبي مسعود الأنصاري عَنْ هَمَّامٍ أَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ (^٤).\nعَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ (^٥).\nوعن رَجَاءٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْبَرَاءَ بن عازب تَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ (^٦).\n_________\n(^١) المغني (١/ ٢٧٤).\n(^٢) تهذيب السنن (١/ ١٢٣).\n(^٣) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٧٢).\n(^٤) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٧١) عن ابن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم عن همام به، ورواه عبد الرزاق (٧٧٤) عن الثوري، عن منصور عن خالد بن سعد قال: إن أبا مسعود كان يمسح على الجوربين والنعلين.\n(^٥) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٧٢) عن وكيع عن هشام عن قتادة عن أنس به. وأخرجه عبد الرزاق (٧٧٩) عن معمر عن قتادة عن أنس به، وإن كانت رواية معمر عن قتادة فيها مقال فمعمر متابع، وأخرجه أحمد (كتاب العلل) (٣/ ٣٧٥) قال: حدثني محمد بن عبيد بن حساب، قال: حدثنا أبو رجاء الكلبي، عن أبي الطفيل عن أنس به، وهذا إسناد صحيح.\n(^٦) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٧٢) وفي إسناده: رجاء بن ربيعة وهو صدوق.\nوقد وردت بعض الآثار عن الصحابة عن ابن عمر وبلال وسهل وغيرهم، ولكنها لا تصح عنهم.","vol":"1","page":402},{"text":"القول الثاني: ذهب مالك في رواية إلى أنه لا يجوز المسح على الجوربين مطلقًا (^١).\nواستدل بأن الأصل هو غسل الرجلين وهو ظاهر القرآن.\nواعترض على هذا الاستدلال من وجوه:\nالأول: أننا نفهم القرآن والسنة بفهم الصحابة، والصحابة مسحوا على الجوربين.\nقال ابن القيم: الذين سمعوا القرآن من النبي ﷺ وعرفوا تأويله مسحوا على الجوربين، وهم أعلم الأمة بظاهر القرآن ومراد الله منه (^٢).\nالثاني: إذا ثبت المسح على الخفين مع عدم التعارض مع القرآن، ثبت المسح على الجوربين إذ لا فرق، فالخف ما يُلبس في الرجل من الجلد، والجورب ما يُلبس في الرجل من صوف، والشريعة لا تفرق بين متماثلين.\nالثالث: إذا كانت الحكمة من المسح على الخفين هي رفع الحرج والمشقة والعنت فهي أَوْلى في المسح على الجوربين لأنها أكثر استعمالًا وأوسع انتشارًا.\nفلذا يجوز المسح على الجوربين.\nأما دليلهم من القياس فقالوا: فإذا ثبت المسح على الخفين ثبت المسح على الجوربين إذ لا فرق، فالخف ما يُلبس في الرجل من الجلد، والجورب ما يُلبس في الرجل من صوف، والشريعة لا تفرق بين متماثلين.\nيقول شيخ الإسلام: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إذَا كَانَ يَمْشِي فِيهِمَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُجَلَّدَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ، فِي أَصَحِّ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ، فَفِي السُّنَنِ: أَنَّ النَّبِيَّ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ إنَّمَا هُوَ كَوْنُ هَذَا مِنْ صُوفٍ وَهَذَا مِنْ جُلُودٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفَرْقِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي الشَّرِيعَةِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جُلُودًا أَوْ قُطْنًا أَوْ كَتَّانًا أَوْ صُوفًا، كَمَا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ سَوَادِ اللِّبَاسِ فِي الْإِحْرَامِ وَبَيَاضِهِ وَمَحْظُورِهِ وَمُبَاحِهِ، وَغَايَتُهُ أَنَّ الْجِلْدَ\n_________\n(^١) المدونة (١/ ١٤٣) التمهيد (١١/ ١٥٧).\n(^٢) تهذيب السنن (١/ ١٢٣).","vol":"1","page":403},{"text":"أَبْقَى مِنَ الصُّوفِ، فَهَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ كَمَا لَا تَأْثِيرَ لِكَوْنِ الْجِلْدِ قَوِيًّا، بَلْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى مَا يَبْقَى وَمَا لَا يَبْقَى. وَأيضًا فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا كَالْحَاجَةِ إلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا سَوَاءٌ، وَمَعَ التَّسَاوِي فِي الْحِكْمَةِ وَالْحَاجَةِ يَكُونُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَهَذَا خِلَافُ الْعَدْلِ وَالِاعْتِبَارِ الصَّحِيحِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-358>المبحث الثالث: في المسح على النعلين:</span>\nاختلف أهل العلم في حكم المسح على النعلين على قولين:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز المسح على النعلين، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بأن الأصل غسل الرجلين كما ورد في القرآن. والنعال لا تقاس على الخفين؛ لأن النعال لا تستر محل الفرض فتكون تحت الكعب، فمالك لا يرى المسح على الخف إذا قطع أسفل الكعب، فالنعل من باب أَوْلى (^٣).\nوالشافعي يرى أن الخف إذا لم يستر الكعبين أو ما يحاذيهما فلا يمسح عليهما، وعليه فلا يرى المسح على النعال؛ لأن النعال لا تستر المحل المفروض (^٤).\nالقول الآخر: جواز المسح على النعلين، وبه قال علي بن أبي طالب.\nواستدلوا بالسنة والمأثور والمعقول:\nأما دليلهم من السنة فعن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢١٤).\n(^٢) «شرح معاني الآثار» (١/ ٩٨)، «الشرح الصغير» (١/ ١٥٤)، «مسائل عبد الله» (١/ ١٢٢»، وفي «مسائل ابن هانئ» (١/ ١٨): ولا يمسح على النعلين إلا أن يكونا في جوربين. وفي «مسائل صالح» (٣٧٩): وسألته عن المسح على النعلين فقال: إذا كان في القدم جوربان قد ثبتا في القدم فلا بأس أن يمسح النعلين.\n(^٣) «المدونة» (١/ ١٤٣).\n(^٤) «الأم» (١/ ٤٩).","vol":"1","page":404},{"text":"وَالنَّعْلَيْنِ (^١).\nواعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ بهذا اللفظ، واللفظ الصحيح: «وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ».\nوعَنْ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي يَوْمًا تَوَضَّأَ فَمَسَحَ النَّعْلَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ: أَتَمْسَحُ عَلَيْهِمَا؟! فَقَالَ: «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَفْعَلُ» (^٢).\nوعن ابن عباس: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ» (^٣).\nوعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَوَضَّأُ وَنَعْلَاهُ فِي رِجْلَيْهِ وَيَمْسَحُ عَلَيْهِمَا، وَيَقُولُ: كَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ الله ﵌ يَفْعَلُ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٢) وهو ضعيف وقد سبق تخريجه.\n(^٢) ضعيف: أخرجه أحمد (٤/ ٩)، فيَعْلَى بن عطاء لم يدرك أوسًا «الكبرى» للبيهقي (١/ ٢٨٧).\n(^٣) ضعيف: مدار الحديث على زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس مرفوعًا، يرويه عن زيد جماعة، واختلف عليه في متنه: فرواه سفيان واختلف عليه: فرواه رواد عن سفيان به عند ابن عدي «الكامل» (٣/ ١٧٧) وفيه «وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ»، ورواد إن كان لا بأس به فقد حدث عن سفيان بأحاديث مناكير كما قال أحمد وابن معين وغيرهما، وتابع روادًا زيد بن الحباب عن سفيان به عند البيهقي (١/ ٢٨٦).\nوخالفهما جماعة، منهم (يحيى القطان كما عند أبي داود (١٣٨)، ومحمد بن يوسف كما عند البخاري (١٥٧)، وأبو عاصم النبيل كما عند الدارمي (٦٩٦) ووكيع كما عند الترمذي (٤٢)، وغيرهم كثير، رووه عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس مرفوعًا: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً» ولم يذكروا: «وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ»، فتبين شذوذ: «وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ» من رواية سفيان لأن الثقات الأثبات رووه عنه بدونها.\nورواه ابن عجلان عند ابن أبي شيبة (١/ ١٧) وغندر وورقاء بن عمر عند البيهقي (١/ ٧٣)، وأبو بكر بن محمد عند عبد الرزاق (١٢٩) عن زيد به بغسل الرجلين، ورواه هشام بن سعد عند أبي داود (١٣٧)، بذكر مسح أسفل النعل، والدراوردي عند أبي عبيد «الطهور» (١٠٥)، ومعمر عند عبد الرزاق (٧٨٣) بذكر المسح على النعلين.\n(^٤) قال الزيلعي «نصب الراية» (١/ ١٨٨): قال البزار: حدثنا إبراهيم بن سعد ثنا روح بن عبادة عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر به. وصحح الحافظ إسناده في «الدراية» (١/ ٨٣) ولكن تفرد البزار مع ما فيه من المقال ورواه الطحاوي «شرح معاني الآثار» (١/ ٩٧) من طريق ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب بلفظ: «كَانَ إذا تَوَضَّأُ وَنَعْلَاهُ فِي قدميه، مسح على ظهر قدميه بيده ويقول: كان رسول الله ﵌ يصنع هكذا».\nواستدلوا أيضًا بما روى الطبري (٦/ ١٣٤) عن عبدِ اللهِ بنِ الْحَجَّاحِ بْنِ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: «أَتَى رَسُولُ الله ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَالَ عَلَيْهَا قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ» وزيادة (مسح على نعليه) شاذة، قال الطبري نفسه تعليقًا على هذه الرواية بعد أن خرجها: وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ، فَإِنَّ الثِّقَاتَ الْحُفَّاظَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ حَدَّثُوا بِهِ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. ثم ذكر من روى الحديث بدون هذه الزيادة فتبين شذوذها.","vol":"1","page":405},{"text":"واعترض عليه بأنه لا يصح في المسح على النعلين حديث.\nوأما دليلهم من المأثور: فعن أَبِي ظَبْيَانَ؛ قَالَ: «رَأَيْتُ عَلِيًّا بَالَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُؤَذِّنُ فَخَلَعَهُمَا» (^١).\nأما دليلهم من القياس فقالوا: يجوز المسح على النعلين كما يمسح على الخفين.\nواعترض عليه بأن هذا قياس مع الفارق، فالخف يستر الكعب - أي محل الفرض - والنعل يكون أسفل الكعب لا يغطي محل الفرض.\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي أنه لا يجوز المسح على النعل لأنه لا يصح في المسح على النعلين حديث، ولا يصح قياس النعل على الخف، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-359>المبحث الرابع: المسح على الخِرَق واللفائف:</span>\nقال ابن قدامة: وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى اللَّفَائِفِ وَالْخِرَقِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَقِيلَ لَهُ: إنَّ أَهْلَ الْجَبَلِ يَلُفُّونَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ لَفَائِفَ إلَى نِصْفِ السَّاقِ؟ قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرَبًا؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللِّفَافَةَ لَا تَثْبُتُ بِنَفْسِهَا، إنَّمَا تَثْبُتُ بِشَدِّهَا، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا (^٢).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٧٣) عن ابن إدريس عن الأعمش عن أبي ظبيان به.\n(^٢) «المغني» (١/ ١٨٢).","vol":"1","page":406},{"text":"وفي التاج: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى الْخِرَقِ إذَا لَفَّ بِهَا رِجْلَيْهِ (^١).\nعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ شَكَوْا إِلَيْهِ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْبَرْدِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ (^٢)» (^٣).\nقال ابن تيمية: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى اللَّفَائِفِ وَهِيَ بِالْمَسْحِ أَوْلى مِنْ الْخُفِّ وَالْجَوْرَبِ؛ فَإِنَّ تِلْكَ اللَّفَائِفَ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ لِلْحَاجَةِ فِي الْعَادَةِ وَفِي نَوْعِهَا ضَرَرٌ: إمَّا إصَابَةُ الْبَرْدِ وَإِمَّا التَّأَذِّي بِالْحِفَاءِ وَإِمَّا التَّأَذِّي بِالْجُرْحِ، فَإِذَا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ فَعَلَى اللَّفَائِفِ بِطَرِيقِ الْأَوْلى، وَمَنْ ادَّعَى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إجْمَاعًا فَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا عَدَمُ الْعِلْمِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْقُلَ الْمَنْعَ عَنْ عَشَرَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ فَضْلًا عَنْ الْإِجْمَاعِ، وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) «التاج والإكليل» (١/ ٤٦٧).\n(^٢) العصائب: هي ما يعصب به الرأس وهي العمائم.\nوالتساخين: كل ما يسخن به الرجل من الخف والجورب والخرق وغيرها.\n(^٣) ضعيف: أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٧)، وأبوداود (١٤٦)، من طريق يحيى بن سعيد عن ثور عن راشد ابن سعد عن ثوبان به. وعلته أن هناك خلافًا فى سماع راشد بن سعد من ثوبان: فنفى السماع أحمد كما فى العلل (١/ ١٠٤) وابن أبى حاتم كما فى المراسيل (ص: ٥٩)، وقال البخاري: راشد سمع من ثوبان كما فى التاريخ الكبير.\nقلت: إن كان البخاري أثبت السماع فقد ضَعَّف الحديث كما فى الدراية (١/ ٧٢) قال: عَنْ ثَوْبَان قَالَ بعث رَسُول اللهَ ﷺ سَرِيَّة فَأَصَابَهُمُ الْبرد فَأَمرهمْ أَنْ يمسحوا عَلَى العصائب والتساخين. أخرجه أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم، وَإِسْنَاده مُنْقَطع وَضَعَّفه البييهقي وَقَالَ البُخَارِيّ: حَدِيث لَا يَصح.\n(^٤) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٨٥)، وانظر «الفتاوى الكبرى» (١/ ٣١٩).","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type='title' id=toc-360>الفصل الثاني شروط المسح على الخفين</span>\n<span data-type='title' id=toc-361>الشرط الأول: طهارة الخف، فلا يصح المسح على خف نجس.</span>\nالشرط الثاني: يُشترط أن يكون المسح على الخفين في الطهارة الصغرى ولا يجزئ المسح في الجنابة.\nالشرط الثالث: يُشترط لبس الخف على طهارة مائية، أما إذا تيمم لفقد الماء ثم لبس الخف فإذا وجد الماء فلا يمسح على خفه.\nالشرط الرابع: يُشترط لبس الخفين بعد كمال الطهارة، فإذا توضأ وبعد غسل رجله اليمنى لبس فيها الخف ثم اليسرى فطهارته صحيحة، ولكن إذا أحدث وأراد أن يتوضأ فليس له أن يمسح على الخفين لأنه يشترط أن يُلبس بعد الانتهاء من الوضوء تمامًا.\nالشرط الخامس: إذا كان سليم القدمين يمسح على الخفين معًا، فلو غسل رجلًا ومسح على الأخرى لا يجزئ.\nالشرط السادس: يُشترط ثبوت الخف على القدم، فإن سقط عن محل الفرض فلا يمسح عليه.\nهذا الإجمال وإليك التفصيل.\nالشرط الأول: طهارة الخف، فلا يصح المسح على خف نجس.\nقال النووي: لَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ مِنْ جِلْدِ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ (^١).\n_________\n(^١) «المجموع» (١/ ٥٣٩). وقال الماوردي «الإنصاف» (١/ ١٨١): طَهَارَةُ عَيْنِهِ (أي الخف)، إنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ بِلَا نِزَاعٍ","vol":"1","page":408},{"text":"<span data-type='title' id=toc-362>الشرط الثاني: يشترط أن يكون المسح على الخفين في الطهارة الصغرى.</span>\nقال ابن قدامة: جَوَازَ الْمَسْحِ مُخْتَصٌّ بِهِ (أي الوُضُوءِ)، وَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ فِي جَنَابَةٍ، وَلَا غُسْلٍ وَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا (^١).\nقال النووي: لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَا لَا يُجْزِئُ مَسْحُ الْخُفِّ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْوِلَادَةِ، وَلَا فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَأَغْسَالِ الْحَجِّ وَغَيْرِهَا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-363>الشرط الثالث: لبس الخف على طهارة مائية:</span>\nإذا تيمم لفقد الماء ثم لبس الخف فإذا وجد الماء فلا يمسح على خفه، على قول الجمهور. قال مالك (^٣): وَإِنَّمَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَنْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ. وَأَمَّا مَنْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا غَيْرُ طَاهِرَتَيْنِ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ، فَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ.\nوقال السرخسي: وَإِذَا لَبِسَ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ أَوْ الْوُضُوءِ بِنَبِيذٍ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ نَزَعَ خُفَّيْهِ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ (^٤).\nوعَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ أَجْنَبَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِمَاءٍ، فَاسْتَتَرَ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ\n_________\n(^١) «المغني» (١/ ٣٦٢).\n(^٢) «المجموع» (١/ ٥٠٥). وروى عبد الرزاق (٧٩٥) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟ فَقُلْتُ: ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ. فَقَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ. قُلْتُ: حَكَّ فِي صَدْرِي الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، وَكُنْتَ امْرَأً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ، فَأَتَيْتُكَ أَسْأَلُكَ عَنْ ذَلِكَ، هَلْ سَمِعْتَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ كَانَ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا، أَوْ كُنَّا مُسَافِرِينَ، لَا نَنْزِعَ أَخْفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ. إسناده حسن.\n(^٣) «الموطأ» (١/ ٣٧).\n(^٤) «المبسوط» (١/ ١٠٥)، وانظر «المجموع» (١/ ٥٤٥)، و«الفروع» (١/ ١٦٠).","vol":"1","page":409},{"text":"ذَلِكَ هُوَ خَيْرٌ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-364>الشرط الرابع: لُبس الخفين بعد كمال الطهارة:</span>\nإذا توضأ وبعد غسل رجله اليمنى لبس فيها الخف ثم اليسرى لبس فيها الخف فطهارته صحيحة، ولكن إذا أحدث وأراد أن يتوضأ فهل يصح له المسح على الخفين؟\nذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يمسح على الخفين؛ لأنه إذا غسل رجله اليمنى ثم ألبسها الخف قبل أن يغسل اليسرى فقد لبس الخف قبل تمام الطهارة، وشرط لبس الخف لكي يمسح عليه أن يكون بعد كمال الطهارة، أي بعد أن ينتهي من غسل الرجل اليسرى، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث المغيرة، قال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ». فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا.\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه عبد الرزاق (٩١٣)، وأحمد (٥/ ١٥٥) وغيرهما، وفي إسناده: عمرو بن بجدان وثقه العجلي وذكره ابن حبان في الثقات، وصحح هذا الحديث الترمذي والحاكم، وذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: عمرو بن بجدان معروف؟ قال: لا. وقال ابن حجر: لا يُعرف حاله. وقد ضَعَّفه ابن القطان وبَيَّن الاختلاف فيه فقال في كتابه «الوهم والإيهام» (٣/ ٣٢٧): لَا يُعرف لعَمْرو بْن بجدان هَذَا حَال، وَإِنَّمَا روى عَنهُ أَبُو قلَابَة، وَاخْتلف عَنهُ: فَيَقُول خَالِد الْحذاء: عَنهُ، عَنْ عَمْرو بن بجدان، وَلَا يخْتَلف فِي ذَلِك على خَالِد. وَأما أَيُّوب فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ أبي قلَابَة، فَاخْتلف عَلَيْهِ: فَمنهمْ من يَقُول: عَنهُ عَنْ أبي قلَابَة، عَنْ رجل من بني عَامر. وَمِنْهُم من يَقُول: عَنْ رجل فَقَط. وَمِنْهُم من يَقُول: عَنْ رَجَاء بن عَامر. وَمِنْهُم من يَقُول: عَنْ عَمْرو بن بجدان، كَقَوْل خَالِد. وَمِنْهُم من يَقُول: عَنْ أبي الْمُهلب. وَمِنْهُم من لَا يَجْعَل بَينهمَا أحدًا، فَيَجْعَلهُ عَنْ أبي قلَابَة، عَنْ أبي ذَرٍ. وَمِنْهُم من يَقُول: عَنْ أبي قلَابَة أَنْ رجلًا من بني قُشَيْر، قَالَ: يَا نَبِي الله. هَذَا كُله اخْتِلَاف على أَيُّوب فِي رِوَايَته إِيَّاه عَنْ أبي قلَابَة، وجميعه فِي علل الدَّارَقُطْنِيّ وسننه، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف لَا شكّ فِيهِ. وله شاهد من حديث أبي هريرة: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ: الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فليتَّقِ اللهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فإن ذلك خير»، رواه البزار، وقال الحافظ «التلخيص» (١/ ٢٧١): صححه ابن القطان لكن قال الدارقطني في «العلل»: إن إرساله أصح.\n(^٢) «حاشية الدسوقي» (١/ ١٤٣)، «الأم» (١/ ١٢٤)، «مسائل ابن هانئ» (١/ ٢٠).","vol":"1","page":410},{"text":"قوله: «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» (^١) أي: في الخف، أي بعد كمال الوضوء، أي بعد غسل الرجل اليمنى واليسرى.\nوذهب الحنفية ورواية عن أحمد إلى أن من توضأ فغسل رجله اليمنى ثم أدخلها في الخف قبل غسل الرجل اليسرى فإذا أحدث فأراد أن يتوضأ، فله أن يمسح على الخفين (^٢).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ».\nوجه الدلالة: أن مَنْ غسل الرجل اليمنى ثم أدخلها في الخف فقد أدخلها وهي طاهرة وكذلك اليسرى.\nوالراجح: قول الجمهور، ومعنى «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» أي أنه مسح عليهما بعد الانتهاء من الوضوء.\n\n<span data-type='title' id=toc-365>الشرط الخامس: يشترط إذا كان سليم القدمين يمسح على الخفين معًا:</span>\nقال النووي: لَوْ لَمْ يَكُنْ للرَّجل إلَّا رِجْلٌ وَاحِدَةٌ جَازَ الْمَسْحُ عَلَى خُفِّهَا بِلَا خِلَافٍ (^٣).\nوقال في موضع آخر: تَنْبِيهٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ مُهِمَّةٍ مِنْ أُصُولِ الْبَابِ وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ لَبِسَ خُفًّا فِي رِجْلٍ\n_________\n(^١) «البخاري» (٢٠٦)، و«مسلم» (٢٧٤)، واستدلوا أيضًا بما روى ابن خزيمة في صحيحه (١٩٢) عن أبي بكرة عن النبي ﷺ أنه: «رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا». وجه الدلالة: «وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا تَطَهَّرَ». ولكن في إسناده: المهاجر بن مخلد: ضعيف.\nوروى عبد الرزاق من حديث صفوان بن عسال: «أَمَرَنَا أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِذَا نَحْنُ أَدْخَلْنَاهُمَا عَلَى طُهُورٍ ثَلَاثًا، إِذَا سَافَرْنَا». زيادة: «إِذَا نَحْنُ أَدْخَلْنَاهُمَا عَلَى طُهُورٍ» شاذة، فالحديث مداره على عاصم عن زر عن صفوان به. ورواه الثوري عند عبد الرزاق (٧٩٢)، وابن عيينة عند أحمد (٤/ ٢٤٠)، وهمام عند أحمد (٤/ ٢٣٩)، وشعبة عند الطيالسي (١١٦٦) وغيرهم كثير، كلهم عن عاصم بدون زيادة «إِذَا نَحْنُ أَدْخَلْنَاهُمَا عَلَى طُهُورٍ» فهي زيادة شاذة.\n(^٢) «شرح فتح القدير» (١/ ١٤٧)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٠٩).\n(^٣) «المجموع» (١/ ٥٦١).","vol":"1","page":411},{"text":"دون الأخرى ومَسَحَ عَلَيْهِ وغَسَلَ الأخَرَ، لَمْ يَجُزْ بِلَا خِلَافٍ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-366>الشرط السادس: يشترط ثبوت الخف على القدم:</span>\nفإذا كان الخف يسقط من القدم عن محل الفرض فلا يمسح عليه لأن النص ورد في الخف المعتاد (^٢)، وأما إذا كان الخف واسعًا ولا يثبت إلا بشده بخيط أو بغيره فإنه يمسح عليه لأن الإذن بالمسح على الخف وما في معناه مطلق غير مقيد.\nقال ابن تيمية في ثبوت الخف بنفسه: وَقَدِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد، فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِشَدِّهِ بِشَيْءِ يَسِيرٍ أَوْ خَيْطٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُمْسَحْ، وَإِنْ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَا يَسْتُرُ جَمِيعَ الْمَحَلِّ إلَّا بِالشَّدِّ - كالزربول الطَّوِيلِ الْمَشْقُوقِ: يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ لَكِنْ لَا يَسْتُرُ إلَى الْكَعْبَيْنِ إلَّا بِالشَّدِّ - فَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهِ.\nوَهَذَا الشَّرْطُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي كَلَامِ أَحْمَد بَلِ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتَا بِأَنْفُسِهِمَا بَلْ بِنَعْلَيْنِ تَحْتَهُمَا؛ وَأَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ مَا لَمْ يَخْلَعْ النَّعْلَيْنِ، فَإِذَا كَانَ أَحْمَدُ لا يَشتَرطُ فِي الْجَوْرَبَيْنِ أَنْ يَثْبُتَا بِأَنْفُسِهِمَا بَلْ إذَا ثَبَتَا بِالنَّعْلَيْنِ جَازِ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، فَغَيْرُهُمَا بِطَرِيقِ الْأَوْلى، وَهُنَا قَدْ ثَبَتَا بِالنَّعْلَيْنِ وَهُمَا مُنْفَصِلَانِ عَنْ الْجَوْرَبَيْنِ. فَإِذَا ثَبَتَ الْجَوْرَبَانِ بِشَدِّهِمَا بِخُيُوطِهِمَا كَانَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا أَوْلى بِالْجَوَازِ (^٣).\nفالحاصل: أن الخف إذا ثبت على القدم، سواء كان بنفسه أو بشده بخيط أو بغيره على محل الفرض، مسح عليه، أما إذا سقط عن محل الفرض فلا يمسح عليه.\n* * *\n_________\n(^١) «المجموع» (١/ ٥٢٣).\n(^٢) انظر «المبسوط» (١/ ١٠٢)، «حاشية الدسوقي» (١/ ١٤٣)، «روضة الطالبين» (١/ ١٢٦).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ١٤٨).","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type='title' id=toc-367>الفصل الثالث ما لا يُشترط في المسح على الخفين</span>\nوفيه أربعة مباحث\n<span data-type='title' id=toc-368>المبحث الأول: لا يُشترط أن يكون الخف مباحًا،</span> فلو كان الخف محرمًا أو مغصوبًا فإنه يجزئ المسح عليه مع الإثم.\nالمبحث الثاني: لا يُشترط كون الخف ساترًا لما يجب غسله، بل ما يطلق عليه خف يجزئ المسح عليه إذا كانت الفتوق يسيرة.\nالمبحث الثالث: لا يُشترط إمكان متابعة المشي على الخف.\nالمبحث الرابع: لا يُشترط أن يكون الخف من جلد، بل يجوز أن يكون من صوف أو غير ذلك.\nهذا الإجمال وإليك التفصيل.\n\nالمبحث الأول: لا يُشترط أن يكون الخف مباحًا.\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: لا يجوز المسح على الخف المحرم، وهو قول بعض الشافعية والمشهور عن الحنابلة (^١).\nواستدلوا بأنه إذا كانت الصلاة لا تُقبل في الثوب المسبل فكذا لا يصح المسح على شيء محرم، دل على ذلك ما رواه عطاء بن يسار عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ عَبْدٍ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ» (^٢).\n_________\n(^١) «المجموع» (١/ ٥٣٨)، «تصحيح الفروع» (١/ ١٦٤).\n(^٢) ضعيف: أخرجه أحمد (٤/ ٦٧) وغيره. وفي إسناده أبو جعفر المدني: مجهول.","vol":"1","page":413},{"text":"واعترض عليه بأنه هذا لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nواستدلوا بأن المسح إنما جاز لمشقة النزع، وهذا عاصٍ بترك النزع واستدامة اللبس، فينبغي ألا يُعذر (^١)، وكذا تجويز المسح على الخف المحرم يؤدي إلى إتلافه فيُمنع، قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^٢)، أي مردود عليه، فالمسح على الخف المحرم مردود لأنه خلاف أمر رسول الله ﷺ.\nالقول الثاني: ذهب الحنفية وأكثر الشافعية إلى أن مَنْ مسح على خف محرم وهو يتوضأ فهو يجزئه مع الإثم (^٣) لانفكاك الجهة؛ لأن الغصب أمر خارج عن الطهارة، فالغاصب مأذون له في المسح على الخفين، والمنع عارض، فعليه إثم الغصب.\nالقول الثالث: ذهب بعض المالكية إلى التفريق بين ما كان محرمًا لِحَقِّ الله فإذا كان الخف من حرير لا يمسح عليه وهو عاصٍ بلبسه وما كان محرمًا لحقِّ آدمي كالحق المغصوب يمسح عليه وعليه إثم الغصب (^٤).\nوالراجح: أن المسح يجزئ وعليه إثم الغصب لانفكاك الجهة، فالغاصب مأذون له في المسح على الخفين، والمنع عارض، فعليه إثم الغصب، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-369>المبحث الثاني: لا يُشترط كون الخف ساترًا لما يجب غسله.</span>\nإن كان الخرق فوق الكعب جاز المسح بلا خلاف (^٥).\nوأما إذا كان الخرق دون الكعب فقد اختلف العلماء في هذا الشرط على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يمسح على الخف وإن كان فيه فتق أو خرق إذا كان يطلق عليه خف وبإمكانه أن\n_________\n(^١) «المجموع» (١/ ٥٣٨).\n(^٢) «مسلم» (١٧١٨).\n(^٣) «شرح فتح القدير» (١/ ٤٧)، «المجموع» (١/ ٥٣٨، ٥٣٩).\n(^٤) «حاشية الدسوقي» (١/ ١٨١).\n(^٥) «المجموع» (١/ ٥٢٣).","vol":"1","page":414},{"text":"يمشي به (^١).\nواستدلوا بأن الأحاديث التي وردت في المسح على الخفين مطلقة وغير مقيدة بكون الخف ليس فيه خرق، ولو كان هذا شرطًا لبينه رسول الله ﷺ ولنقله أصحاب النبي ﷺ.\nقال شيخ الإسلام: فَأَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ بَلَّغُوا سُنَّتَهُ وَعَمِلُوا بِهَا - لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ تَقْيِيدُ الْخُفِّ بِشَيْءِ مِنَ الْقُيُودِ، بَلْ أَطْلَقُوا الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِالْخِفَافِ وَأَحْوَالِهَا، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ فَهِمُوا عَنْ نَبِيِّهِمْ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مُطْلَقًا (^٢).\nواشتراط كون الخفاف سليمة من الخروق ينافي المقصود من الرخصة، فإن المقصود من المسح على الخفين التيسير على المكلفين؛ ولهذا اكتفى الشرع بمسح ظاهره بينما في غسل القدمين يكون جميع القدم، قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». فلو قلنا: لا يجوز المسح إلا على الخف السليم بطل المقصود من الرخصة، لاسيما والناس المحتاجون إلى ذلك هم الأكثر، وهم أحق بالرخصة من غير المحتاجين، فإن سبب الرخصة هو الحاجة؛ ولهذا قال ﷺ لما سئل عن الصلاة في الثوب الواحد: «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟!»، فَبَّين أن منكم من لا يجد إلا ثوبًا واحدًا، فلو أوجب الثوبين لما أمكن هؤلاء أداء الواجب.\nالقول الثاني: لا يمسح على الخف إذا كان فيه خرق، وهو قول الشافعي في الجديد والمشهور عن الحنابلة (^٣).\nواستدلوا بأن القدر الذي ظهر من الخرق فرضه الغسل، والجمع بين الغسل والمسح لا يجوز.\nواعترض عليه بما قاله ابن تيمية: وَقَوْلُ الْقَائِلِ: (إنَّ مَا ظَهَرَ فَرْضُهُ الْغَسْلُ) مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْمَاسِحَ عَلَى الْخُفِّ لَا يَسْتَوْعِبُهُ بِالْمَسْحِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ بَلْ يَمْسَحُ أَعْلَاهُ دُون أَسْفَلِهِ وَعَقِبَهُ وَذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ غَسْلِ الرِّجْلِ، فَمَسْحُ بَعْضِ الْخُفِّ كَافٍ عَمَّا يُحَاذِي الْمَمْسُوحَ وَمَا لَا يُحَاذِيهِ، فَإِذَا كَانَ الْخَرْقُ فِي الْعَقِبِ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَلَا مَسْحُهُ، وَلَوْ كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ لَا يَجِبُ مَسْحُ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ ظَهْرِ\n_________\n(^١) «الأوسط» (١/ ٤٤٨)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٧٢).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٧٥).\n(^٣) «الحاوي» (١/ ٣٦٢) مسائل أحمد رواية أبي داود (ص ١٦).","vol":"1","page":415},{"text":"الْقَدَمِ.\nالقول الثالث: التفريق بين الخرق الكبير والخرق اليسير، وهو قول الحنفية والمالكية (^١).\nواستدلوا بأنه إذا كان ستر العورة واجبًا في الصلاة وظهور يسير العورة معفو عنه، فمن باب أَوْلى فالخرق اليسير في الخف معفو عنه.\nقال ابن تيمية: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخِفَافَ فِي الْعَادَةِ لَا يَخْلُو كَثِيرٌ مِنْهَا عَنْ فَتْقٍ أَوْ خَرْقٍ لَا سِيَّمَا مَعَ تَقَادُمِ عَهْدِهَا، وَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَقُرَّاءَ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُمْ تَجْدِيدُ ذَلِكَ. وَلَمَّا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ: «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟!» وَهَذَا كَمَا أَنَّ ثِيَابَهُمْ كَانَ يَكْثُرُ فِيهَا الْفَتْقُ وَالْخَرْقُ حَتَّى يَحْتَاجَ لِتَرْقِيعِ، فَكَذَلِكَ الْخِفَافُ، وَالْعَادَةُ فِي الْفَتْقِ الْيَسِيرِ فِي الثَّوْبِ وَالْخُفِّ أَنَّهُ لَا يُرَقَّعُ وَإِنَّمَا يُرَقَّعُ الْكَثِيرُ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الضَّيِّقِ حَتَّى إنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَجَدُوا تَقَلَّصَ الثَّوْبُ فَظَهَرَ بَعْضُ الْعَوْرَةِ وَكَانَ النِّسَاءُ نُهِينَ عَنْ أَنْ يَرْفَعْنَ رُءُوسَهُنَّ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ رُءُوسَهُمْ لِئَلَّا يَرَيْنَ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ مَنْ ضِيقِ الْأُزُرِ، مَعَ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ سَتْرِ الرِّجْلَيْنِ بِالْخُفِّ، فَلَمَّا أَطْلَقَ الرَّسُولُ ﷺ الْأَمْرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخِفَافِ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا هِيَ عَلَيْهِ فِي الْعَادَةِ؛ وَلَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً مِنَ الْعُيُوبِ، وَجَبَ حَمْلُ أَمْرِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُهُ (^٢).\nوالراجح: أنه يجوز المسح على ما يطلق عليه خف، سواء كان فيه فتق أو خرق؛ لأن أصحاب النبي ﷺ بَلَّغوا سنته ولم يُنقل عن أحد منهم تقييد الخف بشيء من القيود، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-370>المبحث الثالث: لا يُشترط إمكان متابعة المشي على الخف:</span>\nيُشترط في الخف حتى يمسح عليه عند الجمهور أن يمكن متابعة المشي عليه (^٣).\nوذهب الشافعية في وجه إلى أن ذلك ليس بشرط (^٤).\nقال الشيخ الدبيان: إنه ليس بشرط، وأن الذي لا يمكن المشي فيه إن كان لضيقه فإن كان لا\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (١/ ١١)، «حاشية الخرشي» (١/ ١٨٠).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٧٤).\n(^٣) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٢٦٣)، «حاشية الخرشي» (١/ ١٧٩، ١٨٠)، «روضة الطالبين» (١/ ١٢٦)، «شرح العمدة» (١/ ٥٢٠).\n(^٤) «المجموع» (١/ ٥٢٨).","vol":"1","page":416},{"text":"يضره وكان لا يحتاج للمشي كما لو كان راكبًا أو مقعدًا فما المانع من المسح عليه، فهو لا يحتاج إلى المشي حتى نشترط إمكان متابعة المشي عليه، والمسح على الخفاف والجوارب ورد مطلقًا غير مقيد بشيء، فَمَنْ وضع قيدًا طُلب منه الدليل (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-371>المبحث الرابع: لا يُشترط أن يكون الخف من جلد:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يُشترط أن يكون الخف من جلد (^٢).\nقال ابن تيمية: فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جُلُودًا أَوْ قُطْنًا أَوْ كَتَّانًا أَوْ صُوفًا، كَمَا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ سَوَادِ اللِّبَاسِ فِي الْإِحْرَامِ وَبَيَاضِهِ وَمَحْظُورِهِ وَمُبَاحِهِ، وَغَايَتُهُ أَنَّ الْجِلْدَ أَبْقَى مِنَ الصُّوفِ، فَهَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ كَمَا لَا تَأْثِيرَ لِكَوْنِ الْجِلْدِ قَوِيًّا، بَلْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى مَا يَبْقَى وَمَا لَا يَبْقَى. فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا كَالْحَاجَةِ إلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا سَوَاءٌ، وَمَعَ التَّسَاوِي فِي الْحِكْمَةِ وَالْحَاجَةِ يَكُونُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَهَذَا خِلَافُ الْعَدْلِ وَالِاعْتِبَارِ الصَّحِيحِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَمَا أَنْزَلَ الله بِهِ كُتُبَهُ (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) «موسوعة الطهارة» (٥/ ٢١٣).\n(^٢) «مراقي الفلاح» (ص ٥٣)، وقال النووي «المجموع» (١/ ٥٢٢): اتفق أصحابنا على أنه لا يشترط في الخف جنس الجلود. وقال ابن قدامة «المغني» (١/ ٣٧٣): وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى كُلِّ خُفٍّ سَاتِرٍ، يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جُلُودٍ أَوْ لُبُودٍ وَمَا أَشْبَهَهُمَا.\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢١٤).","vol":"1","page":417},{"text":"الفصل الرابع\nصفة المسح على الخفين ومدته\nوفيه ثمانية مباحث\nالمبحث الأول: المقدار المجزئ في المسح على الخفين.\nالمبحث الثاني: هل يمسح أسفل الخف؟\nالمبحث الثالث: هل يمسح على الخفين معًا كالأذنين أم تُقدم اليمنى على اليسرى؟\nالمبحث الرابع: مدة المسح وفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: ابتداء مدة المسح.\nالمطلب الثاني: مدة المسح للمقيم والمسافر.\nالمطلب الثالث: إذا لبس الخفين وهو مقيم ثم سافر.\nالمطلب الرابع: مقدار السفر الذي يسوغ معه المسح.\nالمطلب الخامس: إذا مسح في السفر ثم أقام.\nالمبحث الخامس: سفر المعصية هل يمسح فيه على الخفين؟\nالمبحث السادس: إذا لبس خفين فوق بعض يمسح على الأعلى منهما.\nالمبحث السابع: إذا لبس خفًّا ثم مسح عليه ثم أحدث، ثم لبس خفًّا فوقه\nهل يمسح على الأعلى؟\nالمبحث الثامن: هل المسح على الخفين رافع أم مبيح؟","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type='title' id=toc-372>الفصل الرابع\nصفة المسح على الخفين ومدته</span>\n<span data-type='title' id=toc-373>المبحث الأول: المقدار المجزئ في المسح على الخفين.</span>\nاختلف أهل العلم في المقدار المجزئ في المسح على الخفين على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يجب أن يمسح أكثر ظاهر الخف، وهو قول الحنابلة.\nالقول الثاني: إنْ مسح خفه بإصبع أو إصبعين لم يجزه، وإنْ مسح بثلاثة أصابع أجزأه. وبه قال الحنفية.\nواستدلوا بما روى أبو العلاء، قال: رَأَيْتُ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ بَالَ، ثُمَّ أَتَى دِجْلَةَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَمَسَحَ أَصَابِعَهِ عَلَى الْخُفِّ وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا. قَالَ: فَرَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي الْخُفِّ (^١).\nوجه الدلالة: «فَرَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ» وأقل الأصابع ثلاثة.\nواعترض عليه بأن في إسناده أبا العلاء وهو مجهول.\nوعن أيوب قال: رَأَيْتُ الْحَسَنَ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ مَسْحَةً وَاحِدَةً عَلَى ظُهُورِهِمَا» قَالَ: فَرَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ عَلَى الْخُفِّ (^٢).\nوجه الدلالة: «فَرَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ»، والأصابع جمع، وأقل الجمع ثلاثة، وهذا الأثر صحيح لكنه ليس بصريح في هذا الحكم.\nالقول الثالث: ذهب المالكية إلى أنه يجب استيعاب أعلى الخف بالمسح (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٢١٩) رقم (٨٥٢).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (١/ ٢١٩) رقم (٨٥١).\n(^٣) «المنتقى» (١/ ٨٢).","vol":"1","page":419},{"text":"واستدلوا بما ورد عن عليّ ﵁ قال: «مَا كُنْتُ أَرَى بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ إِلَّا أَحَقَّ بِالْغَسْلِ، حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ» (^١).\nوجه الدلالة: المسح على ظاهر الخف يوجب استيعاب الظاهر.\nوعن المغيرة قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظُهُورِالْخُفَّيْنِ» (^٢).\nوالراجح: هو أن الواجب مسح أكثر ظاهر الخف؛ وذلك لأن الأحاديث التي وردت في المسح على الخفين مطلقة غير مقيدة، واستيعاب ظاهر الخف فيه مشقة، خاصة أن المسح يكون بالأصابع، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وشرع الله المسح على الخفين للتيسير والتسهيل على المكلفين وقد قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-374>المبحث الثاني: هل يمسح أسفل الخف؟</span>\nاختلف أهل العلم في حكم مسح أسفل الخفين على قولين:\nالقول الأول: ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يمسح أعلى الخف ولا يمسح أسفل الخف (^٣).\n_________\n(^١) رجاله ثقات: أخرجه أبو داود (١٦٣) عن محمد بن رافع عن يحيى بن آدم قال: ثنا يزيد بن عبد العزيز عن الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير عن عليٍّ به.\n(^٢) والصحيح يمسح على الخفين وزيادة «ظهور» منكرة، رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبي الزناد عن عروة عن المغيرة به، أخرجه أحمد (٤/ ٢٤٦، ٢٤٧).\nوخالف عبد الرحمن بن أبي الزناد جماعة بالمسح على الخفين، منهم:\n١ - عروة بن المغيرة عند البخاري (٢٠٦)، ومسلم (١٧٤).\n٢ - مسروق عند البخاري (٣٦٣)، ومسلم (٢٧٤)، وغيرهما كثير بالمسح على الخفين وليس فيه كلمة «ظهور»، فهذه زيادة منكرة لأنه انفرد بها عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو متكلم فيه وقد خالف الثقات، والله أعلم.\n(^٣) «تبيين الحقائق» (١/ ٤٨)، «الإنصاف» (١/ ١٨٤)، «مسائل أحمد» (ص/ ١٥) رواية أبي داود.","vol":"1","page":420},{"text":"واستدلوا بما ورد عن عليٍّ قال: «مَا كُنْتُ أَرَى بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ إِلَّا أَحَقَّ بِالْغَسْلِ، حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ» (^١).\nالقول الآخر: قال مالك: إنْ مَسَح الأعلى فقط وصلى يعيد الصلاة ما دام في الوقت، فإن خرج الوقت أجزأه (^٢).\nدل على ذلك حديث المغيرة: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ أَسْفَلَ الْخُفِّ وَأَعْلَاهُ» (^٣). واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله.\nوالراجح: هو أنه يمسح أعلى الخف ولا يمسح أسفله (باطنه) لقول علي: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ»، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-375>المبحث الثالث: هل يمسح الخفين معًا كالأذنين، أم تُقدم اليمنى على اليسرى؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: يمسح الخفين معًا كالأذنين، وهو قول الحنفية والمشهور عن الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) رجاله ثقات: أخرجه أبو داود (١٦٣)، وهناك بعض الأحاديث الأخرى التي استدلوا بها تدل على أن النبي ﷺ كان يمسح ظاهر الخف، وأعرضت عنها لضَعْفها ولعدم الإطالة.\n(^٢) انظر «المدونة» (١/ ١٤٢)، وهو مذهب الشافعي، انظر «الأم» (٨/ ١٠٣).\n(^٣) ضعيف: ومدار الحديث على ثور عن رجاء عن كاتب المغيرة، فرواه الوليد بن مسلم عن ثور عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة به، أخرجه أحمد (٤/ ٢٥١). ولهذا الحديث علتان:\nالأولى: الإرسال، فرواه ابن المبارك عن ثور قال: حُدثت عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن النبي ﷺ مرسلًا، والوليد مدلس تدليس تسوية ولم يصرح إلى نهاية السند، وابن المبارك أوثق منه، فالصحيح فيه الإرسال.\nالعلة الثانية: عن ثور قال: (حُدثت عن رجاء) فهنا انقطاع بين ثور ورجاء، وقد ضَعَّف هذا الحديث البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وأحمد والدارقطني والترمذي وأبو داود وغيرهم. انظر «العلل للترمذي» (١٤٢٤)، و«العلل للدارقطني» (١/ ١١٠)، و«العلل لابن أبي حاتم (١/ ٥٤)، و«التلخيص الحبير» (١/ ١٥٩).\n(^٤) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٢٦٧)، و«الإنصاف» (١/ ١٨٥).","vol":"1","page":421},{"text":"واستدلوا بما رُوى عن المغيرة قال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ». فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا (^١).\nوجه الدلالة: «فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا» أي معًا كالأذنين من غير تقديم اليمنى على اليسرى.\nالقول الآخر: يُستحب تقديم اليمنى على اليسرى، وهو قول المالكية والشافعية وقول عند الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بأن المسح بدل الغسل، وإذا كان يستحب في غسل الرجلين تقديم اليمنى على اليسرى فكذا المسح بدل عنه.\nوالراجح: استحباب مسح الخفين معًا كالأذنين لأن النبي ﷺ مسح عليهما، أي معًا، ولو قدم اليمنى على اليسرى في المسح لبيَّنه النبي ﷺ لصحابته الكرام.\n\n<span data-type='title' id=toc-376>المبحث الرابع: مدة المسح وفيه خمسة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-377>المطلب الأول: ابتداء مدة المسح.</span>\nإذا كان المقيم يمسح يومًا وليلة فمتى يبدأ المسح؟ إذا لبس الخف، أو بعد أول حدث، أو يُستحب بعد أول مسحة؟\nذهب أحمد في رواية والأوزاعي إلى أن المسح يُحسب من أول مسح بعد الحدث.\nقال المرداوي: وَيَمْسَحُ مِنْ وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِثُمَّ يَمْسَحُ إلَى مِثْلِهَا مِنِ الْغَدِ (^٣).\nدل على ذلك ما رواه مسلم عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً\n_________\n(^١) «البخاري» (٢٠٦)، و«مسلم» (٢٧٤).\n(^٢) «مواهب الجليل» (١/ ٣٢٤)، و«الأم» (٨/ ١٠٣)، و«الإنصاف» (١/ ١٨٥).\n(^٣) «مسائل أحمد رواية أبي داود» (١/ ١٦٧)، و«الإنصاف» (١/ ١٧٧). وبه قال أبوثور.","vol":"1","page":422},{"text":"لِلْمُقِيمِ» (^١). فدل الحديث على أن المقيم يمسح يومًا وليلة، فالمدة تبتدئ من أول مسح بعد الحدث.\nوذهب جمهور العلماء إلى أن المدة تبتدئ من أول حدث بعد لبس الخف. وبه قال الحنفية والشافعية وقول عند الحنابلة (^٢).\nوقال الشعبي وإسحاق: يمسح عليه خمس صلوات، وتبتدئ المدة من أول صلاة صلاها بعد لبس الخف (^٣).\nوالراجح: أن للمقيم أن يمسح يومًا وليلة، وتبتدئ المدة من أول مسح بعد الحدث.\n\n<span data-type='title' id=toc-378>المطلب الثاني: مدة المسح للمقيم والمسافر.</span>\nعَنْ شُرَيْحِ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ».\n\n<span data-type='title' id=toc-379>المطلب الثالث: إذا لبس الخفين وهو مقيم ثم سافر.</span>\nقال ابن قدامة: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَمْسَحْ حَتَّى سَافَرَ، أَنَّهُ يُتِمُّ مَسْحَ الْمُسَافِرِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-380>المطلب الرابع: مقدار السفر الذي يسوغ معه المسح.</span>\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٦).\n(^٢) «المبسوط» (١/ ٩٩)، «الأم» (١/ ٣٥)، «المبدع» (١/ ١٤٢)، واستدلوا بحديث صفوان: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُنَا فِي السَّفَرِ أَنْ لَا نَنْزِعَ أَخْفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ نَوْمٍ وَغَائِطٍ وَبَوْلٍ»، يدل ذلك على أن المدة تبتدئ من أول حدث بعد لبس الخف. واعترض عليه بأن الحديث يدل على جواز المسح على الخفين يومًا وليلة، ولكن إذا كان حدث أكبر فلا بد من نزع الخف.\n(^٣) «الأوسط» (١/ ٤٤٤)، «المجموع» (١/ ٥١٢).\n(^٤) «المغني» (١/ ١٧٩)، وهذا الإجماع منخرم فقد وردت رواية عن أحمد بأن من لبس الخف وهو مقيم ثم سافر أنه يمسح كما يمسح المقيم. انظر «الإنصاف» (١/ ١٧٩).","vol":"1","page":423},{"text":"يباح المسح في كل ما يطلق عليه سفر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.\nقال ابن تيمية: لَمْ يَحُدَّ ﷺ لِأُمَّتِهِ مَسَافَةً مَحْدُودَةً لِلْقَصْرِ وَالْفِطْرِ، بَلْ أَطْلَقَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي مُطْلَقِ السَّفَرِ وَالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ، كَمَا أَطْلَقَ لَهُمُ التَّيَمُّمَ فِي كُلِّ سَفَر (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-381>المطلب الخامس: إذا مسح في السفر ثم أقام:</span>\nإذا لبس خفيه وهو مسافر ثم أقام، فإنه لا يخلو من حالين:\nالأول: إذا كان لم يمسح في سفره حتى أقام، مسح يومًا وليلة.\nالثاني: إذا مسح في سفره أقل من يوم وليلة ثم أقام، أكمل مسح اليوم والليلة، وإن كان قد استوفى مسح يوم وليلة ثم أقام فقد انتهت مدته لأنه لما أقام كان حكمه حكم المقيم، وهذا قول جمهور العلماء (^٢).\nقلت: وجِماع هذا الباب أن المعتبر في المسح وقت الأداء، فإن لبس الخفين وهو مقيم ثم سافر فمسح، فحكمه حكم المسافر، وإن لبس الخفين وهو مسافر ثم أقام فمسح، فحكمه حكم المقيم، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-382>المبحث الخامس: سفر المعصية هل يمسح فيه على الخفين؟ أي إذا كان المسافر عاصيًا بسفره، فهل يمسح على الخفين أم لا؟</span>\nهذا لا يخلو من حالين:\nالأول: ما قاله النووى: أَمَّا الْعَاصِي فِي سَفَرِهِ وَهُوَ مَنْ خَرَجَ فِي سَفَرٍ مُبَاحٍ وَقَصْدٍ صَحِيحٍ ثُمَّ ارْتَكَبَ مَعَاصِيَ فِي طَرِيقِهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِهِ، فَلَهُ التَّرَخُّصُ بِالْقَصْرِ وَغَيْرِهِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَمْنُوعًا مِنْ السَّفَرِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ بِخِلَافِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ (^٣).\n_________\n(^١) «الفتاوى» (٢٤/ ١٣٥)، وقد توسعت في هذا المبحث في كتاب فقه الصيام ص (١٠٢).\n(^٢) «البحر الرائق» (١/ ١٨٩)، «الأم» (١/ ٥١)، «الفروع» (١/ ١٦٧، ١٦٨).\n(^٣) «المجموع» (٤/ ٢٢٤).","vol":"1","page":424},{"text":"الحال الثاني: نقل النووي الإجماع على أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ سَفَرُهُ مَعْصِيَةً كَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَإِبَاقِ الْعَبْدِ وَنَحْوِهِمَا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا خِلَافٍ (^١).\nقلت: وهذا الإجماع منخرم فإن عند الحنفية يباح للمسافر سفر المعصية كقطع الطريق أو غيره المسح على الخفين (^٢).\nواستدلوا بعموم الأدلة التي تُجوز للمسافر المسح على الخفين، ولو كان السفر لمعصية غير داخل في النصوص لبينه الشرع، وكذا رجح قول الحنفية شيخ الإسلام فقال: المسافر مأمور بأن يصلي ركعتين، وما زاد على الركعتين ليست طاعة ولا مأمورًا بها أحد من المسافرين (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-383>المبحث السادس: إذا لبس خفين فوق بعض يمسح على الأعلى منهما؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن من لبس خفًّا على خف أنه يباح له المسح عليه، وبه قول الحنفية ورواية عند مالك والقول القديم عند الشافعي والحنابلة (^٤).\nواستدلوا بحديث بلال ﵁ قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْمُوقَيْنِ وَالْخِمَارِ» (^٥).\n_________\n(^١) «المجموع» (١/ ٥١٠).\n(^٢) «مراقي الفلاح» (ص ١٦٣).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١١٠).\n(^٤) «العناية شرح الهداية» (١/ ١٥٥، ١٥٦)، «المنتقى» (١/ ٨٢)، «المجموع» (١/ ٥٣١).\n(^٥) ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٦٢)، وأحمد (٦/ ١٥)، وغيرهما من طرق عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي إدريس عن بلال به، وأخرجه الروياني «مسنده» (٧٣٥) عن أبي قلابة عن بلال به فهو منقطع.\nوقال البخاري «التاريخ الكبير» (١/ ٣٩٠): قال حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة، عن أبي إدريس عن بلال، وقال غير واحد عن أيوب عن أبي قلابة عن بلال مرسل.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٦٨) وغيره من طريق أبي عبد الله مولى التيم بن مُرة عن أبي عبد الرحمن قال: كنت جالسًا مع عبد الرحمن بن عوف فمر بنا بلال … الحديث، وفي إسناده أبو عبد الله مجهول.\nوأخرجه الطبراني «مسند الشاميين» (١٣٧٢) من طريق مكحول عن الحارث بن معاوية الكندي عن بلال به، وفي إسناده: أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة شيخ الطبراني فيه مقال. وفى «مسند الشاميين» (١١٤٢) وشيخ الطبراني لم أقف عليه، وفي «المعجم الكبير» (١/ ٣٤٠) عن شريح عن علي بن أبي طالب، قال: زعم بلال .. وذكر الحديث، وهو منكر مخالف لحديث علي بن أبي طالب، وفي إسناده ليث وهو ضعيف.","vol":"1","page":425},{"text":"وجه الدلالة: أن الموق قصير يُلبس فوق الخف (^١).\nواستدلوا بأن حكم الخفين حكم الخف الواحد، والحاجة تدعو إليه، خاصة في البلاد الباردة، فدل ذلك على الجواز، والله أعلم.\nالقول الآخر: لا يجوز المسح على أعلى الخفين، وهذا قول مالك في رواية وقول الشافعي في الجديد (^٢). واستدلوا بأن الرخصة وردت في المسح على الخفين.\nواعترض عليه بأنه لا فارق بين خف وخفين، والحاجة تدعو إليه.\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من جواز المسح على أعلى الخفين، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-384>المبحث السابع: إذا لبس خفًّا، ثم مسح عليه، ثم أحدث ثم لبس خفًّا فوقه، هل يمسح على الأعلى؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يمسح إلا على الأسفل، وبه قال الحنفية والمالكية وقول للشافعية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، وهذا لبس الخف\n_________\n(^١) له شواهد: شاهد من حديث أنس، رواه البيهقي «السنن الكبرى» (١/ ٢٨٩) وعلته الانقطاع، فعاصم الأحول لم يسمع من أنس. وشاهد أبي ذر، أخرجه الطبراني «الأوسط» (٦/ ٢١٤)، وفي إسناده المسيب بن واضح: ضعيف، وساق له ابن عدي «الكامل» (٦/ ٣٨٩) أحاديث منكرة.\n() «مختار الصحاح» (٢٦٦)، «شرح فتح القدير» (١/ ١٥٨)،\n(^٢) «المنتقى» (١/ ٨٢)، «المجموع» (١/ ٥٣١).\n(^٣) «المبسوط» (١/ ١٠٢)، «الخرشي» (١/ ١٧٨)، «المجموع» (١/ ٥٣١)، «الروض المربع» (١/ ٢٨٩).","vol":"1","page":426},{"text":"الأعلى وهو محدث فلا يجوز المسح عليه.\nأما إذا لبس خفين فوق بعض ثم مسح على الأعلى فإذا نزع الأعلى هل يمسح على الأسفل؟\nفالجواب: لا يمسح عليه؛ لأن خلع الأعلى يبطل المسح على الأسفل لأن حكم المسح تعلق به.\n\n<span data-type='title' id=toc-385>المبحث الثامن: هل المسح على الخفين رافع أم مبيح؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن المسح على الخفين رافع للحدث (^١).\nواستدلوا لذلك بما روى مسلم عن ابن عُمَرَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ» (^٢)، فإذا كانت لا تُقبل صلاة بغير طهور، فإذا كان ماسح الخفين صلاته صحيحة فدل ذلك على أن المسح على الخفين رافع للحدث.\nالقول الآخر: ذهب المالكية إلى أن المسح على الخفين مبيح وليس رافعًا (^٣).\nواستدلوا بأن المسح على الخفين مبيح كالتميم.\nوالراجح: أن المسح على الخفين رافع للحدث؛ لعموم قول النبي ﷺ: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ». فالمسح على الخفين كغسل الرجلين، والله أعلم.\n_________\n(^١) «المجموع» (١/ ٥٦١)، «الإنصاف» (١/ ١٦٩).\n(^٢) «مسلم» (٢٢٤).\n(^٣) «مواهب الجليل» (١/ ٣٢٣).","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type='title' id=toc-386>الفصل الخامس\nمبطلات المسح على الخفين</span>\n<span data-type='title' id=toc-387>المبطل الأول: إذا خلع خفيه وهو على طهارة المسح وقبل تمام المدة، فهل ينتقض وضوءه بمجرد خلع الخفين، أم أنه على طهارة حتى يحدث؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: ذهب ابن حزم وابن تيمية إلى أن من توضأ ثم مسح على خفيه ثم خلع الخفين، فهو على طهارة ما لم يُحْدث (^١).\nواستدلوا بما روى أبو ظَبيان قال: «رَأَيْتُ عَلِيًّا بَالَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُؤَذِّنُ فَخَلَعَهُمَا، ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَ النَّاسِ» (^٢).\nواستدلوا بأن الرجل إذا تطهر ومسح على خفيه فخلع الخفين ليس بحدث حتى يعتبر ناقضًا للطهارة.\nالقول الثاني: تبطل طهارته، وهو قول للشافعي والمشهور عن الحنابلة (^٣).\nواستدلوا بالمأثور والمعقول:\nأما دليلهم من المأثور، فعَنْ مَكْحُولٍ وَالزُّهْرِيِّ قَالَا: إِذَا مَسَحَ ثُمَّ خَلَعَ يُعِيدُ الْوُضُوءَ (^٤).\n_________\n(^١) «المحلى» (١/ ٣٤٠، ٣٤١).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة «المصنف» (١/ ١٧١) وزيادة: «ثم تقدم فأم الناس» عند البيهقي.\n(^٣) «المجموع» (١/ ٥٥٣)، «مسائل ابن هانئ» (١/ ١٩).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٧٠).","vol":"1","page":428},{"text":"وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: يُعِيدُ الْوُضُوءَ (^١).\nأما دليلهم من المعقول فإن الماسح على الخفين إذا خلعهما وجب عليه غسل الرجلين، وإذا كان يشترط الموالاة فقد انتقض وضوءه.\nواعترض عليه: بأنه إذا مسح على رأسه في الوضوء ثم حلق شعره لا ينتقض وضوءه، فكذا المسح على الخفين.\nالقول الثالث: يجب عليه أن يغسل قدميه إذا خلع الخفين ولا تُشترط الموالاة، وبه قال الحنفية، وقول للشافعي، ورواية عن أحمد (^٢). واستدلوا بما روى يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ ابْنَ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فِي الرَّجُلِ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ أَنْ يَنْزِعَ خُفَّيْهِ، قَالَ: يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ (^٣). واعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nوالراجح: أن من توضأ ثم مسح على خفيه ثم خلع الخفين فهو على طهارة ما لم يُحْدث؛ لأن خلع الخفين ليس بحدث، وصح عن عليّ أنه خلع الخفين وصلى ولم يتوضأ، وهو من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين أُمرنا باتباع سنتهم، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-388>المبطل الثاني: انتهاء مدة المسح.</span>\nتنتهي مدة المسح بعد يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر.\nفإذا انقضت مدة مسحه ولم يحدث، فعليه نزع خفيه وهو على وضوئه حتى ينتقض، وهذا قول ابن حزم وابن تيمية (^٤).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٧١).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (١/ ١٢)، «روضة الطالبين» (١/ ١٣٢)، «القواعد لابن رجب» (ص ٣١٤).\n(^٣) ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٧٠)، وفي إسناده يزيد الدالاني وإن كان قد يحسن حديثه إذا لم ينفرد بأصل مثل هذا، وقد قال ابن حبان: كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، يخالف الثقات في الروايات حتى إذا سمعها المبتدئ في هذه الصناعة علم أنها معلولة أو مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق الثقات، فكيف إذا انفرد عنهم بالمعضلات؟! «المجروحين» (٣/ ١٠٥).\n(^٤) انظر: «المحلى» (١/ ٣٢١)، «الاختيارات» (ص ١٥).","vol":"1","page":429},{"text":"وقول عند الشافعية أنه إذا انقضت مدة المسح ولم يُحْدث فعليه نزع خفيه وغسل القدمين (^١).\nوذهب الشافعية في قول والحنابلة أنه إذا انقضت مدة المسح ولم يُحدث فعليه نزع خفيه وقد انتقض وضوءه (^٢).\nوالراجح: أنه إذا انقضت مدة المسح ولم يحدث فعليه نزع خفيه وهو على وضوئه حتى يحدث؛ لأن خلع الخفين ليس بحدث، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-389>المبطل الثالث: يبطل المسح مع وجود الحدث الأكبر.</span>\nقال النووي: لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَكَذَا لَا يُجْزِئُ مَسْحُ الْخُفِّ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْوِلَادَةِ، وَلَا فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَأَغْسَالِ الْحَجِّ وَغَيْرِهَا (^٣).\nوقال ابن قدامة: وَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ فِي جَنَابَةٍ، وَلَا غُسْلٍ وَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) «المبسوط» (١/ ١٠٣)، «المجموع» (١/ ٥٥٧).\n(^٢) «المجموع» (١/ ٥٥٣»، «الإنصاف» (١/ ١٩٠).\n(^٣) «المجموع» (١/ ٥٠٥).\n(^٤) «المغني» (١/ ٣٦٢).","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type='title' id=toc-390>الفصل السادس أحكام المسح على العمامة والجبيرة</span>\nوفيه ثلاثة مباحث\n\n<span data-type='title' id=toc-391>المبحث الأول: حكم المسح على العمامة.</span>\nاختلف العلماء في ذلك على قولين:\nالقول الأول: جواز المسح على العمامة وهو المشهور عن الحنابلة والظاهرية (^١).\nواستدلوا بما روى مسلم عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى الْخُفَّيْن (^٢).\nوعَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ» (^٣).\n_________\n(^١) «مسائل أحمد رواية عبد الله» (١/ ١٢٤)، «المحلى» (١/ ٣٠٣).\n(^٢) «مسلم» (٨٣) (٢٧٤).\n(^٣) معلول: ورواه البخاري (٢٠٥). ومدار الحديث على يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه.\nواختلف على يحيى بن أبي كثير: فرواه عنه الأوزاعي كما عند البخاري (٢٠٥) بذكر المسح على العمامة والخفين.\nوخالف الأوزاعي جماعة من الثقات فرووه عن يحيى بالمسح على الخفين دون العمامة، منهم شبيان عند البخاري (٢٠٤)، وأبان بن يزيد العطار عند أحمد (٤/ ١٧٩)، وحرب بن شداد عند الطيالسي (١٢٥٤)، وعلي بن المبارك عند أحمد (٤/ ١٣٩)، أربعتهم عن يحيى بذكر المسح على الخفين دون العمامة.\nورواه عبد الرزاق (٧٤٦) عن معمر عن يحيى عن أبي سلمة عن عمرو بن أمية: رأيت رسول الله يمسح على خفيه. بدون ذكر العمامة، وأسقط من السند جعفرًا. وذكر الحافظ عن ابن منده فذكر عن معمر إثبات المسح على العمامة.\nقلت: فهل المسح على العمامة شاذ أم لا؟ لو قال قائل بشذوذها كان له وجهة قوية والله أعلم.","vol":"1","page":431},{"text":"وروى مسلم عن بلال أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ والخِمَارِ (^١).\nواستدلوا بحديث ثَوْبَانَ، قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ سَرِيَّةً، فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ».\nواستدلوا بحديث سلمان قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهِ وَخُفَّيْهِ» (^٢).\n_________\n(^١) يرويه عن بلال جماعة:\nالأول: ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال به.\nفرواه (أبو معاوية، وابن نمير، وعيسى بن يونس، وعلي بن مسهر) أربعتهم عن الأعمش عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن كعب عن بلال به، رواه مسلم (٨٤ - ٢٧٥)، وأحمد (٦/ ١٢، ١٤).\nورواه زائدة، وحفص كلاهما عن الأعمش به ولكن قالا بدلًا من كعب بن عجرة البراء بن عازب، أخرجه ابن خزيمة (١/ ١٨٣) وغيره. وتابع الأعمش بذكر البراء بن عازب ليث بن أبي سليم عند ابن أبي شيبة (١/ ١٦٧). ورواه الثوري عن الأعمش عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن بلال به، بإسقاط الواسطة بين ابن أبي ليلى وبلال- أخرجه عبد الرزاق (٧٣٦)، وأحمد (٦/ ١٥).\nومن خلال هذه الروايات يتبين أن المحفوظ: الأعمش عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن كعب عن بلال. ولكن تابع الأعمش جماعة بدون ذكر كعب منهم: شعبة عند أحمد (٦/ ١٣)، (٢) وزيد بن أبي أنيسة عند أحمد (٦/ ١٤)، والسند إليه ضعيف، (٣) عبد الله بن محرز عند عبد الرزاق (٧٥٤)، والسند إليه ضعيف، (٤) والثوري عند أحمد (٦/ ١٣)، وأبان بن تغلب، وابن أبي ليلى عند الحميدي (١٥٠). كلهم عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن بلال به، أي بإسقاط كعب، وسقوط الصحابي لا يضر إذا تأكدنا من سماع ابن أبي ليلى من بلال.\nالثاني: رواية أبي إدريس الخولاني عن بلال به عند أحمد (٦/ ١٥) ولفظه (رأيت رسول الله يمسح على الموقين والخمار).\nالثالث: رواه مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا مَكْحُولٌ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ خِمَارٍ، عَنْ بِلَالٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: امْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ. أخرجه أحمد (٦/ ١٣)، وإسناده حسن.\nالرابع: رواه أحمد (٦/ ١٣) من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن بلال، وفيه (يمسح على العمامة وعلى الخفين)، وفي إسناده أبو عبد الله مولى بني تميم: مجهول.\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٤٣٩)، وفي إسناده أبو مسلم مولى زيد بن صوحان، وفي إسناده: أبو شريح، وكلاهما لين الحديث، وفي الباب عن أبي طلحة وأنس وأبي أمامة ولا يصح عنهم حديث.","vol":"1","page":432},{"text":"واستدلوا بالمأثور: فعَنْ حُمَيْدِ بْنِ غُسَيْلَةَ، قَالَ: «رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَمْسَحُ عَلَى الْخِمَارِ» (^١).\nوَعَنْ سُوَيْدِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: «إِنْ شِئْتَ فَامْسَحْ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَإِنْ شِئْتَ فَانْزِعْهَا» (^٢).\nقال ابن المنذر: لَوْ لَمْ يَثْبُتِ الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ لَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» وَلِقَوْلِهِ: «إِنْ يُطِعِ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَدْ رَشَدُوا»، وَلِقَوْلِهِ ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ بَعْدِي» (^٣).\nوَعَنْ عَاصِمٍ قَالَ: «رَأَيْتُ أَنَسًا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ» (^٤).\nوَعَنْ أَبِي غَالِبٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ» (^٥).\nالقول الآخر: ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز المسح على العمامة، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية (^٦).\nواستدلوا بالكتاب والسنة والمأثور:\nأما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، والعمامة ليست رأسًا فيمسح عليها.\nواعترض عليه: فكما أن المسح على الخفين لا ينافي غسل الرجلين فكذا المسح على العمامة لا ينافي المسح على الرأس، بل هي رخصة ثبتت عن رسول الله ﷺ والنبي هو المبين لكلام الله ومفسر له.\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٨).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٩).\n(^٣) «الأوسط» (١/ ٤٦٨).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٧٣٨).\n(^٥) إسناده حسن: أخرجه ابن المنذر «الأوسط» (١/ ٤٦٨).\n(^٦) «المبسوط» (١/ ١٠١)، و«المدونة» (١/ ١٢٤)، و«الأم» (٧/ ٢٩).","vol":"1","page":433},{"text":"أما دليلهم من السنة: فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ» (^١).\nوجه الدلالة: أن الرسول لم يمسح على العمامة ومسح مقدمة رأسه.\nواعترض عليه من وجهين:\nالأول: أن الحديث لا يصح عن رسول الله.\nالثاني: وإن صح فإنه لا يعارض المسح على العمامة؛ لأن المسح ليس بفرض، ولكن المتطهر إن شاء مسح برأسه وإن شاء مسح على عمامته، كالماسح على الخفين، المتطهر بالخيار إن شاء غسل رجليه وإن شاء مسح على خفيه (^٢).\nأما دليلهم من المأثور: فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ (^٣).\nوَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَقَالَ: «أَمِسَّ الْمَاءَ الشَّعْرَ» (^٤).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه أبو داود (١٤٧)، وفي إسناده أبو معقل وعبد العزيز بن مسلم، وكلاهما مجهول.\n(^٢) «الأوسط» (١/ ٤٦٩).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٩).\n(^٤) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٩). عن أَبى عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ.\nشروط المسح على العمامة.\n١) لا تمسح العمامة إلا في الحدث الأصغر، فلا يجوز المسح على العمامة في الحدث الأكبر بالإجماع.\n٢) هل يشترط أن تكون العمامة التي يمسح عليها لها ذؤابة؟\nالراجح أن ما يطلق عليه عمامة يمسح عليها، سواء كان لها ذؤابة أم لا. انظر: «الفتاوى» (٢١/ ١٨٧).\n٣) هل يشترط لبس العمامة على طهارة؟\nالمشهور عن الحنابلة اشتراط ذلك قياسًا على الخف كما في «المغنى» (١/ ١٧٦)، وفي رواية عن أحمد، ورجح ابن تيمية وابن حزم عدم اشتراط ذلك كما في «الإنصاف» (١/ ١٧٢)، و«المحلى» (١/ ١٠٣).\n٤) هل يشترط التوقيت في المسح على العمامة؟\nالمشهور عند الحنابلة أن يمسح المقيم على العمامة يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام بلياليها كما في «مسائل أحمد» (٤٩) رواية أبي داود قياسًا على الخف.\nوالظاهرية يقولون بالمسح على العمامة بلا توقيت؛ لأنه لم يأت دليل خاص في ذلك كما في «المحلى» (١/ ٣٠٩).\nمسألة: إذا خلع العمامة بعد أن مسح عليها فالمشهور عن الحنابلة أنه تبطل الطهارة، قال عبد الله في مسائله (١/ ١٢٣): سألت أبي عن الرجل يمسح على عمامته ثم يخلع العمامة؟ قال: يعيد الوضوء.\nوقال ابن حزم «المحلى» (١/ ٣٣٧): ولو مسح على عمامة أو خمار ثم نزعهما فليس عليه إعادة الوضوء ولا مسح رأسه، بل هو طاهر كما كان ويصلي كذلك.","vol":"1","page":434},{"text":"قلت: ليست هذه الآثار صريحة في المنع من المسح على العمامة.\nقال ابن المنذر: وَلَيْسَ فِي إِنْكَارِ مَنْ أَنْكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُحِيطُ بِجَمِيعِ السُّنَنِ، وَلَعَلَّ الَّذِي أَنْكَرَ ذَلِكَ لَوْ عَلِمَ بِالسُّنَّةِ لَرَجَعَ إِلَيْهَا، بَلْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَظُنَّ مُسْلِمٌ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؟ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ بِالْقَوْمِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَمَا لَمْ يَضُرَّ إِنْكَارُ مَنْ أَنْكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، ولم يُوهِنُ تَخَلُّفُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْقَوْلِ بِذَلِكَ إِذَا أَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، كَذَلِكَ لَا يُوهِنُ تَخَلُّفُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْقَوْلِ بِإِبَاحَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-392>المبحث الثاني: المسح على القلانس:</span>\nقال ابن المنذر: ولا نعلم أحدًا قال بالمسح على القلنسوة. وقد روينا عن أنس أنه مسح عليها (^١).\nقلت: هذا إجماع منخرم فقد وردت رواية عن أحمد بالمسح على القلنسوة.\nوالراجح: عدم المسح على القلانس؛ لأن القلنسوة لم يرد فيها نص صحيح بجواز المسح عليها، وكذا فإنها سهلة الخلع، فلا تقاس على العمامة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-393>المبحث الثالث: في حكم المسح على الجبيرة.</span>\nاختلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى وجوب المسح على الجبيرة، وبه قال أبو يوسف ومحمد من\n_________\n(^١) «الأوسط» (١/ ٤٧٢).","vol":"1","page":435},{"text":"الحنفية، وهو قول المالكية وقول الشافعي في القديم، والمشهور عند الحنابلة (^١).\nواستدلوا بما روى جَابِرٌ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ - أَوْ: يَعْصِبَ، شَكَّ مُوسَى -عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» (^٢).\nعَنْ عليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: انْكَسَرَتْ إِحْدَى زَنْدَيَّ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ (^٣).\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (١/ ١٣)، و«المدونة» (١/ ١٢٩ - ١٣٠)، و«المجموع» (٢/ ٣٦٧)، و«مسائل ابن هانئ» (١/ ١٨، ٢٠).\n(^٢) ضعيف: ومدار الحديث على عطاء، فرواه الزبير بن خريق عن عطاء عن جابر به كما أخرجه أبو داود (٣٣٦). ورواه الأوزاعي بلغني عن عطاء عن ابن عباس يخبر أن رجلًا أصابه جرح في عهد رسول الله قد أصابه احتلام فأمر بالاغتسال فمات، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ؟» أخرجه أحمد (١/ ٣٣٠)، والزبير بن خريق ضعيف الحديث.\nورواه أبو مغيرة عند الدارمي (٧٥٢)، والوليد عند الدارقطني (١/ ١٩٢) عن عطاء: فبلغنا أن رسول الله سئل عن ذلك فقال: «لو غسل جسده وترك حيث أصابه الجرح» رواية مرسلة. وأخرجه عبد الرزاق (٨٦٧) عن الأوزاعي عن رجل عن عطاء به.\nورواه ابن ماجه (٥٧٢) عن هشام بن عمار، ثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، ثنا الأوزاعي عن عطاء به. وفي «العلل» (١/ ٣٧) عن أبي حاتم وأبي زرعة قالا: روى هذا الحديث ابن أبي العشرين عن الأوزاعي عن إسماعيل بن مسلم عن عطاء عن ابن عباس، وأفسد الحديث، أي ذكر الواسطة بين الأوزاعي وعطاء وهي إسماعيل ضعيف.\nفالحاصل: أن المسح على الجبيرة من حديث جابر لا يصح، وحديث ابن عباس ليس فيه المسح على الجبيرة.\n(^٣) موضوع: أخرجه عبد الرزاق (٦٢٣)، وابن ماجه (٦٥٧)، وفي إسناده: عمرو بن خالد الواسطي: كان يضع الحديث، وفي «العلل» لأحمد (٣/ ١٥): سمعت رجلًا يقول ليحيى: تحفظ عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، عن النبي ﷺ أنه مسح على الجبائر؟ فقال: باطل، ما حَدَّث به معمر قط، ولو حَدَّث بهذا عبد الرزاق كان حلال الدم.\nوروى الدارقطني (١/ ٢٢٦) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَنِ الْجَبَائِرِ تكُونُ عَلَى الْكَسِيرِ كَيْفَ يَتَوَضَّأُ صَاحِبُهَا وَكَيْفَ يَغْتَسِلُ إِذَا أَجْنَبَ؟، قَالَ: «يَمْسَحَانِ بِالْمَاءِ عَلَيْهَا فِي الْجَنَابَةِ وَالْوُضُوءِ»، قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ فِي بَرْدٍ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا اغْتَسَلَ؟ قَالَ: «يَمُرُّ عَلَى جَسَدِهِ»، وَقَرَأَ رَسُولُ الله ﷺ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩] «وَيَتَيَمَّمُ إِذَا خَافَ».\nوفي إسناده: خالد بن يزيد المكي: كذاب. وزيد بن علي بن الحسين لم يدرك جده عليِّ بن أبي طالب.","vol":"1","page":436},{"text":"وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبَائِرِ (^١).\nوعَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ سَرِيَّةً، فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ».\nالقول الثاني: أن صاحب الجبيرة يكفيه التيمم ولا يمسح عليها، وهو قول للشافعية (^٢).\nواستدلوا بحديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فِي شِتَاءٍ فَسَأَلَ فَأُمِرَ بِالْغَسْلِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مَا لَهُمْ قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ الله - ثَلَاثًا - قَدْ جَعَلَ الله الصَّعِيدَ - أَوْ: التَّيَمُّمَ - طَهُورًا»، شَكَّ ابْنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ أَثْبَتَهُ بَعْدُ (^٣).\nالقول الثالث: أنه لا يجب على صاحب الجبيرة المسح ولا التيمم، وبه قال ابن حزم.\nوالراجح: قول جمهور العلماء، أي أنه يمسح على الجبائر، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (١/ ٢٠٥) وقال: لا يصح مرفوعًا، وأبو عمارة ضعيف جدًّا.\n(^٢) «المجموع» (١/ ٣٦٧).\n(^٣) أخرجه ابن الجارود «المنتقى» (١٢٨)، وفي إسناده الوليد ين عبيد الله ضَعَّفه الدارقطني، ووثقه ابن معين وقد صحح حديثه ابن حبان وابن خزيمة.\nوروى أحمد (٤/ ٢٠٣، ٢٠٤)، بإسناده إلى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ الله ﷺ عَامَ ذَاتِ السَّلَاسِلِ: فَاحْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَأَشْفَقْتُ إِنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلَكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، إِنِّي احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَأَشْفَقْتِ إِنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلَكَ، وَذَكَرْتُ قَوْلَ الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ. فَضَحِكَ رَسُولُ الله ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف.","vol":"1","page":437},{"text":"حاصل ما ورد في المسح على الخفين\n١ - لقد رفع الله الحرج عن أمة خير المرسلين، فسَهَّل عليهم شرائع الدين، فهذا المسافر يقصر الصلاة، ويفطر في رمضان وفي البلاد الباردة والأيام الشتوية الحالكة، فإذا لبس المرء خفين أو جوربين فإنه يجوز المسح عليهما؛ لرفع الحرج والمشقة عن المكلفين، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\n٢ - ذُكر المسح على الخفين في كتب العقيدة؛ لأن الشيعة الرافضة المبتدعة لا يمسحون على الخفين بالرغم من ثبوت المسح على الخفين عن عليّ بن أبي طالب، وكذا ثبت النهي عن نكاح المتعة عن عليّ ﵁، ومع ذلك يبيحون نكاح المتعة، فتبين من ذلك أنهم لا يتبعون عليًّا ولا آل البيت الطيبين، إنما يتبعون سنة الشيطان الرجيم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٢٨﴾ [الأعراف].\n٣ - الخف: ما يُلبس في الرجل من الجلد، والجورب ما يُلبس من الصوف.\n٤ - يجوز المسح على الخفين بالنصوص المستفيضة، فعن مغيرة قال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى.\n٥ - يجوز المسح على الجورب لأنه لا فرق بينه وبين الخف.\n٦ - ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز المسح على النعلين. واستدلوا بأن الأصل غسل الرجلين كما ورد في القرآن، والنعال لا تقاس على الخفين؛ لأن النعال لا تستر محل الفرض فتكون تحت الكعب.\n* * *","vol":"1","page":438},{"text":"خلاصة الفصل الثاني\nشروط المسح على الخفين\nالشرط الأول: طهارة الخف فلا يصح المسح على خف نجس.\nالشرط الثاني: يشترط لبس الخف على طهارة مائية، أما إذا تيمم لفقد الماء، ثم لبس الخف، فإذا وجد الماء فلا يمسح على خفه.\nالشرط الثالث: يشترط لبس الخفين بعد كمال الطهارة، فإذا توضأ وبعد غسل رجله اليمني لبس فيها الخف ثم اليسرى، فطهارته صحيحة، ولكن إذا أحدث وأراد أن يتوضأ فليس له أن يمسح على الخفين لأنه يشترط أن يلبسه بعد الانتهاء من الوضوء تمامًا.\nالشرط الرابع: إذا كان سليم القدمين فإنه يمسح على الخفين معًا، فلو غسل رجلًا ومسح على الأخرى لا يجزئ:\nالشرط الخامس: يشترط ثبوت الخف على القدم، فإن سقط عن محل الفرض فلا يمسح عليه.\n* * *","vol":"1","page":439},{"text":"خلاصة الفصل الثالث\nما لا يُشترط في المسح على الخفين\nوفيه أربعة مباحث\nالمبحث الأول: لا يُشترط أن يكون الخف مباحًا، فلو كان الخف محرمًا أو مغصوبًا فإنه يجزئ المسح عليه مع الإثم.\nالمبحث الثاني: لا يُشترط كون الخف ساترًا لما يجب غسله بل ما يطلق عليه خف يجزئ المسح إذا كانت الفتوق يسيرة.\nالمبحث الثالث: لا يُشترط إمكان متابعة المشي على الخف حتى يمسح عليه.\nالمبحث الرابع: لا يُشترط أن يكون الخف من جلد، بل يجوز أن يكون من صوف أو غير ذلك.\n* * *","vol":"1","page":440},{"text":"خلاصة الفصل الرابع\nصفة المسح على الخفين\n١) المقدار المجزئ في المسح على الخفين مسح أكثر الخف لأن الأحاديث وردت مطلقة غير مقيدة، واستيعاب ظاهر الخف فيه مشقة وعنت خاصة وأن المسح بالأصابع فلايمكن الاستعاب، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾\n٢) لا يمسح أسفل الخف بل يمسح أعلاه لما ورد عن عليّ: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ».\n٣) يمسح على الخفين معَا كالأذنين؛ لعموم ما ورد عن النبي ﷺ «فمَسَح عَلَيهِمَا» أي معًا كالأذنين، لا يقدم اليمنى على اليسرى، ولو قَدَّم النبي ﷺ اليمنى على اليسرى لذكر ذلك التفصيل صحابته الكرام.\n٤) ابتداء مدة المسح من أول مسح بعد الحدث.\n٥) مدة المسح، روى مسلم في صحيحه: عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ.\n٦) مقدار السفر الذي يسوغ معه المسح.\nيباح المسح في كل ما يطلق عليه سفر لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. وأطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر.\nوقال شيخ الإسلام: ولم يحد ﷺ لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض كما أطلق لهم التيمم في كل سفر.","vol":"1","page":441},{"text":"٧) سفر المعصية هل يمسح فيه على الخفين أم لا؟ هذا لا يخلو من حالين:\nالأول: ما قاله النووي: أَمَّا الْعَاصِي فِي سَفَرِهِ وَهُوَ مَنْ خَرَجَ فِي سَفَرٍ مُبَاحٍ وَقَصْدٍ صَحِيحٍ ثُمَّ ارْتَكَبَ مَعَاصِيَ فِي طَرِيقِهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِهِ، فَلَهُ التَّرَخُّصُ بِالْقَصْرِ وَغَيْرِهِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَمْنُوعًا مِنِ السَّفَرِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ بِخِلَافِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ\nالحال الثاني: إذا سافر لقطع طريق أو غيره من سفر المعصية فإنه لا يمسح على الخفين بغير خلاف.\nخلاصة الفصل الخامس\nمبطلات المسح على الخفين\n١) خلع الخفين: من توضأ ثم مسح خفيه ثم خلعهما فهو على طهارة ما لم يُحْدث، وصح عن عليّ أنه تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُؤَذِّنُ فَخَلَعَهُمَا، ثم تقدم فَأَمَّ الناس، ودل ذلك على أن خلع الخفين ليس بحدث حتى ينقض الوضوء.\n٢) انتهاء مدة المسح.\n٣) يُبطل المسحَ الحدثُ الأكبر بالإجماع فلا يجزئ المسح في جنابة ولا في غسل مستحب.\n* * *","vol":"1","page":442},{"text":"<span data-type='title' id=toc-394>الباب الثامن الغسل</span>\nوفيه ثمانية فصول\nالفصل الأول: موجبات الغسل.\nالفصل الثاني: فروض الغسل.\nالفصل الثالث: آداب الغسل.\nالفصل الرابع: صفة غسل الجنابة.\nالفصل الخامس: ما يحرم على الجنب.\nالفصل السادس: ما لا يحرم على الجنب.\nالفصل السابع: ما يستحب وما يكره وما يباح للجنب.\nالفصل الثامن: الأغسال المستحبة.","vol":"1","page":443},{"text":"الفصل الأول\nموجبات الغسل\nالموجب الأول: نزول المني.\nالموجب الثاني: الجماع.\nالموجب الثالث: موت المسلم إذا لم يكن شهيدًا.\nالموجب الرابع: انقطاع دم الحيض والنفاس.","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type='title' id=toc-395>الفصل الأول\nموجبات الغسل</span>\nالموجب الأول: نزول المني، وفيه ستة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-396>المبحث الأول: خروج المني، وفيه مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-397>المطلب الأول: خروج المني دفقًا بلذة يوجب الغسل بالإجماع.</span>\nقال ابن قدامة: خُرُوجُ الْمَنِيِّ الدَّافِقِ بِشَهْوَةٍ يُوجِبُ الْغُسْلَ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، فِي يَقَظَةٍ أَوْ فِي نَوْمٍ. وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ (^١). قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-398>المطلب الثاني: خروج المني حال النوم:</span>\nمن انتبه من نومه فرأى منيًّا، اغتسل بالإجماع.\nقال ابن نجيم: يَجِبُ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا فِيمَا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَنِيٌّ وَتَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ أَوْ لَا (^٣).\nقال الإمام مالك: مَنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ فَرَأَى بَلَلًا عَلَى فَخِذَيْهِ، وَفِي فِرَاشِهِ، قَالَ: يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ مَذْيًا تَوَضَّأَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَإِنْ كَانَ مَنِيًّا اغْتَسَلَ (^٤).\nوفي الصحيحين عن أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ الله لَا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، هَلْ عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ» (^٥).\n_________\n(^١) «المغني» (١/ ١٢٨).\n(^٢) وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، منهم النووي «المجموع» (٢/ ١٥٨)، والكاساني «بدائع الصنائع» (١/ ١٦٠)، وابن جزي «القوانين الفقهية» ص (٣٠، ٣١) وغيرهم كثير.\n(^٣) «البحر الرائق» (١/ ٥٨).\n(^٤) «المدونة» (١/ ٣١).\n(^٥) «البخاري» (٢٨٢)، و«مسلم» (٣١٣).","vol":"1","page":445},{"text":"<span data-type='title' id=toc-399>المطلب الثالث: إذا رأى في منامه احتلامًا ولم يجد بللًا؟</span>\nقال ابن المنذر: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا رَأَى فِي نَوْمِهِ أَنَّهُ احْتَلَمَ أَوْ جَامَعَ وَلَمْ يَجِدْ بَلَلًا أَنَّهُ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ (^١) ونَقَل الإجماع ابن الهمام (^٢).\nقلت: ولكن هذا الإجماع منخرم، فقد وردت رواية عن أحمد بوجوب الغسل.\nواستدلوا لذلك بأن العبرة بانتقال المني مع اللذة.\nوهذا القول منتقض بأن العبرة بخروج المني كما أن العبرة بخروج الريح ليس بتحركه، وعموم حديث أم سليم قالت: هَلْ عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ».\n\n<span data-type='title' id=toc-400>المطلب الرابع: خروج المني بغير شهوة:</span>\nاتفق العلماء على أن المني إذا خرج دفقًا بلذة وجب الغسل.\nواختلفوا في خروج المني بغير شهوة لعلة أو مرض:\nفذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب الغسل إلا إذا خرج دفقًا بشهوة (^٣).\nواستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾. فإذا خرج بدون دفق فلا يجب منه الغسل ولا يكون منه الولد.\nواستدلوا بما روى أحمد عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «إِذَا خَذَفْتَ فَاغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ خَاذِفًا فَلَا تَغْتَسِلْ» (^٤).\n_________\n(^١) «الأوسط» (٢/ ٨٣).\n(^٢) «شرح فتح القدير» (١/ ٦٢).\n(^٣) «المبسوط» (١/ ٦٧)، «بدائع الصنائع» (١/ ٣٦)، «المغني» (١/ ١٢٨)، «المبدع» (١/ ١٧٧).\n(^٤) شاذ: أخرجه أحمد (١/ ١٠٧) من طريق الركين بن الربيع عن حصين بن قبيصة عن عليّ به.\nوقد ورد من طرق كثيرة عن عليّ بدون ذكر هذه الزيادة: فرواه ابن عباس عند مسلم (٣٠٣)، ومحمد ابن الحنفية في البخاري (١٧٨)، ومسلم (٣٠٣)، وهانئ بن هانئ عند أحمد (١/ ١٠٨)، وأبو عبد الرحمن السلمي في البخاري (٢٩٦)، وعائش بن أنس عند أحمد (٦/ ٥)، وسليمان بن يسار عن المقداد في «الموطأ» (١/ ٤٠) كل هؤلاء وغيرهم رووه عن عليّ بدون ذكر هذه الرواية، فهذه الرواية شاذة.","vol":"1","page":446},{"text":"واعترض عليه بأن هذه الرواية شاذة، تفرد بذكرها بعض الرواة عن عليّ، وأما الأثبات الثقات عن عليّ مثل محمد بن الحنفية، وابن عباس، وعائش بن أنس، وأبي عبد الرحمن السلمي، وغيرهم، فرووه عن عليّ بلفظ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ.\nوذهب الشافعي إلى أن خروج المني بدفق أو بغيره وسواء بلذة أم بغير لذة -يوجب الغسل (^١).\nواستدلو لذلك بما ورد في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ»، فإذا نزل ماء المني بشهوة أو بغير شهوة وجب عليه أن يغتسل بالماء لكي يصلي، وكذا لو استيقظ من نومه فوجد بللًا أي منيًّا ولا يدري هو بشهوة أو بغيرشهوة، وجب عليه الغسل.\nواعترض عليه بأن الأصل أن المني الذي يخرج عند الاحتلام وغيره يكون دفقًا والحكم للغالب.\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء أي أن الذي يوجب الغسل هو الماء الدافق؛ لعموم قوله تعالى: ﴿خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-401>المطلب الخامس: هل يشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج؟</span>\nذهب أبو حنيفة والمشهور عند المالكية أنه لا يُشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج، فإذا انتقل المني من مكانه على وجه اللذة، ثم خرج بعد ذلك من غير لذة وجب الغسل؛ لأن العبرة بوجود اللذة وخروج المني، فإن وجدت اللذة حال انتقال المني، وخرج المني بعد ذلك فقد وجب الغسل (^٢).\n_________\n(^١) قال النووي «المجموع» (٢/ ١٥٨): وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ خُرُوجِهِ بِجِمَاعٍ أَوْ احْتِلَامٍ أَوْ اسْتِمْنَاءٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ، سَوَاءٌ خَرَجَ بِشَهْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَسَوَاءٌ تَلَذَّذَ بِخُرُوجِهِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ خَرَجَ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا وَلَوْ بَعْضُ قَطْرَةٍ، وَسَوَاءٌ خَرَجَ فِي النَّوْمِ أَوْ الْيَقَظَةِ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْعَاقِلِ وَالْمَجْنُونِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْغُسْلَ عِنْدَنَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ: لَا يَجِبُ إلَّا إذَا خَرَجَ بِشَهْوَةٍ وَدَفْقٍ.\n(^٢) «المبسوط» (١/ ٦٧)، «شرح فتح القدير» (١/ ٦١)، «الخرشي» (١/ ١٦٢).","vol":"1","page":447},{"text":"وذهب أبو يوسف وقول للمالكية إلى أنه يشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج (^١).\nواستدلوا بأن العبرة بنزول المني في حالة الشهوة، أما لو نزل بعد ذلك فهو يشبه المذي.\nوذهب الحنابلة إلى أنه يجب الغسل إذا انتقل المني من مكانه على وجه اللذة ولو لم يخرج (^٢).\nواعترض عليه بأن العبرة بخروج المني كما أنه لا عبرة بتحرك الريح في البطن إلا بخروجه.\nقال ابن قدامة: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّقَ الِاغْتِسَالَ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَفَضْخِهِ، بِقَوْلِهِ: «إذَا رَأَتِ الْمَاءَ» «إذَا فَضَخْت الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ» فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِدُونِهِ (^٣).\nوالحاصل: أن المني إذا خرج مقرونًا بلذة فإنه يجب عليه الغسل بالإجماع، وأما إذا انتقل المني من مكانه على وجه اللذة، ثم خرج بعد ذلك من غير لذة فعليه الاغتسال.\nوأما قول من قال: (العبرة بانتقال المني من مكانه ولو لم ينزل)، فهذا قول ضعيف لأن العبرة بنزول المني بلذة كما أنه لا عبرة بتحرك الريح في البطن إلا بخروجه.\n\n<span data-type='title' id=toc-402>المطلب السادس: إذا شك هل هو مني أو مذي؟</span>\nمن انتبه من نومه فوجد بللًا في ثوبه أو بدنه فشك هل هو مني أو مذي، وجب عليه الغسل؛ لأن الشك مؤثر في إيجاب الطهارة. وهذا هو قول الحنفية والمالكية (^٤).\nوذهب الشافعية إلى أن من انتبه من نومه فوجد بللًا وشك هل هو مني أو مذي، لا يجب عليه الغسل مطلقًا (^٥).\nوذهب الحنابلة إلى أن من رأى بللًا وشك هل هو مني أو مذي، فإن لم يتقدم نومه سبب من نظر\n_________\n(^١) «المبسوط» (١/ ٦٧)، «المنتقى» (١/ ١٠٠).\n(^٢) «الإنصاف» (١/ ٢٣٠).\n(^٣) «المغني» (١/ ١٢٩).\n(^٤) «شرح فتح القدير» (١/ ٦٢)، «البحر الرائق» (١/ ٩٥)، «الشرح الصغير» (١/ ١٦٢).\n(^٥) «المجموع» (٢/ ١٦٢).","vol":"1","page":448},{"text":"أو فكر أو مداعبة أو انتشار لم يجب عليه الغسل، وإن تقدم سبب من ذلك وجب عليه الغسل (^١).\nالراجح: أنه يستحب له الغسل ولا يجب حتى يتيقن أنه مني أو يغلب على ظنه.\nالموجب الثاني: الجماع، وفيه أربعة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-404>المطلب الأول: التقاء الختانين.</span>\nاتفق العلماء على أنه إذا التقى الختانان ونزل المني فقد وجب الغسل، وذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وإن لم يُنزل (^٢).\nواستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ» (^٣). وورد في رواية عند مسلم: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» (^٤).\nوذهب داود الظاهري إلى أن من جامع فلم ينزل فليس عليه إلا الوضوء.\nواستدل لذلك بما ورد في الصحيحين عن أُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَ: «يَغْسِلُ مَا مَسَّ المَرْأَةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي» (^٥).\nوفي الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ»، فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قُحِطْتَ فَعَلَيْكَ الوُضُوءُ» (^٦).\nوروى مسلم عن أبي سعيد: قَالَ عِتْبَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعْجَلُ عَنِ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يُمْنِ،\n_________\n(^١) «الإنصاف» (١/ ٢٢٨، ٢٢٩).\n(^٢) قال الترمذي: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعَائِشَةُ، وَالفُقَهَاءِ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ.\n(^٣) «البخاري» (٢٩١)، و«مسلم» (٣٤٨).\n(^٤) «مسلم» (٣٤٨).\n(^٥) «البخاري» (٢٩٣)، و«مسلم» (٣٤٦).\n(^٦) «البخاري» (١٨٠)، و«مسلم» (٣٤٥).","vol":"1","page":449},{"text":"مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» (^١).\nواعترض بأن هذه الأدلة نُسخت، دل على ذلك ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أُبَيّ بْن كَعْبٍ، «أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَفْتُونَ، أَنَّ الْمَاءَ مِنَ المَاءِ، كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ الله فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ» (^٢).\nوالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي أنه إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وإن لم يُنزل.\nواستدلوا لذلك بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ»، وزاد مسلم: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ».\nوأما الأحاديث الصحيحة التي تدل على أن من جامع ولم يُنزل فلا غسل عليه وإنما عليه الوضوء، فهي منسوخة بما رواه أبو داود بإسناد صحيح: «أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَفْتُونَ، أَنَّ الْمَاءَ مِنَ المَاءِ، كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ الله فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ».\n\n<span data-type='title' id=toc-405>المطلب الثاني: يُشترط إيلاج الَحشَفة كاملة:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه يشترط إيلاج الحشفة كاملة لوجوب الغسل بالتقاء الختانين (^٣). دل علاه عموم قول النبى ﷺ: «إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ».\nقال النووي: أَمَّا إيلَاجُ الْحَشَفَةِ فَيُوجِبُ الْغُسْلَ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَالْمُرَادُ بِإِيلَاجِهَا إدْخَالُهَا بِكَمَالِهَا فِي فَرْجِ حَيَوَانٍ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ فَيَجِبُ الْغُسْلُ (^٤).\n_________\n(^١) «مسلم» (٣٤٣).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود «السنن» «٢١٥)، قال: حدثنا محمد بن مهران البزار الرازي، حدثنا مبشر الحلبي عن محمد أبي غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد حدثني أُبي بن كعب به.\n(^٣) فالتقاء الختانين أن تغيب الحشفة في الفرج، فإذا غابت فقد حاذى ختانه ختانها، والمحاذاة هي التقاء الختانين ليس المراد بالتقاء الختانين التصاقهما وضم أحدهما إلى الآخر، فإنه لو وضع موضع ختانه على موضع ختانها ولم يدخله في مدخل الذكر لم يجب غسل بإجماع الأمة.\n(^٤) «المجموع» (٢/ ١٤٩).","vol":"1","page":450},{"text":"وذهب بعض الشافعية وبعض الحنابلة إلى أنه يجب الغسل بإيلاج بعض الَحشَفة (^١).\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي أن التقاء الختانين هو تغييب الحَشَفة كاملة في الفرج.\n\n<span data-type='title' id=toc-406>المطلب الثالث: الإيلاج في الدبر:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن الإيلاج في الدبر يوجب الغسل (^٢).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى عن قوم لوط: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾، فسمى الإتيان في الدبر فاحشة، وقال تعالى عن الزنا في القُبل: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾، فإذا كان الإيلاج في القبل فاحشة ويوجب الغسل، فكذا الإتيان في الدبر فاحشة ويوجب الغسل.\nواعترض على هذا الاستدلال بأن الفاحشة قد تطلق على ما لا يوجب الغسل اتفاقًا. وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت عراة وقد أطلق على ذلك فاحشة، روى الطبري عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف: ٢٨]: «فَاحِشَتُهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً». قلت: والذي يطوف عريانًا لا يجب عليه الغسل اتفاقًا.\nواعترض عليه بأنه ورد في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ، فَتَقُولُ: مَنْ يُعِيرُنِي تَطْوَافًا؟ تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا، وَتَقُولُ: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.\nوذهب ابن حزم إلى أن الإيلاج في الدبر لا يوجب الغسل (^٣)، وحكى الدسوقي قولًا شاذًّا لمالك (^٤).\nواستدلوا بأنه لم يأتِ نص من قرآن ولا سنة يوجب الغسل من الإيلاج في الدبر، وجاءت النصوص بالغسل من التقاء الختانين، وما كان ربك نسيًّا.\n_________\n(^١) «الإنصاف» (١/ ٢٣٢).\n(^٢) «البحر الرائق» (١/ ٦١)، «حاشية الدسوقي» (١/ ١٢٩)، «الأم» (١/ ٣٧)، «المغني» (١/ ١٣١).\n(^٣) «المحلى» (١/ ٢٧٤).\n(^٤) «حاشية الدسوقي» (١/ ١٢٩)، «مواهب الجليل» (١/ ٣٠٨).","vol":"1","page":451},{"text":"واعترض عليه بأن الإيلاج في الدبر محرم، والنص ورد في الموضع المعتاد، ولا يمنع ذلك أن الوطء في الدبر يوجب الغسل.\nوالراجح: أن الإتيان في الدبر محرم، ولو فعل فيجب عليه الغسل، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-407>المطلب الرابع: إذا أولج ذكره في فرج مع وجود حائل:</span>\nلو لف على ذكره كيسًا أو واقيًا وأدخله في فرج، فهل يجب عليه الغسل؟\nاختلف أهل العلم فى هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يجب الغسل مطلقًا، وهو قول لبعض المالكية ووجه عند الشافعية وقول عند الحنابلة (^١).\nواستدلوا بأن العبرة بالتقاء الختانين، سواء بعازل أو بغير عازل.\nالقول الثاني: لا غسل عليه مطلقًا، وهو وجه عند الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢). واستدلوا بأن الإيلاج وقع على العازل ولم يمس الختان الفرج.\nالقول الثالث: إذا كان الحائل رقيقًا وجب الغسل، وإذا كان غير رقيق لم يجب، وهو قول عند المالكية ووجه عند الشافعية (^٣).\nوالراجح: أنه إذا حدث إيلاج بعازل أو بغير عازل فإنه يجب الغسل؛ لأنه تحصل به اللذة والاستمتاع، والله أعلم.\nالموجب الثالث: من موجبات الغسل: موت المسلم إذا لم يكن شهيدًا:\nذهب جمهور العلماء إلى وجوب غسله، وبه قال الحنفية وبعض المالكية والشافعية والحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) «مواهب الجليل» (١/ ٣٠٨)، «المجموع» (٢/ ١٥٢)، «المستوعب» (١/ ٢٢٨).\n(^٢) «المجموع» (٢/ ١٥٢)، «روضة الطالبين» (١/ ٨٢)، «الإنصاف» (١/ ١٣٢).\n(^٣) «مواهب الجليل» (١/ ٣٠٨)، «حاشية العدوي» (١/ ١٨٣)، «المجموع» (٢/ ١٥٢).\n(^٤) «المبسوط» (٢/ ٥٨)، «حاشية الدسوقي» (١/ ٤٠٧)، «الأم» (١/ ٢٧٤)، «المبدع» (٢/ ٢٢٠).","vol":"1","page":452},{"text":"واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أُمِّ عَطِيَّةَ ﵄ قَالَتْ: تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرًا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا - أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ - فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي» (^١).\nوفي الصحيحين من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (^٢).\nقال الكاساني: لقد غُسل أشرف الخلق على الله ﷾، وأمر رسول الله ﷺ بتغسيل ابنته، وغُسل أبو بكر بعده، والناس يتوارثونه خلفًا عن سلف، ولم ينقل أحد من المسلمين أنه مات فدُفن من غير غسل إلا الشهداء (^٣).\nوقد نقل الإجماع على وجوب غسل الميت غير واحد من أهل العلم:\nقال ابن الهمام: وغُسْلُ الْمَيِّتِ فَرْضٌ بِالْإِجْمَاعِ (^٤).\nوقال النووي: وَغُسْلُ الْمَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ (^٥).\nوقد أنكر الحافظ ابن حجر دعوى الإجماع على النووي فقال: وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهُوَ ذُهُولٌ شَدِيدٌ فَإِنَّ الْخِلَافَ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ حَتَّى إِنَّ الْقُرْطُبِيَّ رَجَّحَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سُنَّةٌ (^٦).\nواستدلوا بقوله ﷺ في حديث أم عطية: «اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرًا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ». قوله ﷺ: «إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» استدلوا به على سنية الغسل.\n_________\n(^١) «البخاري» (١٢٦٣)، و«مسلم» (٩٣٩).\n(^٢) «البخاري» (١٢٥٦)، و«مسلم» (١٢٠٦).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٥٧).\n(^٤) «شرح فتح القدير» (٢/ ١٠٥).\n(^٥) «المجموع» (٥/ ١١٢).\n(^٦) «فتح الباري» (٣/ ١٢٦).","vol":"1","page":453},{"text":"واعترض عليه بأنَّ «إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» إن كان يحتمل معناه إن رأيتن الغسل فإن المعنى الأرجح إن رأيتن الزيادة في العدد؛ هو قول جمهور العلماء. والراجح: هو وجوب غسل الميت.\nالموجب الرابع من موجبات الغسل انقطاع الحيض والنفاس:\nدل على ذلك القرآن والسنة: قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، فلا يجوز إتيان الحائض والنفساء إلا بشرطين: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي انقطاع الدم، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فإذا اغتسلن من الحيض أو النفاس.\nوروى البخاري من حديث عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «لَا، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».\nفقوله ﷺ: «ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» دليل على وجوب الغسل من الحيض، فإذا انقطع دم الحيض والنفاس وحضرت الصلاة وجب الاغتسال، وذلك لأداء الصلاة لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.\nقال النووى: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِسَبَبِ الْحَيْضِ وَبِسَبَبِ النِّفَاسِ، وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَآخَرُونَ (^١).\n* * *\n_________\n(^١) «المجموع» (٢/ ١٦٨) وممن نقل الإجماع أيضًا الكاساني «بدائع الصنائع» (١/ ١٣٨) وابن مفلح كما في «المبدع» (١/ ١٨٥)، وغيرهما، قال ابن المنذر «الأوسط» (٢/ ٢٤٨): أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أن على النفساء الاغتسال عند خروجها من النفاس. وقال ابن حزم «المحلى» (مسألة ٢٦١): وكذلك الغسل من النفاس واجب بالإجماع.","vol":"1","page":454},{"text":"<span data-type='title' id=toc-410>الفصل الثاني فروض الغسل</span>\nوهي ثلاثة\n\n<span data-type='title' id=toc-411>الفرض الأول: الماء الطهور مع القدرة عليه:</span>\nقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الحدث لا يُرفع بسائل آخر غير الماء كالزيت والدهن والمرق (^١).\nوقال في موضع آخر: وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فَالطَّهَارَةُ عَلَى ظَاهِرِ كِتَابِ اللهِ بِكُلِّ مَاءٍ إِلَّا مَاءً مَنَعَ مِنْهُ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ أَوْ إِجْمَاعٌ، وَالْمَاءُ الَّذِي مَنَعَ الْإِجْمَاعَ مِنَ الطَّهَارَةِ بِهِ الْمَاءُ الَّذِي يَغْلُبُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ بِلَوْنٍ أَوْ طَعْمٍ أَوْ رِيحٍ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-412>الفرض الثاني: النية:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن النية شرط لصحة الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر (^٣).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وبعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».\n_________\n(^١) «الأوسط» (١/ ٢٥٣).\n(^٢) «الأوسط» (٢/ ٢٦٨).\n(^٣) «حاشية الدسوقي» (١/ ٨٥)، «المجموع» (١/ ٣٥٥)، «المغني» (١/ ١٥٦).","vol":"1","page":455},{"text":"وذهب الحنفية (^١) إلى أن النية سنة.\nوسبب اختلافهم ما قاله ابن رشد: تَرَدُّدُ الْوُضُوءِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً مَحْضَةً - أَعْنِي: غَيْرَ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا الْقُرْبَةُ فَقَطْ كَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا- وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً مَعْقُولَةَ الْمَعْنَى كَغَسْلِ النَّجَاسَةِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الْعِبَادَةَ الْمَحْضَةَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى النِّيَّةِ، وَالْعِبَادَةَ الْمَفْهُومَةَ الْمَعْنَى غَيْرُ مُفْتَقِرَةٍ إِلَى النِّيَّةِ، وَالْوُضُوءُ فِيهِ شَبَهٌ مِنَ الْعِبَادَتَيْنِ؛ وَلِذَلِكَ وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَجْمَعُ عِبَادَةً وَنَظَافَةً، وَالْفِقْهُ أَنْ يُنْظَرَ بِأَيِّهِمَا هُوَ أَقْوَى شَبَهًا فَيُلْحَقَ بِهِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-413>الفرض الثالث: تعميم الجسد بالماء:</span>\nاتفق العلماء على أن تعميم الجسد كله بالماء فرض من فروض الغسل.\nنقل الإجماع على ذلك النووي (^٣) وغيره لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] وعموم قول النبي ﷺ للرجل الذي أصابته الجنابة: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ».\n* * *\n_________\n(^١) «شرح فتح القدير» (١/ ٣٢)، «بدائع الصنائع» (١/ ١٩).\n(^٢) «بداية المجتهد» (١/ ١٠٣).\n(^٣) «المجموع» (٢/ ٢١٢).","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type='title' id=toc-414>الفصل الثالث آداب الغسل</span>\nوفيه مبحثان\nالمبحث الأول: عدم الإسراف في الماء مع إسباغ الوضوء\nوالغسل.\nالمبحث الثاني: وجوب ستر العورة وفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: أن يستتر عن أعين الناس.\nالمطلب الثاني: عدم كشف العورة في الخلوة من غير حاجة.\nالمطلب الثالث: جواز كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا.\nالمطلب الرابع: حكم دخول الحمام.\nالمطلب الخامس: هل يقاس حكم المَصِيف على حكم الحمامات؟","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type='title' id=toc-415>المبحث الأول\nعدم الإسراف في الماء مع إسباغ الوضوء والغسل</span>\nقال النووي: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى ذَمِّ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: كَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي: حَرَامٌ (^١).\nوقال في موضع آخر: وَالْإِسْرَافُ مَكْرُوهٌ بِالِاتِّفَاقِ (^٢).\nواتفق العلماء على أنه لا يُشترط قدر معين في ماء الغسل.\nقال النووي: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَاءَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ لا يُشترط فِيهِ قَدْرٌ مُعِينٌ، بَلْ إذَا اسْتَوْعَبَ الْأَعْضَاءَ كَفَاهُ بِأَيِّ قَدْرٍ كَانَ، وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ الطَّبَرِيُّ (^٣).\nوإذا كان لا يُشترط قدر معين في الغسل، فهل يستحب أن يغتسل بالصاع؟\nذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب الغسل بالصاع (^٤).\nوذهب الحنفية إلى أن أدنى ما يكفي في الغسل من الماء صاع (^٥).\nواستدلوا بما روى البخاري من طريق أَبي جَعْفَرٍ، أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله هُوَ وَأَبُوهُ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ فَسَأَلُوهُ عَنِ الغُسْلِ، فَقَالَ: «يَكْفِيكَ صَاعٌ»، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي.\n_________\n(^١) «المجموع» (٢/ ٢٢٠).\n(^٢) «المجموع» (١/ ٢٩٤).\n(^٣) «المجموع» (٢/ ٢١٩).\n(^٤) «المجموع» (١/ ٢٩٤)، «الفروع» (١/ ٢٠٥)، «كشاف القناع» (١/ ١٥٥).\n(^٥) «بدائع الصنائع» (١/ ٣٥).","vol":"1","page":458},{"text":"فَقَالَ جَابِرٌ: «كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا، وَخَيْرٌ مِنْكَ» ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ (^١).\nوروى مسلم من حديث سَفِينَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُغَسِّلُهُ الصَّاعُ مِنَ الْمَاءِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيُوَضِّئُهُ الْمُدُّ» (^٢).\nوذهب المالكية إلى أنه لا تقدير في ماء الغسل مطلقًا.\nواستدلوا بأن الأحاديث التي وردت عن رسول الله ﷺ في مقدار الماء الذي يغتسل به مقادير متفاوتة، فدل ذلك على أنه ليس هناك مقدار معين يمكن استحبابه، بل المراد هو إحكام الغسل مع عدم الإسراف في الماء.\nروى مسلم من حديث عَائِشَةَ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ» (^٣).\nوروى مسلم عن سَفِينَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُغَسِّلُهُ الصَّاعُ مِنَ الْمَاءِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيُوَضِّئُهُ الْمُدُّ» (^٤).\nوفي الصحيحين من حديث أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ» (^٥).\nوفي الصحيحين عن عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ الفَرَقُ» (^٦). قال ابن عيينة والشافعي: هو ثلاثة آصع (^٧).\n_________\n(^١) «البخاري» (٢٥٢).\n(^٢) «مسلم» (٣٣٦).\n(^٣) «مسلم» (٣٢١).\n(^٤) «مسلم» (٣٣٦).\n(^٥) «البخاري» (٢٠١)، و«مسلم» (٣٢٦).\n(^٦) «البخاري» (٢٥٠)، و«مسلم» (٣١٩).\n(^٧) «فتح الباري» (٢٠١).","vol":"1","page":459},{"text":"ففي هذه الأحاديث ما يدل على أنه لا يستحب مقدار معين في الغسل.\nقال ابن عبد البر: أَجْمَعُوا على أَنَّ الْمَاءَ لَا يُكَالُ لِلْوُضُوءِ وَلَا لِلْغُسْلِ، مَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِحَدِيثِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ وَمَنْ قَالَ بِحَدِيثِ الْفَرَقِ - لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ لَا يُكَالُ (الْمَاءُ) لِوُضُوءٍ وَلَا لِغُسْلٍ، لَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَلَوْ كَانَتِ الْآثَارُ فِي ذَلِكَ عَلَى التَّحْدِيدِ الَّذِي لَا يُتَجَاوَزُ اسْتِحْبَابًا أَوْ وُجُوبًا مَا كَرِهُوا الْكَيْلَ بَلْ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَهُ اقْتِدَاءً وَتَأَسِّيًا بِرَسُولِ الله ﷺ وَلَا يَكْرَهُونَهُ (^١).\nوقال ابن حجر: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالِ فِي ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَدَّرَ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ بِمَا ذَكَرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، كَابْنِ شَعْبَانَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَكَذَا مَنْ قَالَ بِهِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِمْ لَهُ فِي مِقْدَارِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ (^٢).\nوالراجح: أن مقدار الماء الذي يغتسل به ليس له حد معين، بل يختلف باختلاف الأشخاص وعلى حَسَب وجود الماء من عدمه، والإسراف نسبي، بل المراد إحكام الغسل مع عدم الإسراف في الماء، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) «التمهيد» (٨/ ١٠٥).\n(^٢) «فتح الباري» شرح حديث (٢٠١).","vol":"1","page":460},{"text":"<span data-type='title' id=toc-416>المبحث الثاني\nوجوب ستر العورة</span>\nوفيه خمسة مطالب\n\n<span data-type='title' id=toc-417>المطلب الأول: أن يستتر عن أعين الناس:</span>\nستر العورة عن نظر الأجانب واجب، وكَشْف العورة لناظر من غير حاجة محرم بالكتاب والسنة والإجماع.\nقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠].\nوروى مسلم من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ» (^١).\nقال النووي: فَسَتْرُ الْعَوْرَةِ عَنِ الْعُيُونِ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-418>المطلب الثاني: عدم كشف العورة في الخلوة من غير حاجة:</span>\nاختلف أهل العلم في حكم كشف العورة في الخلوة من غير حاجة على قولين:\nالقول الأول: يحرم كشف العورة في الخلوة من غير حاجة وهو قول في مذهب الحنفية والأصح عند الشافعية والمشهور عند الحنابلة (^٣).\nواستدلوا بما روى أحمد من حديث بَهْزٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله فَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ: «إِنِ\n_________\n(^١) «مسلم» (٣٣٨).\n(^٢) «المجموع» (٣/ ١٦٦).\n(^٣) «حاشية الطحاوي» (ص/ ٣٦)، «شرح النووي لمسلم» (٤/ ٣٢)، «الفروع» (١/ ٣٢٩).","vol":"1","page":461},{"text":"اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا». قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: «فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ» (^١).\nقال ابن حجر: حَدِيثِ بَهْزٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعَرِّيَ فِي الْخَلْوَةِ غَيْرُ جَائِزٍ مُطْلَقًا.\nقال الشوكاني: أصل ستر العورة الوجوب، فلا يحل كشف شيء منها إلا لضرورة كما يكون عند خروج الحاجة فالاستتار قبل حالة الخروج واجب، فيكشف عورته حال الانحطاط لخروج الخارج لا حال كونه قائمًا ولا حال كونه ماشيًا إلى قضاء الحاجة (^٢).\nالقول الآخر: ذهب الحنفية والمالكية ووجه عند الشافعية إلى أنه يُكره كشف العورة من غير حاجة (^٣). واستدلوا بأن عورة الإنسان بضعة منه، ولا يحرم عليه النظر إلى أي جزء من جسمه، فكما أنه يباح النظر إلى عورة زوجته وما ملكت يمينه، فعورته أَوْلى بالجواز، وتحريم النظر إلى عورة الغير هي من باب تحريم الوسائل حتى لا يكون وسيلة في الوقوع في المحرم، وهذا منتفٍ في نظره إلى عورته، وإنما يستحب الستر لقوله ﷺ: «فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ».\nوالراجح: القول باستحباب ستر العورة إذا كان الإنسان خاليًا، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-419>المطلب الثالث: جواز كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا:</span>\nذهب جماهير العلماء إلى جواز كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا (^٤).\nوفي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى ﷺ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ!! فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ،\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) «السيل الجرار» (١/ ٦٤).\n(^٣) «المبسوط» (٣/ ٢٦٥)، «الفواكه الدواني» (٢/ ٥٩٥).\n(^٤) «المبسوط» (٣٠/ ٢٦٥)، «حاشية العدوي» (٢/ ٥٩٥)، «المجموع» (٢/ ٢٢٧)، «المغني» (١/ ١٤٦).","vol":"1","page":462},{"text":"فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ، يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ!! حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، فَقَالُوا: وَالله مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ!! وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا» (^١). فموسى ﵇ كليم الله اغتسل عريانًا.\nوروى البخاري: من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَى رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ» (^٢).\nوجه الدلالة ما قاله الشوكاني: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَصَّ الْقِصَّتَيْنِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْ شَيْئًا مِنْهُمَا، فَدَلَّ عَلَى مُوَافَقَتِهِمَا لِشَرْعِنَا، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ فِيهِمَا شَيْءٌ غَيْرُ مُوَافِقٍ لَبَيَّنَهُ (^٣).\nوذهب ابن أبي يعلى إلى أنه لا يجوز كشف العورة للغسل إذا كان خاليًا (^٤).\nواستدل بحديث بهز: فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: «فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ».\nواعترض عليه بأن موسى اصطفاه الله بكلامه وبرسالاته اغتسل عريانًا. وأيوب نبي الله الصابر المحتسب اغتسل، وأقرهما خاتم الأنبياء والمرسلين، ودل ذلك على الإباحة.\nواستدل بما روى ابن عدي عن جابر، قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ: «لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمُ الْمَاءَ إِلا بِمِئْزَرٍ فَإِنَّ للماء عامرًا» (^٥). واعترض عليه بأن الحديث موضوع.\nوالراجح: مذهب جمهور العلماء، أي جواز كشف العورة للغسل إذا كان خاليًا.\n_________\n(^١) «البخاري» (٢٧٨)، و«مسلم» (٣٣٩).\n(^٢) «البخاري» (٧٤٩٣).\n(^٣) «نيل الأوطار» (١/ ٣١٨).\n(^٤) «طرح التثريب» (٢/ ٢٢٥).\n(^٥) موضوع: الكامل في ضعفاء الرجال (٧/ ١٩٤)، وفي إسناده يحيى بن سعيد، قال النسائي: يروي عن الزهري أحاديث موضوعة.","vol":"1","page":463},{"text":"<span data-type='title' id=toc-420>المطلب الرابع: حكم دخول الحمام </span>(^١):\nاختلف أهل العلم في حكم دخول الحمام، فمنهم من منع ومنهم من أجاز.\nوممن حرم دخول الحمام: علي وابن عمر ﴿.\nفعن عليّ قَالَ: «بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ» (^٢).\nوعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَا تَدْخُلِ الْحَمَّامَ؛ فَإِنَّهُ مِمَّا أَحْدَثُوا مِنَ النَّعِيمِ» (^٣).\nأدلة من قال بجواز دخول الحمام: استدلوا بالسنة: فعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «احْذَرُوا بَيْتًا يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! يُنَقِّي الْوَسَخَ. قَالَ: «فَاسْتَتِرُوا» (^٤). فأجاز رسول الله ﷺ الحمام مع الاستتار.\nواعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nوأما دليلهم من المأثور: فعن ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ دَخَلَ حَمَّامَ الْجُحْفَةِ» (^٥).\nوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «نِعْمَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ، يُذْهِبُ الدَّرَنَ، وَيُذَكِّرُ النَّارَ» (^٦).\n_________\n(^١) (الْحَمِيمُ) الْمَاءُ الْحَارُّ و(اسْتَحَمَّ) أَيِ: اغْتَسَلَ بِالْحَمِيمِ. أي: الماء الحار. حمام، بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَهُوَ بَيْتُ الْمَاءِ الْمُعَدُّ لِلْحُمُومِ فِيهِ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ لِتَنْظِيفِ الْبَدَنِ وَالتَّدَاوِي.\nانظر: «مختار الصحاح» (ص ١٥٧)، و«الشرح الكبير» (٤/ ٤٣).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة «المصنف» (١/ ١٠٣).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة «المصنف» (١/ ١٠٣)، وفي «المطالب العالية» عن ابن سيرين قال: كان عمر بن الخطاب يكرهه، وابن سيرين لم يسمع من عمر.\n(^٤) ضعيف: معل بالإرسال، أخرجه البزار (٢١١)، و«كشف الأستار» (٣١٩)، قال عتبة: وهذا رواه الناس عن طاوس مرسلًا ولا نعلم أحدًا وصله إلا يوسف عن يعلى عن الثوري عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس، ورواه ابن أبي شيبة (١/ ١٠٥)، عن وكيع عن سفيان عن ابن طاوس عن أبيه رفعه، ورواه عبد الرزاق (١١١٦)، عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه مرسلًا، فالصحيح فيه الإرسال.\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة «المصنف» (١/ ١٠٣).\n(^٦) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة «المصنف» (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":464},{"text":"أدلة مَنْ فرَّق فأباح دخول الحمام للرِجال وحرم على النساء: ما رواه الطيالسي عَنْ أَبِي مَلِيحٍ الْهُذَلِيِّ، أَنَّ نِسَاءً مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ أَوْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ دَخَلْنَ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَنْتُنَّ اللَّاتِي يَدْخُلْنَ نِسَاؤُكُنَّ الْحَمَّامَاتِ؟! سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَضَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتَ زَوْجِهَا إِلَّا هَتَكَتِ السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ» (^١).\nوروى أحمد من حديث عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَنِ الْحَمَّامَاتِ، ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا فِي الْمَآزِرِ (^٢).\nوالراجح: أنه قد يكون دخول الحمام محرمًا إذا اشتمل على فعل محرم، وذلك إذا ترتب عليه تكشف للعورات، وإضاعة للصلوات، وإذا كان فيه اختلاط النساء بالرجال. وقد قالت عائشة: «لَوْ رَأَى رَسُولُ الله ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ» (^٣). فهذا قولها في المساجد التي زجر النبي ﷺ الرجال أن يمنعوهن إذا أردن الخروج إليها، فكيف بالحمامات؟! وقد يكون دخول الحمام واجبًا إن اغتسل في غير حمام خيف عليه الموت أو المرض، فلا يجوز الاغتسال في غير حمام حينئذٍ، وقد يكون مستحبًّا مثل غسل الجمعة إذا لم يوجد مكان غير الحمام، وقد يكون مكروهًا كأن يترتب عليه الوقوع في بعض المكروهات كالإسراف في الماء.\n\n<span data-type='title' id=toc-421>المطلب الخامس: هل يقاس حكم اَلِمصيف على حكم الحمامات؟</span>\nيحرم المكث في المصيف إذا كان فيه إضاعة للصلوات وتكشف للعورات واختلاط للنساء بالرجال وسماع للموسيقى.\nوإذا كان هذا المصيف ليس فيه إضاعة للصلوات ولا ارتكاب للمحرمات ولا تكشف للعورات ولا اختلاط الرجال بالنساء، أبيح.\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه الطيالسي (١٥١٨)، عن شعبة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبي مليح\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (٦/ ١٣٢)، وفي إسناده أبو عذرة: مجهول، وفي الباب حديث عمر وأبي هريرة وجابر وأبي أيوب. ولا يصح حديث.\n(^٣) «البخاري» (٨٦٩)، و«مسلم» (٤٤٥).","vol":"1","page":465},{"text":"الفصل الرابع صفة غسل الجنابة\nوفيه تسعة مباحث\nالمبحث الأول: حكم التسمية في أول الغسل.\nالمبحث الثاني: يُسن غسل فرجه وما أصابه من أذى قبل الاغتسال.\nالمبحث الثالث: سنن قبل الوضوء:\nالسنة الأَولى: غسل اليدين بعد غسل الفرج وقبل الوضوء.\nوهل يغسل يديه أو اليمنى فقط؟\nالسنة الثانية: استحباب غسل الكفين في ابتداء الغسل.\nالمبحث الرابع: استحباب الوضوء في غسل الجنابة: وفيه أحد عشر مطلبًا:\nالمطلب الأول: يستحب الوضوء في غسل الجنابة\nالمطلب الثاني: يستحب تقديم الوضوء على الغسل إلا الرجلين\nفيستحب تأخيرهما بعد الغسل.\nالمطلب الثالث: إذا اغتسل بدون وضوء فهل يرتفع الحدث الأصغر؟","vol":"1","page":466},{"text":"المطلب الرابع: السنة في وضوء الغسل مرة مرة إلا غسل الكفين ثلاثًا،\nوغسل الرأس ثلاثًا.\nالمطلب الخامس: في استحباب المضمضة والاستنشاق في الغسل.\nالمطلب السادس: هل يستحب غسل الرأس في وضوء الغسل أو المسح؟\nالمطلب السابع: استحباب تخليل شعر الرأس في غسل الجنابة:\nالمطلب الثامن: هل يقاس تخليل شعر اللحية على تخليل شعر الرأس؟\nالمطلب التاسع: استحباب التثليث في غسل الرأس.\nالمطلب العاشر: هل تنقض المرأة الضفائر في غسل الجنابة؟\nالمطلب الحادي عشر: هل يجب غسل ظاهر الشعر فقط\nأم يجب غسل ظاهره وباطنه؟\nالمبحث الخامس: استحباب التيامن في الاغتسال.\nالمبحث السادس: حكم غسل البدن ثلاث مرات.\nالمبحث السابع: حكم تأخير غسل الرجلين.\nالمبحث الثامن: الموالاة في غسل الجنابة.\nالمبحث التاسع: تدليك البدن في الغسل.","vol":"1","page":467},{"text":"<span data-type='title' id=toc-422>الفصل الرابع\nصفة غسل الجنابة</span>\nوفيه تسعة مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-423>المبحث الأول: حكم التسمية في أول الغسل:</span>\nاختلف العلماء في حكم التسمية في بداية الغسل على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: ذهب الحنفية والشافعية إلى أن التسمية سنة (^١).\nواستدلوا بما روى أحمد من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «كُلُّ كَلَامٍ أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ الله، فَهُوَ أَبْتَرُ - أَوْ قَالَ: أَقْطَعُ» (^٢).\nواعترض على هذا الحديث من وجهين:\nالأول: أن هذا الحديث ضعيف.\nالثاني: لو صح فهو حديث عام وليس كل عبادة تُشرع فيها التسمية، فقد تكون التسمية بدعة كالتسمية في الأذان وفي الإقامة وفي الحج والعمرة، وقد تكون التسمية شرطًا كالتسمية للذبح، وقد تكون مستحبة كما في قراءة القرآن وفي بداية الأكل، فليس كل فعل تُشرع فيه التسمية (^٣).\nواستدلوا بأن التسمية مستحبة في الطهارة الصغرى فكانت مستحبة في الطهارة الكبرى\n_________\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (١/ ١٥٦)، و«حاشية الطحاوي» (ص/ ٦٧)، و«المجموع» (٢/ ٥١٠).\n(^٢) ضعيف: وقد سبق تخريجه.\n(^٣) قال القرافي «أنواع البروق في أنواع الفروق» (١/ ١٣٢): فأما ضابط ما تشرع فيه التسمية من القربات وما لم تشرع فيه فقد وقع بحث مع جماعة من الفضلاء، وعسر تحرير ذلك وضبطه، والقصد من هذا الفرق بيان عسره والتنبيه على طلب البحث عن ذلك، فإن الإنسان قد يعتقد أن هذا لا إشكال فيه، فإذا انتبه على الإشكال استفاده أو حثه ذلك على طلب جوابه.","vol":"1","page":468},{"text":"وقد قال ﷺ: «وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ».\nواعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله.\nالقول الثاني: ذهب الحنابلة إلى وجوب التسمية للغسل (^١).\nالقول الثالث: لا تستحب التسمية للجنب. وهو وجه عند الشافعية (^٢).\nواستدلوا بأن الأحاديث الصحيحة التي وردت في صفة الغسل لم تذكر فيها التسمية، ولو كانت التسمية مستحبة لذكرت في صفة الغسل وما كان ربك نسيًّا.\nوالراجح: أن التسمية لا تستحب في الغسل لعدم ثبوت التسمية في الغسل، مع أن الغسل يتكرر من النبي وقد حكت أمهات المؤمنين صفة غسل النبي الأمين، فلما لم تُذكر التسمية عن النبي الأمين ولاالصحابة الغر الميامين دل ذلك على أنها لا تستحب.\n\n<span data-type='title' id=toc-424>المبحث الثانى: يُسن غسل فرجه وما أصابه من أذى قبل الاغتسال:</span>\nدل على ذلك ما ورد في الصحيحين من حديث مَيْمُونَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ» (^٣). فيسن غسل فرجه قبل الاغتسال.\nقال ابن تيمية: الاستنجاء من المني فعل النبي ﷺ وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-425>المبحث الثالث: سنن وآداب قبل الوضوء:</span>\nالسنة الأَوْلى: غسل اليدين قبل الاستنجاء.\nروى البخاري عن ابن عباس عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: «سَتَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى\n_________\n(^١) الفروع (١/ ٢٠٤)، الإنصاف (١/ ٢٥٢).\n(^٢) المجموع (٢/ ٢١٠).\n(^٣) «البخاري» (٢٦٠)، و«مسلم» (٣١٧).\n(^٤) «شرح العمدة» (١/ ١٦٢).","vol":"1","page":469},{"text":"الحَائِطِ أَوِ الأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ.\nفدل هذا الحديث أن غسل الكفين يكون عند ابتداء الغسل وقبل الاستنجاء، وفي هذا الحديث أن غسل اليدين كان قبل غسل الفرج بلفظ (ثم) وهي تفيد الترتيب.\nوقد ورد عند البخاري أيضًا من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «تَوَضَّأَ رَسُولُ الله ﷺ وُضُوءهُ لِلصَّلَاةِ، غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاءَ.\nوهنا إشكال وهو أنا ذكرنا آنفًا أن غسل الفرج قبل الوضوء وفي هذا الحديث ذكر غسل الفرج بعد الوضوء.\nوأجاب عن هذا الإشكال ابن حجر فقال: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ لِأَنَّ غَسْلَ الْفَرْجِ كَانَ قَبْلَ الْوُضُوءِ إِذِ الْوَاوُ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ السَّتْرِ فِي الْغُسْلِ، فَذَكَرَ أَوَّلًا غَسْلَ الْيَدَيْنِ ثُمَّ غَسْلَ الْفَرْجِ ثُمَّ مَسْحَ يَدَهُ بِالْحَائِطِ ثُمَّ الْوُضُوءَ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَأَتَى بِثُمَّ الدَّالَّةِ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ (^١).\nوهل يغسل يديه أو اليمنى فقط؟\nيغسل يديه كلتيهما، وبهذا قال جماهير أهل العلم، ودلت على ذلك السنة.\nورجح بعض المالكية غسل يده اليمنى فقط.\nواستدلوا لذلك بالسنة والمأثور والمعقول:\nأما السنة: ففي البخاري من حديث ميمونة: «فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ».\nفهذا يعني غسل اليمنى فقط.\nواعترض عليه من وجهين:\nالوجه الأول: أن أكثر الروايات عن ميمونة «صَبَّ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا».\n_________\n(^١) «فتح الباري» شرح حديث (٢٤٩).","vol":"1","page":470},{"text":"ولو أسقطنا حديث ميمونة للخلاف فيه، فقد روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ» (^١).\nالوجه الثاني: أن كلمة (يده) مفرد مضاف فتعم كلتا يديه.\nأما المأثور: فعن ابْنِ عُمَرَ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، بَدَأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، فَغَسَلَهَا (^٢).\nواعترض بأن أثر الصحابي يسقط الاستدلال به إذا صح الحديث بخلافه.\nأما دليلهم من المعقول فهو ما قاله الباجي: وَيَكْفِي غَسْلُ الْيُمْنَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِيُمَكِّنَّهُ غَرْفُ الْمَاءِ بِهَا، وَلَا مَعْنَى لِغَسْلِ الْيَدِ الْيُسْرَى مَعَهَا لِأَنَّهُ يَغْسِلُ بِهَا فَرْجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُبَاشِرُ النَّجَاسَةَ وَلَا يُبَاشِرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِيُمْنَاهُ فَلِذَلِكَ غَسَلَهَا لِيَتَنَاوَلَ بِهَا الْمَاءَ (^٣).\nواعترض عليه بأنه لا قياس مع النص.\nوالراجح: ما ذهب إليه جماهير العلماء، أي أنه يغسل يديه كلتيهما قبل الوضوء وقبل غسل الفرج.\nالسنة الثانية: استحباب غسل الكفين في ابتداء الغسل:\nذهب جمهور أهل العلم إلى أن غسل الكفين في غسل الجنابة من مرة إلى ثلاث مرات، وعلى ذلك دلت النصوص، وبه قال الأئمة الأربعة (^٤).\nوروى أحمد أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ أَفْرَغَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى،\n_________\n(^١) «البخاري» (٢٤٨).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه مالك «الموطأ» (١٠٢) عن نافع عن ابن عمر.\n(^٣) «المنتقى» للباجي (١/ ٩٥).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (١/ ٣٤)، «الفواكه الدواني» (١/ ١٤٧)، «المجموع» (٢/ ٢٠٩)، «الإنصاف» (١/ ٢٥٢).","vol":"1","page":471},{"text":"فَغَسَلَهَا سَبْعًا، قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي الْإِنَاءِ (^١). واعترض عليه بأن إسناده لا يصح.\n\n<span data-type='title' id=toc-426>المبحث الرابع: استحباب الوضوء في غسل الجنابة وفيه أحد عشر مطلبًا:</span>\n<span data-type='title' id=toc-427>المطلب الأول: يستحب الوضوء في غسل الجنابة.</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن الوضوء في غسل الجنابة سنة (^٢).\nواستدلوا بأن النبي ﷺ قال للرجل الذي أصابته الجنابة: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» (^٣)، فأمره النبي ﷺ بإفراغ الماء على بدنه، ولو كان الوضوء واجبًا لأمره به.\nوقال النبي ﷺ لأم سلمة: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» (^٤)، ولم يذكر لها الوضوء، ولو كان واجبًا لأمرها به (وإنما) تدل على الحصر.\nقال القرافي: اتَّفَقَ أئمَّةُ الْفِقْهِ عَلَى أَنَّ الوُضُوء غَيْرُ وَاجِبٍ سَوَاءٌ طَرَأَتِ الْجَنَابَة على الْحَدث أَوْ الطَّهَارَة، إِلَّا الشَّافِعِي فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إِنْ كَانَ مُحْدِثًا قَبْلَ الْجَنَابَةِ. وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِدُخُولِهِ مَعَهُ إِذَا اجْتمعَا أَوْ سبقت الْجَنَابَة فَكَذَلِك هَهُنَا، وَلِأَنَّ الْكُبْرَى تَدْخُلُ فِي الْكُبْرَى فَالصُّغْرَى أَوْلى (^٥).\nوذهب داود الظاهري وأبو ثور ورواية عن أحمد (^٦) إلى أن الوضوء شرط لصحة الغسل، وهو قول ضعيف. واعترض عليه بما سبق من أدلة الجمهور.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٣٠٧)، وأبو داود (٢٤٦)، وفي إسناده: شعبة مولى ابن عباس، فيه ضعف.\n(^٢) «شرح فتح القدير» (١/ ٥٦)، «مختصر خليل» (ص ١٥)، «المجموع» (٢/ ٢١٥)، «الإنصاف» (١/ ٢٥٢).\n(^٣) «البخاري» (٣٣٧) في حديث طويل.\n(^٤) «مسلم» (٣٣٠).\n(^٥) «الذخيرة» (١/ ٣١٠).\n(^٦) «المجموع» (٢/ ٢١٥)، «الفروع» (١/ ٢٠٥).","vol":"1","page":472},{"text":"وقد حكى ابن جرير الإجماع على صحة الغسل بدون وضوء (^١).\nوالراجح: ما ذهب إليه جماهير العلماء من سنية الوضوء عند غسل الجنابة.\n\n<span data-type='title' id=toc-428>المطلب الثاني: يستحب تقديم الوضوء على الغسل إلا الرجلين فيستحب تأخيرهما بعد الغسل.</span>\nوعلى ذلك دلت السنة: روى البخاري عن ابن عباس عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: «سَتَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى الحَائِطِ أَوِ الأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ المَاءَ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ».\nومن العلماء من رأى غسل الرجلين مع الوضوء. واستدلوا بما رُوي في الصحيحين عن عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي المَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ (^٢). فدل ذلك على أن غسل الرجلين كان مع الوضوء.\nفالسنة تقديم الوضوء على الغسل إلا الرجلين، لكنه مخير بين تأخير غسل الرجلين إلى نهاية الغسل، أو غسل الرجلين مع الوضوء، فكل ذلك من السنة للجمع بين الأدلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-429>المطلب الثالث: إذا اغتسل بدون وضوء فهل يرتفع الحدث الأصغر؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجزئ الغسل عن الوضوء مطلقًا، وبهذا قال الحنفية والمالكية وأصح الأقوال في مذهب الشافعية (^٣). وهو قول ابن تيمية (^٤).\n_________\n(^١) «المجموع» (٢/ ٢١٥).\n(^٢) «البخاري» (٢٤٨)، و«مسلم» (٣١٦).\n(^٣) «البناية» (١/ ١٧٣)، «البحر الرائق» (١/ ٢٤)، «الشرح الصغير» (١/ ١٧٣)، «حاشية الدسوقي» (١/ ١٤٠)، «المجموع» (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥).\n(^٤) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٩٦).","vol":"1","page":473},{"text":"واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣].\nفأباح الله الصلاة بالاغتسال من غير وضوء، فدل ذلك على أن من اغتسل وهو محدث حدثًا أكبر وأصغر من غير وضوء أن له أن يصلي بهذا الغسل.\nوالقرآن على أنه لا يجب على الجنب إلا الاغتسال، وأنه إذا اغتسل جاز له أن يقرب الصلاة، والمغتسل من الجنابة ليس عليه نية رفع الحدث الأصغر كما في قصة الرجل الذي أصابته الجنابة قال له النبي ﷺ: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» (^١) ولم يطلب إلا إفراغ الماء على بدنه وله أن يصلي بهذا الغسل ولم يطلب منه الوضوء.\nوقال الرسول ﷺ لأم سلمة: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٣٣٧) في حديث طويل.\n(^٢) مسلم (٣٣٠) قال ابن تيمية «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٩٦): لَا يَجِبُ عَلَى الْجُنُبِ إلَّا الِاغْتِسَالُ وَأَنَّهُ إذَا اغْتَسَلَ جَازَ لَهُ أَنْ يَقْرَبَ الصَّلَاةَ. وَالْمُغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ. كَمَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. وَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد: أَنَّ عَلَيْهِ نِيَّةَ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَكَذَلِكَ لَيْسَ عَلَيْهِ فِعْلُ الْوُضُوءِ وَلَا تَرْتِيبٌ وَلَا مُوَالَاةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ الْقُرْآنُ يَقْتَضِي: أَنَّ الِاغْتِسَالَ كَافٍ. وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ حَدَثٌ آخَرُ، بَلْ صَارَ الْأَصْغَرُ جُزْءًا مِنْ الْأَكْبَرِ، كَمَا أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْأَصْغَرِ جُزْءٌ مِنْ الْوَاجِبِ فِي الْأَكْبَرِ فَإِنَّ الْأَكْبَرَ يَتَضَمَّنُ غَسْلَ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمِّ عَطِيَّةَ وَاَللَّوَاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءِ وَسِدْرٍ، وَابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا». فَجَعَلَ صِفَةَ غَسْلِ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ جُزْءًا مِنِ الْغُسْلِ لَكِنَّهُ يُقَدَّمُ كَمَا تُقَدَّمُ الْمَيَامِنُ. وَكَذَلِكَ الَّذِينَ نَقَلُوا غُسْلَهُ كَعَائِشَةَ ذَكَرَتْ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى شَعْرِهِ ثُمَّ عَلَى سَائِرِ بَدَنِهِ. وَلَا يَقْصِدُ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ. فَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ لَا يَغْسِلَانِ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ وَلَا يَنْوِيَانِ وُضُوءًا بَلْ يَتَطَهَّرَانِ وَيَغْتَسِلَانِ كَمَا أَمَرَ الله تَعَالَى. وَقَوْلُهُ: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ أَرَادَ بِهِ الِاغْتِسَالَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَيْضِ: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أَرَادَ بِهِ الِاغْتِسَالَ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: لَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ إلَّا بِهِمَا. وَقِيلَ: لَا يَرْتَفِعُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ.","vol":"1","page":474},{"text":"فاكتفى بالإفاضة ولم يذكر الوضوء (وإنما) للحصر، والطهارة الكبرى متضمنة للطهارة الصغرى، ولأنه يلزم من رفع الأكبر رفع الأصغر.\nالقول الثاني: إذا لم ينو رفع الحدث الأصغر بالغسل لم يرتفع.\nوهذا القول نص عليه أحمد وهو وجه عند الشافعية (^١).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».\nواعترض عليه بأنه إذا ارتفع الحدث الأكبر فهذا متضمن لارتفاع الحدث الأصغر.\nالقول الثالث: لا يرتفع الحدث الأصغر حتى يتوضأ، سواء توضأ قبل الغسل أو توضأ بعده، وهو أحد قولي الشافعي وقول عند الحنابلة (^٢).\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء أنه يجزئ الغسل عن الوضوء، وقد دل على ذلك القرآن ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.\nوقال النبي ﷺ: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» ولم يشترط الوضوء.\nقال شيخ الإسلام: الَّذِينَ نَقَلُوا صِفَةَ غُسْلِهِ كَعَائِشَةَ ﵄ ذَكَرَتْ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى شَعْرِهِ ثُمَّ عَلَى سَائِرِ بَدَنِهِ، وَلَا يَقْصِدُ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ وَكَانَ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْل (^٣).\nوقال ابن حزم: وَأَمَّا غُسْلُ الْجَنَابَةِ وَالْوُضُوءِ فَإِنَّهُ أَجْزَأَ فِيهِمَا عَمَلٌ وَاحِدٌ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لَهُمَا جَمِيعًا (^٤).\nوفي «الشرح الصغير» قال: وضوء الجنب لا يبطله إلا الجماع (^٥).\n_________\n(^١) «كشاف القناع» (١/ ٨٩)، «المجموع» (٢/ ٢٢٣).\n(^٢) «المجموع» (٢/ ٢٢٣)، «شرح العمدة» (١/ ٣٧٦).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٩٧).\n(^٤) «المحلى» (مسألة ٩٥).\n(^٥) «الشرح الصغير» (١/ ١٧٦).","vol":"1","page":475},{"text":"<span data-type='title' id=toc-430>المطلب الرابع: السنة في وضوء الغسل مرة مرة إلا غسل الكفين ثلاثًا.</span>\nاختلف العلماء في وضوء الغسل، هل يغسل أعضاء الوضوء مرة واحدة أو ثلاثًا:\nفذهب جمهور العلماء إلى أنه يسن في وضوء الغسل أن يكون ثلاثًا ثلاثًا، وبه قال الحنفية ووجه في مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَة بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ. وإذا كان يستحب التثليث في وضوء الصلاة، فكذا وضوء الغسل.\nواستدلوا أيضًا بما روى أحمد: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْ جَنَابَةٍ يَغْسِلُ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَأْخُذُ بِيَمِينِهِ لِيَصُبَّ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ حَتَّى يُنَقِّيَهُ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَهُ غَسْلًا حَسَنًا، ثُمَّ يُمَضْمِضُ ثَلَاثًا، وَيَسْتَنْشِقُ ثَلَاثًا، وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَغْتَسِلُ، فَإِذَا خَرَجَ غَسَلَ قَدَمَيْه (^٢).\nالسنة في وضوء الغسل مرة مرة إلا غسل الكفين ثلاثًا، وغسل الرأس ثلاثًا وهو الصحيح.\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (١/ ٣٤)، و«حاشية الدسوقي» (١/ ١٣٦)، و«مغني المحتاج» (١/ ٧٣)، «الفروع» (١/ ٢٠٤)\n(^٢) ضعيف: مدار الحديث على أبي سلمة عن عائشة ويرويه عن أبي سلمة عطاء بن السائب ويرويه عن عطاء حماد بن سلمة عند أحمد (٦/ ٩٦) وزائدة عند ابن أبي شيبة (١/ ٦٤) وذكر المضمضة والاستنشاق ثلاثًا ولم يذكر غسل الوجه واليدين وعمر بن عبيد، أخرجه النسائي (٢٤٣) وخالفهم شعبة فرواه عن عطاء ولم يذكر التثليث أخرجه أحمد (١/ ١٧٣/ ١٧٤)، قال ابن معين: ليث بن أبي سليم ضعيف مثل عطاء بن السائب، وجميع من روى عن عطاء روى عنه في الاختلاط إلا شعبة وسفيان.\nوخالف عطاء، بكير بن عبد الله كما عند مسلم (٣٢١) فرواه عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عن عَائِشَةُ قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ بَدَأَ بِيَمِينِهِ، فَصَبَّ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ، فَغَسَلَهَا، ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الْأَذَى الَّذِي بِهِ بِيَمِينِهِ، وَغَسَلَ عَنْهُ بِشِمَالِهِ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ. فبكير أوثق من عطاء مع ماحدث عليه من اختلاف، فذكر التثليث لا يصح.","vol":"1","page":476},{"text":"والقول الآخر: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ، فَغَسَلَ قدميه (^١).\nوفي البخاري من حديث عائشة: فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا، وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا (^٢).\nوروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَبَدَأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-431>المطلب الخامس: في استحباب المضمضة والاستنشاق في الغسل:</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: ذهب الحنفية إلى أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الغسل مسنونان في الوضوء (^٤).\nواستدلوا بالقرآن والسنة:\nأما القرآن فعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ والطهارة تشمل جميع البدن ويدخل في ذلك تنظيف الفم بالمضمضة وتنظيف الأنف بالاستنشاق.\nأما دليلهم من السنة فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ لِلْجُنُبِ ثَلَاثًا فَرِيضَةً (^٥). واعترض عليه بأنه باطل.\n_________\n(^١) البخاري (٢٦٥) ومسلم (٣١٧).\n(^٢) البخاري (٢٤٨).\n(^٣) مسلم (٣١٦).\n(^٤) شرح فتح القدير (١/ ٢٥/ ٢٦) بدائع الصنائع (١/ ٣٤).\n(^٥) باطل: أخرجه الدارقطني (١/ ١١٥) وسقط من السند ابن سيرين كما في العلل (٣/ ١٠٨) وقال: هَذَا بَاطِلٌ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا بَرَكَةُ، وَبَرَكَةُ هَذَا يَضَعُ الْحَدِيثَ. ورواه وكيع وغيره، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين مرسلًا، وصوبه الدارقطني في «العلل» (١/ ١٠٤).","vol":"1","page":477},{"text":"القول الثاني: ذهب الحنابلة إلى أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الغسل والوضوء (^١).\nالقول الثالث: ذهب المالكية والشافعية إلى أن المضمضة والاستنشاق سنة (^٢):\nواستدلوا بما روى البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل وفيه الرجل الذي أصابته جنابة فأعطاه النبي ﷺ إناء من ماء وقال له ﷺ: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ».\nواستدلوا بما روى مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: «لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» فدل ذلك أن تعميم الجسد بالماء مع النية هذا هو الفرض، أما الوضوء ومنه المضمضة والاستنشاق، فهو السنة فهذا هو الراجح.\n\n<span data-type='title' id=toc-432>المطلب السادس: هل يستحب غسل الرأس في وضوء الغسل أو المسح؟</span>\nقال ابن رجب: غسل الرأس في الوضوء يجزئ عن مسحه، لكنه في الوضوء المفرد مكروه، وفي الوضوء المقرون بالغسل غير مكروه (^٣).\nوالأحاديث الصحيحة التي وردت في صفة غسل النبي لم يذكر فيها مسح الرأس.\nوفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: «وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ» فذكر وضوء النبي ﷺ من مضمضة واستنشاق وغسل الوجه واليدين، ولم يذكر مسح الرأس، ثم أفاض على جسده ثم تحول من مكانه فغسل قدميه، فدل ذلك على أن السنة غسل الرأس في وضوء الغسل.\nقال أبو داود: قِيلَ لِأَحْمَدَ: \" يَمْسَحُ رَأْسَهُ - أَعْنِي: الْجُنُبَ - إِذَا تَوَضَّأَ؟ قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ\n_________\n(^١) الفروع (١/ ١٤٤)، الإنصاف (١/ ١٥٢/ ١٥٣).\n(^٢) الخرشي (١/ ١٣٣)، منح الجليل (١/ ١٢٨)، الأم (١/ ٤).\n(^٣) شرح البخاري (١/ ٢٣٩).","vol":"1","page":478},{"text":"يَمْسَحُ، وَهُوَ يُفِيضُ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ؟! (^١).\nوقال ابن رجب: وأما القول بأنه لا يمسح رأسه، بل يصب عليه الماء صبًّا، ويكتفي بذلك عن مسحه وغسله للجنابة، فهذا قد وَروي صريحًا عن ابن عمر ﴿ونص عليه إسحاق بن راهويه، نقله عنه حرب.\nوقال الكاساني: وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ لِأَنَّ تَسْيِيلَ الْمَاءِ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ يُبْطِلُ مَعْنَى الْمَسْحِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ (^٢).\nالقول الآخر: يمسح الرأس في وضوء الغسل، وهو قول الجمهور (^٣).\nواستدلوا بما رُوي في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ (^٤).\nقولها: (وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) أي الوضوء الكامل بما فيه مسح الرأس. واعترض عليه بأن هذا مجمل، فيُحمل حديث عائشة «توضأ وضوءه للصلاة» أنه غسل رأسه كما هو مبين في حديث ميمونة أنه غسل وجهه ويديه ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه فغسل قدميه.\nوالراجح: أن السنة غسل الرأس في وضوء الغسل؛ لأن في حديث ميمونة أنه غسل وجهه ويديه ثم أفاض على جسده، فبعد غسل اليدين أفاض على جسده أي: غسل رأسه ثم غسل قدميه، وقد رُوي عن الحسن عن أبي حنيفة أن تسييل الماء عليه بعد ذلك يبطل المسح، فلم يكن فيه فائدة، والله أعلم.\n_________\n(^١) مسائل أبي داود (١٣٦).\n(^٢) بدائع الصانع (١/ ٣٥).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٣٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١٣٧)، مغني المحتاج (١/ ٧٣)، كشاف القناع (١/ ١٥٢)، المغني (١/ ٢٨٧).\n(^٤) البخاري (٢٧٢) ومسلم (٣١٦).","vol":"1","page":479},{"text":"<span data-type='title' id=toc-433>المطلب السابع: استحباب تخليل شعر الرأس في غسل الجنابة:</span>\nفي الصحيحين من حديث عَائِشَةَ، كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِى الْمَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ الشَعْرِ، ثُمَّ يَصُبُّ الماء عَلَى رَأْسِهِ ..... الحديث.\nقال ابن رجب: هذه سنة عظيمة من سنن غسل الجنابة، ثابتة عن النبي ﷺ لم يتنبه لها أكثر الفقهاء مع توسعهم في القول في سنن الغسل وآدابه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-434>المطلب الثامن: هل يقاس تخليل شعر اللحية على تخليل شعر الرأس؟</span>\nلا يقاس لأنه لم يصح في تخليل شعر اللحية حديث، لكن في الصحيحين من حديث عَائِشَةَ: (ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِى الْمَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ الشَعْرِ)، فهذا يدل على أنه ثبت في غسل الجنابة تخليل شعر الرأس ولم يثبت في تخليل شعر اللحية حديث.\nقال مالك عن تخليل اللحية: ولم يأتِ عن النبي ﵇ أنه فعله في وضوئه، وجاء أنَّه خلل أصول شعره في الجنابة (^٢).\nوهناك قول بوجوب تخليل اللحية في الغسل.\nقال ابن حبيب: ومَنْ ترك تخليل لحيته في ذلك وأصابع رجليه، لم يُجْزِه (^٣).\nواستدلوا لذلك بما قاله الباجي: قَوْلُ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ؛ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ اسْتِيعَابَ جَمِيعِ الْجَسَدِ فِي الْغُسْلِ وَاجِبٌ، وَالْبَشَرَةُ الَّتِي تَحْتَ اللِّحْيَةِ مِنْ جُمْلَتِهِ، فَوَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهَا وَمُبَاشَرَتِهَا بِالْبَلَلِ، وَإِنَّمَا انْتَقَلَ الْفَرْضُ إلَى الشَّعْرِ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ وَنِيَابَةُ الْإِبْدَالِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛\n_________\n(^١) شرح البخاري (١/ ٣١١).\n(^٢) انظر النوادر (١/ ٣٣).\n(^٣) النوادر (١/ ٦٤).","vol":"1","page":480},{"text":"وَلِذَلِكَ جَازَ فِيهَا الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلَمْ يُجْزِئْ فِي الْغُسْلِ (^١).\nواعترض على القول بالوجوب من وجهين:\nالأول: عموم قول النبي للرجل الذي أصابته الجنابة: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» فدل ذلك على أن الواجب هو إفراغ الماء على البدن مع النية.\nالثاني: أنه وردت أحاديث كثيرة في صفة غسل النبي ولم يرد فيها تخليل شعر اللحية ولو كان واجبًا أو مستحبًّا لذُكر.\n\n<span data-type='title' id=toc-435>المطلب التاسع: استحباب التثليث في غسل الرأس:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب التثليث في غسل الرأس، وبه قال الحنفية وقول في مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين عن عائشة وفيه … ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلاثَ غرفات (^٣) وفي رواية للبخاري: ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ (^٤).\nوروي مسلم عَنْ جُبَيْرٍ، قَالَ: تَمَارَوْا فِي الْغُسْلِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أَغْسِلُ رَأْسِي كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ أَكُفٍّ» (^٥). وفي لفظ البخاري: «فأفيض على رأسي ثلاثًا» وأشار بيديه كلتيهما (^٦).\nوذهب بعض المالكية إلى أنه لا يشرع التكرار في غسل الرأس.\n_________\n(^١) المنتقى (١/ ٩٤).\n(^٢) العناية شرح الهداية (١/ ٥٨)، مواهب الجليل (١/ ٣١٦)، المجموع (٢/ ٢١٤)، الفروع (١/ ٢٠٤)، كشاف القناع (١/ ١٥٢).\n(^٣) البخاري (٢٨٢) ومسلم (٣١٦).\n(^٤) البخاري (٢٤٨).\n(^٥) مسلم (٣٢٧).\n(^٦) البخاري (٢٥٤).","vol":"1","page":481},{"text":"واستدلوا بحديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ (^١).\nقال القرطبي (المفهم): لا يُفْهَمُ من هذه الثلاثِ حَفَنَاتٍ أنه غسَلَ رأسَهُ ثلاثَ مرَّات؛ لأنَّ التكرارَ في الغُسْلِ غيرُ مشروع؛ لما في ذلك مِنَ المشقة، وإنما كان ذلك العددُ لأنه بدَأَ بجانبِ رأسِهِ الأيمنِ، ثم الأيسَرِ، ثم على وَسَطِ رأسه، كما في حديثِ عائشة.\nواعترض عليه بما قاله ابن رجب: وهو خلاف الظاهر، والظاهر والله أعلم: أنه كان يعم رأسه بكل مرة، ولكن يبدأ في الأَولى بجهة اليمين، وفي الثانية بجهة اليسار، ثم يصب الثالثة على الوسطى.\nقلت: ولا يمكن حمل قول النبي ﷺ: «أَمَّا أَنَا، فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ أَكُفٍّ» وفي لفظ البخاري «فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا» فأشار بيديه كلتيهما - على مرة واحدة.\nفالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من استحباب التثليث في غسل الرأس، ولا فرق بين الرجل والمرأة، وقد روى مسلم عن عائشة: لَقَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَلَا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ إِفْرَاغَاتٍ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-436>المطلب العاشر: هل تنقض المرأة الضفائر في غسل الجنابة؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن المرأة لا تنقض ضفائر شعرها في غسل الحيض والجنابة، وبه قال المالكية والشافعية ورواية عن أحمد (^٣).\nواستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:\nأما دليلهم من السنة: فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ والحيضة؟ قَالَ: «لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ\n_________\n(^١) مسلم (٣١٨).\n(^٢) مسلم (٣٣١).\n(^٣) المدونة (١/ ١٣٤)، الأم (١/ ٤٠)، المغني (١/ ٢٩٨).","vol":"1","page":482},{"text":"تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ». وزيادة: (والحيضة) شاذة (^١).\nواستدلوا بما روي مسلم عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ فَقَالَ: «تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا، فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا» فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، تَطَهَّرِينَ بِهَا» فَقَالَتْ عَائِشَةُ كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ: تَتَبَّعِينَ أَثَرَ الدَّمِ. وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فَقَالَ: «تَأْخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُور أَوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ»\n_________\n(^١) مدار هذا الحديث على أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة ويرويه عن أيوب:\n١) سفيان الثوري واختلف عليه: فرواه عبد بن حميد عند مسلم (٣٣٠)، وأحمد بن منصور الرمادي في (سنن البيهقي الكبرى) (١/ ١٨١) فروياه عن عبد الرزاق عن الثوري، بذكر زيادة (والحيضة).\nورواه إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق عن الثوري، بدون ذكر زيادة (والحيضة) كما في مسند أبي عوانة (١/ ٣١٥) والطبراني (الكبير) (٢٣/ ٢٩٦).\n٢) ورواه سفيان بن عيينة عن أيوب به بدون ذكر (الحيضة) عند مسلم (٣٣٠)، وأحمد (٦/ ٢٨٩).\n٣) ورواه روح بن القاسم عن أيوب به بدون ذكر (الحيضة) عند مسلم (٣٣٠).\nفالحاصل: أن مدار الحديث على أيوب عن سعيد المقبري عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة، فرواه عن أيوب \"ابن عيينة وروح بن القاسم\" وهذان قد اتفقا على عدم ذكر الحيضة.\nورواه الثوري عن أيوب واختلف على الثوري: فرواه يزيد بن هارون بدون ذكر (الحيضة) وهي موافقة لرواية ابن عيينة وروح بن القاسم، ورواه عبد الرزاق عن الثوري واختلف عليه فرواه إسحاق بن إبراهيم دون ذكر الحيضة، وخالفه عبد بن حميد وأحمد بن منصور بذكر الحيضة.\nقال ابن القيم: (تهذيب السنن) (١/ ٢٩٥) اتفق ابن عيينة وروح بن القاسم عن أيوب فاقتصرا على الجنابة، واختلف فيه على الثوري، فقال يزيد بن هارون عنه ما قاله ابن عيينة وروح، وقال عبد الرزاق عنه: أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ ورواية الجماعة أولى بالصواب، فلو أن الثوري لم يختلف عليه لرجحت رواية ابن عيينة وروح، فكيف وقد روى عنه يزيد بن هارون مثل رواية الجماعة، ومن أعطى النظر حقه علم أن هذه اللفظة ليست محفوظة.","vol":"1","page":483},{"text":"فَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ (^١).\nوجه الدلالة «تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا» فذكر الدلك ولم يذكر النقض، ولو كان نقض الشعر واجبًا لبينه رسول الله لصحابته.\nأما دليلهم من المأثور: فعَنْ نَافِعٍ أَنَّ نِسَاءَ ابْنِ عُمَرَ وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ كُنَّ يَغْتَسِلْنَ مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَلَا يَنْقُضْنَ رُؤُوسَهُنَّ، وَلَكِنْ يُبَالِغْنَ فِي بَلِّهَا (^٢).\nوعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنَّا نَغْتَسِلُ وَعَلَيْنَا الضِّمَادُ (^٣) وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ مُحِلاَّتٌ وَمُحْرِمَاتٌ (^٤).\nوعَنْ سَالِمٍ، خَادِمِ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَجْعَلْنَ رُءُوسَهُنَّ أَرْبَعَ قُرُونٍ، فَإِذَا اغْتَسَلْنَ جَمَعْنَهُ عَلَى وَسَطِ رُءُوسِهِنَّ، وَلَمْ يَنْقُضْنَهُ» (^٥).\nالقول الثاني: أن المرأة لا تنقض رأسها في غسل الجنابة ويجب نقض رأسها في غسل المحيض، وهو قول بعض المالكية والمشهور عن الحنابلة والظاهرية (^٦).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ؛ فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ» فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٣٢) وأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٧٨) بلفظ: تَأْخُذُ سِدْرَتَهَا وَمَاءَها فَتَتَوَضَّأُ. فزاد \" فَتَتَوَضَّأُ \" وفي إسناده إبراهيم بن مهاجر وهو ضعيف.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٧٤).\n(^٣) الضماد: ما يلطخ به الشعر، مما يلبده ويسكنه.\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٢٥٤) عن عبد الله بن داود، عن عمر بن سويد، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة به.\n(^٥) ضعيف جدًّا: أخرجه الطبراني (الأوسط) (٧٠٨٢)، وفي إسناده: عمر بن هارون: متروك.\n(^٦) المنتقى (١/ ٩٦)، كشاف القناع (١/ ١٥٤)، والمحلى مسألة (١٩٢).","vol":"1","page":484},{"text":"بِحَجٍّ» فَفَعَلْتُ (^١).\nقوله ﷺ: «وَانْقُضِي رَأْسَكِ» دليل على أن المرأة تنقض شعر رأسها عند غسل المحيض.\nواعترض على هذا الاستدلال بما قاله ابن رجب: وهذا الحديث لا دلالة فيه على واحد مِنْ الأمرين؛ فإن غسل عائشة الذي أمرها النبي ﷺ بهِ لَم يكن مِنْ الحيض، بل كانت حائضًا، وحيضها حينئذ موجود، فإنه لو كانَ قَدْ انقطع حيضها لطافت للعمرة، ولم تحتج إلى هَذا السؤال، ولكن أمرها أن تغتسل في حال حيضها وتهل بالحج، فَهوَ غسل للإحرام في حال الحيض، كَما أمر أسماء بنت عميس لما نفست بذي الحليفة أن تغتسل وتهل (^٢).\nوعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا اغْتَسَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ حَيْضِهَا نَقَضَتْ شَعْرَهَا وَغَسَلَتْهُ بِخَطْمِيٍّ وَأُشْنَانٍ، وَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ جَنَابَةٍ صَبَّتْ عَلَى رَأْسِهَا الْمَاءَ وَعَصَرَتْهُ» (^٣).\nواعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله.\nوالراجح أن المرأة لا تنقض ضفائر شعر رأسها لا في غسل الحيض ولا الجنابة.\n\n<span data-type='title' id=toc-437>المطلب الحادي عشر: هل يجب غسل ظاهر الشعر فقط أم يجب غسل ظاهره وباطنه؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: يجب وصول الماء إلى أصول الشعر والمسترسل، وبه قال المالكية والشافعية\n_________\n(^١) البخاري (٣١٧) ومسلم (١٢١١).\n(^٢) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ١٠٤)، ثم قال: وقد يحمل مراد البخاري ﵀ على وجه صحيح، وهو أن النبي ﷺ إنما أمر عائشة بنقض شعرها وامتشاطها عند الغسل للإحرام: لأن غَسَلَ الإحرام لايتكرر، فلا يشق نقض الشعر فيه، وغسل الحيض والنفاس يوجد فيه هذا المعنى، بخلاف غسل الجنابة، فإنه يتكرر فيشق النقض فيه؛ فلذلك لم يؤمر فيه بنقض الشعر.\n(^٣) إسناده ضعيف: أخرجه الطبراني (المعجم الكبير) (١/ ٢٦٠) فذكر في سنده سلمة بن صبيح، وأخرجه البيهقي (١/ ١٨٢) فذكر مسلم بن صبيح وسواء هو مسلم بن صبيح أو سلمة بن صبيح فهو مجهول، قال ابن رجب: ليس بالمشهور. كما في شرح البخاري (٢/ ١٠٩).","vol":"1","page":485},{"text":"والحنابلة في المشهور عنهم (^١).\nواستدلوا لذلك بالسنة: فعن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ» (^٢). واعترض عليه بأنه لا يصح.\nوعَنْ علي، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعَرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ» (^٣).\n_________\n(^١) المدونة (١/ ١٣٤)، المجموع (١/ ٢١٥)، الفروع (١/ ٢٠٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٤٨) والترمذي (١٠٦) وابن ماجه (٥٩٧) وغيرهم. وفي إسناده: الحارث بن وجيه ضعيف، وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر. كما في العلل (٥٣) وضَعَّفه الدارقطني العلل (٨/ ١٠٣).\n(^٣) ضعيف والصحيح فيه الوقف: مدار الحديث على عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي.\nواختلف على عطاء.\n١) فرواه حماد بن سلمة عن عطاء عن زاذان عن علي مرفوعًا. أخرجه أحمد (١/ ٩٤).\nوعطاء بن السائب مختلط، واختلفوا في سماع حماد بن سلمة من عطاء: فقال ابن معين، وأبو داود والطحاوي وغيرهم: إن حماد بن سلمة قديم السماع من عطاء. كما في الكواكب النيرات (ص/ ٦١) وقال الحافظ: إن حمادًا سمع منه قبل الاختلاط وبعده. كما في \"التهذيب\" (٧/ ١٨٣).\n٢) وتابع حمادًا شعبة فرواه عن عطاء عن زاذان عن عليّ مرفوعًا، كما في العلل للدارقطني (٣/ ٢٠٨) وشعبة ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط إلا حديثين وهذا الحديث منهما.\nقال ابن القطان: ما حَدَّث سفيان وشعبة عن عطاء بن السائب صحيح إلا حديثين، كان شعبة يقول: سمعتهما منه بآخرة عن زاذان. كما في الجرح والتعديل (٦/ ٣٣٢). وقال عبد القيوم محقق الكواكب النيرات: وقد بذلت مجهودي أن أقف على الحديثين الذين سمعهما شعبة عن عطاء بن زاذان، فوجدت في غرائب شعبة لابن المظفر حديثًا واحدًا بهذا السند، وهو حديث عليِّ ﵁ يقول: سمعت رسول الله يقول: «من ترك موضع شعرة من جنابة …» فذكر الحديث فشعبة سمع هذا الحديث من عطاء بعد الاختلاط كما في العلل للدارقطني (٣/ ٣٠٨).\nوخالف حماد بن سلمة وشعبة، حماد بن زيد فرواه عن عطاء عن زاذان عن عليّ موقوفًا كما في العلل للدارقطني (٣/ ٣٠٨) وقال النسائي وابن القطان وأبو حاتم: إن حماد بن زيد سمع من عطاء قبل الاختلاط، والصحيح رواية حماد بن زيد على الوقف، ولا يغتر مغتر بمتابعة شعبة لحماد بن سلمة فإنه سمع هذا الحديث من عطاء بعد الاختلاط والله أعلم.\nوعن أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ - كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهَا» قُلْتُ: وَمَا أَدَاءُ الْأَمَانَةِ؟ قَالَ: «غُسْلُ الْجَنَابَةِ، فَإِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ جَنَابَةً». أخرجه ابن ماجه (٥٩٨). ولهذا الحديث علتان: الأولى: ضعف عتبة بن أبي حكيم. الثانية: الانقطاع بين طلحة بن نافع وأبي أيوب الأنصاري كما في المراسيل (ص/ ١٠٠).","vol":"1","page":486},{"text":"القول الآخر: أنه يستحب غسل أصول الشعر والمسترسل ولا يجب، وهو قول الحنفية وبعض الحنابلة (^١).\nواستدلوا بما روى مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: «لَا. إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» (^٢). ولو كان غسل باطن الرأس واجبًا، لأمر النبي ﷺ أم سلمة بنقض ضفائرها حتى يصل الماء إلى بشرة الجلد التي تحت الضفائر.\nقال ابن قدامة: وَمِثْلُ هَذَا لَا يَبُلُّ الشَّعْرَ الْمَشْدُودَ ضَفْرُهُ فِي الْعَادَةِ (^٣).\nقلت: فدل ذلك على أن المطلوب أن تحثي على رأسها ثلاث حثيات، دل على ذلك ما رواه مسلم عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ ابْنَ عَمْرٍو يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُؤُوسَهُنَّ. فَقَالَتْ: يَا عَجَبا لاِبْنِ عَمْرٍو هَذَا، يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُؤُوسَهُنَّ، أَفَلَا يَأْمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُؤُوسَهُنَّ؟! لَقَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. وَلَا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَة إِفْرَاغَاتٍ (^٤).\nوالنبي ﷺ قال للرجل الذي أصابته جنابة: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ»، فدل على أن الواجب إفراغ الماء على البدن وتعميم البدن بالماء.\n_________\n(^١) مراقي الفلاح (ص/ ٤٣)، ورجحه ابن قدامة في (المغني) (١/ ٣٠١، ٣٠٢).\n(^٢) مسلم (٣٣٠).\n(^٣) المغني (١/ ٣٠٢).\n(^٤) مسلم (٣٣١).","vol":"1","page":487},{"text":"وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ جَنَابَةٍ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِنْ مَاءٍ. هذا لفظ مسلم (^١) أما لفظ البخاري: فكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ وَيُفِيضُهَا عَلَى رَأْسِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-438>المبحث الخامس: استحباب التيامن في الاغتسال:</span>\nفي الصحيحين واللفظ لمسلم عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ (^٢).\nوفي صفة غسل النبي تقديم اليمنى على اليسرى في اليد والرجل، وتقديم الجانب الأيمن في الرأس، وكذا الكتف.\nوفي الصحيحين من حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ فِي شَأْنِهِ كُلِّه (^٣).\nوفي الصحيحين من حديث أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: «ابْدَأْنَ\n_________\n(^١) مسلم (٣٢٩).\n(^٢) البخاري (٢٥٨) ومسلم (٣١٨).\n(^٣) مدار الحديث على الأشعث بن سليم عن أبيه عن مسروق، عن عائشة، واختلف في لفظه على الأشعث وهذا لفظ البخاري (١٦٨)، ورواه البخاري (٤٢٦) من طريق سليمان بن حرب، وأحمد (٦/ ٩٤) من طريق بهز، كلاهما عن شعبة عن الأشعث بلفظ «كان يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله في طهوره وترجله وتنعله» وفي مسلم (٦٧/ ٢٦٨) دون قوله «ما استطاع» مع تقديم وتأخير، وورد عند البخاري (٥٩٢٦) وغيره بدون قولها: «في شأنه كله».\nوورد أيضًا بلفظ «كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره في شأنه كله» بدون واو، قال الحافظ: لِلْأَكْثَرِ مِنَ الرُّوَاةِ بِغَيْرِ وَاوٍ، وفي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَهِيَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا صَاحِبُ الْعُمْدَةِ.\nقال الحافظ: وَأَمَّا عَلَى إِسْقَاطِهَا فَقَوْلُهُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ مُتَعَلِّقٌ بِيُعْجِبُهُ لَا بِالتَّيَمُّنِ، أَيْ يُعْجِبُهُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ التَّيَمُّنَ فِي تَنَعُّلِهِ … إِلَخْ أَيْ لَا يَتْرُكُ ذَلِكَ سَفَرًا وَلَا حَضَرًا وَلَا فِي فَرَاغِهِ وَلَا شُغْلِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.","vol":"1","page":488},{"text":"بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا» (^١).\nفلهذه الأحاديث العامة والخاصة يستحب التيامن في الاغتسال، أي: غسل اليد اليمنى قبل اليسرى، وغسل الجانب الأيمن قبل الأيسر، وكذا التيامن في الغسل كله.\nوقد وصفت ميمونة وعائشة غسل النبي ﷺ، وفيه تقديم اليد اليمنى على اليسرى، وتقديم الجانب الأيمن من الرأس، وكذا الكتف الأيمن، وكل ما فيه يمين ويسار فيقدم فيه الأيمن، والله ولي التوفيق.\n\n<span data-type='title' id=toc-439>المبحث السادس: حكم غسل البدن ثلاث مرات:</span>\nاختلف العلماء في حكم غسل البدن ثلاث مرات على قولين:\nالقول الأول: يستحب غسل البدن ثلاث مرات، وهو قول الحنفية والشافعية والمشهور في مذهب الحنابلة (^٢).\nقال النووي: الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (^٣).\nواستدلوا لذلك بما روى مسلم: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَبَدَأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا (^٤).\nوإذا كان غسل يديه ثلاثًا، فكذا سائر البدن يغسل ثلاثًا.\nواعترض عليه بأن الصحيح الوارد أن غسل اليدين ثلاثًا، ويغسل باقي الأعضاء مرة، ويصب الماء على الرأس ثلاثًا.\nواستدلوا أيضًا بما روى أحمد أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْ\n_________\n(^١) البخاري (١٦٧)، ومسلم (٤٢/ ٩٣٩).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٤) روضة الطالبين (١/ ٩٠)، الإنصاف (١/ ٢٥٣).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢١٣).\n(^٤) مسلم (٣١٦).","vol":"1","page":489},{"text":"جَنَابَةٍ يَغْسِلُ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَأْخُذُ بِيَمِينِهِ لِيَصُبَّ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ حَتَّى يُنَقِّيَهُ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَهُ غَسْلًا حَسَنًا، ثُمَّ يُمَضْمِضُ ثَلَاثًا، وَيَسْتَنْشِقُ ثَلَاثًا، وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَغْتَسِلُ، فَإِذَا خَرَجَ غَسَلَ قَدَمَيْهِ\" (^١). وإذا كان التثليث في سائر أعضاء الوضوء فكذا يكون التثليث في غسل البدن.\nواعترض عليه بأنه لا يصح.\nوعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَقَالَ: ثَلَاثًا. فَقَالَ: إِنِّي كَثِيرُ الشَّعَرِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَكْثَرَ شَعَرًا مِنْكَ وَأَطْيَبَ (^٢).\nالقول الثاني: لا يستحب إفاضة الماء على جميع البدن ثلاث مرات، وهو المشهور من المالكية وقول شيخ الإسلام (^٣).\nوقال ابن رجب: حكت ميمونة غسل النبي ﷺ، ولم تذكر في غسل شيء من أعضائه عددًا؛ إلا في غسل يديه في ابتداء الغسل - مع شك الراوي: هل كان غسلهما مرتين أو ثلاثًا، وهذا الشك هو من الأعمش. ثم قال: وأطلقت الغسل في الباقي، فظاهره أنه لم يكرر غسل شيء من جسده، لا في الوضوء ولا في الغسل بعده (^٤).\nوالراجح: أن يستحب التثليث في غسل اليدين والرأس، وباقي أعضاء الوضوء والغسل مرة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-440>المبحث السابع: حكم تأخير غسل الرجلين:</span>\nيستحب تأخير غسل الرجلين عند تمام الغسل عند الجمهور (^٥).\nدل على ذلك حديث ميمونة: ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أحمد (٦/ ٩٦) وقد سبق.\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (٦/ ٥٤) وغيره وفي إسناده: عطية العوقي: ضعيف.\n(^٣) الشرح الصغير (١/ ١٧٢) وشرح الخرشي (١/ ١٧١) والإنصاف (١/ ٢٥٣).\n(^٤) شرح ابن رجب للبخاري (١/ ٢٦٤).\n(^٥) شرح فتح القدير (١/ ٥٨)، الشرح الصغير (١/ ١٧٢)، الفروع (١/ ٢٠٤).","vol":"1","page":490},{"text":"جَسَدِهِ المَاءَ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. فتوضأ ﷺ ولم يغسل رجليه ثم اغتسل ثم غسل رجليه، و(ثم) تفيد الترتيب، فدل ذلك على استحباب تأخير الرجلين في غسل الجنابة.\nوفي القول الراجح عند المالكية والمشهور من مذهب الشافعية (^١) أن غسل القدمين يكون مع الوضوء.\nواستدلوا بحديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، يراد به الوضوء الكامل ومنه غسل الرجلين مع الوضوء ولم يرد في حديث عائشة أنه أخر غسل الرجلين.\nواعترض عليه بأن حديث عائشة مجمل وحديث ميمونة مبين، وإذا تعارض المجمل والمبين قُدم المبين والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-441>المبحث الثامن: الموالاة في غسل الجنابة.</span>\nفيه: قولان لأهل العلم:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الموالاة سنة (^٢).\nواستدلوا بأن غسل النبي ﷺ كان متواليًا، ولم ينقل عنه ﷺ أنه فَرَّق غسله. فهذا دليل الاستحباب، والواجب في الغسل «تعميم الجسد بالماء مع النية» هذا الفرض، دل على ذلك قول النبي: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ».\nوفي حديث ميمونة «ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ المَاءَ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ» فإذا جاز عدم الموالاة بين أعضاء الوضوء في الغسل فيتوضأ ثم يغتسل ثم يغسل رجليه ولم يكن هناك موالاة بين غسل الرأس وغسل الرجلين؛ فدل ذلك على أن الموالاة مستحبة.\nقال ابن حزم: وإذا جاز أن يجعل رسول الله بين وضوئه وغسله وبين تمامها بغسل رجليه\n_________\n(^١) أسهل المدارك (١/ ٦٧) المعونة (١/ ١٣٢) روضة الطالبين (١/ ٨٩).\n(^٢) حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٦) المجموع (٢/ ٢١٣) الإنصاف (١/ ٢٥٧).","vol":"1","page":491},{"text":"مهلة خروجه من مغتسله، فالتفريق بين المدد لا نص فيه ولا برهان (^١).\nالقول الثاني: تجب الموالاة في الغسل، وهو قول المالكية (^٢).\nواستدلوا بأن الغسل المنقول كان متواليًا ولم يرد أن رسول الله فَرَّق غسله. واعترض عليه بأن الواجب في الغسل هو تعميم جميع الجسد مع النية، قال ﷺ: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ».\nوالراجح: أن الموالاة في الغسل سنة مستحبة وليست واجبة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-442>المبحث التاسع: تدليك البدن في الغسل:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن التدليك ليس بفرض (^٣).\nواستدلوا لذلك بعموم قول النبي ﷺ: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ».\nوبقول النبي ﷺ لأم سلمة: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ». ولم يطلب إلا إفاضة الماء، ولم يأمر بالدلك، ولو كان الدلك فرضًا لجاء عن النبي ﷺ.\nوذهب المالكية إلى أن التدليك فرض (^٤).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال عطاء: في الجنب يفيض عليه الماء؟ قال: لا، بل يغتسل غسلًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ ولا يقال: (اغتسل) إلا إذا دلك نفسه.\nواعترض عليه بأن الاغتسال هو جريان الماء على العضو.\nقال ابن حزم: من ادعى أن اسم الغسل لا يقع إلا على التدليك باليد، ادعى ما لا برهان\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٣١٢).\n(^٢) المدونة (١/ ٢٨) حاشية الدسوقي (١/ ١٣٣) الخرشي (١/ ١٦٨).\n(^٣) حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٦) المغني (١/ ١٨٣).\n(^٤) المدونة (١/ ٢٧).","vol":"1","page":492},{"text":"له به (^١).\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي: استحباب الدلك، وأن الواجب في الغسل هو إفراغ الماء على البدن، والدلك سنة لعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» ولعموم قول النبي ﷺ: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) المحلى (مسألة ١١٥).","vol":"1","page":493},{"text":"<span data-type='title' id=toc-443>الفصل الخامس ما يحرم على الجنب</span>\nوفيه مبحثان\n\n<span data-type='title' id=toc-444>المبحث الأول: تحرم الصلاة:</span>\nدل على ذلك القرآن والسنة وإجماع الأمة: قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.\nوفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا: «مَكَانَكُمْ» ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ (^١).\nوقال النووي: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى المُحْدِثِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ، سَوَاءٌ إنْ كَانَ عَالِمًا بِحَدَثِهِ أَوْ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، لَكِنَّهُ إنْ صَلَّى جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَدَثِ وَتَحْرِيمِ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ فَقَدِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً عَظِيمَةً (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-445>المبحث الثاني: يحرم الطواف.</span>\nهل يُشترط للطواف الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر؟\nذهب جمهور العلماء إلى أنه تشترط الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر، وأن الطواف كالصلاة. وهو المشهور من مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (^٣).\nأما دليلهم على اشتراط الطهارة من الحدث الأكبر، فهو ما ورد في الصحيحين عن عائشة أن صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَاضَتْ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» فَقُلْتُ: إِنَّهَا\n_________\n(^١) «البخاري» (٢٧٥)، و«مسلم» (٦٠٥).\n(^٢) «المجموع» (٢/ ٧٨).\n(^٣) «المدونة» (٢/ ٤٠٢)، و«المجموع» (٨/ ١٧)، و«الإنصاف» (٤/ ١٦).","vol":"1","page":494},{"text":"قَدْ أَفَاضَتْ يَا رَسُولَ الله وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَلْتَنْفِرْ» (^١).\nوفي الصحيحين: قالت عائشة: خَرَجْنَا لَا نَرَى إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عليَّ رَسُولُ الله ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، قَالَ: «مَا لَكِ أنفِسْتِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ؟ قَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» (^٢)، وفي رواية: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». وإذا كانت الحائض تُمنع من الطواف بالبيت بالإجماع، فكذا يُمنع الجنب قياسًا على الحائض.\nقال ابن عبد البر: الحائض لا تطوف بالبيت، وهو أمر مجمع عليه، لا أعلم فيه خلافًا، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن رشد والنووي وابن حزم وغيرهم.\nأما دليلهم على الطهارة من الحدث الأصغر: فهو ما روى البخاري عن عائشة قالت: «إَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ - حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً …» (^٣).\nقال الشنقيطي: وُضُوءُ النبي ﷺ لِطَوَافِهِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ - قَدْ دَلَّ دَلِيلَانِ عَلَى أَنَّهُ لَازِمٌ لَا بُدَّ مِنْهُ:\nأَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، وَهَذَا الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالتَّحَتُّمِ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ لِلطَّوَافِ لَزِمَنَا أَنْ نَأْخُذَ عَنْهُ الْوُضُوءَ لِلطَّوَافِ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ فِي قَوْلِهِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».\nوَالدَّلِيلُ الثَّانِي: أَنَّ فِعْلَهُ فِي الطَّوَافِ مِنَ الْوُضُوءِ لَهُ، وَمِنْ هَيْئَتِهِ الَّتِي أَتَى بِهِ عَلَيْهَا كُلِّهَا بَيَانٌ وَتَفْصِيلٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا كَانَ لِبَيَانِ نَصٍّ مِنْ كِتَابِ الله، فَهُوَ عَلَى اللُّزُومِ وَالتَّحَتُّمِ؛ وَلِذَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ; لِأَنَّ قَطْعَ النَّبِيِّ ﷺ لِلسَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ بَيَانٌ وَتَفْصِيلٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي\n_________\n(^١) «البخاري» (٤٤٠١)، و«مسلم» (٣٨٢ - ١٢١١).\n(^٢) «البخاري» (٢٩٤)، و«مسلم» (١٢١١).\n(^٣) «البخاري» (١٦١٤)، و«مسلم» (١٢٣٥).","vol":"1","page":495},{"text":"قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ لِأَنَّ الْيَدَ تُطْلَقُ عَلَى الْعُضْوِ إِلَى الْمِرْفَقِ وَإِلَى الْمَنْكِبِ (^١).\nواعترض على هذا الاستدلال بأن أفعال النبي ﷺ في الحج منها الركن ومنها الواجب ومنها السنة.\nوقد روى مسلم: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» (^٢).\nوالسؤال: هل رمي الجمار على الراحلة واجب؟\nقال ابن القيم: في حديث: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» أن نفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا كان قد فعل فعلًا على وجه الاستحباب فأوجبناه لم نكن قد أخذنا عنه وتأسينا به، مع أنه ﷺ فعل في حجته أشياء كثيرة جدًّا لم يوجبها أحد من الفقهاء (^٣).\nواستدلوا بأن الطواف كالصلاة وإذا كان يشترط للصلاة الطهارة من الحدثين فكذا الطواف، دل على ذلك ما رُوى عن ابن عباس أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّا بِخَيْرٍ» (^٤).\n_________\n(^١) «أضواء البيان» (٥/ ٢٠٣).\n(^٢) «مسلم» (١٢٩٣).\n(^٣) «تهذيب السنن» (١/ ٥٣).\n(^٤) مدار الحديث على طاوس عن ابن عباس. ويرويه عن طاوس جماعة، منهم:\n١) عطاء بن السائب واختلف عليه: فرواه جرير بن عبد الحميد عند الترمذي (٣/ ٩٣)، وأبي يعلى (٢٥٩٩)، والثوري عند الحاكم (١/ ٤٥٩)، وابن عيينة عند الحاكم (١/ ٤٥٩)، والفضيل بن عياض عند الدارمي (١٨٤٧) وغيرهم عن عطاء عن طاوس عن ابن عباس مرفوعًا.\nوخالفهم ابن فضيل فرواه عن عطاء موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٣٤)، رقم (١٢٨٠٦) ولا شك أن رواية الجماعة أَوْلى من رواية ابن فضيل من طريق عطاء، ولكن العلة أنه خالف عطاء على الوقف جماعة من الثقات، وحديثهم أولى بالصواب.\n٢) ورواه عبد الله بن طاوس عن ابن عباس موقوفًا عند عبد الرزاق (٩٧٨٩).\n٣) ورواه إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، أخرجه عبد الرزاق (٩٧٩٠)، والنسائي «الكبرى» (٢/ ٤٠٦)، والبيهقي (٥/ ٨٧)، وإذا كان ورد مرفوعًا عن عبد الله بن طاوس عند الطبراني (١١/ ٣٤٠، ٣٤١)، فقد قال الحافظ «التلخيص» (١/ ٢٢٦): رفعه محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير وهو ضعيف، ورواه الحسن بن مسلم عن طاوس عن رجل أدرك النبي، موقوفًا عند النسائي (٢٩٢٢).\nفتلخص أن مدار الحديث على طاوس عن ابن عباس فرواه عبد الله بن طاوس والحسن بن مسلم، وإبراهيم بن ميسرة عن طاوس موقوفًا، ورواه عطاء بن السائب وليث بن أبي سليم عن طاوس مرفوعًا عند الطبراني (١١/ ٤٣)، وعطاء مختلط وليث ضعيف، فالراجح رواية عبد الله بن طاوس، والحسن بن مسلم، وإبراهيم بن ميسرة، قال الحافظ «التلخيص» (١/ ٢٢٥): رجح الموقوف النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري والنووي، وقال الترمذي: روى هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء.","vol":"1","page":496},{"text":"واعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nالقول الثاني: الطهارة سنة من الحدث الأصغر والأكبر إلا الحيض.\nقال ابن تيمية: لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ لِلطَّوَافِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ قَدْ حَجَّ مَعَهُ خَلَائِقُ عَظِيمَةٌ، وَقَدِ اعْتَمَرَ عُمَرًا مُتَعَدِّدَةً وَالنَّاسُ يَعْتَمِرُونَ مَعَهُ، فَلَوْ كَانَ الْوُضُوءُ فَرْضًا لِلطَّوَافِ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيَانًا عَامًّا، وَلَوْ بَيَّنَهُ لَنَقَلَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُ وَلَمْ يُهْمِلُوهُ (^١).\nوقال ابن القيم: لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه أمر المسلمين بالطهارة لا في عمرته ولا في حجته، مع كثرة من حج معه واعتمر، ويمتنع أن يكون ذلك واجبًا، وتأخير البيان عن وقته ممتنع (^٢).\nواستدلوا بما روى مسلم عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأْ؟ قَالَ: «مَا أَرَدْتُ صَلَاةً فَأَتَوَضَّأَ».\nأما دليلهم من المأثور: فقد روى ابن أبي شيبة عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْتُ حَمَّادًا وَمَنْصُورًا\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٧٣).\n(^٢) «تهذيب السنن» (١/ ٥٢ - ٥٣).","vol":"1","page":497},{"text":"وَسُلَيْمَانَ عَنْ الرَّجُلِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا (^١).\nالراجح: أنه تشترط الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، فإذا وجب تطهير مكان الطائف فتطهير بدن الطائف من الحدثين الأصغر والأكبر أَوْلى.\nوأن عائشة لما حاضت قال لها النبي ﷺ: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي»، وإذا كانت الحائض تُمنع من الطواف لوجود الحدث، فكذا يُمنع الجنب قياسًا على الحائض؛ لأن كليهما حدث أكبر.\nوكذا ورد أن صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَاضَتْ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟»، أي أن النبي والصحابة يُحبسون ويمكثون بمكة حتى تطهر صفية وتطوف، فدل ذلك على اشتراط الطهارة من الحدث لصحة الطواف.\nوروى البخاري من حديث عائشة قالت: «أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ - حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ». فدلت مجموع هذه الأدلة عل وجوب الطهارة من الحدثين للطواف، وهذا قول جماهير العلماء، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) إسناده صحيح: «المصنف» (٣/ ٢٨٣)، رقم: (١٤٣٤٩) عن غندر عن شعبة به.","vol":"1","page":498},{"text":"<span data-type='title' id=toc-446>الفصل السادس ما لا يحرم على الجنب والحائض</span>\nوفيه أربعة مباحث\nالمبحث الأول: لا يحرم على الجنب والحائض قراءة القرآن.\nالمبحث الثاني: لا يحرم على الجنب والحائض مس المصحف.\nالمبحث الثالث: لا يحرم على الجنب ولا الحائض المكث في المسجد.\nالمبحث الرابع: لا يحرم على الجنب الأذان.","vol":"1","page":499},{"text":"<span data-type='title' id=toc-447>المبحث الأول\nلا يحرم على الجنب والحائض قراءة القرآن</span>\nاختلف أهل العلم في جواز قراءة القرآن للحائض على قولين:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الحائض لا تقرأ شيئًا من القرآن، وبه قال الحنفية والشافعية والمشهور عن الحنابلة (^١).\nواستدلوا بما روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لَا تَقْرَأِ الحَائِضُ وَلَا الجُنُبُ مِنَ القُرْآنِ شَيْئًا» (^٢).\n_________\n(^١) «المبسوط» (٣/ ١٥٢)، «الحاوي» (١/ ٣٨٤)، «الإنصاف» (١/ ٣٤٧).\n(^٢) ضعيف: ومدار الحديث على موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، ويرويه عن موسى جماعة، منهم: إسماعيل بن عياش عن موسى به مرفوعًا به. أخرجه الترمذي (١٣١).\nولهذا الحديث علتان:\nالأولى: إسماعيل بن عياش، قال ابن معين: ثقة صدوق فيما روى عن أهل الشام، وضعيف في غير أهل الشام ومما روى عن غيرهم مخلط فيه. وكذا قال البخاري، وأحمد، وابن المديني، والدارمي، وغيرهم. فموسى بن عقبة حجازي ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة.\nالعلة الثانية: أنه قد اختلف فيه على إسماعيل بن عياش: فرواه الفضل بن زياد، وعلي بن حجر، والحسن بن عرفة، وهشام بن عمار وغيرهم عن إسماعيل، عن موسى، عن نافع، عن ابن عمر به، أخرجه الترمذي (١٣١)، وابن ماجه (٥٩٥) وغيرهما. ورواه (إبراهيم بن العلاء الزبيدي، وسعيد بن يعقوب الطالقاني)، كلاهما عن إسماعيل عن موسى عن عبيد الله بن عمر عن نافع به، فزاد في الإسناد عبيد الله ابن عمر، أخرجه الدارقطني (١/ ١١٧)، وابن عدي «الكامل» (١/ ٢٩٨)، وقال: هذا الحديث بهذا الإسناد لا يرويه غير ابن عياش وعامة من رواه عن ابن عياش عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر. وقال أحمد بن حنبل: هذا باطل وأنكر على إسماعيل بن عياش كما في «الضعفاء» للعقيلي (١/ ٩٠).\nوقال أبو حاتم «العلل» (١/ ٤٩). هذا خطأ، إنما هو عن ابن عمر قوله.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١١٧) من طريق عبد الملك بن مسلمة حدثني المغيرة بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة به، وفي إسناده عبد الملك بن مسلمة: ضعيف.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١١٨) عن محمد بن إسماعيل الحساني، عن رجل، عن أبي معشر، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ لَا يَقْرَأنِ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا» وفي إسناده رجل مبهم، وأبو معشر ضعيف.","vol":"1","page":500},{"text":"وعَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُقْرِئُنَا القُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا» (^١).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (١/ ٨٣)، وأبو داود (٢٢٩)، والنسائي (٢٦٥) وابن ماجه (٥٩٤) وغيرهم، من طرق عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن عليّ به.\nولهذا الحديث علتان:\nالأولى: في إسناده عبد الله بن سلمة، فيه ضعف. قال الشافعي: إن أهل الحديث لا يثبتونه، وقال البيهقي «معرفة السنن والآثار» (١/ ٣٢): وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي ثُبُوتِ الْحَدِيثِ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى عَبْدِ الله بْنِ سَلَمَةَ الْكُوفِيِّ، وَكَانُ قَدْ كَبُرِ، وَأُنْكِرَ مِنْ حَدِيثِهِ وَعَقْلِهِ بَعْضُ النَّكْرَةِ، وَإِنَّمَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بَعْدَ مَا كَبر قَالَهُ شُعْبَةُ، وقال الخطابي «معالم السنن» (١/ ١٥٦): كان أحمد يوهن حديث على هذا، ويُضعف أمر عبد الله بن سلمة. وقال النووي «المجموع» (١٢/ ١٨٣): قال الترمذي: حسن صحيح. وقال غيره من المحققين: هو حديث ضعيف.\nالعلة الثانية: حدث خلاف في الحديث في الرفع والوقف والإرسال، ذكره الدارقطني «العلل» (٣/ ٢٤٨)، فهذا مما يوهن هذا الحديث.\nوهناك متابع لعبد الله بن سلمة وهو أبو الغَريف. أخرجه أحمد (٣٢٢٦) عن عَائِذِ، حَدَّثَنِي عَامِرُ، عَنْ أَبِي الْغَرِيفِ، قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ بِوَضُوءٍ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، وَغَسَلَ يَدَيْهِ وَذِرَاعَيْهِ ثَلاثًا ثَلاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ، ثُمَّ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا لِمَنْ لَيْسَ بِجُنُبٍ فَأَمَّا الْجُنُبُ فَلا، وَلَا آيَةَ». ولهذا الطريق علتان: الأولى: ضَعْف أبي الغريف. الثانية: قوله: «ثُمَّ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا لِمَنْ لَيْسَ بِجُنُبٍ فَأَمَّا الْجُنُبُ فَلا، وَلَا آيَةَ» من كلام علي وليس مرفوعًا للنبي، دل على ذلك ما راوه الدارقطني «سننه» (١/ ١١٨) من طريق يزيد بن هارون قال عامر بن السمط: ثنا أبو الغريف الهمداني: كنا مع على في الرحبة فخرج إلى أقصى الرحبة ..... وفيه اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يُصِبْ أَحَدَكُمْ جَنَابَةٌ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ فَلَا وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا». قال الدارقطني: هو صحيح عن عليّ وتابع يزيد بن هارون على الوقف جماعة، منهم الثوري عند عبد الرزاق (١٣٠٦)، وإسحاق في «الأوسط» (٢/ ٩٦، ٩٧)، فالحديث لا يصح.","vol":"1","page":501},{"text":"قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «يَا عليّ إِنِّي أَرْضَى لَكَ مَا أَرْضَى لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، لَا تَقْرَأِ الْقُرْآنَ وَأَنْتَ جُنُبٌ …» (^١).\nوله شواهد:\n١ فعَنْ جَابرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لَا تَقْرَأِ الْحَائِضُ وَلَا النُّفَسَاءُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا» (^٢).\n٢ - عَنْ مَالِكِ بْنِ عُبَادَةَ الْغَافِقِيِّ، قَالَ: أَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ جُنُبٌ، فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَجَرَّنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّكَ أَكَلْتَ وَأَنْتَ جُنُبٌ. قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأْتُ أَكَلْتُ وَشَرِبْتُ، وَلَكِنِّي لَا أُصَلِّي وَلَا أَقْرَأُ حَتَّى أَغْتَسِلَ» (^٣).\n٣ - عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ رَوَاحَةَ مُضْطَجِعًا إِلَى جَنْبِ امْرَأَتِهِ، فَقَامَ إِلَى جَارِيَةٍ لَهُ فِي نَاحِيَةِ الْحُجْرَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، وَفَزَعَتِ امْرَأَتُهُ فَلَمْ تَجِدْهُ فِي مَضْجَعِهِ، فَقَامَتْ وَخَرَجَتْ فَرَأَتْهُ عَلَى جَارِيَتِهِ، فَرَجَعَتْ إِلَى الْبَيْتِ فَأَخَذَتِ الشَّفْرَةَ ثُمَّ خَرَجَتْ، وَفَرَغَ فَقَامَ فَلَقِيَهَا تَحْمِلُ الشَّفْرَةَ، فَقَالَ: مَهْيَمْ؟ فَقَالَتْ: مَهْيَمْ لَوْ أَدْرَكَتُكَ حَيْثُ رَأَيْتُكَ لَوَجَأْتُ بَيْنَ كَتِفَيْكَ بِهَذِهِ الشَّفْرَةِ!! قَالَ: وَأَيْنَ رَأَيْتِنِي؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ عَلَى الْجَارِيَةِ!! فَقَالَ: مَا رَأَيْتِنِي، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ. قَالَتْ: فَاقْرَأْ!! فَقَالَ:\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا: أخرجه الدارقطني (١/ ١١٨) وفي إسناده: الحارث: كذاب، وأبو مالك النخعي: ضعيف، وأبو نعيم النخعي: ضعيف. ورواه ابن أبي شيبة (١١١٣) عن وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق عن الحارث عن عليّ. قال: اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ تَكُنْ جُنُبًا. فهذا ضعيف موقوف.\n(^٢) أخرجه الدارقطني (٢/ ٨٧) وفي إسناده محمد بن فضل قال ابن معين: كان كذابًا. ورواه الدارقطني (١/ ١٢١) من طريق يحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير عن جابر موقوفًا، ويحيى ضعيف جدًّا. ورواه ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٩٧) من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبي الزبير أنه سأل جابرًا عن المرأة الحائض والنفساء هل تقرأ شيئًا من القرآن؟ فقال جابر: لا. وفي إسناده ابن لهيعة، ضعيف.\n(^٣) ضعيف: أخرجه الطحاوي «شرح معاني الآثار» (١/ ٨٨)، والدارقطني «السنن» (١/ ١١٩) وغيرهما وفي إسناده ابن لهيعة ضعيف، وثعلبة بن أبي الكنود ذكره ابن حبان في «الثقات» (٤/ ٩٩)، وذكره البخاري وابن أبي حاتم وسكتا عنه كما في «التاريخ الكبير» (٢/ ١٧٥) و«الجرح والتعديل» (٢/ ٤٦٣)، وتابع ابن لهيعة الواقدي كما في «الخلافيات» للبيهقي (٢/ ٢٠). والواقدي: متروك.","vol":"1","page":502},{"text":"أَتَانَا رَسُولُ الله يَتْلُو كِتَابَهُ … كَمَا لَاحَ مَشْهُورٌ مِنَ الْفَجْرِ سَاطِع\nأَتَى بِالْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا … بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ\nيَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ … إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ\nفَقَالَتْ: آمَنْتُ بِالله وَكَذَّبْتُ الْبَصَرَ!! ثُمَّ غَدَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ، فَأَخْبَرَهُ فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ ﷺ (^١).\nواعترض على هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: أنه لم يصح عن رسول الله.\nالثاني: ما قاله ابن حزم: فَأَمَّا مَنْ مَنَعَ الْجُنُبَ مِنْ قِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ، فَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الله بْنُ سَلَمَةَ عن عليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَكُنْ يَحْجِزُهُ عَنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ» وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ أَنْ يَقْرَأَ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِعْلٌ مِنْهُ ﷺ لَا يُلْزِمُ، وَلَا بَيَّنَ ﷺ أَنَّهُ إنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مِنْ أَجْلِ الْجَنَابَةِ.\nوَقَدْ يُتَّفَقُ لَهُ ﷺ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَيْسَ مِنْ أَجْلِ الْجَنَابَةِ، وَهُوَ ﷺ لَمْ يَصُمْ قَطُّ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَزِدْ قَطُّ فِي قِيَامِهِ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَكَلَ قَطُّ عَلَى خِوَانٍ، وَلَا أَكَلَ مُتَّكِئًا، أَفَيَحْرُمُ أَنْ يُصَامَ شَهْرٌ كَامِلٌ غَيْرُ رَمَضَانَ أَوْ أَنْ يَتَهَجَّدَ الْمَرْءُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، أَوْ أَنْ يَأْكُلَ عَلَى خِوَانٍ أَوْ أَنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا؟ هَذَا لَا يَقُولُونَهُ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا،\n_________\n(^١) القصة ضعيفة والأبيات ثابتة عن ابن رواحة من طرق أخرى، أخرجه الدارقطني (١/ ١٢٠). وفي إسناده: زمعة بن صالح: ضعيف، وعكرمة لم يسمع من ابن رواحة. قال النووي: «المجموع» (٢/ ١٥٩): ولكن إسناد هذه القصة ضعيف ومنقطع. وقال محمد رشيد رضا في «فتاويه» (٣/ ٩٧٠): أما وجه من حكى بوضعها، فهو ما فيه من نسبة تعمد الكذب من صحابي من الأنصار الأولين الصادقين الصالحين، وتسمية الشعر قرآنًا، أي نسبته إلى الله ﷿ القائل فيه: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ وإقرار النبي له على ذلك بالضحك الدال على الاستحسان كما صرح به في بعض الروايات، وقد صرح العلماء بأن من نسب إلى القرآن ما ليس منه كان مرتدًّا.\nقلت: ولهذا الحديث شواهد كلها ضعيفة.","vol":"1","page":503},{"text":"وَقَدْ جَاءَتْ آثَارٌ فِي نَهْيِ الْجُنُبِ وَمَنْ لَيْسَ عَلَى طُهْرٍ عَنْ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا مِنِ الْقُرْآنِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ (^١).\nأما دليلهم من المأثور: فعَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ (^٢).\nوعن ابن عمر أنه قال: «لَا يَسْجُد الرَّجُلُ وَلَا يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ» (^٣).\nوعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ هَلْ تَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لَا (^٤).\nواعترض عليه: بأنه لا يصح.\nالقول الثاني: جواز قراءة القرآن للجنب والحائض، وهو قول الشافعي في القديم ورواية عن أحمد وابن تيمية وابن القيم والظاهرية والبخاري والطبري وابن المنذر (^٥).\nواستدلوا بعموم حديث عائشة: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» (^٦). وذِكْر الله يشمل التسبيح والتحميد وقراءة القرآن.\nوالدليل على أن القرآن ذِكْر عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحجر: ٩].\nوفي الصحيحين من حديث عائشة لما خرجَتْ للحج فحاضت فقال لها النبي ﷺ: «فَافْعَلِي\n_________\n(^١) «المحلى» (مسألة ١١٦).\n(^٢) صحيح: أخرجه عبد الرزاق (١٣٠٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٩٧) وغيرهما.\n(^٣) صحيح: وقد سبق.\n(^٤) أخرجه الدارقطني (١/ ١٢١) وفي إسناده يحيى بن أبي أنيسة: متروك. قلت وورد عن ابن مسعود بهذا المعنى، أخرجه ابن أبي شيبة (١٠٨٧)، وفيه انقطاع بين إبراهيم النخعي وابن مسعود.\n(^٥) «روضة الطالبين» (١/ ٨٦)، و«المجموع» (٢/ ٣٨٧)، و«فتح الباري» (١/ ٤٠٧)، و«المحلى» (١/ ٩٤)، و«مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١١)، و«الإنصاف» (١/ ٢٤٩)، و«الأوسط» (٢/ ٩٩).\n(^٦) «البخاري» (٣٠٥)، و«مسلم (١١٧).","vol":"1","page":504},{"text":"مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي».\nفالحائض يباح لها كل شيء بما في ذلك قراءة القرآن إلا الطواف بالبيت.\nواعترض عليه بأن ذلك مقصور على أفعال الحج من طواف ورمي وغيرهما، وليست قراءة القرآن من أفعال المناسك، فلا يدخل في عموم قوله ﷺ: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ».\nوأجيب عنه بما قاله الحافظ: وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَه ابْنُ رَشِيدٍ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ وَغَيْرِهِ أِنَّ مُرَادَهُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ جَمِيعِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَاهُ لِكَوْنِهِ صَلَاةً مَخْصُوصَةً، وَأَعْمَالُ الْحَجِّ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْر وَتَلْبِيَةٍ وَدُعَاءٍ، وَلَمْ تُمْنَعِ الْحَائِضُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْجُنُبُ لِأَنَّ حَدَثَهَا أَغْلَظُ مِنْ حَدَثِهِ، وَمَنْعُ الْقِرَاءَةِ إِنْ كَانَ لِكَوْنِهِ ذِكْرا لِله فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذُكِر، وَإِنْ كَانَ تَعَبُّدًا فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ (^١).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين عن ابن عباس ﴿في حديث طويل أن رَسولَ اللهِ إِلَيَّ هِرَقْلُ كِتَابًا وَفِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٦٤﴾ (^٢). فإذا كان يجوز لغير المسلم أن يقرأ آية من كتاب الله، فيجوز قراءة القرآن للحائض والجنب من باب أَوْلى.\nقال ابن حزم: بعض الآية والآية قرآن بلا شك، ولا فرق بين أن يباح له آية أو أن يباح له أخرى، أو بين أن يُمنع من آية أو يُمنع من أخرى.\nوالراجح: القول بجواز قراءة القرآن للحائض والجنب؛ لأن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه. والذِّكْر قد يكون بقراءة القرآن وقد يكون بغيره، ولا يصح دليل في منع الحائض من قراءة القرآن.\n_________\n(^١) «فتح الباري» (١/ ٤٠٨).\n(^٢) «البخاري» (٧)، و«مسلم» (١٧٧٣).","vol":"1","page":505},{"text":"قال مالك: فَأَمَّا الْحَائِضُ فَلَهَا أَنْ تَقْرَأَ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ طُهْرَهَا. يُرِيدُ فَإِنْ طَهُرَتْ وَلَمْ تَغْتَسِلْ بِالْمَاءِ فَلَا تَقْرَأُ حِينَئِذٍ لِأَنَّهَا قَدْ مَلَكَتْ طُهْرَهَا (^١).\nقال شيخ الإسلام: لَيْسَ فِي مَنْعِهَا (أي الحائض) مِنَ الْقُرْآنِ سُنَّةٌ أَصْلًا، فَإِنَّ قَوْلَهُ: «لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ، رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَحَادِيثُهُ عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ يَغْلَطُ فِيهَا كَثِيرًا وَلَيْسَ لِهَذَا أَصْلٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا حَدَّثَ بِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلَا عَنْ نَافِعٍ وَلَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَصْحَابُهُمْ الْمَعْرُوفُونَ بِنَقْلِ السُّنَنِ عَنْهُمْ، وَقَدْ كَانَ النِّسَاءُ يَحِضْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، فَلَوْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِنَّ كَالصَّلَاةِ، لَكَانَ هَذَا مِمَّا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ وَتَعْلَّمُهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَنْقُلُونَهُ إلَى النَّاسِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ نَهْيًا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُجْعَلَ حَرَامًا، مَعَ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ مَعَ كَثْرَةِ الْحَيْضِ فِي زَمَنِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمِ (^٢).\nوقال ابن القيم: جَوَازُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لَهَا وَهِيَ حَائِضٌ؛ إذْ لَا يُمْكِنُهَا التَّعَوُّضُ عَنْهَا زَمَنَ الطُّهْرِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ قَدْ يَمْتَدُّ بِهَا غَالِبُهُ أَوْ أَكْثَرُهُ، فَلَوْ مُنِعَتْ مِنَ الْقِرَاءَةِ لَفَاتَتْ عَلَيْهَا مَصْلَحَتُهَا، وَرُبَّمَا نَسِيَتْ مَا حَفِظَتْهُ زَمَنَ طُهْرِهَا، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَمْنَعِ الْحَائِضَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَحَدِيثُ «لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» لَمْ يَصِحَّ؛ فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مَعْلُولٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) «التاج والإكليل» (١/ ٣١٧)، ومالك يفرق بين الجنب والحائض، فالجنب لا يقرأ حتى يتطهر لأن له أن يسرع في الاغتسال بخلاف الحائض. (قلت): ولا دليل على ذلك.\n(^٢) «مجموع الفتاوي» (٢٦/ ١٩١).\n(^٣) «إعلام الموقعين» (٣/ ٢٣).","vol":"1","page":506},{"text":"<span data-type='title' id=toc-448>المبحث الثاني\nلا يحرم على الجنب والحائض مس المصحف</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه يحرم على المحدث مس المصحف، وهو قول الأئمة الأربعة (^١).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ٧٧ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ٧٨ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٧٩﴾ [الواقعة: ٧٩].\nوجه الدلالة: إنه لقرآن كريم لا يمسه إلا طاهر من الحدث الأصغر والأكبر، فدل ذلك على حرمة مس المصحف للمحدث، سواء كان حدثًا أصغر أم أكبر.\nواعترض عليه: بأن المراد بالمطهرون: الملائكة، والضمير في قوله ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ يعود إلى الكتاب المكنون وهو أقرب مذكور.\nقال ابن المنذر: قال أنس (^٢) وابن جبير ومجاهد والضحاك وأبو العالية: المراد بالآية: الملائكة (^٣).\nقلت: وهو قول ورد عن ابن عباس (^٤).\nوعن مجاهد قال: القرآن: كتابه المكنون: الذي لا يمسه شيء من تراب ولا غبار، لا يمسه\n_________\n(^١) «شرح فتح القدير» (١/ ١٦٨)، «بدائع الصنائع» (١/ ٣٣ - ٣٤)، «مختصر خليل» (ص ١٤)،، مغني المحتاج (١/ ٣٦)، «المجموع» (٢/ ٧٧)، «الإنصاف» (١/ ٢٢٢)، «المغني» (١/ ٢٠٢).\n(^٢) أخرجه ابن المنذر وسعيد ين منصور عن أنس ﵁ ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٧٩﴾ قال: الملائكة ﵈. عن أبي الأحوص عن عاصم الأحول عن أنس. وسنده حسن.\n(^٣) «الأوسط» (١/ ١٠٣) والطبري في «تفسيره» (٢٣/ ١٥٠)، وثبت عن ابن مجاهد وأبي العالية.\n(^٤) «تفسير الطبري» (١١/ ٦٥٩)، وإسناده ضعيف؛ لضعف حكيم بن جبير.","vol":"1","page":507},{"text":"إلا المطهرون. قال: الملائكة ﵈ (^١).\nقال الزركشي: ورد بأن المشهور عن السلف وأهل التفسير أن الكتاب اللوح المحفوظ، وأن ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ الملائكة، ويؤيده الآية الأخرى: ﴿كَلا إِنَّهَا تَذِكْرةٌ فَمَنْ شَاءَ ذِكْرهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ وأيضًا الإخبار بأنه ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ أي مصون، لا تناله أيدي الضالين، وهذه صفة اللوح المحفوظ (^٢).\nأما دليلهم من السنة: فعن ابن عمر ﴿قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» (^٣).\nوله شواهد:\n١ - فعَنْ حَكيمِ بْنِ حِزَامٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ عَلَى طُهْرٍ» (^٤).\n_________\n(^١) «الدر المنثور» (٨/ ٢٦)، والطبري «تفسيره» (٢٣/ ١٥١) وإسناده حسن.\n(^٢) «شرح الزركشي» (١/ ٢١٠)، وانظر الطبري (٢٣/ ١٥٢)، والبغوي في «تفسيره» (٥/ ١٩) «لا يمسه» أي: ذلك الكتاب المكنون، «إلا المطهرون» وهم الملائكة الموصوفون بالطهارة.\n(^٣) ضعيف: أخرجه الدارقطني (١/ ١٢٢)، والبيهقي (١/ ٨٨) وغيرهما من طريق سعيد بن محمد بن ثواب ثنا أبو عاصم، ثنا ابن جريج عن سليمان بن موسى قال: سمعت سالمًا يحدث عن أبيه به\nوقد أعل هذا الطريق بثلاث علل:\nالأولى: ابن جريج مدلس وقد عنعن.\nالثانية: سليمان بن موسى وإن كان وثقه الدارقطني وابن سعد ودحيم، فقد قال البخاري: عنده مناكير. وقال المديني: مطعون عليه. وقال النسائي: في حديثه شيء. وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب. وذكره العقيلي في الضعفاء. وقال الحافظ: صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل.\n(قلت): هل يُقبل حديث مَنْ هذا حاله، في أمر تحتاج إليه عموم أمة محمد ﷺ؟\nالثالثة: في إسناده سعيد بن محمد بن ثواب لم يوثقه إلا ابن حبان.\n(^٤) ضعيف: أخرجه الدارقطني (١/ ١٢٢)، والحاكم (٣/ ٤٨٥)، والطبراني «الكبير» (٣١٣٥) وغيرهم.\nولهذا الحديث علل:\nالأولى: في إسناده مطر الوراق، فإن كان ذكره ابن حبان في الثقات، فقد قال: ربما أخطأ. وإن كان قال فيه العجلي: لا بأس به. فقد ضَعَّفه النسائي، وأبو داود، ويحيى بن القطان، وأبو زرعة، وشعبة، والدارقطني، وابن عدي.\nالثانية: في إسناده: سويد بن إبراهيم الجحدري: قال الحافظ في «لسان الميزان» (٧/ ٢٤٠): لين.\nالثالثة: في إسناده إسماعيل بن إبراهيم. في التقريب: لين الحديث.","vol":"1","page":508},{"text":"٢ - عَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ - وَكَانَ شَابًّا -: وَفَدْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَنِي أَفْضَلَهُمْ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ، فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «… وَلَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ» (^١).\n٢ - عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» (^٢).\n٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي زُهْرَةَ لَقِيَ عُمَرَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ تَعْمِدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَ مُحَمَّدًا. قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى الْعَجَبِ يَا عُمَرُ؟! إِنَّ خَتَنَكَ سَعِيدًا وَأُخْتَكَ قَدْ صَبَوا وَتَرَكَا دِينَهُمَا الَّذِي هُمَا عَلَيْهِ. قَالَ: فَمَشَى عُمَرُ إِلَيْهِمْ ذَامِرًا حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ الْبَابِ. قَالَ: وَكَانَ عِنْدَهُمَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: خَبَّابٌ يُقْرِئُهُمَا سُورَةَ طَهْ، فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ بِحِسِّ عُمَرَ دَخَلَ تَحْتَ سَرِيرٍ لَهُمَا، فَدَخَلَ عُمَرُ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ الَّتِي رَأَيْتُهَا عِنْدَكُمَا؟ قَالَا: مَا عَدَا حَدِيثًا تَحَدَّثْنَاهُ بَيْنَنَا. قَالَ: لَعَلَّكُمَا صَبَوْتُمَا وَتَرَكْتُمَا دِينَكُمَا الَّذِي أَنْتُمَا عَلَيْهِ؟ فَقَالَ لَهُ خَتَنُهُ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: يَا عُمَرُ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ؟ فَأَقْبَلَ عَلَى خَتَنِهِ فَوَطِئَهُ وَطْئًا شَدِيدًا. قَالَ: فَدَفَعَتْهُ أُخْتُهُ عَنْ زَوْجِهَا، فَضَرَبَ وَجْهَهَا فَأَدْمَى وَجْهَهَا، فَقَالَتْ وَهِيَ غَضْبَى: يَا عُمَرُ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، قَالَ: فَلَمَّا يَئِسَ عُمَرُ، قَالَ: أَعْطُونِي هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي عِنْدَكُمْ فَأَقْرَأَهُ. فَقَالَتْ أُخْتُهُ:\n_________\n(^١) ضعيف جدًا: أخرجه الطبراني «الكبير» (٨٣٣٦)، وفي إسناده: إسماعيل بن رافع: ضعيف جدًّا، وفي السند محمد بن سعيد بن عبد الملك، قال فيه الذهبي: تابعي صغير أرسل لا يُدرى من هو. «الميزان» (٣/ ٥٦٤)، وفي السند هشام بن سليمان المكي: لين الحديث.\n(^٢) «في بيان الوهم والإيهام» (٣/ ٤٦٥)، قال ابن القطان: وهو إسناد في غاية الضعف، لم أجد للنضر ابن شفي ذكرًا في شيء من مظان وجوده وهو مجهول جدًّا، وأما الخصيب بن جحدر، فقد رماه ابن معين بالكذب، واتقى أحمد حديثه، وقال أبو حاتم: له أحاديث مناكير. انظر «نصب الراية» (١/ ١٩٩).","vol":"1","page":509},{"text":"إِنَّكَ رِجْسٌ وَلَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، قُمْ فَاغْتَسِلْ أَوْ تَوَضَّأْ (^١).\n٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرَآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ (^٢).\nواعترض بأن هذه الأحاديث لا تصح عن رسول الله ﷺ، ولو صحت فقد يكون المراد: «لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ» أي مشرك لعموم قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، ولما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ الله ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟»، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ الله، يَا أَبَا هِرٍّ إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (^٣).\nقال ابن حزم: وَأَمَّا مَسُّ الْمُصْحَفِ فَإِنَّ الْآثَارَ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَنْ لَمْ يُجِزْ لِلْجُنُبِ مَسَّهُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا إمَّا مُرْسَلَةٌ وَإِمَّا صَحِيفَةٌ لَا تُسْنَدُ وَإِمَّا عَنْ مَجْهُولٍ وَإِمَّا عَنْ ضَعِيفٍ، وَقَدْ تَقَصَّيْنَاهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ (^٤).\nالقول الثاني: يجوز مس المصحف للمحدث والحائض، ويستحب الطهارة له، وهو قول\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه الحاكم (٤/ ٦٥)، والبيهقي «الكبرى» (١/ ٨٨) وفي إسناده: القاسم بن عثمان ضعيف. وفي الباب حديث ثوبان وابن عباس وغيرهما ولا يصح منهم حديث.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد «فضائل القرآن» (١٢١٤)، ومالك «الموطأ» (٢٩٦) وأبو داود «المراسيل» (٩٠) وغيرهم من طريقي مالك ومحمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر به. قال البيهقي «معرفة السنن» (١/ ٣١٨): رواه الشافعي وهو منقطع. وأخرجه عبد الرزاق (١٣٢٨)، والنسائي «السنن» (٤٨٧٢)، من طريق مالك، عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه به.\nوأخرجه أبو داود «المراسيل» (٨٩٨)، والدارقطني (١/ ١٢١)، وفي إسناده محمد بن عمارة يخطئ.\nوأخرجه الدارمي (٢٣١٢) من طرق عن الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن عبد الله به. واختلف في اسم سليمان هل هو ابن داود أو ابن أرقم، ورجح النسائي ابن أرقم. (قلت): وهو متروك، انظر «نصب الراية» (٢/ ٣٤٢) و«الرسالة» للشافعي (ص ٤٢٢).\n(^٣) «البخاري» (٢٨٥)، و«مسلم» (٣٧١).\n(^٤) «المحلى» (١/ ٨٣).","vol":"1","page":510},{"text":"ابن المنذر وابن حزم (^١) لعموم حديث عائشة قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذِكْر الله عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» (^٢)، والذِّكْر قد يكون بقراءة القرآن وقد يكون بغيره من التسبيح والتحميد والتكبير، دل على أن القرآن ذِكْر عموم قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ٩﴾.\nواستدلوا أيضًا بأنه إذا كان مس المصحف بحائل بعصا أو غيره جائزًا، فمسه باليد أَوْلى لأن يد المسلمة طاهرة، دل على هذا المعنى ما رواه مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ: نَاوِلِينِي الثَّوْبَ» فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» فَنَاوَلَتْهُ (^٣). فالرسول طلب من عائشة الثوب، فقالت: إني حائض، أي: كيف أعطيك الثوب بيدي وأنا حائض؟! فقال النبي: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» أي: إن كان الحيض نجسًا فهو في الفرج، بينما اليد التي تعطني الثوب طاهرة، فكذا اليد التي تمس المصحف طاهرة، وممايدل على طهارة يد الحائض ما رواه مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْسِلُ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ» (^٤). فلوكانت اليد نجسة بسبب الحيض لما غسلت عائشة رأس النبي.\nقال ابن المنذر: وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ لَا تُنَجِّسُ مَا تَمَسُّ إِذْ لَيْسَ جَمِيعُ بَدَنِهَا نَجِسًا، وَإِذَا ثَبَتَ أَنْ بَدَنَهَا غَيْرُ نَجِسٍ إِلَّا الْفَرْجَ ثَبَتَ أَنَّ النَّجَسَ فِي الْفَرْجِ لِكَوْنِ الدَّمِ فِيهِ وَسَائِرُ الْبَدَنِ طَاهِرٌ (^٥).\nواستدلوا بأنه إذا كان المشرك نجسًا لقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وجائز له أن يمس صحيفة بها آية من كتاب الله، فمسُّ المسلم للمصحف أَوْلى بالجواز؛ لأن المسلم لا ينجس. دل على هذا المعنى ما ورد في الصحيحين أن النبي ﷺ بعث إلى هرقل عظيم الروم: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ\n_________\n(^١) «الأوسط» (٢/ ١٠٣)، و«المحلى» (مسألة ١١٦).\n(^٢) «مسلم» (٣٧٣).\n(^٣) «مسلم» (٢٢٩).\n(^٤) «مسلم» ٢٩٧).\n(^٥) «الأوسط» (٢/ ١٠٤).","vol":"1","page":511},{"text":"الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ، وَ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٦٤﴾ (^١).\nوجه الدلالة: ما قاله ابن حزم: فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ إلَى هِرَقْلَ آيَةً وَاحِدَةً. قِيلَ لَهُمْ: وَلَمْ يَمْنَعْ ﷺ مِنْ غَيْرِهَا، وَأَنْتُمْ أَهْلُ قِيَاسٍ، فَإِنْ لَمْ تَقِيسُوا عَلَى الْآيَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهَا فَلَا تَقِيسُوا عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرَهَا (^٢).\nواستدلوا بأنه لا يجب الوضوء لمس المصحف، بل الوضوء للصلاة لما روى مسلم من حديث سَعِيدِ بْن حُوَيْرِثٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى حَاجَتَهُ مِنَ الْخَلَاءِ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فَأَكَلَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً»، قَالَ: وَزَادَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأْ؟ قَالَ: «مَا أَرَدْتُ صَلَاةً فَأَتَوَضَّأَ» وَزَعَمَ عَمْرٌو أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ (^٣).\nواستدلوا بالقياس: فإذا كان يجوز قراءة القرآن للمحدث فكذا يجوز مس المصحف.\nقال النووي: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْمُحْدِثِ، وَالْأَفْضَلُ أَنَّهُ يَتَطَهَّرُ لَهَا.\nقلت: وقد ذهب حبر الأمة ابن عباس إلى جواز مس المصحف للمحدث (^٤).\nوالراجح: جواز مس المصحف للحائض والجنب، دل على ذلك أن مس المصحف يكون باليد، ويد وبدن الحائض والجنب طاهر، ودل على ذلك ما رواه مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ: نَاوِلِينِي الثَّوْبَ» فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» فَنَاوَلَتْهُ.\n_________\n(^١) «البخاري» (٧)، و«مسلم» (١٧٧٣).\n(^٢) «المحلى» (مسألة ١١٦).\n(^٣) رواه عبد بن حميد «المنتخب» (٦٩٠) قال: أخبرنا عبد الرزاق، نا معمر، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس به وفيه: «إنما أُمرتم بالوضوء والصلاة».\n(^٤) ذكره ابن الجوزي في «زاد المسير» () والشوكاني في «فتح القدير» (٥/ ١٦٠).","vol":"1","page":512},{"text":"فالرسول يطلب من عائشة الثوب فقالت: إني حائض، أي كيف أعطيك الثوب بيدي وأنا حائض؟ فقال رسول الله ﷺ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» ثبت أن النجس في الفرج لكون الدم فيه، أما اليد فهي طاهرة فلا مانع أن تمس بها المصحف.\nوبعث النبي ﷺ كتابًا فيه آية من كتاب الله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ …﴾ إلى قوله ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وإذا جاز للمشرك أن يمس صحيفة بها آية من كتاب الله، فمسُّ المصحف للمسلم أَوْلى بالجواز لأن المؤمن لا ينجس.\nأما من حرم على الحائض والجنب مس المصحف فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ٧٧ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ٧٨ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٧٩﴾ [الواقعة].\nواعترض عليه بأن جمهور أهل التفسير على أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، والمطهرون الملائكة، ويؤيد ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ١٣ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ١٤ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ١٥ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ١٦﴾، وأيضًا الإخبار بأنه في كتاب مكنون، أي مصون لا تناله أيدي الضالين، وهذا صفة اللوح المحفوظ.\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»، ولا يصح عن رسول الله ﷺ وله شواهد كلها ضعيفة. وإذا كان يجوز مس المصحف بعصًا أو بغيرها فمسه باليد أَوْلى لأن اليد طاهرة.\n* * *","vol":"1","page":513},{"text":"<span data-type='title' id=toc-449>المبحث الثالث لا يحرم على الجنب ولا الحائض المكث في المسجد</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز للحائض المكث في المسجد، وبه قال الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nواستدلوا لهذا القول بالقرآن والسنة.\nأما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلموا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.\nوجه الدلالة: أن الله نهى الجنب عن قربان الصلاة، أي: مواضع الصلاة، وهي المساجد إلا مجتازًا (^٥)، وإذا نهى الجنب عن المكث في المسجد؛ فكذا الحائض.\nواعترض عليه: بأنه ذِكْر في أول الآية: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: لا تصلِّ وأنت جنب، والضمير يعود إلى الصلاة، أي أن الجنب وهو مسافر لا يقرب الصلاة إلا إذا لم يجد الماء فيتيمم ويصلي.\nوأجيب عنه بما قاله الشافعي: قال بَعْضُ أَهْلِ الْعِلم بِالْقُرْآنِ: مَعْنَاهَا: لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ. وما أَشْبَهَ ما قال بِمَا قال لِأَنَّهُ ليس في الصَّلَاةِ عُبُورُ سَبِيلٍ إنَّمَا عُبُورُ السَّبِيلِ في مَوْضِعِهَا\n_________\n(^١) «البحر الرائق» (١/ ٢٠٥)، «شرح فتح القدير» (١/ ١٦٥).\n(^٢) «المدونة» (١/ ١٨٦)، «منح الجليل» (١/ ١٧٤).\n(^٣) «المهذب» (١/ ٤٥)، «المجموع» (٢/ ١٥٦)، «الحاوي» (١/ ٣٨٤).\n(^٤) «المغني» (١/ ٢٠٠)، «المبدع» (١/ ٢٦٠)، «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٢٣ - ٢١٥).\n(^٥) «الأوسط» (٢/ ١٠٩).","vol":"1","page":514},{"text":"وهو المسْجِدُ (^١).\nواعترض عليه: بأنه لا يقاس الحائض على الجنب؛ لأن الجنب له أن يسرع في التطهر، أما الحائض فليس لها ذلك.\nواستدلوا بما روى البخاري من حديث أم عطية قالت: «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الحُيَّضَ يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المسْلمينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ» (^٢). قولها: «وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ» أي: مكان الصلاة، فدل ذلك على منع الحائض من دخول المسجد.\nواعترض على هذا الاستدلال: بأن المراد «وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ» أي: تعتزل الحائض الصلاة، دل على ذلك ما رواه مسلم عن أم عطية قالت: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ في الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى: الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ» (^٣). أي: أن المراد باعتزال الحيض المصلى هو حال الصلاة ليتسع المكان للنساء الطاهرات ثم يختلطن بهن بعد الصلاة (^٤)، ثم إن الصلاة كانت في الفضاء وليست في المسجد.\nواستدلوا بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ جَاءَ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ في المَسْجِدِ، فَقَالَ: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ المسْجِدِ، فَإِنِّي لَا أُحِلُّ المسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا\n_________\n(^١) «الأم» (١/ ٥٤)، قلت: وقد ورد هذا التفسير عن ابن عباس، أخرجه الدارمي (١١٧٤)، وابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ١٠٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٤٤٣)، وفي إسناده عيسى ابن ماهان، قال فيه الحافظ: صدوق. وورد عن أنس كما عند الدارمي (١١٧٥) والبيهقي في «الكبرى» (٢/ ٤٤٣) وفي إسناده الحسن بن أبي جعفر، منكر الحديث.\nوورد عن ابن مسعود كما عند عبد الرزاق (٤١٢١)، وابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ١٠٦)، والبيهقي (٢/ ٤٤٣) وهو ضعيف، فإن أبا عبيدة لم يسمع من ابن مسعود.\nوقد رواه الطبري في «تفسيره» (٤/ ١٠٢) بإسناد فيه ضعف، وهو مرسل.\n(^٢) البخاري (٣٥١)، ومسلم (٨٩٠).\n(^٣) مسلم (٨٩٠).\n(^٤) شرح البخاري لابن رجب (٢/ ١٤٢).","vol":"1","page":515},{"text":"جُنُبٍ» (^١)، وهذا أصرح ما ورد في الباب وليته صح.\nوأيضًا من أصرح ما ورد أثر عائشة قالت: كن المعتكفات إذا حِضن أمر رسول الله ﷺ بإخراجهن من المسجد، وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن (^٢). قلت: وهذا الحديث لم أقف له على إسناد.\nالدليل الثالث: في الصحيحين قول النبي ﷺ لعائشة، وفيه: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» (^٣)، منع الطواف للحائض؛ وذلك لئلا يتلوث المسجد.\nواعترض على هذا الاستدلال بأن المنع من الطواف فقط ليس فيه المنع من دخول المسجد، بل الطواف أخص.\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أبو داود (٢٣٢)، وابن خزيمة (١٣٢٧)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ٦٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٤٤٢) من طريق عبد الواحد بن زياد عن أفلت بن خليفة قال: حدثتني جسرة بن دجاجة، قالت: سمعت عائشة … به.\nولهذا الحديث ثلاث علل:\nالأولى: تفرُّد جسرة بهذا الحديث، وقد قال البخاري: عند جسرة عجائب.\nالثانية: في إسناده أفلت بن خليفة وإن كان قال فيه أحمد: لا بأس به، فقد قال ابن المنذر: أفلت لا يجوز الاحتجاج بحديثه. كما في «الأوسط» (٢/ ١١٠)، وقال ابن حزم: أفلت غير مشهور ولا معروف. كما في «المحلى» (٢/ ٢٥٣)، وقال الخطابي في «معالم السنن» (١/ ١٥٨): وضعفوا هذا الحديث وقالوا: أفلت راوية مجهول لا يصح الاحتجاج بحديثه.\nالثالثة: أنه اختلف على جسرة، فرواه الأفلت عنها عن عائشة، ورواه ابن غنية عن أبي الخطاب الهجري عن محدوج الذهلي عن جسرة قالت: أخبرتني أم سلمة .. الحديث. أخرجه ابن ماجه (٦٤٥)، والطبراني في «الكبير» (٢٣/ ٣٧٣) (ح ٨٨٣)، وابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٩٩) وقال: قال أبو زرعة: يقولون: عن جسرة عن أم سلمة، والصحيح عن عائشة. وقال ابن حزم في «المحلى» (٢/ ١٨٥): وأما مَحْدُوجٌ فَسَاقِطٌ يَرْوِي المُعْضِلَاتِ عن جَسْرَةَ، وأبو الْخَطَّابِ الْهَجَرِيُّ مَجْهُولٌ. وسرد الطرق وقال: وهذا كُلُّهُ بَاطِلٌ.\n(^٢) عزاه ابن قدامة في «المغني» (٤/ ٤٨٧) لأبي حفص العكبري، وهو عند ابن مفلح في «الفروع» (٣/ ١٧٦)، وقال: إسناده جيد.\n(^٣) البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢٠ - ١٢١١).","vol":"1","page":516},{"text":"واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ في المسْجِدِ وَهِيَ في حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ (^١). ولو كان يجوز للحائض دخول المسجد لدخلت المسجد ورجَّلته فيه.\nواعترض عليه: بأنه لا يلزم ذلك؛ لأنه قد يكون في المسجد رجال أجانب أو أن المسجد ليس محلًّا للترجل أو غير ذلك من الأسباب، فليس فيه دلالة على منع الحائض من دخول المسجد.\nالقول الآخر: يجوز للحائض المكث في المسجد. وهو قول المزني من الشافعية (^٢) وقول الظاهرية (^٣).\nواستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: لَقِيَنِي رَسُولُ الله ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ فَانْسَلَلْتُ فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فقال: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟» فقال له، فقال: «سُبْحَانَ الله يَا أَبَا هِرٍّ إِنَّ المؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (^٤). فإذا كان المؤمن لا ينجس، فهو طاهر، فلا يُمنع من دخول المسجد، وقد يقال: إن المؤمن لا ينجس، أي: طاهر بإيمانه طهارة معنوية، وإن المشرك نجس بالشرك.\nواستدلوا بما روى سعيد بن منصور عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، قَالَ: رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولُ الله ﷺ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُون؛ إِذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاة (^٥).\nوجه الدلالة: أنه إذا كان الجنب يجلس ويمكث في المسجد إذا توضأ، فكذا الحائض.\nواعترض عليه بأن الحديث في إسناده هشام بن سعد، وقد ضعفه غير واحد من أهل العلم.\nوقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ …﴾ الآية، أي: أن الجنب لا يمكث في المسجد إلا مارًّا به، وهذا أرجح الأقوال في تفسير الآية.\n_________\n(^١) البخاري (٢٠٣١)، ومسلم (٢٩٧).\n(^٢) «المجموع» (٢/ ١٦٠).\n(^٣) «المحلى» مسألة (٢٦٢).\n(^٤) البخاري واللفظ له (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١).\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور (٦٤٦)، وابن المنذر «الأوسط» (١/ ١٠٨) وفي إسناده هشام بن سعد، ضعيف الحديث.","vol":"1","page":517},{"text":"واستدلوا بما روى مسلم عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ: «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ المسْجِدِ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يَدِكِ» (^١).\nوجه الدلالة: أن عائشة دخلت المسجد وهي حائض.\nواعترض عليه: بأن إتيان عائشة بالخمرة مِنَ المَسجد ليس بمكث، ولكنه مرور، والمرور للحائض في المسجد جائز.\nوأجيب: بأن الحديث مطلق «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ من المسْجِدِ» فدخول عائشة المسجد يشمل المرور والمكث. وقوله ﷺ: «إن حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يَدِكِ» أي أن يدك هي التي سوف تباشر الخمرة أو الثوب، ويدك طاهرة فليست الحيضة في اليد. وإن كان منع الحائض من المسجد هو تلويثه فلتستثفر بثوب لتمنع.\nواعترض عليه بما نقل النووي عن الْقَاضِي عِيَاضٍ قال: مَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا ذَلِكَ مِنَ الْمَسْجِدِ، أَيْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ لِتُنَاوِلِهُ إِيَّاهَا مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ لَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تُخْرِجَهَا لَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مُعْتَكِفًا وَكَانَتْ عَائِشَةُ فِي حُجْرَتِهَا وَهِيَ حَائِضٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» فَإِنَّمَا خَافَتْ مِنْ إِدْخَالِ يَدِهَا الْمَسْجِدَ، وَلَوْ كَانَ أَمَرَهَا بِدُخُولِ الْمَسْجِدِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الْيَدِ مَعْنًى.\nواستدلوا بما رواه البخاري عن عائشة: أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ العَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ، وفيه: .. فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَأَسْلَمَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ في المسْجِدِ … (^٢).\nفهذه امرأة تنظف المسجد وتمكث فيه، والحيض كتبه الله على بنات آدم، ولم يرد أن النبي ﷺ أمرها بالخروج من المسجد وقت الحيض.\nقال ابن رجب: استدل بحديث عائشة أهل الظاهر على جواز مكث الحائض في المسجد؛ لأن المرأة لا تخلو من الحيض كل شهر غالبًا. وفي ذلك نظر؛ لأنها قضية عين لا\n_________\n(^١) مسلم (٢٩٨).\n(^٢) البخاري (٤٣٩).","vol":"1","page":518},{"text":"عموم لها، ويحتمل أن هذه السوداء كانت عجوزًا قد يئست من المحيض (^١).\nوأجيب عنه بما قاله ابن حزم: فَهَذِهِ امْرَأَةٌ سَاكِنَةٌ في مَسْجِدِ النبي ﷺ، وَالَمعْهُودُ من النِّسَاءِ الْحَيْضُ، فما مَنَعَهَا ﵇ من ذلك وَلَا نَهَى عَنْهُ وَكُلُّ ما لم يَنْهَ ﷺ عَنْهُ فَمُبَاحٌ (^٢).\nواستدلوا بما روى البخاري عن أبي هريرة: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ المسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (^٣) فإذا كان المشرك يمكث في المسجد يومًا واثنين وثلاثة فمن باب أَوْلى جواز مكث الحائض في المسجد.\nوالأصل جواز مكث الحائض في المسجد، وليس هناك دليل صحيح صريح يمنع الحائض من دخول المسجد، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) شرح البخاري لابن رجب (٣/ ٢٥٤).\n(^٢) «المحلى» (٢/ ٢٥٣).\n(^٣) البخاري (٤٦٢).","vol":"1","page":519},{"text":"<span data-type='title' id=toc-450>المبحث الرابع لا يحرم على الجنب الأذان</span>\nاختلف العلماء في حكم أذان الجنب على أقوال:\nالقول الأول: يُكره أذان الجنب، وهو قول الحنفية وقول عند المالكية والشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة (^١).\nواستدلوا بما روى البيهقي عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَقٌّ وَسُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ أَنْ لَا يُؤَذِّنَ الرَّجُلُ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ وَلَا يُؤَذِّنُ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ (^٢).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤَذِّنُ إِلاَّ مُتَوَضِّئٌ» (^٣).\nواعترض عليه بأنه لا يصح منهما حديث\nواستدلوا بالقياس، فكما أن الصلاة يشترط لها الطهارة، فكذا الأذان.\nواعترض عليه بأن المُحْدث حدثًا أصغر يجوز له الأذان، ولايجوزله الصلاة، فدل ذلك على أن هذا القياس فاسد.\nالقول الثاني: لا بأس بالأذان للجنب في غير المسجد، وهو قول في مذهب المالكية وقول عند الحنابلة (^٤) لأنه لم يأت نص صحيح بالنهي عن أذان الجنب، بل صح أن النبي كان يذكر\n_________\n(^١) «البحر الرائق» (١/ ٢٧٧)، «مواهب الخليل» (١/ ٤٣٥)، «كشاف القناع» (١/ ٣٢٩).\n(^٢) منكر: أخرجه البيهقي الكبرى (١/ ٥٧٧) وفي إسناده: سلمة بن سليمان الضبي: منكر الحديث.\nوفيه انقطاع: عبد الجبار لم يسمع من أبيه وائل بن حجر، قاله ابن معين «جامع التحصيل» (٢١٩).\n(^٣) ضعيف: أخرجه الترمذي (٢٠٠) وفي إسناده يحيى بن معاوية: ضعيف، وقد روى عن أبي هريرة موقوفًا عند ابن أبي شيبة (١/ ٢١١).\n(^٤) «مواهب الخليل» (١/ ٤٣٥)، و«الإنصاف» (١/ ٤١٥).","vol":"1","page":520},{"text":"الله على كل أحيانه، والجنب لا يُمنع من ذِكْر الله، فكذا لا يُمنع من الأذان.\nقال ابن حزم: لم يأت نص من كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ للجنب يمنعه، فصح أن كل ما لم يفصل لنا تحريمه فهو مباح (^١).\nوالراجح: أنه يباح للجنب الأذان، فالنبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه، والأذان ذِكْر، وليس هناك دليل يمنع من صحة أذان الجنب، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) «المحلى» (٣/ ١٤٣).","vol":"1","page":521},{"text":"<span data-type='title' id=toc-451>الفصل السابع\nما يستحب وما يُكره وما يباح للجنب</span>\nوفيه ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: ما يستحب للجنب وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: يستحب الوضوء إذا أراد أن ينام.\nالمبحث الثاني: يستحب الوضوء لمعاودة الوطء.\nالمبحث الثالث: يستحب الوضوء إذا أراد أن يأكل.\nالقسم الثاني: ما يكره للجنب، يكره اغتسال الجنب في الماء الدائم.\nالقسم الثالث: يباح ذبيحة الجنب وعرقه وبدنه طاهر، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: يحل ذبيحة الجنب.\nالمبحث الثاني: طهارة جسد الجنب وعرقه.","vol":"1","page":522},{"text":"<span data-type='title' id=toc-452>القسم الأول ما يستحب للجنب</span>\nوفيه ثلاثة مباحث\n\n<span data-type='title' id=toc-453>المبحث الأول: يستحب الوضوء إذا أراد أن ينام.</span>\nففي الصحيحين عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ» (^١).\nوفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ فَرْجَهُ، وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-454>المبحث الثاني: يستحب الوضوء لمعاودة الوطء.</span>\nروي مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-455>المبحث الثالث: يستحب الوضوء إذا أراد أن يأكل.</span>\nاختلف أهل العلم في وضوء الجنب للأكل والشرب على قولين:\nالقول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الجنب إذا أراد أن يأكل فإنه يستحب له أن يتوضأ قبل أن يأكل (^٤).\nواستدلوا بما روي مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٧) ومسلم (٣٠٦).\n(^٢) البخاري (٢٨٨) ومسلم (٣٠٥).\n(^٣) مسلم (٣٠٨).\n(^٤) المهذب (١/ ٣٠)، المجموع (٢/ ١٧٨)، الفتاوى (٢١/ ٣٤٣).","vol":"1","page":523},{"text":"أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» (^١).\nالقول الثاني: ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل يديه إن كان الأذى قد ما أصابهما ويأكل وإن لم يتوضأ (^٢).\nواستدلوا بحديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، قَالَتْ: يَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ (^٣).\nوالراجح: أن الجنب إذا أراد أن يأكل فإنه يستحب له أن يتوضأ قبل أن يأكل، وذلك لأن النبي إِذَا كَانَ جُنُبًا، فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ».\nأما ما ورد أنه إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، قَالَتْ: يَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ. فشاذة ولا تصح عن رسول الله.\n* * *\n_________\n(^١) مسلم (٣٠٥).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٨)، المدونة (١/ ٣٠).\n(^٣) زيادة «وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، قَالَتْ: يَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ» ضعيفة.\nفمدار الحديث عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، فرواه يونس عن الزهري، واختلف على يونس فرواه عبد الله بن المبارك عن يونس به باللفظ المذكور، أي بذكر غسل اليدين لمن أراد أن يأكل مرفوعًا، أخرجه أحمد (٦/ ١١٨، ١١٩)، وأبو داود (٢٢٣) وغيرهما، وخالف ابن المبارك ابُن وهب فقد اقتصر على ذكر الوضوء للنوم بدون ذكر غسل اليدين لمن أراد أن يأكل، أخرجه النسائي (الكبرى) (٩٠٤٤) وغيره. قلت: ومما يدل على شذوذ ذكر غسل اليدين لمن أراد أن يأكل: ما رواه الليث بن سعد عند مسلم (٣٠٥)، وسفيان بن عيينة عند أحمد (٦/ ٣٦)، وابن جريج عند أحمد (٦/ ٢٠٠) وغيرهم عن الزهري به، بدون ذكر غسل اليدين لمن أراد أن يأكل، فالأثبات الثقات (الليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وابن جريج وغيرهم رووه عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة به بدون ذكر غسل اليدين لمن أراد أن يأكل، فتتبين شذوذ هذه الزيادة وأنها من قول عائشة وليس من قول رسول الله ﷺ.","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type='title' id=toc-456>القسم الثاني يكره للجنب الاغتسال في الماء الدائم</span>\nاختلف العلماء في حكم اغتسال الجنب في الماء الدائم على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يحرم اغتسال الجنب في الماء الدائم، وهو قول لأبي حنيفة وابن حزم (^١). واستدلوا بما روى مسلم من حديث أبي هريرة، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» (^٢) فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: «يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا» والنهي عن الاغتسال للتحريم.\nالقول الثاني: ذهب جمهور العلماء إلى كراهة اغتسال الجنب في الماء الدائم، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بأن بدن الجنب طاهر لاقى ماء طاهرًا فانصرف النهي من التحريم إلى الكراهة.\nالقول الثالث: يجوز اغتسال الجنب في الماء الدائم ما لم يَبُل فيه، فإذا بال فيه منع من الاغتسال (^٤). واستدلوا بما روى البخاري عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله يقول: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» (^٥).\nواستدلوا بالنهي عن البول والاغتسال معًا، أي: نهى عن الجمع بينهما.\nو(ثم) بمعنى الواو. فإذا اغتسل فقط بدون بول جاز.\nقال النَّوَوِيُّ: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ دُونَ إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا، وَضَعَّفَهُ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْأَحْكَامِ الْمُتَعَدِّدَةِ لَفْظٌ وَاحِدٌ فَيُؤْخَذُ النَّهيُ عَنِ الْإِفْرَادِ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ (^٦).\nوالراجح: أن النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم للكراهة، والله أعلم.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٦٧)، المحلى (١/ ٢٠٣).\n(^٢) مسلم (٢٨٣).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٧٥)، المجموع (٢/ ١٠٨)، الفروع (١/ ١١٦).\n(^٤) فتح الباري (١/ ٣٤٧).\n(^٥) البخاري (٢٣٨).\n(^٦) فتح الباري شرح حديث (٢٣٨).","vol":"1","page":525},{"text":"<span data-type='title' id=toc-457>القسم الثالث يباح ذبيحة الجنب وعرقه وبدنه طاهر</span>\nوفيه مبحثان\n\n<span data-type='title' id=toc-458>المبحث الأول: حِل ذبيحة الجنب.</span>\nقال النووي: نقل ابن المنذر الاتفاق على حل ذبيحة الجنب، وإذا دل القرآن على حِل ذبيحة الكتابي، قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ مع أنه نجس، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فالذي نفت السنة عنه النجاسة أَوْلى (^١).\nففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟» فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ يَا أَبَا هِرٍّ، إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ».\nقال ابن قدامة: وَإِنْ كَانَ جُنُبًا، جَازَ أَنْ يُسَمِّيَ وَيَذْبَحَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-459>المبحث الثاني: طهارة جسد الجنب وعرقه.</span>\nقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عَرَقَ الْجُنُبِ طَاهِرٌ (^٢).\nوقال ابن تيمية: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ بَدَنَ الْجُنُبِ طَاهِرٌ، وَعَرَقُهُ طَاهِرٌ، وَالثَّوْبُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ عَرَقُهُ طَاهِرٌ، وَلَوْ سَقَطَ الْجُنُبُ فِي دُهْنٍ أَوْ مَائِعٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ، بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، بَلْ وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ عَرَقُهَا طَاهِرٌ، وَثَوْبُهَا الَّذِي يَكُونُ فِيهِ عَرَقُهَا طَاهِرٌ (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (٩/ ٨٨).\n(^٢) المغني (١/ ١٣٥).\n(^٣) الفتاوي الكبرى (١/ ٢٢٦).","vol":"1","page":526},{"text":"قلت: وهذا الإجماع منخرم فقد ذهب أبو حنيفة إلى أن جسد الجنب نجس (^١).\nواستدل لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ والطهارة لا تكون إلا من نجاسة إذ تطهير الطاهر لا يُعقل.\nواعترض عليه: بأن تجديد الوضوء يطلق عليه طهارة مع أنه متطهر.\nوالراجح: ما ذهب إليه جماهير العلماء من أن جسد الجنب وعرقه طاهر، دل على ذلك ما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟» فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ يَا أَبَا هِرٍّ، إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (^٢). فدل هذا الحديث على أن بدن الجنب طاهر وكذلك الحائض جسدها طاهر، ولقد أجمع أهل العلم على طهارة جسد الحائض وتضافرت الأدلة على ذلك، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) البناية (١/ ٣٥٠) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٠١).\n(^٢) البخاري (٢٣٨) ومسلم (٣٧١).","vol":"1","page":527},{"text":"الفصل الثامن\nالأغسال المستحبة\nوتنقسم إلى ثلاثة أقسام\nالقسم الأول: الصلوات التي يستحب الغسل قبلها، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: غسل الجمعة.\nالمبحث الثاني: غسل العيدين.\nالمبحث الثالث: هل يستحب الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء؟\nالقسم الثاني: الاغسال المستحبة في الحج والعمرة، وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: الاغتسال للإحرام.\nالمبحث الثاني: الاغتسال لدخول مكة.\nالمبحث الثالث: الاغتسال يوم عرفة.\nالمبحث الرابع: هل يستحب الاغتسال للوقوف بمزدلفة ورمي الجمار؟\nالقسم الثالث: أغسال مستحبة أخرى، وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: استحباب غسل من أسلم.\nالمبحث الثاني: الاستحباب غسل لمن أفاق من الإغماء.\nالمبحث الثالث: هل يستحب الغسل من تغسيل الميت؟\nالمبحث الرابع: هل يستحب الغسل من الحجامة؟","vol":"1","page":528},{"text":"<span data-type='title' id=toc-460>الفصل الثامن الأغسال المستحبة</span>\nوتنقسم إلى ثلاثة أقسام\n\n<span data-type='title' id=toc-461>القسم الأول: الصلوات التي يستحب الغسل قبلها وفيه ثلاثة مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-462>المبحث الأول: غسل الجمعة، وفيه ثلاثة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-463>المطلب الأول: يستحب غسل يوم الجمعة.</span>\nقال ابن عبد البر: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاجِبٍ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَكْفِي وَيُغْنِي عَنِ الْإِكْثَارِ (^١).\nوهذا الإجماع منخرم فقد حكى ابن المنذر عن أبي هريرة وعمار بن ياسر وجوب غسل الجمعة (^٢) وصح عن عمرو بن سليم ورواية عن أحمد وأهل الظاهر.\nولذا فقد اختلف أهل العلم في حكم غسل الجمعة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن غسل الجمعة سنة، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والمشهور في مذهب الحنابلة (^٣).\nواستدلوا بالسنة، فعَنْ سَمُرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَذَلِكَ أَفْضَلُ» (^٤).\n_________\n(^١) التمهيد (١٠/ ٨٠).\n(^٢) فتح الباري شرح حديث رقم (٨٧٩).\n(^٣) «المبسوط» (١/ ٩٠)، و«المنتقى» (١/ ١٨٥)، و«المجموع» (٤/ ٤٠٤)، و«الفروع» (١/ ٢٠٢).\n(^٤) ضعيف: ومدار الحديث على الحسن، واختلف عليه:\n١ - قتادة عن الحسن عن سمرة، فرواه (همام، وشعبة، وأبو عوانة وغيرهم) كلهم رووه عن قتادة به، أخرجه أحمد (٥/ ١١)، وأبو داود (٣٥٤)، والنسائي (١٣٨٠) والترمذي (٤٩٧) وغيرهم.\nولهذا الحديث علتان:\nالأولى: الخلاف في سماع الحسن عن سمرة، قال علي بن المديني والترمذي بالسماع، وقال شعبة وابن معين: الحسن لم يلق سمرة. وقال النسائي: لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة. وبه قال الدارقطني. انظر نصب الراية (١/ ٨٩).\nالعلة الثانية: قد اختلف فيه على الحسن.\n٢ - ورواه معمر عند عبد الرزاق (٥٣١١)، وسعيد عند البيهقي (١/ ٢٩٦) وغيرهما عن قتادة عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا.\n٣ - وعن الحسن عن أنس به. أخرجه الطحاوي (١/ ١١٩).\n٤ - وعن يزيد عن أنس. أخرجه الطيالسي (٢١١٠).\n٥ - وعن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة. أخرجه الطيالسي (١٣٥٠).\nقال الحافظ (التلخيص) (٦٥٥): ورواه أبو حرة عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة ووهم في اسم صحابيه\nوقد ذكر الدارقطني أن الصواب من هذه الروايات رواية يزيد بن زريع وغيره، عن سعيد، عن قتادة عن الحسن عن سمرة.\nقلت: والراجح أن الحسن لم يسمع من سمرة فالحديث ضعيف وله شواهد لا تصح.","vol":"1","page":529},{"text":"واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله.\nوفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالعَوَالِيِّ، فَيَأْتُونَ فِي الغُبَارِ يُصِيبُهُمُ الغُبَارُ وَالعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ العَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا» (^١).\nفقوله ﷺ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ» دليل على الاستحباب في غسل الجمعة لا للوجوب.\nوفي الصحيحين عن عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا\n_________\n(^١) البخاري (٩٠٢) ومسلم (٨٤٧).","vol":"1","page":530},{"text":"إِنْ وَجَدَ» (^١).\nواستدلوا بدلالة الاقتران، فكما أن الطِّيب مستحب بالإجماع فكذا الغسل.\nواعترض عليه من وجهين: الأول: أن دلالة الاقتران ضعيفة في الاستدلال، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ والأكل مباح. (وآتوا حقه) هو الزكاة وهي ركن من أركان الإسلام.\nالثاني: روى البخاري: عن عَمْرٌو بن سليم الأنصاري قال: وهو الراوي لهذا الحديث: أَمَّا الغُسْلُ، فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الاِسْتِنَانُ وَالطِّيبُ، فَاللهُ أَعْلَمُ، أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لَا.\nوأجيب عنه: بأن دلالة الاقتران في الغالب تفيد التساوي في الحكم.\nوفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَر بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ قَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ: وَالوُضُوءُ أيضًا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ (^٢).\nوجه الدلالة ما قاله ابن عبد البر: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ أَمْرَ رَسُولِ الله ﷺ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاجِبٍ أَنَّ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَأْمُرْ عُثْمَانَ بِالِانْصِرَافِ لِلْغُسْلِ وَلَا انْصَرَفَ عُثْمَانُ حِينَ ذِكَّرهُ عُمَرُ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْغُسْلُ وَاجِبًا فَرْضًا لِلْجُمُعَةِ مَا أَجْزَأَتِ الْجُمُعَةُ إِلَّا بِهِ، كَمَا لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إِلَّا بِوُضُوءٍ لِلْمُحْدِثِ أَوْ بِالْغُسْلِ لِلْجُنُبِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا جَهِلَهُ عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ (^٣).\nقال القاضي عياض: وهذا قول من عمر وإقرار بمحضر جماعة الصحابة، ولا مُنكر له ولا مخالف، فهو كالإجماع، وعامة الفقهاء والأصوليين منهم يَعدون هذا إجماعًا (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (٨٨٠) ومسلم (٨٤٦).\n(^٢) البخاري (٨٧٨) ومسلم (٨٤٥).\n(^٣) التمهيد (٥/ ٢٤٧).\n(^٤) إكمال المعلم (٣/ ٢٣٣).","vol":"1","page":531},{"text":"روي مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا» (^١).\nوجه الدلالة ما قاله القرطبي: ذِكْر الوضوء وما معه مرتبًا عليه الثواب المقتضي للصحة، فدل على أن الوضوء كاف. قلت: ولوكان الغسل واجبًا لذُكْر في الحديث.\nواعترض عليه بما قاله الحافظ: ليس فيه نفي الغسل، وقد ورد من وجه آخر في الصحيحين بلفظ: من اغتسل (^٢).\nالقول الثاني: أن غسل الجمعة واجب، وهو رواية عن أحمد وقول الظاهرية (^٣).\nواستدلوا بما روى البخاري عن ابْنِ عُمَرَ، ﴿؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ» (^٤).\nوعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «حَقٌّ لله عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ» (^٥).\nوفي الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (^٦).\nقال الشافعي: فكان قولُ رسول الله في: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ»، وأمْرُه بالغسل، يحتمل معنيين: الظاهرُ منهما أنه واجب، فلا تجزئ الطهارَةُ لِصَلاة الجُمْعَةِ إلاَّ بالغسل، كما لا يجزئ في طهارة الجُنُبِ غيْرُ الغسل، ويحتمل أنه واجبٌ في الاختيار والأخْلاق والنَّظافة.\n_________\n(^١) مسلم (١١/ ١٦٠).\n(^٢) فتح الباري شرح حديث (٨٧٩).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٢٤٧)، المحلى (٢/ ٨).\n(^٤) البخاري (٨٧٧/ ٨٩٤/ ٩١٩).\n(^٥) البخاري (٨٩٨) ومسلم (٨٤٩) واللفظ له.\n(^٦) البخاري (٨٧٩) ومسلم (٨٤٦).","vol":"1","page":532},{"text":"ثم ذكر واقعة عمر مع عثمان، وقال: فلَمَّا لم يتركْ «عثمان» الصلاة للغسل، ولمَّا لمْ يأمره «عمر» بالخروج للغسل: دلَّ ذلك على أنهما قد عَلِمَا أن أمْرَ رسول الله بالغسل على الاختيار (^١).\nوقال الحافظ: وَقَدْ نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ بِدُونِ الْغُسْلِ مُجْزِئَةٌ، لَكِنْ حَكَى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا بِوُجُوبِهِ وَلَمْ يَقُولُوا إِنَّهُ شَرْطٌ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ، كَأَنَّ أَصْلَهُ قَصْدُ التَّنْظِيفِ وَإِزَالَةُ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ الَّتِي يَتَأَذَّى بِهَا الْحَاضِرُونَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ (^٢).\nالقول الثالث: أن غسل الجمعة واجب على من كان به رائحة كريهة (^٣). دل على ذلك ما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالعَوَالِيِّ، فَيَأْتُونَ فِي الغُبَارِ يُصِيبُهُمُ الغُبَارُ وَالعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ العَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا» فأذية المسلمين محرمة\nالحاصل: أن غسل الجمعة مستحب عند جماهير العلماء، وقد يجب الاغتسال على من كان به رائحة كريهة، وإذا كان من أكل بصلًا أو ثومًا يعتزل المسجد، فكذلك من كان له رائحة كريهة فليغتسل لعدم أذية المسلمين والملائكة المقربين، وإذا كان التدخين حرامًا، فينبغي لمن يدخن أن يغسل أسنانه ويحاول أن يضع منظفات لئلا تشم من فمه رائحة كريهة.\n\n<span data-type='title' id=toc-464>المطلب الثاني: وقت غسل الجمعة:</span>\nاختلف أهل العلم على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن وقت غسل الجمعة من طلوع الفجر إلى صلاة الجمعة، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) الرسالة (ص ٣٠٣).\n(^٢) فتح الباري شرح حديث (٨٧٩).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٢٤٧).\n(^٤) حاشية العدوي (١/ ٣٧٩)، إعانة الطالبين (٢/ ٧٢) كشاف القناع (١/ ١٥٠).","vol":"1","page":533},{"text":"واستدلوا بما روى البخاري عن ابْنِ عُمَرَ ﴿أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ».\nوفي البخاري من حديث ابن عمر أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ قَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ: وَالوُضُوءُ أيضًا؟: وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ. فأنكر عمر تركه الغسل عن صلاة الجمعة، ولو كان جائزًا إلى غروب الشمس لما أنكر عليه.\nالقول الثاني: أن وقت غسل الجمعة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهو قول ابن حزم وبعض الحنفية (^١).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». وعموم قول النبي ﷺ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا». واليوم يكون من الفجر إلى غروب الشمس.\nواعترض عليه بأن هذه الأحاديث مطلقة وتقيد بصلاة الجمعة، وبالأحاديث الأخر ولأن فيها اجتماع الناس، ويوضح أن المقصود بالجمعة هي صلاة الجمعة ما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً» (^٢). فهنا قوله: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ» فأطلق يَوْمَ الجُمُعَةِ، «غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ» أي ثم ذهب لصلاة الجمعة، دل ذلك على أن المراد بيوم الجمعة هو صلاة الجمعة.\nالقول الثالث: أن غسل الجمعة يكون بمنزلة الوضوء لصلاة الجمعة، فلو اغتسل لصلاة الجمعة ثم أحدث وجب عليه الغسل حتى يصلي به الجمعة. وبه قال أبو يوسف من الحنفية (^٣)\nقلت: وهذا القول من أضعف الأقوال، والله يقول: ﴿ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ\n_________\n(^١) المحلى (٢/ ١٩) حاشية ابن عابدين (١/ ١٦٩).\n(^٢) البخاري (٨٨١) ومسلم (٨٥٠).\n(^٣) تبيين الحقائق (١/ ١٨) شرح فتح القدير (١/ ٦٧).","vol":"1","page":534},{"text":"حَرَجٍ﴾\nوالراجح: أن وقت الغسل المستحب هو من فجر يوم الجمعة إلى صلاة الجمعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-465>المطلب الثالث: مَنْ يُسن له غسل الجمعة:</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أن غسل الجمعة يسن لكل من أراد حضور الجمعة، سواء الرجل والمرأة والصبي وغيرهم، وهو قول أكثر الحنفية والمالكية والصحيح عند الشافعية (^١).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث ابْنِ عُمَرَ ﴿أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ» ولفظ (أحد) نكرة مضافة فتشمل الرجل والمرأة والصغير والكبير.\nوفي الصحيحين من حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً» «من اغتسل ثم راح» تدل على أن الغسل مستحب لكل من راح إلى الجمعة.\nالقول الثاني: أن غسل الجمعة مستحب لكل بالغ من الرجال والنساء، وهو قول عند الشافعية والظاهرية (^٢).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» فكلمة (كل) من ألفاظ العموم، فتعم كل بالغ من الرجال والنساء.\nوفي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «حَقٌّ لِله عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ».\n«حَقٌّ لِله عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» يشمل الرجال والنساء لأن النساء شقائق الرجال وهذا في كل\n_________\n(^١) الفتاوى الهندية (١/ ١٦)، حاشية العدوي (١/ ٣٧٩)، المجموع (٤/ ٤٠٥).\n(^٢) المجموع (٤/ ٤٠٥)، المحلى (١/ ٢٦٦).","vol":"1","page":535},{"text":"شيء إلا إذا ورد ما يدل على التخصيص، وهذا هو الراجح.\n\n<span data-type='title' id=toc-466>المبحث الثاني: غسل العيدين:</span>\nقال ابن رشد: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْسَانِ الْغُسْلِ لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ (^١).\nوقال ابن عبد البر: وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ حَسَنٌ لِمَنْ فَعَلَهُ، وَالطِّيبُ يَجْرِي عِنْدَهُمْ مِنْهُ، وَمَنْ جَمَعَهُمَا فَهُوَ أَفْضَلُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-467>المبحث الثالث: هل يستحب الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء؟</span>\nذهب الشافعية والمشهور عن الحنابلة إلى استحباب الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء (^٣).\nواستدلوا بالقياس على الجمعة، فإذا كان غسل الجمعة موضعًا يجتمع فيه الناس فيستحب الاغتسال فيه دفعًا للروائح الكريهة، فكذا صلاة الكسوف والاستسقاء. وذهب الحنابلة في قول إلى أنه لا يستحب الغسل لصلاة الكسوف والاستسقاء (^٤). وذلك لأنه لم ينقل عن النبي ولا أصحابه الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء.\nوقياسهم على الجمعة قياس مع الفارق، فالجمعة عيد للمسلمين وفيه فرحة، والاستسقاء والكسوف موطن افتقار وذل وانكسار للواحد القهار، فلا يستحب فيه الغسل إلا لمن له رائحة كريهة تنبعث فتؤذي من جاوره، وقد يصل إلى الإيجاب.\n_________\n(^١) بداية المجتهد (١/ ٢١٦).\n(^٢) الاستذكار (٧/ ١١) قلت: ولا يصح حديث عن رسول الله في استحباب الغسل للعيدين، ومن أراد المزيد فلينظر الجامع العام في فقه الصيام (ص ٥٤٣).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢٣٤)، الإنصاف (١/ ٢٤٧)، الفروع (١/ ٢٠٢).\n(^٤) الإنصاف (١/ ٢٤٧).","vol":"1","page":536},{"text":"<span data-type='title' id=toc-468>القسم الثاني: الأغسال المستحبة في الحج والعمرة، وفيه أربعة مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-469>المبحث الأول: الغسل للإحرام.</span>\nقال النووي: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا (^١). روى مسلم. فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» (^٢).\nوروى مسلم عن جابر ﴿… وفيه: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵄، فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكِ؟» قَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ، وَلَمْ أَحْلِلْ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ: فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ» (^٣).\nقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن الإحرام بغير غسل جائز. قال: وأجمعوا على أن الغسل للإحرام ليس بواجب إلا ما رُوى عن الحسن البصري أنه قال: إذا نسي الغسل يغتسل إذا ذِكْره.\n\n<span data-type='title' id=toc-470>المبحث الثاني: يستحب الاغتسال لدخول مكة:</span>\nروى البخاري عَنْ نَافِعٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﴿إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ، وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ (^٤).\nوفي رواية لمسلم أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طَوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا، وَيَذَكْرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ (^٥).\n_________\n(^١) المجموع (٧/ ٢٢٠).\n(^٢) مسلم (١٢١٨).\n(^٣) مسلم (١٢١٣).\n(^٤) البخاري (١٥٧٣).\n(^٥) مسلم (١٢٥٩).","vol":"1","page":537},{"text":"<span data-type='title' id=toc-471>المبحث الثالث: يستحب الغسل يوم عرفة:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب الغسل يوم عرفة، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بالسنة والمأثور:\nفمن السنة: عن الْفَاكِهِ بْنِ سَعْدٍ- وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ … الحديث (^٢).\nأما دليلهم من المأثور: فعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِدُخُولِهِ مَكَّةَ وَلِوُقُوفِ عَشِيَّةِ عَرَفَةَ (^٣).\nوروى الشافعي عَنْ زَاذَانَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا ﵁ عَنِ الْغُسْلِ فَقَالَ: «اغْتَسِلْ كُلَّ يَوْمٍ إِنْ شِئْتَ»، فَقَالَ: الْغُسْلُ الَّذِي هُوَ الْغُسْلُ؟ قَالَ: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمُ الْفِطْرِ» (^٤).\nالحاصل: أنه إن كان لا يصح استحباب في غسل يوم عرفة حديث، فقد صح عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب استحباب غسل يوم عرفة، ومما يدل على ذلك أنه قرنه بغسل العيدين والجمعة، وثبت أن ابن عمر الصحابي الجليل المقتدي بالنبي الأمين كان يغتسل يوم عرفة، والله أعلم.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٥)، مواهب الجليل (٣/ ١٠٤)، والأم (٢/ ١٤٦) والفروع (١/ ٢٠٣).\n(^٢) موضوع: أخرجه أحمد (٤/ ٧٨) وفي إسناده يوسف بن خالد: كذاب زنديق.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه مالك (الموطأ) (١/ ٣٢٢).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه الشافعي عن ابن علية عن شعبة عن عمرو بن مرة عن زاذان به.","vol":"1","page":538},{"text":"<span data-type='title' id=toc-472>المبحث الرابع: هل يستحب الاغتسال للوقوف بمزدلفة ورمي الجمار؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب الاغتسال لمزدلفة ورمي الجمار (^١).\nقال الشافعي: وأُحب له أن يغتسل لرمي الجمار والوقوف بعرفة والمزدلفة (^٢).\nوالراجح: ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ فِي الْحَجِّ إلَّا ثَلَاثَةُ أَغْسَالٍ: غُسْلُ الْإِحْرَامِ وَالْغُسْلُ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ وَالْغُسْلُ يَوْمَ عَرَفَةَ. وَمَا سِوَى ذَلِكَ كَالْغُسْلِ لِرَمْيِ الْجِمَارِ وَلِلطَّوَافِ وَالْمَبِيتِ بمزدلفة فَلَا أَصْلَ لَهُ لَا عَنْ النَّبِيِّ ولا عَنْ أَصْحَابِهِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-473>القسم الثالث: أغسال أخري مستحبة، وفيه أربعة مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-474>المبحث الأول: استحباب غسل من أسلم:</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن الكافر إذا أسلم يستحب له الغسل، وإذا جامع زوجته ولم يغتسل فيجب عليه الغسل (^٤).\nواستدلوا بأن الكافر إذا بال ولم يتطهرفيجب عليه أن يتطهر إذا أسلم، فإن كان هذا من الحدث الأصغر فالحدث الأكبر أَوْلى.\nواعترض عليه بعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ والاسلام يَجُبُّ ما قبله. رواه مسلم.\nوأجيب بما قاله النووي: أما الآيةُ والحَدِيثُ فالمُرادُ بهَما غُفَرانُ الذّْنُوبِ، فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ لَوْ كان عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ قِصَاصٌ لَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِ. وَلِأَنَّ إيجَابَ الْغُسْلِ لَيْسَ مُؤَاخَذَةً وَتَكْلِيفًا بِمَا وَجَبَ فِي الْكُفْرِ. بَلْ هُوَ إلْزَامُ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ جُنُبٌ\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ٦٦)، المجموع (٢/ ٢٣٤) الإنصاف (١/ ٢٥٠).\n(^٢) الأم (٢/ ٢٢١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٣٢).\n(^٤) بدائع الصنائع (١/ ٩٠) حاشية الدسوقي (١/ ١٣١/ ١٣٢) الحاوي (١/ ٢١٧).","vol":"1","page":539},{"text":"وَالصَّلَاةُ لَا تَصِحُّ مِنْ الْجُنُبِ.\nالقول الثاني: يجب عليه الغسل. وهو قول المالكية (^١) والمشهور عن مذهب الحنابلة (^٢).\nواستدلوا: بما رُوى عن قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ (^٣).\nواستدلوا بما ورد عن أبي هريرة أن ثمامة لما أُسر وفيه: فَمَرَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا، فَأَسْلَمَ فَحَلَّهَ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى حَائِطِ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ، فَاغْتَسَلَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ (^٤).\nفثمامة أسلم فأمره النبي أن يغتسل، فهذا دليل على وجوب الغسل لمن أسلم.\nواعترض عليه بأن لفظ: (فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ) شاذ والمحفوظ ما ورد في الصحيحين وغيرهما: فقال النبي ﷺ: «أطْلِقُوا ثُمَامَةَ»، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ … الحديث (^٥).\nفدل هذا على أن ثمامة اغتسل قبل أن يعلن إسلامه ولم يأمره النبي بذلك.\nوعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قال: لَمَّا أَسْلَمْتُ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﵌ فَقَالَ لِي:\n_________\n(^١) حاشية الدسوقي (١/ ١٣٠/ ١٣١) مواهب الجليل (١/ ٣١١).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٢٣٦) كشاف القناع (١/ ١٤٥) الفروع (١/ ١٩٩).\n(^٣) ضعيف: أخرجه أحمد (٥/ ٦١) وأبو داود (٣٥٥) والنسائي (١٨٨) والترمذي (٦٠٥) وغيرهم من طرق (عبد الرحمن بن مهدي، وابن القطان، ومحمد بن كثير العبدي وغيرهم عن سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن جده قيس، وفيه انقطاع بين خليفة وجده قيس بن عاصم.\nورواه أحمد عن وكيع عن سفيان عن الأغر عن خليفة عن أبيه عن جده به، فزاد في الإسناد حصين بن قيس وهو مجهول، وحدث على وكيع خلاف، وقد تابع وكيعًا قبيصة بن عقبة بزيادة في السند (حصين بن قيس) قال أبو حاتم (العلل) (١/ ٢٤): هذا خطأ، أخطأ قبيصة في هذا الحديث، إنما هو الثوري عن الأغر خليفة عن جده قيس.\n(^٤) شاذ: أخرجه عبد الرزاق (٩٨٣٤) عن عبيد الله وعبد الله ابني عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة به.\n(^٥) البخاري (٤٣٧٢) ومسلم (١٧٦٤).","vol":"1","page":540},{"text":"«اغْتَسِلْ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاحْلِقْ عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْرِ» (^١). واعترض عليه بأنه لا يصح.\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي: إن الكافر إذا أسلم يستحب له الغسل، وإذا جامع زوجته وأسلم قبل أن يغتسل وجب عليه الغسل، دل على استحباب غسل الكافر إذا أسلم ما ورد في الصحيحين أن النبي ﷺ قَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ»، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. ودل على عدم الوجوب عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وعموم قول النبي ﷺ: «الإسلام يجُبّ ما قبله»، وقول النبي ﷺ لمعاذ: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله». ولم يذكر الغسل، ولو كان واجبًا لذِكْر لمعاذ، ولم يرد في حديث صحيح أن الكافر يجب عليه الغسل عند إسلامه، وما أكثرَ الصحابة الذين أسلموا على عهد رسول الله ﷺ. ويجب الغسل على من جامع زوجته أو احتلم ولم يغتسل قبل إسلامه لأن الطهارة شرط لصحة الصلاة، والصلاة لا تصح من الجنب حتى يغتسل.\n\n<span data-type='title' id=toc-475>المبحث الثاني: استحباب الغسل لمن أفاق من الإغماء:</span>\nقال النووي: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُغْمَى عَلَيْهِ الْغُسْلُ إذَا أَفَاقَ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ الله ﷺ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ.\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه الطبراني (الصغير) (٨٨٠) والكبير (٢٢/ ٨٢) والحاكم (المستدرك) (٦٤٢٨) وغيرهما، وفي إسناده: منصور بن عمار، ليس بالقوي، قاله أبو حاتم الجرح والتعديل (٨/ ١٧٦)، وكذا سليم بن منصور ابنه فيه ضعف، ومعروف الخياط: ضعيف.\nوله شواهد:\n١) فعن ابن عمر أن النبي أمر رجلًا أسلم أن يغتسل، ذكره ابن دقيق العيد (الإمام) (٣/ ٣٩) قال: روي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر. قلت: وهو متروك.\n٢) وعن قتادة الرهاوي قال: أتيت رسول الله فقال لي: «يا قتادة اغتسل بماء وسدر، واحلق عنك شعر الكفر» أخرجه الطبراني (المعجم الكبير) (١٩/ ١٤)، وفي إسناده قتادة بن الفضل قال أبو حاتم: شيخ، والفضل بن قتادة، وهشام بن قتادة ذكرهما ابن حبان في الثقات ولم يوثقهما معتبر وقد ضعف الحديث الحافظ: (التلخيص الجبير) (٢/ ٦٨).\n٣) وورد عن أبي البراء ولا يصح، وفي إسناده سالم البلخي، ضعيف الحديث.","vol":"1","page":541},{"text":"واعترض عليه بأن الإجماع منخرم وحُكي وجه ضعيف شاذ عن الشافعية وقول عند الحنابلة أن الغسل يجب على المغمى عليه إذا أفاق (^١).\nوأما مالك فقيل له: فالمجنون أعليه الغسل إذا أفاق؟ قال: لا، ولكن عليه الوضوء (^٢).\nواستدلوا بسنية الغسل لمن أغمي عليه ثم أفاق بما روى البخاري عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ. قَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ» (^٣)، قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ.\nقال النووي: قوله ﷺ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ» فَاغْتَسَلَ، دَلِيلُ الِاسْتِحْبَابِ بِالْغُسْلِ مِنَ الْإِغْمَاءِ، وَإِذَا تَكَرَّرَ الْإِغْمَاءُ اسْتُحِبَّ تَكَرُّرُ الْغَسْلِ لِكُلِّ مَرَّةٍ فَإِنْ لَمْ يَغْتَسِلْ إِلَّا بَعْدَ الْإِغْمَاءِ مَرَّاتٍ كَفَى غَسْلٌ وَاحِدٌ، وَقَدْ حَمَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْغَسْلَ هُنَا عَلَى الْوُضُوءِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْإِغْمَاءَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلَكِنَّ الصَّوَابَ أَنَّ الْمُرَادَ غَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ فَإِنَّهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُ مِنْهُ فَإِنَّ الْغَسْلَ مُسْتَحَبٌّ مِنَ الْإِغْمَاءِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-476>المبحث الثالث: هل يستحب الغسل من تغسيل الميت؟</span>\nاختلف العلماء في حكم الغسل لمن غسل ميتًا على أربعة أقوال:\nالقول الأول: ذهب الحنفية إلى أنه لا يسن الغسل من تغسيل الميت (^٥).\nواستدلوا بالسنة والمأثور:\nأما دليلهم من السنة فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي غَسْلِ\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٦) الفروع (١/ ٢٠٣).\n(^٢) المدونة (١/ ١٢).\n(^٣) البخاري (٦٨٧) ومسلم (٤١٨).\n(^٤) شرح مسلم (٤/ ١٣٦).\n(^٥) فتح القدير (١/ ٦٦) بدائع الصنائع (١/ ٣٢).","vol":"1","page":542},{"text":"مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ؛ فَإِنَّ مَيِّتَكُمْ لَيْسَ بِنَجَسٍ فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ» (^١).\nواعترض عليه بأن الصحيح الوقف على ابن عباس.\nأما المأثور: فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ: على الَّذِي يُغَسِّلُ الْمُتَوَفَّينَ غُسْلٌ؟ قَالَتْ: لَا (^٢).\nوصح أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَفَّنَ مَيِّتًا وَحَنَّطَهُ، وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً (^٣).\nعَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ الْمُزَنِيُّ قَالَ: غَسَّلَ أَبَاكَ أَرْبَعٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجْرَةِ، فَمَا زَادُوا عَلَى أَنِ احْتَجَزُوا عَلَى ثِيَابِهِمْ، فَلَمَّا فَرَغُوا تَوضَّئُوا وَصَلَّوْا عَلَيْهِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا الشَّعْثَاءِ يَقُولُ: «أَلَا تَتَّقُونَ الله، تَغْتَسِلُونَ مِنْ مَوْتَاكُمْ، أَأَنْجَاسٌ هُمْ؟» (^٤).\nالقول الثانى: يجب الغسل لمن غسل ميتًا، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٥).\nواستدلوا بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأ» (^٦).\nوعَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يُغْتَسَلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْجُمُعَةِ، وَالْجَنَابَةِ، وَالْحِجَامَةِ،\n_________\n(^١) ضعيف: مدار الحديث على سليمان بن بلال واختلف عليه: فرواه أبو شيبة عن خالد بن مخلد عن سليمان عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة عن ابن عباس به أخرجه الحاكم (١/ ٣٨٦).\nوخالف خالد بن مخلد، معلى بن منصور، وأبو سلمة منصور بن سلمة فروياه عن سليمان بن بلال به، موقوفًا على ابن عباس كما في سنن البيهقي (١/ ٣٠٦).\nوتابع عكرمة عطاء بن أبي رباح على الوقف كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٤٦٩)، ورواه البيهقي (١/ ٣٠٦) من طريق سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس موقوفًا، فالصحيح الوقف.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف) (٢/ ٤٦٩).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف) (٢/ ٤٧٠).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (المصنف) (٦١٠٣).\n(^٥) المبدع (١/ ١٩١) المغني (١/ ١٣٤) وهو قول ابن حزم (المحلى) (١/ ٢٧٠).\n(^٦) ضعيف: أخرجه أحمد (٢/ ٤٥٤) والصحيح في الحديث الوقف، رجح ذلك أبو حاتم وأحمد والبخاري وغيرهم وقد سبق تخريجه في نواقض الوضوء.","vol":"1","page":543},{"text":"وَغَسْلِ الْمَيِّتِ» (^١).\nوعن حذيفة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ» (^٢).\nوعن المغيرة عن النبي ﷺ يقول: «من غسل ميتًا فليغتسل» (^٣).\nواعترض على هذه الأدلة: بأنه لم يصح عن رسول الله حديث في وجوب الغسل، قاله أحمد بن حنبل وعلي بن المديني والذهلي وابن المنذر (^٤).\nالقول الثالث: ذهب جمهور العلماء إلى أن من غسل ميتًا يستحب له الغسل، وبه قال\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أحمد (٦/ ١٥٢) وفي إسناده مصعب بن شيبة، ضعيف. قال البخاري: حديث عائشة في هذا الباب ليس بذلك. كما في السنن للبيهقي (١/ ٣٠١)، قال أحمد بن محمد بن هانئ: ذكرت لأبي عبد الله الوضوء من الحجامة، فقال: ذاك حديث منكر، رواه مصعب بن شيبة، أحاديثه مناكير. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن الغسل من الحجامة، قلت: يروى عن النبي ﷺ الغسل من أربع. فقال: لا يصح، هذا رواه مصعب بن شيبة وليس بقوي. قلت لأبي زرعة: لم يرو عن عائشة من غير حديث مصعب؟ قال: لا. وقد ضَعَّفه البيهقي والخطابي وابن عبد البر كما فى الاستذكار (٨/ ٢٠٢).\n(^٢) ضعيف: مدار هذا الحديث على أبي إسحاق، واختلف عليه: فرواه يزيد بن زريع عن معمر عن أبي إسحاق عن أبيه عن حذيفة به، أخرجه الطبراني \"الأوسط\" (٣/ ١٤) وخالف معمرًا جماعة من الثقات: شعبة كما عند أحمد (١/ ٩٧) والثوري كما عند أبي داود (٤/ ٣٢) وإسرائيل كما في سنن البيهقي (١/ ٣٠٤) وغيرهم، كلهم عن أبي إسحاق، عن ناجية، عن عليّ بن أبي طالب في أمر النبي ﷺ له بالاغتسال من دفن أبيه، قال الدارقطني (العلل) (٤/ ١٤٦): قال يزيد بن زريع عن معمر عن أبي إسحاق، عن أبيه، عن حذيفة، قال: ولا يثبت هذا عن أبي إسحاق، والمحفوظ قول الثوري وشعبة ومن تابعهما عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي. وقال ابن أبي حاتم (العلل) (١٠٤٦): سألت أبي عن حديث رواه محمد بن المنهال، عن يزيد بن زريع عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبيه، عن حذيفة قال: قال رسول الله: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ» قال أبي: هذا حديث غلط.\n(^٣) إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (٤/ ٢٤٦) عن ابن إسحاق، قال: وقد كنت حفظت من كثير من علمائنا بالمدينة، قال الهيثمي (المجمع) (٣/ ٢٢): في إسناده من لم يسم\n(^٤) انظر: سنن البيهقي الكبرى (١/ ٣٠١) والأوسط (٥/ ٣٥١) قال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث، فقال: إن أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله قالا: لا يصح في هذا الباب شيء.","vol":"1","page":544},{"text":"المالكية والشافعية وبعض الحنابلة (^١).\nواستدلوا بالأحاديث الواردة في وجوب الغسل وحملوا الأمر على الندب.\nواستدلوا أيضًا بما روى الدارقطني بسند صحيح عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كُنَّا نُغَسِّلُ الْمَيِّتَ فَمِنَّا مَنْ يَغْتَسِلُ وَمِنَّا مَنْ لَا يَغْتَسِلُ» (^٢).\nالقول الرابع: يجب الغسل من تغسيل الكافر دون المسلم، وهو قول للحنابلة (^٣).\nواستدلوا بما روى أحمد عن عليّ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا طَالِبٍ مَاتَ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «اذْهَبْ فَوَارِهِ»، فَقَالَ: إِنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا. فَقَالَ: «اذْهَبْ فَوَارِهِ» قَالَ: فَلَمَّا وَارَيْتُهُ رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لِي: «اغْتَسِلْ» (^٤).\nواعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله.\nوالراجح: أنه لا يثبت حديث في وجوب أو استحباب الغسل لمن غسل ميتًا، والأصل براءة الذمة والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-477>المبحث الرابع: هل يستحب الغسل من الحجامة؟</span>\nاختلف أهل العلم في حكم الغسل من الحجامة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الغسل من الحجامة، وبه قال الحنفية والشافعية وقول عند الحنابلة (^٥).\nواستدلوا بالسنة والمأثور:\n_________\n(^١) الذخيرة (١/ ٢٩٠) الأم (١/ ٣٨) كشاف القناع (١/ ١٥١).\n(^٢) سنن الدارقطني (٢/ ٧٢).\n(^٣) المبدع (١/ ١٩١).\n(^٤) أخرجه أحمد (١/ ٩٧) وفي إسناده ناجية بن كعب قال ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال ابن المديني مجهول. وضَعَّفه البيهقي وابن حبان ووثقه العجلي وابن حجر، وهو ضعيف\n(^٥) شرح فتح القدير (١/ ٦٦) المجموع (٢/ ٢٣٤) الفروع (١/ ٢٠٣).","vol":"1","page":545},{"text":"أما السنة: فعَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يُغْتَسَلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْجُمُعَةِ، وَالْجَنَابَةِ، وَالْحِجَامَةِ، وَغَسْلِ الْمَيِّتِ» (^١).\nواعترض عليه بأنه لا يصح.\nأما دليلهم من المأثور: فعن زادان أن عليًّا كان يغتسل من الحجامة (^٢).\nوعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إذَا احْتَجَمَ الرَّجُلُ فَلْيَغْتَسِلْ. وَلَمْ يَرَهُ وَاجِبًا (^٣).\nالقول الثاني: وذهب بعض الحنفية إلى أن هذه الأدلة تصل بالأمر إلى الوجوب (^٤).\nالقول الثالث: وذهب الحنابلة في الأصح إلى أنه لا يستحب الاغتسال من الحجامة (^٥).\nواستدلوا بأثر عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إذَا احْتَجَمَ غَسَلَ أَثَرَ مَحَاجِمِهِ (^٦).\nوالحاصل في هذه المسألة: أنه لا يصح حديث في الاغتسال للحجامة عن رسول الله، وصح عن عليّ وابن عباس استحباب الاغتسال للحجامة وصح عن ابن عمر أنه كان يغسل محاجمه. والأمر واسع في هذه المسألة.\n* * *\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أحمد (٦/ ١٥٢) وفي إسناده مصعب بن شيبة ضعيف، وقد سبق تخريجه.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه الشافعي (الأم) (٧/ ١٦٥).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٨).\n(^٤) حاشية الطحاوي (ص ٧٠).\n(^٥) الإنصاف (١/ ٢٥١) الفروع (١/ ١٨٣).\n(^٦) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٧).","vol":"1","page":546},{"text":"خلاصة ما ورد في باب الغسل\nالفصل الأول: موجبات الغسل\nالموجب الأول: خروج المني:\n١ - خروج المني يقظة أو منامًا بدفق يوجب الغسل من الرجل والمرأة.\n٢ - من انتبه من نومه فرأى منيًّا اغتسل بالإجماع، وفي الصحيحين عن أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ الله لَا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، هَلْ عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ».\n٣ - من رأى احتلامًا ولم يجد بللًا لا غسل عليه بالإجماع.\nقال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا رأى في نومه أنه احتلم أو جامع ولم يجد بللًا أنه لا غسل عليه.\n٤ - خروج المني بغير دفق لمرض أو علة لا يوجب الغسل عند جمهور العلماء لعموم قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ٦﴾ [الطارق]، فإذا خرج بغير دفق فلا يجب منه الغسل ولا يكون منه الولد.\nالموجب الثاني: التقاء الختانين:\n١ - اتفق العلماء على أنه إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل وإن لم ينزل.\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ». وورد في رواية عند مسلم: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ». ويشترط لوجوب الغسل بالتقاء الختانين إيلاج الحَشَفة كاملة، والحشفة هي موضع الختان.\n٢ - الإيلاج في الدبر من الكبائر العظام، وقد كرر الله ذِكْر إهلاك قوم لوط بسبب هذا الذنب العظيم، ولا يجوز إتيان المرأة في دبرها لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] فسمى الإتيان في الدبر فاحشة، وقال تعالى عن الزنا في الُقبل: ﴿وَاللَّاتِي","vol":"1","page":547},{"text":"يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥].\n٣ - إذا أولج ذكره مع وجود حائل - أي: واقٍ - فإنه يجب عليه الغسل.\nالموجب الثالث: موت المسلم إذا لم يكن شهيدًا العموم قول النبي ﷺ للصحابة لما مات رجل: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ».\nالموجب الرابع: انقطاع دم الحيض، فإذا طهرت المرأة من المحيض فإنه يجب عليها الغسل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي اغتسلن.\nما لا يوجب الغسل: إسلام الكافر لا يوجب الغسل لعموم قول النبي ﷺ: «الإسلام يَجُبُّ ما قبله»، أما الأحاديث الواردة أن «عَلَى كُلِّ مَنْ أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ» فهي ضعيفة، أما حديث ثمامة بن أثال: وفيه قول النبي: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ»، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فليس فيه أن النبي أمره أن يغتسل، فهذا لا يفيد وجوبًا، والله أعلم.\nفرائض الغسل:\nالفرض الأول: النية؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».\nالفرض الثاني: تعميم جميع الجسد بالماء؛ لعموم قول النبي ﷺ للرجل الذي أصابته الجنابة: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ».\nآداب الغسل:\n١ - عدم الإسراف في استعمال الماء مع إحكام الغسل.\n٢ - أن يستتر عن أعين الناس؛ لأن ستر العورة واجب.\n٣ - جواز كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا.\nما يحرم على الجنب:\n١ - يحرم على الجنب الصلاة.","vol":"1","page":548},{"text":"(٢) يحرم على الجنب الطواف لعموم قول النبي ﷺ لعائشة: «افْعلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجَّ، غَيْرَ ألاَّ تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي»، ويقاس الجنب على الحائض لأن كليهما حدث أكبر.\nما لا يحرم على الجنب:\n(١) يجوز للجنب أن يمكث في المسجد.\n(٢) يجوز للجنب أن يقرأ القرآن، وكذا الحائض؛ لعموم حديث عائشة: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذِكْر اللَّهَ ﷿ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ».\n(٣) يجوز للجنب أن يمس المصحف.\nما يستحب للجنب:\n١ - يستحب للجنب أن يتوضأ إذا أراد أن ينام، فعن عائشة قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ فَرْجَهُ، وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ».\n٢ - استحباب الوضوء لمعاودة الوطء، روى مسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ».\nالأغسال المستحبة\n١ - غسل الجمعة: لعموم قول النبي ﷺ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ».\n٢ - الغسل للإحرام: اتفق العلماء على أنه يستحب الغسل عند إرادة الإحرام بحج أو عمرة.\n٣ - الغسل للعيدين: أجمع العلماء على استحباب الغسل للعيدين.\nصفة الغسل\nنلخص صفة الغسل على ما ورد فى الحديث الآتي:\nفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: «وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ","vol":"1","page":549},{"text":"وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ».\nالصفة … الشاهد من الحديث\nالنية أن ينوي رفع الحدث … قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»\nلم يصح عن رسول الله ﷺ ذِكْر معين قبل الغسل … عن ميمونة: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً لِلْغُسْلِ\nيغسل يديه مرتين أو ثلاثًا … فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا\nثم يفرغ الماء على شماله فيغسل مذاكيره، وما أصابه من أذى … ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ\nثم يغسل يديه بالصابون … ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ\nثم يتمضمض ويستنشق … ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ\nثم يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين … وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ\nثم يفرغ على رأسه الماء مع التدليك ثم يفيض على رأسه يبدأ بالجانب الأيمن ثم الأيسر ثم أعلى الرأس … ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ\nثم يفيض على سائر جسده\nثم يتنحى ويغسل قدميه\n* * *","vol":"1","page":550},{"text":"<span data-type='title' id=toc-478>الباب التاسع باب التيمم</span>\nوفيه فصول\nالفصل الأول: بين يدي التيمم، وفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف التيمم.\nالمبحث الثاني: مشروعية التيمم.\nالمبحث الثالث: في بدء مشروعية التيمم.\nالمبحث الرابع: التيمم من خصائص أمة محمد ﷺ.\nالمبحث الخامس: هل التيمم رفع للحدث أم مبيح؟\nالمبحث السادس: الأسباب الموجبة للتيمم.\nالمبحث السابع: يباح التيمم مع وجود الماء في أحوال.\nالمبحث الثامن: إذا عدم الماء والصعيد.\nالفصل الثاني: شروط التيمم:\nالشرط الأول: النية.\nالشرط الثاني: الإسلام.\nالشرط الثالث: التكليف.","vol":"1","page":551},{"text":"الشرط الرابع: انقطاع ما يوجب الحدث إلا في المعذور.\nالشرط الخامس: طلب الماء قبل التيمم.\nالشرط السادس: التيمم يكون بالأرض.\nالفصل الثالث: فروض التيمم:\nالفرض الأول: النية.\nالفرض الثاني: مسح الوجه واليدين. وهل يجب للتيمم ضربتان في الأرض أم ضربة\nواحدة؟\nالفصل الرابع: صفة التيمم:\nالفصل الخامس: مبطلات التيمم.\n* * *","vol":"1","page":552},{"text":"<span data-type='title' id=toc-479>الفصل الأول بين يدي التيمم</span>\nوفيه ثمانية مباحث\n\n<span data-type='title' id=toc-480>المبحث الأول: تعريف التيمم:</span>\nالتيمم لغة: القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أي: اقصدوا، ومنه قول الشاعر:\nفَمَا أَدْرِي، إِذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا … أُرِيدُ الخَيْرَ، أَيُّهما يَلِيني؟\nأَأَلخَيْر الَّذِي أَنَا أَبْتَغيهِ … أمِ الشَّر الَّذِي هُوَ يَبْتَغِيني؟ (^١)\nقال البهوتي: التيمم شرعًا: مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-481>المبحث الثاني: مشروعية التيمم:</span>\nدل على مشروعية التيمم الكتاب والسنة:\nأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣].\nوأما السنة: ففي الصحيحين: عن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا،\n_________\n(^١) «النهاية في غريب الحديث» (٥/ ٢٩٩)، «مختار الصحاح» (ص ٣١٠)، «لسان العرب» (١٢/ ٢٣).\n(^٢) «كشاف القناع» (١/ ١٦٠)، قال الكاساني «بدائع الصنائع» (١/ ٤٥): عبارة عن استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهر بشرائط مخصوصة. وقال الصاوي على «الشرح الصغير» (١/ ١٧٩)، في تعريف التيمم: طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين بنية.","vol":"1","page":553},{"text":"وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-482>المبحث الثالث: في بدء مشروعيته:</span>\nعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى التِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ الله ﷺ وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ!! فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ الله ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ الله ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ؟! فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ الله أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ الله ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ الله آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-483>المبحث الرابع: التيمم من خصائص أمة محمد ﷺ</span>-:\nففي الصحيحين من حديث جَابِرٍ بْنُ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» (^٣).\nقال الخطابي: وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَعَلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لُطْفًا مِنِ الله بِهَا وَإِحْسَانًا (^٤).\n_________\n(^١) «البخاري» (٣٣٥)، و«مسلم» (٥٢١).\n(^٢) «البخاري» (٣٣٤)، و«مسلم» (٣٦٧).\n(^٣) «البخاري» (٣٣٥)، و«مسلم» (٥٢١).\n(^٤) «مواهب الجليل» (١/ ٣٢٥)، و«منح الجليل» (١/ ١٤٣): وهو من خصائص هذه الأمة إجماعًا.","vol":"1","page":554},{"text":"<span data-type='title' id=toc-484>المبحث الخامس: هل التيمم رافع للحدث أو مبيح؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أن التيمم رافع للحدث كالوضوء، وبه قال الحنفية وقول عند المالكية وابن تيمية من الحنابلة (^١).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولعموم قول النبي ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، ومعنى الحديث: كما أنه يصلي في أي مكان على الأرض، فكذا يتيمم منها إذا فقد الماء.\nالقول الآخر: التيمم لا يرفع الحدث، إنما هو مبيح للصلاة، وهو قول مالك والقول الجديد للشافعي، والمشهور عند الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بما روى البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل وفيه: «فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إذَا هُوَ بِرَجُلِ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، قَالَ: «مَا مَنَعَك يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟» قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. قَالَ: «عَلَيْك بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيك». وفي ختام هذا الحديث أعطاه النبي ﷺ إناء من ماء، وقال: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ».\nفالنبي ﷺ قال: «عَلَيْك بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيك»، فدل ذلك على أن الحدث لم يرتفع وإنما هو مبيح لفعل الصلاة مع بقاء الحدث.\nواعترض عليه بأنه إذا وُجد الماء بطل التيمم.\nوالراجح: أن التيمم رافع للحدث كالماء، والله أعلم.\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (١/ ٥٥)، و«مواهب الجليل» (١/ ٣٤٨)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٥٢).\n(^٢) «المنتقى» (١/ ١٠٩)، «المجموع» (٢/ ٣٢٨)، «كشاف القناع» (١/ ١٧٥).","vol":"1","page":555},{"text":"<span data-type='title' id=toc-485>المبحث السادس: الأسباب الموجبة للتيمم وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-486>المطلب الأول: عدم وجود الماء:</span>\nقال ابن عبد البر: وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بِالصَّعِيدِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ طَهُورُ (^١).\nودل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-487>المطلب الثاني: إذا وجد ماء لا يكفي للطهارة:</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا وجد ماء لا يكفي الوضوء أو الغسل، فإنه يتيمم ويدع الماء، وهو قول الحنفية والمالكية والقول القديم للشافعي (^٢).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]. فدلت الآية على أن الطهارة تكون بالماء إذا وجد، وعند فقده يكون التيمم، فإذا غسل بعض الأعضاء وتيمم عن الباقي فقد جمع بين الأمرين، والجمع بين الأمرين خلاف الآية، وأن فرضه التيمم إذا لم يكن الماء كافيًا لطهارة وأن الماء أصل والتيمم بدل، فكيف يجُمع بين الأصل والبدل؟!\nالقول الثاني: ذهب الشافعي في الجديد والحنابلة إلى أن من وجد ماء لا يكفي للطهارة فإنه يستعمل الماء الموجود ويتمم عن الباقي (^٣).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، وهذا واجد لبعض الماء، فيتطهر بما وجد ويتيمم عن الباقي، و﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-488>المبحث السابع: يباح التيمم مع وجود الماء في أحوال:</span>\nالأول: يباح التيمم للمريض إذا كان يضره الماء.\n_________\n(^١) «التمهيد» (٩/ ٢٧٠)، و«الاستذكار» (٢/ ٣).\n(^٢) «المبسوط» (١/ ١١٣)، «مختصر خليل» (ص ١٩)، «المهذب» (١/ ٣٤).\n(^٣) «المهذب» (١/ ٣٤)، «المغني» (١/ ١٥٠).","vol":"1","page":556},{"text":"قال السرخسي: أَمَّا إذَا كَانَ يَخَافُ الْهَلَاكَ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَالتَّيَمُّمُ جَائِزٌ لَهُ بِالِاتِّفَاقِ (^١).\nالحال الثاني: يباح التيمم إذا كان الماء الذي معه لا يكفي إلا لشربه.\nقال ابن المنذر: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَطَشَ وَمَعَهُ مِقْدَارُ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ مِنَ الْمَاءِ - أَنَّهُ يُبْقِي مَاءَهُ لِلشُّرْبِ وَيَتَيَمَّمُ (^٢).\nدل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ٢٩]\nالحال الثالث: إذا كان الماء لا يأتيه إلا بعد خروج الوقت. إذا خشي خروج الوقت لو توضأ، فيتيمم ويصلي لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣].\nوفي المدونة: وَسَأَلْنَا مَالِكًا عَنِ الْمُسَافِرِ يَأْتِي الْبِئْرَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَهُوَ يَخْشَى إنْ نَزَلَ يَنْزِعُ بِالرِّشَا وَيَتَوَضَّأُ يَذْهَبُ وَقْتُ تِلْكَ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: فَلْيَتَيَمَّمْ وَلْيُصَلِّ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَفَيُعِيدُ الصَّلَاةَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا تَوَضَّأَ؟ قَالَ: لَا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-489>المبحث الثامن: إذا عدم الماء والصعيد:</span>\nيصلي على حَسَب استطاعته ولا يعيد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ ﵄، أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ فَأَرْسَلَ رَسُولُ الله ﷺ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ (^٤). فدل ذلك على أن الصحابة لما فقدوا الماء صلوا بغير وضوء قبل أن ينزل التيمم، فشكوا للنبي ذلك ولم يَرِد أن النبي ﷺ أمرهم بقضاء الصلاة، والطهارة شرط لصحة الصلاة ويسقط عند العجز.\n* * *\n_________\n(^١) «المبسوط» (١/ ١١٢).\n(^٢) «الأوسط» (٢/ ٢٨).\n(^٣) «المدونة» (١/ ٤٤).\n(^٤) «البخاري» (٣٧٧٣)، و«مسلم» (٣٦٧).","vol":"1","page":557},{"text":"<span data-type='title' id=toc-490>الفصل الثاني شروط التيمم</span>\nالشرط الأول: النية؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».\nالشرط الثاني: الإسلام فلا يصح التيمم من كافر.\nالشرط الثالث: التكليف، والمكلف هو البالغ العاقل، والصبي إذا تيمم أجزأ.\nالشرط الرابع: انقطاع ما يوجب الحدث إلا في المعذور، فإذا أحدث أثناء التيمم أعاد التيمم من البداية.\nالشرط الخامس: طلب الماء قبل التيمم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.\nهل يشترط دخول الوقت لصحة التيمم؟\nلا يُشترط دخول الوقت لصحة التيمم، بل يصح التيمم لعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فأمر بالتيمم بعد الحدث إذا عدم الماء، ولم يفرق بين قبل دخول الوقت أو بعده، ولا يوجد دليل يمنع من صحة التيمم قبل دخول الوقت، والله أعلم.\nالشرط السادس: التيمم يكون بالأرض، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: التيمم بالتراب. يجوز التيمم بالتراب بالإجماع.\nقال ابن المنذر: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ ذِي الْغُبَارِ جَائِزٌ إِلَّا مَنْ شَذَّ (^١).\n_________\n(^١) «الأوسط» (٢/ ٣٧).","vol":"1","page":558},{"text":"وقال ابن عبد البر: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ جَائِزٌ (^١).\nالمطلب الثاني: التيمم بغير التراب مما هو من جنس الأرض:\nاتفق العلماء على أن التيمم بالتراب جائز، واختلفوا فيما عداه من الأرض على قولين:\nالقول الأول: التيمم جائز بكل ما صعد من الأرض من جنسها من تراب أو رمل أو غير ذلك، وبه قال الحنفية والمالكية (^٢).\nواستدلوا بالقرآن والسنة.\nأما دليلهم من القرآن فعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.\nوجه الدلالة: ما قاله الباجي: الصعيد وجه الأرض ترابًا كان أو رملًا أو حجرًا، قاله ابن الأعرابي والزَّجَّاج، قال أبو إسحاق: لا أعلم فيه خلافًا بين أهل اللغة (^٣).\nواعترض على هذا الاستدلال بما قال الشافعي: لا يقع اسم صعيد إلا على تراب ذي غبار (^٤).\nفحاصل الاعتراض أن الصعيد لا يقع إلا على تراب ذي غبار، والطيب يعني الأرض الطيبة التي تنبت، دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨].\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَطْيَبُ الصَّعِيدِ الْحَرْثُ وَأَرْضُ الْحَرْثِ (^٥).\nوأجيب عنه بأن الأثر لا يصح، ولو صح فليس فيه دلالة؛ لأن قوله: «أَطْيَبُ الصَّعِيدِ الْحَرْثُ» لا ينفي أن ما عداه من الأرض ليس بصعيد، ودل على أن الأرض التي لا تنبت يطلق\n_________\n(^١) «الإستذكار» (١/ ٣٠٩).\n(^٢) «المبسوط» (١/ ١٠٨)، «مواهب الجليل» (١/ ٣٥٠»، «التمهيد» (١٩/ ٢٨١).\n(^٣) «تفسير الطبري» (١٥/ ١٩٦).\n(^٤) «الأم» (١/ ٥٠).\n(^٥) ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٨)، وفي إسناده قابوس بن ظبيان: ضعيف.","vol":"1","page":559},{"text":"عليها صعيد عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ٨﴾ [الكهف]، والجرز: هي الأرض التي لا نبات عليها ولا زرع ولا غرس (^١).\nوفي المصباح المنير: الصعيد وجه الأرض ترابًا كان أو غيره، قال الزجاج: ولا أعلم اختلافًا بين أهل اللغة في ذلك (^٢).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». وهذا يشمل التراب والرمل وكل ما على الأرض.\nالقول الثاني: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بتراب طهور، ولا يجوز التيمم بالرمل ولا غير التراب من مكونات الأرض (^٣).\nواستدلوا بما روى مسلم عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ».\nقال ابن رجب: إن الحديث جعل الأرض كلها مسجدًا، وخص الطهورية بالتربة وأخرج ذلك في مقام الامتنان وبيان الاختصاص، فلولا أن الطهورية لا تعم جميع أجزاء الأرض لكان ذِكْر التربة لا معنى له، وهذا لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم (^٤).\nواعترض عليه: بأن حديث: «وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» مطلق وعام يشمل جميع الأرض من تراب ورمل وغير ذلك. «وجعلت لي تربتها طهورًا» ذِكْر بعض أفراد العام (التراب) (لا يخصصه). كما في قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾، فلم تكن خصوصية الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها مُخرجًا سائر الصلوات من الأمر العام الذي أمر بالمحافظة على الصلوات (^٥).\n_________\n(^١) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٧٣).\n(^٢) «المصباح المنير» (ص ٣٤٠).\n(^٣) «المجموع» (٢/ ٢٤٦»، «المغني» (١/ ١٥٥)، «المحور» (١/ ٢٢).\n(^٤) «شرح ابن رجب» للبخاري (٢/ ٢١١).\n(^٥) «الأوسط» (١/ ٢٧٠).","vol":"1","page":560},{"text":"<span data-type='title' id=toc-491>الفصل الثالث فروض التيمم</span>\nالفرض الأول: النية؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».\nالفرض الثاني: مسح الوجه واليدين.\nهل يجب للتيمم ضربتان في الأرض، أم ضربة واحدة؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو المشهور عند الحنابلة (^١).\nواستدلوا بما روى البخاري عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قال: قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ المَاءَ. فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرْ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا» (^٢). فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.\nفدل الحديث على أن المسح ضربة واحدة ثم نفخ ثم مسح وجهه وكفيه، وقالوا بأن حد المسح في اليدين هو مسح الكفين، وقالوا بأن اليد إذا أُطلقت يراد بها الكف كما في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، وكذا قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وثبت أن القطع يكون من الكوع، أما إذا قيدت فحسَب التقييد: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.\n_________\n(^١) «مسائل أحمد» رواية عبد الله (١/ ١٢٧)، «المغني» (١/ ١٥٤).\n(^٢) «البخاري» (٣٣٨).","vol":"1","page":561},{"text":"قال ابن عبد البر: وَحُجَّةُ مَنْ رَأَى أَنَّ التَّيَمُّمَ إِلَى الْكُوعَيْنِ جَائِزٌ وَلَمْ يَرَ بُلُوغَ الْمِرْفَقَيْنِ وَاجِبًا ظَاهِرُ قَوْلِ الله ﷿: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] هُوَلَمْ يَقُلْ إِلَى (الْمِرْفَقَيْنِ) وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا، فَلَمْ يَجِبْ بِهَذَا الْخِطَابِ إِلَّا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ يَدٍ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ وَمَا عَدَا ذَلِكَ شَكٌّ وَالْفَرَائِضُ لَا تَجِبُ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَقَدْ قَالَ الله ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَثَبَتَتِ السُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا أَنَّ الْأَيْدِيَ فِي ذَلِكَ أُرِيدَ بِهَا مِنَ الْكُوعِ فَكَذَلِكَ التيمم إذ لم يذْكُر فيه المِرْفَقْين، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَكْثَرِ الْآثَارِ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّهُ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ، وَكَفَى بِهَذَا حُجَّةً لِأَنَّهُ لو كان ما زاد على ذلك واجبًا لَمْ يَدَعْهُ رَسُولُ الله ﷺ (^١).\nالقول الثاني: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجب في التيمم ضربتان في الأرض، ضربة يمسح بهما وجهه، وضربة يمسح بها يديه إلى المرفقين (^٢).\nوسئل مالك: كيف التيمم؟ فقال: يضرب ضربة للوجه، وضربة لليدين ويمسحهما إلى المرفقين (^٣).\nواستدلوا بما روى أبو داود عن نَافِعٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي حَاجَةٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَضَى ابْنُ عُمَرَ حَاجَتَهُ فَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ يَوْمَئِذٍ أَنْ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فِي سِكَّةٍ مِنَ السِّكَكِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا كَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَوَارَى فِي السِّكَّة ضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ وَقَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ» (^٤).\n_________\n(^١) «التمهيد» (١٩/ ٢٨٢، ٢٨٣).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (١/ ٤٥)، و«المدونة» (١/ ٤٢)، و«الأم» (١/ ٤٩).\n(^٣) «الموطأ» (١/ ٥٦).\n(^٤) ضعيف: أخرجه أبو داود (٣٣٠)، وفي إسناده: محمد بن ثابت العبدي، لين الحديث، وتابع محمد ابن ثابت عبيد الله بن عمر، ولكن الراوي عنه علىّ بن ظبيان: واهي الحديث، أخرجه الدارقطني «السنن» (١/ ١٨٠)، وتابع علي بن ظبيان، محمد بن سنان وهو ضعيف.\nوخالفهما سفيان الثوري كما في «الأوسط» (٢/ ٤٨)، ويحيى القطان، وهشيم كما في «سنن الدارقطني» (١/ ١٨٠)، فرووه عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر موقوفًا، وأخرجه الدارقطني (١/ ١٨١)، عن سليمان بن أرقم عن الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعًا وسليمان: متروك.\nورواه أيوب عن عبد الرزاق (٨١٨)، ومالك في «الموطأ» (١/ ٥٨)، ويونس بن عبيد عند الدارقطني (١/ ١٨٠)، عن نافع عن ابن عمر موقوفًا وهو الصحيح، ورواية الرفع منكرة وقد صحح الوقف أبو زرعة والبخاري. انظر «التاريخ الكبير» (١/ ٥٠)، و«التمهيد» (١٩/ ٢٨٧).","vol":"1","page":562},{"text":"واعترض عليه: بأنه لا يصح.\nوعن جابر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةً لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ» (^١).\nواعترض: بأن كل الأحاديث الواردة بأن التيمم ضربتان لا يصح منها حديث.\nوالراجح: أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، دل على ذلك عموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا» فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.\n* * *\n_________\n(^١) ضعيف، الصحيح فيه الوقف. مدار الحديث على عزرة بن ثابت عن أبي الزبير عن جابر، واختلف على عزرة فرواه حرمي بن عمارة عن ثابت به مرفوعًا. أخرجه الدارقطني، ووكيع عند ابن أبي شيبة (١/ ١٤٧)، وفهد عند الطحاوي (١/ ١٤٤)، فهؤلاء (أبو نعيم، ووكيع، وفهد) رووه عن ثابت عن أبي الزبير عن جابر موقوفًا. قال الدارقطني: الصواب موقوف. وللحديث شواهد عن أسلع وأبي الجهم وعمار بن ياسر، وكل هذه الأحاديث لا تصح.","vol":"1","page":563},{"text":"<span data-type='title' id=toc-492>الفصل الرابع صفة التيمم</span>\nوفيه مبحثان\n\n<span data-type='title' id=toc-493>المبحث الأول: صفة التيمم:</span>\nورد في حديث عمار عموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا» فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.\nقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: أرني كيف التيمم. فضرب بيده باطن كفيه، ثم مسح وجهه وكفيه بعضهما على بعض، ضربة واحدة، وقال: هكذا.\nقال ابن تيمية: وَصِفَةُ التَّيَمُّمِ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ لِحَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ (^١).\nولا يُشترط ضرب اليدين بالأرض، بل لو وضع يديه على الأرض بدون ضرب أجزأ ذلك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فدل ذلك على أن التيمم سنة كما أن النفخ سنة؛ لعموم فعل النبي ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-494>المبحث الثاني: هل يستحب تقديم مسح اليد اليمنى على اليسرى؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب تقديم مسح اليد اليمنى على اليد اليسرى (^٢).\nواستدلوا بما روى أبو داود من حديث عمار: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا»، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ فَنَفَضَهَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ عَلَى الْكَفَّيْنِ (^٣).\n_________\n(^١) «الاختيارات» (ص ٢٠).\n(^٢) «البحر الرائق» (١/ ١٥٣ - ١٥٤)، و«مغني المحتاج» (١/ ١٠٠)، «مطالب أولي النهى» (١/ ٢٢٠).\n(^٣) أصل الحديث في الصحيحين دون زيادة «ثم ضرب بشماله على يمينه» فهي شاذة. أخرجها أبو داود (٣٢١)","vol":"1","page":564},{"text":"واعترض عليه: بأن زيادة: «ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ عَلَى الْكَفَّيْنِ» شاذة، انفرد بذِكْرها أبو معاوية عن الأعمش، والثقات الأثبات رووه عن الأعمش بدونها، والحديث في الصحيحين بدونها.\nواستدلوا أيضًا بما ورد في الصحيحين من حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ».\nقال النووي: يستحب تقديم اليمنى في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء.\nقلت: يستحب تقديم مسح اليد اليمنى على اليد اليسرى في التيمم قياسًا على الوضوء، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":565},{"text":"<span data-type='title' id=toc-495>الفصل الخامس مبطلات التيمم</span>\n<span data-type='title' id=toc-496>المبطل الأول: يُبطل التيمم ما يُبطل الوضوء.</span>\nقال ابن حزم: وَكُلُّ حَدَثٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ، هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-497>المبطل الثاني: يُبطل التيمم وجود الماء،</span> وفيه ثلاثة مباحث:\n<span data-type='title' id=toc-498>المبحث الأول: إذا تيمم الرجل ثم وجد الماء قبل دخوله الصلاة بطل التيمم.</span>\nقال ابن عبد البر: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ بَعْدَ أَنْ طَلَبَ الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ تَيَمُّمَهُ بَاطِلٌ لَا يُجْزِيهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ عَادَ بِحَالِهِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-499>المبحث الثاني: إذا وجد الماء أثناء الصلاة.</span>\nإذا تيمم الرجل ثم دخل في الصلاة فجاء رجل آخر معه ماء، فهل يخرج من الصلاة أو يتم صلاته؟\nقولان للعلماء: القول الأول: ذهب الحنفية والمشهور عن الحنابلة إلى أن من تيمم ثم وجد الماء أثناء الصلاة بطلت صلاته، وخرج من الصلاة ثم توضأ بالماء وصلى (^٣)؛ لأنه وجود الماء أثناء الصلاة يبطل التيمم وكأنه أحدث.\n_________\n(^١) «المحلى» مسألة (٢٣٣).\n(^٢) «الاستذكار» (٣/ ١٦٨)، وقال ابن المنذر «الأوسط» (٢٠/ ٦٥): أجمع عوام أهل العلم على أن من تيمم ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة أن طهارته تنتقض، وعليه أن يتطهر، ويصلي، إلا حرفًا رُوي عن ابن سلمة فإنه فيما بلغني عنه أنه قال في الجنب، يتيمم، ثم يجد الماء قال: لا يغتسل. قال القرطبي في «تفسيره» (٥/ ٢٣٤): أجمعوا على أن من تيمم، ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة بطل تيممه.\n(^٣) «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ٥٣٩)، و«بدائع الصنائع» (١/ ٥٧)، و«الإنصاف» (١/ ٢٩٨).","vol":"1","page":566},{"text":"واستدلوا بحديث أَبِي ذَرٍّ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ أَجْنَبَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِمَاءٍ، فَاسْتَتَرَ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ خَيْرٌ». فالتيمم وضوء المسلم إن لم يجد الماء، فإذا وجد الماء قبل الصلاة أو أثناء الصلاة بطل التيمم.\nالقول الثانى: وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ تَيَمَّمَ حِينَ لَمْ يَجِدْ مَاءً، فَقَامَ وَكَبَّرَ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، فَطَلَعَ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ مَعَهُ مَاءٌ؟ قَالَ: لَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ، بَلْ يُتِمُّهَا بِالتَّيَمُّمِ، وَلْيَتَوَضَّأْ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الصَّلَوَاتِ (^١).\nوالراجح: أنه يخرج من الصلاة ويتوضأ ويصلي، وهذا أبرأ للذمة وأحوط للدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-500>المبحث الثالث: إذا وجد المتيمم الماء بعد الفراغ من الصلاة.</span>\nلا بد أن نفرق بين حالين:\nالحال الأول: إذا تيمم وصلى وخرج وقت الصلاة ثم وجد الماء، فلا إعادة عليه بالإجماع.\nقال ابن المنذر: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ صَعِيدًا طَيِّبًا كَمَا أَمَرَ اللهُ وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، لَا إِعَادَةَ عَلَيْه (^٢).\nالحال الثاني: إذا تيمم وصلى ثم وجد الماء قبل خروج وقت الصلاة، فلا إعادة عليه على قول جمهور العلماء (^٣)، واستدلوا بالماثوروالمعقول:\nأما بالمأثور فصح أَنَّ ابْنَ عُمَرَ تَيَمَّمَ وَصَلَّى الْعَصْرَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ مِيلٌ أَوْ مِيلَانِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ (^٤).\nوأما بالمعقول فهو أن من طلب الماء ثم لم يجده ثم تيمم وصلى فقد فعل ما أُمر به، ولا إعادة عليه\n_________\n(^١) «الموطأ» (١/ ٥٥).\n(^٢) «الأوسط» (٢/ ٦٣).\n(^٣) «المبسوط» (١/ ١١٠)، و«المدونة» (١/ ٤٥)، و«الفروع» (١/ ٢٣٢).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٨٨٤).","vol":"1","page":567},{"text":"خلاصة التيمم\n١ - التيمم: مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص.\n٢ - بدء التيمم: رُوي أن عقدًا لعائشة استعارته من أسماء فضاع منها في مكان ليس معهم ماء وليسوا على ماء، وحضرت الصلاة وكاد ينتهي وقتها وهم يبحثون عن العقد فنزلت آية التيمم: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.\n٣ - السبب الموجب للتيمم: عدم وجود الماء، لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وإذا عدم الماء والتراب فيصلي على حسَب استطاعته لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً، فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا فَوَجَدَهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ.\nيباح التيمم للمريض إذا كان يضره الماء. فالرجل إذا كان معه ماء يحتاج لشربه يتيمم.\nأجمع العلماء على أن المسافر إذا خشي على نفسه العطش، ومعه مقدار ما يتطهر به من الماء أنه يُبقي ماءه للشرب، ويتمم لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.\nشروط التيمم:\nالشرط الأول: النية؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».\nالشرط الثاني: الإسلام. الشرط الثالث: التكليف.\nالشرط الرابع: انقطاع ما يوجب الحدث إلا في المعذور.\nالشرط الخامس: طلب الماء قبل التيمم لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.\nالشرط السادس: يجوز التيمم بالأرض من التراب ومشتقاته.","vol":"1","page":568},{"text":"<span data-type='title' id=toc-501>الباب العاشر الحيض</span>\nوفيه تمهيد وفصول\nالتمهيد: بين يدي الحيض وفيه مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الحيض.\nالمبحث الثاني: من أسماء الحيض.\nالمبحث الثالث: تاريخ ابتداء الحيض.\nالمبحث الرابع: الحيض من علامات البلوغ.\nأما الفصول فهي كالآتي:\nالفصل الأول: سن الحيض ومدته.\nالفصل الثاني: صفة الغسل من الحيض.\nالفصل الثالث: ما يحرم على الحائض.\nالفصل الرابع: ما يباح للحائض.\nالفصل الخامس: الاستحاضة.","vol":"1","page":569},{"text":"<span data-type='title' id=toc-502>تمهيد: مقدمات فى الحيض</span>\n<span data-type='title' id=toc-503>المبحث الأول: تعريف الحيض:</span>\nالحيض في اللغة: قال الحافظ: الحيض أَصْلُهُ السَّيَلَانُ، وَفِي الْعُرْفِ جَرَيَانُ دَمِ الْمَرْأَةِ مِنْ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَة (^١).\nوقال الفيروز آبادي: حاضَت المرأةُ: سالَ دَمُها (^٢).\nوالمَحِيضُ: اسْمٌ ومَصْدَرٌ. قيلَ: ومنه الحَوْضُ، لأنَّ الماء يَسيلُ إليه.\nوالحيض في الشرع: هو الدم الخارج من فرج المرأة جِبِلة وطبيعة، في أيام معلومة من الشهر من غير ولادة ولا مرض بصفات معينة.\nقوله: (جبلة وطبيعة) خرج دم النفاس.\nوقوله: (ولا مرض) خرج دم الاستحاضة.\nوقوله: (بصفات معينة) أي: أن دم الحيض أسود اللون ومنتن الرائحة (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٣٩٩).\n(^٢) القاموس المحيط (ص ٨٢٦).\n(^٣) قال ابن جزي (القوانين الفقهية) (ص ٣١): هو الدم الخارج من فرج المرأة التي يمكن حملها عادة، من غير ولادة ولا مرض ولا زيادة على الأمد.\nوفي مغني المحتاج (١/ ١٠١): الحيض: هو الخارج من فرج على سبيل الصحة، ومن غير سبب الولادة في أوقات معلومة.\nوفي شرح منتهى الإرادات (١/ ١١٠): الحيض: دم طبيعي وجبلة يرخيه الرحم يعتاد أنثى إذا بلغت في أوقات معلومات.","vol":"1","page":570},{"text":"<span data-type='title' id=toc-504>المبحث الثاني: من أسماء الحيض.</span>\n١) العراك: روى مسلم من حديث جابر وفيه: وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ ﵄ بِعُمْرَةٍ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ … (^١) الحديث». أي حاضت.\n٢) النفاس: عن أم سلمة: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، قَالَ: «أَنُفِسْتِ» (^٢) أي: حضتِ.\n٣) الضحك: قال في اللسان: ضحكت المرأة: أي حاضت، وقال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١]، وأحد تأويلات الآية: ضحكت أي حاضت (^٣).\n٤) الإكبار: قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١] أي حضن، على بعض التأويلات وأكثر المفسرين يقولون: أعظمنه. ورُوِي عَنْ مجاهد أنه قال: أكبرنه: حضن وليس ذلك بِالْمعروف فِي اللغة، وأنشد بعضهم:\nنَأْتي النساءَ عَلَى أَطْهارِهِنّ وَلَا نأْتي النساءَ إِذا أَكْبَرْنَ إِكْبارًا\nأي: إذا حضن (^٤).\nوقال ابن خالويه: حاضت، أو نَفِست، ويُفست، ودرست، وطمثت، وضحكت، وكادت، وأكبرت، وصامت (^٥).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٢١٣).\n(^٢) البخاري (٢٩٨) ومسلم (٢٩٦).\n(^٣) انظر تفسير الطبري (٧/ ٧٠).\n(^٤) انظر تفسير الطبري في تأويل قوله تعالى: ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾: وقال أبو منصور: إن صحت هذه اللفظة فقيل لها أكبرت: أي حاضت: فدخلت في حد الكبر الموجب عليها الأمر والنهي.\n(^٥) تاج العروس (١٠/ ٤٤)، ولسان العرب (٧/ ١٤٢).","vol":"1","page":571},{"text":"<span data-type='title' id=toc-505>المبحث الثالث: تاريخ ابتداء الحيض.</span>\nاختلف أهل العلم في تاريخ ابتداء الحيض على قولين:\nالقول الأول: أن ابتداء الحيض كان في حواء. ففي الصحيحين عن عائشة قالت: فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَليَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، قَالَ: «مَا لَكِ، أَنُفِسْتِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ ....» (^١) الحديث.\nقال الحافظ: وروى الْحَاكِم وابن الْمُنْذر بِإِسْنَاد صَحِيح عَنْ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْحَيْضِ كَانَ عَلَى حَوَّاءَ بَعْدَ أَنْ أُهْبِطَتْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَبَنَاتُ آدَمَ بَنَاتُهَ (^٢).\nوعموم قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٥] أي التي لا تحيض فهذا في الجنة، أما في الدنيا منذ أهبط آدم وحواء إليها فحواء وبناتها يحضن\nالقول الثاني: أن ابتداء الحيض كان في نساء بني إسرائيل.\nواستدلوا بما روى عبد الرزاق بسند صحيح عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُصَلُّونَ جَمِيعًا، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ لَهَا الْخَلِيلُ تَلْبَسُ الْقَالَبَيْنِ تَطَوَّلُ بِهِمَا لِخَلِيلِهَا، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِنَّ الْحَيْضُ (^٣)، فدل ذلك على أن بداية الحيض كانت في بني إسرائيل.\nوالجمع بين هذه الأدلة أن ابتداء الحيض كان في حواء وأن نساء بني إسرائيل لما عصين الله زادت أيام الحيض عند نسائهن.\nقال ابن حجر: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا مَعَ الْقَوْلِ بِالتَّعْمِيمِ، بِأَنَّ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَى نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ طُولُ مُكْثِهِ بِهِنَّ عُقُوبَةً لَهُنَّ لَا ابْتِدَاءُ وُجُودِهِ.\n_________\n(^١) البخاري (٢٩٤) ومسلم (٩٨٨٢).\n(^٢) فتح الباري (١/ ٤٠٠).\n(^٣) المصنف (٥١١٥).","vol":"1","page":572},{"text":"<span data-type='title' id=toc-506>المبحث الرابع: الحيض من علامات بلوغ المرأة </span>(^١).\nقال الحافظ ابن حجر: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ بُلُوغٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ (^٢).\nالعلامة الثانية للبلوغ: الاحتلام:\nوالمراد بالاحتلام: خروج المني أو الماء الدافق يقظة أو منامًا من الرجل أو المرأة\nودل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن الاحتلام من علامات البلوغ.\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] إذا بلغ الأطفال منكم الحلم، أي احتلموا وهو نزول المني في يقظة أو نوم.\nوفي الصحيحين واللفظ لمسلم: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (^٣).\nقال ابن حجر: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الِاحْتِلَامَ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يَلْزَمُ بِهِ الْعِبَادَاتُ وَالْحُدُودُ وَسَائِرُ الْأَحْكَامِ (^٤).\nالعلامة الثالثة من علامات البلوغ: الإنبات.\nدل على ذلك ما رواه أحمد: عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ: عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ\n_________\n(^١) البلوغ في اللغة: الوصول، بلغ الشيء: وصل وانتهى إليه، وتأتي بمعنى شارف على الوصول كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] أي شارفن على نهاية العدة فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف.\nوالبلوغ اصطلاحًا: وصول صغير وجارية وقت التكليف بعلامة من علامات البلوغ. انظر تاج العروس (١٢/ ٧)، واللسان (٨/ ٤١٩).\n(^٢) فتح الباري (٥/ ٦١٠).\n(^٣) البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧/ ٨٤٦).\n(^٤) فتح الباري (٥/ ٦١٠).","vol":"1","page":573},{"text":"يُنْبِتْ، فَخُلِّيَ سَبِيلِي» (^١).\nفي أسرى الحرب كان المسلمون لا يقتلون امرأة ولا صبيًّا، فكيف يُعرف الصبي من البالغ؟ يعرف بالإنبات.\nوروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ لَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً وَلَا صَبِيًّا وَأَنْ تَقْتُلُوا مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي» (^٢) أي حلق العانة.\nالعلامة الرابعة من علامات البلوغ: بلوغ تمام خمس عَشْرة سنة:\nدل على ذلك ما ورد في الصحيحين، واللفظ لمسلم: عن نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: عَرَضَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْقِتَالِ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي».\nقَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ كَانَ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَاجْعَلُوهُ فِي الْعِيَالِ (^٣).\nواعترض عليه بما قاله ابن حزم: أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَقُلْ: (إنِّي أَجَزْتهمَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا ابْنَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً)، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَاِحَدٍ أَنْ يُضِيفَ إلَيْهِ ﵇ مَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ عَنْ\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه أحمد (٤/ ٣١٠)، وأبو داود (٤٤٠٤)، والترمذي (١٥٨٤)، والنسائي (الكبرى) (٨٦٢١)، وابن ماجه (٢٥٤١)، وغيرهم من طرق (الثوري، وابن عيينة وشعبة وأبي عوانة وغيرهم» عن عبد الملك بن عمير به. وعبد الملك بن عمير ضَعَّفه أحمد، وقال ابن معين مرة مخلط. وقال مرة: ثقة إلا أنه أخطأ في حديث أو حديثين. وقال أبو حاتم: ليس بحافظ، وهو صالح الحديث تغير حفظه قبل موته. وقال النسائي: ليس به بأس. ووثقه ابن نمير والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ: ثقة فصيح، عالم تغير حفظه، وربما دلس.\nأما التدليس فقد صرح بالتحديث عند أحمد وغيره، وأما الاختلاط فقد روى عنه الثقات الأثبات كالثوري وابن عيينة وشعبة وقد روى له الجماعة، ورأيت من الجمع بين هذه الأقوال أن حديثه حسن والله أعلم.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٤٨٧).\n(^٣) البخاري (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨)، واللفظ لمسلم وليس في البخاري: فاجعلوه في العيال.","vol":"1","page":574},{"text":"نَفْسِهِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُجِيزَهُمَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ؛ لَاِنَّهُ كَانَ يَوْمَ حِصَارٍ فِي الْمَدِينَةِ نَفْسِهَا، يَنْتَفِعُ فِيهِ بِالصِّبْيَانِ فِي رَمْيِ الْحِجَارَةِ، وَلَمْ يُجِزْهُ يَوْمَ أُحُدٍ لَاِنَّهُ كَانَ يَوْمَ قِتَالٍ بَعُدُوا فِيهِ عَنِ الْمَدِينَةِ فَلَا يَحْضُرُهُ إلاَّ أَهْلُ الْقُوَّةِ وَالْجَلَد (^١).\nوأجيب على ما قاله ابن حزم: إننا نفهم القرآن والسنة بفهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين، فهذا خامس الخلفاء الراشدين وإمام التابعين وهذا نافع ولم يعترض عليهما أحد من التابعين أن هذا الحد بين الكبير والصغير بلوغ خمس عَشْرة سنة.\n* * *\n_________\n(^١) «المحلى» المسألة (١١٩).","vol":"1","page":575},{"text":"<span data-type='title' id=toc-507>الفصل الأول سن الحيض ومدته</span>\nوفيه مبحثان\nالمبحث الأول: سن الحيض، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: أقل سن تحيض فيه المرأة.\nالمطلب الثاني: منتهى سن الحيض.\nالمطلب الثالث: هل تحيض الحامل؟\nالمبحث الثاني: مدة الحيض، وفيه عشرة مطالب:\nالمطلب الأول: أقل الحيض.\nالمطلب الثاني: أكثر الحيض.\nالمطلب الثالث: غالب الحيض.\nالمطلب الرابع: زيادة أيام الحيض، أي إذا زادت أيام الحيض عن عادتها.\nالمطلب الخامس: نقص أيام الحيض عن عادتها، أي إذا طهرت قبل تمام عادتها.\nالمطلب السادس: النقاء المتخلل بين الدمين أو الطهر المتخلل أيام الحيض.\nالمطلب السابع: إذا تقدمت أيام عادة المرأة أو تأخرت.\nالمطلب الثامن: حكم تعاطي المرأة دواء يقطع حيضها أو يعجل نزوله.\nالمطلب التاسع: هل الصفرة والكدرة في بداية الحيض تُحسب من أيام الحيض؟\nالمطلب العاشر: في المبتدأة، تعريفها وأقسامها.","vol":"1","page":576},{"text":"<span data-type='title' id=toc-508>المبحث الأول\nسن الحيض،</span> وفيه ثلاثة مطالب:\n<span data-type='title' id=toc-509>المطلب الأول: أقل سن تحيض فيه المرأة:</span>\nاختلف العلماء في أقل سن تحيض فيه المرأة على أربعة أقوال:\nالقول الأول: لا حد لأقل سن تحيض فيه المرأة، فالمرأة إذا رأت دم الحيض بصفاته بلغت في أي سن كانت.\nدل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾\n[البقرة: ٢٢٢].\nقال شيخ الإسلام: لا حد لأقل سن تحيض فيه المرأة ولا أكثره، فمتى رأت الأنثى الحيض فهي حائض وإن كانت دون تسع سنين أو فوق خمسين، وذلك لأن أحكام الحيض علقها الله ﷾ على وجوده، ولم يحدد الله ﷾ ولا رسوله سنًّا معينًّا، فوجب الرجوع فيه إلى الوجود الذي علق عليه الأحكام، وتحديده بسن معين يحتاج إلى دليل من الكتاب والسنة، ولا دليل في ذلك (^١).\nوقال السعدي: وتحديد سن معين بخلاف الواقع لأن سن الحيض يختلف باختلاف النساء والطقس والأحوال والفصول والقوة والضعف وغيرها، فكونه يُربط بسن معين ومقدار معين، ويلغى ما سواه مع مماثلته له، ومع كونه مخالفًا لظاهر النصوص الشرعية، فإنه منافٍ للأحوال الطبيعية (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٣٧).\n(^٢) فقه السعدي (١/ ٣٤٧).","vol":"1","page":577},{"text":"وفي مواهب الجليل: وَسِنُّ النِّسَاءِ قَدْ يَخْتَلِفُ فِي الْبُلُوغِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُرْجَعَ فِي ذَلِكَ إلَى مَا يَعْرِفُهُ النِّسَاءُ فَهُنَّ عَلَى الْفُرُوجِ مُؤْتَمَنَاتٌ، فَإِنْ شَكَكْنَ أُخِذَ فِي ذَلِكَ بِالْأَحْوَطِ (^١).\nوقال ابن رشد: فأما الطفلة الصغيرة فما رأت من الدم حُكم له بأنه دم علة وفساد؛ لانتفاء الحيض مع الصغر، وليس لها حد من السن إلا ما يقطع النساء أن مثلها لا تحيض. وأما اليافعة التي تشبه أن تحيض فما رأت من الدم حُكم له بأنه حيض (^٢).\nالقول الثاني: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا حيض قبل تسع سنين، وبه قال أكثر الحنفية، وبعض المالكية، والمشهور عند الشافعية، والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِذَا بَلَغَتِ الجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ (^٤). واعترض عليه بأنه لا يصح.\nواستدلوا بما في الصحيحين: عَنْ عَائِشَةَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ (^٥).\nواعترض عليه: بأنه ليس في الحديث حد معين تحيض فيه المرأة، وإذا كانت حاضت عائشة وهي بنت تسع فغيرها تحيض وهي بنت عشر، وغيرها تحيض وهي بنت ثمانٍ.\nواستدلوا أيضًا بأنه لا يوجد امرأة حاضت وهي أقل من تسع سنين.\nقال الشافعي: وَأَعْجَب مَنْ سَمِعْتُ مِنَ النِّسَاءِ تَحِيضُ نِسَاءُ تِهَامَةَ، يَحِضْنَ لِتِسْعِ سِنِينَ،\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٣٦٧).\n(^٢) المقدمات الممهدات (١/ ١٣٠).\n(^٣) شرح فتح القدير (١/ ١٦٠)، الخرشي (١/ ٢٠٤)، المجموع (٢/ ٤٠٠)، المغني (١/ ٤٤٧).\n(^٤) لم أقف له على إسناد، وذكره الترمذي (السنن) (٣/ ٤٢٨)، والبيهقي (الكبرى) (١/ ٣٢٠) كلاهما تعليقًا\nوروى أبو نعيم (أخبار أصبهان) (٢/ ٢٧٣) مسندًا عن ابن عمر مرفوعًا به، وإسناده ضعيف.\n(^٥) البخاري (٥١٢٣)، ومسلم (١٤٢٢).","vol":"1","page":578},{"text":"وَقَدْ رَأَيْتُ جَدَّةَ لَها إِحْدى وعِشْرُون سَنَةً (^١).\nواعترض عليه: بأنه على حَسَب علم الشافعي، وهل إذا حاضت المرأة وعمرها ثماني سنوات هل نقول: ليس هذا بحيض حتى تبلغ التاسعة؟!\nالقول الثالث: ذهب بعض الحنفية إلى أن أدنى سن تحيض فيه المرأة سبع سنين (^٢).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ …» (^٣) الحديث.\n_________\n(^١) الحاوي (١/ ٣٨٨).\n(^٢) شرح فتح القدير (١/ ١٦٠).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٧)، وأبو داود (٤٩٥)، وغيرهما من طرق، عن سواد بن داود عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده به، وفي إسناده: سواد بن داود، وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ، وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال الدارقطني: لا يتابع على حديثه فيعتبر به، وقال الحافظ: صدوق له أوهام. انظر الجرح والتعديل (٤/ ٢٧٢)، وتهذيب الكمال (١٢/ ٢٣٦)، والضعفاء الكبير (٢١٦٧)، أما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فمن العلماء من ضعف حديث عمرو بن شعيب ومنهم من وثقه، ومنهم من فَصَّل. قال ابن عيينة: حديثه عند الناس فيه شيء. تهذيب الكمال (٢٢/ ٦٤) قال يحيى القطان: حديثه عندنا واهٍ. الجرح والتعديل (٦/ ٢٣٨)، وقال الآجري: قيل لأبي داود: عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، حجة عندك؟ قال: لا، ولا نصف حجة. أما ابن معين فاختلفت الرواية عنه: ففي رواية ابن أبي خيثمة قال: ليس بذاك. وفي رواية الدوري قال: ثقة. الجرح والتعديل (٦/ ٢٣٨).\nأما أحمد ففي تهذيب الكمال (٢٢/ ٦٤) قال: له أشياء مناكير، وإنما يُكتب حديثه، يعتبر به، أما أن يكون حجة فلا. وذكر البخاري عن أحمد أنه يحتج برواية عمرو وسيأتي.\nأما من وثق رواية عمرو فقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين. (التاريخ الكبير) (٦/ ٣٤٢).\nوفصَّل بعض العلماء: فضعفوا روايته عن أبيه عن جده ووثقوا ما رواه عن أبيه، قال ابن معين: هو ثقة في نفسه، وما روى عن أبيه عن جده لا حجة فيه وليس بمتصل، وهو ضعيف من قبل أنه مرسل. تهذيب التهذيب (٨/ ٤٣)، وقال أبو زرعة: روى عنه الثقات مثل أيوب السختياني وأبي حازم والزهري، =","vol":"1","page":579},{"text":"واستدلوا بأن الأمر بالصلاة للوجوب ولا يؤمر بها إلا البالغ.\nواعترض عليه من وجهين.\nالأول: بأن الحديث فيه مقال.\nالثاني: بأن الأمر للاستحباب من أجل تمرين الصبيان على الطاعات، وتعويدهم على العبادات، ولكنهم ليسوا بمكلفين، وليس في الحديث ما يدل على أن حد البلوغ سبع سنين والأمر لم يوجه للصبيان.\nالقول الرابع: ذهب بعض الحنفية ورواية عن أحمد إلى أن أدنى سن تحيض فيه المرأة اثنتا\n_________\n=والحكم بن عتيبة، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن جده. وقال أبو زرعة: ما أقل ما نصيب عنه مما روى عن أبيه عن جده من المنكر، وعامة هذه المناكير التي تروى عنه إنما هي من المثنى بن الصباح وابن لهيعة والضعفاء. قال ابن حبان (المجروحين) (٢/ ٧١): فليس الحكم عندي إلا مجانبة ما روى عن أبيه، عن جده والاحتجاج بما روى عن الثقات غير أبيه، ولولا كراهة التطويل لذكرت من مناكير أخباره التي رواها عن أبيه عن جده أشياء يستدل بها على وهن هذا الإسناد.\nقال ابن عدي (الكامل) (٥/ ١١٤): روى عنه أئمة الناس وثقاتهم، وجماعة من الضعفاء، إلا أن أحاديثه عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ اجتنبها الناس مع احتمالهم إياه، ولم يُدخلوه في صحاح ما خرجوه، وقالوا: هي صحيفة. قال ابن حجر: فأما روايته عن أبيه فربما دلس ما في الصحيفة بلفظ: «عن» فإذا قال: (حدثني أبي) فلا ريب في صحتها والمقصود بجده الأعلى: عبد الله بن عمرو، لا محمد بن عبد الله. وقد صرح شعيب بسماعه من عبد الله. تهذيب التهذيب (٨/ ٤٣) وقال ابن معين: وجد شعيب كتاب عبد الله بن عمرو فكان يرويها عن جده إرسالًا، وهي صحاح عن عبد الله غير أنه لم يسمعها، قال ابن حجر،: فإذًا شهد ابن معين أن أحاديثه صحاح غير أنه لم يسمعها، وصح سماعه لبعضها.\nولهذا الحديث شواهد:\nالأول: أخرجه أحمد (٣/ ٤٠٤)، وأبو داود (٤٩٤)، والترمذي (٤٠٧)، وغيرهم من طرق عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ» وفي إسناده عبد الملك: ضعيف.\nوله شاهد من حديث ثمامة عند الدارقطني (١/ ٢٣١)، وفي إسناده: داود بن المحبر: منكر.","vol":"1","page":580},{"text":"عَشْرة سنة (^١).\nواستدلوا بما روى أبو نعيم من حديث أبي أمامة مرفوعًا: «ذَرَارِيُّ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ شَافِعٌ وَمُشَفَّعٌ مَنْ لَمْ يَبْلُغِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمِنْ بَلَغَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَعَلَيْهِ وَلَهُ» (^٢)، وظاهره بأن من جاوز اثنتي عشرة سنة فقد بلغ ويحاسب. واعترض عليه بأن هذا الحديث منكر.\nوالراجح أنه لا حد لأقل سن تحيض فيه المرأة، فإذا وجد دم الحيض فالمرأة حائض، دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] ولم يحد الله ورسوله سنًّا معينًا والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-510>المطلب الثاني: منتهى سن الحيض.</span>\nاختلف أهل العلم في منتهى سن الحيض على أربعة أقوال:\nالقول الأول: لا حد لأكثر سن تحيض فيه المرأة، فالمرأة إذا رأت دم الحيض بصفاته فهو حيض، وهو قول أبي حنيفة في رواية، وابن رشد من المالكية، والماوردي من الشافعية، وابن تيمية من الحنابلة، وابن حزم (^٣).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ فعلق الحكم بوجود دم الحيض بصفاته وليس له سن محدد ما لم تيأس من المحيض، وَالْيَأْسُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ لَيْسَ هُوَ بُلُوغُ سِنٍّ، لَوْ كَانَ بُلُوغُ سَنٍّ لَبَيَّنَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَإِنَّمَا هُوَ أَنْ تَيْأَسَ الْمَرْأَةُ نَفْسُهَا مِنْ أَنْ تَحِيضَ، فَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا وَيَئِسَتْ مِنْ أَنْ يَعُودَ فَقَدْ يَئِسَتْ\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ١٦٠)، والإنصاف (١/ ٣٥٥)، والفروع (١/ ٢٦٥).\n(^٢) رواه أبو نعيم (أخبار أصبهان) (٢/ ١٥)، وله علتان:\nالأولى: في إسناده: ركن بن عبد الله، منكر.\nالثانية: مكحول لم يسمع من أبي أمامة، كما ذكره ابن أبي حاتم. المراسيل (ص ٢١٢).\n(^٣) حاشية ابن عابدين (١/ ٣٠٣، ٣٠٤)، ومقدمات ابن رشد (١/ ١٣٠)، والحاوي (١/ ٣٨٨)، ومجموع الفتاوى (١٩/ ٢٤٠)، والمحلى، مسألة (٢٦٥).","vol":"1","page":581},{"text":"مِنْ الْمَحِيضِ وَلَوْ كانت بِنْتَ أَرْبَعِينَ. ثُمَّ إذَا تَرَبَّصَتْ وَعَادَ الدَّمُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ آيِسَةً.\nوأما دليلهم من السنة: ففي الصحيحين من حديث عائشة: قال النبي ﷺ لفاطمة ابن أبي حبيش: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي». «فإذا أقبلت حيضتك في أي سن - فدعي الصلاة» ولم يحدد ﷺ سنًّا معينة.\nقال ابن حزم: وإذا رأت العجوز المسنة دمًا أسود، فهو حيض مانع من الصلاة والطواف والوطء.\nالقول الثاني: ذهب بعض الحنفية، وبعض المالكية، والمشهور من مذهب الحنابلة، إلى أنه لا حيض بعد خمسين سنة (^١).\nواستدلوا بما رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵄ أَنَّهَا قَالَتْ: إذَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ.\nواعترض عليه من وجهين:\nالأول: بأن هذا الأثر لم أقف عليه في الكتب المسندة.\nالثاني: ما قاله ابن قدامة: إنَّ هِنْدَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدَةَ وَلَدَتْ مُوسَى بْنَ عَبْدِ الله بْنِ حَسَنِ ابْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَلَهَا سِتُّونَ سَنَةً. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ مِنِ الْعَرَبِ رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ: إنْ عَاوَدَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَهُوَ حَيْضٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي هَذَا إلَى الْوُجُودِ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مِنْ نِسَاءٍ ثِقَاتٍ أَخْبَرْنَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِنَّ بَعْدَ الْخَمْسِينَ (^٢).\nالقول الثالث: لا حيض بعد ستين سنة. وبه قال أكثر الحنفية، وبعض الشافعية، ورواية عن أحمد (^٣).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٠٦)، مواهب الجليل (١/ ٣٦٧)، الإنصاف (١/ ٣٥٦).\n(^٢) المغني (١/ ٤٤٥).\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٢٠٦)، نهاية المحتاج (١/ ٣٢٥)، الفروع (١/ ٢٥٦).","vol":"1","page":582},{"text":"القول الرابع: لا حيض بعد سبعين سنة (^١).\nوكل هذه الأقوال عارية عن الأدلة الصحيحة.\nوالراجح: أنه لا حد لمنتهى سن الحيض عند النساء.\nقال الماوردي: فَأَمَّا أَكْثَرُ زَمَانِ حَيْضِهِنَّ فَلَمْ يَنْحَصِرْ بِحَدٍّ لِاخْتِلَافِهِ وَتَبَايُنِهِ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ لِحَرِّهَا وَبَرْدِهَا (^٢).\nقال ابن رشد: وأما العجوز التي لا يشبه أن تحيض فما رأت من الدم حُكم له بأنه دم علة وفساد؛ لانتفاء الحيض مع الكبر كما ينتفي مع الصغر، وليس لذلك أيضًا حد من السنين إلا ما يقطع النساء على أن مثلها لا تحيض.\n\n<span data-type='title' id=toc-511>المطلب الثالث: هل تحيض الحامل؟</span>\nاختلف أهل العلم في حيض الحامل على قولين:\nالقول الأول: ذهب المالكية، والشافعي في الجديد، ورواية عن أحمد إلى أن الحامل قد تحيض، وأن دم الحيض إذا نزل فعليها أن تدع الصلاة ولا تصوم حتى ينقطع الدم، فإذا انقطع اغتسلت وصلت وصامت (^٣). دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النساء في المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] فإذا وُجد الحيض وجد حكمه، ولا تخرج الحامل من هذا الحكم إلا بدليل كالصغيرة جدًّا تبلغ أربع سنوات نزل عليها دم فليس بدم حيض لأن الحيض من علامات البلوغ، وكذا خرجت الآيسة كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤] فالتي تبلغ من العمر مائة سنة إذا نزل عليها دم فليس بدم حيض لأنها خرجت بعموم الآية من الحيض، وغيرها إذا نزل عليها دم حيض يأخذ أحكامه، وبقي ما عداهما لعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ».\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٣٢٥).\n(^٢) الحاوي (١/ ٣٨٨).\n(^٣) الموطأ (١/ ٦٠)، المجموع (٢/ ٤١١)، والاختيارات (ص ٣٠).","vol":"1","page":583},{"text":"قال ابن القيم: لا نزاع أن الحامل قد ترى الدم على عادتها، ولا سيما في أول حملها، وإنما النزاع في حكم هذا الدم لا في وجوده، وقد كان حيضًا قبل الحمل بالاتفاق، فنحن نستصحب حكمه حتى يأتي ما يرفعه، فكيف نحكم له بأنه حيض قبل الحمل، وبعده لا نثبت له نفس الحكم، مع أن الدم هو الدم، والرائحة هي الرائحة؟! وهذا تفريق بين متماثلين (^١).\nومن الأدلة ما ذكره ابن القيم: وَلِأَنَّ الدَّمَ الْخَارِجَ مِنَ الْفَرْجِ الَّذِي رَتَّبَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ قِسْمَانِ: حَيْضٌ وَاسْتِحَاضَةٌ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمَا ثَالِثًا، وَهَذَا لَيْسَ بِاسْتِحَاضَةٍ، فَإِنَّ الِاسْتِحَاضَةَ الدَّمُ الْمُطْبِقُ، وَالزَّائِدُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، أَوِ الْخَارِجُ عَنِ الْعَادَةِ، وَهَذَا لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهَا، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ اسْتِحَاضَةً، فَهُوَ حَيْضٌ. قَالُوا: وَلَا يُمْكِنُكُمْ إِثْبَاتُ قِسْمٍ ثَالِثٍ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، وَجَعْلُهُ دَمَ فَسَادٍ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ دَلِيلٍ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ. قَالُوا: وَقَدْ رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْتَحَاضَةَ إِلَى عَادَتِهَا، وَقَالَ: «اجْلِسِي قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ». فَدَلَّ عَلَى أَنَّ عَادَةَ النِّسَاءِ مُعْتَبَرَةٌ فِي وَصْفِ الدَّمِ وَحُكْمِهِ، فَإِذَا جَرَى دَمُ الْحَامِلِ عَلَى عَادَتِهَا الْمُعْتَادَةِ، وَوَقْتِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَلَا انْتِقَالٍ، دَلَّتْ عَادَتُهَا عَلَى أَنَّهُ حَيْضٌ، وَوَجَبَ تَحْكِيمُ عَادَتِهَا، وَتَقْدِيمُهَا عَلَى الْفَسَادِ الْخَارِجِ عَنِ الْعِبَادَةِ.\nالقول الثاني: ذهب جمهور العلماء إلى أن الحامل لا تحيض، وهو المشهور من مذهب الحنفية، والقول القديم للشافعي، والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بما ورد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ تُوطَأَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، أَوْ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ (^٣).\n_________\n(^١) زاد المعاد (٤/ ٢٣٥) بتصرف.\n(^٢) شرح فتح القدير (١/ ١٨٦)، روضة الطالبين (١/ ٧٤)، الإنصاف (١/ ٣٥٧).\n(^٣) حسن لشواهده: أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٥٧)، ولهذا الحديث علتان:\nالأولى في إسناده: عمرو بن مسلم، ضَعَّفه أحمد والنسائي، واختلفت الرواية عن ابن معين.\nالثانية: روى ابن أبي شيبة (المصنف) (٤/ ٣٠) من طريق معمر عن عمرو بن مسلم عن طاوس أن رسول الله ﷺ … فَذَكَره أي مرسلًا.\nوله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري، أخرجه أحمد (٣/ ٦٢)، وأبو داود (٢١٥٧»، وفي إسناده شريك سيئ الحفظ. وله شاهد مرسل، رواه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٩).\nوله شاهد عن رويفع بن ثابت، أخرجه أحمد (٤/ ١٠٨) وإن كان في إسناده ابن لهيعة فقد أخرجه أبو داود (١١٥٨) من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق عن حنش الصنعاني عن رويفع به. وإسناده حسن.","vol":"1","page":584},{"text":"فجعل النبي ﷺ وجود الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل.\nواعترض عليه بما قاله ابن عبد البر: إن الحامل لا براءة لرحمها بغير الوضع، والحائل لا براءة لرحمها بغير الحيض لأن الحامل لا تحيض (^١).\nقال ابن القيم: وَالنَّبِيُّ ﷺ قَسَّمَ النِّسَاءَ إِلَى قِسْمَيْنِ: حَامِلٌ فَعِدَّتُهَا وَضْعُ حَمْلِهَا، وَحَائِلٌ فَعِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ، وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِمُوجَبِ هَذَا غَيْرُ مُنَازِعِينَ فِيهِ، وَلَكِنْ أَيْنَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا تَرَاهُ الْحَامِلُ مِنَ الدَّمِ عَلَى عَادَتِهَا تَصُومُ مَعَهُ وَتُصَلِّي؟ هَذَا أَمْرٌ آخَرُ لَا تَعَرُّضَ لِلْحَدِيثِ بِهِ (^٢).\nوروى مسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَر ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» (^٣).\nوجه الدلالة أنه لو كان مع الحمل حيض حرم الطلاق في فترة الحيض التي في الحمل.\nوروى الدارمي عَنْ عَائِشَةَ، فِي الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ، قَالَتْ: «تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي» (^٤).\nواعترض عليه بأنه ورد ما يعارض هذا، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «إِذَا رَأَتِ الْحُبْلَى الدَّمَ، فَلْتُمْسِكْ عَنِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ حَيْضٌ».\nواستدلوا أيضًا بأن دم الحيض يتحول إلى غذاء للجنين.\nواعترض عليه بما قاله ابن القيم: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ الله - سُبْحَانَهُ - أَجْرَى الْعَادَةَ بِانْقِلَابِ\n_________\n(^١) فتح البر بتربيب التمهيد (٣/ ٤٩٨، ٤٩٩).\n(^٢) زاد المعاد (٤/ ٢٥٣ - ٢٣٦).\n(^٣) مسلم (١٤٧١).\n(^٤) أخرجه الدارمي (٩٣٣) وفي إسناده: مطر الوراق فيه ضعف، وأخرجه عبد الرزاق (١٢١٤)، وفي إسناده: سليمان بن موسى: فيه ضعف قريب، وقال الحافظ: صدوق يهم. فقد يحسن بمجموع الطرق.","vol":"1","page":585},{"text":"دَمِ الطَّمْثِ لَبَنًا يَتَغَذَّى بِهِ الْوَلَدُ؛ وَلِهَذَا لَا تَحِيضُ الْمَرَاضِعُ. قُلْنَا: وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ حُجَّتِنَا عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّ هَذَا الِانْقِلَابَ وَالتَّغْذِيَةَ بِاللَّبَنِ إِنَّمَا يَسْتَحْكِمُ بَعْدَ الْوَضَعِ، وَهُوَ زَمَنُ سُلْطَانِ اللَّبَنِ وَارْتِضَاعِ الْمَوْلُودِ، وَقَدْ أَجْرَى اللهُ الْعَادَةَ بِأَنَّ الْمُرْضِعَ لَا تَحِيضُ. وَمَعَ هَذَا فَلَوْ رَأَتْ دَمًا فِي وَقْتِ عَادَتِهَا، لَحُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الْحَيْضِ بِالِاتِّفَاقِ، فَلَأَنْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْحَيْضِ فِي الْحَالِ الَّتِي لَمْ يَسْتَحْكِمْ فِيهَا انْقِلَابُهُ، وَلَا تَغَذَّى الطِّفْلُ بِهِ أَوْلى وَأَحْرَى. قَالُوا: وَهَبْ أَنَّ هَذَا كَمَا تَقُولُونَ فَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ احْتِيَاجِ الطِّفْلِ إِلَى التَّغْذِيَةِ بِاللَّبَنِ، وَهَذَا بَعْدَ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ. فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقَلِبُ لَبَنًا لِعَدَمِ حَاجَةِ الْحَمْلِ إِلَيْهِ وَأيضًا، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِيلُ كُلُّهُ لَبَنًا، بَلْ يَسْتَحِيلُ بَعْضُهُ، وَيَخْرُجُ الْبَاقِي.\nواستدلوا بأن الحمل يُعرف بانقطاع دم الحيض.\nقال أحمد: إنما يعرف النساء الحمل بانقطاع الدم (^١).\nواعترض عليه: بأن هذا هو الغالب، كما أن الغالب في المرضع أنها لا تحيض، وإذا نزل عليها دم الحيض كانت حائضًا بالإجماع، فكذا الحامل.\nواستدلوا بأن المطلقات عدتهن ثلاث حيض، فلو كانت الحامل تحيض لكان عدتها ثلاث حيض.\nواعترض عليه: بأنه لو أمكن انقضاء عدة الحامل بثلاث حيض قبل وضع حملها، لأفضى ذلك إلى أنها تتزوج وهي حامل من غيره فيسقي ماؤه زرع غيره (^٢).\nوالراجح: أن الحامل إذا نزل عليها دم بصفة الحيض فهي حائض تدع الصلاة والصوم وغير ذلك حتى ينقطع الدم، فإذا انقطع اغتسلت وصامت وصلت، دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فإذا وُجد الحيض وُجد حكمه، والله أعلم.\n_________\n(^١) المغني (١/ ٤٤٤).\n(^٢) انظر زاد المعاد (٤/ ٢٣٦) بتصرف.","vol":"1","page":586},{"text":"<span data-type='title' id=toc-512>المبحث الثاني\nمدة الحيض</span>\nوفيه عشرة مطالب\n\n<span data-type='title' id=toc-513>المطلب الأول: أقل الحيض.</span>\nاختلف أهل العلم في أقل الحيض على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: ذهب الإمام مالك إلى أنه لا حد لأقل الحيض ولو بدُفعة (^١).\nدل على ذلك عموم قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ فمتى وُجد الحيض وُجد حكمه ولا يوجد له حد، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وإذا طهرت المرأة من الحيض فلها أن تغتسل وتصلي، فإذا لم تطهر فلا يحل لها ذلك، قال ﷺ: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» فعَلَّق الحكم بإقبال الحيض وإدباره، ولم يعلق بمدة زمنية معينة، فدل ذلك على أنه لا تحديد لأقل الحيض.\nقال ابن القيم: وَلَمْ يَأْتِ عَنِ الله وَلَا عَنْ رَسُولِهِ وَلَا عَنِ الصَّحَابَةِ تَحْدِيدُ أَقَلِّ الْحَيْضِ بِحَدٍّ أَبَدًا، وَلَا فِي الْقِيَاسِ مَا يَقْتَضِيهِ (^٢).\nقال ابن تيمية: الْحَيْضِ عَلَّقَ اللهُ بِهِ أَحْكَامًا مُتَعَدِّدَةً فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يُقَدَّرْ لَا أَقَلُّهُ وَلَا أَكْثَرُهُ وَلَا الطُّهْرُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ مَعَ عُمُومِ بَلْوَى الْأُمَّةِ بِذَلِكَ وَاحْتِيَاجِهِمْ إلَيْهِ، وَاللُّغَةُ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ قَدْرٍ وَقَدْرٍ، فَمَنْ قَدَّرَ فِي ذَلِكَ حَدًّا فَقَدْ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ (^٣).\nالقول الثاني: أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وبه قال أبو حنيفة (^٤). ودل على ذلك ما ورد عَنْ\n_________\n(^١) المدونة (١/ ١٥٢)، وفتح البر بترتيب التمهيد (٣/ ٤٩٣).\n(^٢) إعلام الموقعين (١/ ٢٩٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٣٧).\n(^٤) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٨٤) شرح فتح القدير (١/ ١٦٠)، بدائع الصنائع (١/ ٤٠).","vol":"1","page":587},{"text":"أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:» أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثٌ، وَأَكْثَرُهُ عَشْرٌ» (^١).\nالقول الثالث: أن أقل الحيض يوم.\nقال ابن قدامة: وَرَدَ فِي الشَّرْعِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، وَلَا حَدَّ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مُعْتَادٌ يَوْمًا، قَالَ عَطَاءٌ: رَأَيْتُ مِنِ النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ يَوْمًا، وَتَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَحِيضُ غَدْوَةً وَتَطْهُرُ عَشِيًّا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رَأَيْتُ امْرَأَةً أُثْبِتَ لِي عَنْهَا أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَحِيضُ يَوْمًا (^٢).\nوقال ابن رجب: ولم يصح عند أكثر الأئمة في هذا الباب توقيت مرفوع ولا موقوف، وإنما رجعوا فيهِ إلى ما حُكي مِنْ عادات النساء خاصة، وعلى مثل ذلك اعتمد الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم (^٣).\nوالراجح: أنه لا حد لأقل الحيض لأنه لم يأت عن الله ولا عن رسوله ولا عن الصحابة تحديد أقل الحيض، والقرآن والسنة يدلان على أنه لا تحديد، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا: أخرجه الطبراني (الكبير) (٧٥٨٦)، وأخطأ فقال: وهو العلاء بن كثير كما أخرجه في (الأوسط) (٦٠٣)، وقاله ابن حبان كما في (المجروحين) (٢/ ١٨٢)، وأخرجه الدارقطني (١/ ٢١٨)، من طرق عن عبد الملك عن الحارث عن مكحول عن أبي أمامة به. وقال: وعبد الملك هذا رجل مجهول، والعلاء هو ابن كثير، وهو ضعيف الحديث، ومكحول لم يسمع من أبي أمامة شيئًا.\nوله شواهد:\nالشاهد الأول: واثلة بن الأسقع وفي إسناده: حماد بن المنهال، قال الدارقطني: مجهول. ومحمد بن أحمد: ضعيف. وفي المراسيل (ص ٢١٣): مكحول لم يسمع من واثلة. قاله أبو حاتم.\nالشاهد الثاني: أنس: أخرجه ابن عدي (الكامل) (٢/ ٣٠١)، وفي إسناده الحسن بن دينار: متروك.\nالثالث: معاذ: أخرجه ابن عدي (الكامل) (٦/ ١٤١)، وفي إسناده محمد بن سعيد المصلوب: وضاع.\nالرابع: أبو سعيد، أخرجه ابن الجوزي (العلل) (٦٤٠)، وفي إسناده سليمان: كذاب.\nالخامس: عائشة، أخرجه ابن الجوزي (العلل) (١/ ٣٨٦)، وفي إسناده: الحسين بن علوان: كذاب\n(^٢) المغني (١/ ٣٨٩).\n(^٣) شرح البخاري (٢/ ١٥١).","vol":"1","page":588},{"text":"الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فاعتزلوا النساء في المحيض سواء كان يومًا أو ساعة أو أيامًا كثيرة، وقال النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» فالنبي ﷺ عَلَّق أحكام الحيض على إقبال الحيض وإدباره، ولم يعلقه بمضي مدة معينة فعُلم أنه لا تحديد لأقل الحيض والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-514>المطلب الثاني: أكثر دم الحيض.</span>\nاختلف العلماء في أكثر دم الحيض على أربعة أقوال:\nالقول الأول: أنه لا حد لأكثر دم الحيض، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] فالحكم متعلق بوجود الحيض، فإذا وجد الحيض وجد حكمه، ولم يتعلق بمضي أيام محدودة، وقال النبي ﷺ: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» فالحكم متعلق بإقبال الحيض وإدباره وليس بمضي أيام محدودة ولو كان لأكثر الحيض حد لا يتجاوزه لقال: فإذا مضى سبعة عشر يومًا مع وجود الدم فاغسلي عنك الدم وَصَلِّي، وما كان ربك نسيًّا.\nالقول الثاني: أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا. وبه قال المالكية، والشافعية، والمشهور عن الحنابلة (^١).\nواستدلوا بما رُوي عن ابن عمر مرفوعًا: «النِّسَاءَُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ» قيل: وما نقصان دينهن؟ قال: «تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي» (^٢).\nوالشطر أي النصف من كل شهر خمسة عشر.\n_________\n(^١) المدونة (١/ ١٥١)، المجموع (٢/ ٤٧٠٣)، الإنصاف (١/ ٣٥٨).\n(^٢) قال النووي: باطل لا أصل له، وقال البيهقي (معرفة السنن) (٢/ ١٤٥): طلبته كثيرًا فلم أجده في كتب أصحاب الحديث ولم أجد له إسنادًا بحال. وقال ابن الجوزي (التحقيق) (١/ ٢٦٣): وهذا اللفظ لا أعرفه. وقال الحافظ: (التلخيص» (١/ ٢٧٨): لا أصل له بهذا اللفظ. وفي الصحيحين عموم قوله ﷺ: «أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم؟» مما يدل على نكارة المتن.","vol":"1","page":589},{"text":"واعترض عليه بأن هذا باطل.\nقال ابن قدامة: الحَيْضُ وَرَدَ فِي الشَّرْعِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، وَلَا حَدَّ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضُ مُعْتَاد خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (^١).\nوقال النووي: ثَبَتَ مُسْتَفِيضًا عَنِ السَّلَفِ مِنِ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَنَّهُمْ وَجَدُوهُ كَذَلِكَ عِيَانًا، وَقَدْ جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ أَكْثَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فِي الْخِلَافِيَّاتِ وَفِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ، فَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَعُبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ وَيَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةُ وَشَرِيكٌ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، ﵏ (^٢).\nواعترض عليه بأنه لا حد في القرآن والسنة لأكثر الحيض.\nوقد ورد عن بعض النساء أنها كانت تحيض سبعة عشر يومًا وإن كان هذا ليس بحد لأكثره، فمتى وجد الحيض مُنعت المرأة من الصلاة.\nالقول الثالث: ذهب الحنفية إلى أن أكثر الحيض عَشَرة أيام (^٣).\nواستدلوا بحديث عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، قَالَ: «لَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ مُسْتَحَاضَةً فِي يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَتَّى تَبْلُغَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً» (^٤).\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٨٩).\n(^٢) المجموع (٢/ ٤١١).\n(^٣) شرح فتح القدير (١/ ١٦١)، بدائع الصنائع (١/ ٤٠)، المبسوط (٣/ ١٤٧).\n(^٤) ضعيف: أخرجه الدارقطني (١/ ٢١٠) وفي إسناده أشعث بن سوار ضعيف، وتابع أشعث هشام بن حسان وهو ثقة لكن روايته عن الحسن فيها مقال، وللحديث شواهد: فعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «الْحَائِضُ تَنْظُرُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَشْرٍ، فَإِنْ رَأَتِ الطُّهْرَ فَهِيَ طَاهِرٌ، وَإِنْ جَاوَزَتِ الْعَشْرَةَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ احْتَشَتْ، وَاسْتَثْفَرَتْ، وَتَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَتَنْتَظِرُ النُّفَسَاءُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإِنْ رَأَتِ الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ فَهِيَ طَاهِرٌ، وَإِنْ جَاوَزَتِ الْأَرْبَعِينَ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ احْتَشَتْ، وَاسْتَثْفَرَتْ وَتَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ». أخرجه الطبراني (الأوسط) كما في مجمع البحرين (٥٠٣) في إسناده: عمرو بن الحصين متروك.\nوفي الباب حديث أنس وأبي أمامة، ومعاذ وأبي سعيد وعائشة وغيرهم، ولا يصح في الباب حديث.","vol":"1","page":590},{"text":"قال ابن المنذر: ذَكَرَ الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَيَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَفَيَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَحَدِيثُ أَنَسٍ؟ قَالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ. أَوْ قَالَ: لَيْسَ يَصِحُّ. قُلْتُ: فَأَعْلَى شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ؟ فَذَكَر حَدِيثَ مَعْقِلٍ عَنْ عَطَاءٍ: الْحَيْضُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ (^١).\nقال ابن رجب: هذه الأحاديث المرفوعة منها باطل لا يصح، وكذلك الموقوف وطرقه واهية، وقد طعن فيها غير واحد من الأئمة الحفاظ (^٢).\nالقول الرابع: أن أكثر الحيض سبعة عشر يومًا.\nقال ابن حزم: قد صح عن رسول الله ﷺ أن دم الحيض أسود، فإذا رأته المرأة لم تصلِّ ووجب الانقياد لذاك، وصح أنها ما دامت تراه فهي حائض لها حكم الحيض ما لم يأت نص ولا إجماع في دم أسود ليس حيضًا، فقد صح النص بأنه يكون دمًا أسود وليس حيضًا، لم يوقت لنا في أكثر عدة الحيضة من شيء فوجب أن نراعي أكثر ما قيل، فلم نجد إلا سبعة عشر يومًا وقلنا فذلك وأوجبنا ترك الصلاة برؤية الدم الأسود هذه المدة لا مزيد فأقل وكان ما زاد على ذلك إجماعًا متيقنًا أنه ليس حيضًا (^٣).\nواعترض عليه بما قاله ابن تيمية: اسْمُ الْحَيْضِ عَلَّقَ اللهُ بِهِ أَحْكَامًا مُتَعَدِّدَةً فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يُقَدَّرْ لَا أَقَلُّهُ وَلَا أَكْثَرُهُ وَلَا الطُّهْرُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ مَعَ عُمُومِ بَلْوَى الْأُمَّةِ بِذَلِكَ وَاحْتِيَاجِهِمْ إلَيْهِ، وَاللُّغَةُ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ قَدْرٍ وَقَدْرٍ، فَمَنْ قَدَّرَ فِي ذَلِكَ حَدًّا فَقَدْ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ (^٤).\nوهذا هو القول الراجح، ومع ذلك إذا أطبق على المرأة الحيض واستمر شهرُا فهي مستحاضة؛ لأن الله ﵎ جعل عدة المرأة ذات الأقراء في الطلاق ثلاثة قروء فقال\n_________\n(^١) الأوسط (٢/ ٢٩٩).\n(^٢) شرح البخاري (٢/ ١٥٠).\n(^٣) المحلى المسألة: (٢٦٧).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٣٧).","vol":"1","page":591},{"text":"﷾: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وجعل عدة اليائسة من المحيض والصغيرة التي لا تحيض ثلاثة أشهر فقال ﷾: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] فجعل بإزاء كل شهر طهرًا وحيضًا، ومنه ما هو استحاضة وليس بحيض.\n\n<span data-type='title' id=toc-515>المطلب الثالث: أكثر الطهر:</span>\nلا حد لأكثر الطهر بالإجماع.\nقال الكاساني: وَأَمَّا أَكْثَرُ الطُّهْرِ فَلَا غَايَةَ لَهُ، حَتَّى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا طَهُرَتْ سِنِينَ كَثِيرَةً فَإِنَّهَا تَعْمَلُ مَا تَعْمَلُ الطَّاهِرَاتُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ فِي بَنَاتِ آدَمَ أَصْلٌ، وَالْحَيْضُ عَارِضٌ، فَإِذَا لَمْ يَظْهَرِ الْعَارِضُ يَجِبُ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الْأَصْلِ وَإِنْ طَالَ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-516>المطلب الرابع: غالب الحيض:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن غالب الحيض ستة أيام أو سبعة (^٢).\nواستدلوا بما روى أحمد من حديث حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً شَدِيدَةً كَثِيرَةً، فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. فَقَالَ: «وَمَا هِيَ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَمَا تَرَى فِيهَا قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ!! قَالَ: «أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ؛ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ» قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «فَتَلَجَّمِي» قَالَتْ: إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا. فَقَالَ لَهَا: «سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ أَيَّهُمَا فَعَلْتِ فَقَدْ أَجْزَأَ عَنْكِ مِنَ الْآخَرِ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ»\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (١/ ٤٠)، وقال ابن رشد «المقدمات» (١/ ١٢٦): وأما أكثر الطهر فلا حد له؛ لأن المرأة ما دامت طاهرة تصلي وتصوم، ويأتيها زوجها، طال زمان ذلك أو قصر. وقال النووي «المجموع» (٢/ ٤٠٩): أَكْثَرَ الطهر لا حد له وَدَلِيلُهَا فِي الْإِجْمَاعِ وَمِنَ الِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ مُشَاهَدٌ وَمِنْ أَظْرَفِهِ مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي امْرَأَةٌ عَنْ أُخْتِهَا أَنَّهَا تَحِيضُ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَهِيَ صَحِيحَةٌ تَحْبَلُ وَتَلِدُ.\n(^٢) «المجموع» (٢/ ٤٠٣)، «المحرر» (١/ ٢٧)، «المغني» (١/ ٤٠٢).","vol":"1","page":592},{"text":"فَقَالَ لَهَا «إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً فِي عِلْمِ اللهِ ثُمَّ اغْتَسِلِي، حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَيْقَنْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ، فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ،» (^١).\nقوله ﷺ: «فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً فِي عِلْمِ الله … كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ» فيه دلالة على أن من لم تستطع أن تميز دم الحيض من دم الاستحاضة أن تتحيض ستة أوسبعة أيام. واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-517>المطلب الخامس: زيادة أيام الحيض، أي إذا زادت أيام الحيض عن عادتها.</span>\nامرأة تحيض كل شهر ستة أيام وفي شهر استمر معها تسعة أيام أو أكثر أو أقل، فماذا تصنع في الأيام الزائدة؟\nإذا كانت هذه الأيام الزائدة التي ينزل فيها الدم هو نفس صفة دم الحيض من اللون والرائحة، فالعبرة بانقطاع الدم. دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقوله ﷺ: «فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي».\nوروى مالك عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، يَسْأَلْنَهَا عَنِ الصَّلَاةِ. فَتَقُولُ لَهُنَّ: «لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ» (^٢).\nوقال شيخ الإسلام: الْمُنْتَقِلَةُ إذَا تَغَيَّرَتْ عَادَتُهَا بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَوْ انْتِقَالٍ، فَذَلِكَ حَيْضٌ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦/ ٤٣٩)، وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل فيه ضعف، ومتنه يعارض ما رواه البخاري (٣٢٥) في قصة فاطمة بنت أبي جحش المستحاضة وفيه قال: «وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا» فردّ المستحاضة إلى عادتها، وليس إلى عادة غالب النساء، وعلى كل حال فالحديث ضعيف.\n(^٢) إسناده ضعيف: رواه مالك «الموطأ» (١/ ٥٩)، وفي إسناده أم علقمة: مقبولة.","vol":"1","page":593},{"text":"حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهَا اسْتِحَاضَةٌ بِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ (^١).\nوقال السعدي: المرأة إذا رأت الدم جلست فلم تُصلِّ ولم تصم، وإذا رأت الطهر البين تطهرت واغتسلت وصَلَّت، سواء تقدمت عادتها أو تأخرت، وسواء زادت مثل أن تكون عادتها خمسة أيام، وترى الدم سبعة فإنها تنتقل إليها من غير تكرار، وهذه هو الذي عليه عمل نساء الصحابة ﵁ والتابعين من بعدهم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-518>المطلب السادس: نقص أيام الحيض عن عادتها، أي إذا طهرت قبل تمام عادتها.</span>\nذهب جمهورالعلماء إلى أنه إذا طهرت المرأة قبل تمام عادتها اغتسلت وصلت، ولا يُكره وطؤها، (^٣)، لعموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾.\nوفي شرح «منتهى الإرادات» قال: (وَلَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا) أَيْ مَنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا وَاغْتَسَلَتْ (زَمَنَهُ) أَيْ زَمَنَ طُهْرِهَا فِي أَثْنَاءِ حَيْضِهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ وَاغْتَسَلَتْ فَقَدْ زَالَ الْأَذَى (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-519>المطلب السابع: النقاء المتخلل بين الدمين أو الطهر المتخلل أيام الحيض.</span>\nامرأة حاضت ثلاثة أيام أو أكثر أو أقل ثم طهرت خمسة أيام أو أكثر أو أقل ثم حاضت، فهل هذا الطهر الذي بين الحيضتين تغتسل وتصلي أم له حكم الحيض؟\nاختلف أهل العلم: فمن رأى أنه إذا كان الطهر الفاصل بين الدمين أقل من خمسة عشر يومًا، فإنه يكون دم حيض كالدم المتوالي.\nومن رأى أنه إذا كان الطهر الفاصل بين الدمين أقل من عشرة أيام فإنه يكون دم حيض كالدم المتوالي. وأقوال أُخر كثيرة (^٥).\n_________\n(^١) الاختيارات (ص ٢٨).\n(^٢) «فقه السعدي» (١/ ٣٣٨).\n(^٣) «المقدمات» (١/ ١٢٨)، «المجموع» (٢/ ٤٤٧)، «كشاف القناع» (١/ ٢٠٤، ٢٠٥).\n(^٤) «شرح منتهى الإرادات» (١/ ١١٤).\n(^٥) «شرح فتح القدير» (١/ ١٧٢)، «مواهب الجليل» (١/ ٣٦٩، ٣٧٠)، «المجموع» (٢/ ٥٢٣)، «المحرر» (١/ ٢٤).","vol":"1","page":594},{"text":"والراجح: أن المرأة إذا رأت حيضًا ثم طهرت أيامًا ثم حاضت، ففي هذا الطهر الذي بين الحيضتين تغتسل وتصلي وتصوم فيه. دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، فإذا زال الأذى ارتفع حكمه، وعَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: اسْتُحِيضَتِ امْرَأَةٌ مِنْ آلِ أَنَسٍ، فَأَمَرُونِي فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: «أَمَّا مَا رَأَتِ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فإنها لَا تُصَلِّي، وَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ وَلتُصَلِّي» (^١)، فإذا انقطع الدم ورأت القصة البيضاء أو القطنة البيضاء التي لا أثر فيها للصفرة أو الكدرة، فإنها تغتسل وتصلي، فإذا حاضت مرة ثانية فإنها تدع الصلاة، فالعبرة بوجود الحيض.\n\n<span data-type='title' id=toc-520>المطلب الثامن: إذا تقدمت أيام عادة المرأة أو تأخرت:</span>\nإذا كانت بداية الحيض في منتصف الشهر وتقدمت أو تأخرت، فالعبرة بوجود دم الحيض، سواء تقدم أو تأخر. قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾.\nوفي الصحيحين من حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟» قُلْتُ: لَوَدِدْتُ وَالله أَنِّي لَمْ أَحُجَّ العَامَ!! قَالَ: «لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «فَإِنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» (^٢).\nوجه الدلالة: ما قاله ابن قدامة وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ اسْتَكْرَهَتْهُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا، وَبَكَتْ حِينَ رَأَتْهُ، وَقَالَتْ: (وَدِدْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ حَجَجْت الْعَامَ). وَلَوْ كَانَتْ تَعْلَمُ لَهَا عَادَةً تَعْلَمُ مَجِيئَهُ فِيهَا وَقَدْ جَاءَ فِيهَا، مَا أَنْكَرَتْهُ، وَلَا صَعُبَ عَلَيْهَا (^٣).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: قال ابن رجب «شرح البخاري» (٢/ ١٧٦): رواه الأثرم، قال أحمد: حدثنا ابن علية، ثنا خالد الحذاء عن أنس به.\n(^٢) «البخاري» (٣٠٥)، و«مسلم» (١٢١١).\n(^٣) «المغني» (١/ ٤٣٥).","vol":"1","page":595},{"text":"<span data-type='title' id=toc-521>المطلب التاسع: حكم تعاطي المرأة دواء يقطع حيضها أو يعجل نزوله.</span>\nحالات تعاطي المرأة دواءً يقطع حيضها وحكمها.\nالحال الأول: إذا كان تعاطي المرأة دواء يقطع حيضتها من أجل صحتها جاز ذلك، جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي، رابطة العالم الإسلامي بمكة: أما تعاطي أسباب منع الحمل أو تأخيره في حالات فردية لضرر محقق ككون المرأة لا تلد ولادة عادية، وتضطر معها إلى إجراء عملية لإخراج الجنين، فإنه لا مانع من ذلك شرعًا، وهكذا إذا كان تأخيره لأسباب أخرى شرعية أو صحية يقررها طبيب مسلم ثقة، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقق على أمه إذا كان يخشى على حياتها منه بتقرير من يوثق به من الأطباء المسلمين (^١).\nالحال الثاني: إذا كان تعاطي المرأة دواء من أجل تنظيم الحمل.\nإذا كان الحامل على ذلك كون المرأة يتتابع حملها، وتريد أن تباعد بين فترات الحمل لتتمكن من القيام بحق الحضانة والرعاية لطفلها، وكان ذلك برضا الزوج وكان الدواء المتعاطى لا ضرر فيه على صحة المرأة، ولا يتسبب في منع الحمل مستقبلًا، وكان ذلك مبينًّا على خبر طبيب ثقة، والمقصود بالثقة أن يكون قويًّا بعمله أمينًا فيه غير متهم، ولا يكون في هذا الدواء عدوان على حمل قائم فلا بأس (^٢).\nروى البخاري عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ».\nالحال الثالث: إذا كان الحامل على منع الحيض منع الولد خوف الفقر، فهذا لا يجوز؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]، ولأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.\nالحال الرابع: استعمال دواء لمنع الحيض في رمضان أو في الحج لإتمام النسك.\n_________\n(^١) وانظر «موسوعة الطهارة» (٦/ ٢٧١ - ٢٨٢).\n(^٢) «موسوعة الطهارة» (٦/ ٢٧٢).","vol":"1","page":596},{"text":"سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: هل يجوز للمرأة استعمال دواء لمنع الحيض في رمضان أو لا؟\nفأجابت: يجوز أن تستعمل المرأة أدوية في رمضان لمنع الحيض إذا قرر أهل الخبرة الأمناء من الدكاترة ومن في حكمهم أن ذلك لا يضرها ولا يؤثر على جهاز حملها، وخير لها أن تكف عن ذلك، وقد جعل الله لها رخصة في الفطر إذا جاءها الحيض في رمضان وشرع لها قضاء الأيام التي أفطرتها ورضي لها بذلك دينًا (^١).\nقلت: إذا كانت المرأة في الحج وخشيت من نزول دم الحيض عليها فيمنعها من إتمام نسكها، أو تتخلف عن رفقتها، فلا حرج عليها في استعمال دواء يمنع الحيض لإتمام النسك، عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سُئِلَ عَطَاءٌ عَنِ امْرَأَةٍ تَحِيضُ يُجْعَلُ لَهَا دَوَاءٌ فَتَرْتَفِعُ حَيْضَتُهَا، وَهِيَ فِي قُرْئِهَا كَمَا هِيَ تَطُوفُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ فَإِذَا هِيَ رَأَتْ خُفُوقًا وَلَمْ تَرَ الطُّهْرَ الْأَبْيَضَ فَلَا» (^٢).\nالحال الخامس: إذا كان منع الحيض لقطع النسل مطلقًا، فهذا يحرم.\nوقد نص المجمع الفقهي المنعقد بالكويت على ذلك فقال:\nأولًا: يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة، وهو ما يسمى ب «الإعقام» أو «التعقيم» ما لم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعية.\nثانيًا: يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل أو إيقافه لمدة معينة من الزمان إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعًا، بحَسَب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراضٍ، بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، ولا يكون فيها عدوان على حمل قائم، والله أعلم.\n_________\n(^١) «فقه النوازل» (٢/ ٣٠٨).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (١٢١٩).","vol":"1","page":597},{"text":"<span data-type='title' id=toc-522>المطلب العاشر: هل الصفرة والكدرة (^١) في بداية الحيض تُحسب من أيام الحيض؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وفي أيام الطهر ليس بحيض. وهو المشهور من مذهب الحنفية وبعض المالكية والحنابلة (^٢).\nأما الدليل على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، فما رواه مالك عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ، مَوْلَاةِ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنينَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النِّسِاءُ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِ الصُفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، يَسْأَلْنَهَا عَنِ الصَّلَاةِ فَتَقُولُ لَهُنَّ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ (^٣).\nوأما الدليل على أن الصفرة والكدرة ليست حيضًا بعد الطهر فما رواه أبو داود بإسناد صحيح عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ وَكَانَتْ بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا» (^٤).\nالقول الثاني: أن الصفرة والكدرة حيض مطلقًا، وهو مذهب مالك، وهو الوجه الصحيح عند الشافعية (^٥).\nعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: كُنَّا فِي حِجْرِهَا مَعَ بَنَاتِ ابْنَتِهَا، فَكَانَتْ إِحْدَانَا تَطَّهَّرُ، ثُمَّ تُصَلِّي، ثُمَّ تُنَكَّسُ بِالصُّفْرَةِ الْيَسِيرَةِ، فَتَسْأَلُهَا فَتَقُولُ: «اعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ مَا رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، حَتَّى لَا تَرَيْنَ إِلَّا الْبَيَاضَ خَالِصًا» (^٦).\n_________\n(^١) أقسام الدم: أسود، وأحمر، وأصفر، وأكدر.\n(^٢) «بدائع الصنائع» (١/ ٣٩)، «مواهب الجليل» (١/ ٢٦٤)، «كشاف القناع» (١/ ٢١٣).\n(^٣) إسناده ضعيف: أخرجه مالك «الموطأ» (١/ ٥٩).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٣٠٧)، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا حماد عن قتادة عن أم الهزيل حفصة بنت سيرين عن أم عطية به.\n(^٥) «المدونة» (١/ ١٥٢)، «الاستذكار» (٣/ ١٩٣)، «المجموع» (٢/ ٤٢١).\n(^٦) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٩٠) من طريق محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث عند الدارمي (٨٦١). وقد أنكر هشام بن عروة أن يكون ابن إسحاق سمع من زوجته فاطمة بنت المنذر، وقد رد الذهبي على هذا فقال: وما يدري هشام بن عروة فلعله سمع منها في المسجد أو سمع منها وهو صبي، أو دخل عليها فحدثته من وراء حجاب. كما في «الميزان» (٣/ ٤٧١).","vol":"1","page":598},{"text":"القول الثالث: أن الصفرة والكدرة ليست بحيض مطلقًا. وهو قول ابن حزم (^١).\nوروى البخاري عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا» (^٢).\nوالراجح: أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، حتى ترى الجفوف أو القَصَّة البيضاء، وأن الصفرة والكدرة بعد الطهر ليست بحيض. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-523>المطلب الحادي عشر: في المبتدأة، تعريفها، وأقسامها.</span>\nتعريف المبتدأة: هي من كانت في أول حيض ولم يتقدم لها حيض قبل ذلك.\nأقسام المبتدأة: تنقسم المبتدأة إلى ثلاثة أقسام:\nالأَوْل: أن يأتيها الدم ويتجاوز أقل الحيض ولا يتجاوز أكثره، فإذا نزل بالمبتدأة دم فهذا حيض فإذا انقطع دمها اغتسلت وصلت ما لم تتجاوز أكثر الحيض عند الجمهور (^٣). لعموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ فإذا وجد دم الحيض بصفاته فله حكمه لأنه دم جبلة.\nالثاني: أن يتجاوز الدم أكثر الحيض:\nهذه المسألة سبقت في أكثر الحيض، فمن العلماء من قال: تجلس عشرة أيام ثم تغتسل وتصلي ولو كان الدم جاريًا. ومن العلماء من قال: تمكث خمسة عشر يومًا ثم تغتسل وتصلي. ومن العلماء من قال: تمكث يومًا وليلة ثم تغتسل وتصلي؛ لأنه أقل الحيض وما زاد فهو مشكوك فيه، فلا يحكم بكونه حيضًا. ومن العلماء من قال: تمكث ستًّا أو سبعًا، وهو غالب\n_________\n(^١) «المحلى» (المسألة ٢٦٦).\n(^٢) «البخاري» (٣٢٦).\n(^٣) «البحر الرائق» (١/ ٢٢٥)، «المدونة» (١/ ١٥١)، «الحاوي» (١/ ٤٠٦)، «المبدع» (١/ ٢٧٦).","vol":"1","page":599},{"text":"عادة النساء.\nوالراجح: أنه لا حد لأكثر الحيض ما دام هو بصفته ما لم يطبق شهرًا، أما إذا تغيرت صفات الدم وكان لا يشبه دم الحيض فهو استحاضة من حين تغيره، والله أعلم.\nالثالث: أن ينزل عليها دم الحيض وينقطع قبل أن يبلغ أقل الحيض: ذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا انقطع دم المبتدأة قبل أن يبلغ أقل الحيض فليس بحيض بل هو دم فساد، وبه قال الحنفية والشافعية والحنابلة (^١).\nوذهب المالكية (^٢) إلى أنه يعتبر حيضًا ولو دفعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-524>متى تثبت للمبتدأة عادة؟</span>\nاختلف أهل العلم في ثبوت العادة للمبتدأة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: تثبت العادة بمرة للمبتدأة. وهو قول أبي يوسف من الحنفية، ومذهب المالكية، والمشهور عند الشافعية (^٣).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ٢٩﴾ [الأعراف] فسمى الثاني عودًا وهو لم يسبق إلا مرة واحدة (^٤).\nالقول الثاني: تثبت العادة بمرتين. وهو قول أبي حنيفة ووجه للشافعية ورواية في مذهب الحنابلة (^٥).\nقال ابن قدامة: الْعَادَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنِ الْمُعَاوَدَةِ، وَلَا تَحْصُلُ الْمُعَاوَدَةُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ (^٦).\n_________\n(^١) «البحر الرائق» (١/ ٢٠٢)، «المجموع» (١/ ٤٠٢)، «المغني» (١/ ٣٨٨).\n(^٢) «المدونة» (١/ ١٥٢).\n(^٣) «تبيين الحقائق» (١/ ٦٤)، «حاشية الدسوقي» (١/ ١٦٩)، «المجموع» (٢/ ٤٣٣).\n(^٤) «موسوعة الطهارة» (٦/ ٢٢٤).\n(^٥) «بدائع الصنائع» (١/ ٤٢)، «المجموع» (٢/ ٤٤٣)، «الفروع» (١/ ٢٦٩).\n(^٦) «المغني» (١/ ٣٩٧).","vol":"1","page":600},{"text":"وقال الشوكاني: قد تقرر في كتب اللغة أن العادة مأخوذة (من عاد إليه يعود: إذا رجع) فدل ذلك على أنه لا يقال عادة إلا لما تكرر، وأقل التكرر يحصل بمرتين (^١).\nالقول الثالث: تثبت العادة بثلاث مرات، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوالراجح: أن المبتدأة التي جاءتها العادة مرة ثم في المرة الثانية إن استحاضت، فلها أن ترجع إلى عادتها الأَولى وتمكث نفس عدد الأيام، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) «السيل الجرار» (١/ ١٤٥).\n(^٢) «الممتع شرح المقنع» (١/ ٢٨٧)، و«الإنصاف» (١/ ٣٧١).","vol":"1","page":601},{"text":"<span data-type='title' id=toc-525>الفصل الثاني صفة الغسل من الحيض</span>\nوفيه تمهيد وأربعة مباحث\nتمهيد بين يدي الغسل من الحيض وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: نجاسة دم الحيض.\nالمطلب الثاني: هل يتعين الماء في إزالة دم الحيض أم يكفي أي مطهر؟\nالمطلب الثالث: هل يجب تكرار الغسل في نجاسة دم الحيض؟\nالمطلب الرابع: علامة الطهر عند الحائض.\nصفة الغسل من الحيض وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: وجوب غسل المرأة من المحيض.\nالمبحث الثاني: حكم النية في الغسل من المحيض.\nالمبحث الثالث: حكم التسمية في غسل الحيض.\nالمبحث الرابع: حكم الوضوء في غسل الحيض والجنابة.","vol":"1","page":602},{"text":"صفة الغسل من الحيض\nويشتمل على تمهيد ومباحث\n\n<span data-type='title' id=toc-526>تمهيد: بين يدي الغسل من المحيض </span>وفيه أربعة مطالب:\n<span data-type='title' id=toc-527>المطلب الأول: نجاسة دم الحيض.</span>\nقال الشوكاني: واعلم أن دم الحيض نجس بإجماع المسلمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-528>المطلب الثاني: هل يتعين الماء في إزالة دم الحيض أم يكفي أي مطهر؟</span>\nقولان لأهل العلم:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يُزال دم الحيض النجس إلا بالماء، وبه قال بعض الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بالكتاب والسنة.\nأما الكتاب: فعموم قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾.\nوجه الدلالة: ما قاله النووي (^٢): ذَكَرهُ ﷾ امْتِنَانًا، فَلَوْ حَصَلَ بِغَيْرِهِ لَمْ يَحْصُلِ الِامْتِنَانُ.\nأما السنة: فهو ما ورد في الصحيحين: من حديث أَسْمَاءَ، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ» (^٣).\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (١/ ٨٣)، «المقدمات لابن رشد» (١/ ٨٦)، «مغني المحتاج» (١/ ١٧، ١٨)، «الإنصاف» (١/ ٣٠٩).\n(^٢) «المجموع» (١/ ١٤٣).\n(^٣) «البخاري» (٢٢٧)، و«مسلم» (٢٩١).","vol":"1","page":603},{"text":"وفي الصحيحين: من حديث أَنَسِ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ (^١).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ».\nفكل هذه الأحاديث وغيرها تدل على أن طهارة النجاسة لا تكون إلا بالماء.\nالقول الثاني: أن النجاسة تُزال بأي مزيل طاهر، وهو المشهور من مذهب الحنفية وهو قول ابن تيمية (^٢).\nواستدلوا بحديث سَلْمَانَ وفيه: أن النبي ﷺ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ (^٣). فدل ذلك على إزالة النجاسة بالأحجار، وهذا فيه دلالة على أنه لا يتعين إزالة النجاسة بالماء.\nوروى أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا، قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا خَبَثًا، فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقْلِبْ نَعْلَهُ، فَلْيَنْظُرْ فِيهَا، فَإِنْ رَأَى بِهَا خَبَثًا فَلْيُمِسَّهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا» (^٤). فدل ذلك على تطهير النعلين بالتراب، وهذا دلالة على عدم تعين الماء في إزالة النجاسة.\nوروى أحمد عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً فَكَيْفَ نَصْنَعُ إِذَا مُطِرْنَا؟ قَالَ: «أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟» قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ «فَهَذِهِ بِهَذِهِ» (^٥).\n_________\n(^١) «البخاري» (٢١٩)، و«مسلم» (٢٨٤).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (١/ ٨٣)، و«مجموع الفتاوى» (٢١/ ٦١٠، ٦١١).\n(^٣) «مسلم» (٢٦٢).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٣/ ٢٠).\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٦/ ٤٣٥).","vol":"1","page":604},{"text":"فدل ذلك على تطهير ثوب المرأة بالتراب وهو تطهير بغير الماء.\nالراجح: أن النجاسة تُزال بأي مزيل فالنجاسة عين خبيثة فإذا زالت بأي مزيل طهرت وجد، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-529>المطلب الثالث: هل يجب تكرار الغسل في نجاسة دم الحيض؟</span>\nلا يجب التكرار في غسل النجاسات، ففي الصحيحين من حديث أَسْمَاءَ، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ» (^١).\nوفي الصحيحين من حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: قال النَّبِيُّ ﷺ: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» (^٢).\nقوله ﷺ: «فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ» أمر بالغسل ولم يحدد عددًا معينًا، ولو كان العدد معتبرًا لبينه النبي ﷺ، فدل ذلك على أنه لا يُشترط عدد معين إلا في غسل الكلب فإنه يغسل سبع مرات لأن النص ورد فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-530>المطلب الرابع: علامة الطهر عند الحائض:</span>\nاختلف أهل العلم في علامة الطهر عند الحائض:\nذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا انقطع دم الحائض ورأت الجفوف فقد طهرت، وبه قال الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وهو انقطاع الدم، فإذا رأت الجفاف فقد طهرت.\n_________\n(^١) «البخاري» (٢٢٧)، و«مسلم» (٢٩١).\n(^٢) «البخاري» (٢٢٨)، و«مسلم» (٣٣٣).\n(^٣) «في نيل المآرب» (١/ ١٠٨): وإن طهرت أثناء عادتها طهرًا خالصًا لا تتغير معه القطنة إذا احتشتها، ولو أقل مدة فهي طاهرة، تغتسل وتصلي، وتفعل ما تفعله الطاهرات.","vol":"1","page":605},{"text":"وذهب الإمام مالك إلى أن المرأة إذا رأت القَصة البيضاء فقد طهرت، وإذا كانت ممن لا يرى القصة البيضاء فطهرها بالجفوف (^١).\nروى مالك عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، يَسْأَلْنَهَا عَنِ الصَّلَاةِ. فَتَقُولُ لَهُنَّ: «لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ» (^٢)، تُرِيدُ بِذلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ.\nواختلف العلماء في معنى القصة البيضاء على قولين:\nالقول الأول: ما قاله الحافظ: هِيَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَدْفَعُهُ الرَّحِمُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ، قَالَ مَالِكٌ: سَأَلْتُ النِّسَاءَ عَنْهُ فَإِذَا هُوَ أَمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَهُنَّ يَعْرِفْنَهُ عِنْدَ الطُّهْرِ (^٣).\nالقول الثاني: أن معنى القَصة البيضاء أن تخرج القطنة بيضاء ليس فيها شيء من الصفرة والكدرة، فيكون ذلك علامة نقائها وطهرها.\nوالراجح: أن النساء على قسمين: قسم ترى السائل الأبيض عند الطهر فتنتظر حتى تراه، وقسم من النساء لا ترى القصة البيضاء فطهرها بالجفوف. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) «المدونة» (١/ ٥٠، ٥١) قال: إذَا عَلِمَتْ أَنَّهَا أَظْهَرَتْ اغْتَسَلَتْ، إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَرَى الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ فَحِينَ تَرَى الْقَصَّةَ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَرَى الْقَصَّةَ فَحِينَ تَرَى الْجُفُوفَ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي.\n(^٢) «الموطأ» (١/ ٩٥).\n(^٣) «فتح الباري» شرح حديث (٣٢٠).","vol":"1","page":606},{"text":"صفة الغسل من الحيض\nوفيه أربعة مباحث\n\n<span data-type='title' id=toc-531>المبحث الأول: وجوب غسل المرأة من المحيض.</span>\nقال النووي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِسَبَبِ الْحَيْضِ وَبِسَبَبِ النِّفَاسِ (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢].\nفلا يجوز إتيان الحائض إلا بشرطين:\nالأول: انقطاع الدم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.\nالثاني: الاغتسال بعد انقطاع الدم لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. وروى البخاري من حديث عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «لَا إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-532>المبحث الثاني: حكم النية في الغسل من المحيض.</span>\nاختلف العلماء في حكم النية في الغسل من المحيض على قولين:\nالقول الأول: أن النية شرط في صحة الغسل من المحيض، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا …﴾.\n_________\n(^١) «المجموع» (٢/ ١٦٨).\n(^٢) «البخاري» (٣٢٥)، وفي الصحيحين بلفظ: «فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي».\n(^٣) «حاشية الدسوقي» (١/ ٩٣)، «المجموع» (١/ ٣٥٥)، «المغني» (١/ ١٥٦).","vol":"1","page":607},{"text":"وجه الدلالة: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ وهذا يكون بالنية، إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. فدل ذلك على أن النية شرط في صحة الغسل.\nوفي الصحيحين من حديث عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى».\nوفي الحديث نفي أن يكون هناك عمل شرعي بدون نية.\nالقول الثاني: أن النية سُنة في الغسل من المحيض، وهو مذهب الحنفية (^١).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ لأم سلمة في غسل الجنابة: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ».\n«إِنَّمَا يَكْفِيكِ» هذا حصر ولو كانت النية واجبة لذُكْرت.\nوالراجح: قول الجمهور، أي أن النية شرط في صحة الغسل، وأمر النية سهل ويسير ومجبول عليه الإنسان، فلا يحتاج إلى تطويل حتى ذُكر أن الإنسان إذا أراد أن يفعل الشيء بدون نية فهذا فعل ما لا يطاق، ولذا فإن فعل جميع المسلمين صحيح في الغسل والصلاة والصوم وغيرذلك من حيث النية، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-533>المبحث الثالث: حكم التسمية في غسل الحيض، أو: هل تسمي لغسل الحيض أم لا؟</span>\nاختلف أهل العلم في ذلك:\nفذهب الحنفية والشافعية (^٢) إلى استحباب التسمية قبل غسل الحيض.\nواستدلوا بما روى أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «كُلُّ كَلَامٍ أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْر الله، فَهُوَ أَبْتَرُ - أَوْ قَالَ: أَقْطَعُ» (^٣).\n_________\n(^١) «شرح فتح القدير» (١/ ٣٢)، «البحر الرائق» (١/ ٢٤)، «بدائع الصنائع» (١/ ١٩).\n(^٢) «مراقي الفلاح» ص (٤٣)، «بدائع الصنائع» (١/ ٣٥)، «المجموع» (٢/ ٢١٠).\n(^٣) ضعيف: أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٩)، وقد سبق تخريجه.","vol":"1","page":608},{"text":"وذهب الحنابلة إلى أنه تجب التسمية قبل غسل المحيض (^١).\nواستدلوا بأنه لما كان التسمية واجبة في الطهارة الصغرى عندهم وجبت في الكبرى لأنها صغرى وزيادة.\nوذهب بعض العلماء إلى أن التسمية لا تُشرع؛ لأنه لم ينقل في صفة غسل النبي ﷺ ذِكْر التسمية، ولو كانت التسمية واجبة أو مستحبة لذُكرت، وما كان ربك نسيًّا.\n\n<span data-type='title' id=toc-534>المبحث الرابع: حكم الوضوء في غسل الحيض والجنابة.</span>\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب الوضوء في غسل الجنابة.\nقال الحافظ: قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَة غيرُ وَاجِب (^٢).\nوقال ابن عبد البر لِأَنَّ الله ﷿ إِنَّمَا فَرَضَ عَلَى الْجُنُبِ الْغُسْلَ دُونَ الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وَهَذَا إِجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ أيضًا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ لِلْجُنُبِ تَأَسِّيًا بِرَسُولِ الله ﷺ وَلِأَنَّهُ أَعُونُ عَلَى الْغُسْل (^٣).\nودل على ذلك عموم قول النبي ﷺ للذي أصابته الجنابة: «خذ هذا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْك». ولو كان الوضوء واجبًا لبينه النبي ﷺ، فدل ذلك على أن الواجب تعميم البدن بالماء، وأن الوضوء سنة.\nوقال النبي ﷺ لأم سلمة في غسل الجنابة: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ». ولو كان الوضوء واجبًا لبينه النبي ﷺ: (وإنما) تفيد الحصر، فدل ذلك أن الواجب هو إفاضة الماء وتعميم الجسد.\n_________\n(^١) «الإنصاف» (١/ ٢٥٧)، «كشاف القناع» (١/ ١٥٤).\n(^٢) «فتح الباري» شرح حديث (٢٥٩).\n(^٣) «فتح البر بترتيب التمهيد» (٣/ ٤١٥)، وذهب الظاهرية إلى أن الوضوء واجب، واستدلوا بما ورد في صفة غسل النبي ﷺ من ذكر الوضوء، واعترض عليه بأن هذا على الاستحباب.","vol":"1","page":609},{"text":"الفصل الثالث\nما يحرم على الحائض\nوفيه أربعة مباحث\nالمبحث الأول: الصلاة، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: تحرم الصلاة على الحائض بالإجماع.\nالمطلب الثاني: هل يستحب للحائض أن تتوضأ وقت الصلاة وتجلس في مصلاها تذكر\nالله وتسبحه مقدار الصلاة؟\nالمطلب الثالث: إذا حاضت المرأة بعد دخول الوقت وهي لم تصلِّ، فهل تقضي هذه الصلاة؟\nالمبحث الثاني: الصوم، وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: يحرم على الحائض الصوم بالإجماع.\nالمطلب الثاني: إذا طهرت الحائض في نهار رمضان فهل يجب عليها إمساك بقية اليوم؟\nالمطلب الثالث: في صحة صوم المرأة إذا طهرت من الحيض قبل الفجر واغتسلت بعد الفجر.\nالمطلب الرابع: إذا أفطرت المرأة بالجماع ثم حاضت في ذلك اليوم، هل تسقط الكفارة؟\nالمبحث الثالث: تحريم وطء الحائض، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: تحريم وطء الحائض في فرجها.\nالمطلب الثاني: إذا جامع الرجل امرأته وهي حائض فهل تجب عليه كفارة؟\nالمبحث الرابع: يحرم الطواف على الحائض.","vol":"1","page":610},{"text":"<span data-type='title' id=toc-535>الفصل الثالث ما يحرم على الحائض</span>\n<span data-type='title' id=toc-536>المبحث الأول الصلاة </span>وفيه ثلاثة مطالب:\n<span data-type='title' id=toc-537>المطلب الأول: تحرم الصلاة على الحائض بالإجماع.</span>\nقال ابن رجب: وقد حكى غير واحد مِنْ الأئمة إجماع العلماء على أن الحائض لا تقضي الصلاة (^١).\nوقال ابن المنذر: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ عَلَى إِسْقَاطِ فَرْضِ الصَّلَاةِ عَنِ الْحَائِضِ فِي أَيَّامِ حَيْضِهِ (^٢).\nوفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال رسول الله ﷺ: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟» (^٣).\nوالأدلة على تحريم الصلاة على الحائض متوافرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-538>المطلب الثاني: هل يستحب للحائض أن تتوضأ وقت الصلاة وتجلس في مصلاها تذكر الله وتسبحه مقدار الصلاة؟</span>\nقال النووي: مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْحَائِضِ وُضُوءٌ وَلَا تَسْبِيحٌ وَلَا ذِكْر فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا: الْأَوْزَاعِيُّ\n_________\n(^١) «شرح ابن رجب للبخاري» (٢/ ١٣١).\n(^٢) «الأوسط (٢/ ٢٠٢)، وقد نقل الإجماع النووي «المجموع» (٢/ ٣٨٣، ٣٨٤)، والطبري وغيرهم كثير.\n(^٣) «البخاري» (٣٠٤)، و«مسلم» (٨٠).","vol":"1","page":611},{"text":"وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ، حَكَاهُ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ (^١).\nوقال ابن نجيم من الحنفية: وَأَمَّا أَئِمَّتُنَا فَقَالُوا: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَتَقْعُدَ فِي مُصَلَّاهَا تُسَبِّحُ وَتُهَلِّلُ وَتُكَبِّرُ (^٢).\nواستدلوا بما روى الطبراني: من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَدَ الْعَبَّاسَ ذَوْدًا مِنْ إِبِلٍ فَبَعَثَنِي إِلَيْهِ فَبِتُّ عِنْدَهُ، وَكَانَتْ لَيْلَةَ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ فَنَامَ النَّبِيُّ ﷺ غَيْرَ كَثِيرٍ فَتَوَسَّدْتُ الْوِسَادَةَ الَّتِي تَوَسَّدَهَا رَسُولُ الله ﷺ، ثُمَّ قَامَ ﵇ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ وَأَقَلَّ هِرَاقَةَ الْمَاءِ، ثُمَّ قَامَ فَافْتَتَحَ وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ حَائِضًا، فَقَامَتْ فَتَوَضَّأَتْ ثُمَّ قَعَدَتْ خَلْفَهُ تَذْكُر الله (^٣).\nواعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nقال ابن رجب: وقد استحب طائفة من السلف أن تتوضأ في وقت كل صلاة مفروضة، وتستقبل القبلة، وتذكر الله ﷿ بمقدار تلك الصلاة (^٤).\nفعن الحسن يقول في الحائض: تتوضأ عند كل صلاة وتذكر الله (^٥).\nعَنْ عَطَاءٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ - فِي الْحَائِضِ تُنَظِّفُ وَتَتَّخِذُ مَكَانًا فِي مَوَاقِيتِ الصَّلَاة تَذِكْر اللَّهَ فِيهِ (^٦).\nورُوي عن عقبة بن عامر وأبي جعفر محمد بن علي ولا يصح عنهما.\nقال ابن رجب: وأنكر ذلك أكثر العلماء.\nروى ابن أبي شيبة بسند صحيح: قِيلَ لِأَبِي قِلَابَةَ: الْحَائِضُ تَسْمَعُ الْأذَانَ فَتَوَضَّأُ وَتُكَبِّرُ\n_________\n(^١) «المجموع» (٢/ ٣٨٠).\n(^٢) «البحر الرائق» (١/ ٢٠٣).\n(^٣) ضعيف: أخرجه الطبراني «مسند الشاميين» (٧٣٤)، وفي إسناده: أيوب الرملي: ضعيف.\n(^٤) «شرح البخاري» (٢/ ١٣٠).\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٩).\n(^٦) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٨).","vol":"1","page":612},{"text":"وَتُسَبِّحُ؟ قَالَ: «قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَمَا وَجَدْنَا لَهُ أَصْلًا» (^١).\nقال النووي: إذَا قَصَدَتِ الطَّهَارَةَ تَعَبُّدًا مَعَ عِلْمِهَا بِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ فَتَأْثَمُ بِهَذَا لِأَنَّهَا مُتَلَاعِبَةٌ بِالْعِبَادَةِ، فَأَمَّا إمْرَارُ الْمَاءِ بِغَيْرِ قَصْدِ الْعِبَادَةِ فَلَا تَأْثَمُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الحائِضَ إذا أَمْسَكَتْ عَنِ الطَّعَامِ بِقَصْدِ الصَّوْمِ أَثِمَتْ وَإِنْ أَمْسَكَتْ بِلَا قَصْدٍ لَمْ تَأْثَمْ (^٢).\nوالراجح: أنه ليس على الحائض وضوء ولا تسبيح ولا ذِكْر في أوقات الصلاة، ولكن يستحب لها الإكثار من ذِكْر الله، وقد قال النبي ﷺ لعائشة: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». وتفعل الحائض كل شيء من ذِكْر لله ورمي وسعي وغيره من أفعال الحج إلا الطواف، وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه فدل ذلك على الإكثار من ذِكْر الله للحائض وغير ذلك من العبادات التى لا يشترط له الطهارة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-539>المطلب الثالث: إذا حاضت المرأة بعد دخول الوقت وهي لم تصلِّ، فهل تقضي هذه الصلاة؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على خمسة أقوال:\nالقول الأول: أن المرأة إذا حاضت بعد دخول الوقت لا يجب عليها القضاء، وهو قول الحنفية، ورواية عند المالكية وبعض الشافعية (^٣).\nقال ابن حزم: بُرْهَانُ قَوْلِنَا هُوَ أَنَّ الله تَعَالَى جَعَلَ لِلصَّلَاةِ وَقْتًا مَحْدُودًا أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ، وَصَحَّ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَفِي آخِرِ وَقْتِهَا، فَصَحَّ أَنَّ الْمُؤَخِّرَ لَهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا لَيْسَ عَاصِيًا؛ لِأَنَّهُ ﵇ لَا يَفْعَلُ الْمَعْصِيَةَ، فَإِذًا هِيَ لَيْسَتْ عَاصِيَةً فَلَمْ تَتَعَيَّنِ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا بِعُدُولِهَا تَأْخِيرَهَا، فَإِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهَا حَتَّى حَاضَتْ فَقَدْ سَقَطَتْ عَنْهَا، وَلَوْ كَانَتِ الصَّلَاةُ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ لَكَانَ مَنْ صَلَّاهَا بَعْدَ مُضِيِّ مِقْدَارِ تَأْدِيَتِهَا مِنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا قَاضِيًا لَهَا لَا مُصَلِّيًا، وَفَاسِقًا بِتَأْخِيرِهَا عَنْ وَقْتِهَا، وَمُؤَخِّرًا لَهَا عَنْ وَقْتِهَا، وَهَذَا بَاطِلٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ (^٤).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٨).\n(^٢) «المجموع» (٢/ ٣٨٢).\n(^٣) «المبسوط» (٢/ ١٤، ١٥)، «فتح البر بترتيب التمهيد» (٤/ ١١٠)، «المجموع» (١/ ٧١).\n(^٤) «المحلى» (٢/ ١٧٥).","vol":"1","page":613},{"text":"القول الثاني: إذا حاضت المرأة قبل غروب الشمس بمقدار ركعة، ولم تكن صلت العصر، وكذا لو حاضت قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة، فإنها تجب عليه بعد ما تطهر، وكذا باقي الصلوات. وهو المشهور من مذهب المالكية (^١).\nواستدلوا بما روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ» (^٢). فإذا حاضت المرأة قبل الوقت بأقل من ركعة ولم تُصَلِّ الوقت، وجب عليها إذا طهرت أن تقضي هذا الوقت، أما إذا حاضت والباقي من الوقت مقدار ركعة أو أكثر فإنها تسقط الصلاة عنها، وذلك بأنه إذا بقي من الوقت مقدار ركعة، فقد حصل لها العذر فسقطت، وإن بقي أقل من ركعة ولم تصلِّ فهذه الصلاة في ذمتها وعليها القضاء إذا طهرت.\nالقول الثالث: إن أدركت من الوقت مقدارًا يسع تلك الصلاة، ولم تكن صلت وجب عليها القضاء إذا طهرت، وإن كان أقل من ذلك لم يجب ذلك. وهو مذهب الشافعية (^٣).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ فهذا في أول الوقت ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فهذا آخر الوقت.\nوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «الوَقْتُ الأَوَّلُ مِنَ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللهِ، وَالوَقْتُ الآخِرُ عَفْوُ اللهِ» (^٤). دل ذلك أن الوجوب من أول الوقت إلى آخره.\nواعترض عليه بأن الحديث موضوع.\nالقول الرابع: أن الحائض إذا أدركت من الصلاة قدر تكبيرة الإحرام وجب عليها\n_________\n(^١) «منح الجليل» (١/ ١٨٩)، «حاشية الخرشي» (١/ ٢٢١).\n(^٢) «البخاري» (٥٧٩).\n(^٣) «المجموع» (٣/ ٧١)، «مغني المحتاج» (١/ ١٣٢).\n(^٤) موضوع: أخرجه الترمذي (١٧٢)، وفي إسناده: يعقوب بن الوليد، كان يضع الحديث.","vol":"1","page":614},{"text":"القضاء. وهو قول الحنابلة (^١).\nواستدلوا بما روى البخاري: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْر قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ» (^٢).\nوجه الدلالة: قوله ﷺ: «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً»، أي مقدار السجدة، وهي جزء يسير من الوقت قد يقارب تكبيرة الإحرام.\nواعترض عليه بأن المراد بالسجدة هنا الركعة، فروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ سَجْدَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَوْ مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا» (^٣) وَالسَّجْدَةُ إِنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ.\nوفي الصحيحين من حديث ابْنِ عُمَرَ ﴿، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، فَأَمَّا المَغْرِبُ وَالعِشَاءُ فَفِي بَيْتِه» (^٤).\nوالمراد بسجدتين: ركعتين. قال القرطبي: أهل الحجاز يسمون الركعة سجدة (^٥).\nالقول الخامس: لا قضاء على المرأة إذا حاضت في وقت الصلاة.\nواستدلوا بأن هذا الفعل مما عمت بها البلوى وهو متواجد في النساء، ولو كان أداء الصلاة واجبًا لبينه ﷺ لأمته.\nوالراجح في هذه المسألة: أن المرأة إذا حاضت في الوقت قبل أن تصلي فإذا طهرت تقضي هذا الوقت، وهذا أبرأ للذمة وأحوط للدين والله أعلم.\n_________\n(^١) «الفروع» (١/ ٣٠٦)، «المحرر» (١/ ٢٩).\n(^٢) «البخاري» (٥٥٦).\n(^٣) «مسلم» (٦٠٩).\n(^٤) «البخاري» (١١٧٢)، و«مسلم» (١٠٤ - ٧٢٩).\n(^٥) «المفهم» (٢/ ٢٢٧).","vol":"1","page":615},{"text":"<span data-type='title' id=toc-540>المطلب الرابع: إذا طهرت الحائض قبل المغرب بربع ساعة ثم اغتسلت فلم تنته إلا بعد أذان المغرب فهل تصلي العصر؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:</span>\nالقول الأول: أنه يجب عليها صلاة العصر؛ لأنها طهرت من الحيض، فكما أنها لو طهرت قبل الفجر في ليالي رمضان ثم اغتسلت بعد الفجر أنه يصح صومها، فكذا الصلاة، وهو قول عند الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (^١).\nالقول الثاني: أنه لا يجب عليها القضاء. وهو قول المالكية وقول عند الشافعية (^٢).\nقال ابن حزم: فَإِنْ طَهُرَتْ فِي آخِرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِمِقْدَارِ مَا لَا يُمْكِنُهَا الْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، فَلَا تَلْزَمُهَا تِلْكَ الصَّلَاةُ وَلَا قَضَاؤُهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ. ثم قال: بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا أنَّ الله ﷿ لَمْ يُبِحِ الصَّلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ، وَقَدْ حَدَّ اللهُ تَعَالَى لِلصَّلَوَاتِ أَوْقَاتَهَا، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهَا الطَّهُورُ وَفِي الْوَقْتِ بَقِيَّةٌ فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهَا لَمْ تُكَلَّفْ تِلْكَ الصَّلَاةَ الَّتِي لَمْ يَحِلَّ لَهَا أَنْ تُؤَدِّيَهَا فِي وَقْتِهَا (^٣).\nوالراجح: أن تلك الصلاة تجب عليها لأنها لو طهرت قبل الفجر من المحيض ثم اغتسلت بعد الفجر فإنه يصح صومها، فكذا الصلاة فقد تطهر قبل انقضاء وقت الصلاة ثم تغتسل بعد انتهاء وقتها فعليها القضاء، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-541>المبحث الثاني: الصوم،</span> وفيه مطالب:\n<span data-type='title' id=toc-542>المطلب الأول: يحرم على الحائض الصوم.</span>\nقال النووي: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ على أنَّ الحائضَ والنفساءَ لا تَجبُ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَلَا الصَّوْمُ فِي الْحَالِ (^٤).\n_________\n(^١) «المجموع» (٣/ ٦٧)، «الإنصاف» (١/ ٤٤٢).\n(^٢) «منح الجليل» (١/ ١٨٦، ١٨٧)، «المهذب» (١/ ٦٠).\n(^٣) «المحلى» مسألة (٢٥٩).\n(^٤) «شرح مسلم» (١/ ٦٣٧).","vol":"1","page":616},{"text":"وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ».\nوتقضي الحائض الصوم بالإجماع. روى مسلم عَنْ مُعَاذَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟! فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. قَالَتْ: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ».\n\n<span data-type='title' id=toc-543>المطلب الثاني: إذا طهرت الحائض في نهار رمضان، فهل يجب عليها إمساك بقية النهار؟</span>\nإذا طهرت الحائض أثناء النهار فلا يجب عليها إمساك بقية يومها؛ لأن أقل الصوم يوم، فإذا جاز لها الأكل أول النهار جاز لها آخره.\nوكيف تكلف بإمساك يوم أفطرت في أوله وسوف تقضيه؟! (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-544>المطلب الثالث: المرأة تطهر من الحيض قبل الفجر ولا تغتسل إلا بعد طلوع الفجر.</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن صومها صحيح.\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ … وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ [البقرة: ١٨٧] أن الله أباح المباشرة حتى طلوع الفجر، فالغسل يكون بعد الفجر.\nوعن أم سلمة: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ لَا مِنْ حُلُمٍ، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ وَلَا يَقْضِي»، وفي رواية: «يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يَصُومُ».\nقال سحنون: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى الطُّهْرَ فِي آخِرِ لَيْلَتِهَا مِنْ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: إنْ رَأَتْهُ قَبْلَ الْفَجْرِ اغْتَسَلَتْ بَعْدَ الْفَجْرِ وَصِيَامُهَا مُجْزِئٌ عَنْهَا (^٢).\nوقال ابن المنذر: وإذا أصبح المرء جنبًا، أو كانت امرأة حائضًا فطهرت آخر الليل ثم\n_________\n(^١) وقد توسعت في هذا البحث في كتاب: «الجامع العام في فقه الصيام» ص ٥٨.\n(^٢) «المدونة» (١/ ٢٠٧)، و«الخرشي» (٢/ ٢٤٧).","vol":"1","page":617},{"text":"أصبحا صائمين يغتسلان (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-545>المطلب الرابع: إذا أفطرت المرأة بالجماع ثم نزل الحيض في ذلك اليوم، هل تسقط الكفارة؟</span>\nإذا جامع الرجل امرأته في رمضان وهي طاهرة برضاها ثم نزل الحيض هل عليه الكفارة؟\nذهب بعض الحنفية والمالكية وقول عند الشافعية والحنابلة إلى أن المرأة إذا جومعت في رمضان برضاها ثم نزل عليها الحيض أنه تجب عليها الكفارة (^٢)، واستدلوا بأن الحيض طرأ بعد وجوب الكفارة، فلم يسقطها كالسفر، ولأنه أفسد صومًا واجبًا في رمضان بجماع تام، فاستقرت الكفارة عليه كما لو لم يطرأ عذر (^٣).\nوذهب الحنفية وقول عند الشافعية إلى أن لا كفارة عليها (^٤).\nواستدلوا بأن الحيض لما نزل عليها في ذلك اليوم الذي جومعت فيه أسقط عنها الكفارة؛ لأنه يجب عليها قضاؤه.\nواعترض عليه: بأن الحيض نزل عليها بعدما استقرت في ذمتها الكفارة.\nالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن المرأة إذا جومعت برمضان برضاها ثم نزل عليها الحيض أنها تجب عليها الكفارة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-546>المبحث الثالث: الطواف للحائض،</span> وفيه مطالب:\n<span data-type='title' id=toc-547>المطلب الأول: يحرم على الحائض الطواف.</span>\nاتفق العلماء على أنه لا يصح طواف الحائض.\n_________\n(^١) «الإقناع» (١/ ١٩٤).\n(^٢) «المبسوط» (٣/ ٧٥)، «الخرشي» (٢/ ٢٥٧)، «روضة الطالبين» (١/ ٣٧٩)، «كشاف القناع» (٢/ ٣٢٦).\n(^٣) «المغني» (٤/ ٣٧٨).\n(^٤) «شرح فتح القدير» (١/ ٣٣٧)، «المجموع» (٦/ ٣٤٠).","vol":"1","page":618},{"text":"قال النووي: وَقَدْ أَجْمَع الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الطَّوَافِ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهَا طَوَافٌ مَفْرُوضٌ وَلَا تَطَوُّعٌ وَأَجْمَعُوا أن الحائض والنفساء لا تمنع من شئ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إلَّا الطَّوَافَ وَرَكْعَتَيْهِ (^١).\nقال ابن عبد البر: الْحَائِضَ لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا (^٢).\nوقد قال النبي ﷺ لعائشة: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي».\n\n<span data-type='title' id=toc-548>المطلب الثاني: في إحرام الحائض والنفساء في الحج والعمرة.</span>\nأجمع العلماء على صحة إحرام الحائض والنفساء، وأن الحيض والنفاس لا يمنع صحة الإحرام (^٣).\nوقال النبي ﷺ لعائشة: «وَأَهِلِّي بِالحَجِّ» مع أن عائشة حائض، فهذا دليل على صحة إحرام الحائض، ومثل ذلك النفساء.\n\n<span data-type='title' id=toc-549>المطلب الثالث: في المرأة إذا اضطرت للطواف وهي حائض.</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: لا يصح طواف الحائض وإن كانت لا تستطيع البقاء في مكة حتى تطهر، وبه قال المالكية والشافعية والمشهور عند الحنابلة (^٤).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي».\nالقول الثاني: أن المرأة الحائض إذا اضطرت أن تخرج من مكة قبل الطهر فإنها تجبر بدم\n_________\n(^١) «المجموع» (٢/ ٣٨٦).\n(^٢) «التمهيد» (١٧/ ٢٦٥)، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن رشد «بداية المجتهد» (٢/ ٥٩ - ٦٠)، وابن تيمية «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٠٦)، وابن حزم «المحلى» مسألة ٢٥٤، وغيرهم.\n(^٣) حكى الإجماع ابن عبد البر «التمهيد» (١٩/ ٣١٥)، و«شرح مسلم» (٨/ ١٨٧).\n(^٤) «مواهب الجليل» (٣/ ٧٦)، «الحاوي» (١/ ٣٨٤)، «المغني» (٥/ ٢٢٣).","vol":"1","page":619},{"text":"شاة أو بدنة لأنه الطهارة عندهم واجبة وليست بشرط. وهو مذهب الحنفية ورواية عن أحمد (^١).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج].\nقال السرخسي: قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ وَهُوَ اسْمٌ لِلدَّوَرَانِ حَوْلَ الْبَيْتِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ مِنْ الْمُحْدِثِ وَالطَّاهِرِ، فَاشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ فِيهِ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ، وَمِثْلُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لَا تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الرُّكْنِيَّةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالنَّصِّ فَأَمَّا الْوُجُوبُ فَيَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ وَلَا يُوجِبَ عِلْمَ الْيَقِينِ، وَالرُّكْنِيَّةُ إنَّمَا تَثْبُتُ بِمَا يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ، فَأَصْلُ الطَّوَافِ رُكْنٌ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، وَالطَّهَارَةُ فِيهِ تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَيَكُونُ مُوجِبُ الْعَمَلِ دُونَ الْعِلْمِ فَلَمْ تَصِرْ الطَّهَارَةُ رُكْنًا، وَلَكِنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَالدَّمُ يَقُومُ مَقَامَ الْوَاجِبَاتِ فِي بَابِ الْحَجِّ (^٢).\nواعترض عليه بأن خبر الواحد يوجب العلم ويعمل به، ولو قلنا بأن خبر الواحد لا يُقبل فإن كثير من أحكام الشريعة تضيع.\nالقول الثالث: أن المرأة إذا عجزت عن الطهارة صح طوافها. وهو قول ابن تيمية وابن القيم.\nواستدلوا بعموم قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (^٣).\nوروى البخاري: عَنْ عِمْرَانَ ﵁ قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (^٤).\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٢٩)، «الفروع» (٣/ ٥٠٢).\n(^٢) «المبسوط» (٤/ ٣٨).\n(^٣) «البخاري» (٧٢٨٨)، و«مسلم» (١٣٣٧).\n(^٤) «البخاري» (١١١٧).","vol":"1","page":620},{"text":"قال ابن القيم: وَلَا رَيْبَ أَنَّ وُجُوبَ الطَّهَارَةِ وَسَتْرَ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ آكَدُ مِنْ وُجُوبِهَا فِي الطَّوَافِ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ بِلَا طَهَارَةٍ مَعَ الْقُدْرَةِ بَاطِلَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْعُرْيَانِ، وَأَمَّا طَوَافُ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالْمُحْدِثِ وَالْعُرْيَانِ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَفِي صِحَّتِهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَإِنْ حَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَالِ (^١).\nوقال ابن القيم في موضع آخر: ثَبَتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: «اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» فَظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حَالِ الْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ، وَلَا بَيْنَ زَمَنِ إمْكَانِ الِاحْتِبَاسِ لَهَا حَتَّى تَطْهُرَ وَتَطُوفَ وَبَيْنَ الزَّمَنِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ، وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ النَّصِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-550>المطلب الرابع: يباح للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة.</span>\nقال النووي: وأجمعوا على أن الحائض والنفساء لا تُمنع من شيء من مناسك الحج إلى الطواف وركعتيه، نقل الإجماع في هذا كله ابن جرير وغيره.\nقلت: فدل هذا الإجماع على أن الحائض لا تمنع من السعي بين الصفا والمروة.\nوفي الصحيحين قال النبي ﷺ لعائشة: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي».\nفدل ذلك على أن الحائض لا تمنع من المناسك إلا الطواف.\nقال ابن حزم: وَلَهَا أَنْ تَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُنْهَ إلَّا عَنِ الطَّوَافِ [بِالْبَيْتِ] فَقَطْ (^٢).\nوقد يشكل أنه كيف نقل الإجماع على جواز سعي الحائض بين الصفا والمروة وورد حديث يخالف ذلك؟!. فعن عائشة أنها قالت: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ، قَالَ: «افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ\n_________\n(^١) «إعلام الموقعين» (٣/ ٢١).\n(^٢) «المحلي» (٧/ ١٨٠).","vol":"1","page":621},{"text":"أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ حَتَّى تَطْهُرِي».\nواعترض عليه بأن زيادة: «وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ» شاذة، (^١) ولا تصح.\n\n<span data-type='title' id=toc-551>المطلب الخامس: في المرأة المتمتعة إذا حاضت قبل طواف العمرة وخشيت فوات الحج.</span>\nالقول الأول: أن المرأة المتمتعة إذا حاضت قبل طواف العمرة وخشيت فوات الحج، فإنها تُدخل الحج على العمرة فتصير قارنة وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بما روى مسلم عَنْ عَائِشَةَ ﵄ أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، فَقَدِمَتْ وَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَاضَتْ، فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: «يَوْمَ النَّفْرِ يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» فَأَبَتْ، فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ (^٣).\nوروى مسلم من حديث جابر وفيه أن عائشة قالت: قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ، وَلَمْ أَحْلِلْ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الآنَ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ!!» فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ، حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا» (^٤).\n_________\n(^١) رواها يحيى بن يحيى عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة به، وخالف يحيى جماعة فرووه بدون زيادة: «وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ» منهم:\nعبد الله بن يوسف عند البخاري (١٦٥٠)، والشافعي في «مسنده» (١/ ٣٦٩).\nوخالد بن مخلد عند الدارمي (١٨٤٦)، ومحمد بن الحسن الشيباني «الموطأ» (٤٦٥). وأبو بكر بن مصعب «الموطأ» (١٣٢٥)، كلهم عن مالك بغير هذه الزيادة ورواه غير مالك بدون هذه الزيادة، منهم سفيان بن عيينة عند البخاري (٢٩٤)، وعبد العزيز بن أبي سلمة عند البخاري (٢٩٤)، وحماد بن سلمة عند مسلم (١٢١١) كلهم رووه عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن عائشة بدون زيادة «وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ» فدل ذلك على أن هذه الزيادة شاذة.\n(^٢) «الموطأ» (١/ ٤١١، ٤١٢)، «الأم» (٢/ ١٤٣)، «الإقناع» (١/ ٣٢٥).\n(^٣) «مسلم» (١٢١١).\n(^٤) «مسلم» (١٢١٣).","vol":"1","page":622},{"text":"قلت: فهذا يدل على أن عائشة كانت قارنة.\nوقال ابن عبد البر: ولا خلاف بين العلماء في أن للمحرم بالعمرة إِدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ مَا لَمْ يَبْتَدِئِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ لِعُمْرَتِهِ هَذَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (^١).\nقال ابن قدامة: إدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِ خَشْيَةِ الْفَوَاتِ، فَمَعَ خَشْيَةِ الْفَوَاتِ أَوْلَى (^٢).\nقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لِمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، مَا لَمْ يَفْتَتِحْ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ.\nمن الأدلة: قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأن النبي ﷺ أمر من كان معه هدي أن يهل بالحج مع العمرة.\nالقول الثاني: ذهب أبو حنيفة إلى أن المرأة المتمتعة إذا حاضت قبل طواف العمرة وخشيت فوات الحج عليها أن ترفض عمرتها وتهل بالحج (^٣).\nواستدلوا بأن عائشة لما شكت إلى النبي ﷺ أنها حائض ولم تطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة. قال النبي ﷺ: «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ» (^٤). وفي رواية: «ارْفُضِي عُمْرَتِكِ وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ» (^٥).\nوجه الدلالة: ارْفُضِي عُمْرَتِكِ أو وَدَعِي الْعُمْرَةَ.\nوأيضًا: قول عائشة: يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ.\n_________\n(^١) «التمهيد» (١٥/ ٢١٥).\n(^٢) «المغني» (٥/ ٣٦٩).\n(^٣) «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٣)، «المبسوط» (٤/ ٣٥ - ٣٦).\n(^٤) «البخاري» (١٥٥٦)، و«مسلم» (١٢١١).\n(^٥) «البخاري» (١٧٨٣).","vol":"1","page":623},{"text":"فكل هذا يدل على أن عائشة كانت مُفْرِدة بالحج وأنها نقضت عمرتها وإن اعتمرت بعد الانتهاء من الحج وذهبت إلى التنعيم مع عبد الرحمن واعتمرت بعد ذلك، وقال النبي ﷺ: «هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ».\nواعترض على هذه الاستدلالات من وجهين:\nالوجه الأول: أعل بعض أهل العلم لفظة: ارْفُضِي عُمْرَتِكِ أو دَعِي الْعُمْرَةَ.\nقال ابن قدامة: فَأَمَّا حَدِيثُ عُرْوَةَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: «اُنْقُضِي رَأْسَك، وَامْتَشِطِي، وَدَعِي الْعُمْرَةَ». انْفَرَدَ بِهِ عُرْوَةُ، وَخَالَفَ بِهِ سَائِرَ مَنْ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ حِينَ حَاضَتْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ، وَالْقَاسِمِ، وَالْأَسْوَدِ، وَعَمْرَةَ وَعَائِشَةَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ، وَطَاوُسٍ مُخَالِفَانِ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ. وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، حَدِيثَ حَيْضِهَا، فَقَالَ فِيهِ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لَهَا: «دَعِي الْعُمْرَة، وَانْقُضِي رَأْسَك، وَامْتَشِطِي». وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ (^١).\nوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يَسْمَعْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ عَائِشَةَ، وَهُوَ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مُخَالَفَتِهِ بَقِيَّةَ الرُّوَاةِ، يَدُلُّ عَلَى الْوَهْمِ، مَعَ مُخَالَفَتِهَا الْكِتَابَ وَالْأُصُولَ، إذْ لَيْسَ لَنَا مَوْضِعٌ آخَرُ يَجُوزُ فِيهِ رَفْضُ الْعُمْرَةِ مَعَ إمْكَانِ إتْمَامِهَا.\nوقال ابن القيم: تَعْلِيلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَرَدُّهَا بِأَنَّ عروة انْفَرَدَ بِهَا، وَخَالَفَ بِهَا سَائِرَ الرُّوَاةِ، وَقَدْ رَوَى حَدِيثَهَا طَاوُوسٌ والقاسم والأسود وَغَيْرُهُمْ، فَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ (^٢).\nقلت: وقد تابع عروة القاسم كما في الموطأ؛ لأن رسول الله قال: «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ» (^٣).\nالوجه الثاني: ما قاله ابن عبد البر: جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِنَا تَأَوَّلُوا قَوْلَهُ وَدَعِي الْعُمْرَةَ وَدَعِي عَمَلَ الْعُمْرَةِ يَعْنِي الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَكَذَلِكَ تَأَوَّلُوا فِي رِوَايَةِ مَنْ\n_________\n(^١) «المغني» (٥/ ٣٦٩، ٣٧٠).\n(^٢) «زاد المعاد» (٢/ ١٦٩).\n(^٣) «الموطأ» (١/ ٤١٠).","vol":"1","page":624},{"text":"رَوَى وَاسْكُتِي عَنِ الْعُمْرَةِ وَرِوَايَةِ مَنْ رَوَى أمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ أَيِ أمْسِكِي عَنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ لَا أَنَّهُ أَمْرٌ بِرَفْضِهَا وَابْتِدَاءِ الْحَجِّ وَإِنْشَائِهِ كَمَا زَعَمَ الْعِرَاقِيُّونَ (^١).\nوقال ابن القيم: قَوْلَهُ: «دَعِي الْعُمْرَةَ»، أَيْ دَعِيهَا، بِحَالِهَا لَا تَخْرُجِي مِنْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَرْكَهَا، قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ.\nأَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ».\nالثَّانِي: قَوْلُهُ: «كُونِي فِي عُمْرَتِكِ». قَالُوا: وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى رَفْضِهَا لِسَلَامَتِهِ مِنَ التَّنَاقُضِ.\nوالحاصل: أن الجمع بين هذه الأحاديث أن عائشة أحرمت بالعمرة وأنها لم تترك العمرة بل تركت أعمالها وأدخلت الحج في العمرة، ودل على ذلك قول عائشة: «وَلَمْ أُهْلِلْ إِلاَّ بِعُمْرَةٍ»، كما في الصحيحين.\nأما الجواب عن قوله: «هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ»، فهو ما قاله ابن القيم: قَوْلُهُ: «هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ» فعائشة أَحَبَّتْ أَنْ تَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، فَأَخْبَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ طَوَافَهَا وَقَعَ عَنْ حَجَّتِهَا وَعُمْرَتِهَا، وَأَنَّ عُمْرَتَهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي حَجِّهَا، فَصَارَتْ قَارِنَةً، فَأَبَتْ إِلَّا عُمْرَةً مُفْرَدَةً كَمَا قَصَدَتْ أَوَّلًا، فَلَمَّا حَصَلَ لَهَا ذَلِكَ، قَالَ: «هِذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-552>المطلب السادس: طواف الوداع يسقط عن الحائض.</span>\nقال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع (^٣).\n_________\n(^١) «التمهيد» (٨/ ٢١٥، ٢١٦).\n(^٢) «زاد المعاد» (٢/ ١٦٩، ١٧٠).\n(^٣) نقله ابن حجر فتح الباري شرح حديث (١٧٥٨)، وتتمة كلامه: وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت أمروها بالمقام إذا كانت حائضًا لطواف الوداع، وكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها.\nوقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك وبقي عمر فخالفنا لثبوت حديث عائشة.","vol":"1","page":625},{"text":"وفي الصحيحينعَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ، فَقَالَتْ: مَا أُرَانِي إِلاَّ حَابِسَتَكُمْ!! قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَقْرَى حَلْقَى، أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قِيلَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَانْفِرِي» (^١).\nوفي الصحيحين: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-553>المبحث الرابع: وطء الحائض،</span> وفيه مطالب:\n<span data-type='title' id=toc-554>المطلب الأول: تحريم وطء الحائض في فرجها.</span>\nنقل غير واحد من أهل العلم تحريم جماع الزوجة في فرجها حال الحيض، منهم ابن المنذر والنووي وابن قدامة وابن حزم والقرطبي وغيرهم كثير (^٣).\nويحل للرجل فعل كل شيء مع امرأته من الاستمتاع والمباشرة إلا الجماع (^٤).\nروى مسلم عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ» فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ، فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلاَّ خَالَفَنَا فِيهِ: فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ:\n_________\n(^١) «البخاري» (١٧٧١)، و«مسلم» (١٢١١).\n(^٢) «البخاري» (١٧٥٥)، «مسلم» (١٣٢٨).\n(^٣) انظر «الأوسط (٢/ ٢٠٨)، و«المجموع» (٢/ ١٨٩)، و«المغني» (١/ ٤١٤)، و«الجامع لأحكام القرآن» (٣/ ٨٧)، و«مجموع الفتاوى» (٢١/ ٦٢٤)\n(^٤) قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَا تُكْرَهُ مُضَاجَعَةُ الْحَائِضِ وَلَا قُبْلَتُهَا وَلَا الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فِيمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ، وَلَا يُكْرَهُ وَضْعُ يَدِهَا في شَيْئ مِنَ الْمَائِعَاتِ، وَلَا يُكْرَهُ غَسْلُهَا رَأْسَ زَوْجِهَا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ مَحَارِمِهَا وَتَرْجِيلُهُ، وَلَا يُكْرَهُ طَبْخُهَا وَعَجْنُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الصَّنَائِعِ، وَسُؤْرُهَا وَعَرَقُهَا طَاهِرَانِ وَكُلُّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ فِي كِتَابِهِ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إجماع الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذَا كُلِّهِ، وَدَلَائِلُهُ مِنَ السُّنَّةِ ظَاهِرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَأَمَّا قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فَالْمُرَادُ: اعْتَزِلُوا وَطْأَهُنَّ وَلَا تَقْرَبُوا وَطْأَهُنَّ.","vol":"1","page":626},{"text":"كَذَا وَكَذَا، فَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا، فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا (^١).\nوروى البخاري عن عائشة قالت: وَكَانَ يَأْمُرُنِي، فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ (^٢). وفي الصحيحين من حديث أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا، قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، قَالَ: «أَنُفِسْتِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ (^٣).\nقال النووي: فَفِيهِ جَوَازُ النَّوْمِ مَعَ الْحَائِضِ وَالِاضْطِجَاعِ مَعَهَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ إِذَا كَانَ هُنَاكَ حَائِلٌ يَمْنَعُ مِنْ مُلَاقَاةِ الْبَشَرَةِ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ أَوْ يَمْنَعُ الْفَرْجَ وَحْدَهُ عِنْدَ مَنْ لَا يُحَرِّمُ إِلَّا الْفَرْجَ.\nوروى الطبري: أَنَّ مَسْرُوقًا، رَكِبَ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَ: مَا لِلرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَتْ لَهُ: كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا فَرْجَهَا (^٤).\nقال ابن رجب: واحتج أحمد بأن عائشة أفتت بإباحة ما دونَ الفرج مِنْ الحائض. وهي أعلم الناس بهذه المسألة، فيتعين الرجوع فيها إلى قولها (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-555>المطلب الثاني: في كفارة من جامع امرأته وهي حائض.</span>\nمن جامع امرأته وهي حائض فيجب عليه التوبة والاستغفار.\nوهل تجب عليه الكفارة؟ من رأى الكفارة استدل بما روى أحمد عن ابن عباس عن النبي\n_________\n(^١) مسلم (٣٠٢).\n(^٢) البخاري (٣٠٠).\n(^٣) البخاري (٢٩٨) ومسلم (٢٩٦).\n(^٤) إسناده صحيح: «تفسير الطبري» (٤٢٤٨).\n(^٥) «شرح ابن رجب» للبخاري (٢/ ٣٣).","vol":"1","page":627},{"text":"ﷺ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٢٣٠)، والنسائي (٢٨٩) وابن ماجه (٦٤٠) وغيرهم. ورواه (ابن مهدي وسليمان ابن حرب وبهز بن أسد ومسلم بن إبراهيم وغيرهم) عن شعبة به موقوفًا عند ابن الجارود (المنتقى) (١١٠)، والدارمي (١١٠٦)، والبيهقي (١/ ٣١٤، ٣١٥) وقد تابع شعبة قتادة عن الحكم عن عبد الحميد عن مقسم عن ابن عباس مرفوعًا به عند النسائي (الكبرى) (٩١٠٤)\nورواه (سفيان بن حسين ورقبة بن مصقلة وليث بن أبي سليم ومطر الوراق) كلهم عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس مرفوعًا به. أخرجه الطبراني (الكبير) (١٢١٣٠، ١٢١٣١، ١٢١٣٢، ١٢١٣٣)، والبيهقي (١/ ١٣٥). وخالفهم (الأعمش وعمرو بن قيس الملائي) فروياه عن الحكم عن ابن عباس موقوفًا. رواه الدارمي (١١١٢)، والنسائي (٩١٠٠).\nالطريق الثاني: خصيف عن مقسم عن ابن عباس به، واختلف على خصيف في الرفع الإرسال والوقف. وأخرجه أحمد (١/ ٢٧٢) من طريق شريك عن خصيف به مرفوعًا، ورواه عبد الرزاق (١٢٦٣) عن الثوري عن خصيف عن مقسم أن رسول الله ﷺ أمر رجلًا أتى امرأته أن يَتَصَدَّقُ نِصْفِ دِينَارٍ. فهذا مرسل ورواه عبد الرزاق (١٢٦٢) عن ابن جريج عن خصيف عن مقسم مرسلًا، وهناك خلافات أخرى عن خصيف.\nالطريق الثالث: عبد الكريم عن مقسم به، واختلف عليه في الوقف والرفع كما عند عبد الرزاق (١٢٦٤)، وأبو داود (٢٦٥) وقد اختلف في عبد الكريم هل هو ابن أبي المخارق: وهو ضعيف جدًّا أو عبد الكريم بن مالك الثقة؟ وقد اختلف على عبد الكريم في سنده ومتنه.\nوالحاصل أن مقسم فيه مقال ولا يتحمل مثل هذه الخلافات الكثيرة.\nأما طريق عكرمة عن ابن عباس، فقد أخرجه أحمد (١/ ٢٤٥) وغيره، من طريق عطاء العطار وهو متروك، فالحديث فيه خلاف كثير ولا يصح مرفوعًا عن رسول الله.\nقال النووي (المجموع) (٢/ ٣٩١): اتفق المحدثون على ضعف حديث ابن عباس واضطرابه. وروى موقوفًا وروى مرسلًا وألوانًا كثيرة، وقد رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي وغيرهم، ولا يجعله ذلك صحيحًا، وذكره الحاكم في المستدرك على الصحيحين وقال: هو صحيح، وهذا الذي قاله الحاكم خلاف قول أئمة الحديث، والحاكم معروف عندهم بالتساهل في التصحيح، وقد قال الشافعي في أحكام القرآن: هذا الحديث لا يثبت مثله، وقد جمع البيهقي طرقه وبيَّن ضعفها بيانًا شافيًّا، وهو إمام متقن فالصواب أنه لا يلزمه شيء، والله أعلم.","vol":"1","page":628},{"text":"ذهب ابن حزم بأنه لا يجب على من أتى امرأة في حيضها إلا التوبة والاستغفار (^١). واستدلوا بما قاله ابن عبد البر: وحجة من لم يوجب عليه كفارة إلا الاستغفار والتوبة، اضطراب هذا الحديث عن ابن عباس وأن مثله لا تقوم به حجة وأن الذمة على البراءة ولا يجب أنه لا يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مدفع فيه ولا مطعن عليه وذلك معدوم في هذه المسألة (^٢).\nوأما دليلهم من المأثور بأنه لا يجب عليه إلا التوبة والاستغفار فما ورد عن أبي قلابة أن رجلًا قال لأبي بكر الصديق: رأيت في المنام أبول دمًا قال: أنت رجل تأتي امرأتك وهي حائض فاستغفر الله ولا تعد (^٣).\nواعترض عليه بأنه لم يدرك أبو قلابة أبا بكر، ولكن صح هذا المعنى عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي وقال عطاء: لم أسمع فيه بكفارة معلومة فليستغفر الله (^٤).\nواعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nقال ابن عبد البر: وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ كَفَّارَةً إِلَّا الِاسْتِغْفَارَ وَالتَّوْبَةَ اضْطِرَابُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَّ مِثْلَهُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ وَأَنَّ الذِّمَّةَ عَلَى الْبَرَاءَةِ، ولا يجب ان يثبت فيها شيئ لِمِسْكِينٍ وَلَا غَيْرِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا مَدْفَعَ فِيهِ وَلَا مَطْعَنَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي هَذِهِ\n_________\n(^١) وقال ابن حزم: من وطئ حائضًا فقد عصى الله ﷾ وفرض عليه التوبة والاستغفار، ولا كفارة عليه في ذلك.\n(^٢) قال ابن حزم: إذا لم يصح في إيجاب شيء على واطئ الحائض فماله حرام، فلا يجوز أن يلزم حكمًا أكثر مما ألزمه من التوبة من المعصية التي عمل والاستغفار والتعزير لقول رسول الله ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا».\n(^٣) ضعيف: للانقطاع بين أبي قلابة وأبي بكر، وقد رواه عبد الرزاق (١٢٧٠)، والدارمي (١١٠٢) عن أيوب.\n(^٤) أثر ابن سيرين أخرجه عبد الرزاق (١٢٦٧)، وإبراهيم عند عبد الرزاق (١٢٦٨)، والقاسم عند الدارمي (١٠٩٩) وعطاء عند عبد الرزاق (١٢٦٩) وكل هذه الآثار أسانيدها صحيحة.","vol":"1","page":629},{"text":"الْمَسْأَلَةِ (^١).\nوقال ابن المنذر: فَالْكَفَّارَةُ لَا يَجُوزُ إِيجَابُهَا إِلَّا أَنْ يُوجِبَهَا اللهُ ﷿ أَوْ يُثْبَتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَوْجَبَهَا، وَلَا نَعْلَمُ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ حُجَّةً تُوجِبُ ذَلِكَ (^٢).\nوقال ابن حزم: إذا لم يصح في إيجاب شيء على واطئ الحائض فماله حرام، فلا يجوز أن يلزم حكمًا أكثر مما ألزمه الله من التوبة من المعصية التي عمل والاستغفار والتعزير لقول الرسول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-556>المبحث الرابع: تحريم طلاق الحائض.</span>\nأجمع العلماء على أن طلاق الحائض محرم بدعي مخالف للسنة، ودل على ذلك ما ورد في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﴿: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) «فتح البر بترتيب التمهيد» لابن عبد البر (٣/ ٤٦٦).\n(^٢) «الأوسط» (٢/ ٢١٢).\n(^٣) «المحلى» مسألة (٢٦٣).\n(^٤) «البخاري» (٥٢٥١)، و«مسلم» (١٤٧١).","vol":"1","page":630},{"text":"الفصل الرابع\nالاستحاضة\nوفيه ثمانية مباحث\nالمبحث الأول: تعريف الاستحاضة.\nالمبحث الثاني: الفرق بين دم الحيض والاستحاضة.\nالمبحث الثالث: المستحاضة تعمل بالعادة أم بالتمييز؟\nالمبحث الرابع: حكم الاستحاضة المعتادة غير المميزة.\nالمبحث الخامس: المستحاضة المتحيرة وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: المستحاضة المتحيرة بالعدد.\nالمطلب الثاني: المستحاضة المتحيرة بالوقت.\nالمبحث السادس: في وجوب غسل المستحاضة فرجها عند الوضوء.\nالمبحث السابع: شد عصابة على فرجها عند الوضوء.\nالمبحث الثامن: هل يعتبر الخروج الدائم للنجاسة كدم الاستحاضة حدثًا أم لا؟","vol":"1","page":631},{"text":"<span data-type='title' id=toc-557>الفصل الرابع الاستحاضة</span>\nوفيه ثمانية مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-558>المبحث الأول: تعريف الاستحاضة:</span>\nفي اللسان: الاستحاضة: أن يستمر بالمرأة خروج الدم بعد أيام حيضها المعتاد (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-559>المبحث الثاني: الفرق بين دم الحيض والاستحاضة:</span>\nالفرق الأول: أن دم الحيض يميل إلى السواد ودم الاستحاضة أحمر يميل إلى الصفرة. روى البخاري (^٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ امْرَأَةٌ مُسْتَحَاضَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي.\nوجه الدلالة ما قاله ابن رجب: وفي حديث عائشة ما يدل على أن دم الاستحاضة يتميز عن دم الحيض بلونه وصفرته (^٣).\nوعن أنس بن سيرين قَالَ: اسْتُحِيضَتِ امْرَأَةٌ مِنْ آلِ أَنَسٍ، فَأَمَرُونِي فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَمَّا مَا رَأَتِ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَلَا تُصَلِّي (^٤).\nقال ابن رجب: البحراني: هو الأحمر الذي يضرب إلى سواد (^٥).\nوروى أبو داود: عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا\n_________\n(^١) لسان العرب (٧/ ١٤٢).\n(^٢) البخاري (٢٠٣٧).\n(^٣) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٨٢).\n(^٤) إسناده صحيح رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٢٠).\n(^٥) شرح ابن رجب (٢/ ١٧٦).","vol":"1","page":632},{"text":"كَانَ دَمُ الْحَيْضَةِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ» (^١).\nوَقَالَ مَكْحُولٌ: «إِنَّ النِّسَاءَ لَا تَخْفَى عَلَيْهِنَّ الْحَيْضَةُ إِنَّ دَمَهَا أَسْوَدُ غَلِيظٌ، فَإِذَا ذَهَبَ ذَلِكَ وَصَارَتْ صُفْرَةً رَقِيقَةً، فَإِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتُصَلِّ» (^٢).\nالفرق الثاني: أن دم الحيض ثخين، ودم الاستحاضة رقيق.\nقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَنَقُولُ: إذَا كَانَ الدَّمُ يَنْفَصِلُ فَيَكُونُ فِي أَيَّامٍ أَحْمَرَ قَانِئًا ثَخِينًا مُحْتَدِمًا وَأَيَّامًا رَقِيقًا إلَى الصُّفْرَةِ أَوْ رَقِيقًا إلَى الْقِلَّةِ، فَأَيَّامُ الدَّمِ الْأَحْمَرِ الْقَانِئِ الْمُحْتَدِمِ الثَّخِينِ أَيَّامُ الْحَيْضِ وَأَيَّامُ الدَّمِ الرَّقِيقِ أَيَّامُ الِاسْتِحَاضَةِ (^٣).\nالفرق الثالث: أن دم الحيض منتن الرائحة، ودم الاستحاضة لا رائحة له (^٤).\nالفرق الرابع: أن دم الحيض لا يتجمد ودم الاستحاضة يتجمد (^٥).\nوإن كانت هذه الفروق لا دليل عليه من الكتاب والسنة سوى أن دم الحيض يميل إلى السواد، فقد تكون هذه الصفات لدم الحيض من خلال التجربة والمشاهدة.\n\n<span data-type='title' id=toc-560>المبحث الثالث: المستحاضة هل تعمل بالعادة أم بالتمييز؟</span>\nاختلف أهل العلم في المستحاضة المعتادة المميزة على قولين:\nالقول الأول: أن المستحاضة تعمل بالعادة دون التمييز، ومثاله: امرأة لها عادة معلومة سبعة أيام، ثم جاءها الدم، فجلست عدتها فإن تمادى بها فإنها تمكث سبعة أيام ثم تغتسل\n_________\n(^١) ضعيف أخرجه أبو داود (٣٠٤) فعروة لم يسمع من فاطمة.\n(^٢) رواه أبو داود بعد حديث (٢٨٦).\n(^٣) الأم (١/ ٦١).\n(^٤) مختصر المزني (١/ ١١) المبدع (١/ ٢٧٤).\n(^٥) في موسوعة الطهارة (٨/ ٤٢): دم الحيض لا يتجلط (يتجمد) ويمكن بقاؤه سنين طويلة على تلك الحالة دون أن يتجلط، فإذا ظهر دم متجلط متجمد أثناء الحيض، فإن الحائض سرعان ما تعرف ذلك ويعتبر ذلك غير طبيعي","vol":"1","page":633},{"text":"وتصلي، وهو مذهب الحنفية ووجه عند الشافعية وهو مذهب الحنابلة (^١).\nواستدلوا بما روت عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «لَا، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».\nوروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ،: أن أَمَّ حَبِيبَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الدَّمِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلآنَ دَمًا. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» (^٢).\nوجه الدلالة من هذين الحديثين أن المرأة المستحاضة تمكث قدر الأيام التي كانت تحيض فيها ثم تغتسل وتصلي، ولم تؤمر أن تميز دم الحيض من الاستحاضة.\nالقول الثاني: أن المرأة المستحاضة تعمل بالتمييز دون العادة.\nقال الرملي: (وَيُحْكَمُ لِلْمُعْتَادَةِ) الْمُمَيِّزَةِ (بِالتَّمْيِيزِ لَا الْعَادَةِ) الْمُخَالِفَةِ لَهُ (فِي الْأَصَحِّ) (^٣).\nواستدل لهذا القول بعموم قول النبي ﷺ: «إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي». قال الحافظ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ على أنَّ المرأةَ إِذَا مَيَّزَتْ دَمَ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ تَعْتَبِرُ دَمَ الْحَيْضِ وَتَعْمَلُ عَلَى إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ، فَإِذَا انْقَضَى قَدْرُهُ اغْتَسَلَتْ عَنْهُ ثُمَّ صَارَ حُكْمُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ حُكْمَ الْحَدَثِ (^٤).\nوقال ابن رجب: وأما قول النبي: «فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة» فقد اختلف العلماء في تأويله: فتأوله الأكثرون، منهم مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد على أن المراد به اعتبار تميز الدم، وأن هذه المستحاضة كانَ دمها متميزًا، بعضه أسود وبعضه غير ذلك، فردَّها إلى زمن دم الحيض وهو الأسود الثخين، فإذا أقبل ذلك الدم تركت الصلاة، فإذا أدبر وجاء\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ١٧٧) الحاوي (١/ ٤٠٤) كشاف القناع (١/ ٢٠٨).\n(^٢) مسلم (٣٣٤).\n(^٣) نهاية المحتاج (١/ ٣٤٥).\n(^٤) فتح الباري شرح حديث (٣٠٦).","vol":"1","page":634},{"text":"دم غيره فإنها تغتسل وتصلي (^١).\nفالحاصل: إنْ تميز دم الحيض من الاستحاضة فتعمل بالتمييز، وإذا لم يتميز فتعمل بالعادة.\n\n<span data-type='title' id=toc-561>المبحث الرابع: حكم المستحاضة المعتادة غير المميزة:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن المستحاضة المعتادة غير المميزة تجلس مقدار عادتها ثم تغتسل وتصلي (^٢).\nواستدلوا بعموم قول النبي لفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ لما قَالَتْ: «إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟: «لَا، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».\nوفي صحيح مسلم من حديث عائشة قال النبي ﷺ لأم سلمة: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».\nوذهب الإمام مالك إلى أن المستحاضة المعتادة غير المميزة تجلس زيادة على حيضها ثلاثة أيام لا تصلي ولا تصوم ولا يطؤها زوجها (^٣).\nواستدلوا بما روى البيهقي: أَنَّ ابْنَةَ مَرْثَدٍ الأَنْصَارِيَّةَ أَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَتْ: تَنَكَّرْتُ حَيْضَتِى. قَالَ: «كَيْفَ؟». قَالَتْ: تَأْخُذُنِي فَإِذَا تَطَهَّرْتُ مِنْهَا عَاوَدَتنِي. قَالَ: «إِذَا رَأَيْتِ ذَلِكَ فَامْكُثِى ثَلَاثًا» (^٤).\nواعترض عليه بأنه لا يصح.\nوقال ابن عبد البر: فَلِهَذَا رَأَى مَالِكٌ الِاسْتِظْهَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَسْتَبِينَ فِيهَا انْقِضَاءُ دَمِ الْحَيْضِ\n_________\n(^١) فتح الباري لابن رجب (٢/ ٥٦).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٤١) الوسيط (١/ ٤٣) الإنصاف (١/ ٣٦٥).\n(^٣) المدونة (١/ ٥٠) فتح الباري (٣/ ٤٩٠).\n(^٤) ضعيف جدًّا، أخرجه البيهقي (١/ ٣٣٠).","vol":"1","page":635},{"text":"مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْقَضَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ إِذْ حَدَّ فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي انْفِصَالِ اللَّبَنِ.\nوالراجح أن المستحاضة المعتادة غير المميزة تجلس مقدار عادتها ثم تغتسل وتصلي لعموم قول النبي ﷺ لأم سلمة: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».\n\n<span data-type='title' id=toc-562>المبحث الخامس: المتحيرة وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-564>المطلب الأول: المستحاضة المتحيرة بالعدد:</span>\nامرأة تقول: عادتي تأتي في أول يوم من الشهر، لكني لا أدري هل هي خمسة أو ستة. الراجح أنها تنظر كم يومًا تحيض أمها أو أختها، فإذا كانت أمها تحيض خمسة أيام، فإنها تمكث خمسة أيام ثم تغتسل وتصلي.\n\n<span data-type='title' id=toc-565>المطلب الثاني: المستحاضة المتحيرة بالوقت:</span>\nامرأة تقول: عدد أيام حيضتي ستة أيام ولكني لا أدري في أي وقت من الشهر.\nالراجح: أن دم الحيض له صفات معينة يميز بها عن الاستحاضة، فعليها أنها تجلس أيام حيضها من أول ما رأت دم الحيض لأنه دم جبلة ثم الباقي يكون دم الاستحاضة.\n\n<span data-type='title' id=toc-563>المبحث السادس: في وجوب غسل المستحاضة فرجها عند الوضوء:</span>\nاختلف أهل العلم في هل يجب غسل المستحاضة فرجها عند الوضوء أم لا:\nفذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب غسل الفرج، واختلفوا في هل يكفي غسله مرة واحدة أو تغسله لكل صلاة؟\nقال النووي: وَأَمَّا تَجْدِيدُ غَسْلِ الْفَرْجِ وَحَشْوِهِ وَشَدِّهِ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ فَيُنْظَرُ فِيهِ إِنْ زَالَتِ الْعِصَابَةُ عَنْ مَوْضِعهَا زَوَالًا لَهُ تَأْثِيرٌ أَوْ ظَهَرَ الدَّمُ عَلَى جَوَانِبِ الْعِصَابَةِ وَجَبَ التَّجْدِيدُ وَإِنْ لَمْ تَزُلِ الْعِصَابَةُ عَنْ مَوْضِعِهَا وَلَا ظَهَرَ الدَّمُ فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا وُجُوبُ التَّجْدِيدِ،","vol":"1","page":636},{"text":"كَمَا يَجِبُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ (^١).\nوفي كشاف القناع: (وَلَا يَلْزَمُهَا إذَنْ إعَادَةُ شَدِّهِ، وَ) لَا إعَادَةُ (غَسْلِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ إنْ لَمْ تُفْرِطْ) فِي الشَّدِّ لِلْحَرَجِ، فَإِنْ فَرَّطَتْ فِي الشَّدِّ وَخَرَجَ الدَّمُ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَعَادَتْهُ لِأَنَّهُ حَدَثٌ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (^٢).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلِّي».\nقال ابن رجب: اختلفوا: هل يجب عليها غسل الدم والتحفظ والتلجم عندَ كل صلاة؟ وفيه قولان، وربما يرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف المشهور: في أن الأمر المطلق: هل يقتضي التكرار، أم لا؟ وفيه اختلاف مشهورلكن الأصح هنا: أنه لا يقتضي التكرار لكل صلاة؛ فإن الأمر الاغتسال، وغسل الدم إنما هو معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها، فإذا قيل: إنه يقتضي التكرار لم يقتضه إلا عند إدبار كل حيضة فقط (^٣).\nوذهب الحنفية إلي أنه لا يجب غسل الفرج من دم الاستحاضة.\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» (^٤).\nوجه الدلالة ما قاله الكاسانى: وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَفَى الْحَرَجَ فِي تَرْكِهِ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَكَانَ فِي تَرْكِهِ حَرَجٌ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ فِي الْمَفْرُوضِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي الْمَنْدُوبِ إلَيْه (^٥).\nواعترض عليه بأن نفي الحرج لا يرجع إلى الاستنجاء وإنما يرجع إلى الايتار.\n_________\n(^١) شرح النووي لمسلم (٤/ ٢٥).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ٢١٤).\n(^٣) شرح ابن رجب للبخاري (٢/ ٦٨).\n(^٤) ضعيف: أخرجه أحمد (٢/ ٣٧١) وفي إسناده: حصين الحبرانى: مجهول.\n(^٥) بدائع الصنائع (١/ ١٨).","vol":"1","page":637},{"text":"والراجح أنه لا يجب غسل فرج المستحاضة عند كل وضوء، والأمر بالاغتسال وغسل الفرج معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها، ويستحب للمستحاضة غسل الفرج وحشوه وشده في كل فترة من الزمان من باب التنظيف على حَسَب اليسر والاستطاعة لعموم قوله: «فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ».\n\n<span data-type='title' id=toc-566>المبحث السابع: شد عصابة على فرجها عند الوضوء:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه يجب على المستحاضة أن تغسل فرجها قبل الوضوء أو التيمم وتحشوه بقطنة أو خرقة دفعًا للنجاسة، فإن اندفع به الدم وإلا شدت مع ذلك خرقة في وسطها، ولجمت فرجها قدر الإمكان لكيلا لا يسيل الدم وذلك لكل صلاة وبه قال الحنفية والشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا لذلك بما روى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ الله ﷺ، فَقَالَ: «لِتَنْظُرْ إِلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ، قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّي» (^٢).\nقوله: «ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ» قال ابن منظور وَهُوَ أَنْ تَشُدَّ فَرْجَهَا بِخِرْقَةٍ عَرِيضَةٍ أَوْ قُطْنَةٍ تَحْتَشِي بِهَا وتُوثِقَ طَرَفَيْهَا فِي شَيْءٍ تَشُدُّه عَلَى وَسَطِهَا فَتَمْنَعُ سَيَلَانَ الدَّمِ، وهوَ مأْخؤذٌ مِنْ ثَفَرِ الدَّابَّةِ الَّذِي يُجْعَلُ تَحْتَ ذَنَبِهَا (^٣).\nواستدلوا بحديث حمنة بنت جحش وفيه. فقلت: يا رسول الله إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَمَا تَرَى فِيهَا قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ. قَالَ: «أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٢٧)، وروضة الطالبين (١/ ١٣٧)، والمغني (١/ ٤٢١).\n(^٢) ضعيف: أخرجه مالك (الموطأ) (١/ ٦٢).\n(^٣) اللسان (٤/ ١٠٥).","vol":"1","page":638},{"text":"الدَّم» قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: «فَتَلَجَّمِي …» (^١) أي ألجمي خروج الدم بعصابة تمنع الدم، تشبيهًا بوضع اللجام في فم الدابة.\nوروى مسلم من حديث جابر الطويل في حجة الوداع: وَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله علاه وسلم: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي».\nوالراجح: ما ذهب إليه المالكية من أنه لا يجب الوضوء لكل صلاة وكذا لا يجب شد العصابة على الفرج لكل صلاة، لأن ذلك لم يصح عن النبي ﷺ أنه أمر بذلك لكل صلاة والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-567>المبحث الثامن: هل يعتبر الخروج الدائم للنجاسة كدم الاستحاضة حدثًا أم لا؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أن الخروج الدائم للنجاسة كدم الاستحاضة يعتبر حدثًا ويجب الوضوء لكل صلاة، وبه قال الحنفية والشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا لذلك بما روى البخاري، جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أحمد (٦/ ٤٣٩) وأبو داود (٢٨٧) وابن ماجه (٦٢٢) وغيرهم، وفي إسناده: عبد الله بن محمد بن عقيل، فيه ضعف، قلت: ضَعَّف الحديث أبو حاتم (العلل) (١/ ٥١) والدارقطني كما في شرح ابن رجب (٢/ ٦٤)، وقال ابن منده: لا يصح بوجه من الوجوه؛ لأنهم أجمعوا على ترك حديث ابن عقيل كما في التلخيص واختلف النقل عن أحمد في هذا الحديث ونقل الترمذي في (السنن) (١/ ٢٢٦)، قال: سألت أحمدَ عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن صحيح. قلت: وأكثر أهل العلم على ضعف هذا الحديث.\nقال الخطابي) معالم السنن) (١/ ١٨٣): وقد ترك بعض العلماء القول بهذا الخبر لأن ابن عقيل راويه ليس بذلك.\n(^٢) حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٤)، المجموع (١/ ٥٤٣)، المغني (١/ ٤٢١).","vol":"1","page":639},{"text":"صَلِّي» قال أبي: ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ (^١).\nقال رسول الله ﷺ: «الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ انْقِضَائِهَا، اغْتَسَلَتْ، وَصَلَّتْ، وَصَامَتْ، وَتَوَضَّأَتْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (^٢).\nوعن جابر عن رسول الله أنه أمر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة (^٣).\nوعَنْ سَوْدَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا الَّتِي كَانَتْ تَجْلِسُ فِيهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ غُسْلًا وَاحِدًا، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» (^٤).\nالقول الآخر: ذهب المالكية إلى أنه لا يعتبر دم الاستحاضة حدثًا ناقضًا للوضوء (^٥).\nقال ابن المنذر: وَالنَّظَرُ دَالٌّ عَلَى مَا قَالَ رَبِيعَةُ إِلَّا أَنَّهُ قَوْلٌ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَهُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا قُلْتُ: النَّظَرُ يَدُلُّ علاهِ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الدَّمِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْمُسْتَحَاضَةِ قَبْلَ الْوُضُوءِ وَالَّذِي يَخْرُجُ فِي أَضْعَافِ الْوُضُوءِ، وَالدَّمُ الْخَارِجُ بَعْدَ الْوُضُوءِ لِأَنَّ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ إِنْ كَانَ يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَقَلِيلُ ذَلِكَ وَكَثِيرُهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ يُوجِبُ الْوُضُوءَ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا وَابْتَدَأَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ فِي الْوُضُوءِ فَخَرَجَ مِنْهَا دَمٌ بَعْدَ غَسْلِهَا بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَجَبَ أَنْ يُنْتَقَضَ مَا\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٨) أما لفظة: «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ» فمن قول عروة، فقد روى الحديث الثقات الأثبات الحفاظ مثل «أبي معاوية ومالك ويحيى القطان وسفيان بن عيينة وأبي أسامة والليث» وغيرهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به بدون الزيادة، أما مَنْ ذكر هذه الزيادة في متن الحديث فقد أخطأ لمخالفة الثقات، فالصحيح أن لفظة: «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ» مدرجة من قول عروة أو شاذة.\n(^٢) ضعيف جدًّا: أخرجه الدارمي (٧٩٣) وأبو داود (٢٩٧) والترمذي (١٢٦) وابن ماجه (٦٢٥) وغيرهم، وفي إسناده: أبو اليقظان: اسمه عثمان بن عمير منكر الحديث، وفي إسناده والد عدي بن ثابت: مجهول، وكذا في السند شريك النخعي سيئ الحفظ.\n(^٣) ضعيف: أخرجه الطبراني (الأوسط) (١٦٢٠) وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهوضعيف.\n(^٤) ضعيف: اخرجه الطبراني (الأوسط) (١٩٨٤) قال الهيثمي (المجمع) (١/ ٢٨١): وفيه جعفر بن سودة لم أعرفه.\n(^٥) مواهب الجليل (١/ ٢٩١).","vol":"1","page":640},{"text":"غَسَلَتْ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الدَّمَ الَّذِي يُوجِبُ الطَّهَارَةَ فِي قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ الطَّهَارَةَ قَائِمٌ (^١).\nوقول المالكية هو الراجح، أي إنه لا يُشترط الوضوء بل يستحب والأحاديث التي وردت بالوضوء لكل صلاة لا تخلو من مقال. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) الأوسط (١/ ١٦٤).","vol":"1","page":641},{"text":"خلاصة الحيض\n١ - تعريف الحيض: هو الدم الخارج من فرج المرأة على سبيل الصحة، من غير سبب الولادة، في أوقات معلومة.\n٢ - بداية الحيض كانت عند حواء لعموم قول النبي لعائشة لما حاضت: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ»، وكثر الحيض في بني إسرائيل، عن عائشة قالت: «كان نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلًا من خشب، يستشرفن للرجال في المساجد، فحرم الله علاهن المساجد، وسُلطت علاهن الحيضة».\n٣ - الحيض دليل على بلوغ المرأة بالإجماع.\n٤ - لا حد لأقل السن ولا لأكثر السن الذي تحيض فيه المرأة؛ لعمومقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، علق الله ﷾ الحكم بوجود الدم الذي هو أذى، فإذا وُجد الأذى وُجد الحيض.\n٥ - حيض الحامل: بعض النساء تحيض وهي حامل فتمتنع عن الصلاة فإذا ذهبت الحيضة اغتسلت وصلت وكذا المرضعة.\n٦ - لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره.\nقال ابن تيمية: علَّق الله باسم الحيض أحكامًا متعددة في الكتاب وفي السنة ولم يقدر لأقله ولا لأكثره، ولا الطهر بين الحيضتين، مع عموم بلوى الأمة في ذلك واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمَن قَدَّر في ذلك حدًّا فقد خالف الكتاب والسنة.\n٧: امرأة تحيض كل شهر ستة أيام، في شهر استمر معها تسعة أيام ماذا تصنع؟\nإذا كانت هذه الأيام الزائدة التي ينزل فيها الدم بنفس صفة دم الحيض، فالعبرة بانقطاع دم الحيض، دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ولعموم قول النبي ﷺ: «فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَاتْرُكِي","vol":"1","page":642},{"text":"الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي».\n٨: امرأة حاضت ثلاثة أيام ثم طهرت خمسة أيام ثم حاضت، ماذا تصنع؟\nإذا انقطع الدم بعد ثلاثة أيام ورأت القَصة البيضاء أو الجفوف فإنها تغتسل وتصلي، ثم إذا رأت دم الحيض مرة ثانية فإنها تدع الصلاة لأن العبرة بوجود الحيض.\n٩: إذا تقدمت عادة المرأة أو تأخرت.\n: العبرة بوجود دم الحيض سواء تقدمت أو تأخرت.\n١٠: حكم تعاطي المرأة دواء يقطع حيضها أو يعجل بنزوله.\nيختلف الحكم باختلاف حالات النساء:\nالحالة الأولى: إذا كان تعاطي المرأة دواء يقطع حيضها من أجل ضرر صحي يقرره طبيب ثقة أمين فيجوز لها ذلك.\nالحالة الثانية: إذا كان تعاطي المرأة دواء من أجل تنظيم الحمل للقيام بحق الحضانة والرعاية لطفلها وكان ذلك برضا الزوج، وكان الدواء المتعاطى لا ضرر فيه على صحة الأم فلا بأس، وفي البخاري: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالقُرْآنُ يَنْزِلُ».\nالحالة الثالثة: إذا كان الحامل على منع الحيض هو منع الولد خشية الفقر، فهذا لا يجوز لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١].\nالحالة الرابعة: منع الحيض لقطع النسل مطلقًا، فهذا محرم.\nالحالة الخامسة: استعمال دواء لمنع الحيض في رمضان أو في الحج لإتمام النسك، يجوز أن تستعمل المرأة أدوية في رمضان لمنع الحيض أو في الحج، إذا قرر أهل الخيرة الأمناء ومَن في حكمهم أن ذلك لا يضرها ولا يؤثر في جهاز حملها، وخير لها أن تكف عن ذلك وقد جعل الله لها رخصة في قضاء الأيام التي أفطرتها ورضي لها بذلك دينًا.\n١١: هل الصفرة والكدرة حيض أم طهر؟\nروى أبو داود بسند صحيح عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ","vol":"1","page":643},{"text":"شَيْئًا». فالصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، حتى ترى الجفوف أو القَصة البيضاء، وأن الصفرة والكدرة بعد الطهر ليست بحيض، والله أعلم.\nالفصل الثانى: صفة الغسل من المحيض.\nالنساء تنقسم إلى قسمين: قسم ترى السائل الأبيض عند الطهر فتنظر حتى تراه، وقسم لا ترى القصة البيضاء فطهرها بالجفوف.\nحكم التسمية: لا تستحب قبل الغسل من المحيض وحديث: «كُلُّ كَلَامٍ، أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللهِ، فَهُوَ أَبْتَرُ، أَوْ قَالَ: أَقْطَعُ» لا يصح عن رسول الله.\nغسل اليد ثلاثًا، ثم الاستنجاء، ثم غسل اليد بالصابون ثم الوضوء ثم إفاضة الماء على الرأس ثلاثًا ثم غسل الرجل.\nفرائض الغسل من المحيض: النية مع تعميم الجسد بالماء؛ لعموم قول النبي ﷺ للرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء بعد أن جاء الماء أعطاه إناء من ماء: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ علاكَ»، وعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ علاكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ».\nالفصل الثالث: ما يحرم على الحائض:\n١ - يحرم على الحائض الصلاة لعموم قول النبي ﷺ: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟».\nإذا حاضت المرأة بعد دخول الوقت هل يجب علاها القضاء؟\nيجب علاها قضاء تلك الصلاة إذا طهرت، فهذا أحوط للدين وأبرأ للذمة.\n٢ - يحرم على الحائض الصيام بالإجماع.\nوفي الصحيحين من حديث أبي سعيد: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟».\nأ وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة وذلك لأمرين:\nالأول: لما سئلت عائشة ﵄: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟!","vol":"1","page":644},{"text":"فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ.\nالثاني: أن المشقة لاحقة في إعادته؛ فلهذا ألزمها قضاء الصيام دون الصلاة.\nب وإذا طهرت الحائض أثناء النهار فلا يجب علاها إمساك بقية يومها؛ لأن أقل الصوم يوم فإن جاز لها الأكل أول النهار جاز آخره، وكيف تُكلف بإمساك يوم أفطرت في أوله وسوف تقضيه؟!\nج وإذا طهرت المرأة من حيضها قبل الفجر واغتسلت بعد الفجر صح صومها بالإجماع، وفي الصحيحين عن أم سلمة: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، لَا مِنْ حُلُمٍ، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ وَلَا يَقْضِي».\nوإذا أفطرت المرأة بالجماع ثم نزل الحيض في ذلك اليوم فلا تسقط الكفارة؛ لأن الكفارة استقرت في ذمتها قبل نزول دم الحيض.\n٣ - يحرم على الحائض الطواف بالإجماع. ولعموم قول النبي لعائشة: «فَافْعلي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي».\nويباح للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة بالإجماع.\n٤ - تحريم وطء الحائض في فرجها بالإجماع؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].\n٥ - تحريم طلاق الحائض بالإجماع. دل على ذلك حديث عَنْ ابْنِ عُمَرَ، ﴿: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ».","vol":"1","page":645},{"text":"الفصل الرابع: الاستحاضة:\n١ - الاستحاضة: أن يستمر بالمرأة خروج الدم بعد أيام حيضها المعتاد.\n٢ - الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة:\n <table dir=rtl> <tr> <th>الفروق </th> <th>الحيض </th> <th>الاستحاضة </th> </tr> <tr> <td>الفرق الأول </td> <td>يميل إلى السواد </td> <td>. أحمر يميل إلى الصفرة. الدليل: في البخاري عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وسَلمَ امْرَأَةٌ مُسْتَحَاضَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الحُمْرَةَ، وَالصُّفْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي </td> </tr> <tr> <td>الفرق الثاني </td> <td>ثخين </td> <td>خفيف </td> </tr> <tr> <td>الفرق الثالث </td> <td>منتن الرائحة </td> <td>لا رائحة له </td> </tr> <tr> <td>الفرق الرابع </td> <td>لا يتجمد </td> <td>يتجمد </td> </tr> </table>\n٣ - المستحاضة: إذا كانت تميز دم الحيض عن دم الاستحاضة عملت بالتمييز؛ لعموم قوله ﷺ: «إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي». وإذا لم يتميز فتعمل بالعادة؛ لعموم قول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش لما قالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: «لَا إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».\n* * *","vol":"1","page":646}]}