{"ً":{"ٌ":147315,"ٍ":"الآيات القرآنية الواردة في الرد على البدع المتقابلة دراسة عقدية","َ":4,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: الآيات القرآنية الواردة في الرد على البدع المتقابلة دِرَاسَةٌ عَقَدِيَةٌ\nإعداد: أحمد علي الزاملي\nرسالة:  دكتوراه - الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - كلية الدعوة وأصول الدين قسم العقيدة، الدراسات العليا، المملكة العربية السعودية\nإشراف: الدكتور/ محمد باكريم محمد عبد الله\nالعام الدراسي: ١٤٣٧ - ١٤٣٨ هـ\nعدد الصفحات: ٦٣٢","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2671,"ٕ":1,"ٖ":1770156036,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"أهداف البحث","level":2,"page":5},{"title":"أسباب اختيار الموضوع وأهميته","level":2,"page":5},{"title":"مصادر البحث","level":2,"page":7},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":7},{"title":"منهج البحث","level":2,"page":8},{"title":"صعوبات البحث","level":2,"page":10},{"title":"تبويب البحث","level":2,"page":11},{"title":"التمهيد","level":1,"page":18},{"title":"المبحث الأول التعريفات بمفردات البحث.","level":2,"page":19},{"title":"المطلب الأول: تعريف \"الآيات\".","level":3,"page":19},{"title":"تعريف الآيات في اللغة","level":4,"page":19},{"title":"تعريف الآيات القرآنية اصطلاحا","level":4,"page":20},{"title":"المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي","level":4,"page":21},{"title":"المطلب الثاني: تعريف البدع","level":3,"page":22},{"title":"لغة","level":4,"page":22},{"title":"تعريف البدعة في الشرع","level":4,"page":23},{"title":"ومن أهم هذه التعريفات","level":5,"page":23},{"title":"وبتأمل هذه التعريفات تظهر المعالم الرئيسة لحد البدعة الشرعية، والتي يمكن إبرازها في النقاط التالية","level":5,"page":24},{"title":"المطلب الثالث: تعريف \"التقابل\" في اللغة والاصطلاح.","level":3,"page":27},{"title":"التقابل لغة","level":4,"page":27},{"title":"وأما المعنى الاصطلاحي للتقابل","level":4,"page":28},{"title":"والمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي","level":4,"page":28},{"title":"المطلب الرابع: تعريف \"البدع المتقابلة\".","level":3,"page":29},{"title":"أما لفظة \"البدع المتقابلة\"","level":4,"page":30},{"title":"المبحث الثاني نشأة البدع المتقابلة، ومناهج العلماء في الرد عليها.","level":2,"page":33},{"title":"المطلب الأول: تاريخ نشأة البدع المتقابلة، وأسباب ظهورها.","level":3,"page":33},{"title":"أولا: تاريخ نشأة البدع المتقابلة","level":4,"page":33},{"title":"ثانيا: أسباب ظهور البدع المتقابلة","level":4,"page":39},{"title":"١ - إحسان الظن بالعقل البشري","level":5,"page":39},{"title":"٢ - معارضة الكتاب والسنة","level":5,"page":40},{"title":"٣ - اتباع الهوى","level":5,"page":41},{"title":"٤ - الجهل","level":5,"page":42},{"title":"الجهل بالدين","level":6,"page":42},{"title":"الجهل بالسنة","level":6,"page":43},{"title":"٥ - الغلو والإفراط","level":5,"page":44},{"title":"الغلو في بعض الأشخاص","level":6,"page":44},{"title":"الغلو في التمسك بأقوالهم","level":6,"page":45},{"title":"٦ - مؤثرات أجنبية","level":5,"page":46},{"title":"٧ - رد البدعة ببدعة أخرى","level":5,"page":48},{"title":"٩ - الجدل","level":5,"page":50},{"title":"المطلب الثاني: عناية العلماء بالرد على أهل البدع ومناهجهم في ذلك.","level":3,"page":53},{"title":"أولا: جمع السنن والآثار مع تمييز صحيحها من ضعيفها","level":4,"page":53},{"title":"ثانيا: التصنيف في التحذير من البدع التي تتوسع مع تقادم الزمن واندثار السنن","level":4,"page":54},{"title":"ثالثا: الدعوة لاتباع نور السنة والقيام بها ضد ضلالات المبتدعة وجهالاتهم","level":4,"page":56},{"title":"رابعا: مجادلة أهل الباطل، ومعارضة كل ما خالف دلالات النصوص الشرعية","level":4,"page":57},{"title":"خامسا: التحذير من دعاة البدعة والتنفير منهم","level":4,"page":59},{"title":"المبحث الثالث آثار البدع.","level":2,"page":62},{"title":"المطلب الأول: الفتنة في الدين وفساد التصورات العقلية.","level":3,"page":62},{"title":"١ - إماتة السنة","level":4,"page":62},{"title":"٢ - مفارقة الجماعة","level":4,"page":63},{"title":"٣ - التفسيق والتكفير من غير برهان ولا دليل لمن خالف أصول دينهم المبتدع","level":4,"page":65},{"title":"٤ - الاستمرار في البدع وعدم الرجوع عنها","level":4,"page":67},{"title":"٥ - الاشتغال بما لا ينفع إلى ما فيه نفع الأعداء والعودة عليهم بالضرر","level":4,"page":69},{"title":"٦ - إضلال الناس وتلبيس الحق بالباطل","level":4,"page":70},{"title":"٧ - اتباع المتشابه","level":4,"page":72},{"title":"٨ - تبديل الشريعة","level":4,"page":73},{"title":"٩ - التناقض","level":4,"page":73},{"title":"١٠ - التفريط أو الإفراط في شرائع الدين","level":4,"page":74},{"title":"المطلب الثاني: الإفساد في الأرض.","level":3,"page":77},{"title":"١ - امتحان الناس، وإلحاق الأذى بهم","level":4,"page":77},{"title":"٢ - السجن والتعذيب وإراقة الدماء","level":4,"page":78},{"title":"٣ - تسلط الأعداء عليهم في القديم والحديث","level":4,"page":79},{"title":"٤ - الانتقال من شر إلى ما هو أشر منه","level":4,"page":80},{"title":"المبحث الرابع مكانة القرآن الكريم، والاحتجاج به عند أهل السنة ومخالفيهم.","level":2,"page":82},{"title":"القرآن الكريم عند أهل السنة والجماعة","level":3,"page":82},{"title":"القرآن الكريم عند المخالفين","level":3,"page":83},{"title":"أبرز انحرافات أهل البدع في القرآن الكريم بشكل عام","level":3,"page":85},{"title":"الباب الأول: دلالة الآيات -الرادة على البدع المتقابلة- على معنى الوسطية.","level":1,"page":87},{"title":"الفصل الأول: الآيات الدالة على الوسطية، ومعالمها.","level":2,"page":88},{"title":"التمهيد: تعريف الوسطية","level":3,"page":89},{"title":"حقيقة الوسطية في اللغة","level":4,"page":89},{"title":"حقيقة الوسطية في الشرع","level":4,"page":90},{"title":"معيار تحديد الوسطية","level":4,"page":91},{"title":"المبحث الأول دراسة تحليلية للآيات الدالة على الوسطية.","level":3,"page":94},{"title":"المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الدالة على الوسطية، (الرادة على البدع المتقابلة)","level":4,"page":94},{"title":"الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (١١)﴾ الشورى: ١١.","level":5,"page":95},{"title":"الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (٧)﴾ الفاتحة: ٧.","level":5,"page":98},{"title":"الآية الثالثة: قال تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (١٥٣)﴾ الأنعام: ١٥٣.","level":5,"page":99},{"title":"المطلب الثاني: المعاني المستنبطة من الآيات الدالة على الوسطية.","level":4,"page":101},{"title":"أولا: بيان صحة معتقد أهل الحق ووصفه وإيضاحه والأمر باتباعه","level":5,"page":101},{"title":"ثانيا: بيان فساد معتقد أهل الباطل ووصفه والتحذير منه","level":5,"page":103},{"title":"ثالثا: بيان أن المعرض عن الصراط المستقيم مع علمه بالحق؛ واقع في النفاق","level":5,"page":104},{"title":"رابعا: بيان أن المعرض عن الصراط المستقيم لا يوفق للهداية","level":5,"page":104},{"title":"خامسا: الحض على الوقوف عند حدود الله","level":5,"page":106},{"title":"سادسا: تحقيق العبودية لله تعالى","level":5,"page":107},{"title":"سابعا: الأمر بالدعوة إلى الصراط المستقيم","level":5,"page":108},{"title":"ثامنا: الأمر بمدافعة الباطل وأهله","level":5,"page":109},{"title":"تاسعا: أن أصحاب الصراط المستقيم أصحاب منهج واضح، بينما أهل البدع المتقابلة أصحاب مناهج مضطربة","level":5,"page":110},{"title":"عاشرا: أن العدول عن الصراط المستقيم الذي أمر الله باتباعه، سبب الضلال والفرقة","level":5,"page":111},{"title":"الحادي عشر: شهادة أهل الوسطية للأنبياء والرسل على أممها بالبلاغ","level":5,"page":113},{"title":"الثاني عشر: أن طلب الاستقامة من الله وأنه هو الموفق لها","level":5,"page":114},{"title":"المبحث الثاني معالم الوسطية ومظاهرها.","level":3,"page":115},{"title":"المطلب الأول: معالم الوسطية","level":4,"page":115},{"title":"المعلم الأول: توحيد مصادر المعرفة","level":5,"page":115},{"title":"المعلم الثاني: الجمع بين صحة النقل وصراحة العقل","level":5,"page":117},{"title":"الأول: التسليم لنصوص الكتاب والسنة الصحيحة، من غير قيد أو شرط","level":6,"page":118},{"title":"الثاني: تضمن الأدلة النقلية للأدلة العقلية","level":6,"page":118},{"title":"الثالث: امتناع التعارض بين العقل والنقل","level":6,"page":119},{"title":"المعلم الثالث: التلازم بين الظاهر والباطن","level":5,"page":119},{"title":"المعلم الرابع: التوازن في الجمع بين عمارة الحياة والسمو الروحي","level":5,"page":120},{"title":"المعلم الخامس: الشمول","level":5,"page":121},{"title":"المعلم السادس: وضوح الأصول الاعتقادية","level":5,"page":122},{"title":"فمن هذه الخصائص الدالة على وضوح الأصول الاعتقادية","level":6,"page":123},{"title":"المعلم السابع: الموقف المعتدل من القضايا الكبرى","level":5,"page":125},{"title":"الأصل الأول: ما يتعلق بتوحيد الله - ﷿ - وأسمائه وصفاته","level":6,"page":126},{"title":"الأصل الثاني: ما يتعلق بأفعال الله - ﷿ -","level":6,"page":126},{"title":"الأصل الثالث: ما يتعلق بشأن العبادات","level":6,"page":126},{"title":"الأصل الرابع: ما يتعلق بنصوص الوعد والوعيد","level":6,"page":127},{"title":"الأصل الخامس: ما يتعلق بأسماء الإيمان، وأحكامها في الدين","level":6,"page":127},{"title":"الأصل السادس: ما يتعلق بشأن الصحابة رضوان الله عليهم","level":6,"page":128},{"title":"الأصل السابع: ما جاء في النصوص الشرعية","level":6,"page":129},{"title":"الأصل الثامن: ما يتعلق بأنبياء الله ورسله، وتعظيم نبينا محمد - ﷺ -","level":6,"page":129},{"title":"الأصل التاسع: ما يتعلق بطاعة ولي الأمر","level":6,"page":130},{"title":"الأصل العاشر: ما يتعلق بمسائل متفرقة","level":6,"page":130},{"title":"المعلم الثامن: الثبات والاستمرار","level":5,"page":132},{"title":"المعلم التاسع: ظهور الثمرات والفوائد","level":5,"page":133},{"title":"المطلب الثاني: مظاهر الوسطية","level":4,"page":136},{"title":"مظاهر الوسطية في الجانب الفردي (المسئولية الفردية)","level":5,"page":136},{"title":"مظاهر الوسطية في الجانب الاجتماعي والإنساني","level":5,"page":138},{"title":"مظاهر الوسطية في الجانب التشريعي","level":5,"page":139},{"title":"الفصل الثاني: الآيات الدالة على التحذير من الغلو والجفاء.","level":2,"page":142},{"title":"تمهيد في تعريف الغلو والجفاء","level":3,"page":143},{"title":"حقيقة الغلو","level":4,"page":143},{"title":"معنى الغلو لغة","level":5,"page":143},{"title":"معنى الغلو في الشرع","level":5,"page":144},{"title":"ضابط الغلو","level":5,"page":145},{"title":"العلاقة بين الغلو والبدع","level":5,"page":146},{"title":"الإفراط","level":5,"page":148},{"title":"لغة","level":6,"page":148},{"title":"شرعا","level":6,"page":148},{"title":"حقيقة الجفاء","level":4,"page":150},{"title":"معنى الجفاء لغة","level":5,"page":150},{"title":"معنى الجفاء شرعا","level":5,"page":150},{"title":"التفريط","level":5,"page":151},{"title":"لغة","level":6,"page":151},{"title":"شرعا","level":6,"page":152},{"title":"الفرق بين التفريط والجفاء","level":4,"page":152},{"title":"المبحث الأول دراسة تحليلية للآيات الواردة في التحذير من الغلو والجفاء.","level":3,"page":153},{"title":"المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الدالة على التحذير من الغلو والجفاء.","level":4,"page":153},{"title":"الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (١١٢)﴾ هود: ١١٢.","level":5,"page":154},{"title":"الآية الثانية: قال تعالى: ﴿ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ النساء: ١٧١، المائدة: ٧٧.","level":5,"page":155},{"title":"الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم (٦) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (٧)﴾ الفاتحة: ٦ - ٧.","level":5,"page":157},{"title":"المطلب الثاني: العلاقة بين الغلو والجفاء قديما وحديثا.","level":4,"page":159},{"title":"المبحث الثاني معالم الغلو والجفاء وحدودهما.","level":3,"page":162},{"title":"المطلب الأول: معالم الغلو والجفاء","level":4,"page":162},{"title":"المعلم الأول: الخلل في منهج التلقي والاستدلال","level":5,"page":163},{"title":"المعلم الثاني: موقفهم من العقل","level":5,"page":165},{"title":"المعلم الثالث: بغضهم لأهل السنة والجماعة","level":5,"page":166},{"title":"المعلم الرابع: الجدل والخصومات والمراء في الدين","level":5,"page":167},{"title":"المعلم الخامس: عدم الشمول","level":5,"page":169},{"title":"المعلم السادس: عدم وضوح الأصول الاعتقادية","level":5,"page":170},{"title":"المعلم السابع: التقليد الأعمى، والتعصب له","level":5,"page":172},{"title":"المعلم الثامن: اضطرابهم في مفهوم الولاء والبراء","level":5,"page":176},{"title":"المطلب الثاني: مظاهر الغلو والجفاء","level":4,"page":179},{"title":"مظاهر الغلو والجفاء في الجانب الفردي","level":5,"page":179},{"title":"مظاهر الغلو والجفاء في الجانب الاجتماعي والإنساني","level":5,"page":182},{"title":"المبحث الثالث الاتجاهات المغالية.","level":3,"page":184},{"title":"الاتجاه الأول","level":4,"page":184},{"title":"الاتجاه الثاني","level":4,"page":186},{"title":"الاتجاه الثالث","level":4,"page":189},{"title":"الباب الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في باب الإيمان بالله ومسائل الإيمان.","level":1,"page":191},{"title":"الفصل الأول: الآيات الواردة في توحيد الربوبية.","level":2,"page":192},{"title":"تمهيد في تعريف توحيد الربوبية وذكر لوازمه.","level":3,"page":193},{"title":"أولا: تعريف توحيد الربوبية","level":4,"page":193},{"title":"الربوبية في اللغة","level":5,"page":193},{"title":"ثانيا: لوازم توحيد الربوبية","level":4,"page":194},{"title":"المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في توحيد الربوبية.","level":3,"page":196},{"title":"تمهيد","level":4,"page":196},{"title":"المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في توحيد الربوبية.","level":4,"page":199},{"title":"الانحراف المؤدي إلى التفريط في توحيد الربوبية ينقسم إلى نوعين","level":5,"page":199},{"title":"الأول: التعطيل الكلي (الإلحاد)","level":6,"page":199},{"title":"المنكرون لوجود الخالق ﵎، هم على نوعين","level":7,"page":200},{"title":"النوع الأول: من أنكر أن يكون لهذا الكون إله، وهم على طريقتين","level":8,"page":200},{"title":"أصحاب الطريقة الأولى: الملاحدة","level":9,"page":200},{"title":"أصحاب الطريقة الثانية: أصحاب وحدة الوجود","level":9,"page":200},{"title":"النوع الثاني: من أنكر وجود الله مع إثبات إله غيره، وهم على طريقتين أيضا","level":8,"page":201},{"title":"أصحاب الطريقة الأولى: عباد العالم العلوي","level":9,"page":201},{"title":"أصحاب الطريقة الثانية: عباد العالم السفلي","level":10,"page":201},{"title":"القول بالاتحاد العام (وحدة الوجود)","level":7,"page":203},{"title":"وخلاصة أقوال هؤلاء المعطلة، تدور على أحد أصلين","level":8,"page":204},{"title":"١ - الأصل الأول","level":9,"page":204},{"title":"٢ - الأصل الثاني","level":9,"page":204},{"title":"القول المستلزم لنفي الله وهو القول: بقدم العالم","level":7,"page":204},{"title":"الثاني: التعطيل الجزئي","level":6,"page":207},{"title":"تعطيل الله - ﷿ - عن أسمائه وصفاته أو عن بعضها","level":7,"page":207},{"title":"تعطيل الله عن كماله المقدس","level":7,"page":208},{"title":"تعطيل الله عن إفراده بالألوهية","level":7,"page":210},{"title":"المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في توحيد الربوبية.","level":4,"page":211},{"title":"الأصل الأول: بالنظر إلى ذات الرب - ﷾ -","level":5,"page":211},{"title":"الأصل الثاني: بالنظر إلى المخلوقين","level":5,"page":211},{"title":"ثلاثة أجناس لا يزال أهل البدع يجددون في صورها وهي","level":5,"page":212},{"title":"أولا: (مشاركة الرب في بعض خصائص ربوبيته)","level":6,"page":212},{"title":"ثانيا: (إثبات الوجود الذهني لله - ﷿ -)","level":6,"page":214},{"title":"ثالثا: (اعتقاد إلهين متماثلين أو أكثر)","level":6,"page":215},{"title":"المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الربوبية.","level":3,"page":217},{"title":"تمهيد","level":4,"page":217},{"title":"الطريقة الأولى: إثارة فطرية المعرفة في نفوس المكذبين","level":5,"page":217},{"title":"الطريقة الثانية: التعريف بالله تعالى عن طريق إرسال الرسل","level":5,"page":218},{"title":"الطريقة الثالثة: لفت الانتباه لمخلوقات الله تعالى","level":5,"page":218},{"title":"الطريقة الرابعة: ذكر صفات الخالق سبحانه","level":5,"page":218},{"title":"الطريقة الخامسة: التذكير بنعم الله تعالى على خلقه","level":5,"page":218},{"title":"الطريقة السادسة: الاستدلال بالمعجزات على وجود الخالق -جل ذكره-","level":5,"page":218},{"title":"المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بتوحيد الربوبية.","level":4,"page":220},{"title":"الآية الأولى: قال تعالى: ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا (٦٥)﴾ مريم: ٦٥،","level":5,"page":220},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":220},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":221},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":221},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":222},{"title":"الآية الثانية: قال تعالى: ﴿قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى﴾ إبراهيم: ١٠","level":5,"page":223},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":223},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":224},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":225},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":226},{"title":"الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء﴾ الممتحنة: ٤","level":5,"page":226},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":226},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":227},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":228},{"title":"الاتجاه الأول: إنكار الدعاء","level":7,"page":228},{"title":"الاتجاه الثاني: الشرك في الدعاء","level":7,"page":228},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":228},{"title":"المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الربوبية.","level":4,"page":230},{"title":"الفصل الثاني: الآيات الواردة في توحيد الألوهية.","level":2,"page":233},{"title":"تمهيد في تعريف توحيد الألوهية","level":3,"page":234},{"title":"أولا: تعريف توحيد الألوهية","level":4,"page":234},{"title":"الألوهية لغة","level":5,"page":234},{"title":"معنى الألوهية في الشرع","level":5,"page":235},{"title":"توحيد الألوهية فهو","level":5,"page":235},{"title":"ثانيا: بيان أهمية توحيد الألوهية","level":4,"page":236},{"title":"المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في توحيد الألوهية.","level":3,"page":241},{"title":"تمهيد","level":4,"page":241},{"title":"المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في توحيد الألوهية.","level":4,"page":242},{"title":"أولا: الشرك في العبادة","level":5,"page":242},{"title":"الشرك في العبادة له جانبان","level":6,"page":243},{"title":"الأول: الشرك بالأقوال القلبية","level":7,"page":243},{"title":"الثاني: الشرك بالأعمال القلبية","level":7,"page":244},{"title":"ثانيا: اتباع الهوى","level":5,"page":245},{"title":"ثالثا: طرق الاستدلال المنحرفة (اتباع الظن)","level":5,"page":246},{"title":"رابعا: تعطيل صفات الله - ﷿ -","level":5,"page":247},{"title":"المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في توحيد الألوهية.","level":4,"page":249},{"title":"الطريق الأول: البدع","level":5,"page":249},{"title":"الطريق الثاني: تعظيم غير الله فيما لم يأذن به الله (شرك الطاعة)","level":5,"page":250},{"title":"المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الألوهية.","level":3,"page":252},{"title":"المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بتوحيد الألوهية.","level":4,"page":252},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦","level":5,"page":252},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":252},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":253},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":254},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":254},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم","level":5,"page":256},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":256},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":257},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":257},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":258},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (٧٧)﴾ الق","level":5,"page":261},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":261},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":262},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":262},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":264},{"title":"المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الألوهية.","level":4,"page":265},{"title":"الفصل الثالث: الآيات الواردة في توحيد الأسماء والصفات.","level":2,"page":268},{"title":"تمهيد في تعريف توحيد الأسماء والصفات","level":3,"page":269},{"title":"أولا: تعريف توحيد الأسماء والصفات، والفرق بينهما","level":4,"page":270},{"title":"أ- التعريف","level":5,"page":270},{"title":"الأسماء","level":6,"page":270},{"title":"الصفات","level":6,"page":271},{"title":"وعليه فتوحيد الأسماء والصفات هو","level":6,"page":271},{"title":"ب- الفرق بين الأسماء والصفات","level":5,"page":272},{"title":"أولا: أن الأسماء يشتق منها صفات","level":6,"page":272},{"title":"ثانيا: أن الاسم لا يشتق من أفعال الله","level":6,"page":272},{"title":"ثالثا: \"أن أسماء الله - ﷿ - وصفاته تشترك في الاستعاذة بها والحلف بها\"","level":6,"page":272},{"title":"ثانيا: بيان أهمية توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":273},{"title":"المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في توحيد الأسماء والصفات.","level":3,"page":276},{"title":"تمهيد","level":4,"page":276},{"title":"الأولى: أهل الجفاء","level":5,"page":276},{"title":"الثانية: أهل الغلو","level":5,"page":276},{"title":"الثالثة: أهل السنة والجماعة","level":5,"page":277},{"title":"وأسباب انحراف الفرق في توحيد الأسماء والصفات، ترجع إلى سببين رئيسين","level":5,"page":278},{"title":"المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في توحيد الأسماء والصفات.","level":4,"page":279},{"title":"القسم الأول: نفي جميع الأسماء والصفات","level":5,"page":279},{"title":"القسم الثاني: نفي الصفات دون الأسماء","level":5,"page":279},{"title":"القسم الثالث: إثبات الأسماء وبعض الصفات ونفي البعض الآخر","level":5,"page":279},{"title":"طرق الانحراف المؤدية إلى التفريط في توحيد الأسماء والصفات","level":5,"page":279},{"title":"أولا: إرادة تنزيه الله - ﷿ - عن مماثلة الخلق","level":6,"page":279},{"title":"ثانيا: التزامهم لوازم باطلة بنيت على قواعد خاطئة","level":6,"page":282},{"title":"ثالثا: القياس الفاسد في العقليات، والتأويل الفاسد في السمعيات","level":6,"page":286},{"title":"المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في توحيد الأسماء والصفات.","level":4,"page":289},{"title":"أولا: إرادة تنزيه الله عن النقص","level":5,"page":289},{"title":"ثانيا: القياس الفاسد في العقليات، والتأويل الفاسد في السمعيات","level":5,"page":290},{"title":"المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الأسماء والصفات.","level":3,"page":294},{"title":"المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بتوحيد الأسماء والصفات.","level":4,"page":294},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (١١)﴾ الشورى: ١١","level":5,"page":295},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":295},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":296},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":297},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":297},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في","level":5,"page":299},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":299},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":300},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":300},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":301},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿إذ قال لأبيه ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (٤٢)﴾ مريم: ٤٢","level":5,"page":302},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":302},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":302},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":303},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":304},{"title":"المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الأسماء والصفات.","level":4,"page":306},{"title":"الفصل الرابع: الآيات الواردة في مسائل الإيمان.","level":2,"page":311},{"title":"تمهيد في تعريف الإيمان","level":3,"page":312},{"title":"أ-تعريف الإيمان في اللغة","level":4,"page":313},{"title":"ب- أما تعريف الإيمان شرعا","level":4,"page":315},{"title":"المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في مسائل الإيمان.","level":3,"page":317},{"title":"تمهيد","level":4,"page":317},{"title":"القسم الأول: المرجئة","level":5,"page":318},{"title":"القسم الثاني: فهم الوعيدية","level":5,"page":318},{"title":"القسم الثالث: أهل السنة والجماعة","level":5,"page":319},{"title":"المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في مسائل الإيمان.","level":4,"page":321},{"title":"أولا: أن الإرجاء ردة فعل لغلو الخوارج","level":5,"page":322},{"title":"ثانيا: الأثر المنطقي، والتزامهم لوازمه الباطلة","level":5,"page":323},{"title":"ثالثا: الفهم المغلوط لحقيقة الإيمان","level":5,"page":325},{"title":"رابعا: الاحتجاج بنصوص الوعد","level":5,"page":328},{"title":"خامسا: الاحتجاج بالقدر","level":5,"page":329},{"title":"سادسا: دعواهم استحالة (الجمع بين النقيضين)","level":5,"page":330},{"title":"المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في مسائل الإيمان.","level":4,"page":333},{"title":"أولا: انطلاقهم من أصلهم البدعي","level":5,"page":333},{"title":"١ - تكفيرهم لصاحب الكبيرة والحكم بخلوده في النار","level":6,"page":333},{"title":"٢ - تكفير بعض الصحابة - ﵃ -","level":6,"page":334},{"title":"٣ - إنكارهم لحجية السنة، وتعطيلهم لبعض الأحكام الشرعية","level":6,"page":334},{"title":"٤ - الخروج على الأئمة","level":6,"page":335},{"title":"ثانيا: خطؤهم في فهم النصوص، وطرق الاستدلال","level":5,"page":336},{"title":"ثالثا: بسبب جور الحكام وظهور المنكرات","level":5,"page":338},{"title":"المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في مسائل الإيمان.","level":3,"page":339},{"title":"المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بمسائل الإيمان.","level":4,"page":339},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (٣٢)﴾ فاطر: ٣٢","level":5,"page":340},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":340},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":341},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":341},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":342},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما (٤٨)﴾ النساء: ٤٨","level":5,"page":344},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":344},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":345},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":345},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":346},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (١١٢)﴾ التوبة: ١١٢","level":5,"page":348},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":348},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":349},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":350},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":350},{"title":"المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في مسائل الإيمان.","level":4,"page":351},{"title":"الباب الثالث: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في بقية أركان الإيمان","level":1,"page":354},{"title":"الفصل الأول: الآيات الواردة في الإيمان بالملائكة.","level":2,"page":355},{"title":"تمهيد في تعريف الملائكة","level":3,"page":356},{"title":"أولا: التعريف بالملائكة","level":4,"page":357},{"title":"أ-التعريف بالملائكة","level":5,"page":357},{"title":"الملائكة","level":6,"page":358},{"title":"أما الملائكة في التعريف الشرعي فهم","level":6,"page":359},{"title":"ب- معنى الإيمان بالملائكة","level":5,"page":359},{"title":"وعليه فالإيمان بالملائكة","level":6,"page":359},{"title":"وهذا ينتظم أمورا أربعة","level":7,"page":360},{"title":"الأول: الإيمان بوجودهم","level":8,"page":360},{"title":"الثاني: إنزالهم منازلهم","level":8,"page":360},{"title":"الثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم على الإجمال والتفصيل","level":8,"page":360},{"title":"الرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم على الإجمال والتفصيل","level":8,"page":360},{"title":"ثانيا: بيان ثمرة وأهمية الإيمان بالملائكة","level":4,"page":361},{"title":"المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالملائكة.","level":3,"page":363},{"title":"تمهيد","level":4,"page":363},{"title":"المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في الإيمان بالملائكة.","level":4,"page":364},{"title":"أولا: الإيمان بالمحسوسات فقط","level":5,"page":364},{"title":"ثانيا: محاولة إدراك صفات الملائكة بالعقل","level":5,"page":367},{"title":"ثالثا: لوازم اعتقاداتهم الفاسدة في بقية أركان الإيمان","level":5,"page":369},{"title":"المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالملائكة.","level":4,"page":372},{"title":"أولا: انحرافهم في مفهوم التوحيد وتقريره","level":5,"page":372},{"title":"ثانيا: إضفاء صفات الربوبية على الملائكة","level":5,"page":373},{"title":"المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالملائكة.","level":3,"page":375},{"title":"المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان بالملائكة.","level":4,"page":375},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (٥٠)﴾ النحل: ٥٠","level":5,"page":375},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":375},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":376},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":377},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":377},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (٦)﴾ التحريم","level":5,"page":378},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":378},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":378},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":378},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":379},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير (٢٣)﴾ سبأ: ٢٣","level":5,"page":380},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":380},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":380},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":381},{"title":"المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالملائكة.","level":4,"page":384},{"title":"الفصل الثاني: الآيات الواردة في الإيمان بالكتب.","level":2,"page":388},{"title":"تمهيد في تعريف الكتب","level":3,"page":389},{"title":"أولا: التعريف بالكتب، ومعنى الإيمان بها","level":4,"page":390},{"title":"الكتب في اللغة","level":5,"page":390},{"title":"والمراد بالكتب هنا","level":5,"page":390},{"title":"أما المراد بالإيمان بالكتب، فهو","level":5,"page":390},{"title":"والإيمان بها يتضمن ما يلي","level":5,"page":390},{"title":"والكتب المنزلة من عند الله تعالى قسمان","level":5,"page":392},{"title":"الأول: ما لم ترد تسميتها في القرآن والسنة","level":6,"page":392},{"title":"الثاني: ما ورد تسميته في القرآن والسنة","level":6,"page":393},{"title":"ثانيا: أهمية الإيمان بالكتب","level":4,"page":395},{"title":"العلم بعناية الله تعالى بعباده","level":5,"page":395},{"title":"العلم بحكمة الله تعالى في شرعه","level":5,"page":396},{"title":"تقديم العبر والعظات من أحوال السابقين وأمم الهالكين","level":5,"page":396},{"title":"ترقيق القلوب","level":5,"page":397},{"title":"وحدة الرسالات الإلهية","level":5,"page":397},{"title":"تقديم المعارف المستمرة","level":5,"page":397},{"title":"الحث على العمل","level":5,"page":398},{"title":"بناء منهج حياة متكامل","level":5,"page":398},{"title":"إثبات صفات الله - ﷿ -","level":5,"page":399},{"title":"سعادة الدارين","level":5,"page":399},{"title":"قطع الأعذار عن المكلفين","level":5,"page":399},{"title":"مصدر لصيانة الدين","level":5,"page":400},{"title":"سبب لانتشار الدين","level":5,"page":400},{"title":"استجابة لأمر الله بالإيمان بها","level":5,"page":400},{"title":"المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب.","level":3,"page":403},{"title":"تمهيد","level":4,"page":403},{"title":"ويمكن إرجاع انحراف أصحاب البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب، إلى أسباب ثلاثة هي","level":5,"page":403},{"title":"المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في الإيمان بالكتب.","level":4,"page":405},{"title":"طوائف كثيرة فرطت في هذا الركن المهم من أركان الإيمان، ومنهم","level":5,"page":405},{"title":"١ - اليهود","level":6,"page":405},{"title":"٢ - النصارى","level":6,"page":405},{"title":"٣ - الرافضة","level":6,"page":406},{"title":"٤ - البابية والبهائية","level":6,"page":406},{"title":"٥ - التيجانية","level":6,"page":406},{"title":"٦ - غلاة الصوفية عموما","level":6,"page":406},{"title":"٧ - النصيرية والدروز وسائر الفرق الباطنية","level":6,"page":406},{"title":"٨ - المشرعون والقانونيون","level":6,"page":406},{"title":"٩ - الخوارج","level":6,"page":407},{"title":"١٠ - الملاحدة","level":6,"page":407},{"title":"١١ - أهل الكلام وقعوا في تحريف معاني كلام الله - ﷿ - كثيرا","level":6,"page":407},{"title":"طرق الانحراف المؤدية إلى التفريط في الإيمان بالكتب","level":5,"page":407},{"title":"أولا: التفريق بين كتب الله في الإيمان","level":6,"page":407},{"title":"الأولى: الإيمان ببعض الكتب والكفر ببعضها","level":7,"page":407},{"title":"الثانية: الإيمان ببعض الكتاب الواحد والكفر ببعضه","level":7,"page":409},{"title":"ثانيا: بدعة القول بخلق القرآن","level":6,"page":410},{"title":"الأول: اختلاف في جنس التنزيل","level":7,"page":411},{"title":"الثاني: اختلاف في صفة التنزيل","level":7,"page":411},{"title":"المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالكتب.","level":4,"page":414},{"title":"الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالكتب، يأتي من طريقين، هما","level":5,"page":415},{"title":"أولا: التبرك بالكتب المنزلة","level":6,"page":415},{"title":"ثانيا: زعم تعظيم القرآن","level":6,"page":418},{"title":"المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب.","level":3,"page":422},{"title":"المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان بالكتب.","level":4,"page":422},{"title":"الآية الأولى: قال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين","level":5,"page":422},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":422},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":423},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":424},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":424},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخ","level":5,"page":425},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":425},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":425},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":426},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":426},{"title":"الآية الثالثة: قال تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفر","level":5,"page":427},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":427},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":427},{"title":"المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب.","level":4,"page":428},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":4,"page":428},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":4,"page":428},{"title":"الفصل الثالث: الآيات الواردة في الإيمان بالرسل.","level":2,"page":430},{"title":"تمهيد في تعريف الرسل","level":3,"page":431},{"title":"أولا: التعريف بالنبي والرسول","level":4,"page":432},{"title":"أ- التعريف","level":5,"page":432},{"title":"النبي لغة","level":6,"page":432},{"title":"النبي في الشرع","level":6,"page":432},{"title":"وأما الرسول لغة","level":6,"page":433},{"title":"والرسول في الاصطلاح","level":6,"page":433},{"title":"ثانيا: الإيمان بالرسل وما يتضمنه","level":4,"page":434},{"title":"ثالثا: بيان أهمية الإيمان بالرسل","level":4,"page":438},{"title":"معرفة الله تعالى على النحو الصحيح","level":5,"page":438},{"title":"تحقيق القدوة العلمية والعملية","level":5,"page":439},{"title":"الصبر وعدم اليأس","level":5,"page":439},{"title":"الإيمان بالأنبياء والرسل نجاة من الخسران","level":5,"page":440},{"title":"عبادة الله لا تكون إلا بالإيمان بالرسل","level":5,"page":440},{"title":"تحقيق الرغبات والنزعات البشرية في معرفة ما لا يستطيع العقل البشري الوصول إليه بمجرده، ومن ذلك","level":5,"page":440},{"title":"ظهور ثمرات الإيمان بالرسل، وهي","level":5,"page":441},{"title":"لحاجة البشر إليها","level":5,"page":442},{"title":"المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالرسل.","level":3,"page":444},{"title":"تمهيد","level":4,"page":444},{"title":"المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في الإيمان بالرسل.","level":4,"page":446},{"title":"أولا: إنكار أن يختص الله تعالى بهذه الرحمة والمنة من يشاء من عباده","level":5,"page":446},{"title":"ثانيا: ادعاء كفاية العقل في إدراك الحسن والقبح","level":5,"page":449},{"title":"ثالثا: بسبب البدع التي شيدت عليها الفرق مذاهبها","level":5,"page":451},{"title":"رابعا: تعظيم غير الأنبياء والمرسلين","level":5,"page":453},{"title":"المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالرسل.","level":4,"page":454},{"title":"أولا: اعتقاد القداسة في ذوات الأنبياء والرسل","level":5,"page":454},{"title":"اعتقاد أن النبي - ﷺ - خلق من نور الله فقالوا بالاتحاد ووحدة الوجود","level":6,"page":454},{"title":"اعتقادهم أن النبي - ﷺ - خلق من نور، فأخرجوه من بشريته","level":6,"page":455},{"title":"صرف الربوبية والألوهية للنبي - ﷺ -","level":6,"page":456},{"title":"التوسل بجاه النبي - ﷺ -","level":6,"page":456},{"title":"الإطراء والمبالغة في المدح في يوم \"الاحتفال بالمولد\"","level":6,"page":457},{"title":"ثانيا: إرادة تنزيه الأنبياء والرسل","level":5,"page":459},{"title":"المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالرسل.","level":3,"page":460},{"title":"المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان بالرسل.","level":4,"page":460},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين (٦)﴾ فصلت: ٦","level":5,"page":460},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":460},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":461},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":461},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":461},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (٥٩)﴾ الزخرف: ٥٩","level":5,"page":462},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":462},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":462},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":463},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":463},{"title":"الآية الثالثة: قال تعالى: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده ولم يجعل له عوجا (١)﴾ الكهف: ١","level":5,"page":465},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":465},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":465},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":465},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":466},{"title":"المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالرسل.","level":4,"page":467},{"title":"الفصل الرابع: الآيات الواردة في الإيمان باليوم الآخر.","level":2,"page":468},{"title":"تمهيد في تعريف اليوم الآخر","level":3,"page":469},{"title":"أولا: التعريف باليوم الآخر، ومعنى الإيمان به","level":4,"page":471},{"title":"في تعريف اليوم الآخر","level":5,"page":471},{"title":"معنى الإيمان باليوم الآخر","level":5,"page":471},{"title":"ثانيا: بيان أهمية الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":472},{"title":"أولا: الحرص على طاعة الله تعالى","level":5,"page":473},{"title":"ثانيا: ضبط السلوك بالتوجه إلى الخير والعصمة من الشر","level":5,"page":474},{"title":"ثالثا: ضبط شهوات النفس","level":5,"page":476},{"title":"رابعا: الزهد في الدنيا، وتسلية المؤمن عما يفوته من نعيمها","level":5,"page":476},{"title":"خامسا: تماسك المجتمع واستقراره","level":5,"page":477},{"title":"سادسا: العدل بين البشر","level":5,"page":478},{"title":"سابعا: تحقيقا للتوحيد","level":5,"page":479},{"title":"المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر.","level":3,"page":480},{"title":"تمهيد","level":4,"page":480},{"title":"المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في الإيمان باليوم الآخر.","level":4,"page":482},{"title":"أولا: عدم إثبات صفات الله - ﷾ - أو بعضها","level":5,"page":484},{"title":"ثانيا: الكفر بالله","level":5,"page":484},{"title":"ثالثا: إمهال الله لهم على كفرهم وسوء صنيعهم","level":5,"page":486},{"title":"رابعا: إقحام العقل القاصر في تصور عالم الآخرة الغائب","level":5,"page":486},{"title":"خامسا: قياسهم الأمور الغيبية على الأمور المشاهدة","level":5,"page":488},{"title":"سادسا: التأثر بشبهات الفلاسفة وغيرهم، ورد نصوص الشرع","level":5,"page":490},{"title":"سابعا: التأثر بالطريقة الباطنية","level":5,"page":491},{"title":"ثامنا: اطراد ما التزموه من أصول مذهبهم الفاسدة","level":5,"page":493},{"title":"تاسعا: الإيمان بالماديات، وإنكار الغيبيات","level":5,"page":494},{"title":"المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان باليوم الآخر.","level":4,"page":495},{"title":"الاستحقاق والمعاوضة","level":5,"page":495},{"title":"الزلفى عند الله في الآخرة","level":5,"page":495},{"title":"تأثير ما التزموه من أصول مذهبهم الفاسد على تصور اليوم الآخر","level":5,"page":496},{"title":"التقصير في التحقيق للنصوص النبوية","level":5,"page":496},{"title":"المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر.","level":3,"page":497},{"title":"المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان باليوم الآخر.","level":4,"page":497},{"title":"الآية الأولى: قول الله تعالى: ﴿وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خ","level":5,"page":500},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":500},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":501},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":501},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":501},{"title":"الآية الثانية: قال تعالى: ﴿قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (٥٢)﴾ يس: ٥٢","level":5,"page":502},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":502},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":502},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":503},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":503},{"title":"الآية الثالثة: قال تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (١٧)﴾ السجدة: ١٧","level":5,"page":503},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":503},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":504},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":504},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":505},{"title":"المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر.","level":4,"page":506},{"title":"الفصل الخامس: الآيات الواردة في الإيمان بالقضاء والقدر.","level":2,"page":509},{"title":"تمهيد في تعريف القضاء والقدر، وأهميته","level":3,"page":510},{"title":"أولا: التعريف بالقضاء والقدر","level":4,"page":511},{"title":"١ - في تعريف القضاء","level":5,"page":511},{"title":"معنى القضاء لغة","level":6,"page":511},{"title":"معنى القضاء شرعا، هو","level":6,"page":512},{"title":"٢ - في تعريف القدر","level":5,"page":512},{"title":"معنى القدر لغة","level":6,"page":512},{"title":"تعريف القدر شرعا، هو","level":6,"page":513},{"title":"٣ - في تعريف القضاء والقدر شرعا","level":5,"page":513},{"title":"ثانيا: معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه","level":4,"page":514},{"title":"المرتبة الأولى: العلم","level":5,"page":514},{"title":"وقد خالف في هذه المسألة طائفتان","level":6,"page":515},{"title":"المرتبة الثانية: الكتابة","level":5,"page":515},{"title":"والكتابة لها أكثر من موضع","level":6,"page":516},{"title":"المرتبة الثالثة: المشيئة","level":5,"page":516},{"title":"ومشيئة الله وإرادته كونية وشرعية","level":6,"page":517},{"title":"أما الكونية","level":7,"page":517},{"title":"وأما الشرعية","level":7,"page":517},{"title":"المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق","level":5,"page":517},{"title":"وخالف في هذه المرتبة ثلاث طوائف","level":6,"page":518},{"title":"ثالثا: بيان أهمية الإيمان بالقضاء والقدر","level":4,"page":519},{"title":"١ - الإيمان بالقدر طريق للخلاص من الشرك","level":5,"page":520},{"title":"٢ - الإيمان بالقدر يحقق السعادة الدائمة والاطمئنان الكامل على الحاضر والمستقبل","level":5,"page":522},{"title":"٣ - الإيمان بالقدر يورث القوة والحزم","level":5,"page":522},{"title":"المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر.","level":3,"page":524},{"title":"تمهيد","level":4,"page":524},{"title":"أسباب انحراف الفرق في الإيمان بالقضاء والقدر إلى الأسباب التالية","level":5,"page":525},{"title":"١ - الجهل بحكمة الله فيما يخلق ويقدر","level":6,"page":525},{"title":"٢ - قياس أفعال الله - ﷿ - على أفعال العباد فيما هو من قبيل العدل والظلم","level":6,"page":526},{"title":"٣ - إحداث ألفاظ ومصطلحات جعلت أصلا في هذا الباب، ثم حمل الكتاب والسنة عليها","level":6,"page":526},{"title":"٤ - التسوية بين المشيئة والإرادة وبين المحبة والرضا","level":6,"page":527},{"title":"٥ - اعتمادهم على مقدمات فاسدة","level":6,"page":528},{"title":"المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في الإيمان بالقضاء والقدر.","level":4,"page":529},{"title":"البداية لنشأة الاختلاف والكلام في القدر","level":5,"page":529},{"title":"أحدهما: نفي علم الله تعالى بالأشياء قبل وقوعها","level":6,"page":529},{"title":"الآخر: نفي خلق الله تعالى لأفعال العباد","level":6,"page":529},{"title":"ومن خلال ما سبق يمكننا الوقوف على طرق الانحراف المؤدية إلى التفريط في الإيمان بالقضاء والقدر، وهي","level":5,"page":531},{"title":"أولا: إرادة تنزيه الله - ﷿ - عن الشر","level":6,"page":531},{"title":"ثانيا: إرادة تنزيه الله - ﷿ - عن الظلم","level":6,"page":532},{"title":"ثالثا: اطراد ما التزمه أهل البدع من أصولهم الفاسدة","level":6,"page":533},{"title":"رابعا: محاولة إدراك حقيقة القدر بالعقل المجرد، ومخالفتهم للنصوص","level":6,"page":534},{"title":"المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في توحيد الإيمان بالقضاء والقدر.","level":4,"page":537},{"title":"أولا: إرادة تنزيه الله - ﷾ - عن العجز الذي رماه به القدرية","level":5,"page":538},{"title":"ثانيا: الغلو في شهود خصائص الربوبية","level":5,"page":540},{"title":"المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر.","level":3,"page":542},{"title":"المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان بالقضاء والقدر.","level":4,"page":542},{"title":"الآية الأولى: قول الله تعالى: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (٢٣)﴾ الأنبياء: ٢٣","level":5,"page":543},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":543},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":543},{"title":"ويلاحظ مما سبق أمور ثلاثة","level":7,"page":543},{"title":"الأمر الأول","level":8,"page":543},{"title":"الأمر الثاني","level":8,"page":543},{"title":"الأمر الثالث","level":8,"page":544},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":545},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":546},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (١٣٢)﴾ الأنعام: ١٣٢","level":5,"page":546},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":546},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":547},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":547},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":548},{"title":"الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦","level":5,"page":549},{"title":"أولا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط","level":6,"page":549},{"title":"ثانيا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط","level":6,"page":549},{"title":"ثالثا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان","level":6,"page":550},{"title":"رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد","level":6,"page":550},{"title":"المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر.","level":4,"page":552},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":555},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":563},{"title":"١. القرآن الكريم.","level":2,"page":563},{"title":"أ","level":2,"page":563},{"title":"ب","level":2,"page":566},{"title":"ت","level":2,"page":567},{"title":"ج","level":2,"page":571},{"title":"ح","level":2,"page":572},{"title":"خ","level":2,"page":573},{"title":"د","level":2,"page":573},{"title":"ر","level":2,"page":574},{"title":"ز","level":2,"page":575},{"title":"س","level":2,"page":575},{"title":"ش","level":2,"page":576},{"title":"ص","level":2,"page":578},{"title":"ض","level":2,"page":579},{"title":"ط","level":2,"page":579},{"title":"ظ","level":2,"page":579},{"title":"ع","level":2,"page":579},{"title":"غ","level":2,"page":580},{"title":"ف","level":2,"page":581},{"title":"ق","level":2,"page":582},{"title":"ك","level":2,"page":583},{"title":"ل","level":2,"page":583},{"title":"م","level":2,"page":584},{"title":"ن","level":2,"page":589},{"title":"هـ","level":2,"page":589},{"title":"و","level":2,"page":590},{"title":"ي","level":2,"page":590},{"title":"المجلات والتسجيلات والمؤتمرات","level":2,"page":590},{"title":"مواقع الشبكة العنكبوتية","level":2,"page":592}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327,"1,328":328,"1,329":329,"1,330":330,"1,331":331,"1,332":332,"1,333":333,"1,334":334,"1,335":335,"1,336":336,"1,337":337,"1,338":338,"1,339":339,"1,340":340,"1,341":341,"1,342":342,"1,343":343,"1,344":344,"1,345":345,"1,346":346,"1,347":347,"1,348":348,"1,349":349,"1,350":350,"1,351":351,"1,352":352,"1,353":353,"1,354":354,"1,355":355,"1,356":356,"1,357":357,"1,358":358,"1,359":359,"1,360":360,"1,361":361,"1,362":362,"1,363":363,"1,364":364,"1,365":365,"1,366":366,"1,367":367,"1,368":368,"1,369":369,"1,370":370,"1,371":371,"1,372":372,"1,373":373,"1,374":374,"1,375":375,"1,376":376,"1,377":377,"1,378":378,"1,379":379,"1,380":380,"1,381":381,"1,382":382,"1,383":383,"1,384":384,"1,385":385,"1,386":386,"1,387":387,"1,388":388,"1,389":389,"1,390":390,"1,391":391,"1,392":392,"1,393":393,"1,394":394,"1,395":395,"1,396":396,"1,397":397,"1,398":398,"1,399":399,"1,400":400,"1,401":401,"1,402":402,"1,403":403,"1,404":404,"1,405":405,"1,406":406,"1,407":407,"1,408":408,"1,409":409,"1,410":410,"1,411":411,"1,412":412,"1,413":413,"1,414":414,"1,415":415,"1,416":416,"1,417":417,"1,418":418,"1,419":419,"1,420":420,"1,421":421,"1,422":422,"1,423":423,"1,424":424,"1,425":425,"1,426":426,"1,427":427,"1,428":428,"1,429":429,"1,430":430,"1,431":431,"1,432":432,"1,433":433,"1,434":434,"1,435":435,"1,436":436,"1,437":437,"1,438":438,"1,439":439,"1,440":440,"1,441":441,"1,442":442,"1,443":443,"1,444":444,"1,445":445,"1,446":446,"1,447":447,"1,448":448,"1,449":449,"1,450":450,"1,451":451,"1,452":452,"1,453":453,"1,454":454,"1,455":455,"1,456":456,"1,457":457,"1,458":458,"1,459":459,"1,460":460,"1,461":461,"1,462":462,"1,463":463,"1,464":464,"1,465":465,"1,466":466,"1,467":467,"1,468":468,"1,469":469,"1,470":470,"1,471":471,"1,472":472,"1,473":473,"1,474":474,"1,475":475,"1,476":476,"1,477":477,"1,478":478,"1,479":479,"1,480":480,"1,481":481,"1,482":482,"1,483":483,"1,484":484,"1,485":485,"1,486":486,"1,487":487,"1,488":488,"1,489":489,"1,490":490,"1,491":491,"1,492":492,"1,493":493,"1,494":494,"1,495":495,"1,496":496,"1,497":497,"1,498":498,"1,499":499,"1,500":500,"1,501":501,"1,502":502,"1,503":503,"1,504":504,"1,505":505,"1,506":506,"1,507":507,"1,508":508,"1,509":509,"1,510":510,"1,511":511,"1,512":512,"1,513":513,"1,514":514,"1,515":515,"1,516":516,"1,517":517,"1,518":518,"1,519":519,"1,520":520,"1,521":521,"1,522":522,"1,523":523,"1,524":524,"1,525":525,"1,526":526,"1,527":527,"1,528":528,"1,529":529,"1,530":530,"1,531":531,"1,532":532,"1,533":533,"1,534":534,"1,535":535,"1,536":536,"1,537":537,"1,538":538,"1,539":539,"1,540":540,"1,541":541,"1,542":542,"1,543":543,"1,544":544,"1,545":545,"1,546":546,"1,547":547,"1,548":548,"1,549":549,"1,550":550,"1,551":551,"1,552":552,"1,553":553,"1,554":554,"1,555":555,"1,556":556,"1,557":557,"1,558":558,"1,559":559,"1,560":560,"1,561":561,"1,562":562,"1,602":563,"1,603":564,"1,604":565,"1,605":566,"1,606":567,"1,607":568,"1,608":569,"1,609":570,"1,610":571,"1,611":572,"1,612":573,"1,613":574,"1,614":575,"1,615":576,"1,616":577,"1,617":578,"1,618":579,"1,619":580,"1,620":581,"1,621":582,"1,622":583,"1,623":584,"1,624":585,"1,625":586,"1,626":587,"1,627":588,"1,628":589,"1,629":590,"1,630":591,"1,631":592,"1,632":593},"ٜ":{"1":[1,632]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632"],"ٞ":{"2":[1],"5":[2,3],"7":[4,5],"8":[6],"10":[7],"11":[8],"18":[9],"19":[10,11,12],"20":[13],"21":[14],"22":[15,16],"23":[17,18],"24":[19],"27":[20,21],"28":[22,23],"29":[24],"30":[25],"33":[26,27,28],"39":[29,30],"40":[31],"41":[32],"42":[33,34],"43":[35],"44":[36,37],"45":[38],"46":[39],"48":[40],"50":[41],"53":[42,43],"54":[44],"56":[45],"57":[46],"59":[47],"62":[48,49,50],"63":[51],"65":[52],"67":[53],"69":[54],"70":[55],"72":[56],"73":[57,58],"74":[59],"77":[60,61],"78":[62],"79":[63],"80":[64],"82":[65,66],"83":[67],"85":[68],"87":[69],"88":[70],"89":[71,72],"90":[73],"91":[74],"94":[75,76],"95":[77],"98":[78],"99":[79],"101":[80,81],"103":[82],"104":[83,84],"106":[85],"107":[86],"108":[87],"109":[88],"110":[89],"111":[90],"113":[91],"114":[92],"115":[93,94,95],"117":[96],"118":[97,98],"119":[99,100],"120":[101],"121":[102],"122":[103],"123":[104],"125":[105],"126":[106,107,108],"127":[109,110],"128":[111],"129":[112,113],"130":[114,115],"132":[116],"133":[117],"136":[118,119],"138":[120],"139":[121],"142":[122],"143":[123,124,125],"144":[126],"145":[127],"146":[128],"148":[129,130,131],"150":[132,133,134],"151":[135,136],"152":[137,138],"153":[139,140],"154":[141],"155":[142],"157":[143],"159":[144],"162":[145,146],"163":[147],"165":[148],"166":[149],"167":[150],"169":[151],"170":[152],"172":[153],"176":[154],"179":[155,156],"182":[157],"184":[158,159],"186":[160],"189":[161],"191":[162],"192":[163],"193":[164,165,166],"194":[167],"196":[168,169],"199":[170,171,172],"200":[173,174,175,176],"201":[177,178,179],"203":[180],"204":[181,182,183,184],"207":[185,186],"208":[187],"210":[188],"211":[189,190,191],"212":[192,193],"214":[194],"215":[195],"217":[196,197,198],"218":[199,200,201,202,203],"220":[204,205,206],"221":[207,208],"222":[209],"223":[210,211],"224":[212],"225":[213],"226":[214,215,216],"227":[217],"228":[218,219,220,221],"230":[222],"233":[223],"234":[224,225,226],"235":[227,228],"236":[229],"241":[230,231],"242":[232,233],"243":[234,235],"244":[236],"245":[237],"246":[238],"247":[239],"249":[240,241],"250":[242],"252":[243,244,245,246],"253":[247],"254":[248,249],"256":[250,251],"257":[252,253],"258":[254],"261":[255,256],"262":[257,258],"264":[259],"265":[260],"268":[261],"269":[262],"270":[263,264,265],"271":[266,267],"272":[268,269,270,271],"273":[272],"276":[273,274,275,276],"277":[277],"278":[278],"279":[279,280,281,282,283,284],"282":[285],"286":[286],"289":[287,288],"290":[289],"294":[290,291],"295":[292,293],"296":[294],"297":[295,296],"299":[297,298],"300":[299,300],"301":[301],"302":[302,303,304],"303":[305],"304":[306],"306":[307],"311":[308],"312":[309],"313":[310],"315":[311],"317":[312,313],"318":[314,315],"319":[316],"321":[317],"322":[318],"323":[319],"325":[320],"328":[321],"329":[322],"330":[323],"333":[324,325,326],"334":[327,328],"335":[329],"336":[330],"338":[331],"339":[332,333],"340":[334,335],"341":[336,337],"342":[338],"344":[339,340],"345":[341,342],"346":[343],"348":[344,345],"349":[346],"350":[347,348],"351":[349],"354":[350],"355":[351],"356":[352],"357":[353,354],"358":[355],"359":[356,357,358],"360":[359,360,361,362,363],"361":[364],"363":[365,366],"364":[367,368],"367":[369],"369":[370],"372":[371,372],"373":[373],"375":[374,375,376,377],"376":[378],"377":[379,380],"378":[381,382,383,384],"379":[385],"380":[386,387,388],"381":[389],"384":[390],"388":[391],"389":[392],"390":[393,394,395,396,397],"392":[398,399],"393":[400],"395":[401,402],"396":[403,404],"397":[405,406,407],"398":[408,409],"399":[410,411,412],"400":[413,414,415],"403":[416,417,418],"405":[419,420,421,422],"406":[423,424,425,426,427,428],"407":[429,430,431,432,433,434],"409":[435],"410":[436],"411":[437,438],"414":[439],"415":[440,441],"418":[442],"422":[443,444,445,446],"423":[447],"424":[448,449],"425":[450,451,452],"426":[453,454],"427":[455,456,457],"428":[458,459,460],"430":[461],"431":[462],"432":[463,464,465,466],"433":[467,468],"434":[469],"438":[470,471],"439":[472,473],"440":[474,475,476],"441":[477],"442":[478],"444":[479,480],"446":[481,482],"449":[483],"451":[484],"453":[485],"454":[486,487,488],"455":[489],"456":[490,491],"457":[492],"459":[493],"460":[494,495,496,497],"461":[498,499,500],"462":[501,502,503],"463":[504,505],"465":[506,507,508,509],"466":[510],"467":[511],"468":[512],"469":[513],"471":[514,515,516],"472":[517],"473":[518],"474":[519],"476":[520,521],"477":[522],"478":[523],"479":[524],"480":[525,526],"482":[527],"484":[528,529],"486":[530,531],"488":[532],"490":[533],"491":[534],"493":[535],"494":[536],"495":[537,538,539],"496":[540,541],"497":[542,543],"500":[544,545],"501":[546,547,548],"502":[549,550,551],"503":[552,553,554,555],"504":[556,557],"505":[558],"506":[559],"509":[560],"510":[561],"511":[562,563,564],"512":[565,566,567],"513":[568,569],"514":[570,571],"515":[572,573],"516":[574,575],"517":[576,577,578,579],"518":[580],"519":[581],"520":[582],"522":[583,584],"524":[585,586],"525":[587,588],"526":[589,590],"527":[591],"528":[592],"529":[593,594,595,596],"531":[597,598],"532":[599],"533":[600],"534":[601],"537":[602],"538":[603],"540":[604],"542":[605,606],"543":[607,608,609,610,611,612],"544":[613],"545":[614],"546":[615,616,617],"547":[618,619],"548":[620],"549":[621,622,623],"550":[624,625],"552":[626],"555":[627],"563":[628,629,630],"566":[631],"567":[632],"571":[633],"572":[634],"573":[635,636],"574":[637],"575":[638,639],"576":[640],"578":[641],"579":[642,643,644,645],"580":[646],"581":[647],"582":[648],"583":[649,650],"584":[651],"589":[652,653],"590":[654,655,656],"592":[657]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الآيات القرآنية الواردة في الرد على البدع المتقابلة\nدِرَاسَةٌ عَقَدِيَةٌ\nرسالة علمية مقدمة لنيل درجة العالمية العالية (الدكتوراه)\n\nإعداد\nأحمد علي الزاملي\n\nإشراف الدكتور:\nمحمد باكريم محمد عبد الله\n(١٤٣٧ - ١٤٣٨ هـ)","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ آل عمران: ١٠٢.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ النساء: ١.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ الأحزاب: ٧٠ - ٧١ (١).\nأما بعد:\nفإنّ المتأمل في الواقع الذي تعيشه الأمّة قديمًا وحديثًا يرى بَوْنًا شاسعًا في مشاربها وأهدافها، واختلافًا في منطلقاتها وغاياتها، حيث بات يُرى الإفراط والتفريط، والغلوّ والجفاء، على مستوى الأمّة عمومًا، بعد أن اتسعت دائرته مع توالي القرون والأيام، حتى وصل الأمر إلى ما هو عليه الآن، من التفكك والتناحر والتخلف والجهل -والله المستعان-.\nوعند قراءة التاريخ الإسلامي، نجد أن أهمّ آثار تحريف أعداء الإسلام للدين، وانحراف بعض أبنائه، هو اهتمامهم بظهور البدع المتقابلة منذ ظهور الإسلام؛ \" فصار هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا يقابلون البدعة بالبدعة، أولئك غلوا في علي، وأولئك كفروه! وأولئك غلوا في الوعيد، حتى خلدوا بعض المؤمنين، وأولئك غلوا في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد -\n_________\n(١) هذه خطبة الحاجة التي كان رسول الله - ﵉ - يعلمها أصحابه، وقد أخرج حديثها أبو داود في كتاب النكاح، باب خطبة النكاح برقم (٢١١٨)، والترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء في خطبة النكاح برقم (١١٠٥)، والنسائي في كتاب النكاح، باب ما يستحب من الكلام عند النكاح برقم (٣٢٧٧)، وابن ماجه في كتاب النكاح، باب في خطبة النكاح برقم (١٨٩٢)، وأحمد برقم (٣٧٢١) من طرق عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص وأبي عُبيدة، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -.\n\nوقد توسع الشيخ الألباني - ﵀ - في تخريجه وجمع طرقه في رسالة له مفردة بعنوان: \"خطبة الحاجة\"، وخلص فيها إلى الحكم بصحته.","vol":"1","page":2},{"text":"أعني المرجئة-، وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، وهؤلاء غلوا في الإثبات، حتى وقعوا في التشبيه\" (١).\nقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: «لا يرى الجاهل إلا مفرِّطا أو مفْرِطًا» (٢)، وقال الإمام الأوزاعيّ - ﵀ -: «ما من أمرٍ أمرَ الله به إلاّ عارض الشَّيطان فيه بخصلتين، لا يبالي أيّهما أصاب: الغلوّ، أو التَّقصير» (٣)، وقال الحسن البصري - ﵀ -: «إِنَّ دين الله وضع على القصد، فدخل الشَّيطان فيه بالإفراط والتَّقصير، فهما سبيلان إلى نار جهنّم» (٤).\nوكما ظهرت هذه البدع المتقابلة في الأولين فهي في الآخرين أشد ظهورًا، قال ابن القيم - ﵀ -: \"ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا، فقد ورثهم من هو مثلهم، أو شر منهم، أو دونهم، وتناولُ القرآن لهم كتناوله لأولئك، ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: «إنما تنقض عُرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية». وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية، أو نظيره، أو شر منه، أو دونه، فينقض بذلك عرى الإسلام من قِبله، ويعود المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول - ﷺ - ومفارقة الأهواء والبدع، ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانًا، والله المستعان\" (٥).\nولهذا كان أهل السنة والجماعة وسطًا في الفِرق، كما كان الإسلام وسطًا في الملل؛ فكانوا وسطًا بين الغلوّ والتَّقصير، وهذا التوسّط مطلب العقلاء في كلّ زمان ومكان، وهو من أهمّ أسباب قبول الإسلام وانتشاره في المعمورة.\nوبالجملة فإن كانت هذه البدع المتقابلة منتشرة منذ القِدم إلى وقتنا الحاضر، فإننا نجد الرد الواضح عليها من القرآن الكريم، إذ فيه من الخير ما يعجز الإنسان عن تعداده، فهو كتابٌ عظيمٌ اشتمل على الصدق والعدل، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ\n_________\n(١) شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (٢/ ٧٩٨ - ٧٩٩).\n(٢) النهاية في غريب الأثر (٣/ ٨٣١).\n(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٣٨١).\n(٤) نوادر الأصول للحكيم الترمذي (١/ ١٦٧).\n(٥) مدارج السالكين (١/ ٣٤٣).","vol":"1","page":3},{"text":"لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ الأنعام: ١١٥؛ وفيه من العلم الذي تعقد عليه الخناصر، وتفنى في تدوينه الأقلام والمحابر ولا يشبع واردوه، ولا يمل من النظر فيه قاصدوه، فهو الكفيل بمصالح العباد، في المعاش والمعاد، والموصل لهم إلى سبيل الرشاد (١).\nقال الإمام أحمد - ﵀ -: «لو تدبر إنسان القرآن كان فيه ما يرد على كل مبتدع وبدعة» (٢).\nولما كان كتاب الله بهذه المثابة، وكان المصدر التشريعي، والداعي إلى الحق الذي هو العدل والوسطية في العقيدة والشريعة والأخلاق، فإنه يرى فيه بوضوح دلالته على المنهج الحق منهج أهل السنة والجماعة في الرد على البدع المتقابلة، ولقد دأب علماؤنا وأسلافنا منذ الصدر الأول على محاربتها والتحذير منها، عملًا بمقتضى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فقاموا عليها بسيوف قاطعة، مرهفة باترة، فاجتثوا شجرتها، وكسروا شوكتها، فانحسرت غمومها، وانقشعت همومها، وطهروا منها البلاد، وأنقذوا منها العباد.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" وكل من كان أعرف بفساد الباطل كان أعرف بصحة الحق\" (٣)، وأصل هذا المعنى مستقى من السنة، فعن حذيفة بن اليمان - ﵁ - قال: «كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير، وكنت أساله عن الشر مخافة أن يدركني ..» (٤).\nولذلك اخترتُ هذا الموضوع: \"الآيات القرآنية الواردة في الرد على البدع المتقابلة دراسة عقدية\"، ليكون أطروحة مرحلة الدراسة العالمية العالية: \"الدكتوراه\"، والله أسأل التوفيق والإعانة فيما آتي وأذر.\n_________\n(١) ينظر: مدارج السالكين (١/ ٣٠).\n(٢) السنة للخلال، رقم الأثر (٩١٢) (ص ٣/ ٥٤٦).\n(٣) درء التعارض (٥/ ٢٥٨).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم: (٣٤١١)، وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة، برقم: (١٨٤٧).","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>أهداف البحث:</span>\n١ - بيان فساد مناهج الفرق الباطلة (قديمًا وحديثًا)، التي حادت عن الوسطية، فظهر فيها الغلو أو التساهل، وتوضيح تناقض وتلون أهل البدع المتقابلة في الأصول.\n٢ - تجلية وهن شبهات الفرق الضالة من خلال آيات القرآن الكريم، وذلك بإبراز الآيات الرادة على البدع المتقابلة، وإيضاح دلالاتها، ما يكون فيه قطع لدابر أهل البدع، وتوضيح لوهنهم وزيغهم، قال ابن تيمية /: \"فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم، لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين\" (١).\n٣ - جمع وبيان مواطن الاستدلال من القرآن، مما لا يوجد مجموعًا في غيره؛ لأن من أعظم وسائل مواجهة البدع، العكوف على استخراج الأدلة المتكاثرة الدالة على ما يناقض منهج أهل البدع، من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأن في هذه الأدلة المتكاثرة وتواردها دليلًا على بطلان مسالك المخالفين، وفي هذا دعوة لهم للرجوع إلى المنبع الصافي، وفيه تثبيت لأهل الحق، ودفع لشبه أهل الباطل.\n٤ - معرفة البدع المتقابلة والحذر منها، لذلك لا يكفي في التعبد الاقتصار على معرفة السنة فقط، بل لا بد من معرفة ما يناقضها من البدع، كما لا يكفي في الإيمان التوحيد دون معرفة ما يناقضه من الشركيات، وإلى هذه الحقيقة أشار رسول الله - ﷺ - بقوله: «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله» (٢)، فلم يكتف - ﷺ - بالتوحيد، بل ضم إليه الكفر بما سواه، وذلك يستلزم معرفة الكفر، وإلا وقع فيه وهو لا يشعر.\n٥ - تتجلى مشكلة هذه الدراسة في ظهور انحرافات فكرية وسلوكية وبعد عن منهج الوسطية والاعتدال في كثير من بلاد العالم الإسلامي اليوم، مما لا يخفى على ذي عين، ومما لا شك فيه أنه لا بد لمواجهة تلك التحديات والمخاطر، من الالتزام بمنهج الوسطية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>أسباب اختيار الموضوع وأهميته:</span>\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٦٤ - ١٦٥).\n(٢) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله برقم (٢٣).","vol":"1","page":5},{"text":"١ - أهمية القرآن الكريم، والعناية بما اشتمل عليه من المباحث العقدية، وذلك لإجماع الأمة على تقديمه وأنه قطعي الثبوت، وهذه الأهمية تجعل من المهم العناية به عقديًا واستخراج كنوزه العقدية، وهذا يقتضي أن يعيش الباحث مع كتاب الله متأمِّلا لآياته، متفكِّرًا في دلالاته، مستوعبًا لما كتبه المفسِّرون حول هذا الموضوع.\n٢ - اهتمام القرآن الكريم بموضوع الرد على البدع المتقابلة اهتمامًا بالغًا، وهذا يجده الناظر المدقق في آيات الكتاب الكريم بوضوح، فظهرت بذلك غزارة المادة العلمية التي حوتها هذه الآيات، كما تفرقت هذه الردود على امتداد سور القرآن الكريم؛ فجاء هذا البحثُ ليجمع هذه الآيات الواردة في الرد على البدع المتقابلة.\n٣ - جدة الموضوع، وندرة الدراسات الجادة فيه أو انعدامها، حيث إنني لم أقف حتى لحظة كتابة هذه الرسالة على من كَتَب في \"الآيات الواردة في الرد على البدع المتقابلة دراسة عقدية\" كما تناوله هذا البحث، فرغبني ذلك في كتابته.\n٤ - أن البحث فيه يتطلب العكوف على كتاب الله تعالى، والنظر والإمعان في تفسيره على مذهب السلف وطريقتهم، مع العودة إلى كتب أهل السنة والجماعة في الرد على أهل الباطل-وهذا أهم ما ينبغي أن يعنى به وتصرف فيه الأوقات-، مما يتيح للباحث الاطلاع على قدر كبير من المؤلفات المهمة، كما أن استعراض ودراسة الأدلة المتقابلة، يستدعي الوقوف عند أغلب أبواب العقيدة، مما يضفي على البحث الشمولية.\n٥ - إظهار تناقض أهل البدع المتقابلة، وبعدهم عن المشرب الصافي، وبيان سبب ذلك، مع بيان أن أهل الأهواء والبدع لا زالوا موجودين، وأن مناهجهم لا زالت متبعة وإن تغيرت الأسماء، مع محاولةِ الوصول إلى النتائج السيئة التي أفرزتها البدع المتقابلة، ولذا فالحاجة ماسة إلى بيان مقالات أصحاب البدع المتقابلة، وأرجو أن يكون في هذا البحث إسهامٌ نافعٌ في هذا الباب.\n٦ - أن تحرير القول في هذا الموضوع من أعظم ما يبين ويجلي حقيقة مذهب أهل السنة، وأنهم أحظُّ الطوائف بالنصوص الشرعية، وبالمقابل فإن هذا الموضوع يبين أن أهل الباطل هم أعظم الناس إفلاسًا من النصوص، بل ومن المعقولات أيضًا.","vol":"1","page":6},{"text":"٧ - إظهار مزايا مذهب السلف وخصائصهم السنية، بعد أن خلط كثير من الناس بين منهج الحق والباطل، فوقع منهم الانحراف في أبواب العقائد بتأثرها بمناهج أهل البدع الدخيلة.\n٨ - ما وجدته من أهمية كبيرة لهذا الموضوع، والفائدة العائدة منه للإسلام والمسلمين -بإذن الله تعالى-.\n٩ - الرد على البدعتين المتقابلتين من آية واحدة، فيه تجلية لأسلوب من أساليب إعجاز هذا القرآن وعظمته؛ لأن فيه لفت الأنظار بذكر الموازنة بين البدع المتقابلة، وإثبات عدم المساواة بينهما، إلى الأخذ بالقلوب نحو الاختيار النافع والصالح، وترك ما سواه، ووقد يبين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في طيات كلامه، بأن هذا النوع من الرد يحتاج إلى تدبر وتأمل (١).\n١٠ - تنمية الملكة العقدية في الاستنباط من القرآن والاستدلال به في النوازل العقدية.\n١١ - أن البدعة إذا لم تُنكر، ذاعت وانتشرت في الأمة، فشب عليها الصغير، وهرم عليها الكبير، وربما تعذر قلعها من النفوس.\n١٢ - أن الكتابة في هذا الموضوع تجمع -في آن واحد-بين طريقتي السلف المشهورتين في التصنيف في الاعتقاد: (تقرير الاعتقاد، والرد على المخالف).\n\nوهكذا أصبحت الكتابة عن هذا الموضوع (البدع المتقابلة) على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة ضرورية لكبح جماح الغالين ودفع تفريط المقصرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>مصادر البحث:</span>\nالقرآن الكريم وصحيح السنة، وكتب العقيدة، والتفسير، وشروح الحديث، واللغة، والردود على أصحاب البدع، والمذاهب والفرق المعاصرة، وكتب التاريخ، وكتب أهل البدع، وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الدراسات السابقة:</span>\n_________\n(١) ينظر: درء التعارض (١/ ٣٧٤)، ومجموع الفتاوى (٦/ ٢٨٨).","vol":"1","page":7},{"text":"بعد البحث (١) لم أقف على دراسة مفردة متخصصة تتناول هذا الموضوع، إلا أنه قد يظن أن فيه تكرارًا لما جاء في الرسائل المؤلفة في باب الوسطية، وهذه الرسالة تختلف عن تلك الرسائل من عدة وجوه:\n١ - كُتب الوسطية تُعنى بذكر الوسطية العامة لأهل الحق بين أهل الباطل، ولا يكون\nفيها التركيز على ذكر البدع المتقابلة إلا بطريق الالتزام البعيد.\n٢ - أن مقصود هذه الرسالة هو لفت الأنظار إلى الرد على البدع المتقابلة في المقام الأول، وتكون الوسطية هي ثمرة ونتيجة من نتائج هذا البحث.\n٣ - أن الرسائل في باب الوسطية تُعنى كثيرًا بالألفاظ المرادفة للوسطية دون التركيز على بقية الألفاظ التي تتضمَّن الرد على المخالفين من طريقين متقابلين.\n٤ - أن أكثر الآيات التي هي موطن الدراسة لم تذكر في باب الوسطية ولم يشر إليها.\n\nكما يتميز هذا البحث عن الرسائل المكتوبة في باب البدع العامة، أن تلك البحوث تتناول البدع بشكل عام بغض النظر عن كونها متقابلة مع بدعة أخرى، ويستدل عليها بأدلة رادة لكل بدعة على حده، دون التركيز على النصوص التي جمعت الرد على طرفي نقيض في موطن واحد، ليظهر من خلال ذلك الصراط المستقيم، ما يبين لنا معه إعجاز هذا القرآن وعظمته في رد البدع والدلالة على الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>منهج البحث:</span>\nأولًا: سأتبع -إن شاء الله تعالى- المناهج التالية:\n١ - المنهج الاستقرائي: ويظهر في تتبع واستقراء الآيات التي فيها الرد على البدع المتقابلة، مع توظيف القواعد والضوابط العلمية في الفهم والاستنباط والترجيح، واستقراء كتب الاعتقاد وعموم المصادر.\n٢ - المنهج التاريخي: ويظهر في تتبع ظاهرة البدع المتقابلة من بداية ظهورها حتى تحولها إلى تيارات فكرية وفرق مختلفة.\n٣ - المنهج التحليلي: ويتمثل بتحليل البدع المتقابلة إلى أسسها الفلسفية والكلامية.\n_________\n(١) تمت مراسلة المراكز المتخصصة، كمركز الملك فيصل ومكتبة الملك فهد، والبحث في قوائم المكتبات ودليل المكتبة العقدية وزيارة الجمعية السعودية لعلوم العقيدة، وسؤال المختصين فلم أجد أحدًا سبق إلى هذا البحث.","vol":"1","page":8},{"text":"٤ - المنهج النقدي: وذلك بالدراسة النقدية للبدع التي حادت عن منهج الوسطية إما إلى إفراط أو إلى تفريط.\nثانيًا: التزام خطوات البحث العلمي المنهجي المنصوص عليها في لوائح الدراسات العليا وهي:\n١ - عزو الآيات إلى سورها، مع ذكر رقم الآية فيها، وجعلت ذلك في متن البحث، خشية الإطالة بذكرها في الحاشية.\n٢ - تخريج الأحاديث، وبيان ما ذكره أهل الشأن في درجتها إن لم تكن في الصحيحين أو أحدهما، فإن كانت فيهما أو في أحدهما، فسأكتفي بذلك؛ لأن المقصود ثبوت الحديث.\n٣ - عزو الآثار إلى مصادرها الأصلية، قدر الإمكان.\n٤ - التعليق على بعض ما يحتاج إلى تعليق.\n٥ - التعريف بالكلمات الغريبة.\n٦ - توثيق الأقوال المنسوبة إلى أهل العلم (١).\n٧ - ترجمة الأعلام غير المشهورين ترجمة مختصرة.\n٨ - التعريف بالملل والنحل والفرق والطوائف الواردة في البحث.\n٩ - إتباع البحث بالفهارس المتعارف عليها.\n١٠ - تأخير ذكر بيانات المصادر إلى فهرسها، خشية الإطالة بذكرها.\nثالثًا: تقسيم المادة العلمية المستخرجة بحسب المسائل التي تندرج تحتها من أبواب العقيدة المعروفة، على ترتيب حديث جبريل - ﵇ -.\nرابعًا: اعتنيت بإبراز الرد على البدع المتقابلة، التي عُني القرآن بذكرها، ولا أزعم أنِّني أتيت على ذكر كل البدع التي جاء لها ذكرٌ أو إشارةٌ في القرآن، فإنَّ هذا ما لا يحيط به بحث محدود.\nخامسًا: الأصل هو اشتمال الآية الواحدة على رد البدعتين لا ورود الرد في آيتين منفصلتين، إلا إذا اقتضى السياق والمعنى أكثر من آية متتابعة، ويكون هذا نادرًا في البحث.\n_________\n(١) نبه العلماء كالنووي وغيره إلى أن من بركة العلم: أن يعزى الفضل إلى أهله. ينظر: بستان العارفين (ص ٢٨).","vol":"1","page":9},{"text":"سادسًا: الآيات الرادة قسمتها إلى نوعين: نوع درسته دراسةً تحليلية وقد انتقيت فيه ثلاث آيات فقط للدراسة التحليلية -خشية الإثقال على كاهل الرسالة؛ ولأن أقل الجمع ثلاثة-، ونوع آخر تناولته بالدراسة الإجمالية وسرت فيه على حصر ما وجدته من آيات رادة في بابها، مع بيان موطن الرد؛ لأن المراد هو بيان رد الآيات، وليس المقصود تقصي كل ذلك؛ لأن القرآن بحر لا ساحل له.\nسابعًا: المدة المعنية بالبحث والدراسة لا تقف عند مدة زمنية بعينها بل تمتد من بداية ظهور البدع المتقابلة إلى عصرنا الحاضر، ولا يخفى ما في ذلك من صعوبة ومشقة تتطلب جهدًا مضاعفًا وعملًا متواصلًا، ومع هذا فلا أزعم أنِّني أتيت على ذكر كل البدع، فإنَّ هذا مما لا يحيط به بحث محدود.\nثامنًا: أنبه إلى أن القارئ سيلحظ تداخلًا في بعض الأبواب، ولا غرو فإن البحث لا بد أن يكون متداخلَ الأسباب متواشجَ الأنساب، فليس من فصول هذا الكتاب فصلٌ إلا وقد يدخله نتف من فصول أُخَرَ على قدر ما بينهما من سبب وانتساب، وإني لأرجو أن تعم بذلك جدواه، وينكشف مغزاه، ويكون القارئ به أشد انتفاعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>صعوبات البحث:</span>\nبداية أحمد الله وأشكره؛ الذي وفق وأعان على إتمام هذا البحث وإكماله، وكما جرت العادة أن تُذكر بعض العوائق أو العقبات أثناء إعداد مثل هذه البحوث، وكان من أبرز تلك العقبات ما يلي:\n١ - لم أجد أحدا تكلم عن الموضوع من المتقدمين أو المتأخرين في تأليف مستقل حتى أستأنس بكلامه وتقريراته؛ إلا كلامًا متناثرًا قليلا له علاقة ببعض جزئيات البحث.\n٢ - طول البحث وتشعب المباحث التفصيلية فيه؛ مما جعل المهمة صعبة في إتمام الرسالة في وقت مبكر.\n٣ - ندرة المراجع التي تتكلم عن الموضوع؛ مما دفعني إلى جرد المطولات من كتب التفسير والتراجم والطبقات والسير وكتب الاعتقاد والفرق.\n٤ - تناول هذا البحث \"البدع المتقابلة\" عند عامة المدارس الفكرية المخالفة، حيث درست أدلة المدارس الكلامية، كالمعتزلة ومن تبعهم من الزيدية ونحوهم، وكذا الأشاعرة والماتريدية. كما","vol":"1","page":10},{"text":"تناولت دراسة المدارس الصوفية، وخصوصًا الغالية منها، كأهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، وكذلك شملت دراسة المدارس الفلسفية. ولا شك أن لكل مدرسة من هذه المدارس مصنفاتها العميقة، ولغتها الخاصة، وطريقتها المتميزة، والتي تستلزم ممن أراد نقدها جهدًا كبيرًا، ووقتًا مديدًا في اكتساب آلتها، وتتبع كتبها، وتأمل كلامها، وفك مصطلحاتها ورموزها، والوقوف مع أدلتها، ولا يخفى ما في ذلك من صعوبة ومشقة تتطلب جهدًا مضاعفًا وعملًا متواصلًا.\n٥ - من المعلوم أن رد الأدلة هو آخر مرحلة يتطرق إليها الباحث في كافة العلوم، ذلك أن رد الدليل مبني على دراسة الدليل، ودراسة الدليل فرع عن بيان قول المستدل به وشرحه، وذلك مبني على بيان أصل المسألة وشرحها، وهذا الأمر فيه مشقة على الباحث، خاصة وأن هذه الرسالة مختصة بالرد على أدلة المخالفين بطريقة من أدق أنواع الرد والنقض، الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد ومن خلال آية واحدة.\n٦ - ليس هدف الرسالة العلمية هدم الآراء الخاطئة، بقدر ما هو بناء الآراء الصحيحة، وهذا يتطلب معرفة الأسباب والدوافع التي أدت إلى القول بهذا القول المبتدع لتجنبها، وهذا يحتاج إلى بحث وتنقيب واستقراء.\nوالحمد لله أولا وآخرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>تبويب البحث:</span>\nوقد كان السير في هذه الدراسة وفق التبويب التالي:\nالمقدمة:\nوتشتمل على: ذكر أسباب اختيار الموضوع وأهميته، والأهداف المنشودة منه، والدراسات السابقة، ومصادر البحث، والمنهج المتبع فيه، وصعوباته، وتبويبه.\nتمهيد، وفيه أربعة مباحث:\n- المبحث الأول: التعريفات بمفردات البحث.\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: تعريف \"الآيات\".","vol":"1","page":11},{"text":"المطلب الثاني: تعريف \"التقابل\" في اللغة والاصطلاح.\nالمطلب الثالث: تعريف \"البدع المتقابلة\".\nالمبحث الثاني: نشأة البدع المتقابلة، ومناهج العلماء في الرد عليها.\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: تاريخ نشأة البدع المتقابلة، وأسباب ظهورها.\nالمطلب الثاني: عناية العلماء بالرد على أهل البدع ومناهجهم في ذلك.\nالمبحث الثالث: آثار البدع المتقابلة.\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: الفتنة في الدين وفساد التصورات العقلية.\nالمطلب الثاني: الإفساد في الأرض.\nالمبحث الرابع: مكانة القرآن الكريم، والاحتجاج به عند أهل السنة ومخالفيهم.\nالباب الأول: دلالة الآيات -الرادَّة على البدع المتقابلة- على معنى الوسطية.\nوفيه تمهيد وفصلان:\nاشتمل التمهيد على تعريف الوسطية، لغة وشرعًا، مع تحديد معيار الوسطية.\n- الفصل الأول: الآيات الدالة على الوسطية، ومعالمها.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: دراسة تحليلية للآيات الدالة على الوسطية.\nالمبحث الثاني: معالم الوسطية ومظاهرها.\n- الفصل الثاني: الآيات الدالة على التحذير من الغلو والجفاء.\nوفيه تمهيد وثلاثة مباحث:\nاشتمل التمهيد على تعريف الغلو والجفاء، والإفراط والتفريط.\nالمبحث الأول: دراسة تحليلية للآيات الواردة في التحذير من الغلوّ والجفاء.\nالمبحث الثاني: معالم الغلو والجفاء وحدوده ومظاهره.\nالمبحث الثالث: الاتجاهات المغالية.","vol":"1","page":12},{"text":"الباب الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في باب الإيمان بالله ومسائل الإيمان.\nوفيه أربعة فصول:\n- الفصل الأول: الآيات الواردة في توحيد الربوبية.\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد في تعريف توحيد الربوبية.\nالمبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في توحيد الربوبية.\nالمطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في توحيد الربوبية.\nالمطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في توحيد الربوبية.\nالمبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الربوبية.\nالمطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بتوحيد الربوبية.\nويشمل بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط، والإفراط، وذكر المأخذ الذي انطلقت منه هاتان البدعتان، مع توضيح أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد.\nالمطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الربوبية.\n- الفصل الثاني: الآيات الواردة في توحيد الألوهية.\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد في تعريف توحيد الألوهية\nالمبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في توحيد الألوهية.\nالمبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الألوهية.\nالمطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة توحيد الألوهية.\nالمطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الألوهية.\n- الفصل الثالث: الآيات الواردة في توحيد الأسماء والصفات.\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد في تعريف توحيد الأسماء والصفات.\nالمبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في توحيد الأسماء والصفات.","vol":"1","page":13},{"text":"المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في أسماء الله وصفاته.\nالمطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بتوحيد الأسماء والصفات.\nالمطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الأسماء والصفات.\n- الفصل الرابع: الآيات الواردة في مسائل الإيمان.\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد في تعريف الإيمان.\nالمبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في مسائل الإيمان.\nالمبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في مسائل الإيمان.\nالمطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بمسائل الإيمان.\nالمطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في مسائل الإيمان.\nالباب الثالث: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في بقية أركان الإيمان:\nوفيه خمسة فصول:\n- الفصل الأول: الآيات الواردة في الإيمان بالملائكة.\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد في تعريف الملائكة.\nالمبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في الملائكة.\nالمبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع في الإيمان بالملائكة.\nالمطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان بالملائكة.\nالمطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في مسائل الإيمان بالملائكة.\n- الفصل الثاني: الآيات الواردة في الإيمان بالكتب.\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد في تعريف الكتب.\nالمبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب.\nالمبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع في الإيمان بالكتب.","vol":"1","page":14},{"text":"المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بمسائل الإيمان بالكتب.\nالمطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في مسائل الإيمان بالكتب.\n- الفصل الثالث: الآيات الواردة في الإيمان بالرسل.\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nالمبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالرسل.\nالمبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالرسل.\nالمطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بمسائل الإيمان بالرسل.\nالمطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في مسائل الإيمان الرسل.\n- الفصل الرابع: الآيات الواردة في الإيمان باليوم الآخر.\nوفيه تمهيد وثلاثة مباحث:\nتمهيد في تعريف اليوم الآخر.\nالمبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر.\nالمبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة فيما جاء في الحياة الآخرة.\n- الفصل الخامس: الآيات الواردة في الإيمان بالقضاء والقدر.\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد في تعريف القدر.\nالمبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر.\nالمبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر.\nالخاتمة. (وفيها أهم نتائج البحث)\nالفهارس: فهرس الآيات القرآنية، وفهرس الأحاديث النبوية، وفهرس الآثار، وفهرس المصادر والمراجع، وفهرس الموضوعات.\n\nهذا وأحمد الله -جل وعلا- على ما مَنّ به عليّ من إتمام هذا البحث، وأشكر له فضله وإنعامه، فله الحمد أولًا وآخرًا، وأبرأ من الحول والقوة إلا به، وأسأله أن يجعله خالصًا لوجهه، نافعًا لي يوم العرض عليه، فلقد بذلت جهدي في تجلية مسائله وتوثيقها وبيان الحق","vol":"1","page":15},{"text":"فيها، وأخذ ذلك مني وقتا طويلًا، ورغم ذلك فإني لا أدعي أني أوفيت الموضوع حقه، ولا أني أصبت في كل ما قلت وقصدت، ولا أني أبدعت فيما سطرت، إذ النقص والخطأ من طبيعة البشر، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ النساء: ٨٢، ولكن حسبي أني بذلت فيه وسعي، فما كان فيه من صواب فمن الله تعالى وله الحمد والمنة، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي وأستغفر الله منه، ورحم الله من رأى فيه خطأ أو خللًا فأرشدني إلى صوابه وإصلاحه.\nكما أن الكتاب بصرف النظر عن شكله ومضمونه، نادرًا ما يكون نتاجًا فرديًا بحتًا، صحيح أن الغلاف قد لا يتسع لأسماء أخرى غير اسم الكاتب، وصحيح أن الكاتب يتحمل بمفرده المسؤولية الكاملة عن مضمون كتابه، لكن ذلك لا يقلل قط من أهمية المساهمة المباشرة أو غير المباشرة التي قدمها الآخرون، إلى أولئك الآخرين أتوجه هنا بكلمة شكر نابعة من القلب، فيطيب لي أن أشكر- بعد شكر الله وحمده- الجامعة الإسلامية، ممثلة بكلية الدعوة وأصول الدين بالمدينة المنورة، وعلى رأسها عميد الكلية، وأشكر قسم العقيدة رئيسًا وأعضاءً، على تعاونهم الكبير، وأشكر جامعة الملك خالد على إتاحة هذه الفرصة العلمية لمواصلة البحث والدراسة في مرحلة الدكتوراه.\nكما أتقدم بالشكر الوافر، والعرفان الجميل لفضيلة المشرف على اهتمامه وحرصه، ولا يفوتني أن أوصل الشكر لكل من ساعدني وأعانني في بحثي من مشايخي وزملائي، بفائدة علمية أو إعارة كتاب والمقام يضيق عن ذكرهم فأسأل الكريم أن يعظم لهم الأجر والثواب.\nكما أتوجه بالشكر الجزيل للشيخين الفاضلين، والأستاذين الكريمين، اللذين تجشما عناء قراءة هذا البحث لمناقشته، وبذلا جهدًا في تصحيحه وتقويمه، مع كثرة مشاغلهما وضيق وقتهما، فجزاهما الله عني خيرًا، وزادهم الله توفيقًا وسدادًا وهدى وعلمًا.\nوبعد فهذا الجهد مبلغ وسعي، فأرجو أن يصادف هذا العمل منكم القبول، وأن يقع منكم الإغضاء عما فيه من الغفلة والذهول.\nوأسأل الله سبحانه أن يرزقنا الإخلاص في السر والعلن وأن يحفظنا من فتنة القول والعمل. إنه على كل شيء قدير .. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.","vol":"1","page":16},{"text":"كتبه\nأحمد بن علي بن محمد الزاملي عسيري\nوهذا أوان الشروع في المقصود، فيا رب يسر وأعن يا كريم.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>التمهيد</span>\nوفيه أربعة مباحث","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المبحث الأول التعريفات بمفردات البحث</span>.\nوفيه ثلاثة مطالب:\nإن فهم مصطلحات البحث هو مفتاح فهم مرامي الباحث ومقاصده؛ لأن تلك المصطلحات -في الغالب- ألفاظ جامعة ينبني عليها كثير من مسائل البحث وموضوعاته، والوعي بمفاهيمها يعدُ مدخلًا أساسيًا لتضييق دائرة الخلاف، أو إزالته، فأحكام الناس على الأفكار أو على الأشخاص عائدة إلى التصور، وفي المأثور من أقوال أسلافنا الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وفيما يلي التعريف بمفردات البحث:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>المطلب الأول: تعريف \"الآيات</span>\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>تعريف الآيات في اللغة </span>(١): الآيات جمع آية (٢)، والآية: أصلها من أيي بياءين، فقلبت عينها ألفا، فأصبحت آية، وقيل: إنها من أوي، من قوله: أوى إليه، ويرى الراغب الأصفهاني (٣) أن الصحيح أنها مشتقة من التأيي (٤) الذي هو التثبيت والإقامة على الشيء (٥).\nوالآية تطلق ويراد بها معان عدة:\nفمنها العلامة، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ البقرة: ٢٤٨.\nوالآية كذلك العبرة، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ يوسف: ٧، أي أمور وعبر مختلفة.\n_________\n(١) ينظر: لسان العرب، لابن منظور (١/ ١٨٥)، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، تحقيق: الشيخ يوسف البقاعي (١/ ٦٢٨)، والمعجم الوسيط (١/ ٣٥)، وتاج العروس من جواهر القاموس لمحمد بن الزبيدي (٣٧/ ١٢٢).\n(٢) قال الكرماني: ما جاء في القرآن من \"الآيات\" فلجمع الدلائل، وما جاء من \"الآية\" فلوحدانية المدلول عليه. البرهان في توجيه متشابه القرآن، (ص ٢٤٠)، وينظر: درة التنزيل وغرة التأويل للإسكافي (٢/ ٨٢٠ - ٨٢٥).\n(٣) هو: إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي التميمي الأصبهاني، المعروف بأبي القاسم قوام السنة، شافعي، من مؤلفاته: الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، دلائل النبوة، سير السلف الصالحين وغيرها، توفي سنة ٥٣٥ هـ.\nينظر: سير أعلام النبلاء (٢/ ٨)، شذرات الذهب (٤/ ١٠٥)، الأعلام (١/ ٣٢٣).\n(٤) والتأيّي: التنظر والتؤدة، يقال: تأيّا الرجل: إذا تأنّى في الأمر. ويقال: قد تأييت أي: تلبّثت وتحبّست. ينظر: المفردات للراغب (ص ١٠٢).\n(٥) المفردات في غريب القرآن للراغب، مادة آي (ص ١٠١ - ١٠٢).","vol":"1","page":19},{"text":"وتطلق الآية على المعجزة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾ المؤمنون: ٥٠.\nويراد بها الجماعة: يقال: خرج القوم بآيتهم أي: بجماعاتهم.\nوآيات الله أي: عجائبه: وهي الآيات الكونية والدلائل، المقصودة في قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)﴾ الجاثية: ٤، وقوله سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ فصلت: ٥٣.\nوالآية: من آيات القرآن العزيز المتلوة، وسميت بذلك؛ لأنها علامة لانقطاع كلام من كلام، ويفضي منها إلى غيرها، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها جماعة من الحروف (١)؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ آل عمران: ١١٣، وقوله سبحانه: ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ الزمر: ٧١.\nوهذا المعنى هو المقصود في هذا البحث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>تعريف الآيات القرآنية اصطلاحا:</span>\nتعددت تعاريف الآيات في الاصطلاح، ومن هذه التعاريف:\nأن الآية: هي الواحدة من المعدودات في السور; سميت به؛ لأنها علامة على صدق من أتى بها، وعلى عجز المتحدى بها (٢).\nوقال بعضهم: الآية طائفة حروف من القرآن، علم بالتوقيف انقطاعها عن الكلام الذي قبلها والذي بعدها (٣). إلا أن المختار (٤) أن يقال: الآيات جمع آية: وهي طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها (٥) معروفة بالسماع، مندرجة في السورة (٦).\n_________\n(١) مختار الصحاح، مادة أيا.\n(٢) البرهان في علوم القرآن، الزركشي (١/ ٢٦٦)، الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (١/ ١٨١).\n(٣) البرهان في علوم القرآن، (١/ ٢٦٦)، الإتقان في علوم القرآن (١/ ١٨١).\n(٤) لأنه ضم الآية إلى السورة، فكان التعريف جامعًا مانعًا -والله أعلم-.\n(٥) وليس معنى انقطاع الآية عما قبلها وما بعدها، ألا يكون لها تعلق في المعنى بسابقتها أو لاحقتها.\n(٦) أورده السيوطي في الإتقان (١/ ١٨١)، ينظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (١/ ٢٦٦)، والمفردات في غريب القرآن للأصفهاني (ص ٣٣)، والمنار في علوم القرآن مع مدخل في أصول التفسير ومصادره (ص ١٦٥)، والتيسير في قواعد علم التفسير: للإمام العلامة محمد بن سليمان الكافيجي (١٦٧ - ١٦٨).","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:</span>\n\"المناسبة ظاهرة؛ لأن الآية علامة على نفسها بانفصالها عما قبلها وما بعدها؛ أو لأن فيها عبرا ودلائل لمن أراد أن يتذكر، أو لأنها بانضمامها إلى غيرها تكون معجزة دالة على صدق الرسول - ﷺ -\" (١).\n_________\n(١) المدخل لدراسة القرآن الكريم، لـ د. محمد أبو شهبة (ص ٣١٢).","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المطلب الثاني: تعريف البدع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>لغة:</span>\nالبدعة في اللغة مصدر (بَدَعَ)، ولها إطلاقات منها: البدء، والإنشاء، والإحداث، والاختراع، والخلق، والانقطاع (١).\nوهذه الإطلاقات ترجع جميعًا إلى أصل مادة \"بدع\": وهو الاختراع على غير مثال سابق، ومنه: قول الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ البقرة: ١١٧، أي: مخترعها من غير مثال سابق متقدم.\nقال ابن فارس - ﵀ - (٢): \"الباء والداء والعين\" أصلان لشيئين:\nأحدهما: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال سابق.\nالثاني: الانقطاع والكلال -كقولهم: أبدعت الراحلة إذا كلت وعطبت (٣).\nوفي الحقيقة أن هذا المعنى داخل في المعنى الأول لم يخرج عنه، وإلى ذلك أشار ابن الأثير (٤)\nحيث قال: \"يقال: أبدعت الناقة إذا انقطعت عن السير بكلال أو ظلع، كأنه جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه من عادة السير إبداعا، أي: إنشاء أمر خارج عما اعتيد منها\" (٥)، كما نص\n_________\n(١) ينظر: لسان العرب لابن منظور (١/ ٣٤١ - ٣٤٣)، والقاموس المحيط، للفيروزابادي (ص ٩٠٦ - ٩٠٧)، والصحاح للجوهري (٣/ ١١٨٣ - ١١٨٤).\n(٢) هو أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد القزويني، أبو الحسين، الإمام اللغوي، ولد بقزوين حوالي ٣٠٦/ ٣٠٨ هـ، له مصنفات منها: معجم مقاييس اللغة، ومجمل اللغة، توفي سنة ٣٩٥ هـ.\nينظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٧/ ١٠٣)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد (٣/ ١٣٢)، الوافي بالوفيات للصفدي (٧/ ١٨١).\n(٣) ينظر: مقاييس اللغة لأحمد بن فارس (١/ ٢٠٩ - ٢١٠).\n(٤) هو: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري ثم الموصلي، ولد سنة (٥٤٤ هـ)، كان فقيهًا محدثًا أديبًا نحويًا ورعًا عاقلًا، ذا برِّ وإحسان، توفي بالموصل - ﵀ - سنة (٦٠٦ هـ)، وله مصنفات بديعة منها جامع الأصول في أحاديث الرسول - ﵉ -، والنهاية في غريب الحديث.\n\nينظر: وفيات الأعيان (٤/ ٧)، والسير (٢١/ ٤٨٨)، وشذرات الذهب (٥/ ٢٢).\n(٥) النهاية في غريب الحديث (١/ ١٠٧).","vol":"1","page":22},{"text":"على ذلك أيضا ابن منظور (١) في اللسان (٢).\nفظهر بهذا أن هذا المعنى لم يخرج عن المعنى الأول لكلمة (بدع) وأنها إنما تطلق على الشيء المخترع المحدث أو الطارئ بعد أن لم يكن، لا غير (٣).\nبهذا الاستعراض الموجز لهذه المادة يتضح أن مادة (بدع) تعني الاختراع وهو: المحدث مطلقًا عادة أو عبادة أو غيرها؛ لأنها اسم من الابتداع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>تعريف البدعة في الشرع:</span>\nعرف عدد من العلماء البدعة في الشرع بتعريفات كثيرة، وهذه التعريفات وإن كان بينها اختلاف في الألفاظ، أدى إلى تفاوتها في استيفاء جزئيات التعريف كاملة، إلا أن مضمونها في الجملة واحد (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>ومن أهم هذه التعريفات:</span>\n١ - تعريف الإمام النووي (٥): \" البدعة في الشرع: هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله - ﷺ - \" (٦).\n_________\n(١) هو: محمد بن مكرم بن على جمال الدين بن منظور صاحب لسان العرب الإمام اللغوي الحجة ولد بمصر وخدم في ديوان الإنشاء بالقاهرة طول عمره وولي قضاء طرابلس، وكان عارفًا بالنحو واللغة والتاريخ والكتابة، وتوفى بمصر سنة (٧١١ هـ)، قال الذهبي: كان عنده تشيع بلا رفض، ومن مؤلفاته مختصر الأغاني، وجمع في اللغة كتابا سماه لسان العرب جمع فيه بين التهذيب والمحكم والصحاح والجمهرة جوده ما شاء ورتبه ترتيب الصحاح وهو كبير.\nينظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر (٦/ ١٥)، بغية الوعاة للسيوطي (١/ ٢٤٨)، تاج العروس للزبيدي (١/ ٥)، أبجد العلوم للقنوجي (٣/ ١٠).\n(٢) ينظر: لسان العرب (٩/ ٣٥٢).\n(٣) ينظر: موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع للرحيلي (١/ ٩٠)، وقواعد في معرفة البدع لمحمد بن حسين الجيزاني (ص ١٦).\n(٤) ينظر: موقف أهل السنة من أهل الأهواء (١/ ٩٠ - ٩٣)، وقواعد في معرفة البدع (ص ١٦ - ٢٢).\n(٥) هو: يحيى بن شرف بن مُري بن حسن بن حسين الحزامي النووي، أبو زكريا، المشهور بالنووي، أحد أعلام الشافعية، من مؤلفاته: المجموع شرح المهذب، شرح صحيح مسلم، رياض الصالحين، توفي سنة ٦٧٦ هـ.\nينظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٤٧٠)، طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٦٥)، الأعلام (٨/ ١٤٩).\n(٦) تهذيب الأسماء واللغات، للنووي (٣/ ٢٢).","vol":"1","page":23},{"text":"٢ - تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - للبدعة بقوله: \"البدعة في الدين: هي مالم يشرعه الله ورسوله، وهو مالم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب\" (١).\n٣ - تعريف الشاطبي (٢) للبدعة، بأنها: \"طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه\" (٣).\n٤ - تعريف ابن رجب (٤): للبدعة، قال: \"والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة\" (٥).\n٥ - تعريف السيوطي (٦): \"البدعة عبارة عن فعلة تصادم الشريعة بالمخالفة أو توجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان\" (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>وبتأمل هذه التعريفات تظهر المعالم الرئيسة لحد البدعة الشرعية، والتي يمكن إبرازها في النقاط التالية:</span>\n١ - أن البدعة إحداث في الدين وزيادة على المشروع، فيخرج بذلك ما أحدث في أمور الدنيا من أجل تحقيق مصالح دنيوية.\n_________\n(١) وبين شيخ الإسلام هذا بقوله: \"فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، وعلم الأمر به بالأدلة الشرعية: فهو من الدين الذي شرعه الله، وإن تنازع أُوُلو الأمر في بعض ذلك، وسواء كان هذا مفعولا على عهد النبي - ﷺ - أو لم يكن\". مجموع الفتاوى (٤/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(٢) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، محدث، فقيه أصولي لغوي، كان من أئمة المالكية، مات سنة (٧٩٠ هـ)، وله مؤلفات منها: الموافقات، وكتاب الاعتصام.\nينظر: معجم المؤلفين (١/ ٧٧)، والأعلام (١/ ٧٥).\n(٣) الاعتصام (١/ ٣٧).\n(٤) هو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، أبو الفرج، زين الدين، السلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، سلفي حنبلي، من مؤلفاته: جامع العلوم والحكم، فتح الباري شرح صحيح البخاري، القواعد الفقهية، توفي سنة ٧٩٥ هـ. ينظر: الدرر الكامنة (٢/ ٣٢١)، شذرات الذهب (٦/ ٢٣٠).\n(٥) جامع العلوم والحكم (ص ٢٦٥).\n(٦) هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد، المشهور بجلال الدين السيوطي، أشعري المعتقد، شافعي المذهب، مكثر من التصنيف، من مصنفاته: الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع، الخصائص الكبرى، شرح الصدور بأحوال الموتى والقبور وغيرها، توفي سنة ٩١١ هـ.\nينظر: الضوء اللامع (٤/ ٦٥ - ٧٠)، شذرات الذهب (٨/ ٥١).\n(٧) الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع (ص ٨٨).","vol":"1","page":24},{"text":"٢ - أن البدعة ليس لها أصل في الشرع يدل عليها، أما ما دلت عليه قواعد الشريعة فليس ببدعة (١)، وإن لم ينص الشارع على عينه، ومثال ذلك من واقعنا المعاصر: من صنع آلة حربية كطائرة أو صاروخ، أو دبابة، أو غيرها من وسائل الحرب الحديثة قاصدا بذلك الاستعداد لقتال الكفار، والذب عن المسلمين، ففعله هذا ليس بدعة، مع أن الشرع لم ينص على عينه، ولم يستخدم الرسول - ﷺ - مثل هذه الآلات في قتال الكفار، لكن صناعة مثل هذه الآلات داخلة تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الأنفال: ٦٠، وهكذا بقية الأفعال، فكل ما له أصل في الشرع فهو من الشرع وليس ببدعة.\n٣ - أن البدعة كلها مذمومة فلا توجد بدعة حسنة كما يزعم محسنو البدع؛ لأن البدع مصادمة للشريعة مضادة لها، فهي مذمومة على كل حال، وقد أبرزت كل التعريفات هذا الجانب المهم (٢).\n٤ - البدعة في الدين قد تكون بالنقص فيه كما تكون بالزيادة فيه (٣)، نص على هذا السيوطي، غير أنه يحتاج إلى تقييد بأن يكون الباعث على النقص هو التدين، أما إذا كان الباعث عليه غير التدين فليس ببدعة كترك أمر واجب لغير عذر فإنه معصية لا بدعة، وكذلك ترك شيء من النوافل لا يعد بدعة.\nهذا أهم ما اشتملت عليه التعريفات السابقة للبدعة من أحكام، وقد ظهر من خلالها تحديد مفهوم البدعة في الشرع، واتضحت الضوابط الصحيحة لتعريفها (٤).\nكما أن (البدعة) تستعمل في الخير والشر، إلا أنها أكثر ما تستعمل عرفا في الذم.\n_________\n(١) قواعد الأحكام (٢/ ١٧٢ - ١٧٤).\n(٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٥٥٥) (١٨/ ٣٤٦)، والاستقامة (١/ ٤٢).\n(٣) إيثار الحق على الخلق لأبي عبد الله محمد بن المرتضى اليماني (ص ٨٤ - ٨٨).\n(٤) موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع، أ. د. إبراهيم الرحيلي (ص ٩١ - ٩٣)، وينظر: الاعتصام (١/ ٣٨)، وقواعد في معرفة البدع (ص ٢٢).","vol":"1","page":25},{"text":"كما نص على ذلك ابن الأثير في النهاية (١)، وكما بين ذلك السفاريني (٢) في لوائح الأنوار، بقوله: \" وقد غلب لفظ البدعة على الحدث المكروه في الدين مهما أطلق هذا اللفظ، ومثله المبتدع لا يكاد يستعمل إلا في الذم. وأما من حيث أصل الاشتقاق فإنه يقال ذلك في المدح والذم؛ لأن المراد أنه شيء مخترع على غير مثال سابق، ولهذا يقال في الشيء الفائق جمالًا ما هو إلا بدعة، فإن قلت: المحدثات منقسمة إلى بدعة مستحسنة وإلى بدعة مستقبحة، فالأمر كذلك، ولكن تسمية المستحسن من ذلك بدعة على سبيل التوسع والمجاز، وإلا فالبدع المراد بها: ما خالف المشروع، وتعدى به إلى الممنوع ... \" (٣).\nويمكن مما سبق تحديد معنى البدعة في الشرع بأنها ما جمع القيود السابقة، ولعل التعريف الجامع لهذه القيود أن يقال: البدعة هي: ما أحدث في دين الله، بقصد التعبد، من غير دليل معتبر شرعًا -والله أعلم-.\nومن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة، وهو إطلاق أخص منه في اللغة، فالبدعة في اللغة أعم منها في الشرع (٤) كما يظهر من خلال التعريفين اللغوي والشرعي للبدعة.\n_________\n(١) ينظر: النهاية (٤/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(٢) هو محمد بن أحمد بن سليمان السفاريني النابلسي، شمس الدين، سلفي حنبلي، من مؤلفاته: الدرة المضيئة في عقيدة الفرقة المرضية وشرحها، لوامع الأنوار البهية وسواطع الأثرية، والذخائر لشرح منظومة الكبائر، توفي سنة ١١٨٨ هـ.\nينظر: سلك الدرر للمرادي (٤/ ٣١)، الأعلام للزركلي (٦/ ١٤).\n(٣) لوائح الأنوار شرح الحائية (١/ ١٧٣ - ١٧٥).\n(٤) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (٢/ ٥٩٠).","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>المطلب الثالث: تعريف \"التقابل\" في اللغة والاصطلاح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>التقابل لغة:</span>\nكلمة (تقابل) أخذت معاني لغوية مختلفة منها: التلقاء، والمواجهة، والضم. والذي يعنينا في هذا البحث، معنى (المواجهة).\nيقول ابن فارس - ﵀ -: \"القاف والباء واللام أصل واحد صحيح تدل كلِمهُ كلُّها على مواجهة الشيء للشيء ... والقِبلةُ سُمِّيت قِبلةً لإقبال النَّاس عليها في صلاتهم، وهي مُقْبِلةٌ عليهم أيضًا. ويقال: فَعَل ذلك قِبَلًا، أي: مُواجَهَة \" (١).\nوالمقابلة والتقابل في اللغة واحد، يقول الجوهري - ﵀ - (٢): \"المقابلة: المواجهة والتقابل مثله\" (٣).\nويقول ابن منظور - ﵀ -: \"المقابلة: المواجهة، والتقابل مثله. وهو قبالك وقبالتك أي: تجاهك\" (٤).\nوتقابل القوم: استقبل بعضهم بعضا، وقوله تعالى في وصف أهل الجنة: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ الحجر: ٤٧، جاء في التفسير: \"أنه لا ينظر بعضهم في أقفاء بعض\" (٥). وأقبله الشيء: قابله به (٦).\nيتضح مما تقدم أن معنى التقابل في اللغة المواجهة التي تتم بين شيئين.\n_________\n(١) معجم مقاييس اللغة، مادة (ق ب ل) (٥/ ٥١).\n(٢) هو: أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي التركي، كان عالمًا بالعربية، فصيحًا شاعرًا، محبًا للأسفار والتغرب، بديع الخط من أشهر مؤلفاته: الصحاح، توفي عام (٣٩٣ هـ)، إثر إسقاطه نفسَه من فوق الجامع القديم بنيسابور متأبطًا جَناحي خشب يريد الطيران كما رجحه الصفدي وابن حجر وغيرهما.\nينظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٨٠)، وطبقات النحويين واللغويين للزبيدي (١/ ٢٦٢)، طبقات المعتزلة لأحمد المرتضي (ص ١١٥)، ومقدمة الصحاح لأحمد عبد الغفور عطار.\n(٣) الصحاح، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، مادة (ق ب ل).\n(٤) لسان العرب، مادة (ق ب ل).\n(٥) تفسير السمعاني (٥/ ٣٤٦).\n(٦) ينظر: تاج العروس من جواهر القاموس (٣٠/ ٢١٩)، لسان العرب (١١/ ٥٣٤)، المحكم والمحيط الأعظم لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي، تحقيق: عبد الحميد هنداوي (٦/ ٤٢٩).","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>وأما المعنى الاصطلاحي للتقابل:</span>\nفهو لا يبتعد كثيرًا عن المعطيات اللغوية لمفردة \"التقابل\" السابقة .. فاصطلاحًا:\nيقال التقابل هو: المواجهة بين شيئين على سبيل التدافع والتمانع.\nويقال: هو كون شيئين في طرفين معينين يقتضي أحدهما وجود الآخر (١).\nوقيل: المتقابلان: شيئان يمتنع تعلقهما معًا بموضوع واحد ينسبان إليه من جهة واحدة، ويعقل أو يوجد أحدهما بإزاء الآخر أو في غاية البعد من الآخر (٢).\nوقيل: التقابل هو امتناع اجتماع شيئين في موضوع واحد من جهة واحدة (٣).\nوبالنظر إلى ما سبق نخلص إلى التعريف المختار للتقابل بأنه:\nعملية استدلالية تقوم على أساس المواجهة بين فكرة أو رأي في مواجهة فكرة أو رأي آخر، بحيث يمتنع اجتماعهما في موضوع واحد من جهة واحدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>والمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: </span>أن الدليل المعارض لدليل آخر كأنه يقف في الناحية المقابلة للناحية التي يقف فيها الدليل الآخر. أو أن كلا منهما يقف في عرض الآخر.\nوهذا هو تعريف (التقابل) من حيث الأصل، وإن كان قد توسع في معناه، بحيث يكون في غير المتضادين (٤)، فثمة تفصيلات وتفريعات أخر (للتقابل)، آثرت إطراحها خشية الإطالة، والبعد عن المقصود، مما لا يخدم هذا البحث.\n_________\n(١) التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية لابن حزم (ص ٧٣).\n(٢) تجريد المنطق لنصير الدين محمد بن الحسن الطوسي (ص ١٥).\n(٣) المواقف للإيجي (١/ ٣٨٦).\n(٤) والمشهور إن \" الضدين \" أمران ينسبان إلى موضوع ولا يمكن أن يجتمعا فيه، كالذكورة والأنوثة، والتحقيق يقتضي كونهما موجودين - في غاية التخالف - تحت جنس قريب يصح منهما أن يتعاقبا على موضوع أو يرتفعا عنه، كالسواد والبياض .. وأقسام التقابل أربعة: أولهما: الإيجاب والسلب، وثانيها: التضايف وثالثه: التضادّ، ورابعها: الملكة والعدم. ينظر: تجريد المنطق للطوسي (ص ١٥).","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المطلب الرابع: تعريف \"البدع المتقابلة</span>\".\nسيكون بحثنا هنا في المسائل العقدية، وفي باب منها هو: باب البدع، فبناء على ما سبق (١): يكون اختيار التعريف المناسب لهذا اللفظ المركب \"البدع المتقابلة\"، أنها: (تقابل من جهة الاستدلال العقدي على سبيل الممانعة الصورية لدى المبتدعة ينتج عنه الإفراط والتفريط)؛ لأن تعريفها بهذه الطريقة فيه حصر -والله أعلم-؛ والآتي شرح للتعريف:\n\nفقول: (تقابل) جنس في التعريف يدخل فيه كل تقابل لأي شيئين أو أكثر.\nوقول: (الاستدلال): قيد يبين أن التقابل إنما يكون بين الدليلين (٢) وعمومه يشمل القطعي والظني من الأدلة. وكذلك التقابل في طريقة الاستدلال العقلي.\nوقول: (العقدي): قيد يبين أن التقابل إنما يكون في المسائل العقدية فيخرج به التعارض بين غير العقدية.\nوقول: (على سبيل الممانعة) أي أن التقابل بين المسائل العقدية إنما يكون على وجه مخالفة أحدهما للآخر. والتقابل يلزم منه التدافع والتمانع؛ لأن الدليلين إذا تقابلا على محل واحد في وقت واحد وأحدهما ينفي ما يثبته الآخر فإنه يلزم من ذلك أن يدفع كل منهما الآخر، ويمنعه فيتدافعان ويتمانعان بعد تقابلهما فيكون التدافع والتمانع لازمان للتقابل (٣).\nوقول: (الصورية لدى المبتدعة) أي: من وجهة نظر المجتهد؛ لأنه لا يوجد تعارض حقيقي بين الأدلة الصحيحة عند أهل السنة والجماعة، بل يوجد عند المخالفين لهم ممن نحى منحى الإفراط أو التفريط.\nأما قول: (ما ينتج الإفراط والتفريط) أي: ينتج عن الخروج عن المنهج الحق الإفراط في أمر ما: وهو تجاوز الحد فيه، أو التفريط فيه: وهو التقصير به عن رتبته التي هي له (٤).\n_________\n(١) أي من تعريف مفردة البدع والتقابل.\n(٢) القيد ليس للحصر وإنما هو لبيان أقل ما يقع فيه التعارض.\n(٣) الشرح الكبير لمختصر الأصول من علم الأصول المؤلف: أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي (ص ٥٣٧).\n(٤) ينظر: مقاييس اللغة لابن فارس (٤/ ٤٩٠)، المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (ص ٣٧٦ - ٣٧٧).","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>أما لفظة \"البدع المتقابلة</span>\":\nفإنها لم تكن مشهورة في القرون الماضية، وإنما اشتهر التكلم بها بعد ذلك وقد نقل التكلم بها عن غير واحد من الأئمة والشيوخ (١)، وإن كان حقيقة هذا اللفظ المركب جديدة إلا أن معناها معروف في اللغة العربية، كما سبق بيانه، وفي كتب العقائد.\nوقد بين شيخ الإسلام - ﵀ - أن الانحراف في باب صفات الرب وتنزيهه -جل وعلا- قد تقاسمه أهل التعطيل، وأهل التمثيل، والانحراف في باب الإيمان وقع من طرفي: الغلو في تكفير أصحاب الكبائر، والتفريط من المرجئة في إخراج العمل من مسمى الإيمان، كما وقع الانحراف على هذا النحو في باب القدر، وباب الصحابة، وغيرها من أبواب الاعتقاد، كذلك وقع الانحراف في الأمة في النظر العقلي من جانبين، أهل الإفراط والإغراق في العقليات، من أهل الكلام ومن تأثر بهم، وأهل التفريط والتقصير في هذا الباب، من الصوفية وأهل التقليد، وقد يقترب من كل من الطائفتين بعض المنتسبين إلى السنة والحديث (٢).\nقال ابن القيم - ﵀ -: \"فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخير الناس النمط الأوسط الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين، وقد جعل الله -﷾- هذه الأمة وسطًا، وهي الخيار العدول؛ لتوسطها بين الطرفين المذمومين،\nوالعدل هو الوسط بين طرفي الجور والتفريط، والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف، والأوساط محمية بأطرافها، فخيار الأمور أوساطها\" (٣).\nوقال ابن أبي العز: \" فصار هؤلاء ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ الأنعام: ١٥٩، يقابلون البدعة بالبدعة، أولئك غلوا في علي، وأولئك كفروه! وأولئك غلوا في الوعيد، حتى خلدوا بعض المؤمنين، وأولئك غلوا في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد أعني المرجئة! وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، وهؤلاء غلوا في الإثبات، حتى وقعوا في التشبيه! وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع، ويعرضون عن الأمر المشروع، وفيهم من استعان على\n_________\n(١) أمثال: شيخ الإسلام ابن تيمية ينظر: درء التعارض (٦/ ١٥٨) ومجموع الفتاوى (٤/ ٢٣)، والفتاوى الكبرى (٦/ ٦٣٩)، ومنهاج السنة (٦/ ١٤٢)، والإمام ابن القيم ينظر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل الباب الثالث عشر، والإمام الذهبي ينظر: المنتقي من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال (ص ٣٨٧)، وابن أبي العز ينظر: شرح الطحاوي (٢/ ٧٩٧)، وتقي الدين أحمد بن علي المقريزي ينظر: تجريد التوحيد المفيد (ص ٣٠)، ومحمد بن أحمد بن سالم السفاريني ينظر: لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية (١/ ٣٠٩).\n(٢) ينظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٣/ ٣٣٩)، والأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد لسعود العريفي (ص ١٦٧).\n(٣) إغاثة اللهفان (١/ ٢٠١).","vol":"1","page":30},{"text":"ذلك بشيء من كتب الأوائل: اليهود والنصارى والمجوس والصابئين، فإنهم قرأوا كتبهم، فصار عندهم من ضلالتهم ما أدخلوه في مسائلهم ودلائلهم، وغيروه في اللفظ تارة، وفي المعنى أخرى! فلبسوا الحق بالباطل، وكتموا حقا جاء به نبيهم، فتفرقوا واختلفوا وتكلموا حينئذ في الجسم والعرض والتجسيم، نفيا وإثباتا\" (١).\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \"فلعسر الفرق والتمييز، يميل قوم إلى زيادة في الإثبات، وآخرون إلى زيادة في النفي العام، ولهذا كان مذهب الإمام أحمد والأئمة الكبار: النهي عن الإثبات العام والنفي العام، بل إما الإمساك عنهما، وهو الأصلح للعموم، وهو جمل الاعتقاد، وأما التفصيل المحقق فهو لذي العلم من أهل الإيمان، كما أن الأول لعموم أهل الإيمان\" (٢).\nوقال أيضًا: \" هذا الغلو من جانب الإثبات يقابل التكذيب من جانب النفي، وكلاهما خارج عن السنة والجماعة\" (٣).\nلذلك جاءت الأساليب القرآنية بلفت الأنظار بذكر الموازنة بين الضدين، وإثبات عدم المساواة بينهما لتأخذ بالقلوب نحو اختيار النافع والصالح، وترك ما سواه، كما أن للقرآن الكريم أساليب متعددة في توجيه أولي الألباب إلى المفاضلة بين الضدين وعدم المساواة بينهما (٤)، ولفظة البدع المتقابلة سيتناولها هذا البحث، من جهة المقابلة في المعنى (٥) دون اللفظ.\nوقد أوضح ابن الأثير - ﵀ - بخصوص (التقابل المعنوي)، بقوله: \"واعلم أن في تقابل المعاني بابًا عجيب الأمر، يحتاج إلى فضل تأمل، وزيادة نظر وتدبر\" (٦).\n_________\n(١) شرح الطحاوية (٢/ ٧٩٩).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٣١).\n(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٤).\n(٤) اعتمد القرآن الكريم في خطابه أسلوب المقابلات؛ وذلك بأن يقابل بين الأشخاص، ويقابل بين الأعمال، ويقابل بين النتائج، ويقابل بين البدع الباطلة والرد عليها، فإذا تحدث عن المؤمنين أتبعه بالحديث عن الكافرين، وإذا تحدث عن العاملين المخلصين أردفه بالحديث عن القاعدين المهملين، وإذا تحدث عن عاقبة المتقين قرنه بالحديث عن عاقبة المكذبين، وإذا رد على بدعة رد على ما يقابلها من البدع، وعلى هذا السَّنَن يجري الخطاب في القرآن الكريم.\n(٥) ومن أمثلة (التقابل) المعنوي، قوله سبحانه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ الأنبياء: ٢٣. وبيان (التقابل) هنا من جهة المعنى: أن في الآية ردًا على طائفتين متقابلتين من طوائف المبتدعة. فردت هذه الآية على من نفى أفعال الله-من القدرية - بأنه سبحانه (يَفْعَلُ)؛ وقد ذكر ابن القيم - ﵀ - تعالى أن أدلة إثبات الحكمة والتعليل في أفعال الله تزيد على عشرة آلاف دليل .. ينظر شفاء العليل (١/ ٥٧٣). وفيها رد كذلك على نفاة أفعال العباد -من الجبرية- بأنهم (يُسْأَلُونَ)؛ ونسبة السؤال إليهم فيه دلالة على أنهم قادرين ومحاسبين على أعمالهم.\n(٦) الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور (ص ٢١٥).","vol":"1","page":31},{"text":"وهذا هو التقابل الذي سيتناوله البحث بحول الله وقوته، مع البدع الواردة في آيات القرآن الكريم.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الثاني نشأة البدع المتقابلة، ومناهج العلماء في الرد عليها</span>.\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>المطلب الأول: تاريخ نشأة البدع المتقابلة، وأسباب ظهورها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>أولا: تاريخ نشأة البدع المتقابلة:</span>\nلسنا بصدد الحديث عن نشأة كل فرقة على حدة، ولكن لا بد من الحديث إجمالًا عن نشأة البدع المتقابلة وتطورها.\nوذلك أن نمو الأفكار والعقائد يعتريه من التداخل والتركيب والامتزاج، وردود الأفعال والتأثرات النفسية والتقلبات الفكرية، ما يجعله مختلطًا على كثير من الناس.\nوقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أن: \" البدعة كلما كانت أظهر مخالفة للرسول يتأخر ظهورها، وإنما يحدث أولًا ما كان أخفى مخالفة للكتاب والسنة\" (١)، ويقول أيضًا: \" فإن البدع إنما يظهر منها أولًا فأولا الأخف فالأخف، كما حدث في آخر عصر الخلفاء الراشدين بدعة الخوارج والشيعة، ثم في آخر عصر الصحبة بدعة المرجئة والقدرية، ثم في آخر عصر التابعين وانقراض أكابر التابعين ظهرت بدعة الجهمية معطلة الصفات\" (٢) \"ومعلوم أن أهل الكتاب أقرب إلى المسلمين من المجوس والصابئين والمشركين، فكان أول ما ظهر من البدع فيه شبه من اليهود والنصارى ... ثم لما عُرِّبت كتب الفرس والروم ظهر التشبه بفارس والروم، وكتب الهند انتقلت بتوسط الفرس إلى المسلمين، وكتب اليونان انتقلت بتوسط الروم إلى المسلمين، فظهرت الملاحدة الباطنية الذين ركبوا مذهبهم من قول المجوس واليونان مع ما أظهروه من التشيع\" (٣).\n_________\n(١) الرد على الإخنائي (ص ٢١٣).\n(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٨).\n(٣) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٧٠ - ٤٧١).","vol":"1","page":33},{"text":"\"ومما يجدر التنبه له أن الفرق بعد القرن الثالث اختلطت أصولها وتلاقحت، فأصبحت بقايا الخوارج أقرب للمعتزلة مع التزام أصولها الأولى، والرافضة سلكت سبيل المعتزلة (١) والجهمية في الكلاميات مع التزامها أصولها الأولى، والأشاعرة والماتريدية أخذت بكثير من أصول الجهمية والمعتزلة، والتجهم والاعتزال اندمج في أصول المتكلمين الأشاعرة، والتصوف اختلط بالفلسفة والاتجاهات الباطنية، وهكذا\" (٢).\n\"أما من القرن الخامس وما بعده فقد تلاشت الفروق بين الفرق، واندمج كثير من أصول بعضها في أصول البعض الآخر، وصارت أعلام الفرق وراياتها تندرج تحت شعارات: الصوفية، والفلاسفة، والباطنية، والرافضة، وأهل الكلام. ثم ظهرت الشعارات الحديثة كالقوميات، والحزبيات والطائفية، والشعوبية، والعلمنة، والحداثة، والاتجاهات الفكرية، والأدبية والثقافية والسياسية، والفنية ... وكلها تدور في فلك أصول الأهواء القديمة، وتزيد عليها ضلالات المناهج الغربية الحديثة وانحرافاتها وكفرياتها\" (٣).\nومن المهم أن نعلم أنه وعلى امتداد الثلاثة القرون المفضلة لم يكن أصحاب البدع إلا مستنقعات جانبية على ضفتي تيار الإسلام الضخم، ولم يكن فيها أحد من أئمة الإسلام المتبوعين ورجاله المعدودين قط (٤)، يقول ابن تيمية - ﵀ - في تأكيد هذه الحقيقة - وهو من المهتمين بتاريخ الافتراق في الأمة كما يظهر من كتبه-: \" الصحابة لم يختلفوا في شيء من قواعد الإسلام لا في الصفات ولا في القدر ولا في مسائل الأسماء والأحكام ولا في الإمامة\" (٥).\nومن المعلوم أن البدع التي نشأت في الأمة الإسلامية لم تظهر دفعة واحدة، ولا في زمن واحد، بل ظهرت في أزمنة مختلفة، وفي أماكن متباعدة، فقد مرت البدع المتقابلة منذ فجر الإسلام بمراحل؛ فقد ظهرت المحكمة الأولى من الخوارج، وهي أول الفرق ظهورًا، في زمن علي - ﵁ - وقد استفحل خطرهم، حيث أخرجوا من دائرة الدين كل من ارتكب كبيرة من\n_________\n(١) أدى الانتصار الكبير الذي حققه أهل السنة بقيادة الإمام أحمد، وانقلاب الدولة العباسية، إلى التنكيل بالمعتزلة والمبتدعة، وظهور حقيقة التشيع وانتساب القرامطة ونحوهم له، إلى تقارب أهل البدع وتمازجهم في مواجهة عودة السنة، والمعتزلة فرقة لها عقل ونظر لكن بلا جمهور، والشيعة لها جمهور ولا عقل لها ولا نظر، فكان أن اندمجت الفرقتان، واتفقتا على العدو المشترك \"أهل السنة\".\nينظر: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (١/ ٣٣٦).\n(٢) دراسات في الأهواء والفرق والبدع وموقف السلف منها (١/ ١٤٥).\n(٣) دراسات في الأهواء والفرق والبدع (١/ ١٨٧).\n(٤) ينظر: ظاهرة الإرجاء (١/ ٢٨٨).\n(٥) منهاج السنة النبوية (٦/ ٣٣٦)، وينظر: مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٨٩).","vol":"1","page":34},{"text":"الكبائر، وخرجوا على إمام المسلمين وجماعتهم واستحلوا قتالهم، فقام علي - ﵁ - ومن معه من الصحابة فحاربوا هذا الفكر الهدام.\nوبينما انشغل المسلمون بهذه المصيبة ظهرت بدعة مقابلة لفكر الخوارج وهي التشيع، والذي تولى كبرها: \"عبدالله بن سبأ اليهودي\"، فقال بعصمة علي بن أبي طالب - ﵁ - وآل البيت، بل تعدى ذلك إلى تأليهه، وسب الصحابة علنا، فتصدى لهذه الظاهرة علي - ﵁ - وقمعها فظلت مغمورة.\nفكانت هذه الحادثة هي بداية ظهور البدع المتقابلة .. هذا باعتبار نسبة البدع إلى فِرقِها المناصرين لها، أما باعتبار ظهور بذور البدعة فسيختلف زمن الظهور؛ لأن إرهاصات البدع المتقابلة وبذورها نشأت مصاحبة لعهد النبوة، فقد خرج من يَتَقال عمل النبي - ﷺ - «فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، وقال بعضهم: أصوم لا أفطر ...» (١)، فكانوا في طرف الجفاة، وفي مقابلهم خرج من يطرون النبي - ﷺ - فوق منزلته: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» (٢)، فكانوا في الطرف الآخر للغلاة.\nوهذه النزعات كانت فردية ساذجة في الغالب، أو من أناس ليسوا من الأمة: كالنصارى واليهود والمنافقين، وليست جماعية، وليس لها أتباع ورؤوس، عدا الفتنة (السبئية) على عثمان - ﵁ - (٣) فإنها كانت مبيتة فيما يظهر، ولها زعماء وجمهور من الرعاع والغوغائية، وتمخضت عنها أول الفرق (الشيعة والخوارج) (٤).\nوبما أن آيات القرآن الرادة على البدع المتقابلة كانت في العهد النبوي فربما يكون هذا دليلًا على أنها كانت قديمة بقدم ما يتحدث عنه القرآن الكريم، مع العلم أنه لم يقع\n_________\n(١) رواه مسلم في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد المؤنة، برقم (١٤٠١).\n(٢) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾، برقم (٣٤٤٥).\n(٣) الخلاف في عهد عثمان - ﵁ - في فتن كالموج كانت هذه الفتن الخطوة الأولى للافتراق السياسي بين المسلمين وكذلك كانت الخطوة الأولى لتكوين المذاهب السياسية. ينظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (١/ ٢٧).\n(٤) ينظر: دراسات في الأهواء والبدع (١/ ١٦٦).","vol":"1","page":35},{"text":"فرقة أو اختلاف في حياته - ﷺ -؛ لأنه بين أظهرهم والوحي يتنزل عليه، فلا مجال للفرقة، ولا مرتع للبدعة (١).\nوعلى كل حال فإن ما يهمنا هو ظهور البدع المتقابلة بشكلها الواضح الذي يتشكل فيه الأتباع والرؤساء؛ لأنها أحدثت فتننا مفرقة للأمة؛ فلا تزال الفتن تتوالى على مر العصور، والمعركة محتدمة بين الحق والباطل ونار الأهواء تضطرم وتتفاقم فكثرت البدع في الأمة وفشت، وتزايدت الفرق وكثرت حتى تحقق في الأمة قول الصادق المصدوق - ﷺ -: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» (٢) (٣).\nوقد تميزت كل الفرق بالإفراط أو التفريط، بالغلو أو التقصير، وبالتباين والتناقض فيما بينها. فإن أصول الفرق متعاكسة تمامًا، وبيان ذلك:\n١ - التكفير (ويقابله الإرجاء)، ومنه نتجت: مذاهب الخوارج قديمًا وحديثًا.\n٢ - الإرجاء (ويقابله التكفير)، ومنه نتجت: مرجئة الجهمية، ومرجئة الفقهاء، ومرجئة الأشاعرة، والماتريدية.\n٣ - التشيع (ويقابله النصب)، ومنه نتجت: مذاهب الرافضة، والزيدية، والباطنية.\n٤ - النصب (ويقابله التشيّع)، ومنه نتجت: النواصب المبغضون لعلي كالخوارج.\n٥ - القدر (ويقابله الجبر)، ومنه نتجت: القدرية، والمعتزلة.\n٦ - الجبر (ويقابله القدر)، ومنه نتجت: جبرية الجهمية، وجبرية الأشاعرة، والماتريدية (٤).\n٧ - التعطيل (ويقابله التشبيه)، ومنه نتجت: الجهمية، والمعتزلة، وطوائف من أهل الكلام.\n_________\n(١) وسطية أهل السنة بين الفرق باكريم (ص ٢٨٩).\n(٢) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم (٨٣٩٦)، ورواه أبو داود في سننه كتاب السنة برقم (٤٥٩٦) واللفظ له، ورواه الترمذي في سننه أبواب الإيمان، برقم (٢٧٧٨)، وقال: حديث حسن صحيح، ورواه ابن ماجه في سننه في كتاب الفتن باب افتراق الأمم برقم (٣٩٩٢)، وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ١٢٨، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجة برقم (٣٩٩٢)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (١٤٢٩).\n(٣) ينظر: وكل بدعة ضلالة لمحمد الريسوني تحقيق الجماز (ص ٣٧ - ٣٨)، وزيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه، أ. د. عبد الرزاق ابن عبد المحسن البدر (ص ٤٢٨)، بدع الاعتقاد النشأة والتاريخ، شبكة الإسلام.\n(٤) الماتريدية في القدر ليسوا جبرية، بل هم قريب من المعتزلة، إلا ماتريدية بخارى فهم أشاعرة.","vol":"1","page":36},{"text":"٨ - التشبيه (ويقابله التعطيل)، ومنه نتجت: المشبهة الرافضة الأولى، ثم الكرامية.\n٩ - التأويل (ويقابله التفويض)، ومنه نتجت: الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، والماتريدية.\n١٠ - التفويض (ويقابله التأويل)، ومنه نتجت: المفوضة (١)، والواقفة.\n١١ - التصوف (ويقابله الجفاء)، ومنه نتجت: الطرق الصوفية وبدعها.\n١٢ - الجفاء (ويقابله التصوف)، ومنه نتج: منهج النظر العقلي، الذي يقول به المتكلمون.\n١٣ - الابتداع (ويقابله الإعراض عن الشرع)، ومنه نتجت: البدع في العبادات، وغيرها كالمشاهد، والمزارات، والمقابرية، والتبرك البدعي.\n١٤ - الإعراض عن الشرع (ويقابله الابتداع في الدين)، ومنه نتجت: الزندقة، والإلحاد والعلمنة، والحداثة، والشعارات، والحزبيات، والقوميات، والقوانين الوضعية (٢).\nوبين رياح البدع العاتية، وأمواج الفتن المتلاطمة، يقف أهل السنة والجماعة بين الغلاة والجفاة، يعتصمون بالكتاب، وينصرون السنة، فيستبين بهم الحق، ويهتدي بهم الخلق، وما ذاك إلا لتحقيق ما تكفل الله به ووعد، من حفظ الدين، ولكي تبقى العقيدة صافية نقية كما كانت في عهد النبي - ﷺ -.\nوالوسطية في الإسلام منهج عام، فهي لا تتعلق بمسألة من المسائل، أو بنوع من أنواع العلم، بل هي خصيصة وميزة عامة في الشريعة، وقاعدة كلية لا تنخرم، \"فإذا نظرت في كلية الشريعة وتأمَّلتها تجدها حاملة على الوسط، فإن رأيت ميلا إلى جهة طرف من الأطراف؛ فذلك في مقابل واقع أو متوقَّع في الطرف الآخر. فطرف التشديد -وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحراف في الدين.\n_________\n(١) كثير من أهل الكلام (الأشاعرة والماتريدية) إذا عدلوا عن علم الكلام ينتهي بهم الأمر إلى التفويض، لذلك يزعم بعضهم أن هذا هو مذهب السلف، ويحكي بعضهم مذهب السلف على أنه هو التفويض. دراسات في الأهواء والفرق والبدع وموقف السلف منها (١/ ١٥٠) حاشية رقم (١).\n(٢) ينظر: دراسات في الأهواء والفرق والبدع وموقف السلف منها (١/ ١٤٩ - ١٥٠).","vol":"1","page":37},{"text":"وطرف التخفيف - وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحًا، ومسلك الاعتدال واضحًا، وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه\" (١).\nومن هنا ظهرت ضرورة التوسع في دراسة كلا الظاهرتين (ظاهرة الإفراط وظاهرة التفريط) لمعرفة حقيقة ضلال الفرق، وإذا ما أردنا الوصول إلى الحقيقة، فإن علينا أن نعرف تلك الظاهرتين من خلال آيات القرآن الكريم.\nنسأل الله -﷾- أن يعصمنا من الضلال بعد الهدى، وأن يميتنا على الحق المبين.\n_________\n(١) الموافقات للشاطبي (٢/ ٢٨٦)، ينظر: منهج الوسطية في التشريع الإسلامي وأثره في الوقاية من ظاهرة الغلو والتكفير، د. نور الدين بو حمزة (٥٨٩٩) المنشور في السجل العلمي لمؤتمر ظاهرة التكفير المجلد التاسع.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>ثانيًا: أسباب ظهور البدع المتقابلة:</span>\nلا يخفى أن البدع والمحدثات في الدين هي أصل كل بلاء، وسبب كل فتنة، وأن انتشارها وظهورها لأمر عظيم وخطر جليل، وهو عنوان تخلف الأمة وبُعدها عن دينها، وإن دواعي البدعة وبواعثها لكثيرة ومتعددة، يصعب حصرها، لتجددها وتنوعها حسب الأحوال والأزمان والأمكنة والأشخاص.\nولا شك أن لكل انحراف في الدين أسبابًا وعوامل أسهمت -بشكل أو بآخر- في إيجاده؛ لذا فإن الوقوف على الأسباب الكامنة وراء \"ظهور البدع المتقابلة\" يسهم كثيرًا في تجنبها، قال حذيفة بن اليمان ﵁: «إن أصحابي تعلموا الخير، وإني تعلمت الشر، قالوا: وما حملك على ذلك؟ قال: إنه من يعلم مكان الشرّ يتقه» (١).\nوعليه فيمكن إرجاع الدواعي والأسباب التي أدت إلى ظهور البدع المتقابلة وانتشارها في أوساط المسلمين إلى عدة أسباب؛ أذكر منها على وجه الاختصار ما يلي (٢):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>١ - إحسان الظن بالعقل البشري: </span>إن الله جعل للعقول في إدراكها حدًا تنتهي إليه ومجالًا تعمل فيه لا تتعداه، وإن أهل البدع حين قلَّت بضاعتهم من العلم الشرعي وفهم السنن (٣)، استهانوا بنصوص الشرع، وعدلوا عن اتباع نهج السلف، ولجأوا إلى الاعتماد على العقل، فلما حكموا عقولهم قصرت وعجزت عن إدراك حقيقة الغيبيات من المخلوقات، بل لم تحط بعلم الشهادة وما تدركه الحواس، فوقفوا عند نهاية مدارك العقول والأوهام والظنون والخيالات الفاسدة وجعلوها عقائد لهم.\nوقد شاع بين طائفة من الناس التفكير الفلسفي في إثبات العقائد وقد جرهم هذا إلى دراسة مسائل ليس في استطاعة العقل البشري أن يصل إلى نتائج مقررة ثابته فيها، كمسألة إثبات صفات الله تعالى ونفيها، ومسألة قدرة العباد\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم (٣٦٠٦)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، برقم (١٨٤٧).\n(٢) ينظر: الاعتصام (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، البدع الحولية لعبد الله التويجري (ص ٣٧)، وسطية أهل السنة بين الفرق، د. محمد باكريم محمد با عبد الله (ص ١١٦، ٣٠٠)، مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية، د. عثمان جمعة ضميرية (ص ٢١٠).\n(٣) ومن يعلم منهم ذلك يحجبه هواه عن فقهه.","vol":"1","page":39},{"text":"بجوار قدرة الرب، وغير ذلك من المسائل، فإن البحث في هذه المسائل يفتح بابًا واسعًا من أبواب الاختلاف (١)، إذ تختلف الأنظار، وتتباين المسالك ويتجه كلٌ اتجاهًا يخالف الآخر، وربما كان أكثر المسائل التي وقع الاختلاف فيها بين علماء الكلام من هذا القبيل (٢)؛ وكل أهل التأويل يقولون بتحكيم العقل وهم مع هذا مختلفون، فإن جاز لنا تحكيم العقل فإلى أي عقل نحتكم! .\nذلك إذا عرفنا أن قوى العقول متفاوتة مختلفة، وكثيرًا ما يشتبه المجهول بالمعقول، فلا يمكن أن يفصل بين المتنازعين قول شخص معين ولا معقوله، وإنما يفصل بينهم الكتاب المنزل من السماء، والرسول المبعوث المعصوم فيما بلغه عن الله تعالى، ولهذا لا تجد ممن خرج عن الاعتصام بالكتاب والسنة من الطوائف إلا وهم متفرقون مختلفون ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ هود: ١١٨ - ١١٩، وأهل الرحمة هم أهل الإيمان والقرآن (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>٢ - معارضة الكتاب والسنة: </span>إن من أسباب البدع المتقابلة وظهور أحوالها الفاسدة، الخروج عن الشِّرعة والمنهاج، الذي بعث به الرسول - ﷺ - إلينا، فإن البدع هي مبادئ الكفر ومظانه (٤)، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - ما عليه أهل الأهواء من معارضتهم للكتاب والسنة بأنهم جعلوا أقوالهم البدعية أصولًا لدينهم، فقال: \" وهؤلاء الذين يعارضون الكتاب والسنة بأقوالهم بنوا أمرهم على أصل فاسد، وهو أنهم جعلوا أقوالهم التي ابتدعوها هي: الأقوال المحكمة التي جعلوها أصول دينهم، وجعلوا قول الله ورسوله من المجمل الذي لا يستفاد منه علم ولا هدى، فجعلوا المتشابه من كلامهم هو: المحكم، والمحكم من كلام الله ورسوله هو: المتشابه؛ كما يجعل الجهمية من\n_________\n(١) لأن كلًا منهم له مستوى من التفكير والمعقول توهم أنه الحق والغاية؛ فأهل البدع المتقابلة كل يتبع هواه أولا، ثم يطلب المتشابه من الأدلة عليه ثانيا، ويخوضون به ليجعلوه دليلا شاهدا على عقائدهم الفاسدة ثالثًا.\nينظر: الاعتصام (١/ ٢٢١).\n(٢) ينظر: الاعتصام للشاطبي (١/ ٢٢١)، وتاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص ١٤)، ودراسات في الفرق والأهواء (١/ ٣٢٥).\n(٣) ينظر: بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٢٧٣)، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة (١/ ٢٦٥).\n(٤) ينظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦٥).","vol":"1","page":40},{"text":"المتفلسفة والمعتزلة ونحوهم ما أحدثوه من الأقوال التي نفوا بها صفات الله، ونفوا بها رؤيته في الآخرة، وعلوه على خلقه، وكون القرآن كلامه، ونحو ذلك ... فتجد أحدهم يقول: ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، ولا له كم ولا كيف، ولا تحله الأعراض والحوادث، ونحو ذلك، وليس بمباين للعالم ولا خارج عنه ... \" (١). وهم في ذلك بين مصرح وملمح، في دعواهم أن الأدلة لا تفي بالدين ولا تكفي لتنظيم حياة الناس؛ فظهر عن هذا كثرة الاختلاف والفرقة فيما بينهم، وهذا أمر واضح فلا تجدهم يتفقون على شيء، فانظر إلى فرق الخوارج وفرق الشيعة وفرق المعتزلة وهكذا، وهذا من أبرز أسباب ظهور البدع المتقابلة.\nيقول شيخ الإسلام - ﵀ -: \" وأهل البدع إنما دخل عليهم الداخل، لأنهم أعرضوا عن هذا الطريق، وصاروا يبنون دينهم على مقدمات يظنون صحتها، إما في دلالة الألفاظ، وإما في المعاني المعقولة، ولا يتأملون بيان الله ورسوله، وكل مقدمات تخالف بيان الله ورسوله فإنها تكون ضلالًا ... ومن عدل عن سبيلهم وقع في البدع التي مضمونها أنه يقول على الله ورسوله ما لا يعلم، أو غير الحق، وهذا مما حرمه الله ورسوله\" (٢).\nوقد تساءل عمر بن الخطاب - ﵁ -: كيف تختلف هذه الأمة، وكتابها واحد، ورسولها واحد، وقبلتها واحدة؟ فقال له ابن عباس - ﵄ -: «يا أمير المؤمنين: إنما أنزل علينا القرآن فقرآناه، وعلمنا فيما أُنزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن، ولا يدرون فيما نزل، فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان كل ذلك اختلفوا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>٣ - اتباع الهوى: </span>وهذا أصل الزيغ ومفارقة الحق، وقد سمي أهل البدع، أهل الأهواء؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم، فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار\n_________\n(١) درء التعارض (١/ ٢٧٥ - ٢٧٧).\n(٢) الإيمان (ص ٢٧٣)، الفتاوى (٧/ ٢٨٨).\n(٣) أخرجه البيهقي في الشعب برقم (٢٢٨٣)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع برقم (١٥٨٧).","vol":"1","page":41},{"text":"إليها، والتعويل عليها، حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورًا فيها من وراء ذلك (١)؛ واتبعوا المتشابه وتركوا المحكم؛ لأن في المتشابه طلبتهم من التأويل، وإرضاء ما في قلوبهم من شهوة ومرض وفتنة وفساد، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ آل عمران: ٧. واتباع الهوى وترك التشريع لعقول الرجال ظهر بسببه التضارب في آراء أهل البدع، ولاشك أن هذا عين الضلال، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ القصص: ٥٠. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ الجاثية: ٢٣.\nواتباع الهوى أمر باطن لا يظهر، ولكن يتبين بعرض أعمال صاحبه على الشرع، فعند عرضها على الشرع نرى أنها لا تمثل إلا هوى صاحبها، ولا تصدر إلا من مبتدع جاهل، يقول في الأمور بغير علم، وخاصة أمور الدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>٤ - الجهل: </span>ألوان الجهل كثيرة، وكلها تؤدي إلى إحداث البدع المتقابلة، فمنها:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-34> الجهل بالدين: </span>فالقول على الله بغير علم وقبول ذلك من قائله فيه من الإضلال ما يكون سببا لنشوء الخلاف بين الفرق وظهور البدع المتقابلة.\nقال ابن كثير - ﵀ - عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ النحل: ١١٦: \" ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي أو حلَّل شيئًا مما حرم الله، أو حرم شيئًا مما أباح الله، بمجرد رأيه وتشهيه\" (٢).\nوليس الجهل قاصرًا على من ليس عنده علم مطلقًا، بل يشمل من عنده علم كثير، ولكنه يتجاوز ما يعلم إلى ما لا يعلم، ويتجرأ على ما لا يعرف،\n_________\n(١) الاعتصام للشاطبي (٢/ ١٧٦).\n(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢/ ٥٩١).","vol":"1","page":42},{"text":"بلا دليل واضح، أو اجتهاد مقبول، وهذا من أهم أسباب وقوع البدع المتقابلة؛ لأنهم لا يتعمقون في العلم الشرعي بل يتمسكون بظواهر من النصوص دون مراعاة قواعد الاستدلال (١).\nكما أن الأمر المخالف إذا استقر فشبّ عليه الصغير وشاب عليه الكبير كان ذلك حجابًا ودرسًا عن الحق ومعرفته؛ فيصير في أحيان كثيرة سببًا لمعذرة أصحابه.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \" ومع هذا فقد يكثر أهل الأهواء في بعض الأمكنة والأزمنة؛ حتى يصير بسبب كلامهم مكافئًا -عند الجهال- لكلام أهل العلم والسنة؛ حتى يشتبه الأمر على من يتولى أمر هؤلاء، فيحتاج حينئذ إلى من يقوم بإظهار حجة الله وتبيينها؛ حتى يكون العقوبة بعد الحجة ... وإلا فالعقوبة قبل الحجة ليست مشروعة\" (٢).\nوكان أهل البدع المتقابلة مقموعين أيام الصحابة والتابعين مقهورين بسلطان الدولة وحجج العلماء، ولكنهم عندما بعد الزمن وجدوا الفرصة لنشر مذاهبهم عندما وجدوا من الرعاع جهلًا ومن العلماء قلة (٣).\nومن أبرز مظاهر جهل أهل البدع: عدم معرفتهم بكتاب الله - ﷿ -، وسنة رسوله - ﷺ -، وعدم فهمهم لدلالة النصوص ومعانيها، مع عجزهم عن التمييز بين صحيح السنة وضعيفها.\nوالشاهد أن الجهل بالدين (٤) سبب لنشوء البدع المتقابلة.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-35> الجهل بالسنة </span>-وهذا داخل في الجهل بالدين، وأفرد لظهوره عند المبتدعة-، ويشمل:\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٣٩٢ - ٣٩٣).\n(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٣٩).\n(٣) ينظر: منهج علماء الحديث والسنة في أصول الدين، د. مصطفى محمد حلمي (ص ٣٢).\n(٤) إما من جهة الداعي للبدعة أو المدعو لها على حدٍ سواء.","vol":"1","page":43},{"text":"أ-الجهل بالتمييز بين الأحاديث المقبولة وغيرها: فكثير من البدع التي أُحدثت، قد اعتمد محدثوها على أحاديث ضعيفة بل أكثرها موضوعه، وفي هذا تشويش على الناس في دينهم متخذين في ذلك أساليب مُقنَّعة، ومن ثم تتكون الخلافات بين أهل البدع.\nأخرج ابن الجوزي عن أبي نصر بن سلام البخاري الفقيه قال: \" ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته بإسناد\" (١).\n\nب- الجهل بمكانة السنة من التشريع: يؤدي هذا إلى الخروج عن حد الاتباع، إلى طرفي الابتداع، ومن أظهر المواقف على هذا -إنكار ما ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة تحت زعم موافقة العقل- كإنكار من أنكر رؤية الله في الآخرة، أو نزول المسيح آخر الزمان، أو عذاب القبر ونحو ذلك .. وقد انقسم أهل البدعة في موقفهم من السنة إلى قسمين: الأول: قسم أنكر ما عدى القرآن جملة وتفصيلًا، والآخر: أنكر أخبار الآحاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>٥ - الغلو والإفراط: </span>وهو من الأسباب الهامة والعوامل المؤثرة في تكون الفِرق ونشوء البدع واختلافها، ومنه:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-37> الغلو في بعض الأشخاص: </span>فالغلو والتغالي في الأشخاص والاعتماد على عقولهم وأرائهم (٢)، من أسباب حدوث البدع المتقابلة التي ظهرت في البشرية، وما زالت حتى عصرنا الحاضر، فقد ضلت به طوائف كثيرة في تاريخ الإسلام. ومن شواهد ذلك ما وقعت فيه الصوفية والرافضة؛ وصدق فيهم قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ\n_________\n(١) صون المنطق والكلام عن المنطق والكلام للسيوطي (ص ٤١).\n(٢) وقلّما تجد رجلًا تعلّقت به طائفة لم تنسج حوله الأساطير! وكتب المناقب عامّة طافحة بهذا اللون من الغلوّ.","vol":"1","page":44},{"text":"وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ التوبة: ٣١.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" قد وقع فيه طوائف من المتعبدة والمتصوفة، حتى خالط كثيرًا منهم من مذهب الحلول (١) والاتحاد (٢)\nما هو أقبح من قول النصارى أو مثله أو دونه\" (٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-38> الغلو في التمسك بأقوالهم: </span>التعصب للآراء وعدم الرجوع للحق ولو بعد بيانه، من أهم أسباب ظهور البدع المتقابلة، فهم يتعامون عن الحق تعاميًا عجيبًا، قال تعالى ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ الحج: ٤٦. ومن شواهد ذلك غلو الخوارج والمعتزلة في آيات الوعيد، وغلو الجبرية في إثبات القدر.\nوالمتأمل لحال هؤلاء يجد أنهم يتميزون بالتفاني والتكلف في الدعوة إلى أهوائهم ونشرها وطلب الأتباع والمؤيدين، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾ يونس: ١٢، وقال: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ فاطر: ٨.\nوالتعصب الأعمى، لابد أن يكون معه رد ما عند المخالف ولو كان حقًا، بل وطرح الأدلة القطعية وعدم الاعتداد بها -وهي أدلة الكتاب والسنة-\n_________\n(١) الحلول: معناه أن الله يحل في بعض مخلوقاته، ويتحد معها، أي نزول الذات الإلهية في الذات البشرية، ودخولها فيها، فيكون المخلوق ظرفًا للخالق بزعمهم، كاعتقاد النصارى حلوله في المسيح عيسى ابن مريم، واعتقاد بعض الناس حلوله في الحلاج، وفي بعض مشايخ الصوفية.\nينظر: التعريفات للجرجاني (ص ٦)، وكشاف اصطلاحات الفنون لمحمد التهانوي (٤/ ٣٠٩)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (٢/ ٢٨٦).\n(٢) الاتحاد: معناه أن عين المخلوقات هو عين الله تعالى، عرَّفه الصوفية بأنه: تصيير الذاتين واحدة، وذلك بامتزاج الشيئين واختلاطهما حتى يصيرا شيئًا واحدًا. ولقد وجد القول بالاتحاد عند النصارى حيث زعموا اتحاد الناسوت باللاهوت في شخص عيسى ﵇ وهي مسألة مشهورة. وأشهر القائلين به: الحلاج، أبو يزيد البسطامي.\nينظر: التعريفات للجرجاني (ص ٢٢)، ومعجم مصطلحات الصوفية لعبد الرزاق الكاشاني (ص ٩، ٤٩).\n\nوالفرق بين الحلول والاتحاد: أنه موافق لمعناهما في اللغة، فالحلول في اللغة: النزول بالمكان، والاتحاد: كون المتعدد واحدًا، وبدون الامتزاج إما أن تبقى إحدى الذاتين وتفنى الذات الأخرى؛ فلم يحدث حينئذٍ اتحاد، وإما أن تبقى الذاتان؛ فحينئذٍ يكون التعدد المنافي للاتحاد.\nينظر: عقيدة الصوفية ووحدة الوجود الخفية لأحمد بن عبد العزيز القصير (ص ٤٥).\n(٣) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٧٧).","vol":"1","page":45},{"text":"أو صرف الهمة إلى الفروع وبناء الولاء والبراء عليها فيؤدي إلى ظهور مظاهر غير محمودة كالعنف في التعامل، والتزام التضييق على الناس مع قيام موجبات التسهيل ودواعيه، وأسبابه التيسير عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>٦ - مؤثرات أجنبية </span>(١):\nتأثرت البدع المتقابلة بالثقافات الدخيلة على المنهج الإسلامي، وتتلخص هذه الأسباب والمؤثرات في العناصر الآتية:\nأاحتكاك المسلمين بالأمم المجاورة والتأثر بثقافاتها وأفكارها الدينية، ولا سيما بعد المد الإسلامي واتساع الفتوح وسياحة المسلمين في البلدان المفتوحة (٢).\nب دخول كثير من أصحاب الأديان الأخرى في الإسلام، ولم يتخلصوا من أفكارهم ومعتقداتهم السابقة، فأثاروا الشبهات في الإسلام (٣).\nت دخول بعض المغرضين من اليهود والمجوس في الإسلام بقصد الدس والكيد للإسلام والمسلمين (٤).\n_________\n(١) ينظر: وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٣٠٠ - ٣٠١)، ودراسات في الأهواء والفرق (١/ ٢٩١).\n(٢) وعلى سبيل المثال تُثبت الكثير من المراجع أن القدرية قد أخذوا قولهم في القدر من النصرانية، وكذلك أخذت التصوف وخاصة في القول بوحدة الوجود، والحلول والاتحاد، والعشق الإلهي، من النصرانية، وأما عقيدة التشبيه عند الشيعة وغيرهم فمصدرها اليهود.\nينظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٤/ ٧٥٠)، والجواب الصيح لابن تيمية (٤/ ٤٩٦)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٩٥ - ٩٦).\n(٣) تجد أن كثيرًا من أصحاب البدع المتقابلة مزج عقيدة السلف الربانية الصافية، بأخلاط من عقائد الوثنيين، والصابئة، واليهود، والنصارى، والمجوس، والبراهمة، والفلاسفة، وغير ذلك .. وفي العصر الحديث نبتت نوابت جديدة وظهرت أفكار مستحدثة، وقامت حركات تنويرية أو إصلاحية متأثرة بمنهج أو أكثر من مناهج أهل الأهواء والبدع، حتى جمعت بداخلها متناقضات فكرية غريبة، فأتت ثمرات مشوهة، زادت الأمور إلتباسًا، والسبل اشتباهًا، والمعالم اندراسًا.\nينظر: المبتدعة وموقف أهل السنة والجماعة منهم لمحمد يسري (ص ٢٥٦).\n\nولا يغيب عن البال أن نشأة المعتزلة في العراق والذي يسكنه عدة فرق تنتهي إلى طوائف مختلفة، فبعضهم ينتهي إلى الكلدان، وبعضهم إلى الفرس، وبعضهم نصارى، وبعضهم يهود، وبعضهم مجوس قد أثر في نشوء هذه الفرقة، فقد دخل هؤلاء في الإسلام وبعضهم قد فهمه على ضوء معلوماته القديمة وخلفيته الثقافية والدينية، فكانت حركة المعتزلة نوعًا من ردة الفعل التي حاولت أن تعرض الإسلام وتصوغ مقولاته العقائدية والفكرية بنفس الأفكار والمناهج الوافدة وذلك دفاعًا عن الإسلام ضد ملاحدة تلك الحضارات بالأسلوب الذي يفهمونه.\nينظر: موقف الاتجاه العقلي الإسلامي المعاصر من قضايا الولاء والبراء لمضاوي البسام (ص ٥٧).\n(٤) يقول البغدادي: \" وقال المحققون من أهل السنة: إن ابن السوداء أي ابن سبأ كان على هوى دين اليهود، وأراد أن يفسد على المسلمين دينهم بتأويلاته في علي وأولاده لكي يعتقدوا فيه ما اعتقده النصارى في عيسى ﵇\" ينظر: الفرق بين الفرق (ص ٢٣٥).\nونجد معظم رؤوس البدع على صلة بالأمم السابقة، فمعبد الجهني أخذ القول بالقدر من رجل نصراني يسمى سوسن أو سنسويه. ينظر: مجموع الفتاوى: (١٢/ ٣٠٢). والجعد بن درهم أخذ مقالته عن الصابئة والفلاسفة. ينظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٢١ - ٢٢).","vol":"1","page":46},{"text":"ث- ترجمة كتب الفلسفة والمنطق، وتشجيع دراستها والتعمق فيها.\nج -تأثر طوائف من هذه الأمة بالأفكار والعقائد الوافدة من الأمم الكافرة الهالكة، يتمثل هذا في زمننا الحاضر بالغزو الفكري ومظاهره كالعلمنة، والحداثة والقوميات والحزبيات والشعارات الفارغة ونحو ذلك.\nومما يوضح ذلك، أنه عند الرجوع إلى أصول كثير من الفرق والبدع تجدها أصولًا خارجية (١)؛ فالصوفية أخذت فلسفة الإشراق من الهند (٢)، والمعتزلة أخذت فلسفتها العقلية من المنطق اليوناني، والشيعة والباطنية أخذت فلسفة الإمامة والعصمة والحلول والتناسخ من فلسفات الفرس، ثم تداخلت البدع في بعضها البعض فالمعتزلة أخذت من القدرية والجهمية والخوارج، والشيعة أخذت من المجسمة، والمرجئة أخذت من الجبرية، والصوفية أخذت من التشيع، والأشاعرة حاولت التلفيق وهكذا، وبهذا يظهر كذب وزعم أهل الأهواء وانتسابهم لأهل السنة والجماعة فمصدرهم وأساسهم ومعتقدهم من المؤثرات الأجنبية التي لا صلة لها بالكتاب والسنة، ولذلك وقعوا في المتناقضات (٣).\nوهكذا نجد العوامل والمؤثرات الخارجية ذات تأثير مباشر في نشأة الفرق وتكونها ووقوع البدع المتقابلة.\n_________\n(١) ومن الأمثلة أن أصل مقالة التعطيل والقول بخلق القرآن مثلا: يهودي، إذا يرجع إلى لبيد بن الأعصم اليهودي، كما ذكر ابن الأثير في سياقه سلسلة التعطيل؛ حيث قال: \"وأخذ الجهم من الجعد بن درهم، وأخذه الجعد بن أبان بن سمعان، وأخذه أبان بن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم وختنه، وأخذه طالوت من لبدي بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ وكان لبيد يقول بخلق التوراة، وأول من صنف في ذلك طالوت وكان زنديقا فأفشى الزندقة\" ينظر: الكامل (٥/ ٢٩٤)، والبداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٣٦٤)، والشريعة (ص ٢٤٣)، وشرح أصول أهل السنة (٤/ ٧٥٠)، ح (٧٤٩).\n(٢) الفلسفة الإشراقية مصدرها الرئيس هم الفرس، وإن كان بعضهم ينسبها إلى أفلاطون، وهذا فيه نظر إما نسبتها، أما نسبتها إلى الهند فبعيدة.\n(٣) ينظر: تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة لـ د. عفاف بنت حسن مختار (١/ ٢٨٨).","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>٧ - رد البدعة ببدعة أخرى:</span>\nيجب الالتزام بمنهج الوحي في الرد، ولا ترد البدعة ببدعة ولا يقابل الغلو بالتفريط ولا العكس؛ إلا أن \"المبتدعة عادة يقابلون البدعة بالبدعة. فعندما غلا بعضهم في علي - ﵁ -، كفره آخرون، وعندما غلا بعضهم في الوعيد -الخوارج- غلا آخرون في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد -يعني المرجئة- وعندما غلا المعتزلة في التنزيه حتى نفوا الصفات، غلا آخرون في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه\" (١).\nيقول ابن قتيبة - ﵀ -: \" ولما رأى قوم من أهل الإثبات إفراط هؤلاء في القدر وكثر بينهم التنازع حملهم البغض لهم واللجاج على أن قابلوا غلوهم بغلو، وعارضوا إفراطهم بإفراط فقالوا بمذهب جهم في الجبر المحض وجعلوا العبد المأمور المنهي المكلف لا يستطيع من الخير والشر شيئًا على الحقيقة ولا يفعل شيئًا على الصحة ... وكلا الفريقين ضل، وعن سواء الحق حائد\" (٢).\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: والمقصود هنا أن هؤلاء المتكلمين الذين جمعوا في كلامهم بين حق وباطل (٣)، وقابلوا الباطل بباطل، وردوا البدعة ببدعة، لما ناظروا الفلاسفة وناظروهم، في مسألة حدوث العالم ونحوها، استطال عليهم الفلاسفة لما رأوهم قد سلكوا تلك الطريق، التي هي فاسدة عند أئمة الشرع والعقل، وقد اعترف حذاق النظار بفسادها ... (٤).\n_________\n(١) شرح الطحاوية: (٢/ ٧٩٩) بتصرف يسير.\n(٢) الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة لابن قتيبة الدينوري (ص ٢٠).\n(٣) قال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" وعلم الإنسان باختلاف هؤلاء، ورد بعضهم على بعض، وإن لم يعرف بعضهم فساد مقالة بعض، هو من أنفع الأمور، فإنه ما منهم إلا من قد فضل مقالته طوائف، فإذا عرف رد الطائفة الأخرى على هذه المقالة عرف فسادها، فكان في ذلك نهي عما فيها من المنكر والباطل، وكذلك إذا عرف رد هؤلاء على أولئك، فإنه أيضا يعرف ما عند أولئك من الباطل، فيتقي الباطل الذي معهم؛ ثم من بين الله له الذي جاء به الرسول، إما أن يكون قولا ثالثا خارجا عن القولين، وإما أن يكون بعض قول هؤلاء، وبعض قول هؤلاء، وعرف أن هذا هو الذي كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وعليه دل الكتاب والسنة، كان الله قد أتم عليه النعمة، إذ هداه إلى الصراط المستقيم، وجنبه صراط أهل البغي والضلال؛ وإن لم يتبين له كان امتناعه عن موافقة هؤلاء على ضلالهم، وهؤلاء على ضلالهم، نعمة في حقه، واعتصم بما عرفه من الكتاب والسنة مجملا، وأمسك عن الكلام في تلك المسألة، وكانت من جملة ما لم يعرفه، فإن الإنسان لا يعرف الحق في كل ما تكلم الناس به\" منهاج السنة (٥/ ٢٨٢)، ونحوه في (٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥)، وينظر: درء التعارض (٤/ ٢٠٦) (١٠/ ٣١٧ - ٣١٨).\n(٤) ينظر: درء التعارض (٨/ ٢٧٩).","vol":"1","page":48},{"text":"ويقول - ﵀ - في ضرب الأمثلة لمن قابل البدعة ببدعة مثلها: \"كما قد يصير بعض الجهال المتسننة في إعراضه عن بعض فضائل علي وأهل البيت؛ إذا رأى أهل البدعة يغلون فيها\" (١).\nقال ابن القيم - ﵀ -: وهذه الفرقة الثانية قابلت هذه الفرقة ... ولكن ردوا من الحق المعلوم بالعقل والفطرة والشرع ما سلطوا عليهم به خصومهم وصاروا ممن رد بدعة ببدعة، وقابل الفاسد بالفاسد، ومكنوا خصومهم بما نفوه من الحق (٢).\nفيلحظ أن البدعة كانت سببًا في نشوء بدعة أخرى؛ لأنهم قابلوا باطلهم بباطل، فاندفعوا إلى المغالاة في تقدير أولئك الذين غالى غيرهم في إيذائهم، وهكذا يدفع الكبت العقلي والنفسي دائمًا إلى المبالغة في التقدير إما بإفراط أو تفريط.\nولازم هذه المقابلة بين المبتدعة أن كلًا منهم يقول عن الآخر إنه ليس على شيء، قال شيخ الإسلام: \" واختلاف أهل البدع هو من هذا النمط، فالخارجي يقول: ليس الشيعي على شيء، والشيعي يقول: ليس الخارجي على شيء، والقدري النافي يقول: ليس المثبت على شيء، والقدري الجبري المثبت يقول لك ليس النافي على شيء، والوعيدية تقول: ليست المرجئة على شيء، والمرجئة تقول: ليست الوعيدية على شيء، بل ويوجد شيء من هذا بين أهل المذاهب الأصولية والفروعية المنتسبين إلى السنة، فالكلابي يقول: ليس الكرامي على شيء، والكرامي يقول: ليس الكلابي على شيء، والأشعري يقول: ليس السالمي على شيء، والسالمي يقول: ليس الأشعري على شيء، ويصنف السالمي كأبي علي الأهوازي كتابًا في مثالب الأشعري، ويصنف الأشعري كابن عساكر كتابًا يناقض ذلك من كل وجه، وذكر في هذا مثالب السالمية\" (٣)،\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن تيمية (٦/ ٢٦).\n(٢) ينظر: إعلام الموقعين (١/ ٣٣٥).\n(٣) منهاج السنة (٥/ ٢٦٠ - ٢٦١).","vol":"1","page":49},{"text":"وقال إبراهيم النخعي في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ المائدة: ٦٤، قال: \" هم أصحاب الأهواء\" (١)؛ لأن كل طائفة أو فرقة منهم تعتقد أنها على الحق وغيرها على الباطل، وهذا ما نراه بين طوائف البدع المتقابلة.\nفبدلا من أن يتجهوا إلى الطريق الحق والصراط المستقيم، ارتموا في أحضان الضلال وضاعوا في التيه، يعالجون الداء بالداء! يطفئون لهيب العطش بالرمضاء! فلا يزيدهم ذلك إلا رَهَقا! ولو رفعوا أبصارهم قليلًا إلى نصوص القرآن والسنة من دون تحريف ولا تعطيل لشاهدوا شلالات الحق تتدفق بالرحمة والوسطية!\nومن العجائبِ والعجائبُ جَمَّةٌ ... قربُ الدواءِ وما إليه وصولُ\nكالعيس في البيداء يقتلها الظمأ ... والماء فوق ظهورها محمول! (٢).\nوفي قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ آل عمران: ٧٣، ونحوها من الآيات، دلالة على أن من طلب الهدى والرشد من غير الكتاب والسنة ضل؛ لأن الهدى محصور في هدى الله الذي أرسل به رسوله - ﷺ - (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>٩ - الجدل </span>(٤):\nمن أسباب الوقوع في البدع المتقابلة: الجدل بغير حق، والخصومات في الدين، وقد حذر الله -﷾- من ذلك بقوله -﷿-: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ آل عمران: ١٠٥. فقد نهى -﷾- عن الفرقة والاختلاف، بعد مجيء البينات-الكتاب والسنة-؛ حتى لا نكون كالأمم السابقة التي تجادلت وتفرقت واختلفت بسبب بدعهم وأهوائهم.\n_________\n(١) الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة لابن بطة العكبري (ص ١٤١).\n(٢) هذه من الأبيات التي فاقت شهرتها قائلها حتى نسبة لأكثر من شخص، وينسب هذا البيت لطرفة بن العبد. ينظر: أبيات فاقت شهرة قائليها، لعلي محمد الكفري.\n(٣) ينظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدي (ص ٤٧٤).\n(٤) كما أن الجدل سبب لنشوء البدع المتقابلة، فهو كذلك يحسن أن يكون أثرًا من آثارها.","vol":"1","page":50},{"text":"قال - ﷺ -: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» (١)؛ قال النووي - ﵀ - في شرحه: \" الألد شديد الخصومة مأخوذ من لَدِيدَي الوادي، وهما جانباه؛ لأنه كلما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر، وأما الخَصِم فهو الحاذق بالخصومة والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حق أو إثبات باطل والله أعلم\" (٢).\nوقال الإمام جعفر (٣) بن محمد: \" إياكم والخصومات في الدين؛ فإنها تشغل القلب وتورث النفاق\" (٤).\nوالسلف الصالح -﵏- جاء نهيهم عن الجدال في الدين في كثير من الآثار نقل بعضها الآجري في الشريعة في (باب ذم الجدال والخصومات في الدين) (٥)، وابن بطة في الإبانة الكبرى في (باب النهي عن المراء في القرآن) (٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة في (سياق ما روي عن النبي - ﷺ - في النهي عن مناظرة أهل البدع، وجدالهم والمكالمة معهم والاستماع إلى أقوالهم المحدثة وآرائهم الخبيثة) (٧)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله في (باب ما يكره فيه المناظرة والجدال والمراء) (٨)، والحافظ إسماعيل الأصبهاني (٩) في الحجة في بيان المحجة في (فصل في النهي عن مناظرة أهل البدع وجدالهم والاستماع إلى أقوالهم) (١٠).\n_________\n(١) رواه البخاري في صحيحه كتاب الأحكام، حديث رقم (٧١٨٨)، ورواه مسلم في صحيحه كتاب العلم حديث رقم (٢٦٦٨).\n(٢) ينظر: شرح النووي لصحيح مسلم (١٦/ ٢١٩).\n(٣) هو أبو عبد الله جعفر بن محمد بن علي زيد العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الملقب بالصادق، من أئمة العلم الثقات عارف بالحديث والفقه والخلاف، من شيوخه: عروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، ينسبه الشيعة الإمامية الاثني عشريه إلى أنفسهم، وهو منهم براء، فلقد كان يكره ويغضب ممن يتعرض لأبي بكر الصديق ﵁ يقول: \"ولدني أبو بكر مرتين\"، وذلك لأن أمه هي: أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأمها هي: أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، توفي (١٤٨ هـ)، ينظر: السير للذهبي (٦/ ٢٥٥)، وشذرات الذهب (١/ ٢٠).\n(٤) اللالكائي (١/ ١٢٨).\n(٥) (ص ٥٤).\n(٦) (١/ ٦١١).\n(٧) (١/ ١١٤).\n(٨) (ص ٤١١).\n(٩) هو: إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ الكبير، قوام السنة، أبو القاسم التميمي، الطلحي، الأصبهاني الشافعي، إمام في التفسير والحديث، واللغة والأدب، عارف بالمتون والأسانيد، توفي سنة ٥٣٥ هـ.\nينظر: شذرات الذهب (٤/ ١٠٥).\n(١٠) (١/ ٣١١).","vol":"1","page":51},{"text":"فقد جمعت هذه المصادر المئات من الروايات عن السلف في ذم الجدال والمراء والخصومة في الدين، ونقل هذه الآثار قد يطول (١).\nحذر السلف﵏- من الجدال الباطل؛ لأنه نتيجة حتمية وسبب مهم لرواج البدع المتقابلة؛ لذا فهذه المناظرات والمجادلات والتخاصم فيها يكون علنًا أمام الأحداث والعامة والولاة، والجهلة وضعاف الإيمان، فضلًا عن أهل الزيغ والنفاق والزندقة؛ فإنما يتغذون وتروج مذاهبهم بالجدال والخصومات، ولذلك لم يعرف الجدل والخصومات في الدين إلا حينما ظهرت الفرق - الخوارج والشيعة والقدرية وأهل الكلام-؛ لأن أهل الحق لا يمارون ولا يتخاصمون ولا يخاصمون في الدين، وإن اختلفوا فيما يسوغ فيه الخلاف من الاجتهاديات، فإنهم لا يلجؤون للخصومات والمراء، وإذا وصل الخلاف إلى المراء كفّوا (٢).\nوالبلوى بالجدل الباطل علامة الخذلان من الله ﷿، وعلامة الضلال واتباع الهوى، كما قال النبي - ﷺ -: «ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل» ثم تلا رسول الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ الزخرف: ٥٨ (٣).\n_________\n(١) ينظر: موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع، أ. د. إبراهيم الرحيلي (٢/ ٥٩٠).\n(٢) دراسات في الأهواء والفرق (١/ ٣٢٩).\n(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٦)، وابن ماجة برقم (٤٨)، والترمذي برقم (٣٢٥٣)، وحسنة الألباني في صحيح الجامع (٥٥٠٩) (١/ ١٤٦).","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>المطلب الثاني: عناية العلماء بالرد على أهل البدع ومناهجهم في ذلك</span>.\nإن العناية بتصحيح العقائد والعبادات دين يتقرب العبد به لله، وعبادة يزدلف بها لمولاه، ولا يزال سلف الأمة يقتفون في ذلك آثار الأنبياء والمرسلين والدعاة المصلحين الذين هداهم الله للحق القويم والصراط المستقيم فجاهدوا في سبيل إحياء السنن وقمع الجهالة والبدع، فنالوا بذلك خيرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو القطب الأعظم في الدين، والمهم الذي ابتعث الله له النبيين والميزة التي امتازت بها أمة سيد الثقلين - ﷺ -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (١) تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ آل عمران: ١١٠.\nومن الثابت تاريخيًا أن الصحابة رضوان الله عليهم هم الذين تولوا تعليم الناس في عصر الفتوحات الإسلامية، فما إن مات النبي - ﷺ - وفتحت الأمصار إلا وانتقل عدد كبير من الصحابة إلى تلك البلدان (٢) .. وقد تخرج على أيديهم جل الفقهاء والعلماء والمحدثين من التابعين، فهم العلماء وهم القضاة وهم المفتون في النوازل الفكرية والدينية، وهذا كله راجع إلى أن فكرهم هو الفكر السائد في المجتمع (٣).\nوقد تنوع جهاد هؤلاء العلماء لحماية جناب الدين، والدفاع عن حياض سنة سيد المرسلين - ﷺ -، وتعددت مناهجهم وطرقهم في الرد على المبتدعة الضالين، فمنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>أولًا: جمع السنن والآثار مع تمييز صحيحها من ضعيفها:</span>\nلقد اهتم علماء المسلمين بتجلية كافة الجوانب التي لها علاقة بالحديث سندًا ومتنًا، من أجل تمييز المقبول منها عن المردود، أو الصحيح والحسن والصالح من السقيم والمتروك والموضوع، وخاصة منذ الفتنة التي وقعت في آخر عهد سيدنا عثمان بن عفان - ﵁ - والتي كانت نقطة انعطاف ومرحلة تحول، حيث انتسب إلى الإسلام قلة من الرجال ضعيفي الإيمان الذين أباحوا لأنفسهم الكذب على رسول الله - ﷺ - نُصرةً لبدعتهم وأهوائهم.\n_________\n(١) القرآن يفسر بعضه بعضا، بين وصف الأمة بالخيرية، ووصفها بالوسطية تلازم؛ إذ أن الوسطية في لغة العرب الخيار.\nينظر: أضواء البيان (١/ ٨٧).\n(٢) ينظر: أسد الغابة لابن الأثير (٣/ ١٥٣).\n(٣) ينظر: التفسير السياسي للقضايا العقدية في الفكر العربي لسلطان العميري (ص ٩٥ - ٩٧).","vol":"1","page":53},{"text":"فتنوعت جهود العلماء لتشمل دارسات حول الأسانيد والمتون، كما شملت التصنيف في الأحاديث الصحيحة والصالحة للاحتجاج (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>ثانيًا: التصنيف في التحذير من البدع التي تتوسع مع تقادم الزمن واندثار السنن:</span>\nقل التصنيف في مسائل العقائد في الصدر الأول -عصر الصحابة والتابعين-؛ لأنها كانت محل إجماع وتسليم، ولم يظهر التأليف فيها إلا مع ظهور البدع؛ عندها حظي موضوع البدعة باهتمام كبير من قبل علماء الإسلام، لذا نجد الحديث عنه في غالبية علوم الشرع (٢):\nففي الحديث وشروحه: تجد أبواب الاعتصام بالسنة، وذم البدع والأهواء، والتوحيد، والسنة، وغير ذلك من الأبواب المختصة بالكلام عن البدعة، ويوجد الكلام عنها في كثير من الأبواب الحديثية الأخرى، بل كل باب من أبواب الحديث ينص على سنة، وباللازم ينهى عن بدعة.\nوفي مصطلح الحديث: تجد الكلام عن رواية المبتدع، وحكم الداعي وغير الداعي.\nوفي التفسير: تجد الكلام عن البدعة عند آيات الاعتصام وذم التفرق.\nوفي الفقه: حكم شهادة أهل الأهواء، وحكم المناكحة والمبايعة والإرث، مع المبتدعة.\nوفي أصول الفقه: تجد للبدعة علاقة بأبواب الإجماع والاستحسان والمصالح المرسلة، وقول الصحابي، وفي تعريف السنة وأحكام السكوت عنه، والاجتهاد والتقليد، وغير ذلك من المباحث والأبواب الأصولية.\nوفي العقيدة: تجد الكلام عن البدعة والمبتدعة في كل باب منها.\nوفي تراجم الرجال: تجد ذكر من جُرح بالبدعة، ومن رُدت روايته بسبب ابتداعه.\n_________\n(١) ينظر: جهود العلماء في الدفاع عن السنة والكشف عن الروايات الواهية أ. د. علي عبد الباسط مزيد (٢ - ٢٠).\n(٢) ينظر: حقيقة البدعة، د. سعيد بن ناصر الغامدي، ومقال بعنوان: نبذة مختصرة عن بعض المؤلفات في البدعة ونقدها لفهد محمد القرشي https://uqu.edu.sa/page/ar/20764","vol":"1","page":54},{"text":"وفي التاريخ: تجد سير المبتدعة أفرادًا وفرقًا، وما أحدثوه من حروب وفتن، وما قام لهم من دول وما وقع معهم من وقائع.\nأما المؤلفات التي تكلم أصحابها عن البدعة، فهي تنقسم في تناولها لموضوع البدعة إلى أقسام:\nالقسم الأول: مؤلفات تكلمت عن بدع محددة وتناولتها بالرد والتبيين (١).\nالقسم الثاني: مؤلفات تكلمت عن جملة من البدع (٢).\nالقسم الثالث: مؤلفات تكلمت عن البدع بنوع من الشمول، فتناولت تعريف البدعة وأقسامها وأحكامها وأقسام المبتدعة وأحكامهم، وغير ذلك من المسائل المتعلقة بقواعد النظر في مسألة البدعة، وقواعد التأصيل في حكمها وحكم فاعليها. وليست هذه المؤلفات على درجة واحدة في ذلك بل بعضها أشمل من بعض، وبعضها تكلم عن غالبية هذه المسائل التأصيلية، وبعضها لم يتجاوز إلا أجزاء يسيرة منها (٣).\nالقسم الرابع: مؤلفات عنيت بمسائل التأصيل في النظر إلى البدعة والمبتدع، وهي على أقسام:\nالأول: مؤلفات تكلمت بشمول وعمق عن سائر مسائل التأصيل هذه أو بعضها (٤).\nالثاني: مؤلفات اختصرت أو اقتبست من المؤلفات التي اعتنت بالتأصيل، مع زيادات يسيرة في هذا الباب (٥).\n_________\n(١) مثالها: كتاب الرد على بشر المريسي، ورسالة السجري، وكتاب الرد على من أنكر الحرف والصوت لابن قدامة ولابن عقيل، وكتاب القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل، للشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري، وكتاب الرد القوي على الرفاعي، والمجهول، وابن علوي، وبيان أخطائهم في المولد النبوي، للشيخ حمود بن عبد الله التويجري .. والكتب من هذا القبيل كثيرة ومعظمها يتعلق بالبدعة العملية.\n(٢) ومن هذه المؤلفات: كتاب المدخل لابن الحاج، وكتاب البدع لابن التركماني، وكتاب إصلاح المساجد من البدع والعوائد، لعلامة الشام الشيخ محمد جمال الدين القاسمي ﵀، وكتاب تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وغيرها الكثير.\n(٣) ومن هذه المؤلفات: كتاب الإبداع في مضار الابتداع، للشيخ علي محفوظ، وكتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث، للإمام أبي شامة، وغيرها.\n(٤) مثل الاعتصام واقتضاء الصراط المستقيم، والرسائل التي خصصها شيخ الإسلام للكلام عن البدعة، مثل رسالة العبادات الشرعية والفرق بينها وبين البدعية، ومثل قاعدة في تكفير أهل البدع والأهواء، وغير ذلك من الرسائل والقواعد المبثوثة في مجموع الفتاوى.\n(٥) كتاب أصول في البدع والسنن، تأليف محمد أحمد العدوي، وهو تلخيص لكتاب الاعتصام ليس إلا، وكتاب البدعة والمصالح المرسلة، للدكتور توفيق الواعي، وقد ركز فيه المؤلف على علاقة البدعة بالمصالح المرسلة.","vol":"1","page":55},{"text":"الثالث: مؤلفات استقلت فلم تعن بقضايا التأصيل كالمؤلفات المذكورة سلفًا، ولكنها تعد أصولًا اعتمد عليها من ألف في البدعة وأخذ عنها واقتبس منها (١).\nويتضح مما سبق عناية العلماء برد البدع؛ لأن في هذه الطريقة افحامًا للمخالفين من أصحاب البدع المتقابلة وإضعافًا لهم وكشفًا لتناقضهم؛ وفي هذا نصحٌ لأصحابها، وتبصير للمفتونين بحقيقتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>ثالثًا: الدعوة لاتباع نور السنة والقيام بها ضد ضلالات المبتدعة وجهالاتهم:</span>\nوقد كان أهم ما سلكه علماء السلف والخَلَف في إنكار تلك البدع المتقابلة التمسك بالآثار الشرعية، وعدم العدول عن منهجها في التعبد، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الأنعام: ١٥٣. وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ الأنفال: ٤٦. ولو ربطنا بين قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وبين قوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ لوصلنا إلى حقيقة مفادها أن التمسك بالكتاب والسنة هو الطريق الوحيد للنجاة من الفرقة.\nأخرج مالك (٢) في موطئه عن أبي هريرة - ﵁ - أن الرسول - ﷺ - قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه» (٣). فالحديث يُبين أن النجاة من الضلالة لا تكون إلا بالالتزام بنور الكتاب والسنة، فالنجاة من الضلالة هي بذاتها الهداية.\n_________\n(١) مثل: كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي.\n(٢) هو: إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث، وتأهل للفتيا وجلس للإفادة له إحدى وعشرون سنة، مات سنة (١٧٩ هـ)، وله مؤلفات ورسائل من أهمها: كتاب الموطأ.\nينظر: وفيات الأعيان (٤/ ٣)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٠٧)، سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٨)، شذرات الذهب (١/ ٢٨٨).\n(٣) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٦٨٦)، كتاب القدر باب النهي عن القول بالقدر برقم (١)، وصححه الألباني بشواهده كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٣١٦).","vol":"1","page":56},{"text":"قال الحسن بن ثواب (١):\n\" قال لي أحمد بن حنبل: ما أعلم الناس في زمان أحوج منهم إلى طلب الحديث من هذا الزمان. قلت ولم؟ قال: ظهرت بدع فمن لم يكن عنده حديث وقع فيها\" (٢).\nويعلم من هذا أن اتباع نور الرسالة ودعوة الناس إليها وتعليمهم إياها، لمن أعظم سبل رد البدع ودحضها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>رابعًا: مجادلة أهل الباطل، ومعارضة كل ما خالف دلالات النصوص الشرعية:</span>\nالمجادلة: مصدر جادل: وهو مقابلة الحجة بالحجة، ذكره ابن الأثير (٣).\nوقال الراغب الأصفهاني (٤): \" الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة وأصله من جدلت الحبل: أي أحكمت فتله\" (٥).\nويعلم أن ما ثبت في النصوص وكلام السلف من الذم للجدال وأهله والتحذير من مجادلة أهل البدع-ليس على عمومه، بل جاء الأمر ببعض صور المجادلة والثناء عليها في بعض النصوص من الكتاب والسنة ... فالمجادلة تكون محمودة أو مذمومة تبعًا لموضوع المجادلة، فإن كانت المجادلة في أصل من أصول الدين يمكن أن يظهر الحق فيه بالمجادلة والمناظرة، فالمجادلة فيه ممدوحة (٦)\nعلى ما جرى بذلك فعل السلف فإنهم كانوا\n_________\n(١) هو: الحسن بن ثواب، أبو علي التغلبي المخرمي، من خواص تلاميذ الإمام أحمد، روى عنه الخلال، وقال عنه: شيخ جليل القدر، وقال عنه الدارقطني: بغدادي ثقة، مات سنة (٢٦٨ هـ).\n\nينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٣٥٢).\n(٢) الآداب الشرعية لابن مفلح (٢/ ٣٨ - ٣٩).\n(٣) ينظر: النهاية في غريب الحديث (١/ ٢٤٧).\n(٤) هو: أبو القاسم الحسين بن محمد بن مفضل الراغب الأصفهاني، كان من حكماء الإسلام له تصانيف كثيرة منها: غرة التنزيل ودرة التأويل، وكتاب الذريعة، توفي سنة (٤٠٢ هـ) على الراجح.\nينظر: تاريخ حكماء الإسلام للبيهقي (ص ١١٢ - ١١٣).\n(٥) النهاية (١/ ٢٤٨).\n(٦) والمجادلة بوجه عام تنقسم إلى قسمين:\nمحمودة: وهي ما كانت لإثبات الحق أو دفع الباطل، أو للتعليم والاستيضاح فيما يشكل من المسائل، وهذا مأمور به إما وجوبًا أو استحبابًا بحسب الحال لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ النحل: ١٢٥.\n\nمذمومة: وهي ما كانت لرد الحق أو لنصرة الباطل، أو كانت فيما نهى الله ورسوله عن الجدال فيه كالمجادلة في المتشابه، وفي الحق بعد ما تبين أو كانت لحظ النفس، كإظهار الفطنة والذكاء والعلم، مراءاة للناس، والتعصب للرأي، أو لا يمكن التوصل إلى الحق فيها لقصور العلم البشري عن إدراكه فالمجادلة فيها مذمومة، فهذا قبيح منهي عنه لقوله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥)﴾ غافر: ٥.\nينظر: شرح لمعة الاعتقاد لابن عثيمين (ص ١١٢)، الرد على المخالف لبكر أبو زيد (ص ٤٨)، موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع (٢/ ٦٠٨).","vol":"1","page":57},{"text":"يناظرون أهل البدع في كثير من المسائل المتعلقة بأصول الدين (١)؛ فقد اجتهدوا في دفعها وبيان خطئها.\nقال الشافعي (٢) - ﵀ -: \"قال كثير من أئمة السلف ناظروا القدرية بالعلم (٣) فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوا فقد كفروا\" (٤)؛ وقد نبه شيخ الإسلام - ﵀ - على أنه إذا ظهرت البدعة في محل، كان علماء السنة فيه هم الذين يتصدرون لردها وإبطالها (٥).\nومناظرتهم لأهل البدع أشهر من أن تذكر، وأكتفي بالإشارة إلى بعضها فمنها: مناظرة علي وابن عباس -﵄- للخوارج، على ما هو مبسوط في كتب السنة والفرق. ومناظرة عمر بن عبد العزيز - ﵀ - لغيلان الدمشقي القدري حتى انقطع، وأعلن التوبة، إلا أنه عاد بعد موت عمر، روى ذلك اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة. وناظر عمر أيضا الخوارج على ما نقل ذلك ابن عبد البر. وناظر الأوزاعي قدريا طلب المناظرة، فحجه وقد روى ذلك اللالكائي. وكذا الإمام الشافعي ناظر حفص الفرد فغلبه نقل ذلك أبو نعيم في الحلية. ومناظرات الإمام أحمد للجهمية بمحضر الخليفة مشهورة، ذكر بعضها الإمام نفسه في كتاب الرد على الزنادقة والجهمية\n_________\n(١) ينظر: موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع (٢/ ٥٩٥، ٦٠٧، ٧٢٠).\n(٢) هو الإمام العلم أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان الشافعي القرشي المطلبي كان حافظًا للحديث بصيرًا بعلله، عالمًا بالفقه وأصوله، ذا معرفة بكلام العرب، واللغة والعربية والشعر، وكان أول من تكلم في أصول الفقه، توفي بمصر سنة (٢٠٤ هـ)، وله عدة مصنفات منها: الأم في الفقه، والرسالة، واختلاف الحديث.\nينظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (٢/ ٥٤)، وفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٢١)، تذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ٣٦١)، شذرات الذهب (٢/ ٩).\n(٣) أي: بصفة العلم التي اتصف الله تعالى بها.\n(٤) شرح الطحاوية (ص ٣٥٤).\n(٥) ينظر: الإيمان (ص ٢٩٥)، والفتاوى (٧/ ٣٥١) (٨/ ٢٢٩) (١٣/ ١٨٢ - ١٨٣) (١٤/ ٣٥١)، وفي هذا إيقاظ مهم لأهل العلم ودعاة الحق فيما يركزون عليه في دعوتهم، ووجوب النظر إلى ما يحتاجه أهل زمانهم، والله المستعان.","vol":"1","page":58},{"text":"وغير ذلك من مناظرات السلف لأهل البدع، فظهر بهذه ما يؤكد عناية السلف -﵏- تعالى بالرد على أهل الباطل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>خامسًا: التحذير من دعاة البدعة والتنفير منهم:</span>\nمن الأصول المقررة عند أهل السنة التي جرى عليها عمل الحكام، والأمراء، والقضاة والعلماء من أهل السنّة، عقوبة المبتدع إن كان داعية لبدعته أو معلنًا لها؛ ذلك لأن العقوبة من باب إنكار المنكر، والإنكار لا يكون إلا على من أظهر المنكر بخلاف المستتر فإنه لا ينكر عليه (٢).\nقال شيخ الإسلام - ﵀ - مبينًا أن التحذير من أهل البدع من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: \" والداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبته تكون تارة بالقتل، وتارة بما دونه كما قتل السلف جهم بن صفوان (٣) والجعد بن درهم (٤) وغيلان القدري (٥) وغيرهم، ولو قدر أنه لا يستحق\nالعقوبة أو لا يمكن عقوبته فلا بد من بيان بدعته والتحذير منها، فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به ورسوله\" (٦).\n_________\n(١) ينظر: موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع للرحيلي (٢/ ٥٨٧ - ٥٩٢).\n(٢) ينظر: موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع (٢/ ٦١٣).\n(٣) الجهم بن صفوان أبو محرز الراسبي من موالي بني راسب من أهل خرسان، ينسب إلى سمرقند وترمذ، وهو رأس فرقة الجهمية، وإليه تنسب، وكان صاحب مجادلات ومخاصمات. قال الذهبي عنه: \" الضال المبتدع، رأس الجهمية، من أشهر بدعه نفي الصفات، وقوله بإرجاء (الإيمان هو المعرفة فقط)، وبالجبر، وبفناء الجنة والنار؛ هلك في ١٨٨ هـ\".\nينظر ترجمته في: السير (٦/ ٢٦ - ٢٧)، ميزان الاعتدال (١/ ٤٢٦)، لسان الميزان (٢/ ١٤٢)، تاريخ الإسلام للذهبي (ص ١٢١ - ١٤٩).\n(٤) هو: الجعد بن درهم، من الموالي، عداده في التابعين، مبتدع ضال، أول من أنكر الصفات وأظهر مقالة التعطيل، قتل بالعراق بسبب ذلك، يوم النحر، قتله خالد بن عبد الله القسري بأمر من هشام بن عبد الملك في العراق يوم النحر، وهو شيخ جهم بن صفوان الذي تنسب إليه الطائفة الجهمية واختلف في سنة وفاته، قال د. عبد الرحمن التركي: ولعلها في (١٠٦ - ١١٠ هـ) لأن القسري استفتى الحسن البصري في قتله والبصري توفي سنة (١١٠ هـ).\nينظر: الكامل في التاريخ (٥/ ١٦٠)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٤٣٣)، ميزان الاعتدال (١/ ٣٩٩)، البداية والنهاية (١٠/ ١٩)، الأعلام (٢/ ١٢٠).\n(٥) هو: غيلان بن مسلم - وقيل يونس، وقيل مروان- الدمشقي، أبو مروان، ثاني من تكلم بالقدر ودعا إليه، لم يسبقه سوى معبد، أفتى الأوزاعي بقتله، فصلب بدمشق في عهد هشام بن عبد الملك بعد سنة (١٠٥ هـ).\nينظر: لسان الميزان (٤/ ٤٢٤)، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة للبلخي والقاضي عبد الجبار (ص ٢٢٩)، الفهرست لابن النديم (ص ١٧١).\n(٦) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٤١٤).","vol":"1","page":59},{"text":"وإذا ثبت ذلك فيعلم أن عقوبة أهل البدع، المظهرين لبدعهم وغيرهم من المجاهرين بالفسق والفجور، تكون حسية، ومعنوية.\nفالمعنوية: مثل ترك الصلاة خلفهم، وعليهم، وترك مناكحتهم، وعيادتهم وترك السلام عليهم، ومجالستهم، وعدم قبول روايتهم وشهادتهم، وغيرها من أنواع العقوبات.\nأما الحسية: فهي ما كان تأثيرها مباشرًا على البدن أو المال. وقد دلت عليها النصوص ودل عليها عمل السلف، وهي إما أن تكون بالقتل تارة أو بما دونه من أنواع العقوبات البدنية والمالية.\nأما عقوبة المبتدع الداعية بالقتل فلها مقصدان:\nأحدهما: قتله رِدةً إذا اعتقد ما يكفر به، أو صدر منه قول أو فعل مكفر وثبتت عليه الحجة بذلك (١)، دل على ذلك قول النبي - ﷺ -: «من بدل دينه فاقتلوه» (٢).\nالثاني: قتلهم دفعًا لفسادهم وحماية للناس من فتنتهم وشرهم، إذا لم يمكن دفع شرهم إلا بالقتل؛ ويقتل الكافر منهم وغير الكافر ما دام أنه داعية لبدعته ويخشى الافتتان به (٣).\nوقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - عن أئمة السلف أن قتلهم لبعض أهل البدع إما ردة لكفرهم، وإما لأجل إفسادهم في الأرض بقصد حماية الناس منهم قال: \" والأئمة الذين أمروا بقتل هؤلاء الذين ينكرون رؤية الله في الآخرة ويقولون: القرآن مخلوق، ونحو ذلك، قيل: إنهم أمروا بقتلهم لكفرهم، وقيل: لأنهم إذا دعوا الناس إلى بدعتهم أضلوا الناس، فقتلوا لأجل الفساد في الأرض وحفظًا لدين الناس أن يضلوهم\" (٤).\n_________\n(١) كمن سب الله تعالى أو الرسول - ﷺ - أو استخف بالقرآن، أو جحد شيئًا منه كما عليه بعض الزنادقة والباطنية وأصحاب وحدة الوجود والحلولية، وملاحدة الفلاسفة ومن في حكمهم.\nينظر: الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية (ص ١٥٣)، الإجماع لابن المنذر (ص ١٥٣)، السنة للخلال (١/ ٥٣٢)، الرد على الجهمية (ص ١٤)، فضائح الباطنية للغزالي (ص ١٥٦).\n(٢) رواه البخاري في كتاب الجهاد باب لا يعذب بعذاب الله برقم (٣٠١٧).\n(٣) كما قتل السلف جهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وغيلان القدري وغيرهم. ... ينظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ٤١٤).\n(٤) مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٢٤).","vol":"1","page":60},{"text":"أما عقوبة أهل البدع بما دون القتل فثابت عن السلف، وهذه العقوبات غير مقدرة؛ لأن الأصل في التعزير أنه غير مقدر لا جنسه ولا صفته، وإنما يرجع إلى اجتهاد الحاكم، وولاة الأمور من القضاة وغيرهم (١).\nبهذا يتضح أن أهل العلم كانوا حماة للعقيدة، حراسًا للشريعة؛ فما يظهر باطل إلا ويتهافت بين يدي علمهم، فجزاهم الله عنا خيرًا.\nوقد شاء الله لدعوتهم التكامل لمسيرة الإسلام مع الرحمة لأتباعه والشفقة عليهم من مجانبة صوابه، وتلك مشيئة الله وحكمته ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ الصف: ٨ (٢).\nوبمعرفة ما مضى يُعرف سبب شدة السلف والعلماء ومن بعدهم على البدع وأهلها، وإعظامهم أمرها، ووصفهم لها بأنها من مبادئ الكفر ومظانه، وأنها مشتقة منه، وأنها شعبةٌ من شعبه، وبريدٌ إليه (٣)، قال شيخ الإسلام: \" فإن البدع لا تزال تخرج الإنسان من صغير إلى كبير حتى تخرجه إلى الإلحاد والزندقة\" (٤). عياذًا بالله من ذلك.\n_________\n(١) ومن هذه العقوبات جلدهم، وكذلك سجنهم ونفيهم وتغريبهم، وإهانتهم، وتحريق كتبهم وإتلافها، وهدم وتحريق أماكنهم التي يجتمعون فيها للبدع كبيوتهم ومساجدهم ... وغير ذلك من أنواع التعزير التي دلت عليها النصوص وأقوال السلف وأفعالهم.\nينظر: موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع (٢/ ٦١٣ - ٦٣١).\n(٢) ينظر: شرح السنة (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، عقيدة السلف أصحاب الحديث لأبي إسماعيل الصابوني (ص ١١٢)، تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة (ص ٨٨)، رسالة (هجر المبتدع) للشيخ بكر أبو زيد (ص ٣٢)، موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع للرحيلي (٥٨٧ - ٥٩٢)، التفسير السياسي للقضايا العقدية في الفكر العربي لسلطان العميري (ص ٩٥ - ٩٧)، البدع العلمية المتعلقة بالقرآن الكريم لأحمد آل عبد الكريم (ص ٥ - ٦).\n(٣) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦١٢)، ومجموع الفتاوى (٢/ ٢٣٠ - ٢٦٩)، ودرء التعارض (٥/ ٢٠٩).\n(٤) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٣٠٦).","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>المبحث الثالث آثار البدع</span>.\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>المطلب الأول: الفتنة في الدين وفساد التصورات العقلية</span>.\nتعتبر البدع المتقابلة من أشد الانحرافات التي وقعت في تاريخ المسلمين، وصنعت فجوة كبيرة فيما بينهم؛ حيث تركت آثارًا خطيرة في حياة الأمة، وما زالت تنخر في جسمها حتى عصرنا الحاضر -والله المتسعان-.\nومما يعلم بداهة أن الجنوح إلى البدع المتقابلة له آثاره الضارة التي اكتوى بنارها المسلمون، ومن هذه الآثار والظواهر ما يخص أفراد المبتدعين، ومنها ما يعم مجتمعاتهم. وهذه الآثار على سبيل الإيجاز (١):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>١ - إماتة السنة:</span>\nفمن الآثار الضارة للبدع المتقابلة: إماتة السنة؛ لأنها ما ظهرت بدعة إلا ومات في مقابلها سنة؛ لأن البدع مفسدة للقلوب، مزاحمة للسنة في إصلاح النفوس، فهي أشبه ما تكون بالطعام الخبيث، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: \"الشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث\" (٢).\nوظهور البدع علامة دالة على ترك السنة، قال ابن عباس - ﵄ -: \"ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن\" (٣).\nوكلما كان التفرق في الأمة المسلمة أشد كان ذلك دليلًا على كثرة السنن التي أضيعت، وكثرة البدع التي أحدثت، وهذا مضمون قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الأنعام: ١٥٣، فإن الجمع هنا يفيد أنها طرق متشعبة متعددة كثيرة مختلفة (٤)، فكلما سلك سبيل منها فقد أضيعت سنة وأحدثت بدعة.\n_________\n(١) ينظر: يراجع: الاعتصام (١/ ١١٤ - ١٢٥)، والبدعة والمصالح المرسلة (ص ٢٠٩ - ٢١٩). وكتاب البدع الحولية لعبد الله التويجري (ص ٧٥ - ٨٠)، ضوابط استعمال المصطلحات العقدية والفكرية عند أهل السنة والجماعة، د. سعود بن سعد بن نمر العتيبي (ص ١٣١ - ١٤٠).\n(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٥٩٧).\n(٣) رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون. قاله الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٨٨)، باب في البدع والأهواء.\n(٤) ينظر: البرهان في علوم القرآن (٤/ ١٢)، بدائع الفوائد (١/ ١٢٦ - ١٢٧).","vol":"1","page":62},{"text":"ولهذا عظمت الشريعة النكير على من أحدث البدع وحذرت منها؛ لأن البدع لو خرج الرجل منها كفافًا - لا له ولا عليه- لكان الأمر خفيفًا، بل لا بد أن توجب له فسادًا في قلبه ودينه ينشأ من نقص منفعة الشريعة في حقه؛ إذ القلب لا يتسع للعوض والمعوض عنه (١).\nوإذا كان التفرق نفسه متضمنا لإضاعة السنن وإفشاء البدع، فلا شك في أن البدع المتقابلة تفرق الدين وتكون من أعظم ما يكون به فساد ذات البين، فهي إذًا من أعظم أسباب وهاء الدين وذهابه، ولا يقف أثرها عند هذا الحد (٢)، بل يتعداه إلى آثار أخرى أكثر ضررًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>٢ - مفارقة الجماعة:</span>\nومن آثارها: مفارقة أهلها للجماعة، وشق عصا الطاعة؛ لأنهم اعتمدوا على أهوائهم وفرحوا بما عندهم، ومن اتبع هواه خرج عن جادة الصواب.\nوقد حذر الله من ذلك بقوله ﷿: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الأنعام: ١٥٣، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ الروم: ٣١ - ٣٢، وقال - ﷺ -: «افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة». وفي رواية: «كلها في النار، إلا واحدة: وهي الجماعة» (٣). فالنبي - ﷺ - قد أخبر عن وقوع الفرقة في أمته، وسبب هذا الافتراق هو مخالفة أهل الأهواء الضالة - كالقدرية، والخوارج، والروافض وما شابههم- ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة في أبواب أنواع التوحيد، والوعد والوعيد، والقدر والخير والشر، والإدارة والمشيئة، والرؤية والإدراك، وصفات الله -﷿- وأسمائه .. وغير ذلك، فسبب مفارقتهم لجماعة المسلمين هو إحداثهم للبدع المتقابلة التي ما أنزل الله بها من سلطان.\n_________\n(١) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٢١٧).\n(٢) ينظر: المباحث العقدية في حديث افتراق الأمم لأحمد سردار (٢/ ٧٩٥).\n(٣) رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣٣٢). ورواه أبو داود في سننه كتاب السنة برقم (٤٥٩٦) واللفظ له. ورواه الترمذي في سننه أبواب الإيمان، برقم (٢٧٧٨)، وقال: حديث حسن صحيح، ورواه ابن ماجه في سننه في كتاب الفتن باب افتراق الأمم برقم (٣٩٩٢)، وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ١٢٨، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجة برقم (٣٩٩٢)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (١٤٢٩).","vol":"1","page":63},{"text":"بل وصل التفرق بهم إلى أبعد من ذلك، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ النساء: ٨٢، فإن كل فرقة من رؤوس الفرق التي خالفت الحق وأهله لا تأتلف إلا على الأصل الذي خالفت به الحق؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - حاكيًا صنيعهم: \" ثم هؤلاء يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المجملة دينا يوالون عليه ويعادون\" (١)، ثم يكون بين أتباعها من الاختلاف الشديد ما يجعل الفرقة الأصلية تنقسم إلى فرق عديدة، ثم يكون بين تلك الفرق المنقسمة عن الفرقة الأم من العداوة والبغضاء والتنافر ما يصل إلى درجة أن تكفر كل فرقة جميع الفرق التي تنتسب معها إلى الفرق الأصلية -فضلا عن غيرها من الفرق المخالفة لها (٢). وصدق عليهم ما روي عن عمر بن عبد العزيز - ﵀ - أنه قال: \"من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل\" (٣).\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" والبدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة\" (٤).\nقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ البقرة: ٢٥٣، فأخبر سبحانه أن الأمم لما اختلفوا بعد أنبيائهم وقع القتال بين بعضهم البعض.\nوروي عن ابن عباس - ﵄ - قال: \" إن بني إسرائيل كانوا على شريعة ومنهاج، ظاهرين على من ناوأهم، حتى تنازعوا في القدر، فلما تنازعوا اختلفوا وتباغضوا وتلاعنوا واستحل بعضهم حرمات بعض، فسلط عليهم عدوهم فمزقهم كل ممزق\" (٥)، وكما وقع الاقتتال وغيره في فرق الأمم قبلنا؛ فقد وقع في هذه الأمة أيضًا، قال ابن حزم - ﵀ -: \" اعلموا -رحمكم الله- أن جميع فرق الضلالة لم يجر الله تعالى قط على أيديهم خيرًا، ولا فتح بهم من بلاد الكفر قرية، ولا رفع للإسلام راية، وما زالوا يسعون في قلب نظام المسلمين، ويفرقون كلمة المؤمنين، ويسلون السيف على أهل الدين، ويسعون في الأرض مفسدين .. أما الخوارج والشيعة فأمرهم في هذا أشهر من أن يتكلف ذكره ...، وأما المرجئة فكذلك،\n_________\n(١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧٦).\n(٢) ينظر التنبيه والرد (ص ٩١)، الفرق بين الفرق (ص ٣٦١).\n(٣) تهذيب تاريخ دمشق (٧/ ١٤٣).\n(٤) الاستقامة (١/ ٤٢).\n(٥) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٧٠٠) برقم (١١٣٣).","vol":"1","page":64},{"text":"إلا أن الحارث بن سريح خرج بزعمه منكرًا للجور، ثم لحق بالترك فقادهم إلى أرض الإسلام، فأنهب الديار وهتك الأستار، والمعتزلة في سبيل ذلك\" (١).\nوأصحاب البدع المتقابلة هم أصحاب الفرق المفترقة عن طريق السنة والجماعة، المفارقة لأئمة المسلمين وجماعتهم، السالكة لغير سبيل السنة وأهلها، المباينة لنهج السلف الصالح (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>٣ - التفسيق والتكفير من غير برهان ولا دليل لمن خالف أصول دينهم المبتدع:</span>\nبعد أن تعتقد كل فرقة أنها على الحق، وغيرها على الباطل؛ ترى أن الحق الذي معها هو الدين الواجب اتباعه، وأن من خالفه فهو مبتدع أو كافر يجب معاداته، فتتوصل بذلك إلى تبديع أو تكفير جميع الفرق المخالفة لها. وهذا حال جميع أهل البدع (٣).\nوبما أن الكفر حكم شرعي، والمرجع فيه للكتاب والسنة، فلاشك أن الخوض فيه بعيدًا عنهما مسلك خطير ومنهج منحرف، والكلام عن خطورته وانحرافه كلام طويل ليس هذا موضعه، إلا أن من الجدير بالذكر أن كل فرقة لم تكتفِ بما نحت إليه من بدع، بل حكمت على من خالف أقوالها بالكفر تارة، وبالفسق تارة أخرى، وهذا مشتهر عن أصحاب المقالات البدعية، وهو مما حذر منه علماء السنة قديمًا، فلقد قال الإمام أبو العالية الرياحي (٤): \"تعلموا الإسلام؛ فإذا تعلمتوه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم؛ فإنه الإسلام، ولا تحرفوا الإسلام يمينًا ولا شمالًا، وعليكم\nبسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء\" (٥).\n_________\n(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٥/ ٩٨).\n(٢) ومنهم: أهل الجدل والخصومات في الدين، وأهل الكلام، وأصحاب البدع والمحدثات في الدين كالخوارج، والرافضة، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية، والمشبهة، والمتصوفة، والباطنية، والفلاسفة، ومتكلمة الكلابية، والأشاعرة، والماتريدية ومن سلك سبيلهم، فإن كل طائفة تفرعت عنها فرق ولا تزال .. وفي العصور المتأخرة ظهرت أهواء حادثة، كأصحاب الاتجاهات الحديثة المنحرفة، كالقومية، والعلمانية، والحداثة، والشيوعية ونحوها، فهم كلهم في سبيل الفرقة، بل غالبهم في سبيل الردة والخروج من الملة، أما حزب التحرير، والعقلانية، والعصرانية، والتنوير، فهي امتداد من حيث الأصول والغايات للمعتزلة والجهمية .. وكذا أغلب الجماعات والحركات الإسلامية المعاصرة التي ترفع الشعارات الحزبية والتي تتخذ لنفسها مناهج في الدين تتميز بها، هي كذلك في سبيل الفرقة.\nينظر: دراسات في الأهواء والفرق والبدع وموقف السلف منها، أ. د. ناصر العقل (١/ ٢٣ - ٢٤).\n(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٢٧٩) (١٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩).\n(٤) هو رفيع بن مهران البصري، إمام في التفسير والقراءة والحديث، سمع من عمر بن الخطاب، وعلي وأبي، وابن مسعود، وعائشة، وسمع عنه أبو عمرو بن العلاء، توفي (٩٣ هـ). ينظر: السير للذهبي (٤/ ٢٠٧)، وشذرات الذهب (١/ ١٠٢).\n(٥) اللالكائي (١/ ٥٦).","vol":"1","page":65},{"text":"والعداوة والبغضاء هي مقدمة الوقوع في الأهواء، ونهايتها الحكم على المخالف بالفسق والكفر؛ ولذلك كان الإمام الشافعي - ﵀ - ينهى عن الكلام في الأهواء، معللا ذلك بقوله: \" أحدهم إذا خالفه صاحبه قال: كفرت، والعلم فيه إنما يقال: أخطأت\" (١).\nفالحكم بالتكفير عندهم حاضر عند الاختلاف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - حاكيًا صنيع أهل الفلسفة والكلام مع مخالفيهم من أهل السنة والجماعة: \" ثم هؤلاء يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المجملة دِينًا يوالون عليه ويعادون، بل يكفرون من خالفهم فيما ابتدعوه .. ومعلوم أن الخوارج هم: مبتدعة مارقون كما ثبت بالنصوص المستفيضة عن النبي - ﷺ -، وإجماع الصحابة ذمهم والطعن عليهم، وهم إنما تأولوا آيات من القرآن على ما اعتقدوه، وجعلوا من خالف ذلك كافرًا؛ لاعتقادهم أنه خالف القرآن، فمن ابتدع أقوالًا ليس لها أصل في القرآن، وجعل من خالفها كافرًا كان قوله شرًا من قول الخوارج؛ ولهذا اتفق السلف والأئمة على أن قول الجهمية شر من قول الخوارج\" (٢).\nوقد بلغ الأمر بأهل الأهواء أن كفروا صحابة رسول الله - ﷺ -؛ وبما أن هذه المقالات البدعية مبناها على الأهواء والعقول البشرية فما لبث أن دب داء التكفير بين الإخوان والأقران في المذهب الواحد؛ وفي ذلك يقول الإمام أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني (٣): \" وأما إذا نظرت إلى أهل الأهواء والبدع رأيتهم متفرقين مختلفين أو شيعًا وأحزابًا، لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد، يبدع بعضهم بعضا، بل يرتقون إلى التكفير؛ يكفر الابن أباه، والرجل أخاه، والجار جاره، تراهم أبدًا في تنازع وتباغض واختلاف، تنقضي أعمارهم ولما تتفق كلماتهم ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾ الحشر: ١٤، أوما سمعت أن المعتزلة مع اجتماعهم في هذا اللقب يكفر البغداديون (٤)، منهم البصريين (٥)،\n_________\n(١) اللالكائي (١/ ١٤٦).\n(٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧٦).\n(٣) هو أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي، التيمي، الأصبهاني، الملقب بقوام السنة، إمام في الحديث والفقه والتفسير والعربية، سمع منه أبو طاهر السلفي، وابن عساكر وغيرهم، من مصنفاته: دلائل النبوة، والمغازي، المعتمد في التفسير، والسنة، توفي (٥٣٥ هـ). ينظر: السير للذهبي (٢٠/ ٨٠)، وشذرات الذهب (٤/ ١٠٥).\n(٤) المعتزلة البغداديون منهم: بشر بن المعتمر صاحب فرقة البشرية، وعيسى بن صبيح المردار صاحب فرقة المردارية، وعبد الله بن أحمد الكعبي صاحب فرق الكعبية. ينظر: الملل والنحل (٤٦، ٦٨، ٧٦).\n(٥) المعتزلة البصريون منهم: إسحاق بن إبراهيم النظام صاحب فرقة النظامية، وأبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي صاحب فرقة الجبائية، وأبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي صاحب فرقة البهشمية. ينظر: الملل والنحل للشهرستاني (ص ٥٣ - ٧٨) ..","vol":"1","page":66},{"text":"والبصريون منهم البغداديين؟ ويكفر أصحاب أبي علي الجبائي (١) ابنه أبا هاشم، وأصحاب أبي هاشم (٢) يكفرون أباه أبا عليا؟ كذلك سائر رؤوسهم وأرباب المقالات منهم، إذا تدبرت أقوالهم رأيتهم متفرقين، يكفر بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض، وكذلك الخوارج والروافض فيما بينهم، وسائر المبتدعة بمثابتهم (٣)، وهل على الباطل دليل أظهر من هذا؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ الأنعام: ١٥٩\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>٤ - الاستمرار في البدع وعدم الرجوع عنها:</span>\nومن آثار البدع المتقابلة: أن صاحب البدعة إذا أصيب بمرضها، لا يرجع عن بدعته، بل يستمر فيها، مبعدة إياه عن طريق الحق، حتى يصعب عليه الرجوع والتوبة، إلا من رحم الله، قال - ﷺ -: «إنَّ من ضِئضِئِ هذا قومًا يَقرَؤونَ القرآنَ، لا يُجاوزُ حَناجِرَهم، يَمرُقونَ منَ الإسلامِ مُروقَ السهمِ منَ الرَّمِيَّةِ، يَقتُلونَ أهلَ الإسلامِ ويَدَعونَ أهلَ الأوثانِ، لئنْ أدرَكتُهم لأُقَتِّلَنَّهم قتلَ عادٍ» (٥). وقال - ﷺ -: «إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة» (٦)، أي: لا يوفقون لها (٧).\nفصاحب البدعة لا يتوب عن بدعته، وإن خرج عنها فإنه يخرج إلى ما هو شر منها، أو يُظهرُ الخروج عنها ويصر عليها باطنًا.\n_________\n(١) هو: أبو علي محمد بن عبد الوهاب والبصري، إمام في الكلام، أخذ الاعتزال عن شيخه أبي يعقوب الشحام، من تلاميذه: أبو الحسن الأشعري، من مصنفاته: الأصول، النقض على ابن الراوندي، والأسماء والصفات، توفي بالبصرة (٣٠٣ هـ). ينظر: السير للذهبي (١٤/ ١٨٣)، طبقات المعتزلة لابن المرتضى (ص ٨٠)، شذرات الذهب (٢/ ٢٤١).\n(٢) هو: أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي المعتزلي البصري، إمام في الكلام، أخذ الاعتزال عن والده أبو علي الجبائي، من مصنفاته: الجامع الكبير، العرض، المسائل العسكرية، توفي (٣٢١ هـ)، ينظر: السير للذهبي (١٥/ ٦٣)، طبقات المعتزلة لابن المرتضى (٩٤ - ٩٦)، شذرات الذهب (٢/ ٢٨٩).\n(٣) ينظر: دلائل ذلك في كتب المقالات، مثل مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٩ - ١٧٠)، والفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي (٢٠ - ٢٢)، والملل والنحل للشهرستاني (١٢١ - ١٢٢).\n(٤) الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، لأبي القاسم الأصبهاني (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦).\n(٥) أخرجه البخاري، حديث رقم (٧٤٣٢). وحديث المارقين عن الدين متفق على صحته.\n(٦) أورده السيوطي في الجامع الصغير برقم (١٦٦٣)، وقال حديث صحيح، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (١٦٢٠).\n(٧) وهذا الحكم بعدم توبة أهل البدع للغالب الأعظم من أهل البدع لا أنه شامل لكل أفرادهم، وبهذا يندفع ما قد يتوهم من تعارض بين ما دلت عليه النصوص وكلام السلف في المسألة من أن أهل البدع لا يوفقون للتوبة وما يشهد به الواقع، من ثبوت رجوع بعضهم وتوبتهم من البدع.\nينظر: موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع (١/ ٣٢٤).","vol":"1","page":67},{"text":"وعدم توبة صاحب البدعة له أسباب (١)، منها:\nأأن الدخول تحت التكاليف في الشريعة صعب على الأنفس؛ لأنه أمر مخالف للهوى، ومحاد للشهوات، فيثقل عليها جدًا؛ لأن الحق ثقيل، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها، لا بما يخالفه، وكل بدعة للهوى فيها مدخل؛ لأنها راجعة إلى نظر مخترعها وهواه، لا إلى نظر الشارع وحجته.\nب أن المبتدع لابد له من تعلق بشبهة دليل، ينسبها إلى الشارع، ويدعي أن ما ذكره هو مقصود الشارع فصار هواه مقصودًا بدليل شرعي في زعمه، فكيف يمكن الخروج من ذلك، وداعي الهوى مستمسك بأحسن ما يتمسك به؟ وهو الدليل الشرعي في الجملة.\nت أن المبتدع يزيد في الاجتهاد لينال في الدنيا التعظيم والمال والجاه، وغير ذلك من أصناف الشهوات، ويرون أن عملهم أفضل من عمل غيرهم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ الكهف: ١٠٣ - ١٠٤. فسبب ما داخل أنفسهم من الهوى يجد المبتدعة في ذلك الالتزام والاجتهاد، خفة ونشاطًا، يستسهلون به الصعب، ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ المدثر: ٣١.\n\nوقد ذكر الشاطبي - ﵀ - سبب رجوع بعض أهل البدع وتوبتهم من بدعهم، وإصرار بعضهم عليها فلا يتوبون منها، وهم عامة أهل البدع وغالبهم، فقسم الشاطبي أصحاب الأهواء إلى قسمين: قسم أشرب الأهواء وتمكنت منه، وقسم لم يشربها، فمن أشرب البدعة من أصحاب الأهواء لا يتوب منها، ولا يرجع عنها، إلا أن يشاء الله؛ وأما من لم يشربها، ولم تتمكن منه، فهذا هو الذي يمكن أن يتوب منها (٢).\n_________\n(١) ينظر: الاعتصام للشاطبي (١/ ١١٤ - ١٢٥)، والبدعة والمصالح المرسلة (ص ٢٠٩ - ٢١٩).\n(٢) ينظر: الاعتصام (٢/ ٢٧٠ - ٢٧٤).","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>٥ - الاشتغال بما لا ينفع إلى ما فيه نفع الأعداء والعودة عليهم بالضرر </span>(١):\nإن من أعظم آثار البدع: أن أهلها كما ابتدعوا ما لم يشرعه الله ولم يأذن به، فكذلك بالمقابل تركوا ما شرعه الله وأمر به من أصول الدين والحكمة.\nواشتغال الناس بما لا ينفعهم، وانصرافهم عمَّا ينفعهم، وتركهم ما كلفوا به، وإسراعهم فيما لم يكلفوا به؛ هذه لفتن من آثار البدع المتقابلة. وقد حذر العلماء قديمًا وحديثًا عن الاشتغال الذي لا نفع فيه عما فيه نفع.\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده، وقع في باطل مقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده ولا بد، حتى في الأعمال، فمن رغب عن العمل لوجه الله وحده ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق، فرغب عن العمل لمن ضرّه ونفعه وموته وحياته وسعادته بيده، فابتلي بالعمل لمن لا يملك له شيئًا من ذلك، وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتلي بإنفاقه لغير الله وهو راغم، وكذلك من رغب عن التعب لله ابتلي بالتعب في خدمة الخلق ولا بدّ، وكذلك من رغب عن الهدى بالوحي، ابتلي بكناسة الآراء وزبالة الأذهان ووسخ الأفكار\" (٢).\nيؤكد العلاّمة عبد الرحمن السعدي - ﵀ - ذلك قائلًا: \"لما كان من العوائد القدسية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكن الانتفاع به ولم ينتفع، ابتلي بالاشتغال بما يضره، فمن ترك عبادة الرحمن، ابتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه، ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذلّ لربه، ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل\" (٣).\nيقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - ﵁ -: \" إياكم وما يحدث الناس من البدع، فإن الدين لا يذهب من القلوب بمرة، ولكن الشيطان يحدث له بدعًا حتى يخرج الإيمان من قلبه، ويوشك أن يدع الناس ما ألزمهم الله من فرضه في الصلاة والصيام والحلال والحرام، ويتكلموا في ربهم .. \" (٤).\n_________\n(١) أي بالضرر العقدي، وهذا في الحقيقة هو الضرر الأساسي والذي بسببه تأتي بقية الأضرار المادية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.\n(٢) مدارج السالكين (١/ ١٦٥)، وينظر الفوائد (ص ٢٧).\n(٣) تفسير السعدي (١/ ١٨).\n(٤) اللالكائي (١/ ١٢١).","vol":"1","page":69},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤)﴾ النحل: ٩٤؛ وفي هذه الآيات تهديد ووعيد لمن ترك الحق إلى الباطل، والهدى إلى الضلال؛ أكد -﷾- هذا التحذير بقوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥)﴾ النحل: ٩٥ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>٦ - إضلال الناس وتلبيس الحق بالباطل:</span>\nومن آثارها: أن المبتدعة لا يقتصر ضلالهم على أنفسهم، وإنما يشيعونه بين الناس، ويدعون إليه قولًا وعملًا، بالحجة الباطلة والتأويل الزائغ والهوى المتسلط، فيتحملون إثمهم وإثم من عمل بهذه البدعة إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ النحل: ٢٥.\nومما يزيد البدع المتقابلة خطورة، ويجعلها أكثر ضررًا وتأثيرًا- أن أهل البدع يعملون على تزيين بدعتهم للناس، ويضيفون عليها صفة الشرعية، فيجعلون بدعتهم في صورة طاعة، فيتصيدون بذلك الجهال وأشباههم (٢)؛ لأن أهل البدع المتقابلة يحرص كل منهم على جمع الجماعات، والسير بهم في بدعته بغير فهم، فأول ما يظهر أهل البدع يكونون أفرادًا، ثم بعد ذلك يتجمع الناس حولهم مفتونين بهم، مدافعين عن ضلالهم، مشيعين ذلك بين الناس، وليس ثمة دليل لديهم إلا اتباع الظن وما تهوى الأنفس، وتقليد أئمتهم المبتدعة (٣).\nومن أساليب إضلالهم: ما قاله ابن عمر - ﵁ - في الخوارج، بأنهم: \" انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين\" (٤). وهذا منهج كثير من أهل البدع المتقابلة وغير المتقابلة.\n\nوكذلك فإنهم ينسبون مقالتهم إلى من هو جليل القدر عند الناس، ليخدع بذلك الجهال وضعاف العقول؛ ويدخل في هذا مسألة دعوى الإجماع الباطلة: فلا شك أن لدعوى الإجماع أثرا كبيرا في ترويج البدع عند الناس، وخاصة العامة منهم؛ لأنهم بتلبيس هؤلاء المبتدعة ودعواهم الإجماع،\n_________\n(١) ينظر: تيسير التفسير للقطان (٢/ ٣٣٠).\n(٢) ينظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٢/ ٤٣٦).\n(٣) ينظر: البدع الحولية للتويجري (ص ٧٩).\n(٤) أخرجه البخاري في الصحيح كتاب استتابة المرتدين باب الفتح (١٢/ ٢٨٢).","vol":"1","page":70},{"text":"يظنون أن هذه البدع قد قام العمل عليها بين المسلمين في القديم والحديث، وفي جميع الأمصار والأقطار، وهذا الأثر تلمسه بوضوح في تشنيعهم على المخالفين لهم في ذلك، والمنكرين عليهم، فتجدهم يصمونهم بأنهم خالفوا ما عليه المسلمون؛ لأنهم ينقلون ويحكون الاتفاق أو الإجماع أو القول بأنه مشهور عن الصحابة أو التابعين أو أهل الحديث أو الأئمة وفي الحقيقة أن الأمر ليس كذلك، مما كان سببًا في التلبيس وعموم الفتنة، وذلك إما لجهلهم، أو تساهلهم، أو توهمهم، أو الكذب من بعضهم. ومما يزيد الأمر خطورةً والأثر عمقًا أن يتُوصل إلى تقرير بعض هذه البدع بالأدلة الشرعية، مما يؤدي -بحد ذاته- إلى تلبيس الحق بالباطل والهدى بالضلال.\nومن الأمثلة على هذه البدع دعوى الإجماع في بدعة شد الرحال لزيارة قبر النبي - ﷺ -، وبدعة التوسل بذات النبي - ﷺ - وغيره من ذوات الأنبياء والصالحين، في حياتهم وبعد مماتهم، وبدعة الإرجاء، وبدعة إنكار الصفات الاختيارية لله تعالى، وغير ذلك (١).\nومن أساليبهم ما ذكره عمر بن عبد العزيز - ﵀ - بقوله: \" إذا رأيت قومًا يتناجون بأمر في أمر دينهم دون عامتهم، فهم على تأسيس الضلالة\" (٢)؛ والتاريخ شاهد بذلك، فإن البدع إنما ابتدأت همسًا وأحيانًا بقصد الغيرة على الدين، والنصح للإسلام، ثم يؤول الأمر إلى العزلة عن الجماعة وتنافر القلوب وغرس الغل على المخالفين.\nفكل صاحب بدعة من البدع المتقابلة قد يجد من شاذ الآراء، أو مشتبهها ما يُفتن به ويُلبس على الناس فيه (٣)؛ ومن هنا تنشأ البدع المتقابلة ويعظم ضررها -والله المستعان-.\n_________\n(١) ينظر: دعاوى الإجماع عند المتكلمين في مسائل أصول الدين (ص ٢٨٢ - ٢٨٦)، ودراسات في الفرق والأهواء (١/ ٤٤٨).\n(٢) أخرجه الدرامي (٣٠٤)، واللالكائي (٢٥١)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله».\n(٣) كنفي عائشة ﵂ للرؤية: - قالت ﵂ لمسروق: من حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب ... - وهي إنما نفت رؤية الله بالعين، وهو قول جمهور أهل العلم، لكن جاء كلامها مطلقا فتمسك به نفاة الرؤية من المعطلة كالمعتزلة وغيرهم على نفي رؤية الله ﷿ في دنيا والآخرة. وقالوا: لأن ما كان نفيه تنزيهًا يكون عامًا في الدنيا والآخرة.\nوكذلك قول أبي حنيفة بالإرجاء، وكتعلق البعض بموقف ابن الزبير أو ابن الأشعث وسعيد بن جبير في إجازة الخروج على الأئمة، وزعمهم أن ذلك من مناهج السلف.\nوهذه الآراء كانت من المتشابه الذي وجد فيها أهل البدع المتقابلة بغيتهم في إضلال الناس، والله المستعان.\nينظر: دراسات في الأهواء والبدع (١/ ٣٢٨)، وكتاب الإباضية: وفاء الضمانة بأداء الأمانة لمحمد بن يوسف اطفيش تـ (١٣٣٢ هـ) (ص ٣٧٦ - ٣٧٧).","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>٧ - اتباع المتشابه:</span>\nلأن المبتدع تفسد طبيعته، ويترك طريق الصواب إلى طريق الضلال، فأول أثر لذلك: اتباع المتشابه، وقد نبه الله ﷾ على ذلك بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ آل عمران: ٧.\nومن أمثلة ذلك: استشهاد الخوارج على إبطال التحكيم بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ الأنعام: ٥٧.\nقد يعتضد الرأي الباطل بدليل صحيح، ويستنبط منه ما يوهم به صحته، وهنا يقرر شيخ الإسلام أن كل دليل نقلي صحيح، وعقلي صريح، إنما يدل على الحق لا على الباطل؛ يقول - ﵀ -: \"عامة ما يحتج به أهل البدع من كتاب الله -﷿-، ففي تلك النصوص ما يتبين أنه لا حجة لهم فيها، بل هي بعينها حجة عليهم\" (١)؛ لأن \"الدليل الصحيح لا يدل إلا على حق، لا على باطل\" (٢).\nوقد قال - ﷺ -: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» (٣)، قال الإمام النووي - ﵀ - في شرح الحديث: \" وفي هذا الحديث التحذير من مخالطة أهل الزيغ وأهل البدع، ومن يتبع المشكلات للفتنة، فأما من سأل عما أشكل عليه منها للاسترشاد وتلطف في ذلك فلا بأس عليه، وجوابه واجب، وأما الأول فلا يجاب بل يزجر ويعزر كما عزر عمر بن الخطاب - ﵁ - صبيغ بن عسل حين كان يتبع المتشابه\" (٤).\nويقول أيوب السختياني: \" لا أعلم أحدًا من أهل الأهواء يخاصم إلا بالمتشابه\" (٥).\n_________\n(١) الجواب الصحيح (١/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(٢) الجواب الصحيح (٦/ ٢٨٨).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير، باب (منه آيات محكمات)، برقم (٤٥٤٧)، ومسلم في صحيحه كتاب العلم باب النهي عن اتباع متشابه القرآن برقم (٢٦٦٥).\n(٤) شرح صحيح مسلم (١٦/ ٢١٨).\n(٥) أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٥٠١).","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>٨ - تبديل الشريعة:</span>\nومما يحسن التنبيه عليه من آثار البدع المتقابلة الضارة: أن ظهورها وانتشارها يعد ضربًا من تبديل الشريعة بسبب طول الزمان واندراس الحق، ويعرف هذا في أصناف ثلاثة: الصغار حينما ينشأون على البدعة ويكبرون عليها، والكفار إذا أسلموا عليها، والأعراب وأهل البادية إذا تعلَّموها وحملوها معهم (١).\nلأن اعتقاد الأمر على خلاف ما هو عليه، والعمل به على هذا الحد نحوٌ من تبديل الشريعة، والخروج على أحكامها، فاعتقاد العوام ومن لا علم عنده ما ليس بفريضة فريضة، أو ما ليس بسنة سنة، أو ما ليس بمشروع أنه مشروع، فساد عظيم أورثته البدع بشكل عام والبدع المتقابلة بشكل خاص.\nفإن كل فرقة من الفرق - لاعتقادها أنها على الحق، وغيرها على الباطل- تنكر السنن التي تقول بها الفرق الأخرى وتحاربها، ولا تنفك هي - في الوقت نفسه- عن الإغراق في الابتداع والتفرق، حتى يؤول الأمر ببعض الفرق إلى الانسلاخ من الدين -والعياذ بالله- (٢).\nوهنا حقيقة مهمة كان لها أثرها البالغ في تبديل الشرائع العملية للدين، ومن أظهر الأدلة على ذلك أن الإرجاء لم يكن -في الأصل-دعوة واعية مقصودة لترك العمل والتفلت من الطاعات، وإنما كان تفسيرًا ضالًا لحقيقة الإيمان أنتجته البدع المتقابلة، ولكن مع طول الزمان أصبح شعارًا لترك العمل والتفلت من الطاعات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>٩ - التناقض:</span>\nتجد أهل البدع المتقابلة حيارى متناقضين، وهذه هي طبيعة الباطل، فإنه مختلف متناقض (٣)؛ لأن أصحابه لما خرجوا عن صريح المعقول، وصحيح المنقول، صار في أقوالهم من التناقض والفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد، مع دعواهم أنهم أصحاب البراهين العقلية، والمعارف الحكمية، وأن العلوم الحقيقية فيما يقولونه، لا فيما جاءت به رسل الله الذين هم أفضل الخليقة، وأعلمهم بالحقيقة (٤).\n_________\n(١) قواعد معرفة البدع للجيزاني (ص ٢٥)\n(٢) ينظر: المباحث العقدية في حديث افتراق الأمم لأحمد سردار (٢/ ٧٩٥).\n(٣) ينظر: الجواب الصحيح (٤/ ٣٩٥).\n(٤) ينظر: منهاج السنة (١/ ٢٩٥).","vol":"1","page":73},{"text":"وهذا الاضطراب والتناقض سِمَةٌ عامة في أغلب أهل البدع المتقابلة أفرادًا وفرقًا، فالفرقة الواحدة لا تستقر على رأي أو عقيدة أو موقف وإن جمعتها أحيانًا بعض الأصول العامة، مثل الخوارج والرافضة وسائر الفرق (١)؛ لأن كل أصولهم التي خرجوا بها عن السنة مُحدثة مبتدعة ليس لهم فيها سند شرعي، ولا قدوة من الأئمة الصالحين لذلك نجدهم عرضة للتقلب والتغير وعدم الثبات.\nومن أكثر الفرق تقلبًا أهل الكلام (٢)، قال الإمام أحمد - ﵀ -: \" هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يتكلمون به من المتشابه\" (٣).\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" وكل من له مسكة عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما ينشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا فسد أمرها أتم فساد ... وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل، بل هم شر من الحمير، وهم الذين يقولون يوم القيامة: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ الملك: ١٠\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>١٠ - التفريط أو الإفراط في شرائع الدين:</span>\nالله تعالى حكيم في حكمه وأحكامه حيث وضع الموازين التي توزن بها الأعمال بدقة متناهية فهي صنع الله كما قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ النمل: ٨٨، وكل بدعة هي خروج عن الدين إما إلى إفراط وإما إلى تفريط؛ فما من بدعة ظهرت في الإسلام، إلا وظهرت بدعة أخرى تناقضها، وهذا الأمر إذا تأمله العارف عرف أن الحق لا يُعرف بالمقابلة، ولا يكون طرفًا مناقضًا من كل وجه.\n_________\n(١) فالخوارج يكاد لكل واحد اعتقاد يخصه، ويجمعهم التكفير بالذنوب- والجهمية والمعتزلة نجدهم فرقًا مفترقة لا يجتمعون على قول، وإن تشابهت أصولهم العامة - والرافضة لم يجتمعوا على إمام ولا أصل وقد تحولوا على مجسمة ثم إلى معطلة ولا تزال مذاهبهم أخلاطًا من هذه الفرق وغيرها. - الصوفية لا تجمعهم عقيدة ولا ينظمهم أصل وكل حزب بما ليديهم فرحون ... وكذلك سائر الفرق المفترقة.\nينظر: دراسات في الفرق والأهواء (١/ ٤٦٨ - ٤٦٩).\n(٢) ومثال ذلك: أبو الحسن الأشعري كان معتزليًا ثم كلابيًا وأخيرًا استقر على مذهب السلف، لكن بلوثات كلامية؛ ناهيك عن أمثال الآمدي والجويني والغزالي والرازي قبل رجوعهم عن علم الكلام وتوبتهم منه؛ فبدؤوها شبرًا حتى صارت أميالًا.\n(٣) ينظر: درء التعارض (١/ ١٨١).\n(٤) إعلام الموقعين (١/ ١٠٥ - ١٠٦).","vol":"1","page":74},{"text":"والتفريط هو التساهل في الدين، والإفراط هو التشدد في الدين، وكلاهما منهي عنه شرعًا وموقع في الأهواء والبدع، فالتساهل إعراض، والتشدد ابتداع.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" وإنما جماع الشرِّ تفريط في حق أو تعدٍّ إلى باطل، وهو تقصير في السنة أو دخول في البدعة، كترك بعض المأمور وفعل بعض المحظور، أو تكذيب بحق وتصديق بباطل؛ ولهذا عامة ما يؤتى الناس من هذين الوجهين، فالمنتسبون إلى أهل الحديث والسنة والجماعة يحصل من بعضهم، كما ذكرت، تفريط في معرفة النصوص أو فهم معناها أو القيام بما تستحقه من الجهة ودفع معارض، فهذا عجز وتفريط في الحق، وقد يحصل منهم دخول في باطل: إما في بدعة ابتدعها أهل البدع وافقوهم عليها واحتاجوا إلى إثبات لوازمها، وإما في بدعة ابتدعوها هم لظنهم أنها من تمام السنة كما أصاب الناس في مسألة كلام الله وغير ذلك من صفاته\" (١).\nوقال ابن الوزير - ﵀ -: \" اعلم أن منشأ معظم البدع يرجع إلى أمرين واضح بطلانهما ... الزيادة في الدين بإثبات مالم يذكره الله تعالى ورسوله -﵇- من مهمات الدين ... والنقص منه بنفي بعض ما ذكره الله تعالى ورسوله - ﷺ - من ذلك بالتأويل الباطل ... ولهذين الأمرين الباطلين أصلان: عقلي وسمعي.\nأما العقلي: أنه عرض للمبتدعة بسبب الخوض فيما لا تدركه العقول مما أعرض عنه السلف، نحو ما عرض للبراهمة الذين حكموا برد النبوات ... فلزمهم ما التزموا من أن رسل الله -﵈- قصروا في البيان عمدًا امتحانًا للمكلفين، وتعريضًا للعلماء الراسخين في تأويل كلام رب العالمين.\nوأما الأصل الثاني وهو السمعي: فهو اختلافهم في أمرين أحدهما: في معرفة المحكم والمتشابه أنفسهما والتمييز بينهما حتى يرد المتشابه إلى المحكم، وثانيهما: اختلافهم هل يعلمون تأويل المتشابه ثم اختلافهم في تأويله على تسليم أنهم قد عرفوا المتشابه ... فطلبوا العلم من غير مظانه بل طلبوا علم ما لا يعلم فتعارضت أنظارهم العقلية وعارض بعضهم بعضا في الأدلة السمعية\" (٢).\n_________\n(١) الصفدية (١/ ٢٩٣).\n(٢) مختصر عن إيثار الحق على الخلق (ص ٨٥) وما بعدها، ينظر: دراسات في الفرق والأهواء (ص ٣٥١).","vol":"1","page":75},{"text":"فمن سمات أهل البدع أنهم لا يوفقون إلى الوسطية، فهم بين الغلو والتقصير، فمنهم غلاة، ومنهم مقصرون، ومنهم من يجمع بين الغلو من جهة، والتقصير من جهة أخرى.\n\nوبالنظر إلى ما سبق ذكره من الآثار المترتبة على البدع المتقابلة يدلنا ذلك دلالة واضحة على أنها هي الفتنة التي أفسدت عليهم تصوراتهم العقلية للمنهج الحق.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المطلب الثاني: الإفساد في الأرض</span>.\nإن من نتائج وآثار البدع المتقابلة انتشار الفساد في الأرض، والفساد المقصود به هنا: ما يمس دين الإنسان ودنياه على حد سواء. ومن ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>١ - امتحان الناس، وإلحاق الأذى بهم:</span>\nمن المفاسد التي حُفظت في القديم والحديث، امتحان الناس، وإلحاق الأذى بهم، فتجد أن كل فرقة وطائفة من البدع المتقابلة، إذا تسلطت على الفرق الأخرى، أذاقتها ألوانًا من الظلم والبطش والاضطهاد ولم ترقب فيها إلا ولا ذمة؛ ومن الأمثلة التاريخية الدالة على ذلك ما عرف في التاريخ الإسلامي بـ\"فتنة القول بخلق القرآن\" فلقد تسلط الجهمية على مقاليد السلطة، والتعليم، والقضاء، وجميع مظاهر الحياة في القرن الثالث الهجري؛ بدءًا من ولاية الخلفاء العباسيين الثلاثة: المأمون، والمعتصم بالله، والواثق بالله؛ فشملت هذه الفترة الزمنية من سنة (٢١٨ - ٢٣٢ هـ)، وكانت أشد الفترات نشرًا لهذه البدعة هي فترة خلافة الواثق.\nويلخص شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - ما حل بالأمة الإسلامية في هذه الفترة من الإفساد في الأرض، وصور ذلك الإفساد في الدين والدنيا فيقول: \" اجترؤا على دعاء الناس إلى القول بخلق القرآن، وامتحانهم على ذلك، وعقوبة من لم يجبهم بالحبس، والضرب، والقتل، وقطع الأرزاق، والعزل عن الولايات، ومنع قبول الشهادة وترك افتدائهم من أسر العدو، إلى غير ذلك من العقوبات التي إنما تصلح لمن خرج عن الإسلام، وبدلوا بذلك الدين نحو تبديل كثير من المرتدين\" (١).\nوشمل امتحان أولئك المبتدعة الضلال على البدعة وإلزامهم القول بها الفقهاء والمحدثين، والقضاة، والأئمة، والمؤذنين، وقواد الجيش، وأسارى المسلمين، وسائر عمال الدولة فأجاب عامتهم مكرهين، كما منع من التدريس والإفتاء من لم يقل بخلق القرآن (٢). فكان هناك إصرار قوي من أولئك الضلال؛ لإفساد عقائد الناس، وإلزامهم بالقوة بالبدعة، ومنع نشر السنة النبوية المبطلة لبدعهم.\n_________\n(١) التسعينية لابن تيمية (ص ١/ ٢٣٠ - ٢٣١).\n(٢) ينظر: في ذلك الكامل في التاريخ لابن الأثير (٤/ ٢٢٢ - ٢٢٥)، وسير أعلام النبلاء تحقيق شعيب الأرناؤوط (١٠/ ٢٨١، ٢٨٨، ٣١٢).","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>٢ - السجن والتعذيب وإراقة الدماء:</span>\nإن الغلو مذموم أيًا كان مصدره، عواقبه وخيمة، لا ينتج عنه إلا تجاوز النصوص الشرعية، وإراقة الدماء البريئة؛ ومن صور تلك المأساة: سجن وتعذيب الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ -، فبقي في السجن نحوا من ثمانية وعشرين شهرًا، وضرب بالسياط ضربًا شديدًا مبرحًا (١)، ومات خلق في السجون والقيود والأغلال في أيديهم، لرفضهم القول بخلق القرآن؛ ومنهم: الإمام أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي (٢)، صاحب الإمام الشافعي، وأحمد بن نصر الخزاعي (٣) (٤).\nوإن من أبرز صفات أهل البدع المتقابلة استحلال السيف، أي الخروج على الجماعة، أو الأئمة بالسيف، واستحلال ذلك يكون بالفعل والاعتقاد كما عند الخوارج، أو بالاعتقاد كما عند المعتزلة والرافضة وغيرهم، حيث يعتقدون استباحة الخروج، لكنهم قد لا يتمكنون، إما لعدم القدرة، أو لانتظار رجل موهوم كما يعتقد الرافضة. أخرج اللالكائي بسنده عن أبي قلابة قال: \" ما ابتدع قوم بدعة إلًا استحلوا السيف\" (٥).\nلذلك كان بعض السلف يسمي كل أصحاب الأهواء خوارج، أي أن سمتهم الخروج؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة، وترك قتال الأئمة، وترك القتال في الفتنة، وأما أهل الأهواء، كالمعتزلة فيرون القتال للأئمة من أصول دينهم، ويجعل المعتزلة أصول دينهم خمسة: التوحيد ... والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي منه قتال الأئمة\" (٦).\n_________\n(١) ينظر: البداية والنهاية (٥/ ٣٤٨ - ٣٤٩).\n(٢) هو: أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي، من أكابر أصحاب الإمام الشافعي، كان عابدا زاهدا، فقيها مناظرا، جبلا من جبال العلم والدين، مات - ﵀ - في شهر رجب سنة أحدى وثلاثين ومائتين، في سجن بغداد، في القيد والغل.\nينظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٢/ ١٦٢ - ١٦٥)، والبداية والنهاية (١٠/ ٣٢١).\n(٣) هو: أبو عبد الله، أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي المروزي ثم البغدادي، امتحنه الواثق بخلق القرآن، ونفي الصفات، فأبى الإجابة إليه، وقتله بيده عام ٢٣٧ هـ، ثم صلبه لست سنين. ينظر: تاريخ بغداد (٥/ ١٧٣)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ١٦٦).\n(٤) ينظر: البداية والنهاية (٥/ ٣٤٩)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (٥/ ١٧٦).\n(٥) اللالكائي (١/ ١٣٤)، الدارمي (١/ ٤٤ - ٤٥)، والآجري (١/ ٦٤)، والشرح والإبانة (ص ١٣٨)، وضوابط استعمال المصطلحات العقدية والفكرية عند أهل السنة والجماعة (ص ١٤١) وما بعدها.\n(٦) الفتاوى (٢٨/ ١٢٨ - ١٢٩).","vol":"1","page":78},{"text":"فيتضح أن من نتائج وآثار البدع المتقابلة السجن والتعذيب وإراقة الدماء سواء مكنوا من مقاليد السلطة، والتعليم، والقضاء، أم لم يمكنوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>٣ - تسلط الأعداء عليهم في القديم والحديث:</span>\nإن قوة الأمة لا تكون إلا في وحدتها واجتماعها، ولهذا لما تفرقت الأمة وظهرت البدع المتقابلة، تسلط عليها أعداؤها وساموها سوء العذاب (١)، فإذا أرادت الأمة العودة لمجدها وعزتها وقوتها فعليها بالاجتماع على كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وعليها أن تنبذ التفرق والاختلاف، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.\nيقول الإمام ابن تيمية - ﵀ - بعد ذكر الخلافات العقدية: \" .. وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها، وأمرائها وكبرائها، هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها .. وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا أصلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب\" (٢).\nإخبار النبي - ﷺ - بأن هذه الأمة إذا افترقت وتقاتلت يتسلّط عليها العدّو (٣).\nوقد وقع ما أخبر به - ﷺ -. وقد دعا النبي - ﷺ - لأمته بأن لا يسلط عليهم عدَوًّا من سوى أنفسهم، فاستجاب الله له الدعوة الثانية استجابة معلّقة، يعني: ما دامت أمتك مجتمعة على الحق، فإن الله لا يسلّط عليهم عدوًّا من الكفار، أما إذا حصل في الأمة افتراق كلمة، وحصل بينهم قتال فيما بينهم، وسبى بعضهم بعضًا، فحينئذ يعاقبهم الله - ﷿ - ويسلط عليهم الكفّار، ولا يزال الخلاف وتسلط الكفار على\n_________\n(١) ومن الأمثلة ما حكاه الذهبي بقوله: \"قصد الطاغية هُولاكو بغداد بجيوشه .. ودخل التتار بغداد واقتسموها .. وبقي السيف يعمل أربعة وثلاثين يومًا، وقَلَّ من سَلِم. فبلغت القتلى ألفَ ألفٍ وثمانمائة ألف وزيادة .. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون\". دول الإسلام للذهبي: (٢/ ١٥٩ - ١٦٠). وتسلط الأعداء يكون بأي وسيلة كانت.\n(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٢١).\n(٣) عن ثوبان - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الله زَوَى ليَ الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوِيَ لي منها. وإني سألت ربي لأمتي أن لا يُهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم. وإن ربي قال: يا محمَّد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يُرد، وإني أعطيتك لأمتك: أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويَسْبي بعضهم بعضًا\".\n\nأخرجه مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض برقم (٧٤٤٠).","vol":"1","page":79},{"text":"المسلمين إلى وقتنا هذا، بل في وقتنا هذا اشتدّ فيه الأمر، والسبب في هذا هو اختلاف المسلمين فيما بينهم (١).\nوقد أشار شيخ الإسلام - ﵀ - إلى تسلط الأعداء على أهل البدع: \" صالت الدهرية على أهل الكلام الذين سلكوا هذه السبيل؛ فإنهم لما رأوا فساد هذا القول في صريح المعقول، وظنوا أن هذا قول الرسل وأتباعهم، اعتقدوا أن الرسل -صلوات الله عليهم-، أخبرت بما يخالف صريح المعقول، ثم من أحسن الظن بهم قال: فعلوا ذلك لمصلحة الجمهور؛ إذ لم يمكن مخاطبتهم بالحق المحض، فكذبوا لمصلحة الجمهور! فساء ظن هؤلاء بما جاءت به الأنبياء، وامتنع أن يستدلوا به على علم، وأولئك المتكلمون بجهلهم قصدوا إقامة الدليل على تصديق الأنبياء، ونصر ما جاءوا به، فلما نقص علمهم بالسمعيات والعقليات، أدى ما فعلوه إلى تكذيب الرسل والطعن فيما جاءوا به! \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>٤ - الانتقال من شر إلى ما هو أشر منه </span>(٣):\nكثيرًا ما يتحول أهل البدع من مذهب إلى نقيضه؛ إلا أنهم لا يوفقون للسنة، ولا يهتدون لها، ولا يتحولون إليها -عدا أفراد قليلين (٤) -، فلا يعرف في التاريخ أن فرقة تركت بدعها إلى السنة، بل تتحول إلى ما هو أسوأ كما أخبر النبي - ﷺ - عنهم: «تتجارى بهم الأهواء،\n_________\n(١) ينظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، للشيخ صالح الفوزان (١/ ٣٣٣ - ٣٣٥).\n(٢) درء التعارض: (٨/ ٩٧ - ٩٨)، وينظر: دعاوى الإجماع عند المتكلمين في أصول الدين (ص ٢٨٩ - ٢٩٢).\n(٣) إذا مثلنا بالغرب فإنهم في معالجتهم أدوائهم وإصلاحهم لشؤونهم كمعالج الداء بالداء وناقش الشوكة بالشوكة. إنهم حاربوا الرأسمالية فنجمت الشيوعية، إنهم حاولوا أن يستأصلوا الديمقراطية فنبعت الدكتاتورية، أرادوا أن يحلوا مشاكل كل المجتمع فنبتت حركة تذكير النساء (Feminism) وحركة منع الولادة، أرادوا أن يشترعوا قوانين لاستئصال المفاسد الخلقية، فاشرأبت حركة العصيان والجناية، فلا ينتهي شر إلا إلى شر، ولا فساد إلا إلى فساد أكبر منه، ولا تزال هذه الشجرة تثمر لهم شرورا ومصائب، حتى صارت الحياة الغربية جسدا مقروحا، يشكو كل جزء منه أوجاعا وآلاما، قلوبهم مضطربة وأرواحها متعطشة إلى ماء الحياة ولكنها لا تعلم أين معين الحياة .. إنه فيما شرعه الله وارتضاه. ينظر: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ ! لأبي الحسن على الحسني الندوي (ص ٢٣٩).\n(٤) أمثال أبي حسن الأشعري وغيره.","vol":"1","page":80},{"text":"كما يتجارى الكلب بصاحبه» (١).\nفقد تطورت الخوارج إلى أن زادت على أصولها الباطلة، حتى قالت بأقوال الجهمية والمعتزلة؛ وتطورت الشيعة إلى القول بالتشبيه ثم الاعتزال والتجهم، ثم الباطنية، والخروج من أصول الإسلام أصلًا أصلًا، وتجريم السلف الصالح بما فيهم الصحابة والقول بردتهم؛ وتطورت الصوفية من مجرد مخالفات وشطحات في العبادة والسلوك إلى مناهج ومذاهب إلحادية وباطنية وفلسفية وبدعية ضالة؛ وتحولت القدرية إلى معتزلة وجهمية وانصهرت فيها؛ أما أصول المعتزلة ومناهجهم فقد انصهرت بقوالب أخرى في أصول أهل الكلام ومناهجهم، وتوزعتها فرق الرافضة والخوارج ومتكلمة الأشاعرة ونحوهم؛ وكذلك الجبر كان في الجهمية، وهي الجبرية الخالصة الغالية، ثم صار الجبر في الصوفية وأهل الكلام، أما الأشاعرة والماتريدية (أهل الكلام) فقد تحولت من فرق كلامية خالصة إلى مناهج خصومها من الجهمية والمعتزلة وانتهى بها المطاف إلى أن أصبحت -في الغالب- فرقًا كلامية، وفلسفية، وصوفية، مقابرية ... ثم ظهرت الشعارات الحديثة كالقوميات، والحزبيات، والطائفية، والشعوبية، والعلمنة، والحداثة، والاتجاهات الفكرية، والأدبية والثقافية والسياسية، والفنية .. وكلها تدور في فلك أصول الأهواء القديمة، وتزيد عليها ضلالات المناهج الغربية الحديثة وانحرافاتها وكفرياتها -كفى الله المسلمين شرورهم، وشر كل كائد- (٢).\nولا ريب أن كل انحراف وذل وهزيمة وفرقة في حياتنا، لا يزيد عن شيء واحد هو البعد عن منهج أهل السنة والجماعة في العقيدة والسلوك وسبيل الإصلاح.\n\nوتبين مما سبق ذكره من الآثار المترتبة على البدع المتقابلة، ما يدل دلالة واضحة على الفساد الذي أعقبته البدع المتقابلة على دين المرء ودنياه، ولا زلنا نشاهد آثارها المدمرة إلى وقتنا الحاضر - والله المستعان-.\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد برقم (٢٠٤٦٤)، وأبو داود في كتاب السنة باب شرح السنة برقم (٤٥٩٧)، وقال الألباني عنه حسن صحيح ينظر: صحيح وضعيف سنن أبي داود برقم الحديث (٤٥٩٧)، وصحيح الترغيب والترهيب (١/ ١٢).\n(٢) ينظر: دراسات في الأهواء والفرق والبدع (١/ ١٨١ - ١٨٧).","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث الرابع مكانة القرآن الكريم، والاحتجاج به عند أهل السنة ومخالفيهم</span>.\nوفيه مسألتان:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-66> القرآن الكريم عند أهل السنة والجماعة:</span>\nالقرآن عند أهل السنة، حجة في جميع قضايا الدين، العلمية، والعملية، والإنشائية، والخبرية. فهو الفرقان بين الحق والباطل، وقد سماه الله تعالى، فرقانا كما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ الفرقان: ١.\nوقد أقام الله به الحجة، ووضح به المحجة، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ الأنعام: ١٩، قال ابن القيم - ﵀ -: \" فكل من بلغه هذا القرآن، فقد أنذر به، وقامت عليه حجة الله\" (١).\nقال ابن تيمية - ﵀ - مبينا تعامل سلف الأمة مع هذا الكتاب العظيم: \" ... من أعظم ما أنعم الله به عليهم، اعتصامهم بالكتاب والسنة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، أنه لا يقبل من أحد أن يعارض القرآن لا برأيه، ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات: أن الرسول جاء بالهدى، ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم ... فكان القرآن هو الإمام الذي يقتدى به؛ ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف، أنه عارض القرآن بعقل، ورأي، وقياس، ولا بذوق، ووجد، ومكاشفة ... \" (٢).\n_________\n(١) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم اختصار محمد الموصلي (١/ ٧٦).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٨ - ٢٩).","vol":"1","page":82},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-67> القرآن الكريم عند المخالفين:</span>\nالقرآن الكريم عند المخالفين، خضع للتحريف، والتأويل، فهم يقولون على الله، وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام (١)، يصدق عليهم قوله تعالى: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ الحجر: ٩٠ - ٩١، قيل: المقتسمون هم الذين تفرقوا في كتبهم، إذ آمنوا ببعض، وكفروا ببعض (٢)، لهذا اختلف تعامل المخالفين مع كتاب الله. - فالخوارج معظمون للقرآن، طالبون لاتباعه، قائلون بحجبته، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"وأصل مذهبهم، تعظيم القرآن، وطلب اتباعه ... \" (٣)، لكن الإقرار بحجية القرآن أمر، وفهمه على وجهه، وفقه ما فهمه السلف، أمر آخر؛ وهذا مما ضلت فيه الخوارج، لما ... صاروا يتبعون المتشابه من القرآن، فيتأولونه على غير معرفة بمعناه، ولا رسوخ في العلم، ولا اتباع للسنة، ولا مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن\" (٤).\n- وعرف عن الشيعة القول: بتحريف القرآن، بالزيادة فيه، والنقصان منه؛ ولذلك لم يعتبروه حجة، قال البغدادي: \" ... زعم الرافضة أن لا حجة اليوم في القرآن والسنة، لدعواهم أن الصحابة غيروا بعض القرآن، وحرفوا بعضه .. \" (٥) .. أما من نفى من الرافضة، وقوع التحريف في القرآن، فمن مبدأ عقيدة التقية التي عرفوا بها، وهي من أصول الإيمان الكبار عندهم، فلا يغتر بأقوالهم إلا جاهل بحالهم. والله المستعان.\n_________\n(١) ينظر: الرد على الجهمية (ص ٦)، مجموع الفتاوى (٤/ ٢١٧ - ٢١٨)، والنبوات (ص ٢١٧).\n(٢) ينظر: جامع البيان لابن جرير الطبري (٧/ ٥٤٥)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٥٥٨).\n(٣) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٠٨).\n(٤) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢١٠).\n(٥) مقالات الإسلاميين (ص ٩٧) مع تعديل بسيط، والفرق بين الفرق (ص ٦٧)، والملل والنحل (١/ ١٣١ - ١٣٢).","vol":"1","page":83},{"text":"- القرآن عند المعتزلة: القرآن عندهم من جملة الدلائل، قال القاضي عبد الجبار (١): \" .. الدلالة أربعة: حجة العقل، والكتاب، والسنة، والإجماع ... \" (٢)، ومع ذلك فقد نصبوا العقل حاكما على النقل، وقاضيا عليه، فعزلوه عن أن يستدل به في باب معرفة الله، قال القاضي عبد الجبار: \" ... ومعرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل\" (٣)، ويقول مبينا اعتقاده في القرآن -حاكيا له على لسان أهل الاعتزال-: \"وأما مذهبنا في ذلك، فهو أن القرآن كلام الله تعالى، ووحيه، وهو مخلوق، محدث، أنزله الله علي نبيه، ليكون علما ودالا على نبوته، وجعله دلالة لنا على الأحكام لنرجع إليه في الحلال والحرام، ... \" (٤).\n- القرآن عند الأشاعرة: لا شك أن الأشاعرة يقولون بحجة القرآن الكريم، لكن جمهورهم وافقوا المعتزلة في اعتقادهم بأن الدليل النقلي لا يفيد اليقين، وقد قرر أئمة الأشعرية أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظواهر النقلية، فإنها تقدم البراهين العقلية على الظواهر النقلية؛ لأن حجية النقل -الكتاب والسنة- متوقفة على النظر العقلي، عندهم. ولا تفيد اليقين إلا إذا سلمت من عشر عوارض منها: النقل، والاشتراك، والتخصيص، والمجاز، والإضمار، والتقديم، والتأخير. وينتج من تقديم النقل على العقل، إبطال للأصل \"العقل\" بالفرع \"النقل\"، وإذا أدى إثبات الشيء إلى إبطاله، كان مناقضا لنفسه، فكان باطلا (٥).\n_________\n(١) القاضي عبد الجبار، هو: عبد الجبار بن أحمد بن الخليل بن عبد الله، الهمذاني، الأسد أبادي، ولد ما بين سنتي ٣٢٠ - ٣٢٥ هـ. عاصر دولة بني بويه في العراق، وفارس، وخرسان، منذ تأسيسها حتى انهيارها، وقد ولاه الصاحب بن عباد قاضيا لقضاة الري سنة ٣٦٧ هـ، وقد تتلمذ على أساطين المعتزلة في زمانه، توفي سنة (٤١٥ هـ)، من مؤلفاته: شرح الأصول الخمسة، وتنزيه القرآن عن المطاعن، واختيارات الأدلة.\nينظر ترجمته في: تاريخ بغداد (١١/ ١١٣ - ١١٥)، ولسان الميزان (٣/ ٣٨٦)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٤٤ - ٢٤٥)، وشذرات الذهب (٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣)، وطبقات الشافعية (٣/ ٢١٩ - ٢٢٠)، والأعلام (٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤).\n(٢) شرح الأصول الخمسة (ص ٨٨).\n(٣) شرح الأصول الخمسة (ص ٨٨).\n(٤) شرح الأصول الخمسة (ص ٥٢٨).\n(٥) ينظر: المواقف في علم الكلام للإيجي (١/ ٢٠٩ - ٢١١)، وأساس التقديس للرازي (ص ٢١٠ - ٢١١)، وكتاب الأربعين في أصول الدين (ص ٤٢٣ - ٤٢٦)، والمصادر العامة للتلقي (ص ١٧٢ - ١٧٣).","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>أبرز انحرافات أهل البدع في القرآن الكريم بشكل عام:</span>\n* ومن أبرز انحرافات أهل البدع أنهم يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم، وما تأولوا من اللغة، ولهذا لا تجدهم يعتمدون على أحاديث المصطفى - ﷺ -، ولا على آثار الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، ولا على إجماع السلف وآثارهم، وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وعلى كتب الأدب وكتب علم الكلام التي وضعها رؤوسهم (١). بل إنهم يعادون النصوص المخالفة لعقولهم وآرائهم، ويودون أنها لم تكن جاءت، وإذا سمعها الواحد منهم وجد لها على قلبه من الثقل والكراهة بحسب حاله، واشمأز منها قلبه (٢).\n* ومن شأنهم دائما الجدل والخصومة، ورفضهم الاحتكام للكتاب والسنة، \"وإذا رأيت الرجل يخاصم في دين الله، ويجادل في كتاب الله، فإذا قيل له، قال رسول الله. قال: حسبنا كتاب الله. فاعلم أنه صاحب بدعة\". (٣)\n* ومن أبرز ضلال المبتدعة: ما أشار إليه ابن تيمية - ﵀ - إذ يقول: «وإن عامة ضلال أهل البدع كان بسبب: أنهم يحملون كلام الله ورسوله على ما يدعون أنه دال عليه، ولا يكون الأمر كذلك» (٤).\n* ومن طرائق المبتدعة أنهم يزعمون، أن ما جاء به الرسول هو الحق، وأنهم يلتزمون شريعته، ولكنهم ربما ضلوا الطريق ... \"وكل فريق من المبتدعة إنما يدعي أن الذي يعتقده هو ما كان عليه رسول الله - ﷺ -؛ لأنهم ملتزمون في الظاهر بشعائر الإسلام ... إلا أنهم طلبوا الدين، لا بطريقة من الكتاب والسنة، بل رجعوا إلى عقولهم وخواطرهم وآرائهم، فطلبوا الدين من قبلها، فإذا سمعوا شيئا من الكتاب والسنة عرض على معيار عقولهم، فإن\n_________\n(١) ينظر: الإيمان لابن تيمية (ص ١١٤).\n(٢) ينظر: الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٣٦ - ١٠٣٧).\nوالحقيقة أن مرد ذلك كله إلى ضعف إيمانهم، وقلة يقينهم في التسليم لكلام الله تعالى، مع ما صاحب ذلك من كثرة الشبهات والأهواء الصادرة عن الاطمئنان لنصوص الشرع المنزل.\n(٣) الحجة في بيان المحجة: أبو القاسم الأصبهاني (٢/ ٤٣٣).\n(٤) الفتاوى لابن تيمية (٧/ ١١٦).","vol":"1","page":85},{"text":"استقام قبلوه، وإن لم يستقم ردوه، فإن اضطروا إلى قبوله حرفوه بالتأويلات البعيدة، والمعاني المستكرهة، فحادوا عن الحق، وزاغوا عنه، ونبذوا الدين وراء ظهورهم\" (١).\n* وهؤلاء المبتدعة لم يبلغوا في علوم الشريعة ما يمكنهم من الاجتهاد فيها بإطلاق إما لعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب والعلم بمقاصد الشريعة، وإما لعدم الرسوخ في العلم بقواعد الأصول التي من جهتها تستنبط الأحكام الشرعية، وإما لعدم الأمرين جميعا (٢).\n* وإن جميع هذه الطوائف من المبتدعة تنزل القرآن على مذاهبها وبدعها وآرائها.\nفالقرآن عند الجهمية جهمي، وعند المعتزلة معتزلي، وعند القدرية قدري، وعند الرافضة رافضي، وكذلك هو عند جميع أهل الباطل، وما كانوا أولياءه ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ الأنفال: ٣٤ (٣).\n*وإن وافق أهل البدع أهل السنة والجماعة في قطعية ثبوت القرآن، فإن عامتهم لا يرون قطعية شيء من دلالة الكتاب والسنة (٤)، بل دلالتها كلها عندهم ظنية (٥).\n_________\n(١) لوامع الأنوار البهية: للسفاريني (٢/ ٢٢٥).\n(٢) الاعتصام (ص ٢٢٠).\n(٣) ينظر شفاء العليل (١/ ٢٢٠)، وشرح الطحاوية (١/ ٢٤٤).\n(٤) ذكر شيخ الإسلام بأن المعتزلة يقولون بإفادة الأدلة السمعية لليقين. ينظر: درء التعارض (٧/ ٢٧٥).\n(٥) ينظر: شرح أم البراهين للسنوسي (ص ٢١٧)، حاشية الصاوي على الجلالين (٣/ ٩)، وذكر شيخ الإسلام أن التلمساني كان يقول: \" القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا\" ينظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٢٧، ٢٠١)، وموقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة عرضًا ونقدًا لـ د. سليمان الغصن (١/ ١٤٢ - ١٤٣)، والمصادر العامة للتلقي عند الصوفية عرضا ونقدا لصادق سليم صادق (ص ١٠١) وما بعدها.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الباب الأول: دلالة الآيات -الرادة على البدع المتقابلة- على معنى الوسطية</span>.\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: الآيات الدالة على الوسطية، ومعالمها.\nالفصل الثاني: الآيات الدالة على التحذير من الغلو والجفاء.","vol":"1","page":87},{"text":"الفصل ١ الآيات الدالة على الوسطية، ومعالمها.\n\nوفيه تمهيد ومبحثان:\n\nتمهيد: في تعريف الوسطية.\nالمبحث الأول: دراسة تحليلية للآيات\nالدالة على الوسطية.\nالمبحث الثاني: معالم الوسطية.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>التمهيد: تعريف الوسطية </span>(١):\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>حقيقة الوسطية في اللغة:</span>\nالوسطية مأخوذة من الوسط، ووسط الشيء: اسم لما بين طرفيه، والوسط في كل شيء: أعدله وأفضله وخياره، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ البقرة: ١٤٣، أي: عدولًا خيارًا، وحينئذ فهو صفة يمدح بها (٢)، وجاءت: كلمة (وسط) في اللغة لعدة معان، وهي متقاربة في مدلولها عند التأمل في حقيقتها ومآلها.\nقال ابن فارس - ﵀ -: (وسط): الواو والسين والطاء: بناء صحيح يدل على العدل والنَّصَف.\nوأعدل الشيء: أوسطه، ووسطه (٣).\nوكلمة (وسط) تأتي بفتح السين تارة وسكونها تارة أخرى، وفتحها هو الأكثر استعمالًا.\nوقد أشارت بعض المعاجم اللغوية إلى التفريق بين كلمة وسَط - بالتحريك - ووسْط -بالسكون-، فقالوا: إن كل موضع يصلح فيه (بين الظرفية) فهو بالسكون، مثل: وسْط القوم، أي بينهم؛ وما لا يصلح فيه (بين الظرفية) فهو بالفتح، مثل: ضربت وسَط رأسه، وقيل: كل منهما يقع موضع الآخر (٤)، رجح هذا ابن الأثير.\n\"وكيفما تصرفت هذه اللفظة نجدها لا تخرج في معناها عن معاني: العدل والفضل والخيرية، والنَّصَف، والبينية، والتوسط بين الطرفين\" (٥).\nوالذي يهمنا هنا هو الوسط بمعنى المتوسط بين الغالي والجافي.\n_________\n(١) الكتب المؤلفة في الوسطية الأصل فيها إبراز الوسطية؛ بينما هذا الموضوع (البدع المتقابلة) الأصل فيه هو الرد، وثمرة البحث لكل منها هو الأصل عند الآخر.\n(٢) ينظر: لسان العرب (١٢/ ٢٩٣)، مختار الصحاح (وس ط) (ص ٣٣٨).\n(٣) ينظر: معجم مقاييس اللغة مادة: (وسط) ٦/ ١٠٨.\n(٤) ينظر: مختار الصحاح مادة (وسط) (٧٢٠)، تاج العروس مادة (وسط) (٥/ ٣٤٠)، وغريب الحديث لابن الأثير (٥/ ١٨٣).\n(٥) وسطية أهل السنة ص (٢١).","vol":"1","page":89},{"text":"قال العجلوني (١): \"عن الأوزاعي (٢) أنه قال: ما من أمرٍ أمرَ الله به إلا عارض الشيطان فيه بخصلتين لا يبالي أيهما أصاب: الغلو أو التقصير. ولأبي يعلى (٣) بسند جيد عن وهب بن منبه (٤)، قال: إن لكل شيء طرفين ووسطًا، فإذا أمسك بأحد الطرفين مال الآخر، وإذا أمسك بالوسط اعتدل الطرفان، فعليكم بالأوساط من الأشياء .. \" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>حقيقة الوسطية في الشرع:</span>\nويراد بالوسطية شرعًا: أن يكون المكلف غير واقع في التساهل ولا الغلو.\nقال الراغب (٦): التوسط: القصد المصون عن الإفراط والتفريط (٧).\nوفي الجملة فالاستعمال الشرعي للوسطية لا يخرج عن معناها اللغوي؛ إذ بينهما ارتباط وثيق.\nوالأخذ بالوسط معناه: الأخذ بما شرع الله من غير إفراط ولا تفريط، فورد تفسير الوسط في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ البقرة: ١٤٣، بالعدل الخيار؛ وهذا هو الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه (٨).\n_________\n(١) هو إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي الجراحي العجلوني الدمشقي أبو الفداء محدث الشام في أيامه، ولد بعجلون سنة ١٠٨٧ هـ، له عدة مؤلفات وتوفي بدمشق سنة ١١٦٢ هـ.\nينظر: الأعلام (١/ ٢٣٥).\n(٢) هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي، أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل، مات سنة ١٥٧ هـ، قال أبو زرعة الدمشقي: \"سألت أحمد عن أصحاب يحيى بن أبي كثير فقال: هشام -وذكر بعضهم- قلت له: الأوزاعي. قال: الأوزاعي إمام\".\nينظر: سير أعلام النبلاء (٧/ ١٠٧)، تهذيب التهذيب (١١/ ٢٧٠).\n(٣) هو محمد بن الحسين بن خلف بن الفراء أبو يعلى عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون من أهل بغداد ارتفعت مكانته عند القادر والقائم العباسيين ولد سنة ثمانين وثلاثمائة، وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. انظر ترجمته في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ١٩٣ - ٢٣٠)، تاريخ بغداد (٢/ ٢٥٦)، شذرات الذهب (٣/ ٣٠٦)، الأعلام للزركلي (٦/ ٣٣١).\n(٤) وهب بن منبه بن كامل بن سيج بن ذي كبار اليماني، الصنعاني، الذماري، الأبناوي، الخراساني، أبو عبد الله، ثقة، رمى بالقدر ورجع عنه، توفي عام ١١٠ هـ.\nينظر: الثقات لأبي حاتم (٥/ ٤٨٧)، تهذيب الكمال للمزي (٣١/ ١٤٠)، تقريب التهذيب (ص ٥٨٥)، لسان الميزان (٧/ ٤٢٨).\n(٥) كشف الخفاء (٢/ ٣٩١).\n(٦) هو: الحسين بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الأصفهاني أو الأصبهاني (أبو القاسم)، اختلف في سنة مولده وسنة وفاته على أقوال عدة أقربها بالنسبة لوفاته (٥٠٢ هـ).\nينظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٨/ ١٢٠ - ١٢١)، والأعلام للزركلي (٢/ ٢٥٥).\n(٧) المفردات في غريب القرآن (ص ٥٣٣).\n(٨) ينظر: إغاثة اللهفان لابن القيم (١/ ١٣١).","vol":"1","page":90},{"text":"معيار (١) تحديد الوسطية:\nالمعيار الذي يحقق الوسطية هو الشرع (٢)\nوليس الهوى والذوق (٣)؛ فالخروج عن الوسطية يكون بركوب سبيل الانحراف والتقصير، أو الغلو والإفراط، وهذا الانحراف تارة يكون يسيرًا، وتارة يكون شديدًا، وبين ذلك مراتب متفاوتة لا يحصيها إلا الله تعالى (٤).\nوقد قرر العلماء أن الحق واسطة (٥) بين التفريط والإفراط، وهو معنى قول مطرف ابن عبدالله (٦): \"الحسنة بين السيئتين\" (٧).\n_________\n(١) المعيار لغة: هو ما تخذ أساسا للمقارنة والتقدير. واصطلاحًا: هو نموذج متحقق أو متصور لما ينبغي أن يكون عليه الشيء.\nينظر: المعجم الوسيط د/ إبراهيم مدكور وآخرون (١/ ٣٧٥) مادة \"عَيَرَ\".\n(٢) نظرًا لأن وسطية الإسلام شاملة لكل مناحي منهجنا الإسلامي (عقيدة، وشريعة، وأخلاقًا، ومعاملات) فإن الأطر المرجعية لها \"المعايير\" هي نصوص الكتاب والسنة، ويندرج تحتهما باقي الأدلة المعتبرة عند علماء الفقه وأصوله وهي: الإجماع، والقياس، والمصلحة المعتبرة، وقول الصحابي، والعرف ... وغير ذلك.\n\nينظر: طرق معرفة الوسطية الشرعية، د. غازي العتيبي مجلة الأصول والنوازل (ص ٤٣).\n(٣) ومن المصطلحات التي كثر طرقها في وسائل الإعلام بجميع أنواعها من مرئي ومسموع ومقروء: مصطلح \"الوسطية\"، فهذا المصطلح أصبح ثوبا يقبل التغير عند كثيرين، إن شاؤوا وسعوه وإن شاؤوا ضيقوه، يلبسونه من شاؤوا متى شاؤوا كيف شاؤوا، ويصدر هؤلاء كلامهم ومقالاتهم بالآية التي نصت على ذكر الوسط؛ وهي قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nويزعمون أن الوسطية تستدعي قبول الآراء والاختلافات ولو كانت في أصول الدين، ولو كانت تصادم النصوص الصريحة؛ ففتحوا بذلك أبواب البدع والمحدثات، بل ويسمون من حذر من البدع ومنع من إفساح المجال لهم بالرجعية والتطرف والغلو.\nينظر: الوسطية بين الواقع والوهم للشيخ الدكتور عبدالعزيز بن محمد السدحان، موقع الألوكة؛ والوسطية بين دلالات النصوص وأقوال العلماء، للشيخ أحمد بن حسن المعلم، موقع الألوكة.\n(٤) ينظر: منهج الوسطية في التشريع الإسلامي وأثره في الوقاية من ظاهرة الغلو والتكفير، د. نور الدين بو حمزة (٥٨٩٨) المنشور في السجل العلمي لمؤتمر ظاهرة التكفير المجلد التاسع.\n(٥) الوسطية ليست وسطًا بين رذيلتين مطلقًا؛ وإن كان في الغالب أنه يوجد في كل قضية طرفان مذمومان بينهما وسط ممدوح، إلا أن ذلك ليس بحتم لازم، فلا يلزم لكل ما يعتبر وسطًا في الاصطلاح أن يكون له طرفان، فالصدق مثلا يقابله الكذب، ومثله العدل يقابله الظلم، وليس أي منهما وسطًا بين رذيلتين! .\n\nينظر: الوسطية في الإسلام (ص ٢٩)، والفتوى وأثرها في حماية المعتقد وتحقيق الوسطية (ص ٢٠٨).\n(٦) هو الإمام الحجة أبو عبد الله مطرف بن عبد الله الحرشي العامري البصري، من ثقات التابعين، كان صاحب فضل وأدب، اشتهر بالورع والزهد، توفي سنة ٨٦ هـ.\nينظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ١٨٧).\n(٧) ينظر: عيون الأخبار لابن قتيبة (١/ ١٣٨)، وغريب الحديث لابن سلام (٢/ ٢٨)، ومجموعة رسائل ابن رجب الحنبلي، جمع: أبو عادل العزازي (ص ١٣٣).","vol":"1","page":91},{"text":"وبه يُعلم أن من جانب التفريط والإفراط فقد اهتدى (١).\nفهذه الأمة قد أراد لها الله -﷾- أن تكون وسطًا، تقف موقف الشاهد العدل بين طرفي الظلم، والحق بين طرفي الباطل، والاعتدال بين طرفي الغلو (٢).\nإذًا فالوسطية (٣) هي ما سبقت كلا الطرفين إلى خير ما فيهما، وتركت ما سوى ذلك، فجمعت الخيرين، ونفت الشرين؛ وبالتالي لم يبق معنى الوسطية مجرد التجاور بين الشيئين فقط؛ بل أصبح ذا مدلول أعظم، ألا وهو البحث عن الحقيقة، التي تقف على معنى (الخيرية والعدل) (٤)، والسعي في تحصيلها والاستفادة منها، فيجتمع عندها أسمى الصفات، وهو معنى يتسع ليشمل كل خصلة محمودة (٥).\n_________\n(١) ينظر: أضواء البيان للشنقيطي (١/ ٤٩٤).\n(٢) لم يرد في التوراة ولا في الإنجيل حديث عن والوسطية بالمفهوم الذي يقدمه قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾، وهذا يؤكد أن الوسطية مفهوم إسلامي يتعلق بالأمة الإسلامية وحدها دون غيرها من الأمم، وهي تسيطر على منهج التفكير الإسلامي كله حيث تشمل العقائد والأخلاق والتشريع، ومن هنا وازن العلماء في كل ذلك بين العقل والنقل.\nينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١/ ٤٨٢)، والوسطية العربية، مذاهب وتطبيق، د. عبد الحميد إبراهيم (المقدمة).\n(٣) لا يلزم أن كل ما يقع وسطًا في الاصطلاح أن يكون صحيحا ممدوحًا، فإن تحديد الفضيلة والرذيلة هو إلى الله ﷿، وذلك جار على مقتضى العدل، وليس الأمر متروكًا للبشر، فلا تكون الوسطية ممدوحةً إلا بالجعل الإلهي ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾، كذلك تحديد الوسط أمر نسبي يختلق باختلاف الأشخاص ولذلك قال ابن سيناء: \" ليس وسط الشيء عينه، بل الوسط بالنسبة إلينا\".\n\nينظر: الفضائل الأخلاقية، د. أحمد عبد الرحمن إبراهيم (ص ٢٧٢).\n(٤) والوسط بحسب اجتهاد البشر ليس بالضرورة أن يكون حقًا أو خيرًا، فقد يكون الوسط مذمومًا منهيًا عنه؛ بل قد يرى الناظر -في بادي الرأي- قولًا أو موقفًا وسطًا بين باطلين، ومع ذلك لا يكون خيرًا؛ بل قد يكون باطلًا مثلهما، ومثاله: أن المعتزلة قد توسطوا - بحسب اجتهادهم- بين طرفين، في باب الأسماء؛ بين الخوارج القائلين بتكفير مرتكب الكبيرة، وبين المرجئة القائلين بأن أهل الكبائر كاملوا الإيمان، فذهب المعتزلة إلى مرتبة بين المرتبتين فقالت: إن مرتكب الكبيرة فاسق خرج من الإيمان ولم يدخل الكفر، فوسطية هذا المذهب هنا، ليست هي الحق في هذا الباب؛ لأنها تخالف القول الوسط نفسه الذي بمعنى (الخيرية والعدل) الذي دلت عليه النصوص والتي لا تدل دائما إلا على الوسط قولًا واعتقادًا وتوجهًا.\nوكذلك وسط المنافقين الذين سلكوا منهج التذبذب بين الإيمان والكفر، ومن أجل هذا استحقوا الدرك الأسفل من النار.\nفأكبر خطأ الباحثين عن الوسطية بحثهم عنها بين تيارات الطوائف وليس بين الأدلة.\nينظر: الفتوى وأثرها في حماية المعتقد وتحقيق الوسطية، د. فهد بن سعد الجهني (ص ٢٠٨)، والوسط ومظاهر الوسطية في القرآن الكريم، د. الحسن بن خلوي الموكلي (ص ٩٥).\n(٥) ينظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٥/ ١٨٤)، والوسطية في الإسلام تعريف وتطبيق د. زيد الزيد (ص ١٩ - ٢١).","vol":"1","page":92},{"text":"بهذا الاستعراض الموجز لهذه المصطلح يتضح أنه لا يصح إطلاقه إلا إذا توافرت فيه صفتا الخيرية (١) ومجانبة الإفراط والتفريط. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) الوسطية تعني الخيرية، سواء أكانت خير الخيرين أو خيرا بين شرين، أو خيرا بين أمرين متفاوتين.\nينظر: الوسطية في القرآن للصلابي (ص ٦٤).","vol":"1","page":93},{"text":"المبحث الأول دراسة تحليلية للآيات (١) الدالة على الوسطية.\nوفيه مطالبان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الدالة على الوسطية، (الرادة على البدع المتقابلة)</span>.\nكانت البشرية (٢) قبل نزول القرآن تعج بركام العقائد والتصورات المنحرفة في ذات الله وفي الكون وفي الحياة وفي الإنسان وفي الموت وفي الجزاء وفي الحساب وفي الكتب السماوية وفي رسل الله وفي أقدار الله وقضائه، وأصبحت البشرية بين إفراط وتفريط بعيدة عن الصراط المستقيم، فحادت عن الوسطية والاعتدال والاستقامة، ثم كانت عناية الإسلام (٣) الكبرى موجهة إلى تحرير أمر العقيدة، وتحديد الصورة الصحيحة (٤)؛ فجاء القرآن الكريم مقررًا لمنهج الوسطية في أبواب الاعتقاد، وغيرها من الأبواب والمجالات.\nفأخبرنا الله -سبحانه تعالى- عن ذلك التحول وذلك الارتقاء في كتابه، فقال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ الأنعام: ١٢٢، \"حقًا إنه تصوير رائع عجيب .. ! تقف الأقلام حائرة في وصفه، وكذلك الأسلوب القرآني في كل حين؛ تنهل منه الألباب، وتصدر عنه الأساليب وتعجز عن إيفائه حقه من التعبير، من الموت إلى الحياة، ومن الظلمات إلى\n_________\n(١) ترد مسألة: هل يجوز للإنسان أن يستنبط معاني من نصوص القرآن والسنة لم يستنبطها الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مما لم يختلفوا فيه؟ والجواب: أنه لا شك أن القرآن لا تنقضي عجائبه، ولا يمكن لإنسان بعد النبي - ﷺ - أن يحيط بكل معانيه وعجائبه؛ قال الشيخ الشنقيطي ﵀ في تفسيره: \" كتاب الله لا تزال تظهر غرائبه وعجائبه متجددة على مر الليالي والأيام، ففي كل حين تفهم منه أشياء لم تكن مفهومة من قبل، ويدل لذلك حديث أبي جحيفة الثابت في الصحيح أنه لما سأل عليا - ﵁ - هل خصهم رسول الله - ﷺ - بشيء؟ قال له علي - ﵁ -: «لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهما يعطيه الله رجلا في كتاب الله» يدل على أن فهم كتاب الله تتجدد به العلوم والمعارف التي لم تكن عند عامة الناس ... \" ثم قال: \" لما تقرر عند العلماء من أن الآية إن كانت تحتمل معاني كلها صحيحه، تعين حملها على الجميع؛ كما حققه بأدلته الشيخ تقي الدين أبو العباس ابن تيمية ﵀ في رسالته في علوم القرآن\". أضواء البيان للشنقيطي (٣/ ١٤٨).\n(٢) وكذلك العالم الجني كما صورته سورة الجن.\n(٣) عناية الإسلام: في أصليه الكتاب والسنة.\n(٤) خصائص التصور الإسلامي ومقوماته (ص ٤٢).","vol":"1","page":94},{"text":"النور، هل يستويان مثلًا! ! مسافة هائلة! ونقلة عظمية لا يعرف عظمتها، ويدرك مقدارها إلا من تفرَّس في حالهم في ضوء هذا البيان القرآني المعجز\" (١).\nالمتأمل يجد أن النصوص الشرعية تضافرت على الأمر بالاعتصام بالكتاب والسنة واتباع السلف الصالح (٢) وذم من حاد عن منهج الوسطية، من أهل البدع المتقابلة.\nفاجتمع لنا من الأدلة ما ينهض بحقيقة الوسطية واطراح ما عداها؛ والآيات التالية سيقت على سبيل المثال لا الحصر:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١</span>.\nلا تكاد تجد آية من الآيات المشتملة على ما يتوهم منه صفة المخلوقين إلا وهي مقرونة بما يشعر بالتنزيه أو تفسير المراد به إما متقدمًا أو متأخرًا (٣)، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١. فنفى المثل وأثبت الوصف (٤)،\nوهذه الآية أساس واضح في إثبات الصفات لله، ففي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ (٥) شَيْءٌ﴾ رد\n_________\n(١) الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارهما في حياة الأمة، لعلي بن بخيت الزهراني، (ص ٢٥ - ٢٦).\n(٢) نوه الكتاب العزيز بفضلهم ونص على أن لهم اليد الطولى في الفضل والعلم والعمل الجاد الخالص، قال تعالى: مشيدا بفضلهم وآمرا باتباعهم ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ التوبة: ١٠٠.\nينظر: البدع وأثرها في انحراف التصور الإسلامي، صالح سعد السحيمي، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (عدد ٤٩/ ص ٦٠).\n(٣) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل، لمحمد بن إبراهيم الكناني (ت ٧٣٣ هـ) (ص ٩٥).\n(٤) قال العلماء: قدم النفي قبل الإثبات على القاعدة العربية المعروفة أن التخلية تسبق التحلية، فيجب أن يخلو القلب من كل براثن التمثيل ومن كل ما كان يعتقده المشركون الجاهلون من تشبيه الله بخلقه، أو تشبيه خلق الله به، فإذا خلا القلب من كل ذلك، وبرئ من التشبيه والتمثيل، أثبت ما يستحقه الله -جلا وعلا - من الصفات، فأثبت هنا صفتين وهما السمع والبصر.\n\nينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٤٣٥).\n(٥) اختلف في إعراب الكاف في قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ على وجوه ذكرها شارح الطحاوية (ص ٧٨، ٧٩)، وتعرض لذلك الدكتور عبد الله دراز، ورجح أن الكاف أصلية وليست زائدة، ووجودها ضروري وهادف من طريقين:\nالطريق الأول: أن في وجود الكاف نفي المماثلة وما يشبهها أو يدنو منها.\nالطريق الثاني: أنها نفت التشبيه وأقامت البرهان على نفيه، كأن الآية قالت: مثله تعالى لا يكون له مثل، تعني أن من كانت له تلك الصفات الحسنى وذلك المثل الأعلى لا يمكن أن يكون له شبيه، ولا يتسع الوجود لاثنين من جنسه.\nالتعبير بالمثلية مبالغة في الإثبات أو النفي؛ فإن العرب -والقرآن عربي- كانوا إذا بالغوا في نفي المثلية قالوا: مثلك لا يفعل كذا، ومرادهم نفي الفعل عنه، لا عن مثله، ولكن إذا نفوه عمن هو على أخص أوصافه، فقد نفوه عنه بالأولى.\nينظر: تحقيق عبد الله شاكر محمد الجنيدي، على كتاب رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب (ص ١١٩)، ومصرع التصوف، لإبراهيم البقاعي، تحقيق: عبد الرحمن الوكيل (ص ٩٨)، وكتابه النبأ العظيم (ص ١٣٢ - ١٣٦).","vol":"1","page":95},{"text":"على المشبهة (١) الذين يعتقدون أن الله مثل خلقه، ولا يفرقون بين الخالق والمخلوق، وهو مذهب باطل، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ رد على مذهب المعطلة (٢)؛\nالذين غلوا في التنزيه حتى نفوا عن الله ما أثبته من الأسماء والصفات، فرارًا من التشبيه بزعمهم (٣)، فكل طائفة عملت بشطر من هذه الآية وضيعت الشطر الآخر.\nوقد أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس هو ما ذهب إليه أصحاب البدع المتقابلة، إما بنفي الصفات مطلقًا، كما هو شأن المعطلة، أو إثباتها مطلقًا، كما هو شأن الممثلة؛ بل إثباتها بلا تمثيل، كما هي \"طريقة سلف الأمة، وأئمتها أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف (٤)، ولا تمثيل؛ إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل\" (٥).\nومما ينبه عليه في هذا المقام أن كل من وقع في التعطيل فقد وقع في التمثيل، وكل من وقع في التمثيل فقد وقع في التعطيل، ولهذا يقول العلماء: كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل (٦).\n_________\n(١) أهل التشبيه الذين شبهوا الله بخلقه، وجعلوا صفاته من جنس صفات مخلوقاته؛ كما فعل الكرامية، والهشامية -أتباع هشام بن سالم الجواليقي-، وكصنيع داود الجواربي، ومن نحا نحوه.\nينظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥)، الملل والنحل ١/ ٩٥ - ٩٩ ; دائرة المعارف الإسلامية، مادة \" التشبيه \".\n(٢) أهل التعطيل الذين أنكروا ما يجب لله من الأسماء والصفات، أو أنكروا بعضه، فهم نوعان: أهل التعطيل الكلي؛ كالجهمية والمعتزلة؛ وأهل التعطيل الجزئي؛ كالأشعرية والماتريدية.\n\nينظر: فتح رب البرية بتلخيص الحموية للشيخ ابن عثيمين (ص ١٨ - ١٩)، والإرشاد إلى صحيح الاعتقاد للدكتور صالح الفوزان (ص ١٥٧)، والمفيد في مهمات التوحيد (ص ٣٧).\n(٣) ينظر: الرسالة التدمرية (ص ٤٢، ١٨٣)، الفتوى الحموية الكبرى، المحقق: د. حمد بن عبد المحسن التويجري (ص ٥٤٧).\n(٤) صفات الله ثابتة، وأما الكيفية فمجهولة بالنسبة لنا؛ إذ كيف نعرف كيفية صفته سبحانه، ونحن لم نعلم كيفية ذاته تعالى الله عما قاله المبطلون علوا كبيرا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"لم تره العيون فتحده كيف هو؟ ولكن رأته القلوب في حقائق الإيمان\" اهـ.\nوإن معنى قولنا: \"بدون تكييف\" ليس معناه ألا نعتقد لها كيفية، بل نعتقد لها كيفية، لكن المنفي علمنا بالكيفية؛ لأن استواء الله على العرش لا شك أن له كيفية، لكن لا تُعلم، نزوله إلى السماء الدنيا له كيفية، لكن لا تعلم؛ لأن ما من موجود إلا وله كيفية، لكنها قد تكون معلومة، وقد تكون مجهولة.\nينظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٥٨)، وجهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف، لعبد العزيز بن صالح الطويان (١/ ٢٧٤)، وشرح الواسطية لابن عثيمين (ص ٥٨).\n(٥) منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٢٣)، وينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٤).\n(٦) المعطل مثل مرتين: مرة قبل تعطيله؛ لأنه لم يعطل إلا لتشبيه قام في نفسه، ومرة بعد تعطيله؛ لأن تعطيله جره إلى تشبيه الله إما بالجمادات أو المعدومات أو الممتنعات بحسب نوع تعطيله.\nوالممثل عطل ثلاث مرات: لأنه عطل الرب ﵎ عن صفة كماله، وعطل الآيات التي أثبتت هذه الصفات، وعطل الآيات التي فيها نفي التمثيل كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.\nينظر: تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي (ص ٣٨٦).","vol":"1","page":96},{"text":"ولم يسلم من هذه الأدواء والشرور إلا صاحب السنة، السائر على الصراط المستقيم، فهو بريء -كما يعبر ابن القيم - من فرث التعطيل ومن دم التمثيل.\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" فكان مذهبهم مذهبًا بين مذهبين، وهدى بين ضلالتين، خرج من بين مذاهب المعطلين والمخيلين والمجهلين والمشبهين كما خرج اللبن من بين فرث ودم لبنا خالصًا سائغًا للشاربين\" (١).\nوهذا القسم من التوحيد ضلت فيه بعض الأمة الإسلامية، وانقسموا فيه إلى فرق كثيرة: فمنهم من سلك مسلك التعطيل، فعطل ونفى الصفات زاعمًا أنه منزه لله، وقد ضل؛ لأن المنزه حقيقة هو الذي ينفي عنه صفات النقص والعيب، وينزه كلامه من أن يكون تعمية وتضليلًا، ومنهم من سلك مسلك التمثيل، زاعمًا بأنه محقق لما وصف الله به نفسه، وقد ضلوا؛ لأنهم لم يقدروا الله حق قدره، إذ وصموه بالعيب والنقص; لأنهم جعلوا الكامل من كل وجه كالناقص من كل وجه (٢).\nقال نعيم بن حماد الخزاعي (٣): من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه، ولا ما وصفه به رسوله تشبيها (٤).\nوكلام الأئمة في هذا الباب أطول وأكثر من أن يسعه هذا المطلب؛ فإن مدار التوحيد على التوسط بين التشبيه والتنزيه.\n_________\n(١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية (٢/ ٤٢٦).\n(٢) القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ١٧).\n(٣) هو: نعيم بن حماد الخزاعي الحافظ أبو عبد الله المروزي الأعور، أحد الأئمة الأعلام، توفى سنة ٢٢٨ هـ، وهو شيخ البخاري، وثقه أحمد بن حنبل وغيره وابن معين.\nينظر: الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، للذهبي (٢/ ٣٢٤)، والكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث، لبرهان الدين الحلبي (ص ٢٦٨).\n(٤) ينظر: العلو للذهبي بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان (ص ١٢٦)، واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (ص ٨٦)، وذكره شارح العقيدة الطحاوية (ص ١٢٠) عن نعيم بن حماد.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ الفاتحة: ٧</span>.\nأوضحت هذه الآية منهج المغضوب عليهم الذي يمثل جانب التفريط، بينما يمثل منهج الضالين جانب الإفراط، فهما منهجان دائران بين الغلو والجفاء، والمسلمون هم الوسط (١).\nوبدون فهم معنى (الصراط المستقيم)، وتحديد مدلوله، لا نستطيع فهم الوسطية على معناها الصحيح، وقد ورد لفظ الصراط المستقيم، في القرآن الكريم عشرات المرات، منها قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾ الفتح: ٢، و﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾ الأعراف: ١٦، و﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الأنعام: ١٥٣، ونحو ذلك (٢).\nفنجد أنه لما قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ الفاتحة: ٦، عرفه بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ الفاتحة: ٧، ثم حدده فقال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ الفاتحة: ٧، فجعل الصراط المستقيم دالًا على الوسطية في مفهومها الشرعي الاصطلاحي، وبخاصة: أن مفهوم الوسطية وإطلاقها قد تحقق في معنى الصراط المستقيم، فالخيرية، والبينية ظاهرتان في هذا الأمر؛ فطريق الأخيار، وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين؛ هو بين طريقي: المغضوب عليهم، والضالين (٣).\n\nقال الإمام الطبري - ﵀ -: في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وذلك في لغة جميع العرب (٤).\n_________\n(١) أعظم الأمم اختلافًا وضلالًا، اليهود والنصارى، فاليهود غلب عليهم التقصير والتفريط والجفاء، وإن كان لديهم غلو وإفراط، والنصارى غلب عليهم الغلو والإفراط وإن كان وقع منهم تفريط وتقصير في جوانب، وأهل السنة والجماعة كانوا هم الهدى بين الضلالتين.\nينظر: وسطية أهل السنة بين الفرق (٢٤٢ - ٢٤٣).\n(٢) معنى الصراط المستقيم في جميع الآيات \"معنى واحد\"، وإن اختلفت العبارة والسياق.\nينظر: الوسطية في القرآن الكريم (ص ٥٨).\n(٣) ينظر: تفسير التحرير والتنوير (٢/ ١/١٥)، والطبري (٢/ ٦)، والوسطية في القرآن الكريم للصلابي (ص ٦٣).\n(٤) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن (١/ ٧٣).","vol":"1","page":98},{"text":"وبين ابن القيم - ﵀ -: إن الناس قد تنوعت عباراتهم في معنى الصراط المستقيم، وأن حقيقته شيء واحد وهو طريق الله الذي نصبه لعباده موصلًا لهم إليه، ولا طريق إليه سواه، وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسوله بالطاعة، فلا يشرك به أحد في عبوديته. ولا يشرك برسوله أحد في طاعته، فيجرد التوحيد، ويجرد متابعة الرسول - ﷺ - (١).\nيقول ابن تيمية - ﵀ -: \"ومن تدبر حال اليهود والنصارى مع المسلمين، وجد اليهود والنصارى متقابلين، هؤلاء في طرف الضلال، وهؤلاء في طرف يقابله، والمسلمون هم الوسط، وذلك في التوحيد والأنبياء والشرائع، والحلال والحرام والأخلاق وغير ذلك\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>الآية الثالثة: قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ الأنعام: ١٥٣</span>.\nأفادت الآية أن طريق الحق واحدة (٣)، وأن للباطل طرقًا متعددة، وتعددها لم ينحصر بعدد مخصوص. وهكذا الحديث المفسر للآية، وهو قول جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: \"كنا عند النبي - ﷺ -، فخط خطًا وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده على الخط الأوسط، فقال: هذا سبيل الله، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ الأنعام: ١٥٣\" (٤)؛ لذا فالوسطية صراط خطه النبي - ﷺ - ثم أمر الناس بالسير عليه لا بالبحث عنه، وكذلك فتفسيره - ﷺ - يدل على شمول الآية لجميع طرق البدع، فلا تختص ببدعة دون أخرى (٥)؛ فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه.\n_________\n(١) ينظر: بدائع الفوائد (٢/ ٤٠).\n(٢) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٣/ ١٠٠).\n(٣) الطريق المستقيم هو أقصر الطرق إلى الله ﷿؛ كما أن الخط المستقيم هو أقصر خط بين نقطتين، فالمستقيم لا يتعدد، كما يتعدد الخط المنحني والمنكسر والمتعرج.\n(٤) أخرجه ابن ماجة في المقدمة باب اتباع رسول الله - ﷺ - برقم (١١)، صححه الألباني في صحيح ابن ماجة برقم (١١).\n(٥) ينظر: الاعتصام للشاطبي (١/ ٨٤).","vol":"1","page":99},{"text":"والسبل الجائرة عن الحق، العادلة عنه، هي طرق أهل البدع والضلالات، الحائدين عن الصراط المستقيم (١)؛ وكفى بالجائر أن يحذر منه، بدليل سياق الآية الدلالة على التحذير والنهي (٢).\nوقد أوضحت هذه الآية الأمر بالتوسط في باب الأمر والاتباع؛ فأتت بالنهي عن الغلو والجفاء والإفراط والتفريط، والأمر باتباع الطريق المستقيم.\nومذهب أهل السنة والجماعة وسط في كل مسائل الدين؛ فهم كما قال شيخ الإسلام - ﵀ -: \"وسط في النحل، كما أن ملة الإسلام وسط في الملل\" (٣).\nوبمزيد من التدبر والتأمل في آيات الوسطية نجد أنها عندما سَلطتْ الضوء على معنى الوسطية، لم تقف عند هذا القدر، فليس هذا هو كل ما ترمي إليه الآيات الكريمات، بل إنها كما أرادت أن تعطينا هذا الحكم فهي تريد في الوقت نفسه أن تلفتنا إلى وجه حجتها وطرق برهنتها على معانيها، وهذا ما سنجده في المطلب التالي، بإذن الله تعالى.\n_________\n(١) وليس المراد سبل المعاصي; لأن المعاصي من حيث هي معاص لم يضعها أحد طريقًا تسلك دائمًا على مضاهاة التشريع، وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات؛ لأن متعلق البدعة هو الاستدراك على الشريعة ونسبة النقص لها واتهام النبي - ﷺ - بعدم إكمالها.\nينظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٩٩).\n(٢) ينظر: الاعتصام للشاطبي (١/ ٨٤)، وشرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٩٩).\n(٣) الوصية الكبرى (ص ١٢).","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>المطلب الثاني: المعاني المستنبطة من الآيات الدالة على الوسطية</span>.\nلما كان دين الإسلام هو خاتم الأديان السماوية وأفضلها وخيرها، فإن الوسطية هي أبرز خصائصه، وأهم ما يميزه عن سائر الأديان الجانحة إلى الإفراط أو التفريط؛ ولذا كان منهج الإسلام وسطًا معتدلًا في الأمور كلها، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الأنعام: ١٥٣ (١).\nقال الإمام الطحاوي (٢)\n- ﵀ -: \"ودين الله في الأرض والسماء واحد ... وهو بين الغلو والتقصير\" (٣).\nويقول ابن القيم - ﵀ -: \"ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد\" (٤).\n\nوالحق أن من تدبر القرآن الكريم فلن يعجز عن استخراج جملة وافرة من الملامح الدالة على وسطية أهل الحق والإيمان؛ فقد جاءت الآيات مستفيضة لترسم لنا منهج الوسطية، وتدلنا عليها بأساليب عدة، تصريحًا وإيماءً، مفصلًا ومجملًا، خبرًا وإنشاءً، أمرًا ونهيًا (٥).\n\nفنجد عند التدبر في آيات القرآن الدالة على الوسطية، أنها تشمل معان متعددة، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>أولًا: بيان صحة معتقد أهل الحق ووصفه وإيضاحه والأمر باتباعه</span>.\nالوسطية مرتبة عزيزة المنال، غالية الثمن، وهي محور تميز هذه الأمة؛ ولأن الله لا يدع عباده حيارى من غير بيان، فقد كان لآيات كتابه العزيز اهتمام بهذا المعنى؛ فالشارع الحكيم\n_________\n(١) ينظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ١٣٨ - ١٤٠)، والإسلام ينهى عن الغلو ويدعو إلى الوسطية أ. د. سليمان الحقيل (ص ٥٥).\n(٢) هو: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الحنفي، محدث الديار المصرية ومفتيها، برز في علوم كثيرة، وله مؤلفات نافعة منها شرح العقيدة الطحاوية، توفي سنة ٣٢١ هـ.\n\nينظر: وفيات الأعيان (١/ ٧١ - ٧٢)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧ - ٣٣)، البداية والنهاية (١١/ ١٧٤)، لسان الميزان (١/ ٢٧٤ - ٢٨٢).\n(٣) شرح العقيدة الطحاوية (٥٣٣ - ٥٣٤).\n(٤) مدارج السالكين (٢/ ٥١٧)، وينظر: مفتاح دار السعادة (٣/ ٣٠٣).\n(٥) ينظر: الوسطية في ضوء القرآن الكريم (ص ٢).","vol":"1","page":101},{"text":"أراد من عباده أن يتصفوا بهذا الوصف ويكون لهم منهجًا ومسلكًا، فأتت الآيات بشكل لا يحصى كثرة شاهدة لأهل الحق دالة على منهجهم.\nلذا نجد أن القرآن الكريم اعتمد في أسلوبه على إبراز منهج أهل الحق والأمر به، إما من خلال آيات العقيدة أو آيات الأحكام والمعاملات؛ واعتمد في خطابه أسلوب المقابلات (١)؛\nوهذا الأسلوب فيه الدلالة الواضحة على رسم الصراط المستقيم وتحديد معالمه (٢).\nوكما أن آيات الوسطية تدل على وسطية أهل الحق بين أطراف الباطل، فهي تدل كذلك على إبراز منهج الحق وتجليته والأمر بلزومه والاستقامة عليه.\nلذا نجد أن الاستقامة من أبرز مزايا وخصائص الوسطية في الإسلام، والاستقامة التي أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾ هود: ١١٢، وفي قوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ الشورى: ١٥، أكبر شاهد على ذلك.\nوقد عرفها القرطبي - ﵀ - (٣) بقوله: \"الاستقامة: الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين أو الشمال\" (٤).\nونقل ابن القيم - ﵀ - تعريف عمر بن الخطاب - ﵁ - حيث قال: \" قال عمر - ﵁ -: «الاستقامة أن يستقيم على الأمر والنهي، لا يروغ روغان الثعالب» \" (٥)، ثم عرفها ابن القيم بقوله: \"فالاستقامة كلمة جامعة، أخذت بجماع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة\n_________\n(١) ذلك بأن يقابل بين الأشخاص، ويقابل بين الأعمال، ويقابل بين النتائج، فإذا تحدث عن المؤمنين أتبعه بالحديث عن الكافرين، وإذا تحدث عن العاملين المخلصين أردفه بالحديث عن القاعدين المهملين، وإذا تحدث عن عاقبة المتقين قرنه بالحديث عن عاقبة المكذبين، وعلى هذا السنن يجري الخطاب في القرآن الكريم.\n\nينظر: ومن يعمل من الصالحات، موقع إسلام ويب، http://articles.islamweb.net/.\n(٢) الصراط المستقيم: يمثل قمة الوسطية وذروة سنامها وأعلى درجاتها، وآيتا الفاتحة (٧) والبقرة (١٤٢) حجة قاطعة في ذلك.\nينظر: الوسطية في القرآن الكريم للصلابي (ص ٦٤).\n(٣) هو: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح- بسكون الراء والحاء المهملة- الأنصاري القرطبي المالكي، أحد مشاهير المفسرين وكتابه \"الجامع لأحكام القرآن\" من أوسع كتب التفسير يميل فيه إلى تتبع الأحكام الفقهية، توفي سنة (٦٧١ هـ).\nينظر: طبقات المفسرين للداودي (ص ٢٤٦)، والمفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات لمحمد بن عبد الرحمن المغراوي (١/ ٢٨٧)، الوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ١٢٢).\n(٤) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (٩/ ١٠٧).\n(٥) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لابن القيم (٢/ ١٠٤).","vol":"1","page":102},{"text":"الصدق والوفاء بالعهد\" (١)، وقال أيضًا: الاستقامة ضد الطغيان، وهو مجاوزة الحدود في كل شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>ثانيًا: بيان فساد معتقد أهل الباطل ووصفه والتحذير منه</span>.\nلا تجد فرقة من فرق أهل الأهواء والبدع إلا وقد خالفت أهل السنة والجماعة في أصل الوسطية العظيم، فإما أن تغلو في جانب، أو تفرط في جانب، وهذا الخلل في التوازن مطرد عند جميع أهل البدع في أبواب الاعتقاد، قل أو كثر -وسيأتي بيان جملة منه في ثنايا هذا البحث بعون الله-، فالوسطية فيها رد على من فارقها.\nلذلك كله أطال القرآن الكريم في نقاش العقائد الباطلة، وبرهن على بطلانها وفسادها، وحذر منها، ليوقفنا على الدين الصحيح الذي هو الصراط المستقيم، وهذا ما نلحظه جليًا عند التأمل في آيات الكتاب من خلال القسمة الثنائية بين الحق -الذي هو الوسطية- وبين الباطل-الذي يشمل البدع المتقابلة-.\nقال تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ الأنفال: ٨، وقال -جلا وعلا- أيضًا: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾ يونس: ٨٢، وقال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ الأنبياء: ١٨، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ الإسراء: ٨١، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ الرعد: ١٧، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢)﴾ العنكبوت: ٥٢.\nولا أريد أن أنقل أكثر الكتاب العزيز هنا ليرى كل منصف الآيات الكثيرة المصرحة والمشيرة إلى ذمهم والنهي عن ملابسة أحوالهم (٢).\n_________\n(١) مدارج السالكين (٢/ ١٠٦).\n(٢) ينظر: الاعتصام للشاطبي (١/ ١٠٦)، ومحاسن التأويل للقاسمي (٤/ ٤٧٤)، وتفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، محمد رشيد رضا (١١/ ١٠٦).","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>ثالثًا: بيان أن المعرض عن الصراط المستقيم مع علمه بالحق؛ واقع في النفاق:</span>\nتنطق آيات الكتاب العزيز بصفات الجانحين عن الصراط المستقيم، من الذين عرفوا الحق وكتموه لأي سبب كان (١)؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ البقرة: ٩١، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ البقرة: ١٠٩، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ البقرة: ١٤٤، وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ البقرة: ١٤٦، وقال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ آل عمران: ٦٠، وقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ آل عمران: ٧١.وغيرها.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" وبالجملة فقد ذكر الله تعالى من أمور المنافقين في السور المدنية ... ما يطول ذكره، وعامة ما يوجد النفاق في أهل البدع، فإن الذي ابتدع الرفض كان منافقًا زنديقًا، وكذلك يقال عن الذي ابتدع التجهم، وكذلك رءوس القرامطة وأمثالهم لا ريب أنهم من أعظم المنافقين، وهؤلاء لا يتنازع المسلمون في كفرهم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>رابعًا: بيان أن المعرض عن الصراط المستقيم لا يوفق للهداية:</span>\nإن الله لا يوفق للهداية (٣) من هو مصاحب للباطل، مفتر على الله، كافر بآياته، ومن الأدلة على هذا المعنى؛ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ\n_________\n(١) هذا المعنى ينطبق في حق المعرضين عن الحق والدليل أمثال أصحاب الأديان والفرق الباطنية المنحرفة، أما من كان له دليل سائغ محتمل لاجتهاده فلا يكون داخلا ضمن هذا المعنى.\n(٢) بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: موسى الدويش، (ص ٣٤١)، وينظر: لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٩٥).\n(٣) هذه الهداية الخاصة وهي هداية التوفيق، هي التي افترق الناس فيها، فأثبتها أهل السنة، وأنكرتها المعتزلة والقدرية، وهذه الهداية - هدايتهم الصراط المستقيم - هي هداية أوجبتها طاعة الله ورسوله - ﷺ -، فطاعتهما محفوفة بهدايتين: هداية قبلها وهي سبب الطاعة، وهداية بعدها هي ثمرة لها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (سورة النساء آية: ٦٩).\n\nينظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، لسليمان، سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (المتوفى: ١٢٣٣ هـ) (ص ٤٨٩).","vol":"1","page":104},{"text":"الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ النساء: ٦١.وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ النحل: ٣٧، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ الزمر: ٣، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (١) (٧٤)﴾ المؤمنون: ٧٤.\nقال النبي - ﷺ -: «إن الله قد حجز التوبة عن كل صاحب بدعة» (٢)؛ أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - القول بعدم قبول توبته مطلقًا فقال: \"قال طائفة من السلف منهم الثوري (٣): \"البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها\". وهذا معنى ما روي عن طائفة أنهم قالوا: \"إن الله حجر التوبة على كل صاحب بدعة\" بمعنى أنه لا يتوب منها؛ لأنه يحسب أنه على هدى (٤)، ولو تاب لتاب عليه، كما يتوب على الكافر، ومن قال: إنه لا يقبل توبة مبتدع مطلقًا، فقد غلط غلطًا منكرًا، ومن قال: ما أذن الله لصاحب بدعة في توبة، فمعناه ما دام مبتدعًا يراها حسنة لا يتوب منها، كما يرى الكافر أنه على ضلال، وإلا فمعلوم أن كثيرًا ممن كان على بدعة تبين له ضلالها، وتاب الله عليه منها، وهؤلاء لا يحصيهم إلا الله\" (٥).\n_________\n(١) والناكب: العادل عن شيء، المعرض عنه، وفعله كنصر وفرح. وكأنه مشتق من المنكب وهو جانب الكتف; لأن العادل عن شيء يولي وجهه عنه بجانبه.\nينظر: زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (٣/ ٢٦٨).\n(٢) رواه الإمام ابن أبي عاصم في السنة، باب ما ذكر عن النبي خ أنه قال: لا يقبل الله عمل صاحب بدعة، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله حجز - أو قال حجب - التوبة عن كل صاحب بدعة) (١/ ٢١) برقم (٣٧)، ورواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب هل لصاحب البدعة توبة (ص ٦٢)، وذكره عن أنس، وقال عنه الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي وهو ثقة (١٠/ ١٥٤). وقد صححه الشيخ الألباني كما في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٥٤) برقم (١٦٢٠).\nينظر: الاعتصام للشاطبي (١/ ٢١٤).\n(٣) أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الإمام المشهور، أحد حفاظ الحديث وأعلام السنة، مات سنة ١٦١ هـ.\n\nينظر: تقريب التهذيب (ص ١٢٨).\n(٤) وسبب هذه البدع جهل أهلها وقصورهم في الفهم، وعدم أخذ العلوم الشرعية على وجهها، وتلقيها من أهلها العارفين لمعناها الذين وفقهم الله تعالى لمعرفة المراد، والتوفيق بين النصوص، والقطع بأن بعضها لا يخالف بعضا، ورد المتشابه إلى المحكم. وهذه طريقة أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان، فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه.\nينظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص ٤٠٦).\n(٥) ينظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٦٨٤ - ٦٨٥)، وحقيقة البدعة وأحكامها لسعيد بن ناصر الغامدي (٢/ ٣٨٨ - ٤١٤).","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>خامسًا: الحض على الوقوف عند حدود الله:</span>\nتعاضدت نصوص الشريعة الغراء في الحض على الوقوف عند حدود الشرع دون إفراط أو تفريط، والحث على التمسك بها من غير غلو أو جفاء، والأمر بلزوم غرزها بلا وكس ولا شطط (١).\nومن نظر إلى طرق أهل البدع في الاستدلال بالشرع عرف أنها لا تنضبط؛ لأنها سيالة لا تقف عند حد، فأهل البدعة والفرقة، عمدتهم في الباطن ليست على القرآن والسنة -لذا فهم لا يقفون عند حدودهما-، ولكن اعتمادهم على أصولٍ ابتدعها شيوخهم في التوحيد والصفات والقدر والإيمان وغير ذلك، ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به، وما خالفها تأولوه، فحملوا الآيات مالا تحتمله عند السلف الصالح؛ فلهذا تجدهم إذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما، ولم يستقصوا ما في القرآن من ذلك المعنى، والآيات والأحاديث التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن، فليس مقصودهم أن يفهموا مراد الله ومراد رسوله، بل أن يدفع منازعه عن الاحتجاج بها (٢).\nوكما تعددت النصوص الشرعية في النهي عن الزيادة عن الحد المشروع، فقد تكاثرت في مقابل ذلك النصوص الشرعية المحذرة من التهاون في الأوامر والنواهي، والتقصير في الشعائر والشرائع، فالأخذ بالنصوص جميعًا هو طوق النجاة من تعمق المتنطعة، ورخاوة المترخصة، وصمام الأمان من تفريط هؤلاء، وإفراط أولئك.\nقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ الأعراف: ١٧٠، وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾ الزخرف: ٤٣، وقال جل وعلا: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ الجاثية: ١٨، وقال - ﷿ -: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾ الأنعام: ١٠٦، وقال ﵎: ﴿وَاتْلُ (٣) مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ الكهف: ٢٧.\n_________\n(١) يقال: \"لا وكس ولا شطط\"، أي: لا نقصان ولا زيادة. ينظر: معجم ديوان الأدب، لأبي إبراهيم إسحاق الفارابي (٣/ ٤١)، وغريب الحديث للخطابي (١/ ٢٧٢)، والصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣/ ٩٨٩)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٧٥).\n(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٥٨ - ٥٩)، والعرش للذهبي (١/ ١٠)، والاعتصام للشاطبي (٢/ ١٣٩).\n(٣) قال الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان: والأمر في قوله تعالى: ﴿واتل﴾ شامل للتلاوة بمعنى القراءة، والتلو: بمعنى الاتباع، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره تعالى نبيه - ﷺ - بتلاوة القرآن العظيم واتباعه جاء مبينا في آيات أخر\nينظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٣/ ٢٦١).","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>سادسًا: تحقيق العبودية لله تعالى:</span>\nومن أهم معاني الوسطية، تحقيق العبودية لله - ﷿ - التي خلق لها الثقلان، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ الأنبياء: ٩٢، وقال سبحانه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الأعراف: ٥٩، ولا تتحقق العبودية إلا بعبادة الله بما شرع دون إفراط ولا تفريط.\nفالوسطية قائمة على الاعتدال والتوسط ليتمكن العباد من عبادة ربهم على الوجه الأكمل، بحسب قدراتهم وإمكاناتهم في كل زمان ومكان.\nوهذا هو أعظم الغايات وأزكى المقاصد، وعليه قوام الدين، وبه ينال العبد ما عند الله - ﷿ - من النعيم، ويظفر بجنة رب العالمين.\nوقد ذكر الله - ﷿ - في كتابه عن خَوَاصِ عباده ما يوجب العلم بأن أفضل الرتب وأجلّ الكرامات تحقيق العبودية، وإخلاص العبادة، فوصف الله - ﷿ - إبراهيم -﵇- في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ النحل: ١٢٠، بهذه الصفات الجليلة التي هي أعلى درجات تحقيق التوحيد، ترغيبًا في اتباعه في التوحيد، وتحقيق العبودية، فمن اتبعه في ذلك، فإنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب كما يدخلها إبراهيم -﵇-؛ ووصف الله - ﷿ - رسوله - ﷺ - بذلك في مقام الإسراء وفي مقام التحدّي، وفي مقام الدعوة، ومن توهَّم أن فوق العبادة وتحقيقها وإخلاصها رتبةً وفضلًا لأحد من العباد فهو من أضل الخلق وأجهلهم بالله وبحقه وما يجب له (١).\nوتحقيق العبودية الصادقة والتي هي من أعظم معاني الوسطية، تجعل من القلة المؤمنة في غزوة بدر قوة رهيبة قهرت عظائم الأحداث، وأصبحت قانونًا خالدًا ينظم حياة المسلمين على أصول الرسالة الخاتمة، ويضيء أرواح وعقول الرجال المسلمين على مر العصور بالعبر المنهجية، فالصدق والإخلاص في العمل لله وحده لا شريك له يفتح بصيرة من وفقه الله\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد (ص ٧٤)، ومصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام (٢/ ٣٥٤).","vol":"1","page":107},{"text":"لسلوك الصراط المستقيم حتى يروا ما أعد الله تعالى لهم، وهم بعد أحياء يمشون على الأرض (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>سابعًا: الأمر بالدعوة إلى الصراط المستقيم:</span>\nلم تأتِ آيات الوسطية للعلم فقط بل أتت للعلم والعمل، ومن العمل أن تدعو إلى الصراط المستقيم، قال الله - ﷿ -: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ النحل: ١٢٥.\nلذلك كانت حياة النبي - ﷺ - جهادًا في سبيل الدعوة الإسلامية بالحجة والبرهان في مجادلة الكفار على اختلاف الملل والأديان، ثم بالسيف والسنان بعد ظهور الحجة والبرهان، وكذلك كان أصحابه -﵃ - من بعده - ﷺ -، فقد كان بعض الصحابة على اطلاع واسع وعميق على الأديان، وبخاصة اليهودية والنصرانية، كعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومسلمة أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وتميم الداري وسلمان الفارسي وغيرهم - ﵃ - (٢).\nإن دين الإسلام رسالة سماوية بعث الله بها جميع أنبيائه ورسله إلى الناس كافة بمختلف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وقبائلهم؛ ولهذا فرسالة الإسلام رسالة عالمية، امتدت طولًا حتى شملت كل الأزمان، وامتدت عرضًا حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت عمقًا حتى استوعبت شئون الأولى والآخرة (٣). قال جل ثناؤه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ سبأ: ٢٨.\nوبيان الوسطية والاعتدال الذي يوافق العقل الصريح والنقل الصحيح يرغب المدعوين للإسلام، فيؤثروه على غيره؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ الأنبياء: ١٠٧.\n_________\n(١) ينظر: دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب سلفية لا وهابية، لأحمد بن عبد العزيز بن عبد الله الحصين (ص ٣٣).\n(٢) ينظر: تخجيل من حرف التوراة والإنجيل، لصالح بن الحسين الجعفري أبو البقاء الهاشمي (المتوفى: ٦٦٨ هـ) (١/ ٦).\n(٣) ينظر: موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة (ص: ٤٦٧، بترقيم الشاملة آليا).","vol":"1","page":108},{"text":"وإذا كان أهل الباطل يصبرون على باطلهم والدعوة إليه، بل الموت في سبيله، فأهل الوسطية الحقة ودعاتها أجدر وأحق بهذا الأمر، قال تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾ النساء: ١٠٤.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>ثامنًا: الأمر بمدافعة الباطل وأهله:</span>\nالصراع بين الحق والباطل (١) قديم قدم وجود البشر على وجه الأرض، ولن ينطفئ لهيبه ولن تخمد جذوته، فهو سنة من سنن الله في الكون (٢)، فهو صراع دائم حتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ ولذا فنحن نشاهد النزاع يثور بين الحق والباطل، ويشتد بين الإيمان والكفر، ولكل اتجاه أعوانه وأنصاره، وسادته وكبراؤه؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ الفرقان: ٣١.\nوبقاء الباطل ليس علامة ولا دليلًا على صحته؛ وإنما هذا الإنظار رمز إلهي على أن ناموس الشر لا ينقضي من عالم الحياة الدنيا وأن نظامها قائم على التصارع بين الأخيار والأشرار (٣).\nفنزلت آيات الوسطية لتقرر لنا هذه الحقيقة (٤) وسَمَّت المتصارعين بألقابهم، ونطقت\n_________\n(١) سنة التدافع بين الحق والباطل من سنن الله الجارية في خلقه وفي كونه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ البقرة: ٢٥١.\n(٢) يقرر القرآن الكريم التعدد كسنه إلهيه، قال تعالى: ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمه واحده﴾ (المائدة: ٤٨) ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾ (الروم: ٢٢)، وهذا التعدد مضطرد خلال الزمان ﴿كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها الأمم﴾ (الرعد: ٣٠) ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء﴾ (الأنعام: ٤٢)، كما أنه مضطرد في المكان ﴿وقطعناهم في الأرض أمما﴾ (الأعراف: ١٦٨) ﴿قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك﴾ (هود: ٤٨).\nينظر: مفهوم الوسطية: ضوابطه المنهجية وتطبيقاته العملية، د. صبري محمد خليل خيري،\nhttps://drsabrikhalil.wordpress.com\n(٣) ينظر: تفسير المنار، لمحمد رشيد رضا (٤/ ٢٥٢). التحرير والتنوير (١٤/ ٤٩)، أيسر التفاسير للجزائري (٣/ ٤٦١)، التفسير المنير للزحيلي (٨/ ٣٠).\n(٤) التي هي الصراع الدائر بين الحق والباطل.","vol":"1","page":109},{"text":"بحقيقة انتصار الحق (١)، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ الأنبياء: ١٨، وقال: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾ الرعد: ١٧. قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ التوبة: ٤٠.\nفآيات الوسطية فيها دعوة صريحة إلى القيام بتطبيق تعاليم الصراط المستقيم ونشرها والذود عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>تاسعًا: أن أصحاب الصراط المستقيم أصحاب منهج واضح، بينما أهل البدع المتقابلة أصحاب مناهج مضطربة:</span>\nأهل الإيمان إذا تنازعوا في شيء من مسائل الدين، سواءً دقه أوجله، خفيه أو جليه، ردوا ذلك كله إلى الله ورسوله، فلو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - بيان ما تنازعوا فيه، لم يأمر الله بالرد إليه؛ إذ من الممتنع أن يأمر الله تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده\nفصل النزاع، وقد أجمع الناس على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول - ﷺ - هو الرد إليه نفسه في حياته، وإلى سنته - ﷺ - بعد وفاته، وقد جعل الله هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى انتفى الإيمان ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين، فإنه من الطرفين، فكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر (٢).\nوالواقع أن أهل الأهواء والبدع وقعوا في متناقضات عقلية تصرخ بشدة الغباء، أو شدة الجحود (٣)، فقد جعلوا القرآن عضين، فأقروا ببعض آيات القرآن، وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم لهم فيما أقروا به وأثبتوه، فخالفوا منهج\n_________\n(١) لما كان الحق بطبيعته نور الله الذي أنزله على عباده كان له من القوة الذاتية ما ترفعه وتكون النفوس متطلعة إليه طالبة له بطبعها وذلك أن الله ﷾ فطر هذا الإنسان عندما خلقه على الحق، قال - ﷺ -: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه».\nينظر: طرق أهل الباطل في نشر الخرافة، د. إبراهيم بن محمد بن عبد الله البريكان (ص ٢).\n(٢) لوامع الأنوار البهية (١/ ٦).\n(٣) ينظر: نظرات في القرآن للغزالي (ص ٧٨).","vol":"1","page":110},{"text":"أهل الصراط المستقيم الواضح، ليتخبطوا في مناهجهم المضطربة، وصدق فيهم قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ الأنعام: ٤ - ٥.\nوقال ابن أبي العز الحنفي (١)\n- ﵀ - وصف حالهم: \"جميع أهل البدع مختلفون في تأويل القرآن، فهم مؤمنون ببعضه دون بعض، يقرون بما يوافق رأيهم من الآيات، وما يخالفه: إما أن يتأولوه تأويلًا يحرفون فيه الكلم عن مواضعه، وإما أن يقولوا: [هذا متشابه لا يعلم أحد معناه، فيجحدون ما أنزله الله من معانيه] وهو في معنى الكفر بذلك؛ لأن الإيمان باللفظ بلا معنى هو من جنس إيمان أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الجمعة: ٥، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ البقرة: ٧٨، أي: إلا تلاوة من غير فهم معناه. وليس هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القرآن فعمل به، واشتبه عليه بعضه فوكل علمه إلى الله، كما أمره النبي - ﷺ - بقوله: «فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» (٢)، فامتثل ما أمر به - ﷺ - \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>عاشرًا: أن العدول عن الصراط المستقيم الذي أمر الله باتباعه، سبب الضلال والفرقة:</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ الأنعام: ١٥٣، وقال - ﷿ -: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يوسف: ١٠٨.\nوقال الله لنبيه - ﷺ -: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ هود: ١١٢، أي: أن يستقيم كما (أُمر) لا كما (يُريد) وهو نبي، ولو كان لأحدٍ أن يستقيم كما يريد لكان محمد - ﷺ - (٤)، فكيف بمن دونه.\n_________\n(١) هو: علي بن علي بن محمد بن أبي العز الأذرعي، الدمشقي، الصالحي، المعروف بابن أبي العز، حنفي، القاضي الفقيه، توفي سنة (٧٩٢ هـ). من مؤلفاته: شرح العقيدة الطحاوية - سلك فيها طريقة السلف-، الاتباع، التنبيه على مشكلات الهداية.\n\nينظر: شذرات الذهب (٦/ ٣٢٦)، الدرر الكامنة لابن حجر (٣/ ٨٧)، الأعلام (٤/ ٣١٣).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم: (٦٧٠٢). وروى مسلم في صحيحه (٢/ ٣٠٤)، نحو معناه من رواية عبد الله بن رباح عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وصححه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للمسند.\n(٣) شرح الطحاوية (ص ٥٣٣).\n(٤) ينظر: أسطر من النقل والعقل والفكر، جمع: عزام بن محمد المحيسني (ص ٢٤٢).","vol":"1","page":111},{"text":"لذا فليست الوسطية منهجية السلامة والبحث عن الأسهل والتهاون في الدين، فالوسطية لا ترسمها الأذهان، ولكنها الحق الأصيل الذي جاء به النبي - ﷺ -، وقضى أمرها الرحمن ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ البقرة: ١٤٣.\nقال ابن مسعود - ﵁ -: \"خط لنا رسول الله - ﷺ - خطًا، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه سُبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ الأنعام: ١٥٣\" (١).\nفوُحِد لفظ صراط الله وسبيله، وجمعت السبل المخالفة له (٢)، ليدلنا هذا على أن الخروج مفارقة الوسطية مظنة إلقاء العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام؛ لأنها تقتضي التفرق شيعًا، وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ آل عمران: ١٠٥، وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الأنعام: ١٥٣، وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ الروم: ٣٢، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الأنعام: ١٥٩، وما أشبه ذلك من الآيات في هذا المعنى.\nوقد بين ﵊ أن فساد ذات البين هي الحالقة، وأنها تحلق الدين (٣).\nوجميع هذه الشواهد تدل على وقوع الافتراق والعداوة عند وقوع الابتداع (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة في المقدمة باب اتباع رسول الله - ﷺ - برقم (١١)، صححه الألباني في صحيح ابن ماجة برقم (١١).\n(٢) شرح الطحاوية ت الأرناؤوط (٢/ ٧٩٩).\n(٣) رواه الإمام أبو داود في كتاب الأدب من سننه، باب في إصلاح ذات البين عن أبي الدرداء برقم (٤٩١٩)، والإمام الترمذي في كتاب صفة القيامة وصححه برقم (٢٥٠٩)، والإمام أحمد في المسند (٦/ ٤٤٤ - ٤٤٥) والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٥٠)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص ٨٥ - ٨٦)، وصححه الشيخ الألباني كما في غاية المرام برقم (٤١٤) (ص ٢٣٧).\n(٤) الاعتصام للشاطبي (١/ ٢٠٧).","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>الحادي عشر: شهادة أهل الوسطية للأنبياء والرسل على أممها بالبلاغ:</span>\nقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ البقرة: ١٤٣، وقوله تعالى: ﴿وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الحج: ٧٨.\n\"وجه الاستدلال أنه تعالى أخبر أنه جعل هذه الأمة عدولًا خيارًا ليشهدوا على الناس بأن رسلهم قد بلغوهم عن الله رسالته وأدوا إليهم ذلك وهذا يتناول شهادتهم على الأمم الماضية وشهادتهم على أهل عصرهم ومن بعدهم أن رسول الله - ﷺ - أمرهم بكذا ونهاهم عن كذا فهم حجة الله على من خالف رسول الله - ﷺ - وزعم أنه لم يأتهم من الله ما تقوم به عليه الحجة ويشهد كل واحد بانفراده بما وصل إليه من العلم الذي كان به من أهل الشهادة \" (١).\nوقد أورد البخاري في صحيحه (٢) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيدا، فذلك قوله -جل ذكره-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ البقرة: ١٤٣».\nإن من جعلهم الرب شهداء على الناس لا بد وأن يكونوا عالمين بما يشهدون به فلو كانوا يحللون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله ويسقطون ما أوجب ويوجبون ما أسقط لما صلحوا أن يكونوا شهداء على الناس، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ النساء: ١١٥، فتوعد على اتباع غير سبيله كما توعد على مشاقة الرسول فكل منهما مذموم فإذا أصفقوا على تحريم أو حل وخالفهم مخالف فقد اتبع غير سبيلهم فيذم (٣).\n_________\n(١) توضيح المقاصد شرح الكافية الشافية نونية ابن القيم (١/ ٢١٢).\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ البقرة: ١٤٣، برقم (٤٤٨٧).\n(٣) ينظر: المنتقى من منهاج الاعتدال (ص: ٥٤٨).","vol":"1","page":113},{"text":"فانظر إلى كونه تعالى خلقهم عدولًا وخيارًا؛ ليكونوا شهداء على بقية الأمم يوم القيامة وحينئذ فكيف يستشهد الله تعالى بغير عدول أو بمن ارتدوا بعد وفاة نبيهم - ﷺ - (١)، أو بمن ارتموا في أحضان أهل البدع.\nونجد أن في وصف الشهادة التي جعلها الله لهذه الأمة، في قوله - ﷿ -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ البقرة: ١٤٣، بمعنى: الاستغناء عما ابتدعه المبتدعون، من الحجج الفاسدة، التي يزعمون أنهم ينصرون بها أصل الدين، ومن الرأي الفاسد الذي يزعمون أنهم يتمون به فروع الدين، وما كان من الحجج صحيحًا ومن الرأي سديدًا، فذلك له أصل في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، فهمه من فهمه، وحرمه من حرمه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>الثاني عشر: أن طلب الاستقامة من الله وأنه هو الموفق لها</span>.\nقال القرطبي - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ الخطاب للنبي - ﷺ - ولغيره. وقيل: له والمراد أمته، قاله السدي. وقيل: \"استقم\" اطلب الإقامة على الدين من الله واسأله ذلك ... والاستقامة الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال، فاستقم على امتثال أمر الله.\nوفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي (٣) قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدا بعدك! قال: «قل آمنت بالله ثم استقم» (٤).\nوبهذا الاستعراض الموجز يتضح أن لآيات الوسطية معاني متعددة، مررنا على بعض منها، ومن أفاض الله عليه حسن التدبر، ستظهر له أضعاف هذه المعاني.\n_________\n(١) ينظر: الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة (٢/ ٦٠٤).\n(٢) تهذيب اقتضاء الصراط المستقيم (ص: ١٣٩).\n(٣) هو: سفيان بن عبد الله بن أبي ربيعة بن الحارث بن مالك بن حطيط بن جشم الثقفي (الطائفي). له صحبة، ورواية، وكان عاملا لعمر بن الخطاب، واستعمله عمر، وأرضاه على صدقات الطائف وقيل انه قد ولي الطائف، ولقد روى خمسة أحاديث.\nينظر: تهذيب التهذيب (٤/ ١١٥)، ومسند احمد (٣/ ٤١٣)، الإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ٧٩).\n(٤) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام برقم (٣٨).","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>المبحث الثاني معالم الوسطية ومظاهرها</span>.\nوفيه مطلبان:\n\nالمطلب الأول: معالم (١) الوسطية:\nالوسطية ليست مصطلحًا جديدًا على الإسلام، وإنما هي مصطلح أصيل في ديننا، رسم معالمها الوحي، وجعلها توصيفًا ربانيًا لهذه الأمة قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ البقرة: ١٤٣.\nلذا فإن للوسطية في الإسلام معالم تميزها عن غيرها (٢)، والواقع أن معرفة هذه الأمور على قدر كبير من الأهمية؛ لأنها تعتبر ضوابط (٣) لتحديد الوسطية ومعرفة حقيقتها كما وردت في الكتاب والسنة، وكما طبقها السلف الصالح لهذه الأمة، وفيما يلي أهم معالم الوسطية في الإسلام وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>المعلم الأول: توحيد مصادر المعرفة:</span>\nيمتاز منهج الإسلام بأنه المنهج الوحيد المحفوظ بعناية الله من التحريف والزيادة والنقصان، فهو منهج رباني في عقائده وعباداته وآدابه وأخلاقه وشرائعه ونظمه وذلك في\n_________\n(١) المعالم: جمع معلم، والمعلم والعلم: العلامة؛ وقيل: المعلم الأثر، والأثر يستدل به على الطريق؛ وقيل: المعلم الحد والفصل بين الشيئين من المعالم والحدود.\nينظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار، لعياض اليحصبي السبتي، (المتوفى: ٥٤٤ هـ) (٢/ ٨٣)، ولسان العرب (١٢/ ٤٢٠)، القاموس المحيط (ص ١٠٨٢)، مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار، جمال الدين الكجراتي (المتوفى: ٩٨٦ هـ) (٣/ ٦٦٠).\n(٢) عن تياري الغلو والتسيب، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ الأنعام: ٥٥، فإذا كانت استبانة سبيل المجرمين مطلوبة، فكذلك استبانة سبيل أهل الحق، حتى يتبين الرشد من الغي.\n(٣) الضابط لغة: يقال ضبطه ضبطًا: حفظه بالحزم حفظًا بليغًا، وأحكمه وأتقنه، ويقال رجل ضابط: أي قوي شديد.\nواصطلاحًا: هو الوصف أو الشروط التي يعرف بها الحكم، وهذا هو مرادنا في البحث إذ المقصود هو معرفة الأوصاف أو الشروط التي ينبغي توافرها في العمل حتى نحكم بوسطيته.\nينظر: المعجم الوسيط (١/ ٢٧٨) مادة \"ضبط\"، والقواعد الفقهية د. يعقوب الباحسين (ص ٥٨)، والمنهج في استنباط النوازل د. وائل الهويريني (ص ٤٤٨).","vol":"1","page":115},{"text":"الأسس الكلية والمبادئ العامة، فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه، والحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه (١)،\nوالتكليف والإلزام من عند الله دون سواه (٢).\nلذا فالوسطية والاعتدال بريئان من الهوى، ويعتمدان على العلم الراسخ، والعلم إما أن يكون نصًا من كتاب أو سنة، أو استدلالًا صحيحًا فيما لم يرد فيه نص، ويكون من اجتهادات أهل العلم الراسخين في ذلك مع مراعاة الخلاف فيما لا قطع فيه، فاعتماد الوسطية على العلم الراسخ الصحيح مظهر من مظاهرها وسمة من سماتها (٣)، وهذا هو ما عليه أهل السنة والجماعة.\nفيما نجد أن هناك طوائف تتكرر في كل زمان، لا تقر بغير القرآن مصدرًا، فيجرها ذلك إلى إنكار السنة أو بعضها (٤)،\nوعدم الانقياد لها، أو جهلها وإهمالها، فحين أهملوا سنته - ﷺ - فقد عملوا بمتشابه القرآن، وعموماته ومطلقاته التي تحتاج إلى سنته - ﷺ - لترفع تشابهها، أو تخصيص يخصص عمومها، أو قيد يقيد مطلقها، ولعلها الفئة التي أشار إليها عمر بن الخطاب - ﵁ - بقوله: «إنه سيأتي أناس يأخذونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله» (٥).\nوالمتأمل في كثير من مسائل الضلالة، يجدها تعود إلى هذا الباب (٦).\n_________\n(١) فمن وجد فكره بعيدًا عن الوحي عليه أن يذهب إليه لا أن يجر الوحي إليه.\n\nينظر: أسطر في النقل والعقل والفكر (ص ٢٤٢).\n(٢) ينظر: الإسلام مقاصده وخصائصه، لمحمد عقله، (ص ٢٤).\n(٣) الوسطية في الإسلام وأثرها في الوقاية من الجريمة، رسالة ماجستير لـ عبد العزيز عثمان شيخ محمد، (ص ٥٣).\n(٤) والقول بعدم جواز الاحتجاج بأحاديث الآحاد قول مبتدع أحدثته الجهمية والمعتزلة لكي تسلم لهم أصولهم الفاسدة التي أصَّلوها في باب أفعال الله وأسمائه وصفاته ﵎، ولما رأوا أن هذه الأخبار لا توافق ما ذهبوا إليه، قالوا: هذه أخبار آحاد ولا تفيد القطع، والعقائد لا بد فيها من القطع واليقين! .\n\nينظر: الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص ٧٢)، والتمهيد لابن عبد البر (١/ ٢)، ولوامع الأنوار البهية (١/ ١٩)، والمسودة في أصول الفقه لآل تيمية (ص ٢٤٨)، ومجموع الفتاوى (٢٠/ ٢٥٩ - ٢٦٣)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٥٤٠ - ٥٤٣)\n(٥) شرح السنة للبغوي (١/ ١٩٢) ت صقر.\n(٦) ينظر: بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو، المحور الأول: مظاهر الوسطية في الإسلام د. سليمان بن إبراهيم العايد (ص ٤٧).","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>المعلم الثاني: الجمع بين صحة النقل وصراحة العقل:</span>\nإن العلاقة بين العقل والنقل ذات أهمية كبرى فهي من معالم الوسطية، ومن منهج أهل السنة والجماعة عمومًا وفي قواعد استدلالهم خصوصًا؛ ذلك أن العقل تابع للنقل عندهم،\nوآلة لفهمه، ولا يمكن أن يعارضه فضلًا أن يكون مقدمًا عليه وحاكمًا؛ ولأن ذلك هو مقتضى الإيمان بالنبي - ﷺ - والتسليم لخبره بغير قيد أو شرط، فهو أيضًا مقتضى ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، فأهل السنة من جهة مصدر التلقي اعتمدوا الكتاب والسنة، ومن جهة الفهم التزموا فهم الصحابة -﵃ وأرضاهم- (١).\nوليس ثمة عقيدة تقوم على احترام العقل الإنساني، وتكريمه والاعتزاز به، والاعتماد عليه في فهم النصوص، كالعقيدة الإسلامية؛ إلا أن هذه العقول تتفاوت (٢)، وهذا يدل على أن لكل واحد منها حدًا وغاية في إدراك الأشياء ينتهي إليه، ولا يتعداه، فالعقل لا يدرك كل ما جاء به الرسول - ﷺ -، أو خبر عنه، فمداركه ليست شاملة (٣).\nمن أجل ذا قال الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ -: \"ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول\" (٤).\nقال ابن تيمية - ﵀ -، معلقًا على قول الإمام أحمد - ﵀ -: \" هذا قوله، وقول سائر أئمة المسلمين؛ فإنهم متفقون على أن ما جاء به الرسول - ﷺ - لا تُدركه كل الناس بعقولهم، ولو أدركوه بعقولهم لاستغنوا عن الرسول\" (٥)، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ الإسراء: ١٥.\nوعلى كل حال فإن منهج الوسط يقوم على التوافق بين الأدلة الصحيحة أيًا كان مصدرها وامتناع التعارض بينها في نفس الأمر، ويرجع منهجهم في ذلك إلى أمور:\n_________\n(١) ينظر: الدليل العقلي عند السلف، لعبد الرحمن بن سعد الشهري (٦ - ٨).\n(٢) قال شيخ الإسلام ﵀: \" الصحيح الذي عليه جماهير أهل السنة وهو ظاهر مذهب أحمد وأصح الروايتين عنه، وقول أكثر أصحابه، أن العلم والعقل ونحوهما يقبل الزيادة والنقصان\". مجموع الفتاوى (١/ ٧٢١ - ٧٢٢).\n(٣) ينظر: العقل تعريفه، منزلته، مجالاته، ومداركه، أ. د. عبد القادر بن محمد عطا صوفي، مجلة البحوث الإسلامية: العدد (٧٩)، (ص ٣٦٠ - ٣٦٨).\n(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٥٦).\n(٥) درء تعارض العقل والنقل، (٥/ ٢٩٧).","vol":"1","page":117},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-97> الأول: التسليم لنصوص الكتاب والسنة الصحيحة، من غير قيد أو شرط</span>.\nيقول أبو القاسم التيمي (١) - ﵀ -: \" وليس لنا مع سنة رسول الله - ﷺ - من الأمر شيء إلا الاتباع والتسليم، ولا يعرض على قياس ولا غيره، وكل ما سواها من قول الآدميين تبع لها، ولا عذر لأحد يتعمد ترك السنة، ويذهب إلى غيرها؛ لأنه لا حجة لقول أحد مع قول رسول الله - ﷺ - إذا صح\" (٢).\nوفي هذا يقول الطحاوي (٣) - ﵀ -: \" ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام\" (٤).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-98> الثاني: تضمن الأدلة النقلية للأدلة العقلية:</span>\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \" والقرآن قد دل على الأدلة العقلية التي بها يعرف الصانع وتوحيده وصفاته وصدق رسله، وبها يعرف إمكان المعاد، ففي القرآن من بيان أصول الدين التي تعلم مقدماتها بالعقل الصريح ما لا يوجد مثله في كلام أحد من الناس، بل عامة ما يأتي به حذاق النظار من الأدلة العقلية يأتي القرآن بخلاصتها وبما هو أحسن منها\" (٥).\nعليه فإن الأدلة النقلية تضمنت الأدلة العقلية (٦)، مما يبين أن الأدلة العقلية الصحيحة موجودة في الكتاب والسنة؛ فلا نحتاج بعد ذلك إلى أن نفرض دليلًا عقليًا خارجًا عنهما ندعي به نصرة الدين وهو في الحقيقة معارض للدين (٧).\n_________\n(١) هو إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي التيمي الأصبهاني أبو القاسم، المعروف بقوام السنة، سلفي شافعي، من مؤلفاته: الحجة في بيان المحجة، وشرح عقيدة أهل السنة، ودلائل النبوة، وسير السلف الصالحين وغيرها، توفي سنة ٥٣٥ هـ.\nينظر: سير أعلام النبلاء (٢/ ٨)، شذرات الذهب (٤/ ١٠٥).\n(٢) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٢٦).\n(٣) هو: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الحنفي، محدث الديار المصرية ومفتيها، برز في علوم كثيرة، وله مؤلفات نافعة منها شرح العقيدة الطحاوية، توفي سنة ٣٢١ هـ.\nينظر: وفيات الأعيان (١/ ٧١ - ٧٢)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧ - ٣٣)، البداية والنهاية (١١/ ١٧٤)، لسان الميزان (١/ ٢٧٤ - ٢٨٢).\n(٤) شرح الطحاوية (١/ ٢٣١ - ٢٣٢).\n(٥) مجموع الفتاوى (١٢/ ٨١).\n(٦) ذكر ابن تيمية ﵀: أن بعض أئمة المتكلمين كانوا يعترفون بأن القرآن قد بين الأدلة العقلية، يقول: \" وأئمة المتكلمين يعترفون بأن القرآن بين الأدلة العقلية كما يذكر ذلك الأشعري وغيره، وعبد الجبار بن أحمد وغيره من المعتزلة\" مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٧٠).\n(٧) لذلك نلحظ أن نقد أهل السنة وردهم كان لهذا النوع مما يسميه أهله بالعقليات، وهو في حقيقته من الباطل الذي عارضوا به النصوص، فأهل السنة لم يطعنوا في جنس الدليل العقلي، بل طعنوا في الباطل الذي سمي عقلًا وهو في حقيقته جهل.\nينظر: الدليل العقلي عند السلف (ص ٦٩).","vol":"1","page":118},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-99> الثالث: امتناع التعارض بين العقل والنقل:</span>\nبعد أن تبين أن حقيقة الإيمان بالنبي - ﷺ - لا بد فيها من التسليم لما جاء به، وأنه - ﷺ - قد بين للناس أصول الدين والإيمان من جهة الدلائل والمسائل، فالمعارض العقلي يناقض هاتين الحقيقتين.\nوالقول بإمكان التعارض بين العقل والنقل، يلزم منه القول بتعارض الحقائق وتناقضها، وأنه يمكن نقض الحق بما هو حق، والقول بهذا فيه نفي لجميع الحقائق وعدم إمكان إثبات الحقائق بدليل يسلم عن معارض صحيح على زعمهم (١).\nويدخل في هذا القسم -النقل- أغلبُ مسائل الاعتقاد؛ فلا تعلم إلا عن طريق الخبر؛ إذ لا يمكن للعقول أن تستقل بمعرفة هذه المسائل، لولا مجيء الوحي بها، وبأدلتها العقلية، وما على العقل إلا فهمها وتدبرها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>المعلم الثالث: التلازم بين الظاهر والباطن:</span>\n\"التلازم بين الظاهر والباطن\": قاعدة قطعية في الشريعة الإسلامية، ولا شك أن لهذه القاعدة أهمية كبرى في إزالة التضييع والتميُّع (٣) وفي ضبط الرؤية في كثير من قضايا البدع المتقابلة.\nلأنه متى ما قامت المحبة بالقلب مع التصديق، لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة، والأعمال الظاهرة فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه، ودليله ومعلوله كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضا تأثير فيما في القلب. فكل منهما يؤثر في الآخر لكن القلب هو الأصل، والبدن فرع له والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه\" (٤).\n_________\n(١) ينظر: الدليل العقلي عند السلف (ص ٦٩، ٧٣).\n(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٩٠)، العقل تعريفه، منزلته، مجالاته، ومداركه، (ص ٣٦٨).\n(٣) مظاهر الانحراف عن الوسطية تفريطًا أكثر بكثير من مظاهر الانحراف غلوا في عصرنا الحاضر.\n(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٤١).","vol":"1","page":119},{"text":"وقال كذلك - ﵀ -: \" وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذى في القلب، فصار الإيمان متناولًا للملزوم واللازم وإن كان أصله ما في القلب \" (١).\nوقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي - ﵀ -: \"يؤخذ من هذه الآية الكريمة - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ آل عمران: ٣١ -: أن علامة المحبة الصادقة لله ورسوله - ﷺ - هي اتباعه - ﷺ -، فالذي يخالفه ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر؛ إذ لو كان محبًا له لأطاعه، ومن المعلوم عند العامة أن المحبة تستجلب الطاعة\" (٢).\nومن الأمثلة على ذلك، قوله - ﷿ -: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ المائدة: ٨١، فالإيمان في الباطن يستلزم عداوة الكافرين وترك موالاتهم في الظاهر.\nوقال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ آل عمران: ١٥٢، فلما اختلفت نياتهم الباطنة، تباينت أعمالهم الظاهرة.\nفتجمع الوسطية بين الاهتمام بأعمال الجوارح وأعمال القلوب، أو ما يعرف بفقه الظاهر وفقه الباطن.\n\"وجملة القول: أن التلازم بين الظاهر والباطن فرقان بين أهل السنة والمرجئة في باب الإيمان، وأن من عرف هذا التلازم زالت عنه شبهات كثيرة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>المعلم الرابع: التوازن في الجمع بين عمارة الحياة والسمو الروحي:</span>\nفي الوسطية خلاص من منزلق الإفراط وهاوية التفريط؛ لأنها دلالةٌ على طابع التوازن والتكامل والانسجام، الذي نستقيه من فهم الإسلام واستلهام توجيهاته.\nلذا فإننا نجد أن من أبرز معالمها، التوازن بين العمل للآخرة والعمل للدنيا فتكون الدنيا مزرعة الآخرة، أو بعبارة أخرى التوازن بين الاستجابة لحاجات الإنسان المادية والروحية.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٧/ ١٩٨).\n(٢) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (١/ ١٩٩).\n(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٥).","vol":"1","page":120},{"text":"لهذا نجد أن الإسلام أبطل الرهبانية؛ ففي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - أنه قال: «رد رسول الله - ﷺ - على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا» (١).\nورغب النبي - ﷺ - في عمل الدنيا، فقال: «لأن يحتزم أحدكم حزمة من حطب، فيحملها على ظهره فيبيعها، خير له من أن يسأل رجلًا يعطيه أو يمنعه» (٢).\nفالوسطية في الإسلام ترشد المسلم إلى الجمع بين خيري الدنيا والآخرة أي: أن يعمل الإنسان ويتحرى في عمله الأحسن والأفضل ويجعل عمله كله لله تعالى، فهو جاد في عمله في دنياه مستعد لآخرته؛ قال الله - ﷿ - معلمًا لنا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ البقرة: ٢٠١؛ ونجد أن هذا الدعاء الجامع الصالح للخيرين معًا كان أكثر دعاء النبي - ﷺ - (٣).\nفيتولد عن هذا الاتزان الجمع بينهما وفق منهج الله، (الاتباع في الدين)، (والإبداع في أمور الدنيا)؛ لأنه لا تعارض بين ذلك. فنجد أن في الوسطية الثبات في الأهداف والمرونة في الوسائل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>المعلم الخامس: الشمول:</span>\nليست الوسطية محصورة في جزئية من الجزئيات، ولا ركن من الأركان، وإنما هي منهج متميز بالشمول لحياة الإنسان كلها، بطول امتداده الزمني، وعرض مجالاته في الحياة كلها، وعمق أغواره الحياتية، فهي تشمل الجسم والعقل والروح، وتضم الظاهر والباطن، وتعم القول والعمل والنية (٥).\nإذن الوسطية ليست مرحلة وإنما منهج حياة شامل مطلوب في كل حين.\n_________\n(١) أخرجه البخاري كتاب النكاح، باب ما يكره من التبتل والخصاء برقم (٥٠٧٣ و٥٠٧٤)،\n(٢) أخرجه البخاري كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده (٢٠٧٤) و(٢٣٧٤)، ومسلم في كتاب الزكاة باب كراهة المسألة للناس برقم (١٤٠٢).\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب قول النبي - ﷺ -: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) برقم (٦٣٨٩)، ومسلم كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الدعاء ب اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، برقم (٦٧٨١).\n(٤) ينظر: الوسطية والاعتدال للدكتور محمد يتيم (ص ٦٧ - ٦٨)، بحوث ندوة (أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو)، المحور الأول: الوسطية والاعتدال في القرآن والسنة، مفهوم الوسطية والاعتدال، (١/ ١٤).\n(٥) ينظر: كيف نتعامل مع السنة النبوية معالم وضوابط (ص ٢٤).","vol":"1","page":121},{"text":"لذا فالوسطية بقدر ما هي تثبيت للثوابت وانطلاق من المرجعية، فهي تجديد متواصل في مختلف مظاهر حياتنا الثقافية والفكرية، على اعتبار أن لكل جيل كسبه وتجربته التاريخية الخاصة ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ البقرة: ١٣٤ (١).\nفالشمول الذي يجعل الإسلام مهيمنا على الحياة كلها بأنظمتها وأنشطتها المختلفة، وبأعمال الإنسان المتنوعة، لا يشذ عن الدين أبدًا، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ الأنعام: ١٦٢.\nوقال الحق -جل وعلا-: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الأنعام: ٣٨، ليدُلنا على أن الإسلام دين شامل لجميع نواحي الحياة، سواء تعلق الأمر بالإنسان في علاقته بربه (فقه العبادات) أم بالإنسان مع بني جنسه (فقه المعاملات)؛ فرسالة الإسلام شاملة في تعاليمها، شاملة في عقيدتها، شاملة في معاملاتها وعباداتها، شاملة في أخلاقها وآدابها.\n\nالمعلم السادس: وضوح (٢) الأصول الاعتقادية:\nمن أهم وأبرز معالم الوسطية، وضوحُ أصولها الاعتقادية (٣)؛ التي استمدتها من المصادر الربانية المتقنة غاية الإتقان، والصالحة لكل زمان ومكان؛ وهي مع وضوح أصولها الاعتقادية\n\nواضحة الأهداف والغايات والتشريعات والآداب والمناهج والطرق (٤)، فكانت بحق منطلقًا لغيرها من الأعمال (٥)، وعلامة بارزة على الوسطية الحقة.\n_________\n(١) ترك القرآن الكريم الحديث عن الوسائل المتجددة للحياة العامة للاجتهاد المطلق، يتصرف الناس في رسمها كما يلوح لهم حينًا بعد حين. بينما ترى الحياة العامة في القرآن الكريم متناولة بأدق بيان وأحكم ميزان، وأن الإسلام تناولها من الناحية الثابتة التي لا يعروها تغير على اختلاف الزمان.\nينظر: نظرات في القرآن، لمحمد الغزالي (ص ٦٩)، مؤتمر الوسطية مختارات من فكر الوسطية، الوسطية منهج استراتيجي للأمة، المهندس مروان الفاعوري (ص ١٧).\n(٢) الوضوح: يعني وضوح أصول الإسلام وقواعده ودعائمه الكبرى وعباداته ومعاملاته.\n(٣) وضوح الأصول الاعتقادية: أي الفهم والثقة واليقين التام بثوابت الشريعة المستمدة من القرآن والسنة، كتوحيد الله ﷿، والإيمان بالرسل والرسالات المنزلة عليهم، والجزاء الأخروي ... ووضوح الشعائر التعبدية.\n(٤) الرسالات السماوية السابقة امتداد أم تقاطع - للدكتور رشيد كهوس - البحث لمشاركة بمهرجان ربيع الرسالة الثقافي العالمي السابع.\n(٥) ينظر: بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو، المحور الأول: مظاهر الوسطية في الإسلام د. سليمان بن إبراهيم العايد (ص ٥٥).","vol":"1","page":122},{"text":"ومن أشد الناس وضوحًا في رؤيتهم لحقائق وأحكام الدين هم الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام-، ثم الصحابة والسلف الصالح -رضوان الله عليهم- (١)، ثم من اقتفى أثرهم ممن سلك الصراط المستقيم، ولهذا فقد بذلوا لهذا الدين كل غالٍ ونفيس، والتاريخ شاهد بذلك.\nولقد تميزت الوسطية في أخذها بالأصول الاعتقادية، بميزات وخصائص جعلتها تنجو من الحيرة والتناقض والاضطراب الذي وقع فيه من زاغ عن الكتاب والسنة وابتغى الهدى في غيرهما.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-104> فمن هذه الخصائص الدالة على وضوح الأصول الاعتقادية:</span>\n١ - الاعتقاد الجازم بأن القرآن الكريم والسنة المطهرة وحي إلهي، وأنهما مصدرا التشريع (٢)، فلا يقدم العقل عليهما، ولا تعطل نصوصهما الصحيحة؛ قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ النساء: ٦٥.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس، ولا بذوق ووجد ومكاشفة، ولا قال قط قد تعارض في هذا العقل والنقل، فضلًا عن أن يقول: فيجب تقديم العقل\" (٣).\n٢ - الاعتقاد بأن الله -﷾- له الكمال المطلق في صفاته وأفعاله، وهو سبحانه منزه عن كل نقيصة؛ فلزم من هذا الأخذ بظاهر النصوص (٤)،\n_________\n(١) ينظر: درء التعارض (١/ ٢٧٧)، مجموع الفتاوى (٤/ ٢ - ٨، ١٣/ ٦٠)، مختصر العلو للعلي الغفار للذهبي (ص ١٥٢)، شرح أصول السنة للالكائي (١/ ٢٩ - ٩٦)، الإبانة لابن بطة (١/ ٢٢٣ - ٢٦٩).\n(٢) نجد من ينكر القرآن أو السنة، بزعمهم أن الدين ليس داخلًا في كل شؤون الحياة، وأن القرآن ليس صالحًا لكل زمان ومكان، والتشكيك في بعض الأحاديث الثابتة، والتشكيك في عصمة الأنبياء، والنيل والقدح في علماء الأمة.\nينظر: ضعف وضوح الرؤية لحقائق وأحكام الدين (ص ٥٩).\n(٣) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٨ - ٢٩).\n(٤) يعتقد أهل السنة أن الله خاطبنا بما نفهم، وأراد منا اعتقاد ظاهر النصوص على الوجه اللائق، فنصوص الصفات مثلًا تجرى على ظاهرها بلا كيف، كما تظافرت عبارات السلف في ذلك.\nينظر: موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة عرضًا ونقدًا، د. سليمان بن صالح الغصن (١/ ٧٢).","vol":"1","page":123},{"text":"فلو كان ظاهر النصوص (١) غير مراد لما خاطبنا بها ربنا تعالى، ولما أمرنا بتدبر كتابه، في قوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ ص: ٢٩.\n٣ - الأخذ بكل ما صح من أحاديث الآحاد في أبواب الاعتقاد، وعلى هذا إجماع السلف -﵏- (٢).\n٤ - الإيمان المطلق بما جاء عن الله ورسوله دون وقفه على معرفة معناه وإدراكه؛ لأن عقول البشر قاصرة عن إدراك جميع المعاني والإحاطة بها؛ ولأن الخبر إذا جاء عن الله ورسوله لم نحتج في إيماننا أن نحيط بمعناه، بل نصدقه ونؤمن به أولًا، ثم نبحث عن معناه.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" إن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف؛ لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به، وإن لم يفهم معناه\" (٣).\n٥ - الاعتقاد بأن أصول التوحيد والإيمان شاملة لكل مناحي الحياة، وكلٌ لا يتجزأ (٤)، فلا ينبغي أخذ بعضه واطراح بعضه؛ فلزم العمل بكل نصوصه المقدسة بلا إفراط ولا تفريط (٥)؛ قال المولى - ﷿ -: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا\n_________\n(١) لا يوجد باطن يخالف الظاهر، فالباطن الحق عند السلف موافق للظاهر الحق، وكل معنى باطن يخالف ظاهر الكتاب والسنة فهو خيال وجهل وضلال.\nينظر: درء التعارض (٥/ ٨٦).\n(٢) ينظر: الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص ٧٢)، ولوامع الأنوار البهية (١/ ١٩)، مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢٥٩ - ٢٦٣).\n(٣) التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، لابن تيمية (ص ٦٥).\n(٤) ينظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٤٣).\n(٥) الوسطية هي الحق كله، فليس تقسيم الحق وتبعيضه من الوسطية في شيء، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ النساء: ١٥٠ - ١٥١.\nينظر: أسطر من النقل والعقل والفكر (ص ٢٤٣).","vol":"1","page":124},{"text":"لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ النحل: ٨٩، وقال - ﷺ -: «وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء» (١).\n٦ - وضوح الارتباط الوثيق بين الإيمان والأعمال الصالحة (٢)، فالدين الحق يتضمن العمل الصالح ليظهره على الدين كله، والظهور يكون بالعلم واللسان ليبين أنه حق وهدى، ويكون باليد والسلاح ليكون منصورًا مؤيدًا، والله أظهره هذا الظهور (٣)، وهذا هو وصف الصراط المستقيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>المعلم السابع: الموقف المعتدل من القضايا الكبرى:</span>\nإن تقرير الحق شيء جليل، لا شك في ذلك، ولكن الشيء الذي لا يقل عنه أهمية، بل قد يربو عليه وصل هذا الحق بالحياة وتطبيقاتها، ومد جذوره في أغوارها؛ وهذا ما نجده بعد تأمل يسير في آيات القرآن الكريم التي تميط اللثام عن وجه الحق الذي امتازت به الوسطية عن غيرها من فِرق أهل الضلالة والبدع؛ بأن وافقت الحق في كل باب من أبواب العقيدة تقريرًا وتطبيقًا؛ ومن هنا نجد أنها لم تغلُ ولم تفرط كفعل أهل البدع (٤)؛ ليس في هذا الباب فحسب، بل في جميع الأبواب التي تتفرق فيها الفرق (٥) بين طرفين آراؤهما متضادة، فهي حق بين باطلين (٦)؛ وهذه الوسطية تعتبر صفة لازمة لمن ينهجون منهج السلف (٧).\n\nوسأُجمِل -بإذن الله تعالى- فيما يلي الأصول التي كان فيها أهل الحق وسطًا بين باطلين:\n_________\n(١) رواه ابن ماجة في مقدمة سننه، باب اتباع سنة رسول الله - ﷺ - (١/ ٤)، وحسنه الألباني كما في صحيح ابن ماجة (١/ ٦).\n(٢) لأن العمل الصالح لا يصدر إلا مع وضوح الرؤية، لارتباطه بالمحبة والتعظيم.\n(٣) ينظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (٣/ ١٠٣).\n(٤) ينظر: التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة، للشيخ عبد الرحمن السعدي (ص ٧٠).\n(٥) أهل السنة وسط: أي عدول خيار بين طرفين منحرفين، في جميع أمورهم. فتعطي لكل طرف حقه بالقسط، بلا وكس ولا شطط، ولا غلو ولا تقصير، ولا إفراط ولا تفريط.\n(٦) ينظر: كشف الشبهات (ص ٣٢)، ومختصر تسهيل العقيدة الإسلامية، عبد الله بن عبد العزيز بن حمادة الجبرين (ص ٢٠).\n(٧) ينظر: العقيدة الواسطية (ص ١٠٧ - ١١٣)، والصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه، لمحمد أمان بن علي جامي علي (المتوفى: ١٤١٥ هـ) (ص ٣٦٢)، ووسطية أهل السنة والجماعة للدكتور محمد باكريم (ص ٣٥٤) وما بعدها.","vol":"1","page":125},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-106> الأصل الأول: ما يتعلق بتوحيد الله - ﷿ - وأسمائه وصفاته:</span>\nتوسط أهل الحق في هذا الأصل بين أهل النفي والتعطيل الذين يلحدون في أسمائه وآياته ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه حتى شبهوه بالمعدوم وبالأموات، وبين أهل التشبيه والتمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوق (١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-107> الأصل الثاني: ما يتعلق بأفعال الله - ﷿ </span>-:\nوهم في باب خلقه وأمره - ﷿ - وسط بين جفاء القدرية، وغلو الجبرية.\nفهم وسط بين المكذبين بقدر الله الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه كل شيء، وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ الأنعام: ١٤٨ (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-108> الأصل الثالث: ما يتعلق بشأن العبادات:</span>\nتوسط أهل السنة في هذا الأصل بين الرافضة والصوفية وبين الدروز والنصيرية (٣).\nفالرافضة والصوفية يعبدون الله بما لم يشرعه من الأذكار والتوسلات، وإقامة الأعياد والاحتفالات البدعية، والبناء على القبور.\nبينما الدروز والنصيريون (٤) تركوا عبادة الله بالكلية فلا يصلون ولا يصومون ولا يزكون ولا يحجون ... الخ.\n_________\n(١) ينظر: شرح الرسالة التدمرية (ص ١٥٧)، ومنهاج السنة (٣/ ٤٦٨) (٥/ ١٦٨ - ١٦٩) (٥/ ١٧٢)، والوصية الكبرى (ص ١٤)، رسالة الخطيب البغدادي في الكلام على الصفات (ص ١٩).\n(٢) ينظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٦٢)، والشريعة للآجري (ص ٣٤٣)، الملل والنحل (١/ ٨٥)، شفاء العليل لابن القيم (ص ٥١)، شرح الطحاوية (ص ٤٩٣).\n(٣) الدروز والنصيريون فرقتان توجدان في بلاد الشام سوريا ولبنان وفلسطين - ومن عقائد النصيرية: أنهم يؤلِّهون علي بن أبي طالب، ومن عقائد الدروز: أنهم يؤلهون الحاكم بأمر الله العبيدي، ولهذا فقد ذكر أهل العلم أنهم مرتدون خارجون من الملة، وأنهم في حقيقة الأمر ليسوا من المسلمين، وإن انتسبوا إلى الإسلام.\nينظر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين لأحمد جلي (ص ٣٥٧)، الموجز في المذاهب والأديان لناصر القفاري وناصر العقل (ص ١٣٦ - ١٣٨)، موقف ابن تيمية من الأشاعرة (١/ ١١٩ - ١٢٠)، مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٤٥ - ١٦٠).\n(٤) النصيرية أنفسهم يرفضون هذه التسمية، ويطلقون على أنفسهم اسم \"العلويين\" لأنهم من الطوائف التي تؤله أو تقدس علي بن أبي طالب، وتعبده، ويذهب النصيرية إلى أن هذا هو الاسم الأصلي للطائفة ولكن الأتراك حرموهم من هذا الاسم وأطلقوا عليهم اسم النصيرية نسبة إلى الجبال التي يسكنونها نكاية بهم، واحتقارًا لهم. وأن الفرنسيين عند انتدابهم على سوريا في بداية هذا القرن، أعادوا الاسم القديم للطائفة، وأصدروا مرسومًا في ١/ ٩/١٩٢٠ م سميت بموجبه جبال النصيرية بأراضي العلويين المستقلة .. وكلامهم ينقضه أمران: كتب الفرق التي ذكرتهم باسم النصيرية والنميرية، ثانيا: فتوى ابن تيمية التي ذكرتهم بهذا الاسم.\nينظر: تاريخ العلويين، لمحمد أمين غالب الطويل (ص ٤٠١) وما بعدها، ٣٤٢، دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين الخوارج والشيعة، للدكتور أحمد محمد جلي (ص ٣٥٧).","vol":"1","page":126},{"text":"وهم كذلك وسطية في التحليل والتحريم بين اليهودية التي أسرفت في التحريم، وبين النصرانية التي أسرفت في الإباحة (١).\n\n- الأصل الرابع: ما يتعلق بنصوص الوعد (٢) والوعيد (٣).\nأما في هذا الأصل، فهم وسط بين الوعيدية وغلاة المرجئة.\nفهم وسط بين طرف فرَّطوا فغلَّبوا نصوص الوعد وأهملوا نصوص الوعيد وهم المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، ووصفوا مرتكب الكبيرة بأنه مؤمن كامل الإيمان، وطرف أفرطوا فغلَّبوا نصوص الوعيد وأهملوا نصوص الوعد، فأخرجوا مرتكب الكبيرة من الإيمان وقالوا: بتخليده بالنار وهم الخوارج والمعتزلة وزاد الخوارج الحكم عليه بالكفر (٤).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-110> الأصل الخامس: ما يتعلق بأسماء الإيمان، وأحكامها في الدين:</span>\nفي باب الأسماء (٥) والأحكام (٦)، هم وسط بين جفاء المرجئة، وغلو الخوارج والمعتزلة:\nفهم وسط (٧) بين الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين (٨) مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي - ﷺ - (٩)، وبين المرجئة الذين\n_________\n(١) ينظر: الصفدية لشيخ الإسلام (٢/ ٣١٣)، تحقيق د. محمد رشاد.\n(٢) المراد بالوعد: النصوص المتضمنة وعد الله لأهل طاعته بالثواب والجزاء والحسن والنعيم المقيم.\n(٣) والمراد بالوعيد: النصوص التي فيها توعد للعصاة بالعذاب والنكال.\nينظر: العقيدة الواسطية، للشيخ صالح الفوزان (ص ١٢٦)، والفرق بين الفرق (ص ٣٥٣).\n(٤) ينظر: منهاج السنة (١/ ٤٦٦ - ٤٦٧)، شرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٥٦).\n(٥) المراد بالأسماء: أسماء الدين، مثل: مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق.\n(٦) المراد بالأحكام: أحكام هؤلاء في الدنيا والآخرة، أي: أحكام أصحاب هذه الأسماء.\n(٧) ينظر: شرح السنة للبربهاري (ص ٧٣)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٦٢، ١٧٥، ١٧٦)، شرح السنة للبغوي (١/ ١٠٣)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٥١، ٣٧٤) (٤/ ٣٠٧)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٢٤)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني (ص ٢٧٦).\n(٨) ذكر الشيخ الألباني ﵀ عند شرحة للعقيدة الطحاوية (ص ٤٥) بخصوص عبارة الطحاوي: \"أهل الكبائر من أمة محمد - ﷺ - \": الأولى حذفها؛ لأن مفهومها أن أهل الكبائر من غير أمة محمد - ﷺ - قبل نسخ الشرائع به حكمهم مخالف لأهل الكبائر من أمة محمد - ﷺ - وفي ذلك نظر، فإن النبي - ﷺ - قال: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)، ولم يخص أمته بذلك بل ذكر الإيمان مطلقًا، فتأمله.\n(٩) ينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٨)، الملل والنحل (١/ ١١٥)، مختصر تاريخ الإباضية، لأبي الربيع سليمان الباروني (ص ٦٦)، ومشارق أنوار العقول لعبد الحميد حميد السالمي (٢/ ٣١٢ - ٣١٥).","vol":"1","page":127},{"text":"يقولون إيمان الفاسق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان، ويكذبون بالعقاب بالكلية (١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-111> الأصل السادس: ما يتعلق بشأن الصحابة رضوان الله عليهم</span>.\nوأيضا، فهم وسط (٢) في هذا بين غلو الرافضة (٣)، وجفاء الخوارج (٤)؛ لأن الرافضة والخوارج في أصحاب الرسول - ﷺ - في طرفي نقيض:\nفهم وسط بين الغالية الذين يغلون في علي - ﵁ - فيفضلونه على أبي بكر وعمر -﵄-، أو يعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة -﵃- ظلموا وفسقوا وكفروا، والأمة بعدهم كذلك وإنما جعلوه نبيا وإلها. وبين الجافية الذين يعتقدون كفره وكفر عثمان ويستحلون دمهما ودماء من تولاهما أو يستحلون سبَ علي وعثمان ونحوهما، أو يقدحون في خلافة علي وإمامته (٥).\n_________\n(١) ينظر: الملل والنحل (١/ ١٣٩ - ١٤٠)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١٠٨).\n(٢) ينظر: العقيدة الطحاوية (٥٢٨ - ٥٥٣)، العقيدة الواسطية للهراس (ص ١٤٢ - ١٥١).\n(٣) يجمع الشيعة في أصحاب رسول الله - ﷺ - ورضي الله عنهم، بين سيئتي الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء، فلهم في بعض الصحابة غلو وإفراط، أشنعه القول بالألوهية والنبوة، وأدناه تفضيل وتقديم من غلو فيه على من أفضل وأولى بالتقديم منه، كما لهم في البعض الآخر من الصحابة تقصير وتفريط وجفاء، أعظمه القول بتكفيرهم ولعنهم، وأدناه القول بتأخيرهم عن مرتبتهم والقعود بهم عن مكانتهم، ولهم بين هذا وذاك فيهم أقوال وآراء.\nينظر: وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٤٠٥)، وللتوسع: رسالة موقف الشيعة الاثني عشرية من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، أ. د. عبد القادر عطا.\n(٤) لما كان الخوارج يرون التكفير بالذنوب ولا سيما الكبائر منها، اعتبروا الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ مذنبًا بتحكيمه الحكمين بينه وبين معاوية ﵁، وطالبوه بالتوبة من الذنب الذي ارتكب بزعمهم، ثم صرحوا بكفره وكفر الحكمين ومن رضي بالتحكيم وقبله، وفيهم عدد كبير من الصحابة رضوان الله عليهم، واستحلوا الخروج عليه وقتالهم.\nفكانت بدعتهم لها مقدمتان: الأولى: أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر.\nوالثانية: أن عثمان وعليًا ومن والاهما كانوا كذلك .. لأجل ذلك قالوا بكفرهم.\nينظر: مقالات الأشعري (١/ ١٦٧)، الفرقان بين الحق والباطل (ص ٢٢ - ٢٣)، وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٣٩٩).\n(٥) ينظر: المفيد في مهمات التوحيد، (٣٣ - ٤٣)، التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٦٦ - ٦٧).","vol":"1","page":128},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-112> الأصل السابع: ما جاء في النصوص الشرعية</span>.\nالمنهج الحق وسط بين من يتلاعب بالنصوص، فيتأول الكتاب، وينكر الأحاديث الصحيحة، ولا يعبأ بإجماع السلف، وبين من يخبط خبط عشواء، فيتقبل كل رأي، ويأخذ بكل قول، لا يفرق في ذلك بين غث وسمين، وصحيح وسقيم (١).\nمع أن الله - ﷿ - قد نهى عن التقليد الأعمى، فعاب على القائلين ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ الزخرف: ٢٢، كما نهى عن التوغل بالعقل لإدراك كيفية صفات الرب - ﷿ - فقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ طه: ١١٠، ودعا -﷾- إلى التوسط والأخذ بالمدركات كوسائط قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ الذاريات: ٢٠ - ٢١.\nفكان أهل السنة والجماعة وسط بين المحكمين للعقل: وإن خالف النص القاطع، والمغيبين له -أي: العقل- ولو في فهم النص، فليسوا ممن يقبل بالتسليم الساذج والتقليد الأعمى في العقائد، وليسوا كذلك ممن غلوا وتوغلوا بالعقل لإدراك كل شيء حتى الألوهية.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-113> الأصل الثامن: ما يتعلق بأنبياء الله ورسله، وتعظيم نبينا محمد - ﷺ </span>-:\nوأيضا فهم وسط بين غلو النصارى، وجفاء اليهود. فالنصارى غلوا في عيسى، فقالوا: هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة. وقالت اليهود: عيسى ولد زنا -حاشاه ﵇-.\nوكذلك فهم وسط بين من خالف رسول الله - ﷺ - إلى ما نهاهم عنه، فغلوا فيه وقالوا ما ليس لهم به علم ولا عندهم من الله ورسوله فيه برهان، كفعل كثير من الضلال؛ وبين من جفا وقصر في حق النبوة والأنبياء، بعامة ونبينا - ﷺ - خاصة، مثل تفضيل بعض غلاة الصوفية أولياءهم على الأنبياء والرسل (٢).\n_________\n(١) ينظر: شرح العقيدة الواسطية، لمحمد بن خليل حسن هرّاس (المتوفى: ١٣٩٥ هـ) (ص ٢٥٧).\n(٢) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٩٩)، وشرح الطحاوية (ص ١٥٧)، وفتح المجيد لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ص ٣٧)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٣١٥، ٣٥١)، بيان المحجة في الرد على اللجة، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، لبعض علماء نجد (ص ٢٢٧)، ووسطية أهل السنة بين الفرق (٢٥٩ - ٢٧٧) (٤٣٧ - ٤٤٣).","vol":"1","page":129},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-114> الأصل التاسع: ما يتعلق بطاعة ولي الأمر:</span>\nلا يفوت أن أشير إلى أن بعض أتباع الأمويين كان لديهم إرجاء خاص بالملوك والخلفاء، وهو أن الله إذا ولى أحدًا خلافة المسلمين كفر سيئاته بحسناته (١)، فرأوا تبعًا لذلك أن طاعة ولي الأمر مطلقة، فكان أهل السنة وسط بينهم وبين الخوارج الذين يكفرون ولاة أمر المسلمين.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي - ﷺ -؛ لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولعله لا يكاد يُعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته\" (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-115> الأصل العاشر: ما يتعلق بمسائل متفرقة </span>(٣):\nعقيدة أهل السنة والجماعة هي العقيدة المثلى التي يتبوأ أربابها الوسطية بين جميع الطوائف والمسائل، والأمثلة على جوانب وسطيتها كثيرة يتعذر حصرها، ويمتنع على المستقصي ذكرها؛ وفيما يلي إبراز لبعضٍ منها للتوضيح، فنجد أنهم:\nوسط بين الذين ينكرون كل ما وراء الطبيعة مما لم تصل إليه حواسهم؛ وبين الذين يثبتون للعالم أكثر من إله، أو يحلون روح الإله في الملوك والحكام، بل وفي بعض الحيوانات والنباتات والجمادات؟ ! ! .\nوهم وسط بين الغلاة في إطاعة الفرد للشيخ والقائد، كأنه الميت بين يدي الغاسل؛ والمسرف في تحرُره كأنه ليس عضوًا في جماعة.\nووسط بين المغالين في التحريم، كأنه لا يوجد في الدنيا شيء حلال؛ والمبالغين في التحليل، كأنه لا يوجد في الدين شيء حرام.\n_________\n(١) ينظر: منهاج السنة (٣/ ١٧٧)، قيل إن عبد الملك بن مروان سأل الزهري: أحق أن الله إذا ولى أحدًا كتب حسناته ولم يكتب سيئاته؟ فأنكر الزهري ذلك مستدلًا بآيات سورة (ص): ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ ص: ٢٦، وقال: فالنبي الخليفة أفضل من الخليفة غير النبي! ! .\n(٢) منهاج السنة (٣/ ٣٩١).\n(٣) ينظر: شرح عقيدة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، للشيخ صالح الفوزان (ص ٨٤)، موقف ابن تيمية من الأشاعرة، د. عبد الرحمن المحمود (ص ٤٦١).","vol":"1","page":130},{"text":"كذلك هم وسط بين دعاة الفلسفة الفردية «الليبرالية» التي تعطي الفرد وتضخمه على حساب المجتمع؛ ودعاة الفلسفة الجماعية «الماركسية» التي تعطي المجتمع وتضخمه على حساب الفرد.\nوهم وسط بين دعاة الثبات، ولو في الوسائل والآلات؛ ودعاة التطور، ولو في المبادئ والغايات.\nووسط بين دعاة التجديد، وإن كان في أصول الدين وقطعياته؛ ودعاة التقليد وخصوم الاجتهاد، وإن كان في قضايا العصر التي لم تخطر ببال السابقين.\nووسط بين دعاة الغلو في التكفير، حتى كفروا كل المسلمين المتدينين؛ وبين المتساهلين فيه، ولو مع صرحاء المرتدين.\nووسط بين من نفى الشفاعة مطلقًا، كما نفتها الخوارج والمعتزلة؛ وبين من غلا في إثباتها، كما فعل القبوريون والخرافيون.\nووسط بين أتباع التصوف وإن انحرف وابتدع؛ وأعداء التصوف، وإن التزم واتبع (١).\nوسط بين دعاة الانفتاح على العالم بلا ضوابط، ودعاة الانغلاق على النفس بلا مبرر.\nوسط بين المقدسين للتراث، وإن بدا فيه قصور البشر؛ والملغين للتراث، وإن تجلت فيه روائع الهداية.\n\nوسط بين المستعجلين لقطف الثمرة قبل أوانها؛ والغافلين عنها، حتى تسقط في أيدي غيرهم بعد نضجها (٢).\n_________\n(١) يقول ابن تيمية ﵀: لفظ التصوف قد أُدخل فيه أمور يحبها الله ورسوله، فتلك يؤمر بها، وإن سُميت تصوفًا؛ لأن الكتاب والسنة إذا دلّ على استحبابها لم يخرج عن ذلك بأن تسمى باسم آخر.\nوقد أُدخل في التصوف أمور يكرهها الله ورسوله، كما يُدخِل فيه بعضهم نوعًا من الحلول والاتحاد، وآخرون نوعًا من الرهبانية المبتدعة في الإسلام.\nوالمؤمن الكيّس يوافق كل قوم فيما وافقوا فيه الكتاب والسنة، وأطاعوا فيه الله ورسوله ولا يوافقهم فيما خالفوا فيه الكتاب والسنة أو عصوا فيه الله ورسوله - ﷺ -. ينظر: الفتاوى (١١/ ٢٨، ٢٩).\n(٢) وطلب النتائج قبل وقتها قد يكون سببه الاستعجال، أو الجهل، أو السَّفَه وعدم الرشد، أو غير ذلك. والغفلة عن الثمرة من أمثلته المعاصرة: أبناء المسلمين الذين يبتعثون لبلاد الكفر يغفل عن بعضهم حتى يقعوا إما في التحول الديني أو التلوث العقائدي.","vol":"1","page":131},{"text":"وسط بين المستغرقين في الحاضر الغائبين عن المستقبل؛ والمبالغين في التنبؤ بالمستقبل، كأنه كتاب يقرؤونه.\nوسط بين المسرفين في التفاؤل، متجاهلين العوائق والمخاطر؛ وبين المسرفين في التشاؤم، فلا يرون إلا الظلام، ولا يرقبون للظلام فجرًا.\nووسط بين الذين يهملون النصوص الثابتة، بدعوى مراعاة مقاصد الشريعة ... والذين يغفلون المقاصد الكلية، باسم مراعاة النصوص.\nووسط في الاعتقاد، فلا هم يجنحون للخرافيين كأساطير اليونان ولا هو يميل للمتطرفين المتشددين.\nوكذلك فهم وسط في الروحانيات والماديات، فهم يرفضون أن يكون الإنسان كالأنعام همه المادة وملذات الدنيا الفانية (١)؛ كما يرفض الرهبنة والانعزال عن الحياة (٢). فالوسطية والتوازن مطلب شرعي.\nوهكذا أهل السنة دائمًا، وسط بين الإفراط والتفريط (٣)؛ لأنهم مستمسكون بكتاب الله - ﷿ - وسنة رسوله - ﷺ - وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>المعلم الثامن: الثبات والاستمرار:</span>\nمن أخص معالم ومميزات الوسطية الثبات، فجذورها راسخة رسوخ الحق في النفس البشرية وفي الوجود، فهي حق واحد موصول بالله تعالى، ثابت وطيد عميق الجذور (٥)؛\n_________\n(١) كما زاغت طائفة فرأت أن المال هو الهدف الأسمى والغاية القصوى، وهم اليهود الذين وصفهم الله ﷿ بقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ البقرة: ٩٦.\n(٢) وزاغت طائفة أخرى وهم النصارى الذين حرموا بأنفسهم حقها من الحياة، فابتدعوا الرهبانية ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ الحديد: ٢٧.\n(٣) ينظر: موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية (١٠/ ٢٠٠).\n(٤) التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٦٦ - ٦٧).\n(٥) الوسطية في الإسلام مفهومها وضوابطها وتطبيقاتها، لفريد محمد هادي (ص ٣٢٦).","vol":"1","page":132},{"text":"فقد أودع الله في دين الوسطية عنصر الثبات والخلود (١)، وعنصر المرونة (٢) والتطور معًا، فهي صالحة لكل زمان ومكان ولكل الأجيال (٣).\nقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ إبراهيم: ٢٤ - ٢٦.\nولأجل ذلك كان ضروريًا اتصاف منهج الإسلام الوسط بعوامل البقاء والثبات والاستمرار، فالناس تبتعد منها وتقترب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ البقرة: ١٤٣ (٤)، فلم يكلف المولى - ﷿ - الناس فوق طاقتهم؛ فسنة الله جارية على أنه لا يكلف النفوس إلا وسعها (٥).\nوكان النبي - ﷺ - يرشد أمته إلى العمل الذي يطيقون الثبات عليه والمداومة فيه، قال - ﷺ -: «أكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ، وكان إذا عمل عملا أَثْبَتَهُ» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>المعلم التاسع: ظهور الثمرات والفوائد:</span>\nإن من حكمه الله الربانية أن جعل قلوب عباده المؤمنين تحس وتتذوق وتشعر بثمرات الصراط المستقيم، لتندفع نحو مرضاته والتوكل عليه، ومن أعظم هذه الفوائد والثمار (٧):\n_________\n(١) فنجد الوسطية تتصف بثباتها في الأحكام والقواعد التي لا يمكن للمسلم ولا لغيره التصرف فيها فقهًا وعملًا، لأنها ثابتة بنصوص قطعية، وكذلك نجدها ثباتة المقاصد والغايات والأصول والكليات والقيم الدينية والأخلاقية.\n(٢) تتضح مرونة الوسطية في قواعدها التي تجعل شرائع الإسلام مواكبة لأي عصر من العصور، وفي وسائلها وأساليبها وفروعها وجزئياتها وشئونها الدنيوية والعلمية.\n(٣) ينظر: الرسالات السماوية السابقة امتداد أم تقاطع -للدكتور رشيد كهوس- البحث لمشاركة بمهرجان ربيع الرسالة الثقافي العالمي السابع.\n(٤) ينظر: أسطر من النقل والعقل والفكر (ص ٢٤٣).\n(٥) ينظر: تفسير القاسمي، لمحمد جمال الدين القاسمي، (١٢/ ٤٤٠٥).\n(٦) أخرجه أبو داود في سننه، برقم (١٢١٩)، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٢٥٥)، برقم (١٢١٩).\n(٧) ينظر: ملخصًا الوسطية في القرآن الكريم للصلابي (ص ٢٤٤ - ٢٥٢).","vol":"1","page":133},{"text":"١ - الاغتباط بولاية الله الخاصة، التي هي أعظم ما تنافس فيه المتنافسون، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ يونس: ٦٢ - ٦٣.\n٢ - الفوز برضا الله ودار كرامته، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ التوبة: ٧١ - ٧٢.\n٣ - أن الله يدفع عن المؤمنين جميع المردة، وينجيهم من الشدائد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الحج: ٣٨.\n٤ - أن الاستقامة على صراط الله تثمر الحياة الطيبة في هذه الدار، وفي دار القرار، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ النحل: ٩٧.\n٥ - أن الوسطية طريق الهداية، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾ يونس: ٩.\n٦ - أن أهل الصراط المستقيم يجعل الله لهم المحبة في قلوب المؤمنين، ومن فوائد محبة المؤمنين الثناء والدعاء له حيًا وميتًا، والاقتداء به، وحصول الإمامة في الدين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ مريم: ٩٦.\n٧ - أن أهل الوسطية، هم أعلى الخلق درجة عند الله وعند عباده في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ المجادلة: ١١.\n٨ - حصول البشارة بكرامة الله، والأمن التام من جميع الوجوه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ الأنعام: ٨٢.","vol":"1","page":134},{"text":"٩ - حصول الفلاح الذي هو إدراك غاية الغايات، بإدراك كل مطلوب، والسلامة من كل مرهوب، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ البقرة: ٥.\n١٠ - منهج الوسطية وسلوك الصراط المستقيم، يقطع الشكوك التي تعرض لكثير من الناس فتضر بدينهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ الحجرات: ١٥؛ وذلك لأن الباطل يتضح بطلانه بأمور كثيرة أعظمها العلم أنه منافٍ للحق، وكل ما ناقض الحق فهو باطل ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ يونس: ٣٢.","vol":"1","page":135},{"text":"المطلب الثاني: مظاهر (١) الوسطية:\nإن الوسطية ليست عقيدة فحسب، بل منهج حياة؛ فالحديث عن مظاهرها في الإسلام حديث متشعب، ذو فروع؛ لأنها كثيرة متغلغلة في جميع عقائده، وفرائضه، وشرائعه، والمقام لا يتسع للإتيان عليها كلها في هذا المطلب، ولكن لنا أن نبرز أهم مظاهرها في الجوانب التالية (٢):\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-119> مظاهر الوسطية في الجانب الفردي (المسئولية الفردية):</span>\nلقد اهتمَّ القرآن الكريم بإرشاد الإنسان إلى ما يحقق له العيش الرغيد في الحياة الدنيا، والفوز برضا ربه في الآخرة، وذلك من خلال القيام بدَوْره كخليفة في الأرض، فمصلحة الإنسان وسعادته وكرامته مرتبطة بمسئولية السعي في إقامة عدل الله، والتحلي بقيم الوَحْي في الكون؛ ولقد فقه الرَّعيل الأول نداءات القرآن، وحَمَلها وعَمِل بها، فشيَّد بها حضارة يشهد الناس بسموها (٣).\nلذا نجد أن الوسطية إذا تغلغلت جذورها في الإنسان وتمكنت قواعدها من الرسوخ في ذاته، أضفت عليه قوة كبيرة تنطبع في اتجاهه العقدي والتشريعي والفكري والسلوكي (٤).\nوقد يُستغرب إقحام المسئولية في مظاهر الوسطية، لكن هذا لا يلبث وأن ينجلي عندما نعلم أن بعض الطوائف تنادي بتقسيم الخلق إلى أصحاب الحقيقة (٥)\nوأصحاب الشريعة، ومن إسقاط الواجبات الشرعية عن البعض، ومن تحمل البعض آخر المسئولية عن آخرين، وسلب\n_________\n(١) المظاهر: أصلها من \"ظهر\" الشيء إذا تبين، وأظهر الشيء إذا بينه، والظهر ضد البطن، والظاهر ضد الباطن.\nوهي الأمور الظاهرة البارزة الدالة على مدلولها، ولا تخفى على ذي بصر أو بصيرة.\nينظر: مختار الصحاح، محمد بن أبي بكر الرازي (ص ٤٠٦)، والمفردات في غريب القرآن، للراغب الأصبهاني (ص ٤٥١).\n(٢) ينظر: بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو، المحور الأول: مظاهر الوسطية في الإسلام د. سليمان بن إبراهيم العايد (ص ٤٢)، مؤتمر الوسطية، مختارات من فكر الوسطية، تيار الوسطية للدكتور سعد الدين العثماني (١١٥).\n(٣) رابط الموضوع: تحمل المسؤولية سر الحياة وعنوان التقدم http://www.alukah.net.\n(٤) دليل القوة من أهم مظاهر ومميزات الوسطية، فالوسط هو مركز القوة لذا نرى أن الشباب الذي يمثل مرحلة القوة وسطا بين ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة.\n(٥) أصحاب الحقيقة: هم الذين (جمعوا بين الاهتمام بالعبادات والباطن) وذلك بتخلية النفس عن أدرانها الباطنة وتحريرها عن كل ما يشغلها عن ذكر الله والتفكر في الكون.\n\nينظر: مجلة البحوث الإسلامية، أصحاب الحقيقة (من أنواع المتصوفة) العدد ٤١، (ص ١٥٦).","vol":"1","page":136},{"text":"مسئولية الإنسان الفردية؛ من أمثال العقيدة النصرانية (١) وعقيدة البراهمة والبوذيين الجينيين (٢)\nوغير ذلك من العقائد الباطلة.\nكذلك نجد أن هناك من يزعم العصمة لمتبوعيهم (٣) كالرافضة والمتصوفة وأضرابهم (٤).\nمن أجل هذا نجد أن من أهم عناصر الوسطية في الجانب الفردي؛ المسئولية التي قررها الإسلام على الفرد؛ فقد حمله مسئولية عمله، ولم يحمله مسئولية عمل غيره، مهما بلغت القرابة ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الزمر: ٧.\n_________\n(١) من ثمرات الفكر النصراني، قولهم: أن الإنسان خاطئ منذ ولادته؛ لأن أباه آدم قد ارتكب الخطيئة، وأن المسيح ﵇ - صلب - حسب زعمهم حتى يكفر عن البشر خطاياهم فهو قد تحمل خطايا البشر. ينظر: إنجيل يوحنا آيات (٩: ١ - ٣٨). http://st-takla.org/\nوهذه الفكرة معناها أن الإنسان مسؤول عن أعمال غيره، وغيره مسؤول عن أعماله، وبين هذا وهذا تضيع المسؤولية الفردية التي يحس بها الإنسان أنه مسؤول عن أعماله فقط. صغيرها وكبيرها، وليس مسؤولًا عن عمل غيره بتاتًا. فإذا كان غيره مسؤولًا عن ذنوبه، فإنه لن يبالي بهذه الذنوب وعندئذ تملأ الخطيئة الأرض، وادرس ما يحدث في كنائس أمريكا وبريطانيا وغيرهما بالذات تجد مقدار اللامبالاة في الخطيئة ... وهذا أكثر الأديان اتباعًا الآن في العالم.\nينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (ص ٥٦٤) وما بعدها، والمسؤولية الفردية في الإسلام http://www.ikhwanwiki.com/\n(٢) وهي ديانات لها أتباعها الكثيرون في العالم - وعقيدتهم شبيهة من حيث سلب مسؤولية الإنسان الفردية بالديانة النصرانية.\nهذه العقيدة هي عقدية تناسخ الأرواح، وخلاصة هذه العقيدة أن الروح بعدما تفارق جسدًا في هذه الدنيا تنتقل إلى جسد آخر في هذه الدنيا نفسها، ولا يكون هذا الجسد الثاني أو القالب الثاني بكلمة أصح إلا متفقًا مع الحياة التي قد أعدها الإنسان لنفسه بأعماله وأفكاره وميوله وعواطفه في حياته الأولى.\nفإن كانت أعماله وأفكاره وميوله وعواطفه سيئة ولتأثيرها قد حدثت فيه مؤهلات واستعدادات سيئة، فإن روحه ستنتقل إلى طبقة مبتذلة من طبقات الحيوانات أو النباتات، وأما إن كانت أعماله وأفكاره وميوله وعواطفه صالحة ولتأثيرها قد حدثت فيه مؤهلات واستعدادات صالحة، فإن روحه سترتقي إلى طبقة من الطبقات العليا \".\nهذه العقيدة مقتضاها أنني أنا الإنسان الحالي. إنسان بهذا الوضع نتيجة لسلوك غيري، وحصيلة لسلسلة طويلة من أعمال المخلوقات قبلي، وهذه المخلوقات السابقة علي، هي أنا وأنا بأعمالي الحاضرة سأكون بالتالي نباتًا أو حيوانًا أو إنسانًا. وعندئذ فإن أمة مثل هذه العقيدة ليست صالحة ولذلك فإن أهلها يعيشون مشتتين بين واقعهم الذي يعملون، وعقيدتهم التي يعتقدون؛ كما ينتج عن هذه العقيدة رهبانية مميتة عمليًا، إذ إن أهل هذه العقيدة يعتقدون أن الشهوة هي أصل كل فساد في الأرض وهي التي تلوث الروح بالذنوب والآثام، ولأجلها تنتقل الروح من قالب إلى قالب وتذوق وبال أعمالها مرة بعد مرة. والنتيجة اللازمة لذلك - يقولون - إن من أراد لنفسه الخلاص من دورة التناسخ فعليه أن ينعزل عن الدنيا، ولا يسكن إلا في الغابات، ورؤوس الجبال وكهوفها، وإن لم يفعل ذلك فعليه أن ييأس من الخلاص من دورة التناسخ، ويستعد للانضمام إلى طبقات الحيوانات والنباتات.\nينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (٧٢٤، ٧٤١، ٧٥٨)، والمسؤولية الفردية في الإسلام http://www.ikhwanwiki.com/\n(٣) كما جعل النصارى قسيسيهم ورهبانهم شارعين لهم دينهم، وكذا صنيع الشيعة من أئمتهم المعصومين، والصوفية مع أوليائهم المزعومين.\n(٤) ينظر: بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو، المحور الأول: مظاهر الوسطية في الإسلام د. سليمان بن إبراهيم العايد (ص ٤٧).","vol":"1","page":137},{"text":"وهذه القيمة لها أثرها في حياة الإنسان وسلوكه، وتحمله المسئولية، وتحقيق العدالة والمساواة بين الخلق، وهي أصل ومبدأ من مبادئ الإسلام الراسخة، تقصر دونه كل المبادئ والقيم الأخرى، وقد رتب على هذا: \"أن الجزاء مرتب على العمل\"، فلا أحد يظلم بحمل وزر غيره؛ إلا من سلك سبيل المضلين فإنهم يحملون أثقالهم وأثقال إضلال الناس ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ العنكبوت: ١٣، وذلك كله من أوزارهم.\nإن حل مشكلات البدع المتقابلة تبدأ من النفس، ومسيرة ألف ميل في إصلاح الأمة تبدأ بخطوة إصلاح النفس أولًا.\nولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن مسئولية الفرد تتشعب إلى شعبتين: مسئولية تجاه نفسه وأخرى تجاه مجتمعه. ويمكن القول بأن مسئولية الفرد نحو نفسه قد تتسع بحيث تصبح مسئولية نحو مجتمعه، كما أن مسئوليته نحو المجتمع قد تضيق بحيث تكون أيضا مسئولية نحو شخصه بالذات (١)؛ فالبنيان لبنات متفرقة، فعن أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-120> مظاهر الوسطية في الجانب الاجتماعي والإنساني:</span>\nليست الوسطية شعارًا يرفعه مدعوه بل هي ممارسة عملية في واقع الحياة (٣)، متحررة من النفعية الضيقة فهي لا تخدم إلا المصلحة العامة، فلا هدف لها سوى تحقيق النظام العام الإسلامي (٤).\nمن أجل ذلك نظم الإسلام العلاقة بين أطراف المجتمع حاكمًا ومحكومًا؛ فحرم على المحكوم أن يخرج على حاكمه، وحرم على الحاكم غش رعيته، فجعل عقاب الحاكم إليه (٥)، وعقابه\n_________\n(١) ينظر موضوع: مسؤولية الفرد في الإسلام http://www.habous.gov.ma/\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره برقم (٤٨١)، ومسلم في صحيحه كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين برقم (٢٥٨٥).\n(٣) ينظر: بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو، المحور الأول: مظاهر الوسطية في الإسلام د. سليمان بن إبراهيم العايد (ص ٥٤).\n(٤) ينظر: مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، (ص ٢١) العدد العشرون ١٤١٤ هـ.\n(٥) قال رسول الله - ﷺ -: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من امر أمتي شيئا فرفق بهم، فأرفق به» أخرجه مسلم في صحيحة كتاب الإمارة حديث باب فضل الإمام العادل وعقوبة الجائر، برقم (١٨٢٨)، وقوله - ﷺ -: «ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» أخرجه مسلم في صحيحة كتاب الإمارة باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، برقم (١٤٢).","vol":"1","page":138},{"text":"أنكى، ولئلا يتطاول الناس، وجعل عقاب المحكوم إلى خلقه لئلا يتجرؤوا على ولاتهم، وبهذا تستقيم وتستقر الأوضاع.\nوقد أُتي المسلمون من خلل في هذا الجانب، والإعراض عن ضوابطه الشرعية بمصائب كثيرة ابتداء من فتنة الدار إلى عصرنا الحاضر.\nولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يبني الإسلام علاقة متوازنة بين المسلمين وغيرهم من حيث الحقوق والواجبات، فالوسطية عدل في المواقف مهما تكن درجة الاختلاف مع الآخرين؛ إذ البشرية كلها فريقان ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ التغابن: ٢، فلا يجوز ظلم الكافر وسلب حقوقه، بل لهم حقوق شرعت، وطرائق في معاملتهم سنت، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ المائدة: ٨ (١).\nعلى أنه من المهم أن نعلم أن الوسطية محلها في رضا الله، لا في اجتماع الأطراف والتيارات عليها، من أجل ذلك فلن يسلم أصحاب الوسطية من نقد الجميع ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ البقرة: ١٢٠؛ فالمنسلخ بقدر بعده عن الوسطية يصف المتوسط بالغلو، والغالي بقدر بعده عن الوسطية يصف المتوسط بالانسلاخ، فالوسطية لا يراها بدقة من كان بعيدًا عنها (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-121> مظاهر الوسطية في الجانب التشريعي:</span>\nالجانب التشريعي في الإسلام يتضمن الأحكام الفرعية التي تنظم حياة الناس اليومية في علاقاتهم الاجتماعية، وفي أحوالهم السياسية والاقتصادية.\nوهذه الأحكام التشريعية قد تكفلت كتب الفقه الإسلامي بتفصيلاتها وبيان مسائلها، وما يجوز وما لا يجوز في ضوء الكتاب والسنة.\n_________\n(١) ينظر: بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو، المحور الأول: مظاهر الوسطية في الإسلام د. سليمان بن إبراهيم العايد (ص ٥١).\n(٢) ينظر: أسطر من النقل والعقل والفكر (ص ٢٤٤).","vol":"1","page":139},{"text":"والواقع أن المنتسبين إلى الإسلام -عدا أهل الوسطية- على طرفي نقيض:\n- فئة غالية تريد أن تجعل من كل ما ورد في نصوص الشريعة (١)\nتشريعًا ملزمًا لكل الناس في كل الأزمان وفي كل الأقطار، وفي كل الأحوال (٢)، بفهمها الخاص؛ فسوت بين شرائع الإسلام، فأصبح منهم من يكفر بكل ذنب ولو كان دون الشرك.\n- وفئة أخرى تقابل سابقتها، تريد أن تعزل الدين عن شئون الحياة العلمية كلها (٣)، فالعادات والمعاملات وشئون الاقتصاد والإدارة والحرب ونحوها، يجب أن تترك للناس، ولا تدخل نصوص الشرع فيها آمرة، ولا ناهية، ولا موجبة ولا هادية؛ وحجتهم في ذلك قول النبي - ﷺ -: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» (٤)؛ وليس لهم فيه حجة (٥).\nإن هذه القضية تعتبر من أهم القضايا التي يقع فيها الخلط وسوء الفهم؛ فليست الشرائع على درجة واحدة، وكذلك المحظورات؛ فالشرائع من شعب الإيمان، والمحظورات\n_________\n(١) القرآن الكريم كل نصوصه قطعية الثبوت ليس ثمة أدنى شك في ذلك. وبعض نصوصه ظنية الدلالة ولهذا تعددت الأحكام التي مناطها على آية واحدة. وكذلك الحديث فيما يخص القطعي الثبوت منه والظني الثبوت. وعند تعارض نصان: يقدم نص القرآن أولا، ثم ما كان من السنة قطعي الثبوت، ثم ما كان ظني الثبوت.\n\nقال ابن القيم في كتابه علام الموقعين (٣/ ١١): الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حال واحدة هو عليها لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب تحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه. النوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة.\n(٢) مع العلم أن فيها ما صدر عن الجبلة، وما صدر عن العادة، وما صدر عن تجربة البيئة وخبرتها، وما جاء بطريق الاتفاق لا القصد، وخصوصا بالنظر إلى أفعاله - ﷺ -. ولهذا رأى المحققون من علماء الأصول أنها لا تدل على أكثر من الإباحة أو المشروعية، إلا إذا ظهر فيها قصد القربة إلى الله.\nينظر: السنة وكيفية الاستفادة منها http://www.al-shia.org/\n(٣) فاكتفوا بمجرد التصديق، وقالوا لا يضر ذنب مع التصديق، وفصلوا الحياة عن شرائع الدين.\n(٤) رواه مسلم في صحيحه في قصة تأبير النخل أو تلقيحه، كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا، دون ما ذكره - ﷺ - من معايش الدنيا، على سبيل الرأي برقم (٢٣٦٣).\n(٥) الحديث يدل على أن النبي - ﷺ - أبدى لهم رأيا ظنيًا في أمر من أمور المعيشة، ولم يكن له به خبرة، فقد كان من أهل مكة الذين لم يمارسوا الزرع والغرس؛ لأنهم يسكنون بوادي غير ذي زرع، وظنه أصحابه دينا يتبع، وشرعا يطاع، فكان ما كان من عدم بلوغ الثمر غايته، فبين لهم - ﷺ - أن ما قاله لهم، لم يكن إلا ظنا في شأن غير ديني، وإنما هو أمر فني بحت، هم أخبر به وأدرى، ولهذا فال: (أنتم أعلم بأمر دنياكم)، قال الإمام النووي مبوبًا لهذا الحديث، باب: (وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره - ﷺ - من معايش الدنيا على سبيل الرأي).\nينظر: مسند الإمام أحمد التعليق الشيخ أحمد شاكر على حديث رقم (١٣٩٥)، والمسند الصحيح للإمام مسلم، باب رقم (٣٨)، (ص ١٨٣٥) ت. فؤاد عبد الباقي.","vol":"1","page":140},{"text":"من شعب الكفر؛ ومن أصول أهل السنة أنه يمكن أن يجتمع في الشخص الواحد كفر وإيمان، ويكون مؤمنًا، والوسط هو قول أهل السنة كما هو معلوم في بابه.\nوبهذه النبذة المختصرة، يتبين لنا مدى وسطية الإسلام وتوازنه في الجانب التشريعي، بل في جميع جوانب الحياة.","vol":"1","page":141},{"text":"الباب الأول:\n\nالفصل ٢ الآيات الدالة على التحذير من الغلو والجفاء.\n\nوفيه تمهيد وثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: دراسة تحليلية للآيات الواردة في التحذير من الغلو والجفاء.\nالمبحث الثاني: معالم الغلو والجفاء وحدوده.\nالمبحث الثالث: الاتجاهات المغالية.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>تمهيد في تعريف الغلو والجفاء:</span>\nإذا عرفنا أن الوسطية هي الخلاص من مشقة الإفراط وهاوية التفريط، وأنها دلالة على طابع التوازن والتكامل والانسجام، الذي نستقيه من فهم الإسلام واستلهام توجيهاته؛ وجب علينا أن نعرف ما المراد بالغلو والجفاء المناقضين للوسطية اللذين هما جنوح عن المنهج القويم وانحراف عن الصراط المستقيم، وفيما يلي بيان ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>حقيقة الغلو:</span>\n-<span data-type=\"title\" id=toc-125> معنى الغلو لغة:</span>\nتدور الأحرف الأصلية لهذه الكلمة ومشتقاتها (١)، على أصل صحيح يدل على الارتفاع ومجاوزة القدر، فغلا في الأمر يغلو غلوًا، أي جاوز الحد فيه وأفرط.\nفأصل الغلو في كل شيء مجاوزة حده الذي هو حده، يقال: غلا في الدين غلوًا تشدد وتصلب حتى جاوز الحد، قال - ﷺ -: «إياكم والغلو في الدين» (٢) أي: التشدد فيه ومجاوزة الحد، وغلا السهم: ارتفع في ذهابه وجاوز المدى، ويقال للشيء إذا ارتفع: قد غلا، وغلا النبت: ارتفع وعظم.\nومن هذا يتضح أن \"الغلو\" في اللغة هو: الارتفاع عن القدر المعتاد، أو مجاوزة الحدِّ المألوف في كل شيءٍ.\n_________\n(١) ينظر: معجم مقاييس اللغة مادة (غلو) (٤/ ٣٨٧)، والصحاح مادة (غلا) (٦/ ٢٤٤٨)، ولسان العرب، مادة: \"غلا\".\n(٢) أخرجه الإمام أحمد (١/ ٢١٥، ٣٤٧)، والنسائي كتاب المناسك باب الْتِقَاطِ الْحَصَى برقم (٣٠٥٧)، وابن ماجة في كتاب المناسك، باب قَدْرِ، حَصَى الرَّمْيِ برقم (٣٠٢٩)، وصححه الحاكم (١/ ٤٦٦)، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة برقم (١٢٨٣)، وصحيح الجامع برقم (٢٦٨٠).","vol":"1","page":143},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-126> معنى الغلو في الشرع:</span>\nمعنى الغلو في الشرع لا يكاد يخرج عن معناه في اللغة، إذ الارتباط بينهما شديدٌ وثيق الصلة (١)؛ لأن الغلو في الدين في اصطلاح أهل العلم وميزان الشرع يدور حول: تجاوز الحد (٢) الشرعي في أمر من أمور الدين إما بالزيادة أو النقصان بقصد التعبد (٣).\nولقد اجتهد العلماء في وضع تعريف للغلو في عبارة موجزة، فعرفه ابن تيمية - ﵀ -، بأنه: مجاوزة الحد بأن يزاد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك (٤).\nقال ابن حجر - ﵀ - في تعريفه للغلو: المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد (٥).\nقال النووي - ﵀ -: \"الغلو: هو الزيادة على ما يطلب شرعًا\" (٦).\nقال المناوي - ﵀ -: \" الغلو: تجاوز الحد\" (٧). وهذه التعاريف وغيرها (٨) متقاربة.\n_________\n(١) لأن المعنى الاصطلاحي يقوم على المعنى اللغوي، ويخصص عموم إطلاقه.\n(٢) المراد بالحد هو النص الشرعي من كلام الله تعالى وكلام رسوله - ﷺ -، ويجب المصير إلى الحد الذي حده الشارع، ولا يجوز أن يتجاوز أبدًا، لا بإفراط ولا تفريط.\nكما أن الغلو تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب، ولا مستحب، بمنزلة الواجب المستحب في العبادات، وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم، ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه في الطيبات، فإيجاب ما لم يجب واستحباب ما ليس بمستحب، وتحريم ما ليس بمحرم نوع من الغلو في العبادة، فإن اعتقد صاحبه أن ذلك غفل عنه الشارع فهذا من أقبح الكفر، وإلا كان من البدع المذمومة شرعًا.\nينظر: جهود شيخ الإسلام ابن تيمية في توضيح توحيد العبادة، أ. د. أحمد الغنيمان (٢/ ١٠٨٣ - ١٠٨٤).\n(٣) ينظر حول هذا المعنى: اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٨٩)، وفتح الباري (١٣/ ٢٧٨)، ونضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ﷺ، إعداد مجموعة من المتخصصين (١١/ ٥١١٤)، ومشكلة الغلو في الدين في العصر الحاضر د. عبد الرحمن بن معلا اللويحق (١/ ٢٩)، كتاب الوسطية في ضوء القرآن (٣٥ - ٣٦).\n(٤) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٨٩)، وبنحو هذا التعريف عرفه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، في تيسير العزيز الحميد (ص ٢٥٦).\n(٥) ينظر: فتح الباري (١٣/ ٢٧٨)، وبمثل هذا التعريف عرفه الإمام الشاطبي، في الاعتصام (٣/ ٣٠٤).\n(٦) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، لأحمد النفراوي (١/ ١٢٥).\n(٧) التعاريف لمحمد عبد الرؤوف المناوي، تحقيق: محمد رضوان الداية (١/ ٥٤٠).\n(٨) ينظر: موسوعة نضرة النعيم (١١/ ٥١١٤)، والغلو في الدين للويحق (ص: ج)، والغلو في الدين: نشأته، موقف الإسلام منه مسائله، د. علي بن عبد العزيز الشبل (ص ٢٢)، والغلو في الدين د. عبد القادر صوفي (٢/ ٨)، الجهل بالدين وسوء الفهم للنصوص الشرعية واتباع المتشابه منها د. حصة الصغير، د. هناء الزمزمي (١/ ١٩١ - ١٩٢)، (ضمن بحوث مؤتمر الإرهاب).","vol":"1","page":144},{"text":"وقد وردت آيتان في القرآن الكريم فيهما النهي (١) عن الغلو بلفظه الصريح، قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ النساء: ١٧١، وقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ المائدة: ٧٧، وهاتان الآيتان وإن كان الخطاب فيهما موجهًا إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى خاصة، إلا أن المراد منهما موعظة هذه الأمة؛ لكي تجتنب الأسباب التي أوجبت غضب الله ونقمته على الأمم السابقة (٢)، وتحذر من سلوك طرق السابقين بالغلو في الدين؛ وقد فُسِّر الغُلو فيهما بأنه تجاوز الحد (٣)، قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ طه: ٨١، الغلو هو تعدي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي ذمه الله.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-127> ضابط الغلو:</span>\nبين الشيخ سليمان بن عبد الوهاب (٤) - ﵀ -، ضابط الغلو الشرعي (٥) حيث قال: \"وضابطه تعدي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ طه: ٨١ \" (٦).\n_________\n(١) الغلو في الدين ورد ذمُّه في الشريعة، وحذرت من الوقوع فيه ومن مقاربته، لأن فيه معنى الاستدراك على الشريعة وعدم كمالها، واتهامها بالنقص، فلسان حال الغالي: أن الشريعة غير كافية، ولذلك فهو يكمل هذا النقص ويسد خلله.\n(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والنصارى أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف، وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٨٩)، ومشكلة الغلو في الدين (١/ ٢٢).\n(٣) ينظر: تفسير الطبري (٦/ ٣٤) (٦/ ٣١٦)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٧/ ٢٢٩ - ٢٣٠) (٨/ ١٠٣)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢/ ٤٧٨)، وتيسير الكريم الرحمن للسعدي (ص ٣٨٥، ٤٣٩).\n(٤) هو الشيخ الفقيه المحدث سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولد في الدرعية عام ١٢٠٠ هـ، ولي القضاء بمكة للإمام سعود بن عبد العزيز، وكان عالمًا مشهودًا له بالفضل متفرغًا للعلم، توفي شهيدًا -نحسبه والله حسيبه-وهو شاب عام ١٢٣٣ هـ قتله إبراهيم باشا وليس له عقب، من مؤلفاته: تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، والدلائل في عدم موالاة أهل الشرك، حاشيته على المقنع.\nينظر: علماء نجد خلال ثمانية قرون لعبد الله بن عبد الرحمن آل البسام (٢/ ٣٤١)، والأعلام للزركلي (٣/ ١٢٩).\n(٥) يكثر في الآونة الأخيرة نسبة الغلو إلى منهج أهل السنة فيتعين على أتباع هذا المنهج أن يبرزوا الطبيعة المعتدلة لهذا الدين بين الأديان ولهذا المنهج بين المناهج المبتدعة، وفي المقابل عليهم أن يظهروا صور الغلو عند اليهود والنصارى وعند أهل البدع والمنحرفين.\n(٦) ينظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٢٥٦) والغلو في الدين (ص ٨٢).","vol":"1","page":145},{"text":"ولذلك فإن معرفة حدود المشروع - من المأمور به والمنهي عنه- من أنفع الأشياء للعبد؛ حتى لا يُدخل فيها ما ليس منها، فيكون غاليًا مُفْرِّطًا، ولا يُخرج منها ما هو داخل فيها، فيكون مقصرًا مُفَرِّطًا (١).\nوقد قرر العلماء أن الحق واسطة بين التفريط والإفراط، وهو معنى قول مطرف بن عبدالله: \"الحسنة بين السيئتين\" (٢) وبه نعلم أن من جانب التفريط والإفراط فقد اهتدى.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-128> العلاقة بين الغلو والبدع:</span>\nالدليل على هذا تقارب معنى الغلو ومعنى البدعة، أن البدعة اصطلاحًا هي: الإضافة إلى الدين (٣)، يقول ابن رجب الحنبلي - ﵀ -: \" ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدّل عليه، أما ما كان له أصل من الشرع يدّل عليه فليس ببدعة شرعًا وإنْ كان بدعة لغةً\" (٤).\nوالغلو (٥) في الدين نقيض الجفاء عنه، حيث إن مضمون الأخير التساهل في التدين الذى يلزم منه التقصير في الالتزام بضوابط الدين، غير أن كليهما يلتقيان في المحصلة (عدم الالتزام بضوابط الدين سواء بتجاوزها أو التقصير في الالتزام بها).\nيقول ابن القيم - ﵀ -: \" ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين الجبلين، والهدى بين الضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين\" (٦).\n_________\n(١) ينظر: الفوائد لابن القيم (ص ٢٠٥ - ٢٠٦).\n(٢) ينظر: عيون الأخبار لابن قتيبة (١/ ١٣٨)، وغريب الحديث لابن سلام (٢/ ٢٨)، ومجموعة رسائل ابن رجب الحنبلي، جمع: أبو عادل العزازي (ص ١٣٣).\n(٣) موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع، أ. د. إبراهيم الرحيلي (ص ٩١ - ٩٣)، وينظر: الاعتصام (١/ ٣٨)، وقواعد في معرفة البدع (ص ٢٢).\n(٤) جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي ت. الأرناؤوط (٢/ ١٢٧).\n(٥) والغلو آفة تصيب التدين ككسب بشرى، لا الدين كوضع إلهي.\nينظر: الغلو مفهومة وحقيقته وصوره وأسبابه وعلاجه، لعبد الله بن محمد الغليفى (ص ٩).\n(٦) مدارج السالكين (٢/ ٤٩٦، ٥١٧)، وينظر: مفتاح دار السعادة (٣/ ٣٠٣)، وكتاب الروح (ص ٣٤٧).","vol":"1","page":146},{"text":"ومما سبق من التعريف اللغوي للغلو وما ورد فيه من آيات وأحاديث (١)، وكذلك تعريف العلماء وبيان ضابطه، يتضح المعنى الشرعي للغلو بأنه:\nمجاوزة الحد (٢) المشروع، بالزيادة فيه أو المبالغة إلى الحد الذي يخرجه عن الوصف الذي أراده وقصده الشارع (٣).\nوبعد أن تبين لنا معنى (الغلو) لغة وشرعًا، فهناك ألفاظ شرعية، بَينَها وبين لفظة الغلو تقارب مثل: التنطع، والتشدد، والتعمق، والتطرف، والعنف وغيرها (٤)،\nكما أن هناك ألفاظًا\n_________\n(١) ولست بصدد ذكر الأحاديث التي تنهى عن الغلو وتذمه تصريحا به وغير تصريح، فهي كثيرة جدا، إلا أن من أشهرها قصة حديث أنس المشهور في قصة الثلاثة الذين جاءوا وسألوا عن عمل الرسول، - ﷺ - في السر، فكأنهم تقالوا، فكان من مقولتهم ما هو معروف، وكيف واجه رسول الله، - ﷺ - هذا الأمر.\nينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٨٩)، ومشكلة الغلو في الدين في العصر الحاضر: الأسباب -الآثار- العلاج، د. عبدالرحمن اللويحق (١/ ٢٣ - ٢٧)، والغلو وأثره في ظاهرة التكفير (٢٥٠٣).\n(٢) الحدود: هي النهايات لما يجوز من المباح المأمور به، وغير المأمور به.\nينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٣٦٢).\n(٣) ينظر: كتاب الوسطية في ضوء القرآن (ص ٤٠).\n(٤) بيان معاني هذه المصطلحات باختصار، كالتالي:\nالتنطع: يقال: تنطع في الشيء: غالى فيه وتكلف، وهو التكلف المؤدي إلى الخروج عن السنة، وقد ورد في الشرع النهي عن التنطع، في قوله - ﷺ -: «هلك المتنطعون». ينظر: مختار الصحاح (ص ٦٦٦)، المعجم الوسيط (٢/ ٩٣٠) (نطع).\nوالتشدد: يقال: شدد في الأمر: غالبه وبالغ فيه، والشدة: الصلابة، وهي نقيض اللين، والتشدد نقيض التخفيف. ينظر: لسان العرب (٣/ ٢٣٢)، الصحاح (٢/ ٤٩٣)، النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٥١)، فتح الباري (١/ ٩٤).\n\nوالتعمق: هو بمعنى التشدد، يقال: تعمق في كلامه أي: تنطع، والمتعمق: المبالغ في الأمر المتشدد فيه، الذي يطلب أقصى غايته، المتكلف ما لم يكلف به. وقد جمع الإمام البخاري بينه وبين الغلو في بعض تراجم في الصحيح، فقال: \"باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين والبدع\" ينظر: صحيح البخاري كتاب الاعتصام (١٣/ ٣٢٥) برقم (٧٢٤١)، وفتح الباري (٤/ ٣٠٢)، الصحاح (٤/ ١٥٣٣)، لسان العرب (١٠/ ٢٧١)، النهاية في غريب الحديث (٣/ ٢٩٩)، ومعجم المناهي اللفظية لبكر أبو زيد (ص ١٩٠).\nوالتطرف: كثر استعماله في الوقت الحاضر للتعبير عن الغلو، فالتطرف: الناحية من النواحي، وطرف كل شيء: منتهاه، وتطرف الشيء: صار طرفًا، وتطرف في كذا: جاوز حدَّ الاعتدال ولم يتوسط. ينظر: لسان العرب (٩/ ٢١٦ - ٢١٧)، معجم مقاييس اللغة (٢/ ٩٠).\nوالعنف: ضد الرفق، وهو الشدة والقسوة، في القول أو الرأي أو الفعل أو الحال. ينظر: لسان العرب (٩/ ٢٥٧ - ٢٥٨)، القاموس المحيط (٣/ ١٧٨)، النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٠٩).\nوالتعنت: هو الإثم والوقوع في أمر شاق، والعنت: المشقة والفساد والهلاك، والتشدد والتعنت بمعنى واحد. ينظر: الصحاح (١/ ٢٥٨)، ولسان العرب (٢/ ٦١)، النهاية في غريب الحديث (٣/ ٣٠٦).\nالتحمس: أي: التشدد في الأمر، والأحمس: الشديد الصلب في الدين. ينظر: معجم مقاييس اللغة (ص ٢٨٢)، الصحاح (٣/ ٩٢٠)، النهاية في غريب الحديث (١/ ٤٤٠)، فتح الباري (٣/ ٥١٦).\nوبعض هذا المصطلحات بمثابة مظاهر وأوصاف للغلو: فالغالي يتسم في أخذه للدين بالشدة، وفي معاملة الآخرين بالعنف، ويتسم بالتنطع والتعمق في أعمال الدين. ينظر: الغلو في الدين في الحياة المعاصرة (ص ٦٢).","vol":"1","page":147},{"text":"بينها وبين لفظ الغلو عموم وخصوص مثل: البدعة والبغي، وكذلك ما يطلقه السلف من لفظ (أهل الأهواء) الشامل لأهل الابتداع والغلو (١)، إلا أن ألصقها وأكثرها تعلقًا لفظة <span data-type=\"title\" id=toc-129>(الإفراط)</span>؛ لأنها تتولد من معنى الغلو، فكل غالٍ واقع في الإفراط، وكل جافٍ واقع في التفريط، وفيما يلي معنى (الإفراط) بإيجاز، بحيث تتضح صلته بالغلو:\nالإفراط:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-130> لغة </span>هو: التقدم ومجاوزة الحد.\nيقال: أفرط: إذا تجاوز الحد في الأمر، يقولون: إياك والفرط، أي: لا تجاوز القدر، وهذا هو القياس؛ لأنه إذا جاوز القدر فقد أزال الشيء عن وجهته (٢).\nوأفرط في الأمر: أي: جاوز فيه الحد وأسرف.\nوالإفراط: الإعجال والتقدم، وأفرط عليه: حمّله فوق ما يطيق، وكل شيء جاوز قدره فهو مُفْرِطٌ (٣).\n\n- و<span data-type=\"title\" id=toc-131>شرعًا </span>هو: تجاوز الحد، والتقدم عن القدر المطلوب شرعًا.\nقال تعالى: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥)﴾ طه: ٤٥.\nقال الطبري - ﵀ -: وأما الإفراط فهو الإسراف والإشطاط والتعدي، يقال منه: أفرطت في قولك: إذا أسرف فيه وتعدى (٤).\n\nقال الجرجاني: والفرق بين الإفراط والتفريط: أن الإفراط يستعمل في تجاوز الحد من جانب الزيادة والكمال، والتفريط يستعمل في تجاوز الحد من جانب النقصان والترك والتهاون والتقصير (٥).\n_________\n(١) ينظر: الغلو في الدين (ص ٨٢)، وسنن الدارمي (١/ ٤٤، ٥٠، ٩٠)، وفتح الباري (٣/ ٢٧٨)، والموسوعة الفقهية الكويتية (٧/ ١٠٠).\n(٢) ينظر: معجم مقاييس اللغة مادة (فرط) (٤/ ٤٩٠).\n(٣) ينظر: الصحاح مادة (فرط) (٣/ ١١٤٨)، ولسان العرب مادة (فرط).\n(٤) ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن (١٨/ ٣١٤).\n(٥) ينظر: التعريفات (ص ٣٢).","vol":"1","page":148},{"text":"وقد وردت مادة (فرط) في القرآن الكريم في ثمانية مواضع (١)، وكلها بمعنى: التقصير والضياع والتقدم على الشيء (٢)؛ كما وردت في السنة في عدد من الأحاديث يضيق المقام عن حصرها.\nومن خلال ما سبق: يتضح من تعريفي (الغلو) و(الإفراط) أن كلا منهما يصدق عليه: \"تجاوز الحد\"، وإن كان كل واحد منهما يحمل معنى أبلغ من الثاني في بعض ما يستعمل فيه (٣).\nوالذي يعنينا في هذا المبحث أن كلا من الغلو والإفراط خروج عن \"الوسطية\" فكل أمر استحق وصف (الغلو) أو (الإفراط) فليس من الوسطية في شيء.\n\nوبعد أن عرفنا معنى الغلو والإفراط، وما يدل عليه كل منهما، نقف الآن مع ما يقابلهما، وهو: التفريط والجفاء.\n_________\n(١) سورة الأنعام (٣١، ٣٨، ٦١)، سورة يوسف (٨٠)، سورة النجل (٦٢)، سورة الكهف (٢٨)، سورة الزمر (٥٩)، سورة طه (٤٥).\n(٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٣/ ٣٥٨)، وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٢٦).\n(٣) فالذي يشدد على نفسه بتحريم بعض الطيبات، أو بحرمان نفسه منها وصف الغلو ألصق به من الإفراط، والذي يعاقب من اعتدى عليه عقوبة يتعدى بها حدود مثل تلك العقوبة فوصف الإفراط ألصق به من الغلو، فنقول: عاقبه وأفرط في عقوبته. وهكذا.\nينظر: الوسطية في القرآن الكريم (ص ٥١).","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>حقيقة الجفاء:</span>\n-<span data-type=\"title\" id=toc-133> معنى الجفاء لغة:</span>\nتدور الأحرف الأصلية لهذه الكلمة ومشتقاتها (١) على أصل واحد: يدل على المفارقة والترك والبعد؛ والجافي عن الشيء أي: التارك له، وللعمل به.\nالجفاء: هو نبو (٢) الشيء عن الشيء، وهو خلاف البر، والجفاء: ما نفاه السيل، ومنه اشتقاق الجفاء، من ذلك: جفوت الرجل اجفوه، وهو ظاهر الجفوة، أي: الجفاء، وجفا الشيء يجفو جفاء وتجافى: لم يلزم مكانه، كالسرج يجفو عن الظهر، والجفاء غلظ الطبع وسوء الخلق (٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-134> معنى الجفاء شرعًا:</span>\nجاء معناه في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ الرعد: ١٧، قال الزجاج (٤): \"والجفاء ما جفا الوادي؛ أي: رمى به\" (٥).\nوفي الحديث: «اقرءوا القرآن ولا تجفوا عنه» (٦)، أي: تعاهدوه ولا تبتعدوا عن تلاوته.\n_________\n(١) ينظر: معجم مقاييس اللغة مادة (جفو) (١/ ٤٦٥)، والصحاح مادة (جفأ) (١/ ٤١)، ولسان العرب، مادة: \"جفا\"، وتهذيب اللغة للهروي (١١/ ١٤٠).\n(٢) النبو: مصدر نبا ينبو نبوا ونبوا. وَيُقَال: نبا فلَان عَن فلَان نبوة إِذا فَارقه.\n\nجمهرة اللغة لأبي بكر محمد بن الحسن الأزدي، ت: رمزي بعلبكي (١/ ٣٨٢).\n(٣) وفي صفته، - ﷺ - ليس بالجافي المهين، أي ليس بالغليظ الخلقة، ولا الطبع السيئ، المهين: من المهانة، وهي الحقارة.\nينظر: الشمائل المحمدية للترمذي (ص ٨٥)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٥٧)، ولسان العرب (٣/ ١٦٧).\n(٤) هو: إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، ولد ببغداد عام ٢٣٠ هـ، وتوفي بها سنة ٣١١ هـ، كان عالمًا بالنحو والتفسير، من مؤلفاته: معاني القرآن وإعرابه، وتفسير أسماء الله الحسنى، وأمالي الزجاج، والمقصود والممدود، وغيرها.\nينظر: تهذيب اللغة (١/ ٢٨)، وطبقات النحويين واللغويين (ص ١١١)، وتاريخ بغداد (٦/ ٨٩)، وطبقات المفسرين (١/ ٩).\n(٥) معاني القرآن (٣/ ١٤٥).\n(٦) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٢٨، ٤٤٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٠، ١٧١): رواه أحمد والبزار بنحوه، ورجال أحمد ثقات. وصححه الألباني كما في صحيح الجامع برقم (١١٦٨).","vol":"1","page":150},{"text":"قال أبو عبيد (١) في معنى الجفاء في الحديث: \"والجافي عنه التارك له، وللعمل به\" (٢).\nوكذلك كل شيء إذا لم يلزم شيئا يقال جفا عنه يجفو.\nوقد جاء ذم الجفاء في حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال - ﷺ -: «الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار» (٣)، وأكثر ما يرد الجفاء لما هو محظور ومنهي عنه، كالجفاء بما يقابل الصلة والبر، والجفاء الذي هو من الشدة والغلظة، ونحو ذلك (٤).\nومما سبق يتضح أن المعنى الشرعي للجفاء: يدل على المفارقة والرد للدين مع التنقص والاحتقار وترك العمل بشيء من أركانه وواجباته.\n\nأما مصطلح <span data-type=\"title\" id=toc-135>(التفريط)</span>؛ فهو متولد من معنى الجفاء، فكل غالٍ واقع في الإفراط، وكل جافٍ واقع في التفريط، وفيما يلي معنى (التفريط) بإيجاز، حتى تتضح صلته بالجفاء:\nالتفريط:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-136> لغة </span>هو: الترك والتهاون والتضييع والتقصير في الأمر حتى يفوت (٥).\nيقال: فرط في الأمر فرطًا: أي قصر فيه، وضيعه، حتى فات، وكذلك التفريط (٦)، ووصف بالتقصير؛ لأنه إذا قصر فيه فقد قعد به عن رتبته التي هي له (٧).\nوفرط في جنب الله، ضيع ما عنده فلم يعمل، ومنه قوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ الزمر: ٥٦، وأمره فرُطٌ أي: متروك، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ الكهف: ٢٨، أي متروكًا، ترَك فيه الطاعة، وغفل عنها.\n_________\n(١) هو: القاسم بن سلام بن عبد الله، المشهور بأبي عبيد، من أئمة الحديث وكبار السلف، من مؤلفاته: غريب الحديث، والإيمان، وغيرهما توفي سنة ٢٢٤ هـ.\nينظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩٠)، شذرات الذهب (٢/ ٥٤).\n(٢) غريب الحديث (٣/ ٤٨٣).\n(٣) أخرجه الإمام أحمد برقم (٤٥٥٤)، والترمذي أبواب البر والصلة باب ما جاء في الحياء برقم (٢٠٠٩) وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجة (٢/ ١٤٠٠) برقم (٤١٨٤). وصححه الألباني كما في صحيح الجامع برقم (٣٢٠٠).\n(٤) ينظر: الوسطية في ضوء القرآن الكريم (ص ٥٦).\n(٥) ينظر: معجم مقاييس اللغة مادة (فرط) (٤/ ٤٩٠)، لسان العرب، مادة (فرط)، الصحاح مادة (فرط) (٣/ ١١٤٨).\n(٦) ينظر: الصحاح مادة (فرط) (٣/ ١١٤٨).\n(٧) معجم مقاييس اللغة مادة (فرط) (٤/ ٤٩٠).","vol":"1","page":151},{"text":"- و<span data-type=\"title\" id=toc-137>شرعًا </span>هو: التقصير عن الحد المطلوب، وإزالته عن مكانه المستحق له شرعًا.\nقال الطبري: وأما التفريط فهو التواني، يقال منه: فرطت في هذا الأمر حتى فات، إذا توانى فيه (١).\nوقال الزجاج: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ الكهف: ٢٨، أي: كان أمره التفريط وهو تقديم العجز، وقال بعض البلغاء: \"لا يرى الجاهل إلا مفرطا أو مفرّطا\" (٢)، وهو بالتخفيف: المسرف في العمل، وبالتشديد المقصر فيه.\nوفَرَط في الأمر يُفَرِّطُ فَرَطًا، أي: قصر فيه وضيعه حتى فات، وكذلك التفريط (٣).\nونخلص بهذا إلى أن معنى الإفراط هو عكس التفريط.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-138> الفرق بين التفريط والجفاء:</span>\nعند التأمل في استعمال العرب لهما يُلحظ أن الجفاء يستعمل -غالبًا - فيما فيه قصد الأمر من الترك (٤) والبعد وسوء الخلق.\nأما التفريط فمنشؤه -غالبا - التساهل والتهاون.\nوالخلاصة: أن كل أمر اتصف بالتفريط أو بالجفاء، فإنه يخالف الوسطية، وبمقدار اتصافه بأي من هذين الوصفين يكون بعده عن الوسطية وتجافيه عنها.\n_________\n(١) ينظر: تفسير الطبري (١٦/ ١٧٠).\n(٢) الآداب الشرعية لابن مفلح (١/ ٣٤٩).\n(٣) ينظر لما سبق: لسان العرب، مادة (فرط)، (٦/ ٣٣٩١).\n(٤) والحقيقة أن ترك الأمر هو فعل للنهي.","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>المبحث الأول دراسة تحليلية للآيات الواردة في التحذير من الغلو والجفاء</span>.\nوفيه مطالبان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الدالة على التحذير من الغلو والجفاء</span>.\nلما كان الإسلام منهجًا ربانيًا، فقد شرع سبحانه للبشرية -وهو أعلم بحدودهم وإمكانياتهم- ما يناسبهم ويوافق قدراتهم فجاء الإسلام دينًا سمحًا سهلًا، جاء بالوسطية والاعتدال، واليسر والسماحة، ورفض الغلو والجفاء بكل صورهما ومظاهرهما، وحذر من الوقوع فيهما، وسد الطرق المفضية إليهما؛ فإذا كان الدين الإسلامي بهذا الوضع، وكونه دين اعتدال وتوسط وقصد في كل شيء، عُلِم أن الغلو فيه والزيادة عليه بُعد عن مقاصده، وأن التهاون والتفريط في أحكامه ضلال عن هديه.\nوالحجة قائمة في كتاب الله تعالى فقد حوى شفاء دائي الغلو والجفاء، فكبح جماح الغالين ودفع تفريط المقصرين، ولا يتأتى الوصول إلى ذلك إلا بتدبر آياته وتفهمها وتعقلها، ولذلك أمر الله - ﷿ - بذلك، في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ النساء: ٨٢، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ محمد: ٢٤. ولو أن المسلمين رجعوا إلى كتاب ربهم وتدبروه حق تدبره لما حصل بينهم هذه المحن التي فتكت بهم والفتن التي أضرت بهم.\nومع هذا البيان الواضح إلا أنه قد انقطع أكثر الناس إلا أقل القليل في هذين الواديين: وادي التقصير، ووادي المجاوزة والتعدي. والقليل منهم جدًا الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه.\nوالحاصل أن القرآن الكريم مليء بالآيات الناهية عن الغلو ومجاوزة الحد، أو الجفاء والتقصير في الدين؛ والآيات التالية سيقت على سبيل المثال لا الحصر:","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ هود: ١١٢</span>.\nجَمَع قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ أصول الإصلاح الديني وفروعه، كما جمع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ أصول النهى عن المفاسد وفروعها، فكانت الآية الكريمة بذلك جامعة لإقامة المصالح ولدرء المفاسد (١).\nوهذه الآية الكريمة من الآيات الدالة على مجانبة الغلو والجفاء؛ لأنها دعت إلى لزوم الاستقامة (٢) وعدم مفارقتها إلى غيرها من الغلو ومجاوزة الحد، أو الجفاء والتقصير في الدين.\nفكانت صريحة في الأمر بالاستقامة، في باب الأمر والاتباع، وكانت كذلك صريحة في النهي عن الغلو والجفاء والإفراط والتفريط، لذلك نراها ترسم لنا بوضوح خطة المنهج السليم في العقائد والعبادات، وذلك بالاستقامة في فعلهما على الطريق المعتدل، الذي ليس فيه إفراط ولا تفريط، حسب الشرع ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾ ثم أكد - ﷿ - ذلك بقوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ والطغيان: مجاوزة الحد بالتشدد والتنطع، وهو الغلو (٣)؛ ولأن الأمر بالاستقامة وما يستلزمه من يقظة دائمة وحرص دائم لعدم الوقوع في الخطايا والذنوب أو البعد عن النهج المستقيم قد يدفع إلى الغلو والإفراط؛ لذلك كان أمر الله سبحانه لنبيه محمد - ﷺ - ومن معه بالاستقامة مرتبطًا بالنهي عن الطغيان (٤).\nوالنهي عن أحد الضدين يتضمن النهي عن الضد الآخر وهو الجفاء؛ كما أن تجاوز الحد يستعمل من جانب الزيادة والكمال، فقد يستعمل كذلك في تجاوز الحد من جانب النقصان والترك والتهاون والتقصير (٥).\nوإن كان الخطاب في هذه الآية موجهًا للنبي - ﷺ -، إلا أن المقصود أمته. قال القرطبي - ﵀ -: \"قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ الخطاب للنبي - ﷺ - ولغيره. وقيل: له والمراد أمته، قاله\n_________\n(١) التفسير الوسيط لطنطاوي (٧/ ٢٨٥).\n(٢) الاستقامة هي غاية الكمال الديني؛ لأنها روح الإسلام وغايته.\n(٣) ينظر: التحرير والتنوير (١٢/ ١٨٣)، زهرة التفاسير لمحمد بن أحمد المعروف بأبي زهرة (٧/ ٣٧٦١)، فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي (٦/ ٢٦١).\n(٤) ينظر: مؤتمر الوسطية، مختارات من فكر الوسطية، تيار الوسطية للدكتور سعد الدين العثماني (١٢٨).\n(٥) ينظر: التعريفات (ص ٣٢).","vol":"1","page":154},{"text":"السدي\" (١). قال ابن عباس - ﵁ -: «ما نزل على رسول الله - ﷺ - آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه»، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب! فقال: «شيبتني هود وأخواتها» (٢).\nقال أبو حامد الغزالي - ﵀ - (٣):\n\" «شيبتني هود وأخواتها» أراد به - ﷺ - قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، فإن الامتداد على الصراط المستقيم في طلب الوسط بين هذه الأطراف شديد، وهو أدق من الشعرة وأحد من السيف (٤)، كما وصف من حال الصراط في الدار الآخرة ومن استقام على الصراط في الدنيا استقام عليه في الآخرة، بل يكون في الآخرة مستقيمًا، إذ يموت المرء على ما عاش عليه، ويحشر على ما مات عليه، ولذلك يجب في كل ركعة من الصلاة سورة الفاتحة، المشتملة على قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فإنه أعز الأمور وأعصاها على الطالب، ولو كلف ذلك في خُلُقٍ واحد لطال العناء فيه، فكيف وقد كلفنا ذلك في جميع الأخلاق، مع خروجها عن الحصر، ولا مخلص عن هذه المخاطرات إلا بتوفيق الله ورحمته\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>الآية الثانية: قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ النساء: ١٧١، المائدة: ٧٧</span>.\nتتضمن هذه الآية النهي عن الغلو والتزام الوسطية. ووجه الاستدلال من الآية أنه قال سبحانه: ﴿لَا تَغْلُوا﴾، و(تَغْلُوا) فعل جاء في سياق النهي فهو يعم جميع أنواع الغلو\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن (٩/ ١٠٧).\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الواقعة برقم (٣٢٩٧)، قال الهيثمي (٧/ ٣٧): \" ورجاله رجال الصحيح \"، وقال الألباني: إسناده صحيح لولا أنه مرسل. سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٦٤١).\n(٣) هو: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، الشافعي، المشهور بأبي حامد الغزالي، من كبار الأشاعرة وأئمتهم، من مؤلفاته: إحياء علوم الدين، الاقتصاد في الاعتقاد، ميزان العلم، توفي سنة (٥٠٥ هـ).\n\nينظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٢٢)، شذرات الذهب (٤/ ١٠).\n(٤) قال مسلم: وزاد أبو سعيد: \"بلغني أن الجسرَ أدقُّ من الشعرة، وأحدُّ من السيف\"، أخرجه في صحيحه في كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (١/ ١٦٧)، عقب روايته لحديث أبي سعيد الخدري \"١٨٣\"، ويراجع تعليق الحافظ ابن حجر في الفتح \"٤٥٤/ ١١\" على هذا البلاغ في بحث جيد.\n(٥) معارج القدس في مدارج معرفة النفس، للغزالي (ص ٨٨).","vol":"1","page":155},{"text":"في الدين، أي: لا تغلو بأي نوع من أنواع الغلو في الدين، وإن كان الخطاب فيها موجهًا لأهل الكتاب إلا أن العبرة بعموم اللفظ كما هو قول أكثر أهل العلم (١).\nقال القاسمي - ﵀ - (٢): \" ميزان العدل (لا تغلوا في دينكم غير الحق) أي: لا تتجاوزوا الحد في تعظيم عيسى وأمه، وترفعوهما عن رتبتهما إلى ما تقولتم عليهما من العظيمة، فأدخلتم في دينكم اعتقادًا غير الحق بلا دليل عليه، مع تظاهر الأدلة على خلافه ... و(الغلو) نقيض التقصير، ومعناه الخروج عن الحد؛ وذلك لأن الحق بين طرفي الإفراط والتفريط، ودين الله بين الغلو والتقصير\" (٣). والحاصل: أنه لا يأتي الغلو في شيء إلا ورافقه الجفاء، فكما أن الغلو من المنهيات، فالتقصير والتفريط كذلك (٤)، فالنهي عن الغلو يتضمن النهي عن الجفاء.\nوالغلو له جانبان أو صورتان: غلو في التمسك والتشدد في التطبيق، لم يأذن به الله، ولم تأت به شريعته، التي من أصولها (رفع الحرج، والتيسير) (٥).\nوالصورة الأخرى للغلو: غلو في الانحلال والتميع، والتفلت من نصوص الشرع وقواعده، يؤدي إلى التطاول على مُحكَماتِه، وهو أيضا مما يأباه الله ورسوله والمسلمون.\nولا ننس في غمرة الانشغال بالأول: الإنكار على الثاني، وبالدرجة نفسها، فإن الصورة الثانية من الغلو (في جانب التفريط) تكون غالبا من أسباب الغلو في صورته الأولى، والواقع خير دليل (٦).\n_________\n(١) وهو رأي جمهور العلماء، حتى اشتهر بين العلماء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\n\nينظر: الإحكام للآمدي (٢/ ٣١٨)، العدة (٢/ ٥٩٦ وما بعدها) إرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٤٨٠ وما بعدها).\n(٢) هو: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق، المعروف بالقاسمي، نسبة إلى جده، من سلالة الحسين السبط: إمام الشام في عصره، علم بالدين، ومتضلع من فنون الأدب. مولده ووفاته في دمشق (١٢٨٣ - ١٣٣٢ هـ)، من مؤلفاته: تفسيره محاسن التأويل، ودلائل التوحيد، مذاهب الأعراب وفلاسفة الإسلام في الجن، وإصلاح المساجد من البدع والعوائد وغيرها.\nينظر: الأعلام (٢/ ١٣٥)، ومعجم المؤلفين لعمر كحالة (٣/ ١٥٧).\n(٣) محاسن التأويل (٤/ ٢١٨).\n(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص ٢١٦).\n(٥) عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: \" ما خير رسول الله - ﷺ - بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه\"، رواه مسلم في كتاب الفضائل باب مباعدته ﷺ للآثام واختياره من المباح أسهله وانتقامه لله عند انتهاك حرماته برقم (٢٣٢٧).\n(٦) ينظر: الغلو مفهومة وحقيقته وصوره وأسبابه وعلاجه، لعبد الله بن محمد الغليفى (ص ٣٠).","vol":"1","page":156},{"text":"ودين الإسلام وسط لا تشديد فيه ولا تحلل منه، فكلا الطرفين مذموم، والوسط خير، ولهذا قال سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ المائدة: ٧٧، وقال -﵊-: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثًا (١).\nفالخروج عن هذا المنهج، والتنكب عن هذه العقيدة الواضحة، يفضي بصاحبه: إما إلى غلو وإفراط، وإما إلى تفريط وتضييع، وإما إلى الجمع بينهما (٢)،\nوكُل ذلك مذموم في دين الله، وخروج عن المنهج الوسط الذي اختاره الله للأمة (٣). وعدم الجنوح إلى الإفراط أو التفريط هو عين الحكمة وجوهرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ الفاتحة: ٦ - ٧</span>.\nهذه الآية تحذر من الغلو والجفاء اللذين هما طرفا النقيض للاستقامة، التي أشارت إليها الآية السابقة ونبهت إلى وجوب لزوم الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - منبهًا إلى هذا الملحظ: \" ولما أمرنا الله سبحانه: أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين (٤) كان ذلك مما يبين\n_________\n(١) أخرجه مسلم كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، برقم (٢٦٧٠).\n(٢) كما يفعل أهل البدع من الشيعة وغيرها، فهم يجمعون بين البدع المتقابلة إما في مسألة واحدة أو في مسائل متفرقة، مما يبين تناقضهم.\nألا ترى أن الشيعة تجمع في أصحاب رسول الله - ﷺ - ورضي الله عنهم، بين سيئتي الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء؛ فلهم في بعض الصحابة غلو وإفراط، أشنعه القول بالألوهية والنبوة، وأدناه تفضيل وتقديم من غلو فيه على من هو أفضل وأولى بالتقديم منه، كما لهم في البعض الآخر من الصحابة تقصير وتفريط وجفاء، أعظمه القول بتكفيرهم ولعنهم، وأدناه القول بتأخيرهم عن مرتبتهم والقعود بهم عن مكانتهم، ولهم بين هذا وذاك فيهم أقوال وآراء، تتردد بين الغلو والإزراء، ليس لهم على شيء منها دليل، إلا اتباع الظنون والأهواء.\n\nينظر: وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٤٠٥).\n(٣) ينظر: الإسلام ينهى عن الغلو، الحقيل (٤ - ٥)، الغلو في الدين، أ. د. عبد القادر صوفي (١٢ - ١٤)، الغلو وأثره في ظاهرة التكفير، لجمال محمد السيد عبد الحميد (ص ٢٤٩٩).\n(٤) اليهود أعداء الله وأعداء أنبيائه ورسله؛ فإنهم كانوا هم والنصارى على طرفي نقيض فنسبوه إلى أنه ولد بغي، قاتلهم الله. فأكذبهم الله تعالى في كتابه وأبطل قولهم كما أبطل قول الغلاة من النصارى فيما تقدم من الآيات ونحوها. فالنصارى غلوا في عيسى ابن مريم -﵇- أعظم الغلو والكفر والضلال، واليهود جفوا في حقه غاية الجفاء، وكلاهما قد ضل ضلالا بعيدا، نبه الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه وبين تعالى الحق والصدق، ورفع قدر المسيح -﵇- وجعله من أولي العزم الخمسة المذكورين في سورة الأحزاب (آية ٧) والشورى (آية ١٣) وأمر نبيه - ﷺ - أن يصبر كما صبروا فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ الأحقاف: ٣٥، فهم أفضل الرسل على التحقيق، والنبي - ﷺ - أفضلهم -صلوات الله وسلامه- عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nينظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص ٤٢)، وكتاب التوحيد وقرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين (ص ١٧).","vol":"1","page":157},{"text":"أن العبد يخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين وقد وقع ذلك كما أخبر به النبي - ﷺ - حيث قال: «لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن» (١) \" (٢).\nوالحاصل: أن كتاب الله العزيز وسنة نبيه الأمين، مليئة بالنهي عن الغلو والجفاء إما تصريحًا أو تلميحًا. فنسأل الله العظيم أن يمدنا بتوفيقه لنتجاوز الأخطار ولا نخدع بطرق أهل الضلال.\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل برقم (٣٢٢١)، ورواه مسلم في كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى برقم (٤٨٢٨).\n(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٦٥).","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>المطلب الثاني: العلاقة بين الغلو والجفاء قديمًا وحديثًا</span>.\nالغلو (١) في الدين آفة قديمة ابتليت بها الأمم من قبلنا، كما بليت بها هذه الأمة؛ لذا فإن مشكلة الغلو في الدين قديمة ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، ممتدةٌ حبالها حتى وقتنا الحاضر، ولعل هذا المطلب يُبين مدى العلاقة بين الغلو في القديم والحديث، فيما يلي:\n١ - تشابه فِرق الغلاة والجفاة -قديمًا وحديثًا- في كثير من الصفات والآراء، خاصة التي أخبر عنها النبي - ﷺ - (٢)؛ فالدراس لمذهب الخوارج -مثلًا- يجد تشابهًا مع آراء الغلاة المعاصرين: كتكفير العصاة أصحاب الكبائر، والقول بأن ديار المسلمين ديار كفر تستباح فيها الدماء، إلى غير ذلك من الآراء والمعتقدات التي يتشابهون فيها (٣)، كذلك الدارس لمذهب المرجئة -مثلًا- يجد تشابهًا مع آراء الجفاة المعاصرين: أمثال طوائف الحلولية، وغلاة الصوفية، والفرق الباطنية، وعباد الموتى، ودعاة الشرك بكل ضروبه، وسائر الزنادقة والمنافقين الذين ظهر لهم في عصرنا أسماء وأشكال جديدة، كالاشتراكيين والبعثيين والقوميين والعلمانيين وسائر المنضمين أو المؤمنين بالأحزاب المرتدة والنظريات الكفرية، وكذلك دعاة الإباحية والمطلقة المنتسبين إلى النظريات الاجتماعية والأدبية والنفسية والتربوية وأمثالها (٤)؛ وهذا مما يؤكد الترابط والامتداد الزمني والتاريخي لهذه الفرق.\n٢ - أن كثيرًا من أفكار الفرق الغالية أو الجافية ومناهجها كانت ردة فعل أو انعكاس مباشر لأفكار ومناهج فرق سبقتها أو عاصرتها، فمثلًا: مبدأ الجفاء عند القدرية الذي أبطلوا فيه ما قضاه الله وقدره، نتج عنه غلوٌ مضاد تمثل في الإثبات المغالي\n_________\n(١) الفهم الزائد عن الواجب يعتبر غلوًا وإفراطًا، وعكسه التفريط فيه يعتبر غلوًا عن الواجب.\n(٢) أخرج البخاري (٦٥٣٢) ومسلم (١٠٦٤) عن أبي سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد الخدري فسألاه عن الحرورية هل سمعت رسول الله ﷺ يذكرها؟، قال لا أدري ما الحرورية سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يخرج في هذه الأمة -\"ولم يقل منها\"- قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء)، وغير ذلك من الأحاديث.\n(٣) ينظر: مشكلة الغلو في الدين (١/ ٣٩ - ٤٣).\n(٤) ينظر: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (١/ ٨٢).","vol":"1","page":159},{"text":"للقدر عند الجبرية، كذلك المرجئة قابلت الخوارج والمعتزلة في باب الأسماء والأحكام ونتجت عنها، والمعطلة قابلت المشبهة في الصفات، والرافضة قابلت الناصبة الخوارج في آل البيت خصوصا. . . إلخ، وأهل السنة والجماعة وسط بين ذلك كله. وهكذا أهل السنة دائمًا، والحمد لله (١).\n٣ - أن أغلب العقائد الموجودة عند فرق الغلاة المسلمين وكذا الجفاة (٢) على مر التاريخ، إنما هي حصيلة جملة من العقائد القديمة للهنود والمجوس واليهود والنصارى، وغيرها من العقائد القديمة (٣).\n٤ - أن كثيرًا من أسباب البدع المتقابلة ودوافعها مشتركة ومتشابهة عند الفرق الغالية والجافية قديمًا وحديثًا.\n٥ - أن منطلق الجميع زعمهم موافقة الشريعة وتطبيقها، فخاضوا في المتشابهات من النصوص بل استدلوا بالضعيف والموضوع لتقوية ما هم عليه، فالغلو في حقيقته مبالغة في الالتزام بالدين، وليس خروجًا عنه في الأصل، بل هو نابع من الرغبة في الالتزام به، ولكنها حركة تتجاوز في مداها الحدود التي حدها الشارع (٤)، وكذلك التفريط والجفاء نابع من رغبتهم في استبقاء أصل الإيمان، وحفظ دماء المسلمين\n_________\n(١) ينظر: الغلو للشبل (ص ٥٤)، وموسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية (١٠/ ٢٠٠).\n(٢) مثل: عقيدة المرجئة فلم تكن على الإطلاق ثمرة نظر في النصوص الشرعية ولا وليدة اجتهاد عقلي سوي، وإنما هي وليدة مواقف انفعالية جدلية أفرزتها المعارك الكلامية الطاحنة بين الفرق البدعية، تلك الفرق التي كان جهلها بالشرع وإعراضها عنه سببًا في تعلقها لدفع خصومها بأوهام ذاتية أو تصورات غريبة منقولة عن مصادر وثنية.\nوكذلك: عقيدة الصوفية وضلالهم في معنى \"الرضا\" -الجامع للانقياد والقبول-؛ فقد خرجوا فيه عما كان عليه السلف إلى معنى فلسفي وثني، وهو الرضا المطلق بكل ما في الوجود لأنه من إرادة الله وقدره، حتى اعتقدوا وجوب الرضا بالكفر والفسوق والعصيان، ووقعوا في الجبر المحض تحت ستار ما أسموه \"شهود الحقيقة الكونية\"! ! و\"الاستبصار بسر الله في القدر\"! !\nينظر: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٩٢)، ظاهرة الإرجاء (١/ ١٨٨) (٢/ ٥٥٧).\n(٣) ينظر: الغلو للشبل (ص ٣٢ - ٣٧)، والغلو وأثره في ظاهرة التكفير لجمال محمد السيد، مؤتمر ظاهرة التكفير (٥/ ٢٤٩١).\n(٤) ينظر: الغلو في الدين ص (٨٤)، والتطرف غير الجريمة لكمال أبو المجد (ص ٣٦ - ٣٧).","vol":"1","page":160},{"text":"وأعراضهم، ولكنهم قصروا عن الحدود التي حدها الشارع، وهذا الأصل -موافقة الشريعة بزعمهم- مشترك عند الفرق الغالية والجافية قديمًا وحديثًا.\n\nكل هذا التشابه -أو الاتفاق- في عقائدهم، وأفكارهم، ومناهجهم، وعوامل نشأتهم، ودوافع غلوهم وأسبابه، يؤكد قوة العلاقة وشدة الارتباط بين الفكر قديمًا وحديثًا لدى الغلاة والجفاة، الأمر الذي يعني ضرورة النظر باهتمام إلى حقيقتهما كما وردت في الكتاب والسنة، لمجانبة الوقوع في شراكهما؛ لأن البدع المتقابلة -الغلو والجفاء- هلاك في الدنيا، وهلاك في الآخرة، ولا تأتي بخير أبدًا، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وهذا هو طريق النجاة دائمًا وأبدًا (١).\n_________\n(١) ينظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ٢٧٧).","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>المبحث الثاني معالم الغلو والجفاء وحدودهما</span>.\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>المطلب الأول: معالم الغلو والجفاء:</span>\nالحكم على العمل بأنه غلو أو تقصير، أو أن هذا المرء من الغلاة أو الجفاة، باب خطير، لا يقدر عليه إلا العلماء (١) الذين يدركون حدود هذا العمل، ويعلمون أبواب العقيدة وفروعها؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ لذا نجد الحاجة قائمة لمعرفة هذه المعالم؛ لأن المتتبع لأحوال الفرق يجد أن كل فرقة تصف ما سواها بالغلو والجفاء، وقد يكون الأمر مشروعًا ويوصف صاحبه بالغلو (٢) أو الجفاء، وهذه الدعاوى ليست من باب الأسماء والأحكام، أو لتبين معاني شرعية - بقدر ما هي لأغراض شخصية ضيقة وأهواء ذاتية أو غايات سياسية محدودة. فتكون بذلك من تحميل المعاني والمصطلحات الشرعية ما لا تحتمل، وهذا فيه من التدليس والتلبيس على المسلمين باسم الدين والإسلام ما لا يخفى ضرره! (٣).\nولذلك فإن المقياس في الحكم على الأعمال والأفراد والجماعات هو الكتاب والسنة، وليست الأهواء والأعراف، وما تواضع عليه الناس، وقد ضل في هذا الباب أمم وأفراد وجماعات (٤)؛ من أجل ذلك أمرنا الله - ﷿ - باستبانة سبيلهم في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ الأنعام: ٥٥، والواقع أن معرفة هذه الأمور على قدر كبير من الأهمية؛ لأنها تعتبر ضوابط لتحديد الغلو والجفاء ومعرفة حقيقتهما كما وردت في الكتاب والسنة، وفيما يلي أهم المعالم، وهي:\n_________\n(١) ومن هذا المنطلق تتابعت نصوص العلماء على أن المتصدي للأحكام على الناس في عقائدهم أو عدالتهم لا بد أن يكون من العلماء وأهل الورع: من ذلك قول الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى ميزان الاعتدال (٣/ ٤٦): \" والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة تام الورع\" اهـ.\n(٢) وها نحن نرى اليوم أن الملتزمين بشرع الله، المتمسكين بالكتاب والسنة يوصفون بالغلو والتطرف والتزمت والأصولية ونحوها من الألقاب التي روجتها بعض وسائل الإعلام .. وسببه بُعد الناس عن زمان الأفاضل، فصار الدين غريبا، وأطبق الجهل على كثير من أهل الإسلام، وصار المتمسك بسنة المصطفى ﷺ العاض عليها بنواجذه منبوذا مستهزأ به في تلك المجتمعات.\nينظر: التحذير من الغلو في ضوء القرآن والسنة، أ. د. بدر بن ناصر البدر، مؤتمر ظاهرة التكفير (٥/ ٢٥٧٣).\n(٣) ينظر: التحذير من الغلو في ضوء القرآن والسنة، أ. د. بدر بن ناصر البدر، مؤتمر ظاهرة التكفير (٥/ ٢٥٧٣).\n(٤) ينظر: الغلو مفهومه وحقيقته للغليفي (ص ٩١).","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>المعلم الأول: الخلل في منهج التلقي والاستدلال:</span>\nمنهج الاستدلال عند أصحاب البدع المتقابلة، يعتمد على مصادر مغايرة لمصادر الشريعة الإسلامية كالعقول المجردة الفاسدة والمنطق والفلسفات الكلامية العقيمة، فيؤدي ذلك إلى تحريف الأدلة وتأويلها وإلى الاستدلال بالمتشابه من الأدلة دون ردها إلى المحكم، مع قياس عالم الغيب على عالم الشهادة، والتعلق بالآراء المجملة، فيخالفون بذلك الرسل -عليهم الصلاة والسلام- (١)،\nومن ثم لا يتلقون العلم الشرعي عن العلماء الربانيين؛ لذلك أصبح العلم عندهم ليس مبنيا على الأصول الشرعية (٢)، وإلا فكيف يضربون صفحًا عن الآيات المحكمات، ويعتمدون على النصوص المتشابهات (٣)، ولا يردونها إلى المحكم، فالنص يدور في فلك معين وهم في فلك آخر مغاير له، وكذا ما يقع من المدرسة العقلية الحديثة (٤) من استقلالية بالأخذ عن الكتاب والسنة بدون ضابط حتى ظهرت العبارة المشهورة\n_________\n(١) قال ابن القيم ﵀: \"ومن الأدب معه - أي النبي - ﷺ - ألاَّ يستشكل قوله، بل تُستشكَل الآراء لقوله، ولا يُعارَض نصه بقياس، بل تُهدَر الأقيسة وتلقى لنصوصه، ولا يُحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولًا، نعم! هو مجهول، وعن الصواب معزول، ولا يوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد. فكان هذا من قلة الأدب معه - ﷺ -، بل هو عين الجرأة\".\n\nينظر: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ٣٦٨).\n(٢) بل على العقل عند المعتزلة، أما عند الصوفية فعلى الذوق واتباع الأشخاص. وغير ذلك.\n(٣) قال الآجُرّي: ومما يتَّبع الحرورية من المتشابه، قول الله ﷿: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) فإذا\nرأوا الإمام يحكم بغير الحق، قالوا قد كفر، ومن كفر عدل بربه، فقد أشرك، فهؤلاء الأئمة مشركون، فيخرجون فيفعلون\nما رأيت، لأنهم يتأولون هذه الآية.\nينظر: الشريعة للآجري (ص ٢٨).\n(٤) هي اتجاه فكري إسلامي -في الجملة- يسعى إلى التوفيق بين نصوص الشرع وبين الحضارة الغربية والفكر الغربي المعاصر، ويؤكد التلاقي بين العلم والدين، متبنيًا منهجًا عقلانيًا، يعلى من مكانة العقل في مقابل النص الشرعي، ويؤول النص إن أمكنه، أو يرده إن لم يمكنه ذلك.\nينظر: منهج المدرسة العقلية في التفسير، لفهد الرومي (ص ٦٩)، موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص الشرعي، لسعد بن بجاد العتيبي (ص ٤٨).","vol":"1","page":163},{"text":"\"نحن رجال وهم رجال\" (١) دون الاعتداد بأهل العلم والبصيرة من علمائهم (٢).\nفخلَلُهم يبدأ من الاستقلالية في استنباط الأحكام الشرعية دون ضابط محدد ومنهج حق من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ومستند السلف الصالح واللغة العربية، وفي الوقوف على الأدلة ودلالتها وأقوال أهل الفقه والبصيرة فيها، وكل ذلك يؤدي إلى الزيغ والهلاك، ولذا حذر الرسول - ﷺ - من تلك الطريقة (٣)، كما كان بعض العلماء يتعوذ بالله من قياس فلسفي وخيال صوفي (٤)؛ لأن أهل الفلسفة حصروا منهجهم العلمي بالمنطق والقياس، كما قابلتهم طائفة في هذا الباب، فرأوا أن مصدر المعرفة ليست في شيء من ذلك، وجعلوا مصدرها ما عندهم من خيالات صوفية، وفيوضات شيطانية، وغفل هؤلاء وهؤلاء عن الطريقة الشرعية.\nوالواقع والملاحظ أن التمسك بنصوص الكتاب والسنة، وفهمها فهمًا صحيحًا، يعتبر عند هؤلاء -المتهاونين بأحكام الشريعة الغافلين عنها أو المغالين في تقديس العقل (٥) المقدمين له- غلوًا وتطرفًا، أو جمودًا وانغلاقًا، وذلك بالنظر إلى ما هم عليه من تفريط ظاهر،\n_________\n(١) كلمة حق أريد بها باطل. هؤلاء هم الداعون إلى الأخذ مباشرة من الكتاب والسنة وهم أبعد الناس عن فهمهما، وهم المنادون بالعودة إلى القرون المفضلة وهم أضل الناس عن سلوك جادتها! !\n(٢) إن أسلوب الطعن في العلماء قرة عين لأعداء الإسلام؛ لأنه ينشئ جيلًا بلا قادة، وهل رأينا جيلًا بلا قادة قد أفلح؟ لذا فقد حذر العلماء من خطورة الطعن في العلماء العاملين على المسلمين؛ قال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين (٣/ ٢٢٠): \"ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالحة وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور، بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين\"؛ فمن يبقى لأمة الإسلام إذا طُعن في علمائهم؟، إن أسوأ ما في الأمم السابقة علماؤهم وأحبارهم، فقد كثر فيهم الضالون المضلون، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٤]. وأفضل ما في الإسلام علماؤه الربانيون العاملون، قال الشعبي: كل أمة علماؤها شرارها إلا المسلمين، فإن علماءها خيارها، ووضح ذلك ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٧/ ٢٨٤) فقال: \"وذلك أن كل أمة غير المسلمين فهم ضالون، وإنما يضلهم علماؤهم، فعلماؤهم شرارهم، والمسلمون على هدى وإنما يتبين الهدى بعلمائهم، فعلماؤهم خيارهم\".\n(٣) ينظر: التحذير من الغلو في ضوء القرآن والسنة، أ. د. بدر بن ناصر البدر، مؤتمر ظاهرة التكفير (٥/ ٢٥٧٣).\n(٤) ينظر: الرد على المنطقيين (ص ٤٨٢) وما بعدها، ونقض المنطق (ص ٣٥)، ودرء التعارض (٣/ ٣٠٣).\n(٥) وهذا الاعتماد على العقل وتقديسه أدى بهم إلى عكس النتيجة التي كانوا يرمون إليها، فهم يريدون الوصول إلى اليقين القاطع من خلال أدلتهم العقلية، فإذا بهم يجدون أنفسهم في قمة الشك والحيرة، وهذا بشهادة علمائهم وكبرائهم.\nفليت السائرين على منهجهم، المقتفين آثارهم، يتعظون بهم، وما وصلوا إليه من الانحراف والضياع، ويعيدون النظر فيما عندهم، فينقادون لشرع الله وهديه.\nينظر: التيار العقلي لدى المعتزلة، د. سهل بن رفاع العتيبي (ص ٣٧٤) ضمن مجلة كلية دار العلوم العدد (٤٠).","vol":"1","page":164},{"text":"في التزام منهج الحق؛ لاعتقاد أن أخبار الرسول - ﷺ - بمعزل عن العلم، وأنَّ العلم ما يلقيه الشيطان إليهم من نتاج عقولهم الفاسدة، ووساوس صدروهم المظلمة، وهواجس قلوبهم الخالية من الخير وكلماتهم، وحججهم العاطلة بل شبههم الداحضة الباطلة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ محمد: ٢٣، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ الحج: ١٨.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>المعلم الثاني: موقفهم من العقل:</span>\nهذا المعلم متداخل مع سابقِه وربما يكون وسيلة من وسائله، وأفردته لأهميته؛ لأن الناس في تعاملهم مع العقل طرفان ووسط؛ طرف جحدوا العقل وعطلوه (١)، وطرف عظموه وقدسوه وجعلوه حاكمًا على النصوص (٢)، فإن وافقه النص قُبل وإلا فلا، فإن كان نصًا قرآنيًا أولوه وصرفوه عن معناه الحق، وإن كان نبويًا صحيحًا ووجدوا له مخرجًا وأولوه، وإن لم يستطيعوا لذلك سبيلًا طعنوا فيه وردوه، دون اعتبار للقواعد والأصول الشرعية في التعامل مع النصوص.\nأما منهج الوسطية فهو الأرشد؛ لأنه لا يميل إلى جحد العقل أو تعظيمه دون حق، بل يثبت له دوره السليم الذي أذن فيه الله ورسوله - ﷺ - (٣)،\nمع التمسك بنصوص الكتاب والسنة وتقديمها عليه؛ لأن تعارض النص الصريح -من الكتاب والسنة- مع العقل الصحيح\n_________\n(١) أمثال: الصوفية والرافضة الذين ذموا العقل وعطلوه واعتقدوا ما لا يقبل ولا يعقل من الحماقات والخرافات.\n(٢) أمثال: الفلاسفة والمتكلمين من المعتزلة وغيرهم الذين غالبوا في تقديس العقل وجعلوه الأصل لعلومهم ومعارفهم وسبيل الوصول إلى الحقائق والحكم المقدم على النقل والشرائع.\n(٣) لقد اهتم الإسلام بالعقل اهتمامًا بالغًا وفق ضوابط محددة تتفق مع قدراته وإمكاناته، فمن ذلك:\nأن الله ﷿ جعله مناط التكليف، فإذا ما فُقِد ارتفع التكليف.\nجعله أحد الضرورات الخمس.\nأن أحكام الإسلام كلها معقولة تخاطب أولى الألباب والنهي.\n\nأن القرآن والسنة مملوءان بالأدلة العقلية التي هي آيات الله الدالة على عظمته، وعلى ربوبيته، ووحدانيته، وعلمه، وقدرته وحكمته، ورحمته، التي تقصر عنها عقول أهل الكلام والفلسفة.\nأن العقل الصحيح السليم يدرك أصول الاعتقاد على الإجمال لا على التفصيل.\nالعقل البشري عاجز عن معرفة مسائل العقيدة الغيبية بنفسه استقلالًا.\nينظر: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (٢/ ٧٩٣)، درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٨ - ٢٩)، ومجموع الفتاوى (٣/ ٢٩٦)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٣٨)، الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي (٣/ ١٣).","vol":"1","page":165},{"text":"السليم غير متصور أصلًا، بل هو مستحيل؛ لأن العقل السليم لا يعارض الحق، فإذا جاء ما يوهم ذلك فإن الوحي مقدم ومحكم؛ لأنه صادر عن المعصوم - ﷺ - والعقل لا عصمة له، بل هو نظر البشر الناقص، وتقديمه على كلام الله ورسوله - ﷺ - ضلال وتعسف (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>المعلم الثالث: بغضهم لأهل السنة والجماعة:</span>\nالتبس على هؤلاء الحق بالباطل، بسبب إعراضهم عن الوحي، واتباع العقول المتضاربة والمختلفة، فظنوا أن ما هم عليه هو الحق، وأن ما عليه سلف الأمة وأئمتها هو الباطل، ولذلك عادوا السنة وأهلها ورموها عن قوس واحدة بالأقوال الشنيعة- كتسميتهم إيَّاهم حشوية وجهلة وظاهرية-، ووصفوا كتبهم بالأوصاف المنفرة منها، بل حذروا من قراءتها (٢).\nولا عجب فأهل الحق يقعون في (الوسط) فخلافهم يكون مع جميع أهل الأطراف على اختلاف عقائدهم ونحلهم، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل إن الغالي منهم يرى المعتدل متساهلًا، والمتساهل يرى المعتدل غاليًا ومتشددًا.\nقال الإمام الحافظ أبو حاتم الرازي: \"علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر وعلامة الجهمية أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة وعلامة القدرية أن يسموا أهل السنة مجبرة وعلامة الزنادقة أن يسموا أهل الأثر حشوية \" (٣).\nقال أبو زرعة - ﵀ -: \"إذا رأيت الكوفي يطعن على سفيان الثوري (٤) وزائدة (٥): فلا تشك أنّه رافضي، وإذا رأيت الشامي يطعن على مكحول (٦) والأوزاعي (٧): فلا تشك أنّه\n_________\n(١) ينظر: شرح الطحاوية (١/ ٢٢٧)، درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (١/ ٨٨ - ٢٨٠)، وبحوث في عقيدة أهل السنة والجماعة، د. ناصر العقل (ص ٣٢).\n(٢) ينظر: التيار العقلي لدى المعتزلة، د. سهل بن رفاع العتيبي (ص ٣٨٦ - ٣٨٧) ضمن مجلة كلية دار العلوم العدد (٤٠).\n(٣) ينظر: السنة للالكائي (١/ ١٧٩)، وعقيدة السلف للصابوني (ص ١١٨).\n(٤) هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الإمام المشهور، أحد حفاظ الحديث وأعلام السنة، مات سنة ١٦١ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٢٩).\n(٥) هو زائدة بن قدامة -بضم القاف- الثقفي أبو الصلت الكوفي، مات سنة ١٦٠ هـ، وقيل بعدها. بنظر: تقريب التهذيب (ص ١٠٥).\n(٦) هو مكحول بن عبد الله أبو عبد الله الشامي الفقيه، ثقة كثير الإرسال عن النبي ﷺ وعن عدد من الصحابة. مات سنة ثلاث عشرة ومائة. ينظر: تقريب التهذيب (ص ٣٤٧)، وشذرات الذهب (١/ ١٤٦).\n(٧) هو: عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي الدمشقي، عالم أهل الشام، الفقيه، كان صاحب سنة واتباع وقد عرف بالزهد والخشوع، كان كبير الشأن من أفضل أهل زمانه، توفي سنة ١٥٧ هـ.\nينظر: تذكرة الحفاظ للسيوطي (١/ ١٧٨ - ١٨٣)، سير أعلام النبلاء (٧/ ١٠٧ - ١٣٤).","vol":"1","page":166},{"text":"ناصبي، وإذا رأيت الخراساني يطعن على عبد الله بن المبارك: فلا تشك أنّه مرجئ، واعلم أنّ هذه الطوائف كلها مجمعة على بغض أحمد بن حنبل؛ لأنّه ما من أحد إلا وفي قلبه منه سهم لا بُرْء له\" (١).\nكل هؤلاء اختلفوا في تسمياتهم واتفقوا على محاربة السنة، ولا يخفى أن الغاية تكون في الغالب لهدف التنفير والتحذير منهم وليس لكونهم متجاوزين لحدود الشريعة ووسطية الإسلام (٢).\nيقول الشيخ جمال الدين القاسمي - ﵀ -: \"من المعروف في سنن الاجتماع أن كل طائفة كثر سوادها، لا بد أن يوجد فيها الأصيل والدخيل والمعتدل والمتطرف والغالي والمتسامح وقد وجد بالاستقراء أن صوت الغالي أقوى صدى وأعظم استجابة؛ لأن التوسط منزلة الاعتدال، ومن يحرص عليه قليل في كل عصر ومصر، وأما الغلو فمشرب الأكثر ورغيبة السواد الأعظم وعليه درجت طوائف الفرق والنحل (٣)، فحاولت الاستئثار بالذكرى، والتفرد بالدعوى\nولم تجد لاستتباع الناس لها إلا الغلو بنفسها وذلك بالحط من غيرها والإيقاع بسواها حسبما تسنح لها الفرص ... إن كان بالسنان أو باللسان\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>المعلم الرابع: الجدل والخصومات والمراء في الدين:</span>\nمن أبرز معالم أصحاب البدع المتقابلة، كثرة الجدل والخصومات في الدين، مع قلة العمل المفيد والمثمر.\nقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾» (٥).\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (١/ ١٩٩ - ٢٠٠).\n(٢) كمن اتهم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية الإصلاحية بذلك؛ ومن اتهم أهل العلم في زماننا بوصفهم: علماء حيض ونفاس، لا يفقهون الواقع، وأمثال هذه الترّهات، فمراد هؤلاء الطعن بمنهج العلماء، ولكن لمّا لم يتمكنوا خوفًا من افتضاح أمرهم طعنوا بقادة منهج السلف قديمًا وحديثًا، والطعن بهم أولى، والبعض منهم مبتدعة بلباس أهل السنة.\n(٣) الفرق الضالة تتميز بالإفراط أو التفريط.\n(٤) ينظر: الجرح والتعديل للقاسمي (ص ٤).\n(٥) رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٢٥٢)، ورواه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة النساء، برقم (٣١٩٥)، صححه الألباني في مشكاة المصابيح (١/ ٦٣)، برقم (١٨٠).","vol":"1","page":167},{"text":"وقال ابن أبي الزناد (١) - ﵀ -: \" ما أقام الجدلُ شيئًا إلا كسره جدلٌ مثله\" (٢).\nوقال الأوزاعي - ﵀ -: \" إذا أراد الله بقوم شرًا ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل\" (٣).\nوقال عمر بن عبدالعزيز (٤) - ﵀ -: \" من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل\" (٥).\nوقيل للحكم بن عتيبة الكوفي (٦) - ﵀ -: \" ما اضطر الناس إلى هذه الأهواء؟ قال: الخصومات\" (٧).\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \" وأنت إذا تأملت ما يقع من الاختلاف بين هذه الأمة علمائها وعبادها وأمرائها ورؤسائها وجدت أكثره من البغي: بتأويل أو بغير تأويل، كما بغت الجهمية على المستنَّة (٨) في محنة الصفات والقرآن ... وكما بغت الرافضة على المستنة مرات متعددة، وكما بغت الناصبة على علي وأهل بيته، وكما قد تبغي المشبهة على المنزهة، وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم، وإما على نوع من المبتدعة بزيادة على ما أمر الله به، وهو الإسراف المذكور في قولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ آل عمران: ١٤٧\" (٩).\nقال شيخ الإسلام بعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ آل عمران: ١٩، وذكر غيرها من الآيات في هذا المعنى، قال: \" فهذه المواضع من القرآن تبين أن المختلفين\n_________\n(١) هو: عبد الرحمن بن الفقيه أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، المدني، كان من أوعية العلم، توفي سنة ١٧٤ هـ.\nينظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ١٦٧).\n(٢) بهجة المجالس وأنس المجالس لابن عبد البر (٢/ ٤٣٠).\n(٣) بهجة المجالس (٢/ ٤٣٠).\n(٤) هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص القرشي الأموي، الخليفة العادل، الزاهد الراشد، كان من الأئمة المجتهدين، والخلفاء المتقين، أقام السنة، ونشر العدل، توفي سنة ١٠١ هـ.\nينظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ١١٤)، شذرات الذهب (١/ ١١٩).\n(٥) الشريعة للآجري (ص ٥٦)، وينظر الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (١/ ٢٨٠).\n(٦) هو: الحكم بن عتيبة \"مصغرًا\" بن النّهاس الكندي الكوفي، مولى كندة، عالم أهل الكوفة، ثقة ثبت فقيه، توفي سنة ١١٥ هـ.\nينظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٠٨)، وشذرات الذهب (٢/ ٧٥).\n(٧) الحجة في بيان الحجة (١/ ٢٨٥).\n(٨) المراد بها المتسننة: نسبة إلى أهل السنة.\n(٩) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٨٣).","vol":"1","page":168},{"text":"ما اختلفوا حتى جاءهم العلم والبينات، فاختلفوا للبغي والظلم لا لأجل اشتباه الحق بالباطل عليهم، وهذا حال أهل الاختلاف المذموم من أهل الأهواء كلهم، لا يختلفون إلا من بعد أن يظهر لهم الحق ويجيئهم العلم، فيبغي بعضهم على بعض، ثم المختلفون المذمومون كل منهم يبغي على الآخر، فيكذب بما معه من الحق مع علمه أنه حق ويصدق بما مع نفسه من الباطل مع العلم أنه باطل\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>المعلم الخامس: عدم الشمول:</span>\nلا تكاد تجد أحدًا غلا في شيء إلا وجفا في شيء آخر، فمن المستحيل تطبيق الشريعة بحجمها الشمولي لمن اتصف بالغلو أو بالجفاء، قال ابن حجر - ﵀ -: \" من تكلف الزيادة على ما طبع عليه يقع له الخلل في الغالب\" (٢).\nلذا يلاحظ أن من يندفع نحو الغلو والتشدد في كل شيء لا يصبر ولا يطيق ذلك التغالي والمبالغة، فيتراجع وينقص أمر تدينه وسلوكه، إلا من أراد الله هدايته فيوفقه للرجوع إلى الطريق المستقيم، وهذا ما حذر منه الرسول - ﷺ - في قوله: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرًا أبقى» (٣)، وقوله - ﷺ -: «إن الدين يسر، ولن يشاد (٤)\nالدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا» (٥).\nقال ابن المنير (٦): \"في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع\" (٧).\n_________\n(١) منهاج السنة (٥/ ٢٦٤).\n(٢) فتح الباري (٣/ ٣٩).\n(٣) رواه أحمد في مسنده (١/ ٣٢٤).\n(٤) قال ابن حجر - ﵀ -: المشادة بالتشديد المغالبة، والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع؛ فيغلب.\n\nينظر: فتح الباري (١/ ٩٤).\n(٥) رواه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان، باب الدين يسر برقم (٣٨).\n(٦) هو: أحمد بن محمد بن منصور الجذامي الإسكندراني، ابن المنير، ولد سنة ٦٢٠ هـ، له مصنفات مفيدة، وتفسير نفيس، والمتواري على أبواب البخاري، وقد أشار إليه ابن حجر كثيرا وتعقبه ولي قضاء الإسكندرية وخطابتها مرتين، وقيل إن الشيخ عز الدين ابن عبد السلام كان يقول: ديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها: ابن المنير بالإسكندرية، وابن دقيق العيد بقوص، توفّي ابن المنير سنة ٦٥٦ هـ.\nينظر: الوافي بالوفيات (٨/ ١٢٨)، وشذرات الذهب (٥/ ٣٨١)، الأعلام (١/ ٢٢٠).\n(٧) فتح الباري (١/ ٩٤).","vol":"1","page":169},{"text":"وتلافيا للوقوع في هذا المزلق الخطير، أمر الشارع الحكيم بالقصد وهو الوسط في العمل؛ فقد بوب البخاري - ﵀ - في صحيحه باب القصد والمداومة على العمل، في كتاب الرقاق، وذكر فيه حديث عائشة - ﵂ - أنها قالت: سئل رسول الله - ﷺ -: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «أدومها وإن قلَّ» (١) وقال: «اكلفوا من الأعمال ما تطيقون» (٢).\nوليس من الغلو طلب الأكمل في العبادة؛ بل الغلو تجاوز الأكمل إلى ما يؤدي إلى المشقة ونحوها، وليس الجفاء هو طلب الحد الأدنى من العبادة بل هو طلب التخفيف والتسهيل لحد الخروج عن شرعه وتجاوز حدوده باسم الدين.\nقال ابن المنير - ﵀ -: وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل (٣).\nومن يظن أن إعمال نصوص الشرع تؤدي للغلو، فإنه واهم؛ لأنه لا تلازم بين التمسك بالنصوص والغلو؛ فقد كان الصحابة € أشد الناس تمسكًا والتزامًا لنصوص الشريعة مطلقًا (٤)، ومع هذا لم يحصل لهم غلو أو تشديد، إلا في قضايا عينية (٥) في حياة النبي - ﷺ - أرشد أصحابه إليها وعلمهم وبين لهم طريق العبادة المعتدل، فانتهوا (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>المعلم السادس: عدم وضوح الأصول الاعتقادية:</span>\nالمتأمل لواقع أكثر أصحاب التوجهات التي تميل إلى الغلو والعنف أو إلى الجفاء والتمييع يجد أن أصولهم الاعتقادية غير واضحة المعالم، ولا يكون ذلك إلا عن نقص كما لا يخفى، فهم يتميزون بالجهل وضعف الفقه في الدين، وضحالة الحصيلة في العلوم الشرعية، فحينما\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب الرقاق باب القصد والمداومة على العمل برقم (٦٠١١)، ورواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضيلة العمل الدائم برقم (١٣١١).\n(٢) رواه مسلم في كتاب الصيام باب النهي عن الوصال في الصوم برقم (١٨٥٤).\n(٣) ينظر: فتح الباري (١/ ٩٤)، والغلو في الدين ص (٨٥).\n(٤) لا يوجد أحد من الصحابة كان صاحب بدعة أو مقالة، قال - ﷺ -: «أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتى ما يوعدون».\n(٥) كقصة عبد الله بن عمرو بن العاص في إطالة الصوم، المتفق على صحتها. رواها البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب كم يقرأ من القرآن، ومسلم في كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به، وكحديث عبد الله بن الشخير في وفد بني عامر وفيه \" فقلنا: أنت سيدنا. فقال: السيد الله ﵎ \". فقلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا فقال: قولوا بقولكم أو ببعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان \" رواه أبو داود والنسائي بأسانيد جيدة. وما قوله ﵇ ذلك إلا سدا لطريق الغلو فيه.\nينظر: فتح المجيد (ص ٥١٧).\n(٦) ينظر: التحذير من الغلو في ضوء القرآن والسنة، أ. د. بدر بن ناصر البدر، مؤتمر ظاهرة التكفير (٥/ ٢٥٧٣).","vol":"1","page":170},{"text":"يتصدون للأمور الكبار والمصالح العظمى يكثر منهم التخبط والخلط، والأحكام المتسرعة، والمواقف المخالفة؛ ومن آثار عدم وضوح الأصول الاعتقادية:\n١ - عدم الثبات والاستمرار؛ فلا تكاد تجد فرقة ضلت في غياهب البدع وانتهجت موقفا واستطاعت أن تثبت عليه، بل يحدث بينها من التشقق والخلاف، ما يكون أكبر دليل على أن ما ابتدعوه ضلال وباطل. إلا أهلُ السنة والجماعة فالمتأخر منهم مثل المتقدم.\n٢ - الجهل بمذهب السلف وبالوحي وبالعقل السليم، والجهل بدلالات النصوص وأسباب النزول.\n٣ - مخالفة أحكام الشرائع السماوية وقلة البصيرة فيها-ولو بمقصد شرعي-، وهذا يؤدي إما إلى فهم زائد عن الواجب (١)، أو إلى عكسه؛ وهذا يستلزم اعتقادهم بعدم كمال الدين وصلاحه لكل زمان ومكان.\n٤ - التعالم والغرور عند هؤلاء الغلاة، والتعالي على العلماء وعلى الناس، واحتقار الآخرين وآرائهم (٢).\n٥ - قد يحمل عدم الوضوح على الزيغ والانسلاخ من الدين، فإن النفس تضعف كلما ابتعدت عن العمل بحجة إخراجه من مسمى الإيمان، وكذلك قد تعجز أو تمل مع شدة العمل فتتركه ولهذا روي عن النبي - ﷺ - أنه قال عن المتشدد في الدين: «كالمنبت لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع» (٣).\n_________\n(١) وهو الغلو والإفراط.\n(٢) في حين تجد أحدهم لا يعرف بدهيات العلم الشرعي وأصول الأحكام وقواعد الدين، أو قد يكون عنده علم قليل بلا أصول ولا ضوابط ولا فقه ولا رأي سديد، ويظن أنه بعلمه القليل وفهمه السقيم قد حاز علوم الأولين والآخرين، فيستقل بغروره عن العلماء، وعن مواصلة طلب العلم فيهلك بغروره ويهلك، وهكذا كان الخوارج الأولون يدعون العلم والاجتهاد ويتطاولون على العلماء، وهم من أجهل الناس.\nينظر: التحذير من الغلو في ضوء القرآن والسنة، أ. د. بدر بن ناصر البدر، مؤتمر ظاهرة التكفير (٥/ ٢٦١٠).\n(٣) أخرجه ابن المبارك في \" الزهد \" (ص ٤٦٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٩)، وقال الهيثمي في «المجمع» (١/ ٦٢): رواه البزار، وفيه: يحيى بن المتوكل أبو عقيل وهو كذاب، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع برقم (٢٠٢٢).","vol":"1","page":171},{"text":"٦ - كذلك فإن عدم وضوح الأصول الاعتقادية تحمل على القنوط من رحمة الله كما حصل من الذي قال: «والله لا يغفر الله لفلان» (١)، وفي المقابل تحمل على الجرأة على محارم الله - ﷿ - والتساهل في إتيان الذنوب مع الاعتماد على العفو والمغفرة وسعة الرحمة.\n٧ - التقليد الأعمى، وسيأتي مزيد تفصيل في المعلم التالي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>المعلم السابع: التقليد الأعمى، والتعصب له</span>.\nالناس على وجه العموم يتوارثون العقائد كابرًا عن كابر دون التأكد من الحقيقة، وهل هم على حق أم على الباطل؟ !، وإنما يفعلون ذلك لمجرد المحاكاة، للآباء والتعصب للكبراء، فتقليد الآخرين دون دليل ودون تبصُّر - على مدى العصور- أدى إلى الافتراق العظيم بين الناس، وإلى استمرار بقاء عقائد عديدة، على الرغم من انحرافها وبعدها عن جادة الحق والصواب (٢).\nلذا فقد بين لنا رسول الله - ﷺ - خطر قضية التقليد (٣) وأنها قاعدة كبرى عند كل المخالفين لرسالته، فقال: «لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود» (٤)، يقول الحافظ ابن حجر - ﵀ - عن العشرة الذين ذكرهم النبي - ﷺ -: \"والذي يظهر أنهم الذين كانوا حينئذ رؤساء في اليهود، ومن عداهم كان تبعًا لهم فلم يسلم منهم إلا القليل\" (٥).\n_________\n(١) رواه مسلم في كتاب البر والصلة، باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله تعالى، برقم (٢٦٢١).\n(٢) التقليد في باب العقائد (٢٠٤، ٢٠٥).\n(٣) من اتبع الرسول - ﷺ - بغير علم ولا بصيرة فهو مقلد لم يدخل الإيمان في قلبه، ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الحجرات: ١٤، فمن لم يدخل الإيمان قلبه وكان مسلمًا في الظاهر فهو من المقلدين المذمومين.\nينظر: جهود شيخ الإسلام في توضيح توحيد العبادة (٢/ ١٢٨٠).\n(٤) رواه البخاري في كتاب المناقب باب إتيان اليهود النبي ﷺ برقم (٣٦٧٢)، ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب نزول أهل الجنة برقم (٥٠٠٦).\n(٥) فتح الباري (٧/ ٢٧٥).","vol":"1","page":172},{"text":"وعلى كلٍ فقد اتخذ الغلوّ أشكالًا مختلفة، وأصبح يؤلّف فرقًا وأحزابًا تتعصّب لمقولاتها أشدّ التعصّب، حتّى تموت دونها! لذا نجد عند التأمل في أسباب التقليد الأعمى والتعصب له، أنها تنطلق من:\n١ - الجهل بالدين (١).\n٢ - التعصب للآباء والأسلاف (٢).\n٣ - الغلو في الشيوخ والكبراء (٣).\n٤ - التأثر بالثقافات الأجنبية، والافتتان بالغرب (٤).\nبينما نجد أن مظاهر الغلو في مفهوم التقليد تتعدد وتتكاثر لكن من أهمها:\n_________\n(١) العقائد الفاسدة لا تنشأ إلا في ظل الجهل، كما نشأت الفرق المنحرفة عن العقيدة في تاريخ الإسلام، كالخوارج، والمعتزلة، والرافضة، والجهمية، وغيرها، وما تسلل أهل الأهواء والنحل إلا من تحت أنقاض العقائد الضالة الزائفة، وما انتشرت الأفكار الإلحادية والفلسفية لدى المسلمين إلا بالبعد عن فهم كتاب الله تعالى وسنة رسول الله - ﷺ - على منهج السلف الصالح ﵃.\nينظر: التدابير الواقية من التشبه بالكفار، لعثمان دوكوري (ص ٧٩٦).\n(٢) ومن هذا التعصب تقليدهم في الشرك وعبادة الأصنام، وقد ضل في هذا الباب خلق كثير قديمًا وحديثًا، ولا ريب في كفر هؤلاء المقلدين لأسلافهم من الكفار، قال الله -﵎- عنهم: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ الأعراف: ٢٨، أعوذ بالله من الافتراء على الله تعالى.\nينظر: طريق الهجرتين لابن القيم (ص ٧١٢) وما بعدها، والاعتصام للشاطبي (١/ ٣٤٧).\n(٣) وهذا أحد أهم الأسباب؛ لأن الغلو في الشيوخ والكبراء موجود عند الأمم السابقة، كأهل الكتاب وغيرهم، ويوجد أيضًا في هذه الأمة، وقلّما تجد رجلًا تعلّقت به طائفة لم تنسج حوله الأساطير! . كذلك فإنهم لا يقبلون من الدين رأيًا ورواية إلا ما جاءت به طائفتهم، مثل: أتباع الفرق، كالجهمية والمعتزلة والخوارج والروافض والباطنية والأشاعرة ونحوهم، وأتباع الاتجاهات والأحزاب: كالقومية، والبعثية والاشتراكية والماركسية، وأتباع الملل والنحل المعاصرة، كالبهائية، والقاديانية، وغيرها، قال الله تعالى محذرًا من هذا المنزلق: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾ المؤمنون: ٣٤.\nينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٦، ٨٧)، قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام (٢/ ١٥٩).\n(٤) ومن الأسباب التي أدت إلى افتتان بعض المسلمين بالغرب ما يلي:\nأ-أن المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب. ب- المجاورة: قال ابن خلدون في مقدمته (١٠١ - ١٠٢): \"إذا كانت أمة تجاور أخرى، ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير\". ج- انبهار المسلمين بالتقدم المادي وجهلهم بحقيقة الحضارة الغربية الجاهلية. د- الشعور بالنقص أمام الحضارة الغربية.\n\nينظر: التقليد والتبعية وأثرهما في كيان الأمة الإسلامية د. ناصر العقل (ص ١١٤)، والإسلام على مفترق الطرق لمحمد أسد (ص ٧٩)، والتقليد في باب العقائد وأحكامه (١٥٤ - ١٥٥).","vol":"1","page":173},{"text":"١ - ادعاء العصمة لمتبوعيهم، حيث يعتقدون أنهم معصومون عن الخطأ، لا يبرحون الحق، وأن كلامهم صواب دائمًا لا يقبل الخطأ، ولا يحتاج إلى مناقشة أو دليل (١).\n٢ - الاستغناء عن الأصلين العظيمين: الكتاب والسنة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"ولو فتح هذا الباب - يعني متابعة الإمام المقلد حتى مع المخالفة- لوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله - ﷺ -، ويبقى كل إمام (٢)\nفي أتباعه بمنزلة النبي - ﷺ - في أمته\" (٣).\n٣ - تعدد الأحزاب والفرق الباطلة، المغايرة لدين الإسلام الحق (٤)، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ المؤمنون: ٥٣.\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٧١، ٢٧٢)، الاتباع: أنواعه وآثاره في بيان القرآن، لمحمد مصطفى السيد (١/ ٣١٦).\n(٢) ومن أشهر الطوائف والفرق المغالين في شيوخهم وأئمتهم: الصوفية، والرافضة، وعموم المقلدة في كل المذاهب.\nفغلاة الصوفية يضفون على شيوخها قديمًا وحديثًا أوصافًا عظيمة، وتنسب لهم أفعلًا لا تليق إلا بالخالق جل وعلا، مثل: القدرة على التصرف في الكون والحياة، والقدرة على إنزال المطر وشفاء الأمراض، وإحياء الموتى، ونصر المظلوم، وحفظ العالم من الآفات، وأنهم يعلمون الغيب، وأنهم معصومون، وأن لهم الحق في التشريع، وأن بعض الأشخاص يسعه الخروج عن الشريعة، وغير ذلك من مزاعمهم، تعالى الله عن قولهم.\n\nوالرافضة أيضا بالغوا في أئمتهم، علي بن أبي طالب ﵁ وأولاده مبالغة جاوزوا فيها الحد، فالأئمة عندهم هم الواسطة بين الله والخلق، ولا هداية للناس إلا بهم، وهم أفضل من الأنبياء والمرسلين، وهم معصومون عن السهو والنسيان والخطأ، ولهم حق التحليل والتحريم، وأسندوا إليهم الحوادث الكونية، إلى غير ذلك من الغلو الواضح في حق أئمتهم.\nينظر في التصوف: لجامع كرامات الأولياء ليوسف النبهاني، وتقديس الأشخاص في الفكر الصوفي لمحمد أحمد لوح، والفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق (ص ٢١٩) وما بعدها.\n\nوينظر في الرافضة: منهاج السنة لابن تيمية، والشيعة وأهل السنة والشيعة وأهل البيت كلاهما لإحسان إلهي ظهير، وأصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية للدكتور ناصر القفاري (٢/ ٤٤١، ٥١٤، ٧٣٣) وما بعدها، التقليد في باب العقائد وأحكامه د. ناصر بن عبد الرحمن الجديع (ص ١٤٩ - ١٥٠).\n(٣) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢١٦).\n(٤) يقول العزالي ﵀: \" إن اختلاف الخلق في الأديان والملل، ثم اختلاف الأئمة في المذاهب على كثرة الفرق وتباين الطرق، بحر عميق غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون، وكل فريق يزعم أنه الناجي، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ المؤمنون: ٥٣\".\nينظر: المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال، لأبي حامد الغزالي (ص ٧٩).","vol":"1","page":174},{"text":"٤ - الوقوع في الكفر (١)،\nومحاكات أهله (٢).\n٥ - لوقوع في البدعة (٣)،\nوتقليد أصحابها (٤).\n٦ - الوقوع في المعاصي (٥).\n_________\n(١) ويكون بتقليد الآباء والأسلاف في الشرك وعبادة الأصنام، وفي تقليد أتباع الديانات السماوية وسائر الديانات الأخرى الباطلة، لمتبوعيهم وكبرائهم، وتقليد الملاحدة في عدم الإيمان بالله تعالى، وإنكار النبوات والأديان، وتقليد علماء السوء في دعاء الأموات وأصحاب القبور، وتقليد زعماء الصوفية في الاعتقاد بوحدة الوجود، وتقليد النصارى في الغلو في الأنبياء والصالحين الموصل إلى الشرك كاعتقاد ألوهية بعض الأئمة أو حلول الجزء الإلهي فيهم، وكذلك تقليد الدول الكافرة في تعطيل الحكم بما أنزل الله، واعتقاد عدم صلاحية الشريعة الإسلامية للتطبيق، وغير ذلك.\nينظر: التقليد في باب العقائد وأحكامه (٢٠٧ - ٢٠٨).\n(٢) ويمكن بيان أبرز مظاهر التقليد المذموم للكفار من اليهود والنصارى وغيرهم كما يلي:\n١ - الغلو في الدين: مثل اعتقاد ألوهية بعض الأئمة، أو حلول الجزء الإلهي وتجسده فيهم! أو اعتقاد تناسخ الأرواح، والقول برجعة الإمام، -وهذه الأشياء موجودة لدى غلاة الشيعة-، واعتقاد وحدة الوجود - وهو مذهب لكثير من المتصوفة-، الرهبانية والتشدد في الدين.\n٢ الغلو في الأنبياء والصالحين: ويكثر هذا عند جهال المتصوفة، متأثرين بالنصارى.\n٣ - الحكم بغير ما أنزل الله: وهذا مما ابتليت به أكثر البلدان الإسلامية، متأثرة باليهود في إعراضهم عن تحكيم كتاب الله تعالى.\n٤ - الدعوة إلى العلمانية وتطبيقها في بلاد المسلمين.\n٥ - الدعوة إلى القومية العربية وغيرها من القوميات.\n٦ - الافتتان بالمذاهب الأدبية الغربية: ولا ريب أن ميدان الأدب من أخطر الميادين، حيث إنه أقدر الأدوات على تطويع الرأي العام، وعلى صوغ الجيل وتشكيله فيما يراد له من صور، ولعل من أخطر هذه المذاهب الهدامة مذهب الحداثة: (وليست الحداثة العربية تجديدًا في فنيات الشعر والنثر وشكلياتهما، بل هي حداثة غربية في كل جوانبها وأصولها وفروعها).\nينظر: الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة د. ناصر العقل، د. ناصر القفاري (ص ١٠٣ - ١٠٤)، الاتجاهات الفكرية المعاصرة وموقف الإسلام منها د. جمعة الخولي (٩١، ١١٦)، الموسوعة الميسرة (٢/ ٨٨٠، ٨٨٢)، التقليد في باب العقائد وأحكامه (ص ١٦٧) وما بعدها.\n(٣) وتختلف البدع وتتفاوت باختلاف نوعها، فإن منها ما يصل إلى حد الكفر، ومنها ما يكون أدنى من ذلك، وبالجملة فإن انتشار البدع كان نتيجة لتقليد اللاحق للسابق والاغترار برؤساء الطوائف من أهل البدع.\nينظر: الاعتصام للشاطبي (١/ ١٦٧) وما بعدها، ودراسات في الأهواء والفرق والبدع وموقف السلف منها د. ناصر العقل (ص ١٥٧، ١٥٨).\n(٤) ومن أبرز الأمثلة على تقليدهم في أنواع عديدة من البدع التي تلبسوا بها:\n١ - الأذكار والأدعية البدعية غير المشروعة.\n٢ - الحلف غير المشروع.\n٣ - بدع القبور.\n٤ - اتخاذ آثار الأنبياء والصالحين ونحوهم مزارات يُتبرك بها.\n٥ - التعطيل أو التأويل أو التمثيل لأسماء الله تعالى وصفاته، والتأويل لبعض مسائل العقيدة، كأمور اليوم الآخر، على تفاوت في ذلك بين الطوائف.\n٦ - تعليق التمائم ونحوها.\n(٥) التقيد أوقع أصحابه في أنواعٍ من المعاصي والمخالفات الشرعية، منها:\n١ - التقول على الله تعالى بغير علم في أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله.\n٢ - تقديم آراء الرجال ومذاهبهم على نصوص الكتاب والسنة.\n٣ - عدم تجريد المتابعة للرسول - ﷺ -.\n٤ - تقليد من يجهل المقلد أهليته للأخذ بقوله.\n٥ - تقليد من يعلم المقلد أن قوله مخالف للدليل.\n٦ - الغلو في الشيوخ والكبراء المتبوعين، ورفعهم فوق منزلتهم.\n٧ - تقليد أهل الجاهلية في كثير من خصائصهم المذمومة.\n٨ - تقليد الكفار في شيء من خصائصهم، وعاداتهم، ونحو ذلك مما نهى الإسلام عنه.\n٩ - ما يترتب على التقليد المذموم للكفار من آثار سيئة، مثل موالاتهم، والتبعية لهم، وعدم البراءة منهم، ولا ريب أن هذا إخلال كبير بمبدأ الولاء والبراء.\n١٠ - من أخطر نتائج تقليد الكفار بأصنافهم موازنة الديانات بالدين الإسلامي، وتقريب بعضها إلى بعض، وأنها جميعًا متقفة في الأصول، والخلاف بينها إنما هو في الفروع فقط! فيما يعرف بالتقريب بين الأديان.\n١١ - من نتائج تقليد الكفار أيضا بروز دعوات غربية لمحاربة الأخلاف والآداب الإسلامية.\n١٢ - ما تتضمنه غالبًا أعياد المولد النبوي، وأعياد موالد الصالحين.\n١٣ - ما يترتب من المفاسد والأضرار على بدع القبور واتخاذها مزارات، وأعيادًا متكررة.","vol":"1","page":175},{"text":"١ - التعصب للآراء والمعتقدات، وسوء الظن بالآخرين واتهامهم، واعتبار من يخالفهم في الدين مبتدعًا (١).\nلذا فمفهوم التقليد الأعمى في باب العقائد من أعظم أسباب افتراق الأمة الإسلامية إلى فرق ضالة، وبدع متقابلة؛ ذلك أن الأتباع يقلدون متبوعيهم، وهذا يؤدي إلى آثار خطيرة متعددة، ومعظمها يمس الجانب العقدي، فكل من يخالف الرسول - ﷺ - فهو مقلد متبع لمن لا يجوز له اتباعه، كالذي يترك طاعة رسول الله، ويتبع سادته وكبراءه، من أمراء أو مشايخ، أو علماء، أو يتبع غيرهم، أو يتبع الرسول - ﷺ - ظاهرًا من غير إيمان في قلبه، وعلى هذا فإن من أطاعهم في معصية الله فقد أشرك مع الله غيره (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>المعلم الثامن: اضطرابهم في مفهوم الولاء والبراء:</span>\nتعرضَ مفهوم الولاء والبراء إلى أنواع من الاضطراب في الاستعمال، وضروب من الفوضى في التوظيف ما بين انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين (٣)؛ فأدى ذلك إلى كثير من البلاء والفتن، حيث جعله الغلاة -بصورته المحرَّفة- مناط الإيمان، وشرط الدخول في جماعة الإسلام. وكَفَّرُوا بمقتضاه كلَّ من لم يحرره في عقيدته وتطبيقه، على ما فهموه وقصَّدوه من معنى.\nبينما لم يعتبره الجفاة من أصول الدين عندهم، فحاولوا تذويبه، ومهاجمة مظاهره الشرعية الصحيحة -بإشاعة عادات الكفار وتقاليدهم بين المسلمين-، ولم يقف بهم الأمر عند هذا الحد بل قاموا بالمطالبة بإلغاء عقيدة الولاء والبراء المبنية على الأساس الديني، بحجّة\n_________\nينظر: الجواب الكافي (ص ٣٤) وما بعدها، المعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع لحامد بن محمد المصلح، والتساهل مع غير المسلمين د. عبد الله الطريقي (ص ٣٦ - ٣٧)، دعوة التقريب بين الأديان دراسة نقدية في ضوء العقيدة الإسلامية، د. أحمد القاضي، التقليد في باب العقائد وأحكامه (٢١٢ - ٢١٤).\n(١) الغلو في الولاء والبراء للجماعات والأشخاص، كاعتقاد بعضهم أن الجماعة التي ينتسب إليها هي جماعة المسلمين التي من فارقها يكون مرتدًا، وكالغلو في محبة وموالاة أئمتهم، ومعاداة المخالفين إلى درجة تكفيرهم.\nينظر: الغلو في الدين، اللويحق (ص ٢١٠ - ٢١٥)، والافتراق بين وسطية الإسلام وظاهرة الغلو (ص ٤٤٦).\n(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٤/ ١٩٧ - ١٩٩)، ودرء التعارض (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، وجهود شيخ الإسلام في توضيح توحيد العبادة (٢/ ١٢٨٠).\n(٣) جمعوا الجهل بنوعيه: الجهل المنافي للعلم والتحقيق، والجهل المنافي للعقل والحلم وصالح الأخلاق؛ والجهل سبب للخروج برؤى معوّجة.","vol":"1","page":176},{"text":"أنها تؤصّل ثقافة الكراهية للآخرين (١)، وتؤجّج نار التطرُف والغُلُوّ، وجعلوها على أساس الوطنية والقومية.\nوهكذا تنتج لنا البدع المتقابلة عقيدة مشوهة المعالم مضطربة المفاهيم غير مقبولة شرعًا ولا عقلًا، مما آلت إليه عقيدة الولاء والبراء بفعل هؤلاء وهؤلاء. ويرجع ذلك إلى الأسباب التالية:\n١ - عدم فهم وضبط الأدلة الشرعية (٢).\n٢ - ردة الفعل في تطبيق أحكام الولاء والبراء من قبل بعض المنتسبين للإسلام (٣).\n٣ - تحسين صورة الإسلام المشوهة لدى الكفار (٤).\n_________\n(١) إضعاف مفهوم الولاء والبراء لدى المسلمين وإيقاعهم في مفاهيم مغلوطه، تحت شعارات منها: (المحبة والاحترام المتبادل) و(الأخوة الإنسانية) و(نبذ التعصب الديني) و(ونبذ الشك والارتياب بالآخر) ... ودعوى (أن التباين بين المسلمين وأهل الكتاب هو نتاج سياسية الملوك والرؤساء) و(أن أحكام الولاء والبراء مأثورات تاريخية لا عقدية، قابلة للتغيير بتغير الزمان والمكان) و(أن أحكام الولاء والبراء ليست من الشرائع الكلية المنصوص عليها والتي لا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة وإنما هي من السياسات الجزئية التابعة للمصالح) ونحو ذلك من المفاهيم المغلوطة مما أضعف هذه العقيدة العظيمة في نفوس المسلمين.\nينظر: موقف الاتجاه العقلي الإسلامي المعاصر من قضايا الولاء والبراء (ص ٥٧٣).\n(٢) الأخذ بإطلاقات بعض النصوص الشرعية دون فهم للمراد منها: لذلك نجد أن الذين غالوا في الولاء والبراء لا يعرفون العام والخاص، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، وهذا الدليل هل هو على إطلاقه، أو ليس على إطلاقه ونحو هذا، وهذا هو السبب الأول الذي يقع فيه المنحرفون.\n\nينظر: أسباب الانحراف في الولاء والبراء، للدكتور عصام السناني، رابط الموضوع: http://www.assakina.com\n(٣) من السنن أنه ما من غلو يظهر إلا وينشأ عنه غلو مضاد، فالدين ظنوا أن مقتضى البراء من الكفار معاملتهم بعنف وغلظة، واستباحة دماء الذميين والمعاهدين واستحلال أموالهم مستدلين على ذلك بنصوص النهي عن موالاة الكافرين وموادتهم.\nقابلهم من أَعمل نصوص البر والإحسان بالمخالفين الذين لم يقاتلوا المسلمين وأغفلوا نصوص النهي عن موالاة الكافرين وموادتهم. فقابلوا الغلو بالغلو! . فتجد أن كلًا منهم ينتقي من النصوص ما يوافق هواه.\nينظر: موقف الاتجاه العقلي الإسلامي المعاصر من قضايا الولاء والبراء (ص ١١٠).\n(٤) اهتم الغلاة بتحسين الولاء والبراء حسب مذاهبهم ومعتقداتهم، فاعتبروا كل تعامل مع غير المسلم يمثل شكلًا من أشكال المداهنة والتنازلات في دين الله؛ بينما اهتم الجفاة بتحسينه في أذهان الغربيين؛ لأن الغرب يستنكر عقيدة الحب في الله والبغض في الله ويرى أنها من التعصب، فحرص بعض المنهزمين إلى تأويل النصوص وتعسف الأدلة ونفي عقيدة الولاء والبراء، ونسبة ضدها للإسلام؛ وهذا يعتبر من الشرك التشريعي الذي لا يقل خطرًا عن الشرك العقدي، ولا شك أن وقوع مثل هذا اللون من الشرك -شرك الحكم والتشريع في الساحة الإسلامية- حق لا ريب فيه وخطورته لا تقل عن خطر شرك القبور والأضرحة.\nينظر: موقف الاتجاه العقلي الإسلامي المعاصر من قضايا الولاء والبراء (ص ١٠٥، ٥٧٦).","vol":"1","page":177},{"text":"٤ - وقوعهم تحت ضغط الهزيمة النفسية أمام الحضارة الغربية (١).\n٥ - معالجة الأحداث الطائفية (٢).\n_________\n(١) ظهرت جراء ذلك صور من الولاء الفكري المعاصر: في التعليم، والإعلام، ونشر كتب المستشرقين، والدعوة إلى المذاهب اللادينية، ويجلى في ذلك حب التبعية للغرب، دون نظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد؛ وفي المقابل ظهر الروح الضدية المعاندة للغرب ولكل ما يأتي من الغرب ولو كان واضح المصلحة.\n(٢) ولدت الأحداث الطائفية في البلاد الإسلامية في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري إبان الاستعمار الأوروبي النصراني لممالك المسلمين، وتم علاج المشكلة من قبل أصحاب البدع المتقابلة، بنحر أحكام الولاء والبراء، فسلك أصحاب التفريط طريق استدفاع ويلات الفتنة الطائفية وآثارها المدمرة باسترضاء أهل الكفر ولو على حساب دين الله، فأهدروا الأخوة الإسلامية وأحلوا الأخوة الوطنية التي تشمل أهل الكفر، ورأوا أنه أساس في تكونين الأمة وبنائها، وأبطلوا أحكام أهل الكفر وعدوها سبيلًا إلى الشقاق وتمزيقًا لوحدة الأمة، مستدلين على ذلك بنصوص البر والإحسان بالمخالفين الذين لم يقاتلوا المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم ولم يظاهروا على إخراجهم، وأغفلوا النصوص المقابلة.\nأما الغلاة فتحزبوا وأخذوا بعقيدة الخوارج، وظنوا أن من مقتضى البراء من الكفار معاملتهم بعنف وغلظة، واستباحة دماء الذميين والمعاهدين واستحلال أموالهم، مستدلين على ذلك بنصوص النهي عن موالاة الكافرين وموادتهم، مغفلين النصوص المقابلة.\nينظر: موقف الاتجاه العقلي الإسلامي المعاصر من قضايا الولاء والبراء (ص ١٠٧ - ١١١)، والجمعيات القومية العربية وموقفها من الإسلام والمسلمين في القرن الرابع عشر الهجري للدكتور خالد الدبيان، الإسلام والحضارة الغربية، د. محمد محمد حسين (ص ٢٠٢) وما بعدها.","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>المطلب الثاني: مظاهر الغلو والجفاء:</span>\nللغلو والجفاء مفاسد كثيرة وآثار سيئة على أصحابها خاصة وعلى الناس بعامة؛ والحديث عن مظاهرها قديمًا وحديثًا حديث متشعب، ذو فروع؛ تتعدد أشكاله وصوره إلى: عقدية (١)، ومنهجية، وأخلاقية، وتشريعية وغير ذلك، والمقام لا يتسع للإتيان عليها كلها في هذا المطلب، ولكن لا مناص من إبراز أهم مظاهرها وأشدها خطورة في الجوانب التالية:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-156> مظاهر الغلو والجفاء في الجانب الفردي </span>(٢) (المسئولية الفردية):\nلقد اهتمَّ القرآن الكريم بإرشاد الإنسان إلى ما يحقق له العيش الرغيد في الحياة الدنيا، والفوز برضا ربه في الآخرة، وذلك من خلال ما نبهت إليه كثير من الآيات الواضحات؛ فعندما فقه الرَّعيل الأول نداءات القرآن، وحَمَلها وعَمِل بها، شيَّد بها حضارة يشهد الناس بسموها، لكن عندما أعرض كثير من أبناء المسلمين عن هديها وقعوا في الغلو والجفاء ولا زالوا يتجرعون مرارتهما على مر التاريخ، ومن مظاهرهما على الجانب الفردي ما يلي (٣):\n_________\n(١) الغلو في الاعتقاد أخطر أنواع الغلو؟ ذلك أن الاعتقاد درجة عالية من جزم القلب بما فيه من رأي أو فكر أو شرع، فأصعب ما يكون انتزاعها؛ لأن صاحبها يدافع عنها كما يدافع عن دمه وماله وعرضه، ومعلوم أن الغالي إنما يعتقد ما يتوهم أنه شرع الله وليس كذلك، بل إنما يعتقده فكرا كان أو رأيا مصدره الهوى.\n(٢) مشكلة الغلو والجفاء ينظر إليهما من ناحية الزمن من جانبين:\nأ - الناحية الفردية: وهذا - في الغالب - غلو أو جفاء مرحلي ينتهي إما إلى سنة واعتدال، وإما إلى الطرف المقابل.\nب - الناحية الجماعية: - كوجود الغلو أو الجفاء في الأمة - فهذه مشكلة دائمة حيث لا يخلو زمان من غلو أو جفاء، ولكنه يتسع ويضيق بحسب العوامل والأسباب المؤدية إليه.\nوتعتبر المشكلة فردية إذا نظرنا إلى جانب الغلو الجزئي العملي. وهي كذلك مشكلة جماعية إذا نظرنا إلى جانب الغلو الكلي الاعتقادي.\nينظر: الغلو مفهومة وحقيقته وصوره وأسبابه وعلاجه، لعبد الله محمد الغليفي (ص ١٥٣).\n(٣) ينظر حول هذه المظاهر المذكورة وزيادة عليها: الغلو في الدين للويحق (١٩٢ - ٥٢٠)، الخوارج د. ناصر العقل (ص ١٤٦ - ١٥٠)، خطاب دعوة الغلو الاعتقادي في المجتمع السعودي د. محمد إبراهيم الزهراني (ص ٧)، الافتراق بين وسطية الإسلام وظاهرة الغلو (ص ٤٤٥ - ٤٤٩)، ظاهرة الإرهاب والتطرف، أ. د. بدر البدر (١/ ١١٠)، الغلو في الدين ومجاوزة الوسطية، أ. د. إبراهيم الهويمل (١/ ٢٧ - ٢٨)، والغلو وأثره في ظاهرة التكفير لجمال محمد السيد، مؤتمر ظاهرة التكفير (٥/ ٢٤٩١).","vol":"1","page":179},{"text":"١ - الميل إلى التضييق والتشديد (١)، وتوسيع دائرة التحريم والمحرمات، وتجاهل التيسير ورفع الحرج (٢)، بل ورمي من يأخذ بالرخص الشرعية بالتساهل والتفريط (٣).\nوفي المقابل نجد من يدعو إلى التساهل ويوسع دائرة المباح ويتجاهل المحرمات والمنهيات ويرمي كل من يتمسك بالدليل بالغلو والتشدد، فنجد أن القتل والزنا والسرقة وشرب الخمر ونحوها، لا تقدح في الإيمان عند هؤلاء، ولا تنقص منه شيئًا، وأنه يكفي في الإيمان الإقرار، ولا شك أن هذا تطرف بالتساهل، والأول تطرف بالتشدد.\n٢ - الغلظة والفظاظة في التعامل مع الناس ودعوتهم (٤)، وربما مفارقتهم وهجرهم، خلافًا لهدي النبي - ﷺ - وأمره بالرفق والحكمة واللين.\nوفي المقابل تظهر الدعوة إلى الانسلاخ عن الدين بدعوى إبعاد الدين عن الحياة وحصره في المسجد، ورفع شعارات التسامح والتيسير والتخفيف (٥)؛ خلافًا لهدي النبي - ﷺ - وتعطيلًا للشرع.\n_________\n(١) والتشدد في الدين كثيرًا ما ينشأ عن قلة الفقه في الدين، وهما من أبرز سمات الخوارج.\n(٢) وإذا تأمل المسلم ما جرى في حادثة الإسراء والمعراج من فرضية الصلاة على النبي ﷺ، ومراجعته ربه جل وعلا في تخفيف عدد الصلوات من خمسين إلى أن بلغ خمس صلوات؛ علم يقينا أن الشارع الحكيم لا يقصد في تكاليفه المشقة على العباد وإلحاق العنت بهم. فلم يبق لمن ألزم نفسه بالغلو في جزئيات الشريعة حجة. وكل ما تقدم في ذم من غلا في جزئية أو جزئيتين، أما من كثر غلوه في الجزئيات فلا ريب أن غلوه هذا يلحق بالغلو الاعتقادي.\n(٣) هذا الفعل يزهد في السنة والوسطية والاعتدال وباعتبار ذلك تساهلا في الدين والعبادة كما في قصة الثلاثة الذين تقالوا عمل النبي ﷺ. والزيادة والإفراط في العبادة بما لم يأذن به الله، بل هو قدح في الشريعة وواضعها الذي شرع للناس عبادتهم؛ لأنه يتهم الشريعة بالنقص، فلهذا طلب الزيادة بالغلو.\n(٤) ويظهر هذا جليًا: في سوء الأدب والجفاء مع من يجب احترامهم وتوقيرهم، كالوالدين وكبار السن، والجيران، والمعلمين، وأهل الاعتبار من الولاة ونحوهم. كما يلحظ سوء أدبهم مع المشايخ وأهل العلم، وغمزهم ولمزهم، والطعن فيهم، وعدم توقيرهم، والله المستعان.\n(٥) هم يرون الإباحية والتحلل من الدين والأخلاق تقدمًا ورقيًا وحضارة .. ويرون أن التمسك بالدين فيه كبت للحريات وعائق عن الانطلاق مع الحضارة العالمية.","vol":"1","page":180},{"text":"٣ - تشديد المسلم على نفسه في عمل طاعة (١) من غير ورود الشرع بذلك (٢).\nوفي المقابل يوجد التسهيل على النفس إلى حد ترك العمل المأمور به شرعًا؛ وشرور الانحلال من الدين أشد من شرور الغلو فيه ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ النساء: ٢٧، وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ مريم: ٥٩ - ٦٠.\n٤ - الاستبداد بالرأي والتعصب له وتجهيل الآخرين (٣)، وهذا التعصب المقيت قد صدهم عن الاستجابة للحق بعد وضوحه (٤)، والتعصب للرأي وتجهيل الآخرين يتنافى مع مبادئ هامة في الإسلام كالشورى والتناصح؛ وهذا المظهر جلي الوضوح عند الغلاة والجفاة.\n_________\n(١) إن الغلو ليس هو الفعل فقط بل قد يكون تركا -مع أن الترك قد يكون فعلا - فترك الحلال كالنوم والأكل ونحوه نوع من أنواع الغلو، إذا كان هذا الترك على سبيل العبادة والتقرب إلى الله كما يفعل بعض الصوفية والنباتيين.\nينظر: الغلو في الدين ص (٨٤).\n(٢) كالذي يجعل حبلًا يتعلق به إذا فتر عن قيام الليل، ونحوه، فإن هذا العمل غير ناتج عن عقيدة فاسدة، وإنما قد يظن المكلف أن ذلك زيادة خير. فإن صاحب هذا العمل عقيدة فاسدة فهو الغلو الاعتقادي، كحالة بعض المنتسبين إلى التصوف، ممن يعتقد أن تعذيب النفس في الطاعة مطلقًا من أفعال الخير والهدى.\n(٣) ومن أمثلة ذلك: ذو الخويصرة الجهول، يقول ابن الجوزي: وآفته أنه رضي برأي نفسه، ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله ﷺ.\nوكذلك اعتقاد الخوارج أنهم أعلم من علي ﵁. إن هؤلاء المساكين وقعوا أسرى لألفاظ لم يحسنوا فهمها، ولم يستمعوا لمن يجليها لهم، ويفهمهم إياها، لأن الصواب هو رأيهم وما عداه خطأ.\nيقول محمد أبو زهرة: أولئك استولت عليهم ألفاظ الإيمان، ولا حكم إلا لله، والتبرؤ من الظالمين، وباسمها أباحوا دماء المسلمين وخضبوا البلاد الإسلامية بجميع الدماء وشنوا الغارة في كل مكان.\nينظر: تلبيس إبليس (ص ٩٠)، وتاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص ٦١).\n(٤) ناظرهم أمير المؤمنين علي ﵁ وناظرهم ابن عباس ﵁ وأزالا أعذارهم، ودحضا شبهاتهم، وأقاما عليهم الحجج الدامغة، وأفحماهم بالبراهين الساطعة، فلم يستجب إلا بعضهم واندفع الكثير لاستباحة دماء المسلمين.","vol":"1","page":181},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-157> مظاهر الغلو والجفاء في الجانب الاجتماعي والإنساني:</span>\nأُتي المسلمون من خللهم في هذا الجانب، والإعراض عن ضوابطه الشرعية بمصائب كثيرة ابتداء من فتنة الدار إلى عصرنا الحاضر، ويتجلى هذا الإعراض في أمور كثيرة نقف على أهم مظاهرها، فيما يلي:\n١ - كثرة البدع والعقائد الفاسدة، وما نتج عن ذلك من الافتراق والفرق والأهواء، والتنازع والخصومات في الدين.\n٢ - الإعراض عن نهج السلف الصالح وجهله، أو التنكر له من كلا الطرفين.\n٣ - العلمنة الصريحة في أكثر بلاد المسلمين -بسبب الجفاء-، والتي أدت إلى الإعراض عن شرع الله، وظهور الزندقة والتيارات الضالة، والتنكر للدين والفضيلة، مما أدى إلى:\nأ-شيوع الفساد، وظهور الفواحش والمنكرات، وحمايتها (١).\nب-التعلق بالشعارات والمبادئ الهدامة والأفكار المستوردة.\nوحين لا يظهر السعي الجاد لتغيير الحال وإنكار المنكر، يُلجأ إلى التصدي لهذه الانحرافات بلا علم ولا حكمة (٢)، فتظهر البدع المتقابلة.\n٤ - مجاوزة الحد في إلحاق الحكم على الناس بالكفر (٣) أو البدعة أو الفسوق (٤)؛ وهو الغلو الفاحش الذي أردى الأمة ونخر في جسمها، فترتب على فعلهم هذا: إراقة دماء طاهرة، وإزهاق أنفس معصومة، وتمزق الجماعة (٥)، وانتشار التباغض والشحناء بين أهل الإسلام.\n٥ - إحداث أصول تشريعية جديدة (٦).\n_________\n(١) من أجل هذا وقع أكثر المسلمين في التقصير في حق الله تعالى، وضعف لديهم مظاهر التقوى والورع والخشوع، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو التقصير فيه في أكثر بلاد المسلمين. والله المستعان.\n(٢) إن المظاهر غير الإسلامية التي عمت كثيرًا من بلاد المسلمين، كانت رافدًا كبيرًا من روافد الغلو وجذرا رئيسًا من جذوره وسببًا لاستفزاز الحليم فضلًا عن غيره.\n(٣) وأنواع التكفير:\n١ - التكفير بالمعصية.\n٢ - تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله بإطلاق بدون تفصيل.\n٣ - تكفير الأتباع المحكومين بغير ما أنزل الله بإطلاق.\n٤ - تكفير الخارج عن الجماعة.\n٥ - تكفير المقيم غير المهاجر بإطلاق.\n٦ - تكفير المعين دون اعتبار للضوابط الشرعية.\n٧ - تكفير من لم يكفر الكافر بإطلاق.\n٨ - القول ببدعة التوقف والتبين.\n٩ - وصف المجتمعات المعاصرة بوصف الجاهلية بإطلاق.\n١٠ - وصف البلاد المسلمة بأنها ديار كفر أصلى. وغير ذلك مما هو موجود عند أصحاب التكفير.\n(٤) تنزيل هذه الأحكام على الشخص المعين لا بد لها من شروط تتوفر، وموانع تنتفي، كما أجمع على ذلك علماء أهل السنة والجماعة.\n(٥) ومثل هذا يقال في التبديع بغير حق، والتفسيق بغير حق، فإنه يقود إلى التقاطع والتباغض، وهو سبيل إلى التكفير بغير حق. والله المستعان.\n(٦) فنجد عند أصحاب الغلو: التشديد على الناس وعلى أنفسهم، وتحريم الطيبات، والخروج على الحكام دون اعتبار للضوابط الشرعية والقدرة والاستطاعة والتحيز، وتحريم التعليم والدعوة إلى الأمية، وتحريم الصلاة في المساجد، وإيقاف صلاة الجمعة، واعتزال المجتمعات ومفاصلتها، والهجرة من المجتمعات، والقول بمرحلية الأحكام، أو بدعة القول: إننا نعيش في العهد المكي، وتحريم العمل في الوظائف الحكومية. وغير ذلك.","vol":"1","page":182},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\nبينما نجد عند أصحاب الجفاء: التسهيل وتمييع الدين، وإباحة ما حرم الله تعالى -من الربا والزنا وشرب الخمر ... -، والدعوة إلى السفور بحجة التحضر والتعلم، والعيش بين ظهراني الكفار دون ضرورة، وظهر دعاة الفلسفة الليبرالية، التي تعطي الفرد وتضخمه على حساب المجتمع، ودعاة الفلسفة الجماعية الماركسية، التي تعطي المجتمع وتضخمه على حساب الفرد؛ وإخراج العمل من مسمى الإيمان لهوى وافق شهوات الكثير منهم، والقليل كان لشبهة، وغير ذلك.\nوهذا يغني عن تناول موضوع (مظاهر الغلو والجفاء في الجانب التشريعي) لأنه سبق ذكره مفرقا في الكلام السابق.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>المبحث الثالث الاتجاهات المغالية </span>(١).\nإن الأمم الكثيرة التي لا تكاد تنتهي حصرًا واستقصاءً من الداخلين في هذا الدين قد جروا معهم عن قصد أو عن غير قصد، بحسن نية أو بسوء نية، مجموعة من الأفكار، والانتماءات الحزبية، والمأثورات الشعبية، والأساطير القومية، والاتجاهات السياسية، والاتجاهات العقلانية (٢)، وغيرها من الاتجاهات التي يجمع بينها المغالاة أو المجافاة (٣).\nوإذا نظرنا إلى العالم الإسلامي اليوم وجدنا أن الاتجاهات فيه لا تعد ولا تحصى وكفانا عنها تحذيرًا وتنفيرًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الأنعام: ١٥٩، وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ آل عمران: ١٠٥، على أن الذي يهمنا هو كشف هذه الاتجاهات؛ لأن في ذلك تفويتًا للفرصة أمام المتربصين والمستغلين لها في تقويض منهج أهل السنة الجماعة ومحاربته.\nويمكن تقسيم الاتجاهات المغالية عند التأمل إلى ثلاثة اتجاهات:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-159> الاتجاه الأول:</span>\nالمنتمون للإسلام وهم على شيء من الانحراف والضلال أو على الكفر أو الجهل، وهم كثير ممن يدعي أنه على الإسلام الحق أمثال: الصوفية، والرافضة، والخوارج، والمعتزلة، والمرجئة، والجهمية، والأشاعرة، والباطنية، والنصيرية، والقاديانية وغيرهم.\n_________\n(١) الغلوّ بمعناه الواسع، الشامل لكلّ ما جاوز الحدّ، وقد اكتفيت بذكر الاتجاهات المغالية إجمالًا دون التفصيل لأسباب:\nأن هذا هو المقصود لذاته -ذكر الاتجاهات المغالية-، والتي لا توجد إلا مفرقة في بعض المصادر.\nأن التفصيل -بإسهاب- اهتمت به رسائل علمية متخصصة، فلا تكاد تجد فرقة إلا وقد تعرضت للبحث.\nأن الذين تعرضوا لدراسة الفرق وغيرها من المؤلفين في الفرق والمقالات، كالأشعري والبغدادي والملطي والشهرستاني والرازي والخوارزمي والإيجي والسكسكي، قد ذكروا أسماء مختلفة ومتداخلة ومصحفة، ونسبوا لكل فرقة رأيًا يصعب أحيانًا التفريق بينه وبين رأي الفرقة الأُخرى، أو بينها وبين مذاهب المخالفين، وتمحيص ذلك وتحقيق القول فيه مما يطول، في حين أنه يجمعها أصل نظري واحد هو إما الإفراط أو التفريط.\nأن الذي يهمنا في تتبع الظاهرة هو الوجود الواقعي أو النظري لا مجرد العرض التاريخي الذي هو وسيلة فقط.\n(٢) العقلانية: هي القول بأولية العقل على الأشياء وتقديمه على غيره.\nينظر: المعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبيا (٢/ ٩٠)، والموسوعة الميسرة في المذاهب والأديان والأحزاب المعاصرة (ص ٧٦٩).\n(٣) ينظر: العواصم من القواصم، للقاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي (ص ٩)، والأسئلة والأجوبة في العقيدة، لصالح بن عبد الرحمن بن عبد الله الأطرم (ص ٤٠).","vol":"1","page":184},{"text":"وأصحاب المبادئ والاتجاهات الهدامة: كالاشتراكية، والبعثية، والقومية، والعلمانية، والديمقراطية، وجماعة التكفير والهجرة، وسواهم من ذوي الانحراف العقدي والعملي (١).\nوهؤلاء هم الذين استثنى منهم رسول الله - ﷺ - تلك الطائفة المنصورة الظاهرة على الحق.\nوقد سعى أصحاب هذا الاتجاه، بحكم مرجعيتهم الإسلامية في الجملة إلى إثبات إسلامية أفكارهم ورؤاهم، بردها إلى المبادئ الكلية والنصوص القطعية الثابتة في المصدرين الأساسيين وهما كتاب الله وسنة النبي - ﷺ -، مما أدى إلى مزيد من التلبيس (٢)، وكان لذلك آثار خطيرة على حملة هذا الفكر أولًا، وعلى المتأثرين به كليًا أو جزئيًا (٣).\nلذلك نجد أن طوائف الغلاة أو الجفاة قد توزّعت على المذاهب الإسلامية كافّة (٤)، حتّى لم يبقَ مذهب إلا وظهر الغلو أو الجفاء بين أصحابه أو ممن يُحسب عليهم.\n_________\n(١) وهؤلاء دعاة شر، ويملكون من الأساليب والوسائل الجذابة والخادعة ما يشكل خطرًا على شباب المسلمين الذين لم يتسلحوا بالعقيدة الإسلامية الصافية التي تحصنهم.\n(٢) أراد أصحاب هذا الاتجاه أن يلتمسوا من القرآن الكريم والسنة المطهرة اُسسا لانطلاقهم في المجتمع، فأوهموا -لإثبات أفكارهم- وجود شيء من التعارض بين بعض النصوص الشرعية وبين بعضها الآخر، أو بينها والمقررات العقلية، أو بينها وتحقيق المصلحة، أو بينها وبعض المكتشفات العلمية الحديثة، وتحت ضغط الواقع وبمنهج لم يلتزم بأصول مذهب السلف في التلقي والاستدلال، ظهرت تفسيرات وفتاوى ورؤى شاذة لبعض أصول وأحكام الإسلام، مما يخرجها عن مراد الشارع إما إلى الغلو أو الجفاء.\nينظر: موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص الشرعي، سعد بن بجاد العتيبي (٦ - ٧).\n(٣) ينظر: رؤية إسلامية معاصرة، د. أحمد كمال أبو المجد (ص ١٨)، موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص (٦ - ٧).\n(٤) وجود تساهل في منهج فرقة معينة يقابله التشديد في منهج فرقة مقابلة، وتأمله في واقع الفرق الإسلامية قديما وحديثا ثم استلهم العبر.","vol":"1","page":185},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-160> الاتجاه الثاني:</span>\nأتباع الديانات الضالة: وهؤلاء: إما كتابيون، وهم الذين ينتمون إلى الأديان المنزلة من الله في أصلها ولكن دخلها التحريف والشرك ثم نسخت: كاليهودية والنصرانية، وما تولد عنهما أمثال: الماسونية (١)، والصهيونية (٢)، والمارونية (٣)، والاستشراق (٤)، والتغريب (٥) وغير ذلك.\n_________\n(١) هي جمعية سرية سياسية تهدف إلى القضاء على الأديان والأخلاق الفاضلة وإحلال القوانين الوضعية والنظم غير الدينية محلها، وتسعى جهدها في إحداث انقلابات مستمرة وإحلال سلطة مكان أخرى بدعوى حرية الفكر والرأي والعقيدة.\nينظر: العقيدة اليهودية وخطرها على الإنسانية للدكتور سعد الدين السيد صالح (ص ٢٣٤)، اليهودية للدكتور أحمد شلبي (ص ٢٤٩)، رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد (ص ١٢٢).\n(٢) الصهيونية منظمة يهودية تنفيذية مهمتها تنفيذ المخططات المرسومة لإعادة مجد بني إسرائيل، وبناء هيكل سليمان، ثم إقامة مملكة إسرائيل الكبرى، كما أن الصهيونية قرينة للماسونية، إلا أن بينهما بعض الفروق. ينظر: الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة (ص ٥٧).\n(٣) طائفة من طوائف النصارى الكاثوليك الشرقيين، قالوا: بأن للمسيح طبيعتين ومشيئة واحدة، وينتسبون إلى القديس (مارون) ويعرفون باسم الموارنة، متخذين من لبنان مركزًا لهم. ينظر: معجم ألفاظ العقيدة (ص ٣٧٠).\n(٤) تيار فكري يتمثل في الدراسات المختلفة عن الشرق الإسلامين، يهدف إلى التشكيك في صحة القرآن والسنة، والتقليل من قيمة الفقه الإسلامي. ينظر: الموسوعة الميسرة في المذاهب والأديان المعاصرة، (٢/ ٩٥٨).\n(٥) تيار كبير ذو أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية وفنية، يرمي إلى صبغ حياة الأمم بعامة والمسلمين بخاصة بالأسلوب الغربي وذلك بهدف إلغاء شخصيتهم المستقلة. ينظر: الموسوعة الميسرة في المذاهب والأديان المعاصرة (٢/ ٦٩٨).","vol":"1","page":186},{"text":"وإما وثنيون، يتبعون دينًا مبتدعًا يقوم في أصله على الشرك والوثنية وتقديس المخلوقات، كالبراهمة (١)، والبوذيين (٢)، والكنفوشسيين (٣)، والجينيين (٤)، والمجوس (٥)، والسيخ (٦)، وأكثر المذاهب الفلسفية (٧) وغير ذلك من صريحي الكفر، المحادون لله ورسوله.\nإذًا فالغلو في دائرته الواسعة ظاهرة كبرى في تاريخ الديانات قبلنا، حتى لقد قال النبي - ﷺ -: «إنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين» (٨).\nوقد هددت آفة الغلو والجفاء حقائق الأديان، وهذه الآفة تَعْرِضُ لِكُلِّ دينٍ من عدّة جهات ولعدّة أسباب (٩):\n١ - الاهتمام الشديد الذي يبديه الأتباع لكل دين، ما يجعل الدين عرضة لهجوم الغلو والجفاء عليه من جهتين:\nأ-من ناحية أتباعه: بما يضيفون إليه من أقوالهم وأفكارهم رغبة منهم في تعظيمه، والذي سيؤول إلى عظمتهم ورفعة أنفسهم وَتَفَوُّقِهِم على سائر\n_________\n(١) البرهمية -الهندوسية-ديانة وثنية يعتنقها معظم أهل الهند، وهم الذين يزعمون أن العقل يُغني عن الوحي، ويعتقد الهندوس أن رجال هذا الدين يتصلون في طبائعهم بعنصر \"البرهم\" ولذلك أطلق عليهم اسم \"البراهمة\".\n\nينظر: الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة لعبد القادر شيبة الحمد (ص ٥٩ - ٦٨).\n(٢) البوذية: هي فلسفة وضعية انتحلت الصبغة الدينية، ظهرت في الهند، تنسب إلى رجل يلقب ب (بوذا)، وهي تميل إلى الإلحاد والوثنية. ينظر: الموسوعة الميسرة في المذاهب والأديان المعاصرة (٢/ ٧٥٨).\n(٣) ديانة أهل الصين وترجع إلى الحكيم الفيلسوف كونفوشيوس، من معتقداتها عبادة إله السماء، تقديس الملائكة وتقديم القرابين لها، وتقديس أرواح الأجداد. ينظر: الموسوعة الميسرة في المذاهب والأديان المعاصرة (٢/ ٧٤٨).\n(٤) الجينية: طائفة منشقة من الهندوسية، مبنية على أساس الخوف من تكرار المولد، وهي تقوم على رياضات بدنية رهيبة وتأملات نفسية عميقة بغية إخماد شعلة الحياة في نفوس معتنقيها. ينظر: الموسوعة الميسرة في المذاهب والأديان المعاصرة (٢/ ٧٤١).\n(٥) المجوس: هم عبدة النيران القائلون إن العالم صادر عن أصلين هما الظلمة والنور، وقد نبغوا في علم النجود ومن جملتهم المانوية. ينظر: التحفة المهدية، لفالح بن مهدي (ص ٣٨٠)، ومعجم ألفاظ العقيدة (ص ٣٧٩).\n(٦) السيخ مجموعة دينية من الهنود الذين ظهروا في القرو الخامس عشر الميلادي داعين إلى دين حديد فيه شيء من الديانتين الإسلامية والهندوسية. ينظر: الموسوعة الميسرة في المذاهب والأديان المعاصرة (٢/ ٧٩٤).\n(٧) كالأفلاطونية، والعقلانية، والبرجماتية، والروحية الحديثة، والفرويدية.\n(٨) رواه الإمام أحمد (١/ ٢١٥، ٣٤٧)، والنسائي (٥/ ٢٦٨)، قال الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (١٢٨٣): إسناده صحيح، وكذلك صححه النووي في \" المجموع \" (٨/ ١٧١)، وابن تيمية في \" الاقتضاء \" (ص ٥١).\n(٩) ينظر: كتاب طريق النجاة من شر الغلاة، لحيدر علي قملداران، ترجمة: سعد محمود رستم، موقع الكتاب: ijtehadat.com.","vol":"1","page":187},{"text":"الناس والمخالفين، وهذا الغلو في تهذيبها إلى حد التضييق والتعذيب، هو التفريط الذي أعقبه إفراط.\nب من ناحية الأعداء: الذين يسعون في نشر الخرافات والغلو فيه، فيدفعوا سائر الأتباع نحو أعمال وأفعال تخالف ذلك الدِّين وتضرّ به، فيظهر الغلو والجفاء بين الأتباع فمنهم من يسلك الحميَّةَ والجدِّيّة الدينية، ومنهم من يجرُّء على المعصية والفسق والفجور التي تؤدِّي إلى هلاك كلِّ ملّة وفناء كل أمّة.\n٢ - الجهل وقصور الفكر: الأكثرية في كل مجتمع هي طبقة الجهلاء والسطحيين، الذين يعجزون عن تلقي حقائق الدين العالية وتوحيد الله الخالص، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ يوسف: ١٠٦، لذلك كلِّه يرى في تاريخ الأديان أن الدِّين الذي نجح في جلب أكثرية الناس هو ذلك الذي طرح معبودًا بصورة محسوسة وملموسة (١).\n٣ - الغلو في حب الأنبياء والصالحين: الأنبياء يتميزون عادةً بقدرات فكرية وقِوَى علميّة وشمائل أخلاقية عالية يفوقون فيها سائر أفراد البشر، كما أن الله يمنحهم -لأجل تأييد نبوتهم- تصرفات من خرق العادات وإظهار المعجزات، مما يجعل بعض الأتباع -بدلًا من اتباعهم وتصديقهم- تُدْهِشُهُم تلك القوى والدرجات العالية والمعجزات الباهرة فيُسْحَرُون بها ويستنتجون منها خطأً أن أصحابها ذوو صفات إلهية فيقعون في الغُلُوّ والانحراف وتدخل من هذا السبيل كثير من الخرافات، قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾\n_________\n(١) أهل الملل والنحل من غير المسلمين اتخذوا وسائل لمعرفة الله -﷿- من الصفات الجليلة، والصلة التي بينه وبين خلقه؛ فشبهوه بأجسام مختلفة، ومثلوا صفاته في ضروب من الصور والأشكال؛ فلما طالت عليهم الآمال بقيت هذه الصور الممثل بها، وزال من قلوب الناس اسم الله الذي لم يزل ولا يزال، وصارت المشبهة بها أوثانًا وأصنامًا وتماثيل، وطفق الناس يعبدونها، ويسجدون لها ظنًّا منهم أنها مظهر من مظاهر صفات الله، ومشاهد قدرته، وتفننوا في تصور صفات الله بهذه التماثيل المنحوتة، والأوثان المصنوعة.\nينظر: الأديان والمذاهب (ص ٦٧ - ٦٨).","vol":"1","page":188},{"text":"النساء: ١٧١، مما يدل على أن الغلو في حب الأنبياء والصالحين سبب كبير في انحراف الناس عن حقيقة التوحيد وعن الدين الصحيح.\nوالواقع أن وقوع البدع المتقابلة -والتي لم يخل منها دين قط- هي في ذاتها دليل على عدم انفكاك العبودية عن الإنسان؛ فإنه إن لم يتعبد متبعًا تعبد مبتدعًا.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-161> الاتجاه الثالث:</span>\nالملاحدة: وهم الذين لا يدينون بدين، ولا يؤمنون بخالق، أو يتبعون مذاهب تستلزم إنكار وجود الخالق﷾-، كبعض الفلاسفة (١)، والدهريين والشيوعيين وبعض العلمانيين (٢)، ونحوهم من الكفار الملاحدة (٣).\nومما لا شك فيه أن كثيرًا من دول العالم الغربي والشرقي تعاني من نزعة إلحادية عارمة، جسدتها الشيوعية المنهارة والعلمانية المخادعة، كما تسرب للعالم الإسلامي هذا السم الزعاف، بعد سقوط الخلافة الإسلامية تحت شعار الأدب وغيره (٤).\nوقد جاء الإلحاد كردة فعل للغلو والتشدد، مما أصابهم بحالة من التفريط تمثلت في الانسلاخ من كل الضوابط التشريعية والأخلاقية؛ ويغتنم أصحاب البدع المتقابلة نشر بدعهم في وحل الإلحاد، وجذب أولئك البشر روحانيًا وعقائديًا إليها؛ لأن النفس البشرية مهما ابتعدت بالإلحاد والانصراف، فهي في حاجة إلى الانتماء العقائدي لأي شيء يطرح أمامها.\nيقول شيخ الإسلام - ﵀ -: \"كل من استكبر عن عبادة الله لابد أن يعبد غيره\" (٥).\nعلى أن الذي يهمنا هو معرفة العلة الحقيقية لظهور هذه الاتجاهات المغالية، والتي تكمن في العلة النفسية الجِبِليَة، وهي أن النفوس البشرية لا تنضبط دائمًا على المنهج العدل الوسط، بل تجنح عنه ذات اليمين أو ذات الشمال: إما بالإيغال المهلك، وإما بالتفريط المسرف، وقد وقعت بعض هذه الاتجاهات في الأول كما وقع البعض الآخر في الثاني.\n_________\n(١) أصحاب مدرسة وحدة الوجود، والمدرسة الوضعية.\n(٢) يعد أتباع العلمانية هم المؤسسين الحقيقين للإلحاد، ومن هؤلاء: أتباع الشيوعية والوجودية والدارونية.\n(٣) ينظر: الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة للدكتورين العقل والقفاري (ص ١١ - ١٣).\n(٤) ينظر: الموسوعة الميسرة (٢/ ٨٠٣).\n(٥) العبودية (ص ١٠٠).","vol":"1","page":189},{"text":"ولما كان الغلو بطبيعته لا تطيقه إلا نفوس قلائل تنطلق من تصور فاسد، وكثيرًا ما تحظى بالإعجاب والإكبار لما تلزم به أنفسها، فيظن الرائي أنها تمثل حقيقة الدين وسموه، جاءت الأحاديث الصحيحة تبين صفات هذه النفوس وشبهات ذلك التصور.\nولما كان التفريط بطبعه غالبًا على أكثر النفوس؛ جاء التحذير منه متمثلًا في الأوامر والنواهي عامة، والتذكير بها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضرورة التناصح بين الأمة، والوعيد للمفرطين (١).\n_________\n(١) ينظر: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (١/ ٣٠٠ - ٣٠١).","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>الباب الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في باب الإيمان بالله ومسائل الإيمان</span>.\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: الآيات الواردة في توحيد الربوبية.\nالفصل الثاني: الآيات الواردة في توحيد الألوهية.\nالفصل الثالث: الآيات الواردة في توحيد الأسماء والصفات.\nالفصل الرابع: الآيات الواردة في مسائل الإيمان.","vol":"1","page":191},{"text":"الفصل ١ الآيات الواردة في توحيد الربوبية.\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد في تعريف توحيد الربوبية وذكر لوازمه.\nالمبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة\nفي توحيد الربوبية.\nالمبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع\nالمتقابلة في توحيد الربوبية.","vol":"1","page":192},{"text":"تمهيد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>أولًا: تعريف توحيد الربوبية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>الربوبية في اللغة:</span>\nالربوبية: مصدر رَبَّ يَرُبُّ رَبَابَةً ورُبُوبية (١).\nيقول ابن فارس: \" الراء والباء يدل على أصول:\nفالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه. والآخر: لزوم الشيء والإقامة عليه.\nوالثالث: ضم الشيء للشيء، ومتى أمعن النظر كان الباب كله قياسًا واحدًا\" (٢).\n\"والرب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيّم، والمنعم \" (٣).\nوجميع هذه المعاني ترجع إلى ثلاثة هي: المالك، والسيد، والمصلح، وقد أشار إلى ذلك\nابن الأنباري (٤) حيث قال: \" الرب ينقسم على ثلاثة أقسام:\nيكون الرب المالك، ويكون الرب السيد المطاع ... ويكون الرب المصلح\" (٥).\nويظهر مما تقدم أن الربوبية مشتقة من \"الرب\" ومن هنا أضيف التوحيد إلى هذه الكلمة لشموليتها على اختصاص الرب - ﷿ - بجميع ما تحمله من صفات ومعان (٦).\nويطلق الرب في الشرع ويراد به عين معناه في اللغة: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" الرب سبحانه: هو المالك، المدبر، المعطي، المانع، الضار، النافع، الخافض، الرافع، المعز، المذل\" (٧).\n_________\n(١) ينظر: اشتقاق أسماء الله تعالى للزجاجي (ص ٣٢).\n(٢) معجم مقاييس اللغة (ص ٣٩٨).\n(٣) لسان العرب (١/ ٣٩٩)، وينظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٣٣٥)، الصحاح (١/ ١٣٠)، القاموس المحيط (ص ١١١).\n(٤) هو محمد بن القاسم بن بشار، أبو بكر، المشهور بابن الأنباري، إمام مقرئ، ولغوي متقن، من مؤلفاته: الزاهر في اللغة، وغريب الحديث، وعجائب علوم القرآن وغيرها، توفي سنة ٣٢٨ هـ.\nينظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧٤)، شذرات الذهب (٢/ ٣١٥).\n(٥) ينظر: لسان العرب (١/ ٤٠٠ - ٤٠١).\n(٦) ينظر: اللطائف الندية في بيان توحيد الربوبية، أ. د. أحمد بن عبدالله الغنيمان، بحث منشور في العدد الثاني من مجلة الدراسات العقدية (ص ٥٣، ٥٦).\n(٧) مجموع الفتاوى (١/ ٩٢).","vol":"1","page":193},{"text":"ويقول العلامة ابن القيم - ﵀ -: \" الرب هو السيد، والمالك، والمنعم، والمربي، والمصلح، والله هو الرب بهذه الاعتبارات كلها\" (١)، وقال: \" فاسم الرب له الجمع الجامع لجميع المخلوقات فهو رب كل شيء وخالقه والقادر عليه، ولا يخرج شيء عن ربوبيته\" (٢).\nونستطيع القول بأن أشمل تعريف لتوحيد الربوبية هو: إفراد الله بأفعاله.\nويدخل في هذا جميع صفات الربوبية من الخلق والملك والتدبير والتصرف في جميع مخلوقاته، بل يدخل فيه خلق أفعال العباد من الخير والشر (٣).\nكما يدخل فيه الإيمان بما قضاه الله وقدره وأنه لا يخرج شيء عن ملكه وخلقه وتدبيره.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمة - ﵀ -: \" وأما توحيد الربوبية فيدخل فيه ما قدره الله وقضاه وإن لم يكن مما أمر به وأوجبه ورضيه، والعبد مأمور بأن يعبد الله ويفعل ما أمر به وهو توحيد الإلهية ويستعين بالله على ذلك وهو توحيد الربوبية فيقول: إياك نعبد وإياك نستعين -والله أعلم-\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>ثانيًا: لوازم توحيد الربوبية:</span>\nالربوبية حق، ولازم الحق حق (٥)، والله - ﷾ - منفرد بربوبيته، ولوازم ربوبيته - ﷾ - كثيرة منها: إفراده بالألوهية، فمن آمن بتوحيد الربوبية فاعتقد أن الله هو الخالق، الرازق، المدبر، المحيي المميت فإنه يلزمه أن يعبد هذا الإله الذي خلقه، ورزقه، وأحياه، وأن يفرده بالألوهية، ويصرف جميع أنواع العبادة لله وحده (٦).\n_________\n(١) بدائع الفوائد (٤/ ١٢).\n(٢) مدارج السالكين (١/ ٣٤).\n(٣) ووجه ذلك:\n١ - أن فعل العبد من صفاته، والعبد مخلوق لله، وخالق الشيء خالق لصفاته.\n٢ - أن فعل العبد حاصل بإرادة جازمة وقدرة تامة، والإرادة والقدرة كلتاهما مخلوقتان لله - ﷿ - وخالق السبب التام خالق للمسبب.\nينظر: فتاوى مهمة لعموم الأمة لعبد العزيز بن باز (ص ٣).\n(٤) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٤٨، ٤١٩) بتصرف.\n(٥) ينظر: درء التعارض (١/ ٤٢)، ومجموع الفتاوى (٣/ ٣٠٦) (٢٩/ ٤٢)،\nو(٦) ينظر: شرح الأصبهانية (ص ١٣٢)، ومجموع الفتاوى (١/ ٢٣) (١٠/ ٢٨٤، ٣٣١ - ٣٣٢)، (١٤/ ١٣، ٣٨٠).","vol":"1","page":194},{"text":"كذلك فإن العلم بربوبيته - ﷾ - يستلزم العلم بقدمه، فكل ما سوى الله - ﷿ - مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن، والله - ﷾ - انفرد بالأزلية (١).\nومن لوازم ربوبيته - ﷿ - رحمته بعباده وإنعامه عليهم، ومن أعظم نعم الله على عباده ورحمته بهم: أن أرسل إليهم الرسل، وأنزل إليهم الكتب فالربوبية إذًا: تستلزم إرسال الرسل وإنزال الكتب (٢).\nوربوبيته - ﷿ - تستلزم فعله بمشيئته وقدرته، يقول ابن القيم - ﵀ -: \" صفة الربوبية تستلزم جميع صفات الفعل\" (٣)، فمن لم يكن له فعل اختياري يقوم به، ولا يقدر على ذلك، لا يكون خالقًا ولا ربًا للعالمين، وخلق السماوات والأرض دليل على أن له فعلًا صار به خالقًا (٤). كذلك فإن الربوبية المحضة تستلزم مباينة الرب للعالم وإثبات العلو لله تعالى.\nلذا فإن توحيد الربوبية يستلزم إثبات توحيد الأسماء والصفات، وغير ذلك من اللوازم.\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٢٣٠)، ودرء التعارض (١/ ١٢٥)، ومدارج السالكين (١/ ١٣٥).\n(٢) ينظر: التبيان في أقسام القرآن لابن القيم (ص ٩٤ - ٩٥)، مدارج السالكين (٣/ ٣٤٢)، ومفتاح دار السعادة (ص ٣٧٤، ٤٨٩).\n(٣) مدارج السالكين (١/ ١٢٩).\n(٤) ينظر: جامع الرسائل لابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم (٢/ ٥٧ - ٥٨).","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في توحيد الربوبية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>تمهيد:</span>\nبالرغم من أن توحيد الربوبية أمر مركوز في الفطر، مجبولة عليه النفوس، متكاثرة على تقريره الأدلة، إلا أنه وجد فئامٌ من الناس قديمًا وحديثًا (١) ممن حصل عندهم انحراف فيه، وتغيرت فطرهم، فظهرت البدع المتقابلة في توحيد الربوبية.\nلذا نجد أن الوحي اهتم بذلك وناقشه، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ الطور: ٣٥، وقوله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إبراهيم: ١٠ وغير ذلك من الآيات.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \" فأما الإيمان بالله فهو في الجملة قد أقر به جمهور الخلائق، إلا شواذ الفرق من الفلاسفة الدهرية، والإسماعيلية ونحوهم، أو من نافق فيه من المظهرين للتمسك بالملل\" (٢).\nوبالجملة فإن جحد هذا النوع من التوحيد أو الإعراض عن تحقيقه أو التقصير في فهمه ومعرفته، يؤول إلى الضلال والبعد عن الله والهلاك.\nكما أن الغلو فيه وجعله هو التوحيد الواجب، يؤدي إلى شهود الحقيقة الكونية فقط، وعندئذ فلا يكون هناك فرق بين المؤمن والكافر، ولا البر والفاجر، ولا أولياء الله ولا أعدائه (٣). كذلك فإن الغلو في شهود خصائص الربوبية أدى إلى إيجاب الرضا بكل مقضي (٤)، وهذا يفضي إلى جعل القدر حجة في باب المعصية (٥).\nوالذين وقعوا في البدع المتقابلة في توحيد الربوبية هم ممن صرفوا خصائص الربوبية (٦) كلها، أو بعضها لغير الله - ﷿ -، أو عطلوه - ﷿ - عنها بالكلية، أو غلوا في توحيد الربوبية\n_________\n(١) تطور الشرك في الأزمان الأخيرة حتى أصبح محميًا تقوم عليه دول وترعاه منظمات وتديره مؤسسات -والله المستعان-.\n(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣١).\n(٣) ينظر: منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير عقيدة التوحيد (٢/ ٤٩٨).\n(٤) ينظر: منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير عقيدة التوحيد (٢/ ٤٩٨).\n(٥) ينظر: الاستقامة (٢/ ٧٨ - ٧٩).\n(٦) وخصائص الربوبية هي: التفرد بالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والإعطاء والمنع، والضر، والنفع، وغير ذلك.","vol":"1","page":196},{"text":"فوق الحد المشروع، إذا فالبدع المتقابلة نتاج عن الجهل بمعرفة الله وخصائص ربوبيته؛ ومن أجل ذلك فإنها تصل في أكثر صورها إلى الشرك الأكبر (١)، وهو شرك يتعلق بذات الله - ﷿ -.\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ (٢) - ﵀ -: \"فاعلم أن الشرك ينقسم ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أنواع التوحيد، وكل منها قد يكون أكبر وأصغر مطلقًا، وقد يكون أكبر بالنسبة إلى ما هو أصغر منه، ويكون أصغر بالنسبة إلى ما هو أكبر منه\" (٣).\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"أما النوع الثاني فالشرك في الربوبية، فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل، فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته\" (٤).\nوبناءً على ما سبق فقد ضلت عدة طوائف في توحيد الربوبية، فمنهم من خرج بمفهومه عن الإسلام، ومنهم من فهمه فهمًا خاطئًا، ومنهم من فهم بعض أجزائه، ويمكن تقسيم أولئك إلى طائفتين:\nإحداهما: الذين جَفَوا في معنى الربوبية: إما بإنكارهم لربوبية الله مطلقًا وجحدها، أو بتعطيل الله - ﷿ - عن خصائص ربوبيته، أو جعلها لغيره مع تعطيلهم لوجوده - ﷿ -.\nوالطائفة الثانية: الذين بالغوا في معنى الربوبية فأثبتوها لله ولغيره فجعلوا معه شركاء في خصائص الربوبية، ولم يعطلوا الله - ﷿ - عن وجوده.\nلأن أصل الشرك: إمّا التعطيل، وإمّا الإشراك، قال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" وأصل الشرك: إمّا التعطيل، مثل تعطيل فرعون موسى، والذي حاج إبراهيم في ربه خصم إبراهيم، والدجال مسيح الضلال خصم مسيح الهدى عيسى ابن مريم - ﷺ -، وإما الإشراك:\n_________\n(١) قال ابن القيم - ﵀ -: \" ... البدعة قرينة الشرك في كتاب الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ الأعراف: ٣٣، فالإثم والبغي قرينان والشرك والبدعة قرينان\". إغاثة اللهفان (١/ ٦٣).\n(٢) هو: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، أحد أئمة الدعوة السلفية النجدية، محدث فقيه، من مؤلفاته: تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، حاشية على المقنع في الفقه، الدلائل في عدم موالاة أهل الإشراك، توفي سنة ١٢٣٣ هـ.\nينظر: علماء نجد خلال ثمانية قرون للبسام (٢/ ٣٤١)، وعلماء الدعوة لعبد الرحمن آل الشيخ (ص ٣٧).\n(٣) تيسير العزيز الحميد (ص ٤٣).\n(٤) مجموع الفتاوى (١/ ٩٢).","vol":"1","page":197},{"text":"وهو كثير في الأمم أكثر من التعطيل، وأهله خصوم جمهور الأنبياء، وفي خصوم إبراهيم ومحمد - ﷺ - معطلة ومشركة، لكن التعطيل المحض للذات قليل، وأما الكثير فهو تعطيل صفات الكمال، وهو مستلزم لتعطيل الذات\" (١).\nوالرب تعالى وحده هو الذي يستحق كمال التعظيم والجلال والتألُّه والخضوع والذل، وهذا خالص حقه، فمن أقبح الظلم (٢) أن يعطى حقه لغيره؛ لذلك كثرت تحذيرات القرآن والسنة من الشرك وقطع كل السبل الموصلة إليه، ونلحظ أن كثيرًا من البشر نتيجة غلبة الجهل وعدم تعظيم الله ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الأنعام: ٩١، والابتعاد عن منابع الهدى والرشاد تنكبوا الطريق ورجعوا إلى الشرك وإلى التعلق بغير الله تعالى في أقبح صورة وأسوء حال، فجنحوا إلى الإفراط أو التفريط في ربوبية الله وبيان ذلك فيما يلي.\n_________\n(١) منهاج السنة (٣/ ٢٩٢).\n(٢) الظلم هنا واقع على العبد، وليس على الله -تعالى الله عن ذلك وتقدس-؛ لأن الله لا يضره عباده ولا ينفعونه، وإنما يضرون أنفسهم ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ آل عمران: ١٧٦، ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ يونس: ٤٤، فهذا نص في أنهم لم يظلموا الله وإنما ظلموا أنفسهم، بنقص حظها من الثواب وتعريضها للعقاب.","vol":"1","page":198},{"text":"المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط (١) في توحيد الربوبية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>الانحراف المؤدي إلى التفريط في توحيد الربوبية ينقسم إلى نوعين:</span>\n- الأول: التعطيل الكلي (٢) (الإلحاد):\nالتعطيل الكلي أو المحض: وهو إنكار الخالق، وإنكار صفاته وأفعاله، وإنكار عبادته وشرائعه.\nقال ابن القيم - ﵀ -: \"وأهل التعطيل المحض عطلوا الشرائع، وعطلوا المصنوع عن الصانع، وعطلوا الصانع عن صفات كماله، وعطلوا العالم عن الحق الذي خلق له وبه، فعطلوه عن مبدئه ومعاده وعن فاعله وغايته\" (٣).\nوجميع قوادح الربوبية داخلة في الإلحاد (٤)، إلا أنها متفاوتة في ذلك، وأعظم الإلحاد في الربوبية هو:\n١ - الإلحاد المحض وهو إنكار الرب - ﷿ -.\n٢ - القول بالاتحاد العامّ (وحدة الوجود)، وهو مستلزم للنفي والتعطيل.\n٣ - القول بقدم العالم، وهو مستلزم لنفي الصانع.\nوفيما يلي إيضاح ذلك:\n_________\n(١) المراد بالتفريط هنا: هو الجَفَاء في معنى الربوبية إما بإنكار ربوبية الله مطلقًا وجحدها، أو بتعطيل الله - ﷿ - عن خصائص ربوبيته، أو جعلها لغيره مع تعطيل وجوده - ﷿ -.\n(٢) شرك التعطيل؛ وهو أقبح أنواع الشرك؛ لأن الشرك والتعطيل متلازمان، فكل معطل مشرك، وكل مشرك معطل، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد، وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل. ينظر: الجواب الكافي (ص ٩٠).\n(٣) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٦٨).\n(٤) ساد في الكتابات المعاصرة إطلاق الإلحاد على إنكار وجود الله سبحانه، ولكن معنى الإلحاد في اللغة العربية: الميل، فيكون الميل بالعقائد من الحق إلى البدعة أو إلى الكفر أو إلى الشرك هو الإلحاد بهذا المعنى.\nينظر: النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي في التعامل معها، د. حسن الأسمري (٢/ ٨٩١).","vol":"1","page":199},{"text":"o<span data-type=\"title\" id=toc-173> المنكرون لوجود الخالق ﵎، هم على نوعين:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-174>النوع الأول: من أنكر أن يكون لهذا الكون إله، وهم على طريقتين: </span>-\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>أصحاب الطريقة الأولى: الملاحدة </span>- وهم المنكرون لوجود الخالق ﵎. وهم فرقتان:\nالأولى: الدهريون: القائلون بالجوهر الفرد (١)، وهم جماعة من الفلاسفة يعتقدون أن الكون تَكَون من جواهر مفردة، أي: ذرات صغيرة كانت موجودة تتحرك في الفراغ، ثم بسبب الحركة الوقتية (٢) تتجمع فتحدث مظاهر الحياة والوجود (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>أصحاب الطريقة الثانية: أصحاب وحدة الوجود: </span>وهم الذين يزعمون بأن الله -تعالى عما يقولون- هو هذا الكون كله، وليس له ذات قائمة بنفسه، بل هو حال في كل شيء، وإن كانوا في حقيقة أنفسهم مقرين بوجود الخالق، إلا أن قولهم يقتضي الوصف بالعدم، ولازمه الإنكار، فزعمهم أن هذا الكون هو وجوده وهو ذاته، يجعل الإله الذي أقروا به لا حقيقة له في الخارج أصلًا وإنما هو أمر مطلق في الأذهان (٤)، وسيأتي مزيد بيان لهذا.\n_________\n(١) الجوهر كلمة ليست عربية ألأصل، بل معربة من الفارسية، ومعنى الجوهر هو عين الشيء، ومنهم من يقول: هو الحامل للأعراض المختفي خلف الظواهر، أو القائم بنفسه، إلى غير ذلك، والجوهر الفرد: لفظ يستعمله الفلاسفة والمتكلمون، ويعنون به الجزء الذي لا يقبل القسمة وهو الشيء الذي لم يدركه أحد بحسه ولا يتميز منه جانب عن جانب، وما من شيء يفرض إلا وهو أصغر منه عند القائلين به، وأصل الجوهر كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به، وجوهر الشيء ما وضعت عليه جبلته.\nوالدهريون ليسو كلهم قائلين بالجوهر الفرد؛ لأن منهم من يبتع المدرسة الأيونية أو الطبعية والتي ترى أن مصدر الوجود عنر من العناصر الأربعة أو كلها.\nينظر: فكرة الجوهر ص ٢٦. ينظر فكرة الجوهر ص ٥٣.\nينظر: اللسان (٤/ ١٥٣)، التحفة المهدية، لفالح بن مهدي (ص ١٤١)، معجم ألفاظ العقيدة لعامر عبد الله فالح (ص ١٣٥).\n(٢) هذه الجواهر أزلية كانت ولا زمن، والزمن ناتج عن حركتها، فالزمن من مقدار الحركة، وتكون العالم ناتج عن تآلف هذه الجواهر.\n(٣) ينظر: الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٢٣٥)، تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص ٦٣)، الجاهلية قديما وحديثا، أحمد أمين عبد الغفار (ص ٥٠).\n(٤) ينظر: الموسوعة الفلسفية المختصرة، مترجمة بإشراف زكي نجيب محمود (ص ٢٣٧)، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب (٢/ ٧٨٣ - ٧٨٩).","vol":"1","page":200},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-177>النوع الثاني: من أنكر وجود الله مع إثبات إله غيره، وهم على طريقتين أيضًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>أصحاب الطريقة الأولى: عباد العالم العلوي: </span>وهم من يعتقد بأن إلههم المزعوم في السماء، مثل: مشركي قوم إبراهيم الصابئة -عباد الكواكب- (١)، والفلاسفة الدهرية كابن سينا وأمثالهم، والمجوس \"الأصلية\" القائلين بالأصلين: النور والظلمة، والثنوية -أصحاب الاثنين الأزلييّن-: يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان، بخلاف المجوس الذين قالوا بحدوث الظلام، والمانوية -أصحاب ماني بن فاتك- القائلين: بأن العَالَمَ مصنوع من أصلين قديمين، والنصيرية: لقولهم بألوهية علي بن أبي طالب - ﵁ - وبأنه المتصرف بالكون، وزعمهم بأنه حل في الشمس أو القمر أو السحاب، ووصفهم إياه بأوصاف لا يجوز أن يوصف بها أحد إلا الله - ﷿ - مع اختلاف أقوالهم في هذا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>أصحاب الطريقة الثانية: عباد العالم السفلي: </span>الذين يعتقدون أن الإله في الأرض، مثل: الدروز المألهون للحاكم بأمر الله العبيدي، والشيوعية والاشتراكية والقومية وغيرها من الاتجاهات الهدامة التي تجددت، والباطنية لتأليههم لبعض الأشخاص، فالنصيرية مثلًا يؤلهون علي بن أبي طالب - ﵁ -، والدروز يؤلهون الحاكم بأمره، والرافضة الإمامية تعتقد في أئمتها شيئًا من ذلك (٢)، كذلك بعض المتصوفة يعتقدون في أوليائهم تصريف الكون وشئون الخلق، بل يزعم بعضهم أن من كرامات أوليائهم أنهم يحيون الموتى (٣)، كذلك الملاحدة: فهم يؤمنون (٤) بإله الصدفة ومحبوبات النفس (٥).\nولا يعتقد هذا الاعتقاد -أي: إنكار الرب - ﷾ - إلا من بلغ الغاية في الكفر والضلال، للمناقضة الصريحة بين ذلك وبين نصوص الوحي بل والفطرة السليمة والعقل الصريح؛ بل\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد (٤٣ - ٤٤).\n(٢) ينسبون إلى علي بن أبي طالب - ﵁ - من رواية جعفر بن محمد قوله: \" انتقل النور إلى غرائزنا ولمع في أئمتنا، فنحن أنوار السماء وأنوار الأرض، فبنا النجاة ومنا مكنون العلم، وإلينا مصير الأمور، وبمهدينا تنقطع الحجج ... \" ينظر: مروج الذهب للمسعودي (١/ ٣٣).\n(٣) ينظر: نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف (٢/ ١٠٥ - ١٠٦).\n(٤) هذا معنى عارض وإلا فلا يؤمنون بشئ.\n(٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارًا عن عبادة الله كان أعظم إشراكًا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقره وحاجته إلى المراد المحبوب الذي هو المقصود مقصود القلب بالقصد الأول، فيكون مشركًا بما استعبده من ذلك\" العبودية (ص ١٤٠).","vol":"1","page":201},{"text":"ويعتقد هؤلاء أن الأديان من صنع البشر، وليست من قبل الله - ﷿ -، ولازم هذا الاعتقاد هو الكفر بالله ورسله وكتبه وبكل المغيبات وكل ما جاءت به الأديان، ويعتبرونها عوائق أمام الإنسان نحو المستقبل، من أجل ذلك اتخذوا الإلحاد مبدأ (١).\nوالمنكرون للخالق - ﷿ - قولهم فاسد بالضرورة، وهذا القول العلم به كافٍ وحده في معرفة بطلانه، ومع ذلك فإن شيخ الإسلام - ﵀ - ذكر أوجهًا متعددة في بيان فساد قول القائلين بهذا الإلحاد وهي التالي:\n١ - أن المنكرين للرب كفرعون وأمثاله وإن أظهروا بألسنتهم إنكار الرب - ﷾ - إلا أنهم يقرّون بذلك في نفوسهم، فالفطرة التي في نفوسهم تردّ عليهم ما يظهرونه، وتبين فساد قولهم (٢).\n٢ - وكما أنه يعلم فساد قولهم بالضرورة فإنه يعلم أيضًا بالنظر، قال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" وهؤلاء يعلم فسد قولهم تارة بالضرورة، وتارة بالنظر من وجوه كثيرة، فإن ما في العالم من الحوادث المشهودة التي تدل على أن محدِثها عالم قدير حكيم، وما في العالم من الحاجة والافتقار الذي يدل على أن جميعه وكلّ جزء منه محتاج مفتقر، وأن جميع ما هو فقير محتاج يفتقر إلى ما هو خارج عنه، وأن الوجود إمّا محتاج، وإما مخلوق أو غير مخلوق، ولا بد للممكن من واجب، وللمحدث من قديم، وللفقير من غني، والمخلوق من خالق غير مخلوق، فيلزم وجود الخالق الغني القديم الواجب بنفسه بالضرورة\" (٣).\n٣ - أن الإقرار بالرب -﵎- معروف عند عامّة الأمم، والكفار أكثرهم لا يجحدون وجود الرب تعالى إلا من شذ من هؤلاء الشرذمة الذين لا يعتدّ بهم، وهم قلّة قليلون لا يذكرون بالنسبة إلى من يقرّ بالرب\n_________\n(١) ينظر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية، أ. د. سعود الخلف (ص ٣٢)، الموسوعة الميسرة (٢/ ٨٠٦).\n(٢) ينظر: درء التعارض (٨/ ٣٧ - ٣٩)، ومجموع الفتاوى (١٢/ ٩ - ١٠)، وشرح الأصبهانية (ص ٣١٣ - ٣١٤).\n(٣) شرح الأصبهانية (ص ٣١٤).","vol":"1","page":202},{"text":"تعالى (١) .. والإلحاد المعاصر وإن كان قد أصبح ظاهرة منتشرة، وهناك دول قامت عليه إلا أن المنكرين إذا قورنوا بالمقرين بالرب من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم فهم قلّة قليلة وحتى الدول التي تبنت الإلحاد ليس كل شعوبها ملاحدة، بل فيهم النصارى وغيرهم من المقرين بالرب (٢).\n٤ - دلائل الربوبية، كدليل الآيات المشتمل على دليل الحدوث، والافتقار والاشتراك بين المخلوقات، وعدم الاستقلال، والاختلاف بينها، ودليل العناية، كل ذلك رد على هؤلاء الملاحدة (٣).\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-180> القول بالاتحاد العامّ (وحدة الوجود):</span>\nهذا المذهب من جنس سابقه في عدم إثبات وجود الله - ﷿ - وجودًا متميزًا عن سائر مخلوقاته، إلا أن من يسمون بالملاحدة أنكروا وجوده جملة وتفصيلًا، أما هؤلاء فقد زعموا أن هذا الكون هو وجوده وهو ذاته، ولم يميزوه عن شيء من المخلوقات (٤) - تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرا -.\nووحدة الوجود: عقيدة كثير من غلاة الصوفية وهي قائمة على أن الله والوجود شيء واحد غير منقسم، وأن وجود هذا العالم هو عين وجود الله وهو حقيقة وجود هذا العالم، فليس عندهم رب وعبد ولا مالك ومملوك ولا راحم ومرحوم ولا عابد ولا معبود، فالعابد هو نفس المعبود والرب هو العبد -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا- (٥).\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٩)، (١٣/ ٣١٨ - ٣٢٠).\n(٢) ينظر: قول فلاسفة اليونان الوثنيين في توحيد الربوبية، أ. د. سعود الخلف ضمن مجلة الجامعة الإسلامية عدد (١٢٠).\n(٣) ينظر: شرح الأصبهانية (ص ٤٨ - ٥٠)، وجهود شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير توحيد الربوبية (١/ ٣٩٣ - ٤٠٧، ٤٢٨ - ٤٢٩).\n(٤) ينظر: دراسات في التصوف، إحسان إلهي ظهير (ص ٣١٣).\n(٥) ينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب (٢/ ٧٨٣ - ٧٨٩)، معجم ألفاظ العقيدة (ص ٤٦٠)، التحفة المهدية لفالح بن مهدي (ص ٢٥٢).","vol":"1","page":203},{"text":"وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وأن من شبه الله بخلقه فقد كفر، فكيف من جعله عين المخلوقات، وجعله نفس الأجسام المصنوعات؟ (١) -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>وخلاصة أقوال هؤلاء المعطلة، تدور على أحد أصلين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>١ - الأصل الأول: </span>النفي والتعطيل الذي يقتضي الوصف بالعدم، بأن جعلوا الحق لا وجود له، ولا حقيقة له في الخارج أصلًا وإنما هو أمر مطلق في الأذهان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>٢ - الأصل الثاني: </span>أن يجعلوا الحق عين وجود المخلوقات، فلا يكون للمخلوقات خالق غيرها أصلًا، ولا يكون رب كل شيء ولا مليكه. وهذا الذي عليه حال أهل وحدة الوجود الاتحادية في أحد حاليهم فهذا حقيقة قول القوم وإن كان بعضهم لا يشعر بذلك (٢).\nوانحراف هؤلاء في توحيد الربوبية، تارة يكون في جانب التفريط والجفاء وذلك إذا نظرنا إلى أنهم لا يميزون الخالق بصفات تميزه عن المخلوق، ويقولون: بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق (٣)؛ فمن هذا الباب هم معطلون للتوحيد.\nوتارة يكون في جانب الإفراط، إذا ما نظرنا إلى غلوهم في إثبات توحيد الربوبية إلى حد ما يسميه الصوفية بالفناء، وسبب قولهم بهذا، نفي الصفات، وهو أولّ أمرهم (٤).\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-184> القول المستلزم لنفي الله وهو القول: بقدم العالم </span>(٥):\nاهتم شيخ الإسلام - ﵀ - اهتمامًا بالغًا بالرد على الفلاسفة في قولهم بقدم العالم، وفنَّد حججهم على ذلك، وأكثر - ﵀ - من عرض أقوالهم في كتبه ومناقشتها، ومناقشة من ردّ\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٢٦).\n(٢) ينظر: العرش للذهبي (١/ ٩٢)، وبيان تلبيس الجهمية (٦/ ٦١٦)، جهود شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير توحيد الربوبية (٢/ ٧٦٦).\n(٣) ينظر: العرش للذهبي (١/ ٨٩).\n(٤) ينظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٧٦)، ودرء التعارض (٥/ ٣١٢ - ٣١٣)، النبوات (١/ ٤٥٨).\n(٥) ينظر: الصفدية (٢/ ٢٣٠).","vol":"1","page":204},{"text":"عليهم من المتكلمين (١)، إلاّ أنني هنا أقتصر على إبراز هذا النوع من الانحراف وأنه من جانب التفريط في توحيد الربوبية.\nالقول بقدم العالم من البدعة المنكرة التي أحدثها الفلاسفة المتأرجحون بين شريعة الرحمن وزندقة اليونان، تناقِض توحيد الربوبية بشكل واضح، إذ حقيقتها إنكار وجود الصانع، الخالق للكون، المتقدم عليه، ومعناه عندهم أن العالم ما زال موجودًا مع الله تعالى، ومعلولًا له، ومساوقًا له مساوقة المعلول للعلة، غير متأخر عنه في الزمان.\nويتضمن هذا القول أن الله تعالى علة تامة مستلزمة للعالم، والعالم متولد عنه تولدًا لازمًا (٢).\nوهذا القول باطل عقلًا وشرعًا، لذلك أجمعت طوائف الملل كلها على بطلانه، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"القول بقدم العالم قول اتفق جماهير العقلاء على بطلانه، فليس أهل الملة وحدهم تبطله، بل أهل الملل كلهم، وجمهور من سواهم من المجوس وأصناف المشركين: مشركي العرب، ومشركي الهند وغيرهم من الأمم، وجماهير أساطين الفلاسفة كلهم معترفون بأن هذا العالم محدث كائن بعد أن لم يكن، بل وعامتهم معترفون بأن الله خالق كل شيء\" (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" ... والمشهور عن القائلين بقدم العالم أنه لا صانع له فينكرون الصانع ﷻ ... \" (٤).\nوكل قول باطل لا بد له من آثار سيئة، والقول بقدم العالم لما كان من أفسد الأقوال، كانت آثاره السيئة عظيمة السوء، ومن هذه الآثار:\n١ - أن الرب - ﷿ - ليس خالقًا للمحدثات، وأن المحدثات كلّها حدثت بلا محِدث ولا فاعل -وقد عُلم فساد قولهم هذا-، وهذا حقيقة قولهم بقدم العالم ولازم ذلك إنكار المعاد (٥).\n_________\n(١) ينظر: درء التعارض (ج ٣، ٤، ٦،، ٨، ٩)، ومجموع الفتاوى (ج ٦، ٩، ١٢)، ومنهاج السنة (ج ١، ٢، ٣)، والصفدية، وغيرها.\n(٢) ينظر: نواقض الإيمان القولية والعملية للدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (ص ٩٨)، وتهافت الفلاسفة للغزالي (ص ٧٤).\n(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٦٥).\n(٤) شرح حديث النزول (ص ١٦٠).\n(٥) ينظر: جهود شيخ الإسلام ابن تيمية في توحيد الربوبية (٢/ ٨٢٣ - ٨٢٤).","vol":"1","page":205},{"text":"قال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" إن هؤلاء القائلين بقدم العالم وإن أقرّوا بمبدع العالم فقولهم بالحجة التي يثبتون عليها إثبات مبدع العالم حجة ضعيفة (١)، بل قولهم مستلزم لنفي الصانع\" (٢).\n٢ - إنكار المعاد، بين شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أن عمدة الفلاسفة في إنكار المعاد هو اعتقادهم قدم العالم، وأنه لا يجوز أن يتغير، وترتب على هذا قولهم بنفي قدرة الله وعلمه ومشيئته وإنكارهم أن يكون خالقًا للمحدثات (٣).\n٣ - إنكار واجبات الإسلام ومحرماته، لاعتقادهم أنه لا يوجد ثواب ولا عقاب في الآخرة.\n٤ - القول بقدم العالم يستلزم تسلسل العلل والفاعلين، وهو باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء؛ وذلك لأن العلّة التامة لا يتأخر عنها معلولها، والمشاهد أن المخلوقات حادثة متأخرة عن معلولها، فيلزم ألا يكون شيء من الحوادث حادثا عن العلة التامة التي هي واجب الوجود (الله) فإما أن تكون الحوادث حادثة بنفسها، وهذا فاسد، وإما أن تكون من فاعل آخر غير الله وهذا فاسد أيضًا.\nوالقائلون بقدم العالم هم الفلاسفة من أرسطو ومن بعده، وأمَّا أساطين الفلاسفة قبل أرسطو فلم يكن منهم من قال بقدم العالم، وأما أتباع أرسطو المنتسبون إلى الإسلام كابن سينا وأمثاله فهم يقولون ما يعلم جماهير العقلاء أنه مخالف لضرورة العقل: إذ يثبتون مفعولًا ممكنا يمكن وجوده ويمكن عدمه، وهو مع هذا قديم أزلي لم يزل ولا يزال، وهو مفعول معلول لعلة فاعلة لم يزل مقارنًا لها مقارنة المعلول لعلته التامة ... وإثبات ابن سينا لمفعول ممكن يمكن وجوده ويمكن عدمه وهو مع هذا قديم أزلي جمع بين النقيضين، والفطرة ترد ذلك ولا تقبله، وجماهير العقلاء من أهل الملل والفلاسفة حتى أرسطو وأتباعه\n_________\n(١) ينظر: درء التعارض (٣/ ٢٦٧ - ٢٦٨).\n(٢) الصفدية (٢/ ٢٣٠).\n(٣) ينظر: درء التعارض (٧/ ٣٨٤ - ٣٨٥).","vol":"1","page":206},{"text":"القدماء على أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا محدثًا، وأما القديم فلا يكون عندهم ممكنًا يقبل الوجود والعدم (١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-185> الثاني: التعطيل الجزئي:</span>\nالتعطيل الجزئي: هو إثبات وجود الله - ﷿ - مع تعطيله عن لوازم ربوبيته، أو عن بعضها. وهو ذريعة إلى التعطيل الكلي، وفيما يلي بيان لبعض الأوجه العامة لهذا التعطيل:\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-186> تعطيل الله - ﷿ - عن أسمائه وصفاته أو عن بعضها:</span>\nالإيمان بالربوبية لا يتم إلاّ بالإيمان بصفاته تعالى والخلل في إثبات صفات الله يؤدي إلى الخلل في إثبات الربوبية من خلال بيان ما يلي:\n١ - أنه لولا ثبوت صفات لله تعالى لم يكن ربًا خالقًا.\n٢ - أن ما كان منفي الصفات لم يكن إلا معدومًا.\n٣ - أن نفي الصفات مستلزم ومتضمن لنفي الذات.\n٤ - أن من أسباب الانحراف في الربوبية نفي الصفات.\n٥ - أن قول نفاة الصفات مأخوذ من المنحرفين في الربوبية.\n٦ - أن حقيقة قول نفاة الصفات هو جحد الخالق (٢).\nوما يهمنا هو: أن من أسباب الانحراف في الربوبية نفي الصفات؛ لأنه لما كان الاعتراف بالربوبية لا يتم إلا بالإيمان بصفاته تعالى، كان نفي صفات الله تعالى من أسباب الانحراف في باب الربوبية، وبهذا يتبين سبب انحراف كثير من الفرق.\nكما أن قول نفاة الصفات مأخوذ من المنحرفين في الربوبية، قال شيخ الإسلام ابن تيمة - ﵀ -: \" والجهمية نفاة الصفات الذين هم رؤوس أهل الكلام المذموم قولهم مأخوذ من\n_________\n(١) ينظر: الرد على المنطقيين (٢/ ٢٣)، الصفدية (٢/ ٢٥٩)، منهاج السنة (١/ ٢٣٧، ٣٦٠).\n(٢) ينظر: جهود شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير توحيد الربوبية (٢/ ٤٧٩ - ٤٨٢).","vol":"1","page":207},{"text":"قول خصمائه (أي إبراهيم - ﵇ - وخصمائه الصابئة) كما هو مأخوذ من قول فرعون خصم موسى - ﵇ - فإن فرعون أظهر جحد الصانع وعلوه على خلقه، وجحد تكليمه لموسى، وقوم إبراهيم كانوا مشركين كما أخبر الله - ﷿ - عنهم بذلك، وكان فيهم من هو معطل، كما ذكر تعالى ذلك. والفلاسفة القائلون بدعوة الكواكب: فيهم المشرك، وفيهم المعطل. ونفي الصفات من أقوالهم، فمنهم من لا يثبت لهذا العالم المشهود ربًا أبدعه، كما هو قول الدهرية الطبيعية منهم، ويجعلون العالم نفسه واجب الوجود بذاته، ومنهم من يثبت له مبدعًا واجبًا بنفسه أبدعه، كما هو قول الدهرية الإلهية منهم، ويقولون: إن الواجب ليس له صفة ثبوتية، بل صفاته: إما سلب، وإما إضافة، وإما مركبه منهما (١)، وكان الجعد بن درهم من أهل حرَّان. وكان فيهم بقايا من الصابئين (٢)\nوالفلاسفة، خصوم إبراهيم الخليل - ﵇ -، فلهذا أنكر تكليم موسى وخلة إبراهيم، موافقة لفرعون والنمرود، بناءً على أصل هؤلاء النفاة، وهو أن الرب تعالى لا يقوم به كلام، ولا يقوم به محبة لغيره، فقتله المسلمون، ثم انتشرت مقالته فيمن ضلَّ من هذا الوجه\" (٣).\nوالمدقق النظر في معطلة الأسماء والصفات أو بعضها، يرى أن أقوالهم تفضي إلى إنكار الخالق؛ لأن الذي لا صفات له لا وجود له، ولا يمكن معرفته.\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-187> تعطيل الله عن كماله المقدس:</span>\nمن التفريط في توحيد الربوبية تعطيل كمال الله ونسبة النواقص إليه؛ لأن الإيمان بالله تعالى مبني على التعظيم والإجلال للرب - ﷿ -.\n_________\n(١) المركب منهما: أي المركبة من السلب والإضافة كقولهم في السلب: لا موجود ولا معدوم، أما قولهم في الإضافة: عاقل ومعقول وعقل. ينظر: درء التعارض (١/ ٢٨٤).\n(٢) الصابئة: صبا الرجل إذا مال وزاغ وخرج، وبحكم ميلهم عن سنن الحق، وزيغهم عن نهج الأنبياء قيل لهم: الصابئة وهؤلاء الكفار منهم الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر كعباد الكواكب ونحوهم، ومنهم القوم الذين بعث إليهم إبراهيم، وعلماء الصابئة هم الفلاسفة.\n\nينظر: جامع المسائل (٥/ ٥٤ - ٥٥)، والملل والنحل (٢/ ٢٨٩)، وزاد المسير (١/ ٧٩ - ٨٠).\n(٣) درء التعارض (٧/ ١٧٥ - ١٧٦).","vol":"1","page":208},{"text":"ولا شك أن كل من أثبَت لغير الله - ﷿ - أفعالًا وأعمالًا تتعلق بكماله وقدرته التي لا يمكن أن تكون من غيره سبحانه (١)، فقد عطل الله عن كماله وأشرك في صفته \"القدرة الكاملة\"؛ لأن ملا يكون في مقدور البشر أن يفعلوه فهو من خصائص الربوبية (٢).\nوما فِعْلُ كثيرٍ من الطوائف والفرق والديانات والنحل إلا تعطيل لكمال الله المقدس؛ لذلك فإنهم لم يوفوا الربوبية حقها، حيث يعتقد الرافضة- مثلًا- في أئمتهم أنهم يعلمون الغيب، وتخضع لهم ذرات الكون ونحو ذلك، وكذلك يعتقد الباطنية والصوفية في أوليائهم نحو ذلك، كما أن القدرية أخرجوا أفعال المخلوق عن أن تكون مخلوقة لله فعطلوا هذه الحوادث عن خالق لها، وغير ذلك من اعتقاد بعض الفرق في تأثير وتصرف غير الله تعالى، من الأبراج والكواكب ومساراتها ومواقعها على حياة الناس، أو اعتقاد أن المخلوق يمكنه أن يرزق المخلوق، أو يمنع عنه الرزق، أو يمكنه أن يضر، أو ينفع من دون الله تعالى، أو اعتقاد حلول الله تعالى في خلقه، أو أن الله في كل مكان، أو اعتقاد التوفيق في حياة العبد من ذكائه، أو جهده واجتهاده، وغيرها من الاعتقادات التي تناقض الإيمان وتبطله (٣).\nكما أن تمثيل الخالق بالمخلوق فيما يختص بالمخلوق من صفات النقص التي يجب تنزيه الرب عنها، أنه تعطيل لكمال الله المقدس. وهذا ما وقع من اليهود حيث قالوا: إن الله فقير، وقالوا: يد الله مغلولة، وقالوا: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت وغير ذلك. ووقع أيضًا من الجهمية النفاة فإنهم قالوا: إن الله تعالى لا يتكلم ولا يحب ونحو ذلك من نفيهم (٤).\nوهؤلاء الطوائف ضلوا في مباحث التوحيد التي هي أشرف المباحث وأعلاها، فلم يهتدوا إلى معرفة توحيد الله ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ النور: ٤٠، وضلال ما ذهبوا إليه واضح وضوح الشمس.\n_________\n(١) وهذا يشمل القدرة على الخلق والإيجاد، والقدرة على إحياء الموتى، والقدرة على إنزال المطر، وعلى شفاء الأمراض، وعلى الهداية التوفيقية، وعلى حفظ العالم من الدمار، والقدرة على النفع والضر، وعلى الإنقاذ من عذاب القبر، وعلى غفران الذنوب ومحو الخطايا من الصحف، وعلى إجابة الدعاء واستماع ندائهم.\n(٢) الشرك في القديم والحديث (٢/ ٨٨٨ - ٨٨٩).\n(٣) ينظر: الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة، عبد الله بن عبد الحميد الأثري (ص ١٦٩)، واللطائف الندية في بيان توحيد الربوبية، أ. د. أحمد الغنيمان (ص ١٠٥)، ضمن مجلة الجامعة الإسلامية العدد ٢، والشرك في القديم والحديث (١/ ١٤٦)، وغيره من كتب الفرق والملل والنحل.\n(٤) ينظر: جهود شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير توحيد الربوبية (٢/ ٦٦٤).","vol":"1","page":209},{"text":"o<span data-type=\"title\" id=toc-188> تعطيل الله عن إفراده بالألوهية:</span>\nيرتبط الانحراف في توحيد الألوهية بالانحراف في الربوبية؛ لأن توحيد الربوبية هو أحد أنواع التوحيد الثلاثة كما تقدم؛ ولذا فإنه لا يصح إيمان أحد ولا يتحقق توحيده إلا إذا وحد الله في ربوبيته، لكن هذا النوع من التوحيد ليس هو الغاية من بعثة الرسل - ﵈ -، ولا ينجي وحده من عذاب الله ما لم يأت العبد بلازمه توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية هو مقام الجمع بين المخلوقات والفرق بينهم لا يتحقق إلا بالأمر والنهي، وهو متعلق الألوهية (١).\nولذا يقول الله تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ يوسف: ١٠٦، والمعنى أي: ما يقر أكثرهم بالله ربًا وخالقًا ورازقًا ومدبرًا- وكل ذلك من توحيد الربوبية- إلا وهم مشركون معه في عبادته غيره من الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تعطي ولا تمنع.\nومن لم يحقق توحيد الربوبية فقد قصر وتنقص موجب ربوبيته - ﷾ -، ولهذا فإن جمهور القدرية لما أخرجوا مشيئة العبد وفعله عن مشيئة الله وخلقه أرادوا إثبات إلهيته، وأنه معبود محمود حكيم عادل فقصروا في ذلك ونقصوه موجب ربوبيته وقدرته ومشيئته (٢)؛ كذلك فرعون لما أنكر ربوبية الله تعالى لم يوف الألوهية حقها، فإنه لم يعبد الله البته، إذ كيف يعبده وهو ينكره أصلًا، والاتحادية لما قالوا باتحاد الخالق بالمخلوق فضلوا بذلك في توحيد الربوبية لم يوفوا الألوهية حقها، فعبدوا كل شيء؛ لأنهم يرون أن كل موجود هو الله (٣).\nوهذا يبين أهمية توحيد الربوبية من جهة، والحذر من الوقوع في قوادح الربوبية من جهة أخرى؛ ولهذا كانت عناية أهل السنة والجماعة بهذا النوع من التوحيد فقد توسطوا أهل البدع المتقابلة، ومن ترك الحق من أهل البدع ابتلي بالباطل، وبعدد لوازم توحيد الربوبية نجد من عطلها أو أشرك فيها.\nوسيأتي للحديث بإذن الله تعالى مزيد بيان عن الانحراف في توحيد الألوهية في المبحث القادم.\n_________\n(١) ينظر: منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير عقيدة التوحيد (٢/ ٤٩٨).\n(٢) ينظر: نواقض الإيمان القولية والعملية (٩٧ - ٩٨).\n(٣) ينظر: جهود شيخ الإسلام في تقرير توحيد الربوبية لعادل العامري (٢/ ٨٦٩) وما بعدها.","vol":"1","page":210},{"text":"المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط (١) في توحيد الربوبية.\nإن المتأمل للطوائف والفرق والملل التي أفرطت في حقيقة الربوبية (٢)، يجد أنها على أقوال شتى متفرقة، إلا أنه يجمعها بعض الأصول (٣) وإن كانوا يتفرقون كثيرًا عند التفريعات، وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>الأصل الأول: بالنظر إلى ذات الرب - ﷾ </span>-: ويكون إما بإرادة تعظيم الله - ﷿ - بغير ما أخبر عن نفسه العلية أو أخبر عنه رسوله - ﷺ -، أو بالتأثر باعتقادات الديانات السابقة المنحرفة في الذات الإلهية، ويشمل هذا إثبات الوجود الذهني لله - ﷿ -، واعتقاد إله مماثل لله أو أكثر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>الأصل الثاني: بالنظر إلى المخلوقين: </span>باعتقاد أن أحدًا يسعه الوصول إلى الصفات الإلهية ومشاركة الرب.\nويرجع ضلالهم في هذا الباب إلى ما يلي:\n١ - الكفر والبعد عن نور الشرع، كما حصل لفرعون والنمرود والشيوعية والمجوس والملاحدة بشكل عام.\n٢ - تأثر بعض المسلمين بالفلاسفة وآرائهم الكلامية (٤)؛ وذلك بصرفهم لظواهر النصوص إما بتعطيلها وإما بتأويلها؛ لأنهم لا يرونها تفيد اليقين، وإنما الذي يفيد اليقين هو قواعد المنطق وعلم الكلام.\n_________\n(١) المراد بالإفراط هنا هو توسيع معنى الربوبية والمبالغة فيها لتشمل غير الله، مع عدم تعطيل وجوده - ﷿ -.\n(٢) أمثلة على هذه فرق المخالفة في توحيد الربوبية: فرقة الجهمية، فرقة المرجئة، فرقة الأشاعرة، فرقة الرافضة (الشيعة)، فرقة الخوارج، فرقة المعتزلة، فرقة الصوفية (الخرافيين)، فرقة أو جماعة التبليغ (الصوفية)، فرقة القدرية، فرقة المفوضة، فرقة الزيدية، فرقة الماتريدية، فرقة الباطنية، فرقة النصيرية، فرقة الدروز، فرقة القاديانية، فرقة الإسماعيلية، فرقة الإباضية، فرقة الأحباش، فرقة الفلاسفة، فرقة الكرامية، فرقة الكلابية، فرقة اللفظية، الصابئة وعقائدهم، السامرة وعقائدهم، المجوس وعقائدهم، أهل الأوثان وعقائدهم، البراهمة وعقائدهم، فرقة الديوبندية، فرقة جهمية المرجئة وغيرهم.\n(٣) ينظر: أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة، أ. د. سعود الخلف (١/ ٢٠).\n(٤) ينظر: الشرك في القديم والحديث (١/ ٣٩).","vol":"1","page":211},{"text":"٣ - جعل ظواهر النصوص دالة على تشبيه الخالق بالمخلوق، ووجه ذلك أنهم يشاهدون المخلوقات الحادث متصفةً بالصفات المضافة إلى الله تعالى في النصوص، فتكون ظواهر النصوص دالة على التشبيه عندهم.\n\nوبناء على الأصلين السابقين، والتي بسببهما يحدث الإفراط في توحيد الربوبية، نستطيع أن نحدد الأُطر التي أوقعت أهل البدع في هذا الانحراف، وهي تنحصر في<span data-type=\"title\" id=toc-192> ثلاثة أجناس لا يزال أهل البدع يجددون في صورها وهي:</span>\n-<span data-type=\"title\" id=toc-193> أولًا: (مشاركة الرب في بعض خصائص ربوبيته):</span>\nوهو اعتقاد متصرف مع الله - ﷿ - في أي شيء، من تدبير الكون - من إيجاد، أو إعدام، أو إحياء، أو إماتة، أو جلب خير، أو دفع شر، أو غير ذلك من معاني الربوبية-، أو اعتقاد منازع له في شيء من مقتضيات أسمائه وصفاته، كعلم الغيب (١)، أو كالعظمة، والكبرياء، ونحو ذلك (٢).\nوالناظر لأهل البدع يجد أنهم واقعون في هذا الملحظ الخطر، فنجد أن الرافضة الاثني عشرية وغلاة الصوفية يزعمون أن الأئمة والأقطاب يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل، وأنهم يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنهم لا يخفى عليهم شيء، وأنهم لا يحجب عنهم علم السماء والأرض، والجنة والنار (٣).\n_________\n(١) يرتبط الانحراف في الغيب بالانحراف في الربوبية، فالانحراف في الربوبية يؤثر في الغيب كله، وقد اتسع الفساد في هذا الباب مع ظاهرة الإلحاد الحديثة، وهي ظاهرة غزت في فترة الطفرة العلمية الحديثة مجالات مختلفة من الفكر الغربي الحديث، وإذا دخل الإلحاد إلى مجال الفكر، وأصبح موضة للمفكرين، فمن المنطقي انعدام جدوى الإيمان بقضايا الغيب الدينية كلها.\nينظر: النظريات العملية الحديثة مسيرتها الفكرية (٢/ ٨٩٠).\n(٢) ينظر: أعلام السنة المنشورة (ص ٥٦)، وللاستزادة ينظر: الاستقامة لابن تيمية (١/ ٣٤٤)، ومدارج السالكين (١/ ٣٣٩).\n(٣) ينظر: الكافي للكليني (١/ ٥٩ - ٦١)، وبحار الأنوار (٢٦/ ١١٧ - ١٣٧)، وينظر: منهاج السنة (١/ ٩٥ - ٩٦)، والاستغاثة (٢/ ٥٣٦).","vol":"1","page":212},{"text":"كما نجد أن المتصوفة القائلين بالغوث (١) والقطب (٢) والأوتاد (٣)، والأبدال أنها تصرفهم كما يدعون. ويلتحق بهم من يعتقدون تأثير النجوم والكواكب والأسماء والهياكل والجن (٤).\nكذلك شرك القدرية (مجوس هذه الأمة) القائلين بأن كل إنسان يخلق فعل نفسه، هم في الحقيقة مشركون في الربوبية، وهذا لازم لمذهبهم؛ لأنهم يرون أن الإنسان خالقٌ لفعله، فهم أثبتوا لكل أحد من الناس خَلْقَ فعله. والخلق إنما هو مما اختص الله به، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ الصافات: ٩٦، وأفعال العباد لا يخرجها شيء من عموم خلقه - ﷿ - (٥).\nكذلك فإننا نجد أن النصارى غلوا في المسيح فقالوا: إنه رب العالمين، وخالق السموات والأرض، وإنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير (٦).\n\nما وقع من هذه الطوائف من تعظيم الأنبياء والصالحين تعظيم ربوبية، ومن يظن أنه من الصالحين لا شك أنه من الكفر الصريح ومن قوادح الربوبية؛ لأنه تمثيل للمخلوق بالخالق فيما هو من الكمال الذي لا يستحقه إلا الله تعالى، ووصف المخلوق به منازعة للربوبية، ومضاهاة لها، وتسوية بين الله وبين الخلق (٧).\nوقد قرر شيخ الإسلام - ﵀ - أن تنزيه الرب تعالى يرجع إلى أصلين (٨):\n١ - تنزيهه عن النقص المناقض لكماله.\n_________\n(١) الغوث عند الصوفية: هو القطب حين يلتجأ إليه، ولا يسمى في غير ذلك الوقت غوثًا، ينظر: اصطلاحات الصوفية (ص ١٦٧)، والتعريفات (ص ٨٧).\n(٢) القطب عند الصوفية: عبارة عن رجل واحد هو موضوع نظر الله تعالى من العالم في كل زمان وهو على قلب إسرافيل ﵇، وحين يلتجأ إليه يسمى الغوث، ينظر: اصطلاحات الصوفية للكاشاني (ص ٤٥)، ومعجم اصطلاحات الصوفية (ص ٢١٧).\n(٣) الأوتاد عند الصوفية: الرجال الأربعة على منازل الجهات الأربع من العالم، بهم يحفظ الله تلك الجهات لكونهم محال نظره تعالى، اصطلاحات الصوفية (ص ٣٣)، ومعجم مصطلحات الصوفية (ص ٢٦٤).\n(٤) ينظر: الجواب الكافي (ص ١٥٦، ١٥٧)، والشرك في القديم والحديث (١/ ١٤٥ - ١٤٦).\n(٥) ينظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٢١٢ - ٢١٣).\n(٦) ينظر: الرد على الجهمية والزنادقة (ص ١٢٦)، العرش للذهبي (١/ ١٢٢)، شرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٢٠٠).\n(٧) ينظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١٣٧ - ١٣٩)، وجهود شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير توحيد الربوبية (٢/ ٦٨٧).\n(٨) مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٢٥ - ٤٢٦)، وينظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٩٧ - ٩٩، ٣٦٣)، ومنهاج السنة (٨/ ٢٩)، وشرح الأصبهانية (ص ٤٣٢ - ٤٣٣).","vol":"1","page":213},{"text":"٢ - وتنزيهه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-194> ثانيًا: (إثبات الوجود الذهني لله - ﷿ </span>-):\nيثبت البعض وجود الرب - ﷾ -، كما تتوهمه عقولهم وليس كما أخبرنا سبحانه عن نفسه، فالأصل الصحيح في باب الإيمان بالله أن يكون كما أخبرنا سبحانه عن نفسه، وليس كما تتوهم عقول البشر (١). ومن هذه الإثباتات الخيالية:\n- أن يُجعل وجوده - ﷿ - وجودًا مطلقًا بشرط الإطلاق، وهو قول الجهمية ومن وافقهم من القرامطة، وغيرهم، فقد نفوا عن الله - ﷿ - الوجود الخارجي ولوازمه، إذ الوجود المطلق لا يكون إلا في الأذهان دون ما خرج عنها، ولازم هذا القول نفي وجود الباري - ﷿ - تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرًا-؛ لأن معنى كلامهم هذا أنه شيء خيالي لا وجود له في الخارج (٢).\nومنشأ ضلالهم: هو عدم تفريقهم بين الوجود المجرد في الذهن ووجوده في الخارج، فإن الوجود المجرد ليس بشيء في الخارج (٣).\n- منهم من جعل وجود الخالق هو عين وجود المخلوقات، ولم يفرقوا بين الوجودين، وهو أبعدها، \"إذ لا شيء أبعد عن مماثلة شيء، أو أن يكون إياه، أو متحدًا به، أو حالًا فيه، من الخالق مع المخلوق\" (٤). وعلى هذا كثير من أرباب التصوف، والزهد، والعبادة. فعطلوا الله - ﷿ - عن أن يكون رب العالمين، ولم يفرقوا بين رب، وعبد (٥). والقول بالحلول يلزم منه القول بافتقار الله إلى العالم، وهو باطل (٦)،\n_________\n(١) ينظر: النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها، د. حسن الأسمري (٢/ ٨٩١).\n(٢) ينظر: مدارج السالكين (٣/ ٤٤٧)، منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير عقيدة التوحيد (٢/ ٤٢٣).\n(٣) ينظر: الشرك في القديم والحديث (١/ ٢٣).\n(٤) ينظر: التدمرية (ص ١٠٧).\n(٥) ينظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٧١ - ١٧٢)، والجواب الصحيح (١/ ٩٧ - ٩٨)، ودرء التعارض (٦/ ١٥١ - ١٥٢)، وبيان تلبيس الجهمية (٦/ ٥٤٩ - ٥٥٠).\n(٦) ينظر: بيان تلبيس الجهمية (٥/ ٤٤ - ٤٦، ٤٩).","vol":"1","page":214},{"text":"وهذا المذهب من جنس سابقه في عدم إثبات وجود الله - ﷿ - وجودًا متميزًا عن سائر مخلوقاته.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: إن تصور مذهب هؤلاء كاف في بيان فساده، لا يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر. واتفق سلف الأمة وأئمتها: أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وقال من قال من الأئمة: من شبه الله بخلقه فقد كفر، فكيف من جعله عين المخلوقات، وجعله نفس الأجسام المصنوعات؟ فتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا (١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-195> ثالثًا: (اعتقاد إلهين متماثلين أو أكثر):</span>\nليس في الأمم من أثبت لله - ﷿ - قديمًا مماثلًا له في ذاته سواء قال: إنه يشاركه، أو قال: إنه لا فعل له، بل من شبه به شيئًا من مخلوقاته فإنما يشبهه في بعض الأمور، وقد علم بالعقل امتناع أن يكون له مثل في المخلوقات يشاركه فيما يجب أو يجوز أو يمتنع عليه؛ لأن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين ... وعلم أيضًا بالعقل أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلا بد أن يكون بينهما قدر مشترك كاتفاقهم في مسمى الوجود، والقيام بالنفس، والذات، ونحو ذلك فإن نفي ذلك يقتضي التعطيل المحض (٢).\nإلا أن هناك من اعتقد بوجود إلهين قادرين أو أكثر، كشرك النصارى الذين اتخذوا معه أربابا، فجعلوه ثالث ثلاثة؛ وشرك المجوس القائلين بأن للعالم ربين فأسندوا حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة، ومن قالوا بقدم العالم: يعني أن الله تعالى لم يخلق هذا العالم، بل لم يزل ولا يزال معه.\nالتعطيل والإشراك لازمان لكل من أثبت فاعلًا مستقلًا غير الله، فالقدرية أثبتوا فاعلًا مستقلًا غير الله فقالوا: إن العبد يخلق فعله، فلزمهم بهذا القول التعطيل والشرك؛ أما التعطيل فبإخراج أفعال العباد عن خلق الله، وأما الشرك فبإثباتهم شركاء لله يفعلونها، وهم العباد أنفسهم. كذلك الفلاسفة أثبتوا فاعلًا مستقلًا غير الله فقالوا: إن الفلك هو المحدث للحوادث التي في\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٢٦) (٢/ ١٣٨).\n(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٩٨ - ١٠٠) (١١/ ٥١).","vol":"1","page":215},{"text":"الأرض كلّها، فلزمهم بهذا القول التعطيل والشرك؛ أما التعطيل فلأنهم لم يجعلوا لله شيئًا أحدثه، وأما الشرك فإنهم قالوا: إن الفلك هو المحدث للحوادث التي في الأرض كلِّها (١).\n_________\n(١) ينظر: منهاج السنة (٣/ ٢٧٨ - ٢٧٩، ٢٨٢).","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الربوبية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>تمهيد:</span>\nليس من المستغرب أن يكون القرآن الكريم من أعظم أسباب الهداية والثبات، وأن تكون الهداية والتثبيت من أجل الحِكَم الربانية في تنزيل هذا الكتاب العظيم، قال تعالى مبينًا وجه الحكمة في تنزيل القرآن صراحة: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ النحل: ١٠٢. من هذا المنطلق كان منهج أهل السنة والجماعة هو منهج الهداية والنجاة؛ لأنه تمسك بالكتاب والسنة، ومن تمسك بهما كان وسطا بين البدع المتقابلة.\nوقضية إثبات الربوبية لله - ﷿ - قضية بدهية لا تنفك الفطر السليمة، والعقول المستقيمة عنها، إلا أنه لما وجد في تاريخ البشر من قد يجادل في هذه المسلَّمةِ البدهية، فإن القرآن العظيم لم يُغْفِل هذه المحاجة، بل ناقشها، وأثبت زيفها.\nوللقرآن الكريم منهج مستقل في تناول مقولات المنحرفين في توحيد الربوبية التي كرَّ عليها بالإبطال، وهذه الطرق المنهجية (١) يمكن استقراؤها من خلال النظر في الآيات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>الطريقة الأولى: إثارةُ فطرية المعرفة في نفوس المكذبين</span>؛ لأن الفطرة السالمة من المؤثرات مطبوعة على الاعتراف بالخالق، والإيمان به، وإثارة فطرية المعرفة تظهر في قول الرسل لأقوامهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إبراهيم: ١٠، وألزم من انحرفت فطرته على طريقة السبر والتقسيم (٢)، فقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ الطور: ٣٥، فإن المخلوق لا يخلو وجوده من ثلاثة أمور: إما أن يكون خُلِقَ صدفة، بلا خالق؛ ولا عاقل يقول بهذا، وإما أن يكون هو من خلق نفسه؛ وهذا أبعد من سابقه، فبقي الاحتمال الثالث وهو الصحيح أن له خالقا خلقه، وهو الله تعالى.\n_________\n(١) ينظر دلائل الربوبية: مجموع الفتاوى (٦/ ٧٣) (١٠/ ١٤٧)، درء التعارض (٨/ ٦، ٨، ٤٥٦، ٤٦٨، ٥٣٣ - ٥٣٤)، الصواعق المرسلة لابن القيم (٢/ ٤٦٣ - ٤٦٤).\n(٢) ينظر: الصواعق المرسلة (٢/ ٤٩٣)، أضواء البيان (٣/ ٤٩٤).","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>الطريقة الثانية: التعريف بالله تعالى عن طريقِ إرسال الرسل</span>؛ والمتأمل يجد أن أهم طريق للتعريف بالله تعالى كان عن طريق إرسال الرسل، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾ الأعراف: ١٠٤.\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>الطريقة الثالثة: لفت الانتباه لمخلوقات الله تعالى</span>؛ وهذا واضح جلي في قول إبراهيم ﵇: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ البقرة: ٢٥٨.\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>الطريقة الرابعة: ذكر صفات الخالق سبحانه</span>؛ ومنها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤)﴾ غافر: ٦٤، كما بين -سبحانه- أن الخالق يتصف بصفات الكمال، فقال تعالى ردًا على قوم موسى لما عبدوا العجل من بعده: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ طه: ٨٨ - ٨٩، فأخبر -سبحانه- أن من لا يتكلم، ولا يجيب سائله وداعيه؛ ليس بإله، وختم هذه القصة بقوله: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ طه: ٩٨.\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>الطريقة الخامسة: التذكير بنعم الله تعالى على خلقه</span>؛ لذا اعتنى القرآن بتقرير هذا الأمر، وقد ختم الله تَعْدادَ نعمِه في سورة النحل بقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ النحل: ١٧ - ١٨، ثم قال بعد أن أقام البراهين على بطلان ربوبيتهم: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: فاعبدوه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>الطريقة السادسة: الاستدلال بالمعجزات على وجود الخالق -جل ذكره</span>-، وهذا يؤخذ من جواب موسى - ﵇ - على فرعون عندما قال له: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)﴾","vol":"1","page":218},{"text":"الشعراء: ٣٠ - ٣٣، فإنه لا يستطيع سوى الخالق أن يخرق العادة بهذه المعجزة الباهرة، فلعظمة هذه المعجزات استدل بها موسى على وجود الصانع، وحياته، وقدرته، وتمامِ علمه (١).\n\nولما كان أهل البدع في توحيد الربوبية على طرفي نقيض -كما سبق-، فإننا نجد أن آيات القرآن الكريم اهتمت بالرد عليهم وبيان ضلال منهجهم.\n_________\n(١) ينظر: الصواعق المرسلة، لابن القيم (٣/ ١١٩٨)، وينظر للطرق السابقة المقولات التي أبطلها القرآن ومنهجه في إبطالها دراسة تأصيلية موضوعية، د. وليد عبد المحسن العمري (١٢٥ - ١٣١).","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بتوحيد الربوبية</span>.\nالمتأمل يجد أن النصوص الشرعية تضافرت على الأمر بالاعتصام بالكتاب والسنة واتباع السلف الصالح، وذم من حاد عن منهج الوسطية، من أهل البدع المتقابلة.\nفاجتمع لنا من الأدلة ما ينهض بحقيقة عقيدة أهل السنة والجماعة في توحيد الربوبية واطراح ما عداها من البدع المتقابلة؛ ولا شك أن المنحرفين في توحيد الربوبية كانوا على طرائق مختلفة في الكفر (١).\nوقد آثرت الاقتصار على دراسة ثلاث آيات مختارة دراسةً تفصيلية، ثم اتبعت ذلك بالإشارة إلى باقي الآيات؛ بهدف عدم إثقال كاهل الرسالة؛ لأن المراد هو بيان رد الآيات، وليس المقصود تقصي كل ذلك، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الربوبية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>الآية الأولى:\nقال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ مريم: ٦٥</span>، نجد أن هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-206> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nفي هذه الآية رد على الملاحدة -من الدهرية والفلاسفة- المنكرين لوجود الخالق بقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؛ فخلقه ﷾ للسماوات والأرض، وتفرده بذلك، وكونهما على أحسن نظام وأكمله، ليس فيه غفلة ولا إهمال، ولا يمكن أن يحدث بنفسه، دليلٌ وبرهان قاطع على وجود الخالق وهو: الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين، ولا يملك أحد أن يهرب من الاعتراف لخالقه بالقدرة المطلقة والربوبية الحقة.\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٢٠٤).","vol":"1","page":220},{"text":"وقد فرع الله - ﷿ - على ذلك وجوب عبادته بقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾؛ لأن كل من أقر بالربوبية، لزمه الإقرار بالعبودية -الألوهية-، والتوجه له في السراء والضراء، وإخلاص العبادة، وإلا صار متناقضًا (١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-207> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nفي هذه الآية (٢) رد على من جعلوا الله ربًا، ولكن جعلوا معه شريكًا في الربوبية، وهم طوائف من الملل المختلفة، فرد عليهم - ﷿ - بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ لينفي عن نفسه سبحانه السمي: وهو النظير والمثيل. والمعنى: لا أحد يساميه في العلو والعظمة والكمال على التحقيق؛ أي: يشابهه، كما أثر عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغيرهم (٣).\nوفي هذا تنزيه لله تعالى، ودليل على عظمته سبحانه وجلاله؛ فإن نفي الكفء والند والسمي وما في معناها يستلزم ثبوت توحيد الربوبية مع جميع صفات الكمال المطلق على وجه التفرد، وفي هذا رد لمن جعل لله شريكًا في ربوبيته. يقول ابن القيم - ﵀ -: \"نفي الكفء والسمي والمثل عنه كمال؛ لأنه يستلزم ثبوت جميع صفات الكمال له على أكمل الوجوه، واستحالة وجود مشارك له فيها\" (٤)، فلا ربوبية لغيره، ولا شريك معه في هذا الكون الكبير، فلا أحد يدعي أنه يملك خلقه وتدبيره، ومن لا يصلح أن يكون ربا، لا يستحق أن يكون إلها!، ومنهج القرآن مطرد، في تقرير توحيد الإلهية بعد تقرير توحيد الربوبية، لذا نجد أن جملة ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ واقعة موقع التعليل للأمر بعبادته والاصطبار عليها (٥).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-208> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان كان مأخذًا عقليًا استولد لوازم متناقضة التزمت كل فرقة هذه اللوازم، واستدل لها أصحابها بشبهات مركبة من دلائل عقلية ونقلية،\n_________\n(١) ينظر: شرح العقيدة الواسطية للعثيمين (١/ ٣٥١).\n(٢) اجتمعت في هذه الآية أقسام التوحيد الثلاثة، وهي رد على من أنكر هذا التقسيم من أهل البدع.\n(٣) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ١٣١).\n(٤) الصواعق المرسلة (٤/ ١٣٦٩).\n(٥) التحرير والتنوير (١٦/ ١٤٣).","vol":"1","page":221},{"text":"وليس الغَرضُ في هذا المقام استقصاء هذه الشبهات واللوازم على وجه التفصيل وإبطالها، بل بيان المستند الذي ارتكز عليه المخالفون في هذا الباب، والذي كان سببًا لانحرافهم في توحيد الربوبية، وجماع شبهتهم تعود إلى: إنكارهم للغيب وإيمانهم بالمحسوسات المجردة.\nلأجل ذلك فمن لم ير الله جحد وجوده وآمن بالمحسوسات المادية وهؤلاء هم الملاحدة، فهم ينكرون وجود الله بحجة أن العقل أو العلم ينكره؛ لأنهم يريدون أن يؤمنوا بشيءٍ يمكن لعقولهم أن تصل إليه، أو أن تستدل عليه، قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ يونس: ٣٩.\nبينما نجد الذين اعترفوا بوجود الله، وأشركوا معه غيره، ضلوا في علم الغيب كذلك، فآمنوا بالمحسوسات ونزعوا إلى الوثنية في اتّخاذهم الوسائط إلى الله تعالى والتوجّه إليها بالعبادة ولو عن طريق مجاوزة الحدّ في تعظيمها وإضفاء الصفات الإلهية عليها.\nوالله ﷾ إنما أرسل الرسل للبلاغ عن عالم الغيب ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الجن: ٢٦ - ٢٧، وهو عالم لا يمكن أن تحيط العقول البشرية به علمًا؛ وإنما غاية الأمر أن تستدل عليه وأن تؤمن به وتثبته في الجملة.\nوالانحراف الذي وقع فيه الناس في هذه المسألة هو أكبر انحراف وأعظم ضلال؛ فكل من ضل في معرفة الله ﵎، وكل من أشرك مع الله ﵎ غيره، وكل من أنكر الرسل وجحدهم وكذب ما جاءوا به؛ كل ذلك إنما هو لأنه لم يؤمن بالغيب.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-209> رابعًا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nأتت هذه الآية للرد على من نفى وجود الله وللرد كذلك على من أشرك مع الله، فدلت بمفهومها على منهج أهل السنة والجماعة وهو: الإيمان والتصديق بكل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله - ﷺ - من الأقوال والأفعال والصفات، من دون أن يكون لله - ﷿ - فيها شريك.\nلذلك كانت هذه الآية الكريمة دالةً على أن المذهب الحق ليس هو ما ذهب إليه أصحاب البدع المتقابلة، بل هو ما سعد به أهل السنة والجماعة، من إثبات توحيد الربوبية.\nولا تثبت ربوبية الله إلا بالإيمان بالغيب، الذي يعد علامة من علامات المؤمنين، وأول صفة من صفاتهم ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ البقرة: ٣، وهذا مفرق الطريق بينهم وبين الكافرين والملحدين","vol":"1","page":222},{"text":"والمنحرفين؛ لأن الإيمان يقتضي ويتضمن القول والعمل وكذلك الاعتقاد والتطبيق والتنفيذ، وكل ذلك يدخل تحت مُسمى الإيمان بالغيب.\nوحسبُ الإنسان أن يخرج عن الطريق المستقيم، وعن الجادة؛ لتتشعب به الطرق، ويذهب كل مذهب، وهذا ما حدث لمن لم يؤمن بالله - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>الآية الثانية:\nقال تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إبراهيم: ١٠</span>، نجد أن هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-211> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nفي هذه الآية رد على الملاحدة المنكرين لوجود الله - ﷿ - في قوله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾، وفي هذا إثارة فطرية المعرفة في نفوس المكذبين؛ لأن الفطرة السالمة من المؤثرات مطبوعة على الاعتراف بالخالق، والإيمان به.\nولا شك أن من رحمة الله - ﷿ - ولطفه بعباده أن جعل أدلة وبراهين ربوبيته فطرية ظاهرة، يؤمن بها ويدركها أقل الناس حظًا من العلم والنظر، بل إن الأدلة لوضوحها وظهورها تضطر الإنسان اضطرارًا إلى الإيمان بخالقها وموجدها ربًا وخالقًا، فظهر بهذا بطلان عقيدة الملاحدة وتهالكها.\nوالاستفهام في هذه الآية: تقريري أتى على وجه الإنكار والتوبيخ لنفي ما اعتقدوه، أي: ليس فيه شك، فهو الخالق المستحق للربوبية وحده؛ لأنَّ وجوده ووحدانيته أمر لا يحتمل الشك، لظهور الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة على ذلك (١).\n_________\n(١) ينظر: تفسير السمعاني (٣/ ١٠٧)، تفسير البغوي (٣/ ٢٧)، ومجموع الفتاوى (١٦/ ٣٣٩)، وأضواء البيان (٣/ ٤١٤)، ومنهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام (١/ ٤١٨).","vol":"1","page":223},{"text":"قال ابن كثير - ﵀ -: \"هذا يحتمل معنيين: أحدهما: أفي وجوده شك؟ فإن الفطر شاهدة بوجوده ومجبولة على الإقرار به. فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يعرض لبعض الفطر شك واضطراب فيحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده، ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه فاطر السموات والأرض- أي: الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق- فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليهما. فلا بد لهما من صانع وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء وإلهه ومليكه.\nوالمعنى الثاني: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له، شك؟ وهو الخالق لجميع الموجودات ولا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له، فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى\" (١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-212> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nفي هذه الآية ردٌ على من أشرك مع الله في ربوبيته، ممن اعتقد خالقًا أو مدبرًا غير الله، كمثل ما اعتقد الفلاسفة القائلون بأنه: \"العقل الفعال\"، والصابئة القائلون إنه: المدبر الأقرب، والطبائعيون المعتقدون: \"بأن الطبيعة هي من خلقت نفسها\"، والمانوية المعتقدون ذلك في الأرواح الطيبة بزعمهم، والنصارى واعتقادهم في المسيح -﵇-، وغيرهم ممن ضل في هذا الباب، سواء جعلوا ما اعتقدوه مشاركًا لله أو منفردًا بالخلق دون الله - ﷿ -، كما أن فيها ردًا على من نفى صفة الخلق عن الله - ﷿ - كالجهمية وغيرهم -من باب تنزيه الله عن مشابهة الحوادث (٢) -، أو القدرية القائلين بأن كل إنسان يخلق فعل نفسه - من باب تنزيه الله عن الظلم-.\nفرد الله عليهم إفراطهم في ربوبيته بقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وفي هذا لفت انتباه لمخلوقات الله تعالى وعظيم خلقه، وأنه لا شريك له - ﷿ - في ربوبيته؛ وهل يخفى على ذي بصيرة أن هذا إبداع المبدع الحكيم وتقدير العزيز العليم، بل وجوده سبحانه وربوبيته وقدرته أظهر من كل شيء على الإطلاق.\n_________\n(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٤٨٢).\n(٢) هؤلاء أفرطوا في تنزيه الله عن الشبيه، فنفوا عنه جميع الصفات، وبعض الطوائف نفت بعضها.","vol":"1","page":224},{"text":"وبيان أنه فاطر السموات والأرض؛ فلأن ما سوى الواحد ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يقع موجودًا إلا بإيجاد غيره، فنتج أن ما سوى الله فهو حاصل بإيجاده وتكوينه. فثبت أنه سبحانه هو الفاطر وحده لكل ما سواه من الموجودات (١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-213> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: محاولة الوصول إلى فهم الذات الإلهية وتصورها بعقولهم البشرية المحدودة، متجاوزين قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ طه: ١١٠، وجماع شبهتهم التي كانت الأصل والمستند في مخالفتهم انبنت على أحد أصلين:\n١ - دعوى استنادهم لضرورة إثبات وجود الله بالقضايا التركيبية (٢)،\nواعتبارهم التجربة الأساس الوحيد للحكم الصحيح؛ ولأن الله لم يثبت عندهم بهذه القضايا التركيبية، انبنى قولهم بامتناع إثبات وجود الله - ﷿ -، لذلك لم يستطع الفكر الإلحادي أن يقدم للإنسان شيئا عن الله وعن علاقته به على ضوء ما التزموه من قواعد. وإنكارهم لوجود الله ظاهرًا فقط، مع إيمانه بخلاف ذلك في قرارة قلوبهم ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾؛ لأن وجود الله أمر بديهي لا يحتاج إلى إثبات، ولهذا لا نرى القرآن يكثر من إقامة البراهين الجدلية في هذا الموضوع، ولكنه يشير إلى ذلك بأدلة كافية مقنعة ملزمة. وليس مؤداهم استحالة خلق الله للعالم، بل استحالة وصول النفس البشرية -بما قعدته من علوم أولية\n_________\n(١) ينظر: مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، تفسير الرازي (١٢/ ٤٩٢).\n(٢) القضايا التركيبية تقوم على التجربة والمشاهدة، ولذلك حددوا طاقة الفكر البشري بحدود الميدان التجريبي، فأصبح من العبث؛ لأنه تضييق لمدارك المعرفة، وأدخلوا ذلك في كلّ بحث يتعلق بالغيبيات، فحاروا واضطربوا ولم يستقر لهم قرار. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: فأمور الغيب التي تتوقف على أخبار الرسل ووحي الله وهدايته العامة والخاصة أبطلها هؤلاء الملاحدة إذ ضيقوا دائرة المعلومات جدا في مدركات حواسهم، فلهذا حاروا واضطربوا ولم يستقر لهم قرار على أقوال تتفق عليها آرائهم لأنهم أنكروا العلم الحقيقي النافع الذي يربي النفوس ويسعدها ويرقيها في مدارج الكمال.\n\nينظر: الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين، للسعدي (٣ - ٤ - ١٧ - ١٨)، وتاريخ الفكر الديني الجاهلي، لمحمد إبراهيم الفيومي (ص ٣٢١).","vol":"1","page":225},{"text":"مشوبة بالشبهات والمؤثرات الخارجية-إلى معرفة الله ﵎. مما يدل على انحرافهم في هذا الباب.\n٢ - استنادهم إلى الأقيسة الكلامية والمقدمات المنطقية والأدلة الجدلية، فأرادوا تنزيه الذات الإلهية عن مماثلة الحوادث والمخلوقات، فوصفوا المخلوقات بما سلبوه من الذات الإلهية، فأفرطوا في الربوبية بزعمهم تنزيه الله وجعلهم المخلوقات مشاركة لله في صفات ربوبية أو منفردةً بها.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-214> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد:</span>\nأتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب البدع المتقابلة، في معرفة الله - ﷿ -، بل هو ما ذهب إليه سلف الأمة، وأئمتها من الصحابة، والتابعين - ﵃ - ومن سار على طريقهم، في أن معرفة الله تعالى وصفاته تعرف بالسمع لا بالعقل فقط؛ لأنه لا أحد أعلم بالله من الله - ﷿ - (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>الآية الثالثة:\nقال الله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الممتحنة: ٤</span>، نجد أن هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-216> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nفي هذه الآية ردٌ قاطع على من أنكر ربوبية الله - ﷿ - من الملاحدة وغيرهم فلم يحقق الدعاء له سبحانه، كما أن فيها ردًا على الجبرية والقدرية وغيرهم الذين أنكروا وعطلوا فائدة دعاء الله - ﷿ -، ففي قوله تعالى: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾، دليل واضح على أن دعاء الله من مقتضى ربوبيته الشاملة للخلق كلهم، ولهذا كانت إجابة الدعاء غير خاصة بالمؤمنين بل الله يسأله كل الخلائق فيجيبهم ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الإسراء: ٦٧، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ\n_________\n(١) ينظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ١٩٣ - ١٩٦).","vol":"1","page":226},{"text":"الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ النمل: ٦٢، ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ الأنعام: ٦٣، وإجابة الدعاء فعل من أفعال الله تعالى والإقرار بتفرده بها إقرار بتفرده بأفعاله، وكل هذا يستلزم الاعتقاد بعلم الغيب والتصرف المطلق والقدرة المطلقة والنفع والضر للمدعو.\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي - ﵀ -: \" ومن براهين وحدانية الباري وربوبيته، إجابته للدعوات في جميع الأوقات فلا يحصي الخلق ما يعطيه للسائلين وما يجيب به أدعية الداعين من بر وفاجر ومسلم وكافر، تحصل المطالب الكثيرة، ولا يعرفون لها شيئًا من الأسباب سوى الدعاء والطمع في فضل الله والرجاء لرحمته، وهذا برهان مشاهد محسوس لا ينكره إلا مباهت مكابر\" (١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-217> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nفي هذه الآية رد على من عظم المخلوقين، وجعلهم وسائط بينه وبين الله - ﷿ -، واعتقد أن دعاءهم له مستجاب ولا محالة، فدعاهم من دون الله، فأتى الرد في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، للدلالة على أن من لوازم الدعاء أن يكون المدعو متصرفًا التصرف المطلق وقادرًا القدرة المطلقة، وهاتان الصفتان - التصرف والقدرة المطلقتان- من خصائص الربوبية فلا يتصف بهما غير الله تعالى، فمن صرف الدعاء لغير الله تعالى فقد صرف له ما هو من خصائص الربوبية، فلذا وجب إخلاص الدعاء لله تعالى، والإخلاص في الدعاء يستلزم الإخلاص في توحيد الربوبية، وأن الشرك في الدعاء يستلزم الشرك في الربوبية، وكذلك فإن من لوازم الدعاء الاعتراف بأن الله هو النافع الضار إذ من شأن الدعاء أن يكون المدعو يستطيع أن ينفع داعيه أو يضره.\nودعاء غير الله تعالى فيه إضاعة لمعنى العبودية، ولمقتضيات الربوبية، وفيه إساءة الظن بالله -﷾-، وفيه تشبيه الخالق بالمخلوق إذ اعتقد الداعي أن من يدعوه يتوسط له لدى الله تعالى كما يتوسط لدى الرؤساء والزعماء، وهذا التشبيه صرح به بعضهم ظنا منهم أن الخالق مثل المخلوق (٢).\n_________\n(١) الرياض الناضرة والحدائق المنيرة الزاهرة، للسعدي (ص ٢٥٣).\n(٢) ينظر: الواسطة بين الحق والخلق ضمن الفتاوى (١/ ١٢٦ - ١٢٧)، شواهد الحق للنبهاني (ص ١٤٥).","vol":"1","page":227},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-218> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان كان مأخذا عقليًا استولد لوازم متناقضة التزمت كل فرقة هذه اللوازم، واستدل لها أصحابها بشبهات مركبة من دلائل عقلية ونقلية.\nوجماع شبهتهم التي كانت الأصل والمستند في مخالفتهم تعود إلى انحرافهم في تصور الذات الإلية وما يلزمها من صفات فعليه، لينتج عن ذلك، اتجاهان باطلان في مسألة دعاء الله - ﷿ -:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>الاتجاه الأول: إنكار الدعاء:</span>\nفقول الملاحدة كان لازمًا من لوازم إنكارهم لوجود الله - ﷿ -، أما الجبرية والقدرية فقولهم كان لازمًا لانحرافهم في مسألة خلق الله لأفعال العباد، فالمجبور قال: الدعاء تحصيل حاصل ولا فائدة منه، والقدري قال: إن الله يكتب الأجور والسيئات ثم جنة ونار، فلا فائدة من دعائه، بزعمهم أنهم ينزهون الله عن ظلم العباد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>الاتجاه الثاني: الشرك في الدعاء:</span>\nنجد أن من أشرك في الدعاء قد بنى اعتقاده على مشابهة الخالق بالمخلوق، لاعتقاده أن من يدعوه يتوسط له لدى الله تعالى كما يتوسط لدى الرؤساء والزعماء، والشرك في الدعاء وطلب الحوائج من الأحياء والميتين، هو أصل شرك العالم، لذا كانت عناية الله تعالى بالشرك في الدعاء أكثر من غيره، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ الأنعام: ٤٠ - ٤١.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-221> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد:</span>\nأتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب البدع المتقابلة، بل هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، وصرح به علماؤها باشتمال الدعاء على التوحيد؛ لأن توحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بأفعاله، ومن جملة أفعال الله تعالى إجابة الداعي وإغاثة المستغيث.","vol":"1","page":228},{"text":"ومن هؤلاء الذين صرحوا القاضي عياض - ﵀ - (١)\nفإنه قال: \" أذن الله في دعائه، وعلم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النبي - ﷺ - الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة\" (٢).\nوقال الزركشي (٣) في معنى كون الدعاء مخ العبادة: \" إنما كان مخًا لتضمنه التوحيد إذ الداعي لا يدعو الله إلا وهو يوحده، ويعتقد أنه لا معطي غيره\" (٤)، وذكر ابن عقيل الحنبلي (٥) أن في الدعاء معنى الوجود والغنى والسمع والكرم والرحمة والقدرة فإن من ليس كذلك لا يدعى (٦).\n_________\n(١) هو: عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض اليحصبي، أبو الفضل المشهور بالقاضي، من أئمة المالكية وعلمائهم، من مؤلفاته: إكمال المعلم بفوائد مسلم، الشفا في حقوق المصطفى، ترتيب المدارك وغيرها، توفي سنة ٥٤٤ هـ.\n\nينظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٢)، شذرات الذهب (٤/ ١٣٨).\n(٢) الفتوحات الربانية (١/ ١٧).\n(٣) هو: محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي بدر الدين أبو الحسن الشافعي، كان فقيها أصوليًا محدثًا مشاركًا في العلوم كلها، تركي الأصل، مصري المولد والوفاة، من مؤلفاته: الأزهية في أحكام الأدعية، رسالة في معني كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) وغيرها، توفي ٧٩٤ هـ.\nينظر: إنباه الرواة (٢/ ١٦٩)، وطبقات الشافعية (٧/ ١٥٥).\n(٤) الأزهية في أحكام الأدعية للزركشي (ص ٣٠)، وعنه في إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، للمرتضى الزبيدي محمد بن محمد (٥/ ٢٩).\n(٥) هو: أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي، الفقيه الأصولي الواعظ المتكلم أحد كبار علماء الحنابلة واسع التأليف ذائع الصيت، توفي سنة ٥١٣ هـ\nينظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٢٥٩)، وشذرات الذهب (٤/ ٣٥ - ٤٠).\n(٦) ينظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (٢/ ٢٨٠).","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الربوبية</span>.\nأختم هذا الفصل بذكر إجمالي للآيات الرادة على الانحراف العقدي في توحيد الربوبية؛ والآيات التالية سيقت على سبيل المثال لا الحصر (١):\n١ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ الأنعام: ١٤، في هذه الآية رد على المعطلة في قوله: (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) مُبْتَدِعَهُمَا وَمُبْتَدِئَهُمَا وَخَالِقَهُمَا؛ ذلك أن المنطلق العقلي يقتضي أن تصرف العبادة إلى الخالق الرازق، الذي بيده مقاليد الأمور، أما صرفها إلى من لا يملك لنفسه ضرًا، ولا نفعًا -فضلا عن غيره- فهذا مما لا تقر به العقول السليمة، ولا تؤيده الفطر المستقيمة. وفيها رد على المشبهة بقوله: (يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ) فلا شبيه له سبحانه في أفعاله.\n٢ - قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ الملك: ٢، فيه رد على الملاحدة المنكرين لذات الله في قوله: (الَّذِي خَلَقَ)، وفيه رد على الجهمية المثبتين للذات المنكرين للصفات من باب تنزيه الله عن مشابهة خلقه وذلك في قوله: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ).\n٣ - قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ الأنعام: ١، في هذه الآية رد على المعطلة بقوله: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)، وفيها كذلك رد على المشبهة، بقوله: (بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي يعدلون ويساوون به غيره فيجعلونه لغيره عدلًا مساويًا.\n٤ - قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ الكهف: ١١٠، ترد هذه الآية على الملحدين في قوله تعالى: (لقاء ربه)، وفيها رد على المغالين في الربوبية في قوله: (ولا يشرك بعبادة ربه).\n٥ - قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ يونس: ٣١، فيها رد على من أنكر\n_________\n(١) بيان أن الحصر، يحتاج إلى القطع ولا يستطيع هذا إلا عالم مجتهد؛ لأن كتاب الله مليء، ففي كل مرة تقرء فيها آياته تظهر أدلة جديدة في الرد على البدع المتقابلة، ولا عجب فكتاب الله هو المعجزة الخالدة.","vol":"1","page":230},{"text":"الخالق - ﷿ - بقوله: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ)، كما أن فيها ردًا على من أشرك مع الله غيره في ربوبيته (وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) (أَفَلَا تَتَّقُونَ).\n٦ - قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ العنكبوت: ٦٥، في هذه الآية رد على من أنكر ربوبية الله (دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، كما أن فيها ردًا على من أشرك مع الله غيره (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ).\n٧ - قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ التوبة: ٣٠، في هذه الآية ردٌ على اليهود والنصارى ومشركي العرب الذين نسبوا لله الولد (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ)؛ وهذا الرد يستلزم كمال غناه سبحانه. وكمال قدرته التي تغنيه عن اتخاذ الولد؛ كما أن فيها ردًا على من أنكر وجود الله وأنكر تفرده - ﷿ - بصفات الربوبية في قوله (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ) لإثبات أفعال الله الدالة على وجوده وقدرته.\nكما أن في هذه الآية إشارة إلى قاعدة في التعامل مع أهل البدع، في أن البدع بين أهل الباطل يتأثر الجديد منها بالقديم (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ)، وفيها رد كذلك على دعوى تقارب الأديان بقوله: (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) فكيف يكون هناك تقارب بينهم وبين الإسلام الذي مبناه على التوحيد لرب العالمين وبين الأديان المحرفة.\n\nوغير ذلك من الآيات، التي هي في الحقيقة أدلة مفحمة استعملها القرآن ليدلل على قبح الشرك والإلحاد وعلى فظاعة ما وقعوا فيه من المناقضة للعقل والفطرة حين أشركوا مع الله غيره أو أنكروا وجوده، فوقعوا في البدع المتقابلة في توحيد الربوبية؛ كما أن ردود هذه الآيات، يستلزم إثبات المنهج الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة -منهج الوسطية في أبواب الاعتقاد-، من أجل ذلك سعدوا بهذا الوصف ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ الأنعام: ١٢٢.","vol":"1","page":231},{"text":"وقد يتساءل البعض فيقول: إذا كان الخلق كلهم مقرين بربوبية الله - ﷿ - عدا من شذ، فلماذا ساق الله ﷾ في كتابه وكرر ذكر ربوبيته كثيرًا؟ والجواب أن يقال: لقد تنوعت الأساليب (١) التي ساق الله فيها ذكر الربوبية في كتابه ومن يتتبعها يدرك أنها تدور حول قضية واحدة، وهي الدعوة إلى عبادة الله وحده سبحانه وترك عبادة من سواه؛ فالله يعبد بمعرفته (٢) كما يعرف بأمره (٣)، وهذا هو الصراط المستقيم الذي ضل عنه كثير من الخلق، وهو موضوع الفصل التالي بإذن الله تعالى.\n_________\n(١) ومن هذه الأساليب:\n١ - ... المجادلة العقلية للمشركين في بيان بطلان معبوداتهم ووجوب عبادة الرب - ﷿ -.\n٢ - ... تجهيلهم بقولهم على الله بلا علم.\n٣ - ... احتجاج الله عليهم بما أقروا به وبما أنكروه.\n٤ - ... ضرب الأمثال على بطلان كل ما عبد من دون الله وهذا كثير في كتاب الله.\nينظر: اللطائف الندية في بيان توحيد الربوبية (ص ٩٦ - ١٠٠).\n(٢) أي: توحيد الربوبية، فهو مستلزم للألوهية.\n(٣) أي توحيد الألوهية؛ لأنه متضمن للربوبية.","vol":"1","page":232},{"text":"الباب الثاني:\n\nالفصل ٢ الآيات الواردة في توحيد الألوهية.\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد في تعريف توحيد الألوهية.\nالمبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة\nفي توحيد الألوهية.\nالمبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع\nالمتقابلة في توحيد الألوهية.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>تمهيد في تعريف توحيد الألوهية </span>(١):\nإن الطريق الفطري إلى إثبات توحيد الألوهية هو توحيد الربوبية؛ لأن القلب يتعلق أولًا بتوحيد الربوبية، ثم يرتقي إلى توحيد الألوهية (٢)، فمعرفة الله لا تكون بدون عبادته، والعبادة لا تكون بدون معرفته تعالى، فهما متلازمان، كما أن توحيد الألوهية متضمن توحيد الربوبية، بمعنى أن توحيد الربوبية جزء من معنى الألوهية، فيكون توحيد الألوهية خارج عن مدلول توحيد الربوبية، لكن لا يتحقق توحيد الربوبية إلا بتوحيد الألوهية، لذا كان هذا الفصل انتقالًا من الخاص إلى العام.\nوقد جعلَ الله - ﷿ - من مظاهر تفرده بالربوبية في خلق الحاضرين والغابرين وتمهيد الأرض ورفع السماء وإنزال الماء منها وإخراج الرزق من الثمرات، سبيلًا إلى توحيد الألوهية وآية بينة على استحقاقه وحده للعبادة، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ البقرة: ٢١ - ٢٢.\nويحسن قبل الشروع في مباحث هذا الفصل التمهيد بتعريفه وبيان أهميته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>أولًا: تعريف توحيد الألوهية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>الألوهية لغةً: </span>مصدر أَلَه يألَه أُلوهة وألوهية، والتأله هو: التعبد (٣).\n_________\n(١) سمي توحيد الألوهية؛ باعتبار إضافته لله، ويسمى كذلك بتوحيد القصد؛ لأنه مبني على إخلاص القصد المستلزم لإخلاص العبادة، وتوحيد الإرادة؛ لأنه مبني على إرادة وجه الله بالأعمال، وتوحيد العمل؛ لأنه مبني على إخلاص العمل لله، والتوحيد الفعلي؛ لتضمنه لأفعال القلوب والجوارح، والتوحيد الطلبي؛ لتضمنه الطلب، والدعاء من العبد لله، وتوحيد العبادة؛ باعتبار إضافته إلى الموحِّد وهو العبد، ولتضمنه إخلاص العبادة لله وحده.\n\nينظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد لسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ص ٣٨)، والدين الخالص لمحمد صديق حسن (١/ ٦٠).\n(٢) ينظر: الكواشف الجلية في معاني الوسطية، لعبد العزيز السلمان (٤٢١ - ٤٢٢).\n(٣) ينظر: تهذيب اللغة (١/ ١٨٩)، الصحاح (٦/ ٢٢٢٣)، لسان العرب (١٣/ ٤٦٧)، القاموس المحيط (ص ١٦٠٣).","vol":"1","page":234},{"text":"يقول ابن فارس: \" الألف واللام والهاء أصل واحد، وهو التعبد، فالإله: الله تعالى، وسمي بذلك؛ لأنه معبود، ويقال تأله الرجل إذا تعبد \" (١).\nوقد بين الفيروز آبادي (٢) أن في اشتقاق لفظ الإله ومعناه عشرين قولًا (٣).\nفالألوهية لفظ منسوب إلى الإله بمعنى مألوه، وكل ما اتخذ معبودًا فهو إلهٌ عند متخذه، وألِه فلان يأله: عَبَدَ، وقيل: تأله، فالإله على هذا هو المعبود (٤).\nوالقرآن ولغة العرب تدلان على هذا المعنى، قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ ص: ٥، فهم يستغربون ويستنكرون دعوة الرسول - ﷺ - إلى ترك عبادة الأصنام المتعددة والأشجار والأحجار والتوجه بالعبادة إلى الله الواحد الأحد.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-227>معنى الألوهية في الشرع: </span>أي ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والرضا، ونحو ذلك من معاني العبودية، التي تقتضي فقر العباد إلى إلههم وحاجتهم إلى عبادته (٥).\nأما<span data-type=\"title\" id=toc-228> توحيد الألوهية فهو: </span>إفراد الله - ﷿ - بالعبادة كلها قولًا وفعلًا وقصدًا، على وجه التقرب المشروع، ونفي العبادة عن كل ما سواه (٦).\n_________\n(١) معجم مقاييس اللغة (١/ ١٢٧).\n(٢) هو محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الفيروز آبادي الشيرازي الشافعي من أئمة اللغة والأدب، صنف في فنون متعددة، من مؤلفاته: القاموس المحيط، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، سفر السعادة توفي سنة ٨١٧ هـ.\nينظر: البدر الطالع للشوكاني (٢/ ٢٨٠)، شذرات الذهب (٧/ ١٢٦)، طبقات المفسرين للداودي (١/ ٣١٢).\n(٣) ينظر: القاموس المحيط (ص ١٦٠٣).\n(٤) ينظر: المفردات للراغب (ص ٢١).\n(٥) ينظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ١٧٠ - ١٧١)، والاقتضاء (٢/ ٨٤٦).\n(٦) ينظر: تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد (ص ٣٦)، وأعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة المنصورة للشيخ حافظ الحكمي (ص ٥١)، الحق الواضح المبين لابن سعدي (١١٢ - ١١٣)، الفتاوى السعدية لابن سعدي (ص ١٠ - ١١)، شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (١/ ٢٤).","vol":"1","page":235},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"توحيد الألوهية هو أن لا تجعل ولا تدعو مع الله غيره\" (١)، وقال ابن أبي العز - ﵀ -: \" توحيد الإلهية هو استحقاقه سبحانه أن يُعبد وحده لا شريك له\" (٢).\nوقد بين الله هذا التوحيد في آيات كثيرة في القرآن الكريم، منها:\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ الإسراء: ٣٩. وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ القصص: ٨٨، وقوله - ﷿ -: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢)﴾ المؤمنون: ٣٢، وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الإسراء: ٢٣.\nبهذا يتبين أن الألوهية صفة لله تعالى تعني استحقاقه - ﷿ - للعبادة، بما له من الأسماء والصفات والمحامد العظيمة؛ ومن هنا ندرك وجوب توحيد الله وإفراده بالإلهية، وأنه لا إله سواه، ولا معبود بحق غيره، وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى (لا إله إلا الله) وهي مركبة من نفي وإثبات، فمعنى النفي: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله في جميع أنواع العبادات، ومعنى الإثبات: إفراد الله - ﷿ - وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله -عليهم الصلاة والسلام-، وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم، قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ ص: ٥ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>ثانيًا: بيان أهمية توحيد الألوهية:</span>\nهذا التوحيد هو أعظم أنواع التوحيد وأهمها على الإطلاق، بل لم يخُلق الخلق إلا من أجله (٤)، وهو الذي يتبادر إلى الذهن عند إطلاق كلمة توحيد، وتأتي أهميته من الأسباب التالية:\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٢٧٧)، ودرء تعارض العقل والنقل (٧/ ٣٩٧).\n(٢) شرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٢٤).\n(٣) ينظر: أضواء البيان (٣/ ٤١٠ - ٤١٤).\n(٤) ينظر: تيسير العزيز الحميد (١/ ١٢٤ - ١٢٥).","vol":"1","page":236},{"text":"١/ أنه موضوع دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، ومن أجله خلقت الجنة والنار، وقام سوق الجهاد بين المؤمنين والكفار، قال الشيخ ابن سعدي (١) - ﵀ - مبينًا أهمية هذا النوع: \" وهذا الأصل أعظم الأصول على الإطلاق، وأكملها، وأفضلها، وأوجبها، وألزمها لصلاح الإنسانية، وهو الذي خلق الله الجنَّ والإنسَ لأجله، وخلق المخلوقات، وشرع الشرائعَ لقيامه، وبوجوده يكون الصلاح، وبفقده يكون الشر والفساد\" (٢).\n٢/ أن الحكمة من خلق الجن والإنس هي تحقيق توحيد الألوهية، فالله - ﷿ - ما خلق الناس في هذه الدنيا إلا ليوحدوه ويفردوه بالعبادة ﷾، وهذا مذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦.\n٣/ أن توحيد الألوهية هو حقيقة دعوة الرسل جميعًا، فالرسل -﵈- حين جاءوا لدعوة أقوامهم جاءوهم بالدعوة إلى توحيد الألوهية، بدليل قول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ النحل: ٣٦؛ لأن توحيد الألوهية هو أصل الإسلام (٣). قال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" وأعظم ما دعا الله الخلق إليه في كتابه ودعت الرسل هو التوحيد، وأعظم ما نهى عنه الشرك، وهو أصل دعوة الرسل وأساسها ورأسها وأكمل ما فيها، وبه بعث الله جميع الرسل، كما قد صح به القرآن في أكثره، فهو مملوء به\" إلى أن قال: \" فلا نعرف في دين الأنبياء والمرسلين وأتباعهم من الأولين والآخرين ولا كتب رب العالمين أمرًا أعظم من التوحيد\" (٤).\n_________\n(١) هو: العلامة الفقيه المفسر عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر آل سعدي، ولد ونشأ في عنيزة أحدى محافظات القصيم، واشتغل بالعلم حتى فاق الأقران، توفي ﵀ سنة (١٣٧٦ هـ)، وله مؤلفات عدة منها: تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن، والقواعد الحسان، والقول السديد في شرح كتاب التوحيد.\nينظر: علماء نجد خلال ثمانية قرون للشيخ عبد الله البسام (٣/ ٢١٨)، الأعلام (٣/ ٣٤٠).\n(٢) ينظر: القواعد الحسان لتفسير القرآن، لابن سعدي (ص ١٩٢).\n(٣) المراد بأصل التوحيد أو أصل الإسلام: أي القدر الذي يسلم به المرء من الكفر، وينجو من الخلود في النار؛ لأن الإيمان نوعان: إيمان يمنع من دخول النار؛ وهو الإيمان الكامل، وإيمان يمنع من الخلود فيها، وهذا هو أصل التوحيد، ولا يتحقق أصل التوحيد إلا بالإتيان بحسنة عظيمة، هي أساس الحسانات ولبها، وهي شهادة التوحيد: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.\nينظر: عدة الصابرين (ص ١٦٦)، ومجموع الفتاوى (١٠/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، والمسائل العقدية المتعلقة بالحسنات والسيئات لصالح سندي (١/ ٢٦٥).\n(٤) الرد على البكري (١/ ٢٩٠ - ٢٩٦).","vol":"1","page":237},{"text":"٤/ أنه الغاية من إنزال الكتاب، فالقرآن الكريم كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائه، قال الشيخ ابن سعدي - ﵀ - مبينًا أهمية هذا النوع: \" ... وجميع الآيات القرآنية إما أمر بحق من حقوقه، أو نهي عن ضده، أو إقامة حجة عليه، أو بيان جزاء أهله في الدنيا والآخرة، أو بيان الفرق بينهم وبين المشركين\" (١).\n٥/ أنه حق الله على العباد لقوله - ﷺ -: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» (٢).\n٦/ أنه لا يصح إسلام شخص إلا بتحقيقه؛ لأنه شعار الإسلام الذي يميزه عما سواه من الديانات.\n٧/ كما أن هذا النوع من التوحيد هو أول ما يخاطب به الناس من أمور الدين، وهو معقِد النجاة في الدنيا والآخرة، قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد ابن عبدالوهاب (٣) - ﵀ -: \" هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول لا إله إلا الله؛ فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة والخشية والإجلال والتعظيم وجميع أنواع العبادة؛ ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمن وكافر، وسعداء أهل الجنة، وأشقياء أهل النار\" (٤).\n٨/ مما يدل على أهميته أن قبول الأعمال متوقف عليه، فمن لم يأت به أو أتى بما يناقض أصله فأعماله مردودة، ولا يثاب عليها في الآخرة، بل هو من الخاسرين الخالدين في العذاب المقيم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ الزمر: ٦٥.\n٩/ أنه يتضمن جميع أنواع التوحيد فكلها تدخل فيه؛ فمن اعتقده فهو معتقد لغيره من الربوبية والأسماء والصفات، ومن اكتفى بغيره دونه لم يدخل في دين الإسلام، قال شيخ\n_________\n(١) ينظر: القواعد الحسان لتفسير القرآن، لابن سعدي (ص ١٩٢).\n(٢) أخرجه البخاري في أكثر من موضع حديث برقم (٥٩٦٧، ٦٢٦٧، ٦٥٠٠، ٢٧٠١)، وأخرجه مسلم برقم (١٤٢، ١٤٣، ١٤٤).\n(٣) هو: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، أحد أئمة الدعوة السلفية النجدية، محدث فقيه، من مؤلفاته: تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، حاشية على المقنع في الفقه، الدلائل في عدم موالاة أهل الإشراك، توفي سنة ١٢٣٣ هـ.\nينظر: علماء نجد خلال ثمانية قرون للبسام (٢/ ٣٤١)، وعلماء الدعوة لعبد الرحمن آل الشيخ (ص ٣٧).\n(٤) تيسير العزيز الحميد (١/ ١٢٤ - ١٢٥).","vol":"1","page":238},{"text":"الإسلام ابن تيمية - ﵀ - تعالى: \"وإنما التوحيد الذي أمر الله به العباد هو توحيد الألوهية المتضمن توحيد الربوبية بأن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا ... وهو قطب رحى القرآن الذي يدور عليه القرآن، وهو يتضمن التوحيد في العلم والقول، والتوحيد في الإرادة والعمل\" (١).\n١٠/ أنه حق الله - ﷿ - على عباده؛ فعن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: كُنْتُ رِدف النبي - ﷺ - على حمار يقال له عفير فقال: «يا معاذ هل تدري ما حق الله على عبادة وما حق العباد على الله؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا» فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر به الناس؟ قال: «لا تبشرهم فيتكلوا» (٢).\n١١/ أن العباد في أشد الحاجة إليه وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ فلا حياة لقلوبهم في الدنيا ولا نجاة لهم في الآخرة إلا به.\nيقول ابن القيم - ﵀ -: \" فاعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئًا في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به؛ فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحًا فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له، ورضاه وإكرامه لها\" (٣).\nإذًا: يمكن أن نبرز أهمية توحيد الألوهية باعتبار أنه لا يمكن أن يثبت للإنسان اسم الإسلام ووصفه وحقوق الإسلام إلا إذا جاء بتوحيد الألوهية، وأما إذا لم يأت بتوحيد الألوهية فإنه لا يثبت له شيء من أوصاف الإسلام (٤).\n_________\n(١) منهاج السنة (٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠).\n(٢) أخرجه البخاري في أكثر من موضع حديث برقم (٥٩٦٧، ٦٢٦٧، ٦٥٠٠، ٢٧٠١)، وأخرجه مسلم برقم (١٤٢، ١٤٣، ١٤٤).\n(٣) طريق الهجرتين (ص ١٢٠).\n(٤) لما جاء في الحديث: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله)، يعني أن من لم يحقق توحيد الألوهية فدمه حلال وماله حلال؛ لأنه ليس من المسلمين، وهذا يدل على أهمية هذا النوع من التوحيد.\nوالحديث أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، برقم (٢٣).","vol":"1","page":239},{"text":"ونتيجة توحيد الألوهية: هي البراءة من عبادة كل ما سوى الله، والإقبال بالقلب والعبادة على الله، ولا يكفي في التوحيد دعواه والنطق بكلمة الشهادة من غير مفارقة لدين المشركين وما هم عليه من دعاء غير الله من الأموات ونحوهم والاستشفاع بهم إلى الله في كشف الضر وتحويله وطلب المدد والغوث منهم إلى غير ذلك من الأعمال الشركية التي تنافي التوحيد تمامًا.\nومما تقدم يتبين أهمية توحيد الألوهية المتضمن لأنواع التوحيد جميعًا والمطلوب من الناس كافة .. وذلك أن لا يُعبد إلا الله، ولا يأله القلب غيره حبًا ورجاء وخوفًا وتوكلًا وخضوعًا وإنابة وطلبًا، ولا يعبد إلا بما شرع رسوله - ﷺ - (١).\n_________\n(١) ينظر: منهاج السنة النبوية (٢/ ٦٢)، كلمة الإخلاص وتحقيق معناها لابن رجب (ص ٢١)، والتنبيهات السنية على العقيدة الواسطية للشيخ عبد العزيز الناصر الرشيد (ص ص ١٢).","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في توحيد الألوهية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>تمهيد:</span>\nلما كان توحيد الألوهية هو أحد أنواع التوحيد الثلاثة، وهو الذي افترضه الله على عباده، كان لا بد لهذا التوحيد من مظاهر إيجابية تترتب على الفهم الصحيح له (١)، وأخرى سلبية ترتبت على الخطأ في فهم حدوده وأصوله، لذلك يرجع الانحراف في توحيد الألوهية إلى سببين رئيسين هما:\n١ - الخطأ في تصور التوحيد الذي أرسل لأجله الرسل، وأنزلت من أجله الكتب، وطُلبَ من العباد تحقيقه (٢).\n٢ - الخطأ في تصور حقيقة الرب وحقيقة الإله ومدلول الكلمتين، ومن ثم جعلهما شيئًا واحدًا (٣).\nومن أجل هذا فقد انقسم الناس إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان! وبيان ذلك في المطلبين الآتيين.\n_________\n(١) لذلك نجد اهتمام السلف بهذا النوع من التوحيد، واعتناؤهم به فهمًا نظريًا وتطبيقيًا عمليًا، فكانت حياتهم كلها مظهرًا من مظاهر القيام بحق العبودية لله، فكان حظ الغلاة والجفاة من التوحيد بقدر قربهم من منهج السلف وبعدهم عنه.\n(٢) نماذج هذا الخطأ سيأتي بيانها في المطالب التالية.\n(٣) إن الرب والإله كلمتان متغايرتان في اللغة، وفي مفهوم السلف، وفي لغة القرآن والسنة، وإن كان المقصود بهما واحد عند الجميع وهو الله سبحانه. ولكن بينهما فروق من حيث المعنى، ومن حيث اعتراف أغلب الناس بالأول دون الثاني، لما اعتقدوه من أن معنى الإله هو الفاعل، والألوهية هي القدرة على الفعل أو الربوبية، وجعلوا ألوهيته للعباد هي عين ربوبيته لهم، من أجل ذلك نلحظ الانحراف عن فهم (لا إله إلا الله)، وانحسار مفهومها في معان ضيّقة ومدلولات محدودة!\nينظر: القرقان بين الحق والباطل عن مجموعة الرسائل الكبرى (١/ ١٥٢ - ١٥٣)، منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير عقيدة التوحيد للبريكان (٢/ ٦٢٦).","vol":"1","page":241},{"text":"المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط (١) في توحيد الألوهية.\nالانحراف المؤدي إلى التفريط في توحيد الألوهية ينشأ من خلال أربعة طرق، أو بعضها، وهي:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-233> أولًا: الشرك في العبادة </span>(٢):\nإن أصل الشرك ومنشأه الكذب على الله، والتكذيب بالحق الذي أرسل به رسله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ الزمر: ٣٢، وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ العنكبوت: ٦٨، وإذا كان لازم الابتداع الكذب على الله، فإن هذا يقتضي مقاربة البدعة للشرك؛ ومن هنا يعرف وجه المشابهة بين الشرك والبدعة (٣)، وحال المشرك والمبتدع؛ حيث إن المشركين قد تعبدوا بما ليس لهم عليه سلطان؛ قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١)﴾ الحج: ٧١، وهكذا حال أهل البدع (٤).\nوالشرك بمعناه الخاص هو الشرك في الألوهية -أي: الشرك في عبادة الله-، وإن كان صاحبه يعتقد أنه - ﷿ - لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وهو أكثر وأوسع انتشارًا ووقوعًا من الشرك في الربوبية؛ لأنه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته (٥)، قال - ﷿ -: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملًا أشرك فيه غيري تركته وشركه» (٦)، وأغلب الأخطاء في الشرك إنما هي ناتجة عن عدم تصور حقيقة العبادة (٧)؛ لذا فإن العبادة لها إطلاقان:\n_________\n(١) المراد بالتفريط هنا: هو ترك الأوامر وعدم امتثالها، وارتكاب المنهيات وعدم التجافي عنها، والاسترسال مع الرخص إلى حد يكون صاحبه جافيًا للأمر والنهي غير مستقيم على المنهج الوسط.\n(٢) الشرك في العبادة، هو: بذل غاية الذل والخضوع والحب والطاعة لغيره تعالى.\n(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" وما تجد عند أهل الأهواء والبدع من الأسباب التي بها ابتدعوا ما ابتدعوه إلا تجد عند المشركين وأهل الكتاب من جنس تلك الأسباب ما أوقعهم في كفرهم وأشد، ومن تدبر هذا وجده في عامة الأمور؛ فإن البدع مشتقة من الكفر\" مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٧٢).\n(٤) ينظر: المسائل العقدية المتعلقة بالحسنات والسيئات للدكتور صالح سندي (١/ ٢٨٥ - ٢٨٦).\n(٥) لأن لله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب، وهذا حال أكثر الناس، ومن لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أُمِر به.\n(٦) أخرجه مسلم كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله برقم (٢٩٨٥).\n(٧) إذا تصور أحدنا حقيقة العبادة يتصور الشرك في العبادة بسهولة، ويعرف أبعادها، وأغوارها، ويعرف المبتلين بها في كل عصر ومصر، وفي كل زمان ومكان.","vol":"1","page":242},{"text":"الأول: باعتبار المصدر (التعبد، أو فعل العابد): وبهذا الإطلاق يكون معناها: ما يجتمع فيه الخضوع (١)\nمع الحب (٢).\nوالإطلاق الثاني: باعتبار (المتعبد به): وبهذا الإطلاق هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال الظاهرة والأعمال الباطنة، كما قال شيخ الإسلام (٣).\nوالعبادة بهذين الإطلاقين تشمل كيان الإنسان كله وجميع حياته، فكل ما قد عُمِل من أعمال العباد بالحب والخضوع فهي عبادة، سواء فُعِل لله - ﷿ - أو فُعِل لغيره سبحانه (٤)؛ وشرك العبادة أمر يصعب حصره، خاصة وأن المقام هنا ليس مقام بسط للشرك وأنواعه.\n\nلذا نخلص إلى أن الشرك بجميع أنواعه الأكبر والأصغر والخفي من أسباب الانحراف المؤدي إلى التفريط في توحيد الألوهية، وأن العبادة متعلقة باللسان والقلب والجوارح، لذلك كان شرك العبادة متعلق بأقوال القلب كما أنه متعلق بأعمال القلب أيضًا (٥)، إذن<span data-type=\"title\" id=toc-234> الشرك في العبادة له جانبان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>الأول: الشرك بالأقوال القلبية</span>، ومن أفراده ما يلي:\n١ - الشرك بالدعاء.\n٢ - الشرك بالاستغاثة.\n٣ - الشرك بالاستعانة.\n_________\n(١) قول جماعة من أهل العلم: إن العبادة تجمع التذلل والمحبة، فيه نظر، وإنما تجمع الخُضوع والمحبة، وعبر (بالخضوع) في بيان المعنى العام للعبادة دون الذل لأمرين:\nأحدهما: اقتفاء الخطاب الشرعي؛ لأن (الخضوع) مما يُعبد الله به، بخلاف (الذل) فهو كوني قدري لا ديني شرعي، ودليل ذلك حديث أبي هريرة - ﵁ - عند البخاري: «إذا قضى الله الأمر من السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضعانا لقوله» وأفعال الملائكة دينية شرعية، وقول عمر - ﵁ - في قنوته: \" ونؤمن بك ونخضع لك\" فهو خبر عن عبادة تقرب إلى الله .. إذا يكون الخضوع شرعيًا وكونيًا بخلاف الذل فإنه لا يكون إلا كونيًا قدريًا فقط.\n\nوالآخر: أن الذل ينطوي على إجبار دون اختيار؛ فقلب الذَّليل فارغٌ من الإقبال الذي هو حقيقة العبادة كما أن يتضمن تحقيرًا (ونقصًا) لا يناسب مقام العبادة المورثة كمال الحال.\nينظر: تعليقات الشيخ صالح العصيمي على متن الثلاثة الأصول وأدلتها، في دورة مهمات العلم المقامة في الحرم المدني لعام ١٤٣٥ هـ.\n(٢) ينظر: روضة المحبين لابن القيم (ص ٦٨)، ومدارج السالكين (١/ ٧٤)، وجامع البيان للطبري (١/ ١٨٤)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ١٣٤)، وتقريب التدمرية لابن عثيمين (ص ١٢٩).\n(٣) ينظر: العبودية (ص ٣٨)، ومجموع الفتاوى (١٠/ ١٤٩)، وينظر أيضًا: الشرك في القديم والحديث (١/ ١٤٩) وما بعدها.\n(٤) الشرك في القديم والحديث الخاتمة (٣/ ١٤٣٧) وما بعدها.\n(٥) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٦٨).","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>الثاني: الشرك بالأعمال القلبية</span>، وهو على نوعين:\n١ - الشرك بالأعمال القلبية الخالصة، ومن أفراده:\nأالشرك في المحبة.\nب الشرك في النية والإرادة والقصد.\nت الشرك في الطاعة.\nث الشرك بالخوف.\nج الشرك بالرجاء.\nح الشرك بالتوكل.\n٢ - الشرك بالأعمال القلبية المتعلقة بالجوارح والأموال، وله أفراد، منها:\nأالشرك بالنسك، كالقيام والركوع والسجود والحج والصوم والتعظيم وغيرها.\nب الشرك بالذبح والنحر لغير الله.\nت الشرك بالنذر لغير الله.\nوالناظر لأهل البدع يجد أنهم واقعون في كل هذه الأنواع، ونظرًا لكثرة جزئياتها فإني أتجاوزها، وأحيل إلى مواطن الاستزادة والتفصيل لما سبق (١).\n_________\n(١) ينظر للاستزادة: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٣٧)، الشرك في القديم والحديث (٢/ ١٠٥٩) وما بعدها، جهود شيخ الإسلام للغنيمان (٢/ ٨٨٢ - ٨٨٣) وما بعدها، والشرك الأصغر حقيقته وحكمه وأنواعه، عبد الله السليم، والشرك الأكبر حقيقته وحكمه وأنواعه، أسماء السلمان، الشرك وأنواعه، جفري أفندي رسالة ماجستير، وغيرها كثير من كتب الاعتقاد.","vol":"1","page":244},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-237> ثانيًا: اتباع الهوى:</span>\nاتباع الهوى هو: انسياق النفس لما تهواه وتريده، دون اعتبار للضوابط الشرعية (١)، وقد ذم الله - ﷿ - في كتابه الهوى وبين أنه مصدر كل ضلال، كذلك رسوله - ﷺ -، ومضى على هذا سلف الأمة وعلماؤها.\nفالأصل في الابتداع إذن هو اتباع الهوى، وكل من عمد إلى خلاف الشرع فهو متبع للهوى ولا بد؛ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ القصص: ٥٠، ويشهد لكون الابتداع اتباعا للهوى قوله - ﷺ -: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب (٢) بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» (٣).\nبل إن كل من استحسن عملًا بلا علم ولا برهان، فقد عبد هواه واتبعه، وكلّ من اتّبع هواه فقد اتّخذ هواه معبوده، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في الكلام على أولئك الذين يتبعون أهواءهم دون أمر الله وشرعه: \" ... فهؤلاء لا يفعلون ولا يأمرون إلا بما يحبونه بهواهم، ولا يتركون وينهون إلا عما يكرهونه بهواهم، وهؤلاء شر الخلق، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾ الفرقان: ٤٣\" (٤)، كما أن كل من عمل عملًا صالحًا لأجل رياسة أو مال أو شرف أو قربة من شيخ، أو سلطان ونحوه فقد اتبع هواه وعبده (٥).\nومن هنا فإن الهوى قد يقود صاحبه إلى التفريط في توحيد الألوهية والعياذ بالله، وقد يكون كبيرًا، كما قد يكون صغيرًا بحسب اعتقاد الفاعل وفعله (٦)، وكل من خالف الحق -\n_________\n(١) ينظر: لسان العرب (١٥/ ٣٧٢)، والمفردات للراغب (ص ٥٤٨)، والموافقات للشاطبي (٤/ ١٨٧)، وجهود شيخ الإسلام ابن تيمية في توضيح توحيد العبادة (٢/ ١٢٥٣).\n(٢) الكَلَب -بالتحريك- هو داء يعرض للإنسان من عض الكَلْب الكَلِب، فيصيبه شبه الجنون، وتعرض له أعراض رديئة، ولا يشرب الماء حتى يموت عطشًا. هكذا ذكر صاحب \"النهاية\" (٤/ ١٩٥)، وغيره.\n(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٠٢) برقم (١٦٩٣٧)، وأبو داود في كتاب السنة، باب شرح السنة، برقم (٤٥٩٧)، وصححه الألباني في تحقيقه للسنة لابن أبي عاصم (٧). والحاكم في \"مستدركه\" في: كتاب العلم، وقال بعد سياقه وسياق حديث أبي هريرة: \"هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث\"، ووافقه الذهبي (١/ ١٢٨).\n(٤) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٧٩ - ٤٨٠).\n(٥) ينظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٦٤ - ٦٨)، (١٠/ ٥٩٢، ٦٠٩ - ٦١١).\n(٦) مما يلاحظ أن اتباع الهوى ليس على درجة واحدة بالنسبة للمكلفين، وإنما هو درجات منها:\nالشرك بالله بالخروج عن طاعته، ومساواة محبة الأنداد بمحبة الله، ومنها ما هو أقل من ذلك كتقليد الآباء والمشايخ وتقديم ما يرونه ويقررونه على اتباع الحق تقليدًا وتعصبًا للآباء والمشايخ، ومنها من هو دون ذلك أيضًا من ابتاع الهوى في سائر ما تهواه النفس وتقديم طاعتها على طاعة الله ورسوله، فيؤثر ما تهواه نفسه وتطلبه شهوته على ذلك.\nينظر: جهود شيخ الإسلام في توضيح توحيد العبادة (١/ ٣٧٢).","vol":"1","page":245},{"text":"من أهل البدع المتقابلة-لا يخرج عن اتباعه للهوى (١) أو الاعتماد على الظن (٢) الذي لا يغني من الحق شيئًا (٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-238> ثالثًا: طرق الاستدلال المنحرفة (اتباع الظن):</span>\nإن الطريق الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة تلقي الدين أصولًا وفروعًا من الكتاب والسنة والإجماع المبني عليهما، أما أهل البدع المتقابلة فهم بخلاف ذلك، فإنهم من حيث المصدر لا يرتضون بالكتاب والسنة، وكل منهم له في ذلك طرائق -جعلوها طريقهم لعبادة الله-، فمنهم من يعول على الأوهام والفلسفة ويسميها العقليات كالفرق الكلامية، ومنهم من يعتمد على الأحلام والرؤى والكشف والذوق كالصوفية، ومنهم من يعتمد على الرجال ويزعم لهم القداسة وعلم الغيب كالرافضة والصوفية، ومنهم من يتلقى من مصادر شتى من أهل الكتاب والمجوس والفلاسفة وغيرهم كالباطنية وكثير من فرق أهل الكلام والصوفية والرافضة (٤)؛ لذلك عطلوا الأوامر والنواهي، وكذبوا على الله إجماعًا (٥) وانحرفوا في توحيد الألوهية، ولم يميزوا بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما يبغضه ويسخطه، فعبدوه بما لم يشرع وعظموا ما لم يعظمه.\n_________\n(١) قال الشاطبي: \" والمبتدع قدم هوى نفسه على هدى ربه؛ فكان أضل الناس، وهو يظن أنه على هدى\". الاعتصام (١/ ٦٦)، وينظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦٨، ٥٩٢)، ومنهاج السنة (٥/ ٣٣١ - ٣٣٢).\n(٢) قال الإمام الشافعي - ﵀ - حيث قال: \" اتباع الهوى من حيث يظن أنه اتباع للشرع ضلال في الشرع، ولذلك سميت البدع ضلالات وجاء أن كل بدعة ضلالة؛ لأن صاحبها مخطئ من حيث توهم أنه مصيب، ودخول الأهواء في الأعمال خفي، فأقوال أهل الأهواء غير معتد بها في الخلاف المقرر بالشرع\". ينظر: الموافقات (٤/ ٢٢٣).\n(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٩٢)، والهوى وأثره في الخلاف، محاضرة للشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان (١٢ - ١٣).\n(٤) ينظر: موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة، لسليمان الغصن (١/ ٢٨)، وتناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة لعفاف مختار (١/ ٧٢).\n(٥) قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي ﵀: من \"تعبد بما لا دليل على أنه عبادة فقد كذب على الله إجماعًا\"؛ لأن البدعة تدين بما لم يشرعه الله؛ فهي قول عليه بغير علم، وكذب عليه سبحانه، ولو لم يكن في البدعة إلا هذا المزلق المُردي لكفى به زاجرًا عنها.\nينظر: العبادة للمعلمي (ص ٦٠٧).","vol":"1","page":246},{"text":"وبناءً على ما سبق فإن \"كل من خالف الرسول - ﷺ - لا يخرج عن الظن وما تهوى الأنفس، فإن كان ممن يعتقد ما قاله وله فيه حجة يستدل بها كان غايته الظن الذي لا يغني من الحق شيئًا كاحتجاجهم بقياس فاسد أو نقل كاذب، أو خطاب ألقي إليهم اعتقدوا أنه من الله وكان من الشيطان\" (١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-239> رابعًا: تعطيل صفات الله - ﷿ </span>-:\nلا شك أن تعطيل الله عن صفاته، يؤدي إلى الانحراف في توحيد الألوهية؛ لأن هذا من أعظم القوادح والصوارف التي تصرف صاحبها عن الاجتهاد في معرفة التوحيد والعمل به وتحقيقه، وقد وقع فيه خلق كثير، كالجهمية الذين نفوا الأسماء والصفات لله تعالى، ومثلهم القرامطة والباطنية، ومنهم المعتزلة حيث أثبتوا لله الأسماء، ونفوا عنه الصفات (٢)، ولهذا \" كانت القرامطة والباطنية من أعظم الناس شركًا وعبادة لغير الله، إذ كانوا لا يعتقدون في إلههم أنه يسمع أو يبصر أو يغني عنهم شيئًا\" (٣).\nلذلك فإن معرفة الله - ﷿ - توجب التقرب إليه بما يحبه، وتعظيمه في النفوس، واللهج بذكره والاطمئنان إليه، وهذا لا يمكن أن يحصل إلا بأن يوصف بما وصف به نفسه من غير تعطيل أو تمثيل أو تكييف (٤) أو تأويل (٥)، وهو الطريق الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة، أما أهل البدع المتقابلة فهم خلاف ذلك فقد عطلوا صفات الله - ﷿ - أو بعضها (٦).\nوالرب ﷾ أحق بكل صفة كمال، كما أنه أحق بتنزيهه عن كل عيب ونقص، وهذا يدل على وجوب إثبات تلك الأسماء والصفات له؛ لأن سلبها عنه يقتضي\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٦٧ - ٦٨)، وينظر: منهاج السنة (١/ ١٨ - ٢٠، ٢/ ١٢ - ١٤).\n(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٧ - ١٠)، والرسالة التدمرية (ص ٩٩ - ١٠٠).\n(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٨٣).\n(٤) ليس المعنى ألا نعتقد للصفات كيفية، بل نعتقد لها كيفية لكن المنفي علمنا بالكيفية؛ لأن استواء الله على العرش لا شك أن له كيفية، ولكن لا تُعلم، نزوله إلى السماء الدنيا له كيفية، لكن لا تعلم؛ لأن ما من موجود إلا وله كيفية، لكنها قد تكون معلومة، وقد تكون مجهولة.\nينظر: شرح الواسطية لاين عثيمين (ص ٨٥).\n(٥) ينظر: جهود شيخ الإسلام في توضيح توحيد العبادة (١/ ٤٠٥).\n(٦) وسيأتي الحديث مفصلا في الفصل القادم بإذن الله تعالى: الآيات الواردة في توحيد الأسماء والصفات.","vol":"1","page":247},{"text":"سلبه -﷾- صفات الربوبية والألوهية وتشبيهه بجنس الأصنام الجامدة التي عابها الله تعالى، وعاب عابديها.\nكما أنه سبحانه لم يذكر نصوص الصفات في كتابه لمجرد أنها صفات الكمال له؛ بل ذكرها لبيان أنه المستحق للعبادة دون ما سواه، فأفاد الأصلين اللذين بهما يتم التوحيد وهما: إثبات صفات الكمال ردًا على أهل التعطيل، وبيان أنه المستحق للعبادة لا إله إلا هو ردًا على المشركين (١).\nوالمقصود أن تعطيل صفات رب العالمين بالتأويل أو التحريف أو التشبيه، وصرفها من مدلولها الشرعي إلى مدلول بدعي يعد من أهم القوادح التي تمنع من تحقيق التوحيد، فكيف بمن زعم أنه لا حقيقة له، بل هي من قبيل التخييل؟ ! (٢).\n\nوبالنظر إلى الأنواع الأربعة المتقدمة نجد أنها سبب الانحراف المؤدي إلى التفريط في توحيد الألوهية، كما أنها ناشئة عن خطأ المنحرفين في تصور التوحيد الذي أرسل لأجله الرسل، وأنزلت من أجله الكتب، وطُلبَ من العباد تحقيقه.\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٧٩ - ٨٣).\n(٢) ينظر: جهود شيخ الإسلام في توضيح توحيد العبادة (١/ ٤٠٧).","vol":"1","page":248},{"text":"المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط (١) في توحيد الألوهية.\nالانحراف المؤدي إلى الإفراط في توحيد الألوهية إنما يأتي من أحد طريقين أو هما معًا:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-241> الطريق الأول: البدع:</span>\nلاشك أن البدع والمحدثات في الدين سبب من أسباب الإفراط في توحيد الألوهية، والخروج به عن حقيقته التي أرادها الله، من أجل ذلك حذرنا -﷾- فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ النور: ٦٣، وقال - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» (٢)، أي: مردود على صاحبه، ومن هذا المنطلق فإن البدع من حيث تعلقها تنقسم إلى نوعين: \"نوع في الأقوال والاعتقادات، ونوع في الأفعال والعبادات، وهذا الثاني يتضمن الأول كما أن الأول يدعو إلى الثاني.\nفالمنتسبون إلى العلم والنظر وما يتبع ذلك يخاف عليهم إذا لم يعتصموا بالكتاب والسنة من القسم الأول، والمنتسبون إلى العبادة والنظر والإرادة وما يتبع ذلك يخاف عليهم إذا لم يعتصموا بالكتاب والسنة من القسم الثاني\" (٣).\nوكما أن البدع تتنوع من حيث متعلقها، فإنها كذلك تنوع من حيث الحكم إلى نوعين: بدع مكفرة، وبدع غير مكفرة، وكل نوع يندرج تحته أنواع تختلف في عظمها وقبح فعلها، وبين صغرها بالنسبة إلى ما هو أكبر منها -والمقام يقصر عن بسطها (٤)؛ لأن الغرض هنا بيان أن البدع سبب من أسباب الإفراط في توحيد الألوهية-، وإلا فكلها بدع محرمة عظيمة؛ لأن فيها تشريع مالم يشرعه الله ورسوله - ﷺ - قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ الشورى: ٢١، كما أن فيها اتهامًا لله\n_________\n(١) المراد بالإفراط هنا: هو الزيادة فوق الحد المشروع من العبادة، بلا نص شرعي.\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحة كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور برقم (١٧١٨).\n(٣) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨).\n(٤) ينظر: كتب السنة، والاعتصام للشاطبي، والبدع والنهي عنها لابن وضاح القرطبي، والحوادث والبدع للطرطوشي، والبدعة وأحكامها للغامدي وغيرها كثير.","vol":"1","page":249},{"text":"ولرسوله بعدم إكمال الشريعة (١)، وبهذا يتبين أن البدع من أهم ما يبعد الإنسان عن تحقيق توحيد الألوهية، بل قد تأتي على أصوله فتهدمها بالكلية (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-242> الطريق الثاني: تعظيم غير الله فيما لم يأذن به الله (شرك الطاعة):</span>\nإن عقيدة أهل السنة والجماعة قائمة على تعظيم الله تعالى، وإثبات الكمال له، وتنزيهه عن النقائص والعيوب، وعلى وجوب إفراده بالعبادة والتألُّه.\nوبصرف هذا القدر لغير الله، تظهر لنا الانحرافات المؤدية إلى الغلو والإفراط في توحيد الألوهية؛ فالتعظيم للشيء أو عدم تعظيمه من الأمور التعبدية التي لا تخضع لهوى النفوس وأمزجتها، فلا يجوز تعظيم إلا ما أمر الله بتعظيمه، والتعظيم كله لا يكون إلا لله - ﷿ - وتعظيم أنبيائه إلى الحد الواجب لهم أمر مشروع.\nوأي تعَظيم لغير الله إلى حد الغلو فإنه يفضي إلى الانحراف في توحيد الألوهية ولا بد، فإن مبدأ الشرك (٣) إنما وقع بسبب تعظيم غير الله والغلو فيه الذي أدى في النهاية إلى الوقوع في الشرك؛ كما كان شرك قوم نوح حيث عظم أولئك الصالحين من قومهم فصوروا صورًا لهم أدى ذلك بهم إلى عبادتهم (٤).\nوبناء على ذلك فإن التعظيم ينقسم إلى قسمين:\n١ - تعظيم أذن الله به وأمر به، وهو ما كان في حدود المشروع.\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٣٤٨)، (٤/ ٤٢٥)، (١٢/ ٤٨٥ - ٤٨٧).\n(٢) لأن من ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو بفعله فقد اتخذ شريكًا لله شرَّع من الدين ما لم يأذن به الله.\nينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٥٧٨ - ٥٧٩).\n(٣) هناك تلازم بين شرك الطاعة وشرك العبادة، فمن أوجب ما أوجبه متبوعه، وحرم ما حرمه متبوعه، وأحل ما أحله متبوعه، مما يخالف دين الله وشرعه، فقد اتخذه ندًا وشريكًا في الطاعة والعبادة والتأله، أيًا كان متبوعه، سواء أكان عادات قومه أم هواه، أم شهوته، أم شيخه أم أميره أم رئيسه أم غير ذلك، وسواءًا كانت طاعته لهم ناتجة عن تقليد أم محبة أم شهوة أم غيرها.\nينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٦٧ - ٧٢) (١٠/ ٥٩٢) (٢٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، ودرء التعارض (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، وتيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد (ص ٥٥١).\n(٤) ينظر: مجموع الفتاوى (٢٨/ ٦٠٦).","vol":"1","page":250},{"text":"٢ - تعظيم لم يأذن الله به، وهو ما جاوز المشروع وهو المسمى بالتقديس (١).\nوالخلاصة أن الطاعة الكاملة التي يرافقها الاستسلام والإذعان والخضوع دون نظر وطلب الدليل إنما تكون لله - ﷿ - إذ هو الخالق الذي بيده الأمر والنهي المطلق، ولرسوله - ﷺ - الذي اختاره الله لتبليغ دينه، وبيان شرعه .. لذا فإن من أطاع غير الله في كل شيء دون طلب للدليل الشرعي الموجب للفعل أو الترك فهو مشابه لحال النصارى في اتخاذهم أحبارًا وأربابًا من دون الله، حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحله الله، فكانت تلك عبادتهم (٢)، وعليه فلا تقديس إلا لله وحده، وبذا لا يكون صالحًا لسواه، ولا يوصف به أحد إلا إياه.\nوالناظر لأهل البدع يجد أنهم واقعون في هذا الملحظ الخطر، فنجد أنهم عظموا غير الله فيما لم يأذن به الله، فغلوا في النبي - ﷺ -، وفي الملائكة والأنبياء والصالحين، وغلوا في مرتبة الولاية، وغير ذلك، واعتقدوا فيهم اعتقادات فيها الكثير من الغلو والتجاوز، فلما اعتقدوا ذلك كان من الطبيعي انحرافهم في توحيد الألوهية ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦)﴾ الزمر: ٣٦.\n_________\n(١) التقديس: هو غاية التعظيم وكماله وتمامه وأعلاه، والتقديس لله: تنزيهه وتعظيمه وتمجيده. والمراد بتقديس الشخص: رفعه فوق منزلته التي أنزله الله إياها، معتقدًا أن له من القداسة الذاتية، أو المكتسبة، ما يستوجب الخضوع له والإذعان لأوامره دون عرضها على ميزان الكتاب والسنة، مع التوجه له حيًا أو ميتًا، بأنواع العبادات التي لا يجوز التوجه بها إلا لله.\nينظر: المفردات للراغب الأصفهاني (ص ٣٩٦)، ولسان العرب مادة (قدس) (٦/ ١٦٨)، تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي عرض وتحليل على ضوء الكتاب والسنة، لمحمد على لوح (ص ٤٥).\n(٢) ينظر: جهود شيخ الإسلام للغنيمان (٢/ ٨٨٢ - ٨٨٣).","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الألوهية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بتوحيد الألوهية</span>.\nالمتأمل للقرآن الكريم يجد فيه عناية واضحة حيال مسألة توحيد الألوهية، تزيد على أي مسألة أخرى من المسائل العقدية والمعارف العقلية، بل حتى قضية المعاد والبعث في يوم القيامة -التي تعد من القضايا المهمة جدًا في نظر القرآن، بحيث لا يمكن لأي دين أن يتحلى بمنهج إلهي دون الاعتقاد بها-؛ لم يهتم بها القرآن كاهتمامه بتوحيد الألوهية، حتى إن الربوبية تدور حول قضية واحدة، وهي الدعوة إلى عبادة الله وحده سبحانه وترك عبادة من سواه (١).\nلذا فقد تعددت طرق القرآن العظيم في بيان فساد سلوك المخالفين لتحقيق توحيد الألوهية والتحذير من ذلك، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الألوهية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>الآية الأولى:\nقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦</span>، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-246> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nفي هذه الآية رد على غلاة الجبرية، الذين عارضوا الشرع بالقدر، فعطلوا الأوامر وانتهكوا المناهي، فأبطل الله - ﷿ - احتجاجهم بالقدر على ترك الطاعة، بقوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾، ولفظ الآية وظهور العموم فيها يقتضي فعلا يفعلونه هم باختيارهم، والمراد أن الأمر بالعبادة الشرعية أتت على جهة الابتلاء، لينظر الله - ﷿ - من يحسن عملًا فيطيع أمر ربه ويمتثل شرعه، ومن يسيء فيعصي ويكفر، وهذا المعنى دلت عليه آيات أخرى في كتاب الله، وجاءت دلالتها له على وجهين: إما مفسرة له، أو شاهدة له.\n_________\n(١) ينظر: مفاهيم القرآن، جعفر السبحاني (١/ ١٠).","vol":"1","page":252},{"text":"أما المفسرة: فنحو قوله سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ الملك: ٢، وغيرها من الآيات (١) التي تصرح بأن حكمة خلق الله - ﷿ - للخلق هي ابتلاؤهم أيهم أحسن عملًا، وهذا يفسر قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢).\nوأما الشاهدة: فنحو قوله سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ المؤمنون: ١١٥، فهذا إنكار من الرب سبحانه على أن يحسب الإنسان أنه يترك سدى بلا أمر ولا نهي يبتليهم به، وهذا الإنكار من الرب شاهد لمعنى قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.\nوذِكر الجن والإنس وهما المذكوران دون سواهما، يدل على عبودية مرادة منهما خاصة دون سواهما وهي عبودية الطاعة والامتثال للأمر الشرعي والابتلاء فيها (٣).\nكما أن فيها ردًا على الملاحدة الذين نفوا الحكمة من وجود الإنسان التي هي عبادة الله كما بينت ذلك الآية الكريمة.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-247> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما أن فيها ردًا على غلاة التشريع الذين استحسنوا الزيادة على ما شرع الله، فرد عليهم بقوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ للتعليل، وهذا التعليل لبيان أن جماع الدين \" أصلان\" ألا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع لا نعبده بالبدع، فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه (٤)، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ الحشر: ٧.\n_________\n(١) ينظر: سورة الإنسان آية (٢)، والكهف آية (٧)، وهود آية (٧)، والتوبة آية (٣١)، والبينة آية (٥)، وغير ذلك.\n(٢) ينظر: أضواء البيان (٧/ ٦٧٣).\n(٣) ينظر: دراسة لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، (ص ٢٥)، أ. د. محمد عبد الرحمن أبو سيف الجهني (ص ٢)، مجلة البحوث الإسلامية عدد (٩١).\n(٤) ينظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٣٤).","vol":"1","page":253},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-248> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: خطؤهم في تصور التوحيد الذي أرسل لأجله الرسل، وأنزلت من أجله الكتب، وطُلبَ من العباد تحقيقه، بجعلهم عقول الناس هي الحاكمة القاضية فيما يؤخذ وما لا يؤخذ من العقائد.\nومنشأ الغلط هذا انبنى عليه عند أهل الأهواء والبدع الحكم بإيجاب (١) أمور سكت الشرع عن بعضها ونهى عن بعضها، واستقبحوا (٢) أمورًا ورد الشرع بتحسينها فكان لازم قولهم أن رُسل الله -﵈- قصروا عن البيان عمدًا امتحانًا للمكلفين مع أن الحق في خلاف هذا، فقد نص الله على أن الرسل، إنما أرسلت لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وأنزل علينا في كتابه المبين على لسان رسوله الأمين ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ المائدة: ٣ (٣).\nوما هذا الانحراف إلا نتيجة الغلو في تعظيم العقل وإقحامه فيما لا يدركه، ولا يحيط به، حتى أصلوا أصولًا عقلية، وكفروا أو فسقوا أو خطئوا من خالفهم (٤)، وخاضوا جميعًا فيما لا تدركه العقول من الخفايا التي أعرض عنها السلف، فانقسموا إلى فرق متباينة متقابلة منحرفة في توحيد الألوهية.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-249> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nأتت هذه الآية للرد على من نفى أو عطل وظيفة العباد التي من أجلها خلقوا، وللرد كذلك على من اتهم الله ورسوله - ﷺ - بعدم إكمال الشرع فزادوا وابتدعوا عبادات لا أصل لها، فدلت هذه الآية بمفهومها على منهج أهل السنة والجماعة وهو: امتثال أمر الله ونهيه، إفراده بالعبادة، وألا يعبد إلا بما شرع.\n_________\n(١) كما فعلت المعتزلة بمسألة الوجوب على الله بإثابة الطائع وعقاب العاصي.\n(٢) كما فعلت القدرية في مسألة خلق أفعال العباد.\n(٣) ينظر: تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة (ص ٢٨٠).\n(٤) درء التعارض (١/ ٢٧٧).","vol":"1","page":254},{"text":"وهذه الآية هي حقيقة الصلة بين الله - ﷿ - وبين الثقلين من خلقه، فهي تأتي بعد مرتبتي الفطرة والميثاق، فبعد أن فطر الله الخلق أول الأمر على الإسلام (١)، ثم أخذ عليهم الميثاق على مقتضى الفطرة التي فطرهم عليها (٢)، ها هو - ﷿ - يعلن الصلة بينه وبين خلقه وأنها هي الغاية من وجودهم، وهذا هو موضوع جميع رسالات الأنبياء والرسل -﵈- (٣).\nوفي هذه الآية سر الأمر كله وعلته وحجته، وعليها مدار الأمر كله، قال ابن تيمية - ﵀ - بعد أن استعرض ما أورده الله في مجمل سورة الذاريات: \" فهذا كله يتضمن أمر الإنس والجن بعبادته وطاعته وطاعة رسله واستحقاق من يفعل العقوبة في الدنيا والآخرة، فإذا قال بعد ذلك: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ الذاريات: ٥٦ - ٥٧، كان هذا مناسبًا لما تقدم مؤتلفًا معه: أي هؤلاء الذين أمرتهم إنما خلقتهم لعبادتي ما أريد منهم غير ذلك، لا رزقًا ولا طعامًا\" (٤).\n_________\n(١) قال - ﷿ - في الحديث القدسي: «إني خلقت عبادي حنفاء»، أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار برقم (٢٨٦٥).\n(٢) قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ الأعراف: ١٧٢.\n(٣) ينظر: دراسة لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، أ. د. محمد عبد الرحمن أبو سيف الجهني (ص ٢)، مجلة البحوث الإسلامية عدد (٩١).\n(٤) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٢ - ٤٣).","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>الآية الثانية:\nقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ </span>تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ الزمر: ٧، أتت هذه الآية وفيها الردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-251> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nفي هذه الآية رد على من فرطوا في توحيد الألوهية من المرجئة والجبرية نفاة التعليل والحكم والأسباب واقتضائها للثواب والعقاب، الذين لا يستقبحون السيئات ولا يستنكرون المنكرات، في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾.\nكما أن هذه الآية ردت على اعتقادهم بأنه يجوز أن يعاقب صاحب الحسنات الراجحة، ويثيب صاحب السيئات الراجحة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فرد الله عليهم اعتقادهم الباطل أنه لا سبب ولا حكمة، ولا علة، ولا موازنة، ولا إحباط، ولا تدافع بين الحسنات والسيئات (١)، مخالفين بذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ الجاثية: ٢١، بأن الله - ﷿ - يجازي على الحسنات ويعاقب على السيئات.\nكما أنها ردت على المرجئة الذين فصلوا بين ارتباط الظاهر بالباطن في قوله تعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾، أي أنه يحاسب الإنسان على ما أظهر من عمل وما أبطن من نية.\n_________\n(١) ينظر: مدارج السالكين (١/ ١٩٠).","vol":"1","page":256},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-252> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nوفيها رد على القدرية الوعيدية (١) الذين يعظمون شأن الطاعات والمعاصي، إلا أنهم غلوا حتى سلبوا الإيمان بذهاب بعض الواجبات (٢)،\nوأضافوا الفضل في فعل الحسنات لأنفسهم، لذا فهم لا يدْعون الله ولا يشكرونه (٣) فأتت الآية للرد عليهم في قوله: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ لإثبات أنه سبحانه المستحق للشكر؛ لأنه هو المتفضل سبحانه على عباده بتوفيقهم إلى طاعته، وتيسيره سلوكهم طريق النجاة والفلاح؛ وعلى هذا المعنى جاء قوله - ﷿ -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ الأنعام: ٩٠، وقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ الأنعام: ١٢٥.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-253> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nإذا كانت المرجئة والجبرية قد جفوا، فرأوا أنه لا تأثير للسيئات والحسنات على توحيد الألوهية؛ بل يجوز عندهم أن يعاقب صاحب الحسنات الراجحة، ويثيب صاحب السيئات الراجحة؛ لأن الأمر مردود عندهم إلى محض المشيئة.\n_________\n(١) كتب الفرق لم تذكر تعريفًا لها على أنها فرقة مستقلة لها آراؤها ومبادؤها، وإنما يطلق لفظ \"الوعيدية\" غالبًا على من قال بنفاذ وعبد الله ووعيده، ومن قال: إن مرتكب الكبيرة كافر، أو في منزلة بين المنزلتين هذا في الدنيا، أما في الآخرة فهو خالد مخلد في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي - ﷺ -. ولا يخفى أن مثل هذا القول الذي حمل لواءه الخوارج والمعتزلة باطل مخالف لنصوص الكتاب والسنة.\nينظر: أصول الدين للبغدادي (٢٤٢ - ٢٤٣)، والإرشاد للجويني (ص ٣٨٦)، مجموع الفتاوى (٣/ ٣٧٤)، والجواب الصحيح (١/ ٧٤ - ٧٥)، والصواعق المرسلة (٢/ ٤٥٤).\n(٢) العلاقة بين وتوحيد الألوهية وإيمان القلب لا تخفى؛ لأنه لا يتصور وجود أحدهما دون الآخر؛ لأن \"جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب\"، قال الآجري: \" فالأعمال بالجوارح تصديق عن الإيمان بالقلب واللسان؛ فمن لم يصدق الإيمان بعمله بجوارحه مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وأشباه ذلك، ورضي من نفسه بالمعرفة والقول لم يكن مؤمنًا، ولم تنفعه المعرفة والقول، وكان تركه للعمل تكذيبًا للإيمان، وكان العمل بما ذكرناه تصديقًا منه لإيمانه، وبالله التوفيق\" الشريعة (٢/ ٦١٤). وهذا ظاهر لمن تأمل؛ فإن الدين لا بد فيه من طاعة وعمل وانقياد ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ النساء: ٦٤؛ ولذلك رتب الله تعالى الفوز والفلاح والنجاة من العقاب على الإيمان مع العمل الصالح في مواضع كثيرة، وهي دليل على أن إيمان القلب وحده لا يكفي؛ بل لا بد معه من أعمال صالحة.\n\nينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ١٩٨) (٧/ ٦٧٢ - ٦٧٣) (١٠/ ٢٦٩ - ٢٧٢)، والإيمان الأوسط (ص ٥٦٧). (ص ٤٤٨)، والمسائل العقدية المتعلقة بالحسنات والسيئات (١/ ٣٧٣).\n(٣) بزعمهم أن الله عدل وأنه لا يخلق أفعال العباد، وأنه منزه عن الظلم.","vol":"1","page":257},{"text":"فإن القدرية والوعيدية قد غلوا حتى جعلوا السيئات مُزيلة للإيمان بالكلية، وجعلوا الحسنات من أفعال العباد؛ لأنهم توصلوا إلى أن المعاصي لا يريدها الله تعالى ولا يحبها، وبالتالي فلم يأمر بها ولا إرادة له في وقوعها، وإلا لكان مريدًا للمعاصي، وبالتالي فلا يعاقِب عليها حسب زعمهم.\nفكلاهما ضل في توحيد العبادة فمنهم من فرط فيها عما أراده الله، ومنهم من غلا فيها فأقامها على ما لم يأذن به الله.\nمن أجل هذا كان المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو فهمهم الخاطئ الذي يعود إلى عدم تفريقهم بين الإرادتين الكونية والشرعية -فضلوا بسبب هذا في توحيد الألوهية- فيعتقدون أن كل ما أراده الله فقد أحبه، ذلك أن الإرادة إما أن تكون كونية وهي الإرادة العامة لجميع الموجودات ودليلها قوله - ﷿ -: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ البقرة: ٢٥٣، وإما أن تكون الإرادة شرعية وهي التي تتعلق بمحبة الله تعالى ورضاه عن الشيء كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ النساء: ٢٧ (١).\nوأهل السنة يؤمنون أن الإرادة الكونية هي التي تعلقت بكل شيء حتى معصية العاصي فلا يلزم منها التفرقة بين ما يحبه الله وما لا يحبه. أما الإرادة الشرعية فهي التي تعلقت بمحبته ورضاه فهو وإن كان قدَّر وقوع الشر كونًا لكنه في الإرادة الشرعية لم يرضه ولم يحبه فهو لا يحب الظالمين ولا الفاسقين ولا العاصين (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-254> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد:</span>\nأتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب البدع المتقابلة، بل هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، \"فعقيدة أهل السنة أصح مباني وأوضح معاني، وحسبك أنها جامعة لمحاسن العقائد\" (٣)؛ لذلك فإقامة توحيد الألوهية كما أمر الله به من أعظم الحسنات وأجل القربات، كما أن الشرك من أعظم الذنوب وأقبح السيئات.\n_________\n(١) ينظر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها، للعواجي (١/ ١٨٨)، وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٣٨٤).\n(٢) ينظر: وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٣٨٦).\n(٣) الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم، لمحمد بن إبراهيم الوزير، تحقيق: علي العمران (٢/ ٥٢٢).","vol":"1","page":258},{"text":"ويثبت أهل السنة والجماعة محبة الله للحسنات وأنها أسباب لما هو محبوب له وهي الرحمة والإحسان، وأن السيئات مبغوضة له، وأنها أسباب لما هو محبوب له وهو العدل (١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" وأعظم ما دعا الله الخلق إليه في كتابه ودعت إليه الرسل هو التوحيد، وأعظم ما نهى عنه الشرك\" (٢)، ولا يتحقق أصل التوحيد إلا بالإتيان بحسنة عظيمة، هي أساس الحسنات ولبُّها؛ وهي شهادة التوحيد: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وهي كلمة التوحيد، المشتملة على أهم المطالب وأعظم المراتب؛ فإن التوحيد أصل الدين وجماعه، وظاهره وباطنه، وأوله وآخره (٣).\nفاتضح بهذا أنه لا بد للإقرار بالشهادتين من العمل بمقتضاها؛ وذلك أن لا يُعبد إلا الله، ولا يأله القلب غيره حبًا ورجاء وخوفًا وتوكلًا وخضوعًا وإنابة وطلبًا -وكل هذا من جملة الحسنات العظيمة-، ولا يُعبد إلا بما شرع رسوله - ﷺ - والتعبد بخلاف هذا من السيئات (٤).\nفتوسط أهل السنة والجماعة بين الوعيدية في هذا الباب - أعني مكانة الحسنات والسيئات وتأثيرها على توحيد الألوهية- الذين هم أحسن حالًا من المرجئة؛ لأنهم في اسم الإيمان أقرب إلى قول أهل السنة، وعندهم من تعظيم شأن الطاعات والمعاصي ما ليس عند أولئك، إلا أنهم غلوا حتى سلبوا الإيمان بذهاب بعض الواجبات.\nوبين المرجئة نفاة التعليل والحكم والأسباب واقتضائها للثواب والعقاب، إلا أنهم -أي المرجئة- أقرب إلى أهل السنة في الحكم الأخروي (٥).\n_________\n(١) وهذه المحبة وهذا البغض بتفاوت بحسب بعض الاعتبارات.\nينظر: المسائل العقدية المتعلقة بالحسنات والسيئات (٢/ ٩٥٨ - ٩٦١).\n(٢) الرد على البكري (١/ ٢٩٠).\n(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٦٣ - ٢٦٤).\n(٤) ينظر: كلمة الإخلاص وتحقيق معناها، لابن رجب (ص ٢١)، والتنبيهات السنية للرشيد (ص ١٢).\n(٥) ينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ١٥٨ - ١٥٩)، (١٦/ ٢٤٢ - ٢٤٣)، ومقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري، (١/ ١٦٧، ٣١٣، ٣٣٦)، والفرق بين الفرق للبغدادي (ص ١٩، ٧٨، ١٥٨)، والملل والنحل (١/ ٤٤، ٨٩، ١٠٨، ١١٣).","vol":"1","page":259},{"text":"فدلت بمفهومها على منهج أهل السنة والجماعة، وهو: اعتبار الحسنات (١) والسيئات (٢) من لوازم توحيد العبادة، فليست الحسنات مثل المعاصي، ولا المعاصي مزيلة للإيمان بالكلية.\n_________\n(١) شروط اعتبار الحسنات التي تترتب على العبادة ثلاثة: الإيمان والإخلاص والمتابعة، فإذا توفرت هذه الشروط فهي من شعب الإيمان.\n(٢) شروط اعتبار السيئات: العلم والبلوغ والقصد والاختيار، فإذا توفرت هذه الشروط فهي من شعب الكفر وفروعه، غير أن هذا منضبط عند أهل السنة والجماعة بأصلين:\nأ) أنه يمكن أن يجتمع في العبد بعض شعب الإيمان وبعض شعب الكفر.\nب) أنه ليس كل من قام به شعب من شعب الكفر يكون كافرًا الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر.\nينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٣٥٥، ٥٢٠)، واقتضاء الصراط المستقيم، ت: أ. د. ناصر العقل (١/ ٢٠٨).","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>الآية الثالثة:\nقوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ الق</span>صص: ٧٧، في هذه الآية الكريمة ردٌ على من وقع في بدعتي الإفراط والتفريط:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-256> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nفي هذه الآية رد على من فرطوا في توحيد الألوهية من المرجئة والملاحدة وغيرهم، الذين توهموا (١) وجود إنسان لا يعبد شيئًا، في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾.\nفمن أعرض عن الطاعة بتركها مطلقًا لم يكن قد حقق أصل التوحيد فلا يكون مسلمًا، ويكون بتوليه الكلي عن الطاعة كافرًا - عياذًا بالله- كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ النور: ٤٧، قال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" (التولي) هو التولي عن الطاعة ... فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل وإن كان قد أتى بالقول\" (٢)؛ لأن \"جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب\" (٣)، وإيمان القلب لا يُتصور وجوده دون أن تظهر آثاره على الجوارح (٤)، وهذا هو المقرر عند سلف الأمة وأئمتها.\nكما أن فيها أيضًا ردًا على الذين أغرتهم الماديات عن العمل للآخرة ففرطوا في توحيد الألوهية، نجد هذا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، قال ابن عباس - ﵁ -: لا تنس حظك من الدنيا أن تعمل فيها لآخرتك، وقيل: لا تنس ما أنعم الله عليك أن تشكره عليه بالطاعة، ولا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة حتى تنجو من العذاب؛ لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن يعمل للآخرة (٥)، وقد توعد الله من همه دنياه فقط بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ يونس: ٧ - ٨.\n_________\n(١) هذا التوهم إما أن يكون اعتقادًا كما هو صنيع الملاحدة، وإما أن يكون لازما كما هو صنيع المرجئة وأهل الشهوات والمنافقون.\n(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ١٤٢).\n(٣) الإيمان الأوسط (شرح حديث جبريل) لابن تيمية (ص ٥٦٧).\n(٤) ينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ١٩٨).\n(٥) ينظر: النكت والعيون، تفسير الماوردي (٤/ ٢٦٧)، والبحر المحيط في التفسير، لأبي حيان الأندلسي (٨/ ٣٢٥)، والجواهر الحسان في تفسير القرآن، للثعالبي (٤/ ٢٨٣).","vol":"1","page":261},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-257> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما أن في هذه الآية ردًا على الذين أفرطوا في توحيد الألوهية من الصوفية وغيرهم، الذين توهموا وجود إنسان يعبد الله مريدًا الدار الآخرة وهو لا يريد الله! !، في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾.\nوقد ضلوا في هذا الفهم، فإن إرادة الآخرة عبارة عن إرادة الله تعالى وثوابه. فإرادة الثواب لا تنافي إرادة الله؛ لأن الله - ﷿ - لم يفرّق بين إرادة الآخرة وإرادته هو سبحانه تعالى حيث قال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾ الأنفال: ٦٧، قال ابن القيم - ﵀ - عند قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ الإسراء: ١٩: أخبر الله - ﷿ - أن السعي المشكور: سعي من أراد الآخرة. وأصرح منها قوله: لخواص أوليائه - وهم أصحاب نبيه - ﷺ - ورضي عنهم - في يوم أحد: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ آل عمران: ١٥٢، فقسمهم إلى هذين القسمين اللذين لا ثالث لهما.\nإلا ما اعتقده أهل التصوف وهو وجود: من يريد من الله، ولا يريد الله. فهذا ناقص غاية النقص. وهو حال الجاهل بربه. لذلك كان اعتقادهم: أنهم يريدون الله، ولا يريدون منه. فيزعمون أنه مطلوبهم، وأن من لم يصل إليه ففي سيره علة، وأن العارف ينتهي إلى هذا المقام، وهو أن يكون الله مراده، ولا يريد منه شيئا، وهذا في التحقيق عين المحال الممتنع: عقلا وفطرة، وحسا وشرعا (١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-258> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: خطؤهم في تصور العبادة المأمور بها، التي تقوم على أركان ثلاثة: الحب، والخوف، والرجاء (٢)، حيث افتعلوا بينهما\n_________\n(١) ينظر: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ٨١ - ٨٣)، ودراسات في التصوف، لإحسان إلهي ظهير (ص ٨٧).\n(٢) ينظر: العبودية لابن تيمية (ص ٤٤)، ومدارج السالكين (٢/ ٣٦).","vol":"1","page":262},{"text":"تناقضًا؛ لذا نجد أن المتصوفة ومن سايرهم احتقروا الرجاء والخوف، واعتبروهما (أضعف مقامات المريدين)، وغلوا في المحبة حتى أسقطوا ما يقابلها من الخوف، وجعلوا همهم -بزعمهم - عبادة الله لذاته لا طمعًا في جنته ولا خوفًا من ناره (١) وجعلوا ذروة المحبة: الفناء في المحبوب، ولهذا قال فيهم السلف ﵏: \" من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق\" (٢)، وأفضى بهم هذا إلى احتقار الجنة والنار، واحتقار مقام الأنبياء، والأمن من مكر الله (٣)، وعدم التمييز بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما يبغضه ويسخطه، ولا بين أعداء الله وأوليائه، فعبدوه بما لم يشرع وعظموا ما لم يعظمه، فصارت الطاعات والمعاصي عندهم شيئا واحدًا وهذه هي غاية التحقيق والولاية لله بزعمهم، بل أفضى اعتقاد ملاحدة (٤)\nالصوفية إلى الحلول والوحدة -عياذًا بالله-! ! .\nبينما نجد أن المرجئة غلَّبوا جانب الرجاء حتى أسقطوا ما يقابله من الخوف، بسبب الانفكاك بين العمل والاعتقاد وعدم التلازم بينهما!، فالإيمان عندهم حقيقة واحدة تتعلق بالاعتقاد دون العمل؛ فوقع الخلل عندهم في مفهوم توحيد العبادة وصور وقوع الشرك فيه، فوصلوا إلى درجة أنه لا يضر مع الإيمان ذنب فيؤذيهم، وأنه لا يكون من الأعمال ما هو شرك، فاستهانوا بمحارم الله وواجباته، ولازم هذه الاستهانة إنكار وجود محاسب ومعاقب، وغايتها الخروجُ من الملة (٥)، وكأن الفواحش تفضي إلى كفر الإلحاد تلقائيا -والعياذ بالله-.\n_________\n(١) وأصل خطأ الصوفية ومن سايرهم أنهم ظنوا أن الجنة هي مجرد النعيم الحسي فمن تعلقت إرادته بها فقد نسي الله بزعمهم، وحصيلة دعوى عبادته سبحانه لا طمعًا في جنته ولا خوفا من ناره أنها إنكار للافتقار الذاتي إلى الله، وكفى بذلك بدعة وضلالًا.\nينظر: للرد على الصوفية ينظر\" الاستقامة (٢/ ١٠٤ - ١٢٠)، ومدارج السالكين (٢/ ٨٠ - ٨١).\n(٢) شرح السنة للبربهاري (٢/ ٣٧).\n(٣) وغايتُه الزندقةُ، والخروج من الدين.\n(٤) الملاحدة منهم من يتنصل عن التكاليف ويقع في وحل الشهوات، ويغتر بالماديات، بزعمهم أن الحياة مادة، فلا يوجد خالق، ولا توجد إعادة، ولا توجد جنة ولا نار فيكفرون بالله - ﷿ - وينكرون وجوده، فهم واقعون في الشرك الأعظم، فهذا النوع من المفرطين في توحيد الألوهية.\n\nوهناك نوع آخر من الملاحدة أفرط في توحيد الألوهية الذين غلفوا شركهم بشيء من محاسن الإسلام، ليخفى أمرهم، أمثال أصحاب وحدة الوجود فجعلوا الله هو الوجود كله، خنازيره وكلابه وأوادمه وكل شيء، حتى ادعوا الربوبية.\nوالقاسم المشترك بينهما نفيهم للإله الحقيقي الذي يجب أن تصرف له العبادة.\nينظر: شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد عبد الله بن محمد الغنيمان (ص ١٦).\n(٥) لأنه من يعترف بالله ولا يمتثل أمره يقاس على إبليس. ينظر: شرح السنة للبربهاري (٢/ ٢٤١).","vol":"1","page":263},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-259> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد:</span>\nأتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب البدع المتقابلة، بل هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، فتوحيد الألوهية هو التوحيد العملي؛ أي توحيد الله بالعمل الباطن والظاهر، من أجل هذا فإن أركان العبادة لا بد أن تكون مجتمعة، وأن يكون بينها شيء من التوازن، فمن تعلق بواحد منها أو غلا فيه على حساب الآخر لم يكن عابدا لله تمام العبادة.\nفعبادة الله بالحب فقط (١) طريقة الصوفية، وعبادته بالرجاء وحده (٢) طريقة المرجئة، وعبادته بالخوف وحده (٣) طريقة الخوارج والمعتزلة والجهمية وأشباههم، وعبادته بالحب والخوف والرجاء طريقة أهل السنة التي يجب أن يكون عليها الناس.\nمن أجل ذلك فلازم رد الآية على البدع المتقابلة وأنهم مخالفون لمنطوق القرآن وصريح السنة، هو في الحقيقة إبراز لمنهج أهل الحق وهو منهج أهل السنة والجماعة.\nولهذا قال السلف -﵏- كلمة مشهورة وهي: \" مَنْ عبدَ الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروريٌ - أي: خارجي - ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف والحب والرجاء فهو مؤمن موحِّد \" (٤).\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" القلب في سيره إلى الله - ﷿ - بمنزلة الطائر؛ فالمحبة رأسه، والخوف، والرجاء جناحاه؛ فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيِّدُ الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر\" (٥).\n_________\n(١) ومن آثاره الوخيمة، الأمن من مكر الله، وغايتُه الزندقةُ، والخروج من الدين.\n(٢) ومن آثاره الوخيمة، الوقع في الغرور والتمني والرجاء الكاذب، وترك العملِ الصالحِ، وغايتُه الخروجُ من الملة.\n(٣) ومن آثاره الوخيمة، أنهم لا يجدون للعبادة لذة، ولا إليها رغبة، فيجعلون الخالق بمنزلة سلطان جائر، وهذا يورث اليأس والقنوط من رحمة الله، وغايتُه إساءةُ الظن بالله، والكفر به -سبحانه -.\n(٤) شرح السنة للبربهاري (٢/ ٣٧).\n(٥) مدارج السالكين (١/ ٥١٣).","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الألوهية</span>.\nأختم هذا الفصل بذكرٍ إجمالي للآيات الرادة على الانحراف العقدي في توحيد الألوهية؛ والآيات التالية سيقت على سبيل المثال لا الحصر:\n١ - قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ مريم: ٦٥، في هذه الآية رد على المشركين المتخذين وسائط في عباداتهم لله، فأمرهم الله بفاء المباشرة ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ ليدل ذلك على أن عبادته سبحانه لا تحتاج وسائط وشركاء. كما أن فيها ردًا على الباطنة المعتقدين في بعض أعيان البشر صفة الربوبية فصرفوا لها توحيد الألوهية، فرد الله عليهم هذا بقوله ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي شبيهًا ومثيلًا ونظيرًا؛ فالطائفة الأولى أقرت بالله ولكنها صرفت العبادة لغيره، والثانية أنكرت الله وصرفت العبادة لغيره.\n٢ - قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ الإسراء: ٥٧، هذه الآية فيها دعوة إلى أن يكون الإنسان في حال سيره إلى الله ما بين الخوف والرجاء ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، والسير بهذا المنوال يخرج به الإنسان من طائفتين ضلتا في باب العبادة: فالمرجئة يقولون: لا يضر مع الإيمان شيء، فمن كان راجيًا فقط وترك الخوف دخل في طائفة المرجئة؛ ومن أفرط في الخوف دخل في طائفة المعتزلة والخوارج الذين يرون أن مرتكب الكبيرة يكفر ويخلد في النار ما لم يتب قبل أن يموت فضلوا جميعًا في توحيد الألوهية بين إفراط وتفريط، كما أن في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾ الرعد: ٦، ردًا عليهم أيضًا، فجاء الرد على من غلا في عبادة الخوف دون غيرها، بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾؛ وفيها كذلك رد على من عطل الخوف، بقوله - ﷿ -: ﴿لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\n٣ - قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ طه: ١١٤، في هذه الآية سدٌ لطريق مخالفة الشريعة وردٌ على المتشاغلين بالعبادات مع الجهل وترك حمل العلم، كالصوفية الذين ينكرون على الناس العلم ويذمونه، بينما يحكمون بالذوق والوجد والكشف، فانتكسوا إلى","vol":"1","page":265},{"text":"حضيض الخرافة والوهم، فدلت الآية الشريفة على طلب الاستزادة من العلم المؤدي لمعرفة الله (١)، ومن ثم إخلاص العبادة له - ﷿ - على ما يرضيه. كما أن فيها ردًا على المعتزلة والجهمية الذين عظموا علم البشر وجعلوه هو المهيمن والحاكم على الشرع، فقدموا العقل على النقل، فضلوا في توحيد الألوهية. فالعلم المطلوب هو ما وفَّق الله له، ودعى له أنبياء الله، وهو العلم الذي يصحح العبادة، ويقرب من الله، وأمر الله رسوله - ﷺ - بسؤال الزيادة من العلم بقوله: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ يقتضي أنه كان عالمًا وأنه أمر بطلب المزيد من العلم (٢)، والحق أن كل ما خالف الشرع فلا مصلحة فيه مطلقًا، وكل أصل لم يؤخذ من الشرع فهو فاسد الاعتبار.\n٤ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ آل عمران: ١٩، في هذه الآية ردٌ على من حادَ عن الإسلام فأصبح مُفْرِطا غاليًا في مسألة العبادة دون دليل؛ كما أن فيها ردًا على من أصبح منهم مفَرِّطا مضيعًا لما أمره الله به من العبادة، من أصحاب الأديان والمذاهب والتيارات والفرق دون دليل، ولا مخالفة بين هذه الآية التي تثبت دين الحق الذي يريده الله - ﷿ - والذي عليه أهل الحق، وبين قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الأنعام: ٨٨ - ٩٠. ففي هذه الآية رد على جميع أصحاب البدع، بأنهم مخالفين لمنهج أهل الحق الذين لا يعبدون الله إلا بدليل من الكتاب أو السنة.\n٥ - قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ الأعراف: ١٨٠، في هذه الآية الرد على من صرف العبادة لغير الله من التوسل بذوات الأموات وغيرهم، فبين الله تعالى أن المشروع هو التوسل بأسمائه الحسنى، فقال: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾؛ كما أن فيها ردًا على من حادَ بها عن معناها الصحيح؛ لأن\n_________\n(١) \"فالعلم الذي أُمِر الرسول - ﷺ - باستزادته هو علم الوحي لا علم الكلام والفلسفة والمنطق. قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء ١٦٦]، أي أنزله وفيه علم لا يعلمه البشر. فالباء للمصاحبة مثل قوله: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود ١٤] أي أنزل وفيه علم الله وذلك من أعظم البراهين على صحة نبوة من جاء به ... فالمعنى أنزله متضمنا لعلمه الذي لا يعلمه غيره إلا من أطلعه عليه وأعلمه به\".\nينظر: الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (٣/ ٨٧٧)\n(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٣٨٤).","vol":"1","page":266},{"text":"هذه الأسماء أعظم الأدلة على التوحيد، فمن اعتقد أن الله تعالى لا إله غيره خصه بالإلهية، ومن اعتقد أنه حي لا ينام، قيوم لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد، وأنه الأول والآخر -أزلي لم يسبق بعدم وأنه لا يأتي عليه العدم-، واعتقد أنه موصوف بصفات الكمال ومنزه عن صفات النقص، ساقه ذلك إلى أعلى أنواع العبادة، ودفعه إلى الخوف والرجاء والمحبة، من أجل هذا جاء قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، ليبين أن من عبد أو أشرك مع الله غيره فقد ألحد في أسمائه.\nوغير ذلك من الآيات، التي هي في الحقيقة أدلة تكشف زيغ أهل البدع المتقابلة في توحيد الألوهية؛ كما أن ردود هذه الآيات وغيرها، تستلزم إثبات المنهج الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة -منهج الوسطية في أبواب الاعتقاد-، من أجل ذلك سَعِدوا بهذا الوصف ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الأنعام: ٩٠.\nوتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الأسماء والصفات؛ لأن من أخلص لله في عبادته لا بد أن يثبت لله جميع الأسماء والصفات التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله - ﷺ - من غير تحريف أو تعطيل ومن غير تكييف أو تمثيل، وقد ضل في هذا المفهوم كثير من الخلق. وهذا هو موضوع الفصل التالي بإذن الله تعالى.","vol":"1","page":267},{"text":"الباب الثاني:\n\nالفصل ٣ الآيات الواردة في توحيد الأسماء والصفات.\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد في تعريف توحيد الأسماء والصفات.\nالمبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة\nفي توحيد الأسماء والصفات.\nالمبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع\nالمتقابلة في توحيد الأسماء والصفات.","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>تمهيد في تعريف توحيد الأسماء والصفات:</span>\nتوحيد الأسماء والصفات من أجل العلوم والمعارف (١)؛ لأن من عرف الله بأسمائه وصفاته حق المعرفة، تجلى في سلوكه وتعاملاته: الانصياع والخضوع لصاحب تلك الأسماء الكاملة والصفات العالية، وأورثه ذلك التعبد لله بالعبادات التي تليق بجلاله وكبريائه وعظمته.\nومن لم يعرف الله بأسمائه وصفاته التي تليق به، فكيف يعبده، ويحبه، ويعظمه، ويخضع له؟ ! بل كيف يعبد إلهًا يجهله؟ ! .\nلذا فإن توحيد الأسماء والصفات لا ينفك بحال عن توحيد الربوبية والألوهية -السابق ذكرهما-، بل إنه شامل للهما معًا، فالإيمان بالله - ﷿ - يتضمَّن الإيمان بصفاته، فلا يستقيم توحيد الله في ربوبيته وألوهيته بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته، والخلل والانحراف في أي نوع منها هو خلل في التوحيد كله.\nولهذا سمَّى السَّلف كتُبَهم التي صنَّفوها في السنَّة، وفي إثبات صفات الرَّبِّ وعلوّه على خلقه، وكلامه وتكليمه: توحيدًا؛ لأنَّ نفي ذلك وإنكاره والكفْر به إنكار للصَّانع، وجحد له، وإنَّما توحيده: إثبات صفات كماله، وتنزيهه عن التَّشبيه والنَّقائص (٢).\nويلحظ التالي لآيات القرآن الكريم كثرة ذكر أسماء الله وصفاته، بل لا تكاد تخلو آيةٌ من آياته من صفة لله - سبحانه - أو اسم من أسمائِه الحسنى؛ وما ذلك إلا \"لأنَّ القرآن المجيد عُمْدته ومقصوده الإخْبار عن صفات الرَّبِّ - سبحانه - وأسمائه وأفعاله وأنواع حمدِه والثَّناء عليه، والإنباء عن عظمتِه وعزَّته وحكمتِه، وأنواع صنعه والتقدُّم إلى عباده بأمرِه ونَهْيه على ألسِنة رسله\" (٣)، \"فالقُرآن من أوَّل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ الفاتحة: ١، إلى ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ الناس: ٦، كلّه بيان لصفات الله - ﷾\" (٤).\n_________\n(١) العلم بأسماء الله وصفاته أشرف العلوم، وأنبل الغايات؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم، والباري أشرف المعلومات، فالعلم بأسمائه أشرف العلوم.\n(٢) ينظر: مدارج السَّالكين (١/ ٢٥).\n(٣) طريق الهجرتين (ص ٢٣٣).\n(٤) طريق الهجرتين (ص ٢١١).","vol":"1","page":269},{"text":"وبالجملة فإن أقسام التوحيد تشكل بمجموعها جانب الإيمان بالله الذي يسمى التوحيد فلا يكمل لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة، فهي متكافلة متلازمة يكمل بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر.\nكما يُعدُّ مبحث أسماء الله وصفاته من أهم مباحث العقيدة؛ التي سلكت فيها الفرق الإسلامية مذاهب شتى، نشأ عنها معتقدات باطلة، وتصورات خاطئة في الذات الإلهية، ولهذا اعتنى علماء أهل السنة والجماعة بهذا الجانب من التوحيد كل الاعتناء، وخصوه بمصنفات مفردة، وسموا كتبهم التي صنفوها في السنة، وإثبات صفات الرب، وعلوه على خلقه، وكلامه وتكليمه توحيدًا؛ لأن نفي ذلك وإنكاره والكفر به إنكار للصانع وجحد له، وإنما توحيده إثبات صفات كماله، وتنزيهه عن التشبيه والنقائص (١).\n\nويحسن قبل الشروع في مباحث هذا الفصل التمهيد بتعريفه وبيان أهميته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>أولًا: تعريف توحيد<span data-type=\"title\" id=toc-265> الأسماء </span>والصفات، والفرق بينهما:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>أ- التعريف:</span>\nالأسماء: جمع اسم، والاسم: \" مشتق من السمو أي: العلو ... أو من الوسم أي: العلامة ... \" (٢)، وهو اللفظ الدال على المسمى (٣)، وأسماء الله الحسنى: هي كلُ ما دل على ذات الله مع صفات الكمال القائمة به كالعليم والقدير والحكيم والسميع والبصير (٤)، وهي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها (٥).\n_________\n(١) ينظر: مدارج السالكين لابن القيم (١/ ٥٠)، منهج الحافظ ابن حجر في العقيدة، محمد كندو (١/ ٤٨٥).\n(٢) ينظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٧٤٨)، والصحاح (٦/ ٢٣٨٣)، ومعجم مقاييس اللغة (ص ٤٩٠)، ولسان العرب (١٤/ ٤٠١)، والقاموس المحيط (ص ١٦٧٢).\n(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١٨٩، ١٩٢)، وبدائع الفوائد لابن القيم (١/ ١٦).\n(٤) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (٣/ ١٦٠).\n(٥) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٩).","vol":"1","page":270},{"text":"و<span data-type=\"title\" id=toc-266>الصفات: </span>جمع صفة، والصفة: أصلها \"وَصَفَ\" حذفت الواو وعوض عنها التاء (١)، \"وهي الاسم الدال على أحوال الذات ... وهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يعرف بها\" (٢)، وصفات الله - ﷿ -: هي نعوت الكمال القائمة بذاته كالعلم والقدرة والحكمة والسمع والبصر، مما يميزها عن غيرها، الواردة في نصوص الكتاب والسنة (٣).\nوعليه فتوحيد الأسماء والصفات (٤) هو: اعتقاد انفراد الله بالكمال المطلق، من جميع الوجوه، بنعوت العظمة والجلال والجمال، وذلك بأن يسمى الله ويوصف، بما سمى ووصف به نفسه، أو سمَّاه ووصفه به رسوله - ﷺ - من غير تحريف (٥)، ولا تأويل (٦)، ومن غير تكييف (٧)، ولا تمثيل (٨) (٩).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" ثم القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث. قال الإمام أحمد\n_________\n(١) ينظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٩٠٠ - ٣٩٠١)، والصحاح (٤/ ١٤٣٨ - ١٤٣٩)، ومعجم مقاييس اللغة (ص ١٠٩٣)، ولسان العرب (٩/ ٣٥٦)، والقاموس المحيط (ص ١١١).\n(٢) التعريفات للجرجاني (ص ١٣٣).\n(٣) ينظر: كتاب الصفات الإلهية، للتميمي (ص ١٢).\n(٤) ينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٣)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٣٤)، وفتح المجيد (١/ ٧٩)، والقول السديد للسعدي (ص ١٠)، ومعارج القبول (١/ ٩٨)، والقول المفيد لابن عثيمين (١/ ١٢)، والقواعد المثلى لابن عثيمين (ص ٥ - ٦).\n(٥) التحريف: لغة: التغيير والتبديل. واصطلاحًا: تغيير ألفاظ الأسماء الحسنى والصفات العلى أو معانيهما.\nينظر: لسان العرب ٩/ ٤٣، مختصر الأسئلة والأجوبة على العقيدة الواسطية لعبد العزيز السلمان (ص ٢٣).\n(٦) التأويل في أسماء الله وصفاته: هو الميل والعدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها إلى الإشراك والتعطيل والكفر.\nينظر: مختصر الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية (ص ٣٢)، المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية د. إبراهيم البريكان (ص ٣٣).\n(٧) التكييف: لغة: جعل الشيء على هيئة معينة معلومة؛ والتكييف في صفات الله هو: الخوض في كنه وهيئة الصفات التي أثبتها الله لنفسه.\n\nينظر: معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات لمحمد خليفة التميمي (ص ٧٠ - ٨١).\n(٨) التمثيل: لغة: من المثيل وهو الند والنظير، والتمثيل في باب الأسماء والصفات هو: الاعتقاد في صفات الخالق أنها مثل صفات المخلوق.\nوينقسم إلى قسمين:\nالأول: تشبيه المخلوق بالخالق كتشبيه النصارى للمسيح ابن مريم بالله، وكتشبيه اليهود عزيزًا بالله، وكتشبيه المشركين أصنامهم بالله.\nالثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق، وذلك كتشبيه المشبهة الذين يقولون لله وجه كوجه المخلوق، ويد كيد المخلوق ونحو ذلك\nينظر: معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات لمحمد خليفة التميمي (ص ٧٠ - ٨١)، مختصر الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية (ص ٢٥).\n(٩) ينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٣)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٣٤)، وفتح المجيد (١/ ٧٩)، والقول السديد للسعدي (ص ١٠)، ومعارج القبول (١/ ٩٨)، والقول المفيد لابن عثيمين (١/ ١٢)، والقواعد المثلى لابن عثيمين (ص ٥ - ٦).","vol":"1","page":271},{"text":"- ﵀ -: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله - ﵉ -، لا يتجاوز القرآن والحديث (١) \" (٢).\nلذلك كان مذهب السلف الصالح - ﵃ - في باب الأسماء والصفات يقوم على ثلاث قواعد هي:\n١ - الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه أو وصفه بها رسوله - ﷺ -.\n٢ - تنزيه الله - ﷿ - عن أن يشبه شيء من صفاته شيئًا من صفات الخلق.\n٣ - قطع الطمع عن إدراك كيفيتها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>ب- الفرق بين الأسماء والصفات:</span>\nما يميز الاسم عن الصفة، والصفة عن الاسم؛ أمور منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>أولًا: أن الأسماء يشتق منها صفات</span>، أما الصفات؛ فلا يشتق منها أسماء، فنشتق من أسماء الله الرحيم والقادر والعظيم، صفات الرحمة والقدرة والعظمة، لكن لا نشتق من صفات الإرادة والمجيء والمكر اسم المريد والجائي والماكر (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>ثانيًا: أن الاسم لا يشتق من أفعال الله</span>؛ فلا نشتق من كونه يحب ويكره ويغضب اسم المحب والكاره والغاضب، أما صفاته؛ فتشتق من أفعاله فنثبت له صفة المحبة والكره والغضب ونحوها من تلك الأفعال، لذلك قيل: باب الصفات أوسع من باب الأسماء (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>ثالثًا: \"أن أسماء الله - ﷿ - وصفاته تشترك في الاستعاذة بها والحلف بها</span>\" (٦)، لكن تختلف في التعبيد والدعاء، فيتعبد الله بأسمائه، فتقول: عبد الكريم، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، كما أنه يُدعى الله بأسمائه، فنقول: يا رحيم! ارحمنا، يا كريم! أكرمنا، ويا لطيف! الطف بنا، لكن\n_________\n(١) أخرجه ابن بطة في الإبانة (٣/ ٣٢٦).\n(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٦).\n(٣) ينظر: مدارج السالكين (٣/ ٣٤٥)، وآداب البحث والمناظرة القسم الثاني (ص ١٢٧ - ١٢٩)، والصفات الإلهية للشيخ محمد أمان الجامي (ص ٦٥ - ٦٦).\n(٤) ينظر: بدائع الفوائد (١/ ١٦٢)، والصفدية (١/ ١٠٨)، ودفع إيهام التشبيه عن أحاديث الصفات ونقد كتاب (تأويل الأحاديث الموهمة للتشبيه)، تأليف أ. د. محمد السمهري (ص ٣٧).\n(٥) ينظر: مدارج السالكين (٣/ ٤١٥).\n(٦) مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٣، ٢٢٩) و(٣٥/ ٢٧٣)، وينظر: شرح السنة للبغوي (١/ ١٨٥، ١٨٧).","vol":"1","page":272},{"text":"لا ندعو صفاته فنقول: يا رحمة الله! ارحمينا، أو: يا كرم الله! أو: يا لطف الله! ذلك أن الصفة ليست هي الموصوف، فالرحمة ليست هي الله، بل هي صفة لله، وكذلك العزة، وغيرها؛ فهذه صفات لله، وليست هي الله، ولا يجوز التعبد إلا لله، ولا يجوز دعاء إلا الله؛ لقوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ النور: ٥٥، وقوله ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ غافر: ٦٠، وغيرها من الآيات (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>ثانيًا: بيان أهمية توحيد الأسماء والصفات:</span>\nمدار الإيمان بالله - ﷿ -، على توحيد الأسماء والصفات؛ لأن الإيمان بالله لا يتحقَّق إلاَّ بالإيمان بأسمائه وصفاته (٢)، الواردة في كتابه العزيز، والثَّابتة عن رسوله الأمين من غير تَحريف ولا تعْطيل ولا تكْييف ولا تَمثيل (٣)، فالإيمان بالرسول - ﷺ - يتضمَّن الإيمان بكلّ ما أخبر به عن مرْسله، والإيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله يتضمَّن الإيمان بكل ما جاء فيه من صفات الله - ﷿ -.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"وما وصف الرَّسول - ﷺ - به ربَّه - ﷿ - من الأحاديث الصِّحاح التي تلقَّاها أهل المعرفة بالقبول، وجب الإيمان بها كذلك، مثل قولِه - ﷺ -: «ينزل ربُّنا إلى السَّماء الدنيا كلَّ ليلة حين يبقى ثلُث الليل الآخر، فيقول: مَن يدعوني فأستجيب له؟ مَن يسألني فأعطيه؟ مَن يستغفرني فأغفر له؟» (٤)، وقوله - ﷺ -: «لله أشدُّ فرحًا بتوبة عبدِه من أحدِكم براحلته» (٥)، وقوله - ﷺ -: «يضْحك الله إلى رجُلين يقتُل أحدهُما الآخر\n_________\n(١) ينظر: فتاوى الشيخ ابن عثيمين (١/ ٢٦).\n(٢) الإيمان بالله يتضمَّن أربعة أمور:\n١ - الإيمان بوجودِه ﷾.\n٢ - والإيمان بربوبيَّته.\n٣ - والإيمان بانفرادِه بالألوهيَّة.\n٤ - والإيمان بأسمائه وصفاته. ينظر: شرح العقيدة الواسطيَّة، لابن عثيمين (ص ٤٧).\n(٣) ينظر: العقيدة الصحيحة وما يضادّها لابن باز (ص ١٣).\n(٤) رواه البخاري في كتاب الجمعة، باب: الدّعاء في الصَّلاة من آخر الليل، برقم (١٠٧٧)، ورواه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: التَّرغيب في الدّعاء والذكر في آخر الليل، برقم (١٢٦١).\n(٥) رواه مسلم، في كتاب: التوبة، باب: في الحض على التوبة والفرح بها، برقم (٤٩٣١).","vol":"1","page":273},{"text":"كلاهُما يدخل الجنَّة» (١)، وقوله: «عجِب ربُّنا من قنوط عبادِه وقرب غيره ينظر إليكم أزلين قنِطِين فيظل يضحك يعلم أنَّ فرجكم قريب» (٢)، إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسولُ الله - ﷺ - عن ربِّه بما يخبر به.\nفإنَّ الفرقة النَّاجية - أهل السنَّة والجماعة - يُؤْمنون بذلك كما يؤمنون بِما أخبر الله به في كتابِه العزيز، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيل، بل هم الوسط في فرق الأمَّة كما أنَّ الأمة هي الوسط في الأمم، فهم وسط في باب صفات الله - ﷾ - بين أهل التَّعطيل الجهميَّة، وأهل التَّمثيل المشبِّهة\" (٣). اهـ.\n\"فنفي حقائق أسمائه وصفاته متضمّن للتَّعطيل والتَّشبيه، وإثبات حقائقها على وجْه الكمال الَّذي لا يستحقُّه سواه هو حقيقة التَّوحيد والتنزيه، فالمعطّل جاحد لكمال المعبود والممثّل مشبّه له بالعبيد، والموحد مبينٌ لحقائق أسمائه وكمال أوْصافه، وذلك قطب رحى التَّوحيد، فالمعطّل يعبد عدمًا، والممثِّل يعبد صنمًا، والموحّد يعبد ربًّا ليس كمثله شيءٌ، له الأسماء الحسنى والصّفات العلى، وسِع كلَّ شيء رحمةً وعلمًا\" (٤).\n\"لذلك فإنَّ: إثبات صفات الكمال هو أصل التَّوحيد\" (٥).\nيقول الشَّيخ محمَّد بن عبدالوهَّاب - ﵀ -: \"فمَن أنكر الصفات فهو معطّل، والمعطّل شرّ من المشرك؛ ولهذا كان السَّلف يسمّون التَّصانيف في إثبات الصّفات كتب التَّوحيد، وختمَ البخاري صحيحه بذلك؛ قال: كتاب التَّوحيد، ثمَّ ذكر الصفات بابًا بابًا، فنكْتة المسألة أنَّ المتكلمين يقولون: التَّوحيد لا يتم إلاَّ بإنكار الصّفات، فقال أهل السنَّة: لا يتمّ التَّوحيد إلاَّ بإثبات الصفات، وتوحيدكم هو التَّعطيل؛ ولهذا آل هذا القولُ ببعضهم إلى إنكار الرَّبّ -\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: الكافر يقتل المسلم ثم يسلم، برقم (٢٦١٤)، ورواه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، برقم (٣٥٠٤).\n(٢) رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٢) وابن ماجة، في كتاب المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية برقم (١٨١)، ورواه ابن خزيمة في التوحيد (ص ٢٣٥)، وابن أبى عاصم في السنة رقم (٥٥٤) والبيهقي في الأسماء والصفات ص (٤٧٣). والحديث حسنه الألباني في الصحيحة برقم (٢٨١٠).\n(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ١٣٨ - ١٤١).\n(٤) الصواعق المرسلة (١/ ١٤٧).\n(٥) إغاثة اللهفان (٢/ ٥٨٨).","vol":"1","page":274},{"text":"﵎ - كما هو مذهب ابن عربي وابن الفارض وفئام من النَّاس لا يُحصيهم إلاَّ الله\" (١).\nكما أنه \"لا حياةَ للقلوب، ولا نعيم ولا لذَّة، ولا سرور ولا أمان ولا طمأنينة، إلاَّ بأن تعرف ربَّها ومعبودَها وفاطرها، بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون أحبَّ إليْها ممَّا سواه، ويكون سعيها في ما يقرِّبُها إليه ويدْنيها من مرضاته\" (٢).\nوتحقيق توحيد الأسماء والصفات يثمر للعبد \"من أنواع العبوديَّة الظَّاهرة والباطنة بِحسب معرفته وعلمه، وكذلك معرفته بِجلال الله وعظمته وعزّه تُثْمِر له الخضوع والاستِكانة والمحبَّة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبوديَّة الظاهرة هي موجباتُها، وكذلك علمه بكماله وجَماله وصفاته العلا يوجِب له محبَّة خاصَّة بمنزلة أنواع العبوديَّة، فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصّفات وارتبطتْ بها ارتباط الخلْق بِها، فخلقه -سبحانَه- وأمره هو موجب أسمائه وصفاته في العالم وآثارها ومقتضاها\" (٣).\nقال ابن القيم - ﵀ -: ومشهد الأسماء والصفات من أجل المشاهد، والمطلع على هذا المشهد يعرف: أن الوجود متعلق خلقًا، وأمرًا بالأسماء الحسنى، والصفات العلا، ومرتبط بها، وأن كل ما في العالم بما فيه من بعض آثارها ومقتضياتها، فاسمه الحميد المجيد، يمنع ترك الإنسان سدى مهملًا معطلًا، لا يؤمر، ولا يُنهى، ولا يثاب، ولا يعاقب، وكذلك اسمه (الحكيم) يأبى ذلك، وهكذا فكل اسم من أسمائه له موجبات، وله صفات لا ينبغي تعطيلها عن كمالها، ومقتضياتها، والرب تعالى يحب ذاته، وأوصافه، وأسماءه، فهو عفو يحب العفو (٤).\n_________\n(١) الدرر السنية (١/ ٧٠)، وينظر: عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي، لصالح العبود (١/ ٤٧٠).\n(٢) الصَّواعق المرسلة (١/ ١٤٧).\n(٣) مفتاح دار السعادة (١/ ١٣٧).\n(٤) مدارج السالكين (٢/ ٤١٧ - ٤١٩).","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في توحيد الأسماء والصفات</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>تمهيد:</span>\nلما كانت النفوس مجبولة على محبة الله - ﷿ - وتعظيمه وعبادته، كانت مفطورة (١) كذلك على أنه أكمل وأجل وأعظم من غيره (٢)، بالإضافة إلى ثبوت معنى الكمال له - ﷿ - في نصوص الشرع، وصريح العقل.\nوهكذا مضى عصر الصحابة بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال (٣)، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة، كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم (٤).\nثم اختلف الناس في هذا الباب بعد ائتلاف، وبسقت قرون البدع، ونبتت نوابت فرقة واختلاف، فكانوا طوائف ثلاث:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>الأولى: أهل الجفاء</span>، القائلون: بنفي أسماء الله وصفاته وتعطيلها، وبعضهم أثبت الأسماء ونفى الصفات، وأمثلهم أثبت الأسماء وبعض الصفات، ونفى أو أوّل البعض الآخر، وهم طوائف متفاوتة، نفوا جُلّ أو كلّ ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله - ﷺ -، من الصفات بدعوى عدم صحة النصوص، أو بتعطيل المعنى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>الثانية: أهل الغلو</span>، الذين مالوا إلى ضروب من التمثيل والتشبيه، وهم طوائف ما بين مشبه للمخلوق بالخالق، ومشبِّه للخالق بالمخلوق؛ لأن عقولهم ضلت في فهم نصوص\n_________\n(١) الفطرة: هي السلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة، ولا يلزم من كون الإنسان مولودًا على الفطرة وهي السلامة، أن يكون معتقدا للحق بتفصيله، فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، ولكن فطر الخلق على سلامة القلب وخلوه من الباطل، والاستعداد لقبول الحق الذي هو الإسلام، بحيث لو سلم من كل مانع يؤثر فيه، لما قبل إلا الحق.\nينظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٤٥، ٢٤٧).\n(٢) ينظر: القواعد المثلى (ص ٥٤).\n(٣) قال شيخ الإسلام: \" وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد -إلى ساعتي هذه- عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئًا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف\". مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩٤).\n(٤) ينظر: إعلام الموقعين (١/ ٥١ - ٥٢).","vol":"1","page":276},{"text":"الصفات، وتوهموا أنها صريحة في التشبيه، فشبهوا ذات الخالق بذات المخلوق، وصفات الخالق بصفات المخلوق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>الثالثة: أهل السنة والجماعة</span>، الذين سلِموا من ضلالة النفي والتعطيل، ولم يرتكسوا في حمأة التشبيه والتمثيل، وكانوا بين ذلك على هدي قاصد وصراط مستقيم (١).\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" هذه مسألة كبيرة عظيمة القدر، اضطرب فيها خلائق من الأولين والآخرين، من أوائل المائة الثانية من الهجرة النبوية، فأما المائة الأولى فلم يكن بين المسلمين اضطراب في هذا، وإنما نشأ ذلك في أوائل المائة الثانية؛ لمَّا ظهر الجعد بن درهم، وصاحبه الجهم بن صفوان، ومَنِ اتبعهما من المعتزلة وغيرهم على إنكار الصفات، فظهرت مقالة الجهمية النفاة؛ نفاة الصفات ... فلما ظهر هؤلاء الجهمية، أنكر السلف والأئمة مقالتهم وردوها، وقابلوها بما تستحق منَ الإنكار الشرعي، وكانت خفية إلى أن ظهرت وقويت شَوكةُ الجهمية في أواخر المائة الأولى، وأوائل الثانية في دولة أولاد الرشيد، فامتحنوا الناس المحنة المشهورة التي دعوا الناس فيها إلى القول بخلق القرآن، ولوازم ذلك؛ مثل إنكار الرؤية والصفات، بناء على أن القرآن هو من جملة الأعراض، فلو قام بذات الله، لقامت به الأعراض، فيلزم التشبيه والتجسيم.\nوحدث مع الجهمية قوم شبهوا الله تعالى بخلقه، فجعلوا صفاته من جنس صفات المخلوقين، فأنكر السلف والأئمة على الجهمية المعطلة، وعلى المشبهة الممثلة\" (٢).\nوبالجملة فموقف المبتدعة من نصوص الصفات يتسم بالإفراط والتفريط، فكلا الفريقين ضل في باب الصفات، وأعرضوا عن قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١.\n_________\n(١) ينظر: وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٣٠٧)، والأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات (١/ ١٢٨) وما بعدها.\n(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٣ - ٣٥).","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>وأسباب انحراف الفرق في توحيد الأسماء والصفات، ترجع إلى سببين رئيسين </span>هما:\n١ - خوضهم في تصور كيفية اتصاف الرب بهذه الصفات، مما أوقعهم في التشبيه العقلي بين الخالق والمخلوق، ومن ثم الخوض بالمبالغة في التنزيه أو الإثبات، مما أدى بهم إلى التمثيل والتعطيل.\n٢ - الخلل في طريقة الاستدلال، وذلك باعتمادهم على مقدمات وأقيسة عقلية، جعلوها مصدر هداية، وأصلًا يُصار إليه عند الاختلاف، وادَّعوا أن النصوص التي جاءت بها الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في إثبات الصفات تبعٌ لها (١)؛ لذا فقد صيروا هذه الأصول عمدة لهم في توحيد الله تعالى، فنتج عن التزامهم بها، إنكار صفات الله - ﷿ -، بل تشبيهه - ﷿ - بالمعدومات التي تحيلها العقول في التصور الذهني؛ لأن مدار الإثبات والنفي عندهم على ما يزعمونه من العقليات (٢) لا على النقل.\nوهؤلاء المبتدعة إنما توهموا هذه اللوازم لما فسدت ألسنتهم وعقولهم، ومن أجل هذا فقد، انقسم الناس إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان!؛ لإعراضهم عن هدي المرسلين واتباعهم غير سبيل المؤمنين. وبيان ذلك في المطلبين الآتيين.\n_________\n(١) فما سوغت عقولهم اتصاف الله به من الصفات أثبتوه، مدعين أن هذه الصفة من صفات الكمال، فيجب إثباتها لله تعالى، غاضين النظر عن ثبوتها في الشرع أو عدمه. وما لم تسوّغه عقولهم نفوه، زاعمين أن تلك الصفة من صفات النقص، فيجب نفيها عن الله - ﷿ -، ولو كانت ثابتة بنص القرآن الكريم.\nينظر: الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات (١/ ١٢٨) وما بعدها.\n(٢) العقليات الصريحة لا تعارض النقل الصحيح بحال، المراد هنا العقليات الفاسدة.","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في توحيد الأسماء والصفات</span>.\nمذاهب المعطلة النفاة -على اختلاف درجاتهم في التعطيل- في توحيد الأسماء والصفات من حيث العموم، تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>القسم الأول: نفي جميع الأسماء والصفات: </span>وهذا قول الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام، سواء كانوا أصحاب فلسفة محضة، أو فلسفة باطنية صوفية، أو فلسفة باطنية رافضية، وهو قول الجهمية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>القسم الثاني: نفي الصفات دون الأسماء: </span>وهذا قول المعتزلة، ومن وافقهم كابن حزم الظاهري، والزيدية، والرافضة، والإباضية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>القسم الثالث: إثبات الأسماء وبعض الصفات ونفي البعض الآخر: </span>وهذا قول الكلابية والأشاعرة والماتريدية (١).\nولم يصلوا إلى هذه المرحلة من التعطيل، إلا بعد أن حرفوا كتاب الله، وألحدوا في دين الله، وقالوا على الله، وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب (٢).\n\nومن خلال ما سبق يمكننا الوقوف على<span data-type=\"title\" id=toc-283> طرق الانحراف المؤدية إلى التفريط في توحيد الأسماء والصفات</span>، وهي:\n- أولًا: إرادة تنزيه الله - ﷿ - عن مماثلة (٣) الخلق:\n_________\n(١) ينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٦، ٦٥)، مقالة التعطيل والجعد بن درهم، أ. د. محمد خليفة التميمي (ص ٢٤ - ٢٥).\n(٢) مقدمة كتاب الرد على الجهمية والزنادقة لإمام أحمد (ص ٨٥).\n(٣) اختلف أهل البدع اختلافًا شديدًا في تعريف التمثيل، حتى وقعوا في أعظم التناقض، فتارة يزعمون أن التمثيل المنفي في القرآن إنما هو التمثيل في الذات، لا في الصفات، وتارة ينفون ذلك، وتارة يقولون بنقيض ذلك، وأن التمثيل في المنفي إنما هو في بعض الصفات، وأما ذاته تعالى فمماثلة لسائر الذوات، ومنهم من يقول: المماثلة المنفية هي المشاركة في أخص صفات النفس، ومنهم من يقول: في كل صفات النفس، إلى آخر تلك الأقوال التي لا زمام لها ولا خطام. فكل من نفى شيئا سمى من أثبته: مشبهًا ممثلًا، فالفلاسفة يسمون المعتزلة مشبهة، والمعتزلة يسمون الأشعرية مشبهة، والأشعرية يسمون أهل السنة بذلك، حتى صار لفظ التشبيه عند هؤلاء لفظًا مجملًا مشتركًا، ليس له ضابط يضبطه، ولا حدٌّ يبينه.\nينظر: بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٧٧)، ودرء التعارض (٥/ ١٨٣)، وقلب الأدلة على الطوائف المضلة في توحيد الربوبية والأسماء والصفات، لتميم القاضي (٢/ ٧١٠).","vol":"1","page":279},{"text":"إن أصل التعطيل ومنشأ التفريط في توحيد الأسماء والصفات، ونفي ما أثبته الله - ﷿ - لنفسه أو أثبته له رسوله - ﷺ -؛ هو دعوى نفي التشبيه، \"فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فجمعوا بين التمثيل والتعطيل، فمثلوا أولًا، وعطلوا آخرًا، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله - ﷿ - \" (١)، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الأنعام: ٩١.\nوشبهة أصحاب هذا الاتجاه في نفيهم المحض لأسماء الله وصفاته أو بعضها، قائمة في مجملها على نفي التشبيه (٢)، وقالوا: إننا إذا أثبتنا هذه الأسماء الحسنى، فإننا نكون قد شبهناه بالموجودات، وقال غلاة الغلاة منهم: لا يوصف الله بالنفي ولا الإثبات؛ لأن في كل منهما تشبيها له؛ فرارا -بزعمهم- من تشبيهه بالموجودات إذا أثبتوا، أو تشبيهه بالمعدومات إذا نفوا، فكلا المسلكين قائم على زعم نفي التشبيه (٣)، وهؤلاء كلهم وقعوا من جنس التشبيه فيما هو شرٌّ مما فَرُّوا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعاتِ، والمعدومات، والجمادات؛ فرارًا من تشبيهه بالأحياء بزعمهم (٤).\nوإذا لم يقدروا على النفي أو التعطيل، لجأوا إلى التأويل (٥)،\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" وحقيقة الأمر أن كل طائفة تتأول ما يخالف نحلتها ومذهبها، فالمعيار على ما يُتأول وما لا يُتأول هو المذهب الذي ذهبت إليه والقواعد التي أصلتها، فما وافقها أقروه ولم يتأولوه، وما خالفها فإن أمكنهم دفعه وإلا تأولوه ... ولما أصَّلت الجهمية أن الله لا يتكلم ولا يُكَلِّم أحدًا ولا يُرى بالأبصار ولا هو فوق عرشه مبائن لخلقه، ولا له صفة تقوم به؛ أولوا كل ما خالف ما أصلوه ... ولما أصلت الكلابية أن الله سبحانه لا يقوم به ما يتعلق بقدرته ومشيئته، وسموا ذلك حلول الحوادث؛ أولوا كل ما خالف هذا الأصل\" (٦).\n_________\n(١) الحموية (ص ٢٦٧ - ٢٦٨)، وينظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٢٠٩)، ودرء التعارض (٨/ ١٣٢).\n(٢) شبهتهم الرئيسية في نفيهم لما نفوه من الصفات، نفيُ حلول الحوادث والأعراض بذات الله - ﷿ -، لكي لا يشبه المخلوقين.\n(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥)، والتدمرية (١٢ - ١٦)، وجهود شيخ الإسلام في باب أسماء الله الحسنى (ص ٨١٠).\n(٤) ينظر: التدمرية (ص ١٨٣).\n(٥) التأويل في أسماء الله وصفاته: هو الميل والعدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها إلى الإشراك والتعطيل والكفر.\n\nينظر: مختصر الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية (ص ٣٢)، المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية د. إبراهيم البريكان (ص ٣٣).\n(٦) الصواعق المرسلة (١/ ٢٣٠ - ٢٣١).","vol":"1","page":280},{"text":"ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاقُ النفي على ما أثبته الله تعالى لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العلى؛ بل هذا جحدٌ للخالق وتمثيل له بالمعدومات (١).\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: وصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات، أو صفات المعدومات، تعطيل لصفات الكمال التي يستحقها الرب تعالى، وتمثيل له بالمنقوصات والمعدومات، وتعطيل للنصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحدًا في أسماء الله وآياته (٢).\nوقال - ﵀ -: \" فالذي ينفى عنه وينزه عنه: إما أن يكون مناقضًا لما علم من صفاته الكاملة، فهذا ينفى عنه جنسه، كما قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ البقرة: ٢٥٥، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ الفرقان: ٥٨، فجنس السنة والنوم والموت ممتنع عليه، لا يجوز أن يقال في شيء من هذا: أنه يجوز عليه كما يليق بشأنه؛ لأن هذا الجنس يوجب نقصًا في كماله. كذلك لا يجوز أن يقال: هو يكون في السفل لا في العلو، وهو سفول يليق بجلاله. فإنه - ﷾ - العلي الأعلى لا يكون قط إلا عليًا، والسفول نقص هو منزه عنه ...\nوالنوع الثاني: أنه منزه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته\" (٣).\nفغلوهم في التنزيه أوصلهم إلى مشابهة المشركين، ففرطوا في أسمائه وصفاته حتى أدى بهم هذا التفريط إلى سوء الظن بالله - ﷿ - وهو من أكبر الذنوب التي يستحق بها العبد غضب الله ولعنته - ﷾ -.\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٥/ ١٩٨)، ومنهاج السنة النبوية (٢/ ٥٢٤).\n(٢) ينظر: التدمرية (ص ٧٩ - ٨١).\n(٣) مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٢٥ - ٤٢٦)، وينظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٩٧ - ٩٩، ٣٦٣)، ومنهاج السنة (٨/ ٢٩)، وشرح الأصبهانية (ص ٤٣٢ - ٤٣٣).","vol":"1","page":281},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-285> ثانيًا: التزامهم لوازم باطلة بنيت على قواعد خاطئة:</span>\nمنهج المعطلة في الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة النبوية قائم على ردّ النصوص الصحيحة الثابتة، بالطعن في دلالتها أو في ثبوتها (١)،\nفما كان من القرآن الكريم أو السنة المتواترة، قالوا: إنه ظني الدلالة، وما كان من السنة الصحيحة قالوا إنه أخبار آحاد، ليس قطعي الثبوت، أما عقلياتهم وأوهامهم، وقواعدهم التي وضعوها فإنها قطعية الدلالة، ولا يقوى القرآن والسنة على معارضتها فوجب تقديمها عليهما -كما زعموا-، وإن وافقت معقولاتهم ذكروها استئناسًا بها لا اعتمادًا، ولو كانت ضعيفة أو موضوعة باطلة (٢).\nولما اعتمد أهل البدع على كليات عقلية وقواعد منطقية، وقدموها على نصوص الشرع، لزمتهم لوازم باطلة منها:\n١ - الاحتكام إلى العقول، وجعلها مقياسًا لإثبات صفات الله - ﷿ -.\n٢ - ردهم لنصوص الشرع؛ لأن من منهج المعطلة ادعاءهم أن نصوص الصفات ونحوها من المتشابه، والمتشابه على زعمهم يجب تأويله، وغرضهم الحقيقي رد النصوص التي لا توافق ما أصلوه من قواعد عقلية، أو تعطيل معانيها، إذا لم يمكنهم ردها بالكلية (٣).\n٣ - لما نفى الفلاسفة عموم علم الله تعالى بخلقه وقالوا: إنه يعلم الكليات فحسب، ولا يعلم الجزئيات، لما ظنوا ذلك ارتكبوا محارمه وترك التوكل عليه واستحلوا مخاصمته ومدافعة أمره ونهيه بأهوائهم ومقالاتهم الباطلة .... ومن عجيب أقوال\n_________\n(١) قال ابن القيم: \" وجاء أفضل متأخريهم فنصب على حصون الوحي أربعة مجانيق.\nالأول: أنها أدلة لفظية لا تفيد اليقين\nالثاني: أنها مجازات واستعارات لا حقيقة لها\nالثالث: أن العقل عارضها فيجب تقديمه عليها\n\nالرابع: أنها أخبار آحاد وهذه المسائل علمية فلا يجوز أن يحتج فيها بالأخبار\". الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٣٩).\n(٢) ينظر: النفي في باب صفات الله - ﷿ -، أرزقي سعيداني (ص ٨٨).\n(٣) ينظر: الصواعق المرسلة (٣/ ٩٩٠ - ٩٩١)، والنفي في باب صفات الله - ﷿ - (ص ٩٠).","vol":"1","page":282},{"text":"الشيخ تقي الدين ابن تيمية أنه قال: لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف (١)، ولا من القدرية النفاة، القائلين: بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء، ولا يستقيم أيضا من الجهمية النفاة لصفات الرب -ﷻ-، ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات (٢).\n٤ - أنه إذا انتفت صفة الكمال عن الله لزم أن يكون متصفًا بصفات النقص، فإن كل موجود في الخارج لابد له من صفة فإذا انتفت عنه صفات الكمال لزم أن يكون متصفًا بصفات النقص، وبهذا ينعكس الأمر على هؤلاء النفاة ويقعون في شر مما فروا منه (٣).\n٥ - القول بأن إثبات العلم والقدرة والإرادة مستلزم لتعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع، وقد انطلقوا من شبهة التركيب (٤)، وعطلوا الله - ﷿ - عن صفاته جميعًا.\n٦ - أثبتوا لله صفة واحدة وهي القِدم لما كانت أخص وصف لله - ﷿ -، لا يشاركه فيها غيره، من أجل هذا كان العالم بكل ما فيه من أجسام محدثًا (٥)، وذلك أنهم أقاموا دليلهم لإثبات وجود الله - ﷿ - على حجة الأعراض وحدوث الأجسام، فقالوا بحدوث الأجسام، لملازمتها للأعراض، أو بعضها، كالحركة والسكون، والاجتماع والافتراق؛ فهي إذًا حادثة، والله - ﷿ - ليس بجسم -وقد نقل غير واحد إجماعهم على ذلك- إذًا فهو ليس بحادث، وجوده - ﷿ - قديم (٦).\n_________\n(١) وتفسير هذه الجملة بما حاصله: أنه كيف يتوكل الفيلسوف على الله وهو يظن أنه لا يسمعه ولا يبصره ولا يعلم جزئيات حياته فكيف يعتمد على مثل هذا الرب! ! .\n(٢) ينظر: مدارج السالكين (٢/ ١٢٣)، طريق الهجرتين (ص ٤٢٣).\n(٣) ينظر: فتح رب البرية بتلخيص الحموية، شرح ابن عثيمين (ص ٨٨).\n(٤) هذه الشبهة فلسفية في أصلها، تلقفها المعتزلة عنهم، لكن المعتزلة لم يشاركوا الفلاسفة إلا في القول بنفي نوع واحد من أنواع التراكيب الخمسة التي قال بها الفلاسفة، فقد ذهب الفلاسفة إلى أن التركيب خمسة أنواع:\nتركيب الموجود من الوجود والماهية ٢ - تركيب الحقيقة من الجنس والفصل. ٣ - تركيب الموجود من الذات والصفات. ٤ - تركيب الجسم من الجواهر المنفردة. ٥ - تركيب الجسم من المادة والصورة.\nينظر: الأصول التي بني عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات، أ. د. عبد القادر عطا صوفي (٣/ ١٦٣ - ٢٠١).\n(٥) ينظر: شرح الأصول الخمسة (ص ١٣٠ - ١٣١).\n(٦) ينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٥)، منهاج السنة (٣/ ٣٦١)، ودرء التعارض (١/ ٣٠٥).","vol":"1","page":283},{"text":"وهم يحاولون إيهام الناس أنهم إنما أرادوا من تعطيل الله - ﷿ - عن الاتصاف بصفاته العلا، تنزيهه - ﷿ - عن أن يكون جسمًا، أو أن تحل به الحوادث (١).\n٧ - كما أنهم زعموا أنه إذا أُثبِت لله - ﷿ - الأسماء، لزم من ذلك إثبات الصفات، وهي المعاني التي اشتقت منها هذه الأسماء، وهو محال؛ لأن مذهبهم قائم على نفي جميع الصفات الثبوتية، وأن الله - ﷿ - لا يوصف إلا بصفة سلبية أو إضافية أو مركبة منهما (٢).\n٨ - دعواهم أن وجود الله - ﷿ - هو وجودٌ مطلق لا بشرط (٣)، ومرادهم من الشرط هو التقيد باسم أو صفة تجعله متميزًا عن غيره، وإنما حقيقة وجوده هو وجود الأشياء كلها، ووجودها عين وجوده، ما ثمة فرق إلا بالإطلاق والتقييد؛ فيقال: هذا خالق وهذا مخلوق وهذا سماء وهذه أرض، وحقيقة وجود الكل واحدة، فأسماؤه -﷾- تعطى لك أحد؛ لأن وجوده هو عين وجودها (٤).\n٩ - إن الانحراف في مصدر التلقي ومنهج الاستدلال بالنصوص من الكتاب والسنة نتج عنه انحراف عند المعطلة في مفهوم التوحيد الذي جاءت به الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم-، من إفراد الله - ﷿ - بالعبادة، إلى الخوض في الجواهر والأعراض وتقرير وجود الله - ﷿ - بالأدلة العقلية المعقدة التي لا يفهمها معظم الخواص فضلًا عن العوام، على ما بينهم من اختلاف في تقرير مقدمات الأدلة التي يستدلون بها، وتعطيل الله - ﷿ - عن كماله المقدس بنفي أسمائه الحسنى وصفاته العلا.\n١٠ - تعطيل الله - ﷿ - عن صفاته العلا وأسمائه الحسنى، حتى أدى بهم هذا التفريط، إلى سوء الظن بالله - ﷿ -، وهو من أكبر الذنوب.\n_________\n(١) ينظر: درء التعارض (٢/ ١١ - ١٢).\n(٢) ينظر: جهود شيخ الإسلام في باب أسماء الله الحسنى (ص ٨١٠)، وينظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥)، والتدمرية (١٢ - ١٦).\n(٣) وهذا قول ملاحدة الصوفية، حيث جعلوا الله هو الوجود من حيث هو هو، مع قطع النظر عن كونه واجبًا وممكنًا، وواحدًا وكثيرًا.\nينظر: درء التعارض (١/ ٢٩٠).\n(٤) ينظر: الصفدية (١/ ١١٦ - ١١٧)، مجموع الفتاوى (٢/ ٢٦)، (٢/ ٣٨).","vol":"1","page":284},{"text":"١١ - القول بفناء الجنة والنار؛ لأنهم ظنوا أن كل ما تقارنه الحوادث فهو محدث، فمنعوا التسلسل في الماضي والمستقبل حتى لا تتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية (١).\n١٢ - الإلحاد والتشكيك في وجود الرب، قال ابن القيم - ﵀ -: \" فالجهمية والمعتزلة تزعم أن ذاته لا تُحب ووجهه لا يرى، ولا يلتذ بالنظر إليه ولا تشتاق القلوب إليه فهم في الحقيقة منكرون الإلهية\" (٢).\n١٣ - أن الجهل بالله -﷾- والإلحاد في أسمائه وصفاته أصل الكفر والشرك والتعطيل، كما أن الغفلة عن المعرفة بهذا الباب العظيم سبب رئيس في ضعف محبة الله والخوف منه ورجائه في قلوب العباد ومن ثم بعدهم عن سمت العبودية وما يتبع هذا من مظاهر السلوك غير السوي.\n١٤ - أن الكتاب والسنة صرحا بالكفر والدعوة إليه؛ لأنهما مملوءان من إثبات صفات الله التي زعم هؤلاء النفاة أن إثباتها تشبيه وكفر.\n١٥ - أن الكتاب والسنة لم يبينا الحق؛ لأن الحق عند هؤلاء هو نفي الصفات، وليس في الكتاب ولا في السنة ما يدل على نفي صفات الكمال عن الله لا نصًا ولا ظاهرًا.\n١٦ - أن السابقين الأولين من المهاجرين، والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان كانوا قائلين بالباطل وكاتمين للحق، أو جاهلين به، فإنه قد تواتر النقل عنهم بإثبات صفات الكمال لله الذي زعم هؤلاء أنه باطل، ولم يتكلموا مرة واحدة بنفي الصفات الذي زعم هؤلاء أنه الحق وهذا اللازم ممتنع على خير القرون وأفضل الأمة.\nوالذي جلب لهم هذا الخلط والاضطراب: توهمهم أن هناك معارضة بين العقل والنقل ولما كان العقل عندهم مقدسًا منزهًا عن الخطأ؛ نفوا وعطلوا وأولوا ما دل عليه النقل\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، درء التعارض (١/ ٣٩ - ٤٠).\n(٢) مدارج السالكين (٣/ ٤٢٩).","vol":"1","page":285},{"text":"من أسماء الله تعالى وصفاته، وركنوا إلى قواعدهم العقلية وأصولهم الفلسفية، وجعلوها عمدة في ردّ ما ورد به الشرع بدعوى معارضته لها (١).\nوهكذا نلحظ أن كثيرًا من انحراف هؤلاء، إنما هو نتيجة التزامهم بما اعتمدوه من كليات عقلية وقواعد منطقية، أدت بهم إلى التفريط في باب أسماء الله - ﷿ - وصفاته، والحقيقة أنهم إنما توهموا هذه اللوازم لمَّا فسدت ألسنتهم وعقولهم، فوقعوا في الفرقة والضلال، والشك والريبة والوبال، وصاروا كالذين وصفهم الله -بعد هذه الآية أيضًا_ بقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾ الشورى: ١٤، فنعوذ بالله من الخذلان (٢).\n\n- ثالثًا: القياس الفاسد (٣) في العقليات، والتأويل الفاسد في السمعيات:\nالقياس الفاسد لا ينضبط كما أن التأويل الفاسد ليس له قانون مستقيم. وذلك أن كلا منهما غير مرتكز على نقل صحيح أو عقل صريح. والتأويل الخطأ يكون في النصوص المتشابهة؟ وذلك كألفاظ نصوص صفات الله وألفاظ نصوص صفات المخلوقين قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ المائدة: ٥٤، وقال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ طه: ٥، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ المؤمنون: ٢٨، فتأولت المبتدعة مدلول نصوص صفات الله لما بين النصوص من التشابه.\nوالقياس الخطأ يكون في المعاني المتشابهة حيث أن كلا من المقيس والمقيس عليه له نصيب من المعنى الكلي المشترك (٤)، فـ\"ما من شيئين إلا ويجتمعان في شيء، ويفترقان في شيء، فبينهما اشتباه من وجه وافتراق من وجه، ولهذا كان ضلال بني آدم من قبل التشابه، كما قال الإمام أحمد - ﵀ -: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس، فالتأويل في\n_________\n(١) ينظر: النفي في باب صفات الله - ﷿ - (ص ٩١ - ٩٢)، وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - كتابه الكبير: \"درء تعارض العقل والنقل\" في إبطال هذه الدعوى.\n(٢) ينظر: قلب الأدلة على الطوائف المضلة في توحيد الربوبية والأسماء والصفات (ص ٧٨٧ - ٧٩٠).\n(٣) وهو القياس على غير أصل، فلا أصل له من كتاب ولا سنة ولا إجماع، وهو عمدة كل مبتدع؛ لأن العقول تستحسن ما لا يستحسن شرعًا.\nينظر: الاعتصام للشاطبي (١/ ٣٤١) (٢/ ١٧) (٣/ ٢٤١).\n(٤) التحفة المهدية شرح العقيدة التدمرية، لفالح الدوسري (١/ ٢١٧).","vol":"1","page":286},{"text":"الأدلة السمعية، والقياس في الأدلة العقلية، وهو كما قال، والتأويل الخطأ إنما يكون في الألفاظ المتشابهة، والقياس الخطأ إنما يكون في المعاني المتشابهة\" (١).\nووجه خطئهم من جهة التأويل تلاعبهم بالنصوص، وإساءة الظن بها، ونسبة قائلها إلى التكلم بما ظاهره الضلال والإضلال، وليس لهم على ذلك حجة من كتاب ولا سنة، بل العمدة عندهم نحاتة الأفكار، وزبالة الأذهان.\nووجه خطئهم من جهة القياس (٢) أنهم أتوا بألفاظ مجملة ليست في الكتاب ولا في السنة مثل متحيز ومحدود، وجسم ومركب، ونحو ذلك وجعلوا منها مقدمات مسلما بها عندهم ومدلولا عليها بنوع قياس، وذلك القياس أوقعهم فيه مسلك سلكوه في إثبات حدوث العالم بحدوث الأعراض؟ أو إثبات إمكان الجسم بالتركيب من الأجزاء، فوجب طرد الدليل بالحدوث والإمكان لكل ما شمله هذا الدليل (٣).\nوقد ذكر الإمام ابن القيم - ﵀ - خطر قياس الخالق سبحانه على المخلوق في الشفاعة وغيرها قال: \"وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام، واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والوليّ\" (٤). وإنما يستجيز القول بالباطل والقياس الفاسد من أعماه التقليد لأهل البدع وأصمه، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ الحج: ٤٦.\nمن أجل هذا بنى الدهريون والمشركون ومعطلة الصفات وسائر أهل الضلال، مذاهبهم على القياس الفاسد (٥)، فضلوا عن سواء السبيل، وما أنكروا ما أنكروه؛ إلا لجهلهم به، وكونه لا تدركه عقولهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالغيب.\n_________\n(١) التدمرية (ص ١٠٧).\n(٢) إلا أنه يستعمل في حق الله -﷾- قياس الأولى، وهو المثل الأعلى، الذي وصف الله به نفسه كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ النحل: ٦٠، وحقيقته: أن كل كمال ثبت وليس فيه نقص بوجه من الوجوه فالله أولى به، لأن معطي الكمال أولى به مع التفاوت بين تلك الكمالات. ينظر: الرد على المنطقيين (ص ١٥٤)، شرح الطحاوية (١/ ٨٧)، الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه، لمحمد أمان الجامي (ص ١١٧).\n(٣) التحفة المهدية شرح العقيدة التدمرية، لفالح الدوسري (١/ ٢١٧).\n(٤) إغاثة اللهفان (١/ ٢٢١).\n(٥) \"فما أنكرت الجهمية صفات الرب وأفعاله وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه وكلامه وتكليمه لعباده ورؤيته في الدار الآخرة إلا من القياس الفاسد، وما أنكرت القدرية عموم قدرته ومشيئته وجعلت في ملكه ما لا يشاء وأنه يشاء ما لا يكون إلا بالقياس الفاسد، وما ضلت الرافضة وعادوا خيار الخلق وكفروا أصحاب محمد - ﷺ - وسبوهم إلا بالقياس الفاسد، وما أنكرت الزنادقة والدهرية معاد الأجسام وانشقاق السماوات وطي الدنيا وقالت بقدم العالم إلا بالقياس الفاسد، وما فسد ما فسد من أمر العالم وخرب ما خرب منه إلا بالقياس الفاسد، وأول ذنب عصي الله به القياس الفاسد، وهو الذي جر على آدم وذريته من صاحب هذا القياس ما جر، فأصل شر الدنيا والآخرة جميعه من هذا القياس الفاسد، وهذه الحكمة لا يدريها إلا من له اطلاع على الواجب والواقع وله فقه في الشرع والقدر\". إعلام الموقعين عن رب العالمين (٢/ ٧).","vol":"1","page":287},{"text":"فمبنى التفكير على قياس الغائب عندهم، هو أن يقاس على الشاهد، وإيجاد العلاقة بين النظير ونظيره، والله - ﷿ - ليس له ند ولا مثيل ولا مسام ولا نظير حتى يقاس عليه، أو توجد بينه وبينه علاقة، تؤدي إلى إدراك كنهه وحقيقته، وهذا لا يقدح في الإيمان بمعاني ما أخبرت به النصوص الشرعية في حق الله - ﷿ - (١).\nوالحقيقة أن الله - ﷿ - ليس له شبيه ولا نظير، فالتفكير الذي مبناه على القياس ممتنع في حقه، وإنما هو معلوم بالفطرة، فيذكره العبد، وبالذكر، وبما أخبر به عن نفسه، يحصل للعبد من العلم به أمور عظيمة؛ لا تنال بمجرد التفكير والتقدير؛ أعني من العلم به نفسه؛ فإنه الذي لا تفكير فيه (٢).\nوهذا \" القياس هو الذي اعترف أهل النار في النار ببطلانه حيث قالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧)﴾ الشعراء: ٩٧، ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ الشعراء: ٩٨، وذم الله أهله بقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ الأنعام: ١، أي: يقيسونه على غيره ويسوون بينه وبين غيره في الإلهية والعبودية، وكل بدعة ومقالة فاسدة في أديان الرسل فأصلها من القياس الفاسد\" (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، في ذكر سبب ضلال أهل البدع في باب الأسماء والصفات: \" هؤلاء الجهال يمثلون في ابتداء فهمهم صفات الخالق بصفات المخلوق، ثم ينفون ذلك ويعطلونه، فلا يفهمون من ذلك إلا ما يختص بالمخلوق، وينفون مضمون ذلك، ويكونون قد جحدوا ما يستحقه الرب من خصائصه وصفاته، وألحدوا في أسماء الله وآياته، وخرجوا عن القياس العقلي، والنص الشرعي، فلا يبقى بأيديهم لا معقول صريح، ولا منقول صحيح\" (٤).\nوبالجملة فإن القياس الفاسد أصل كل شر، وهذا باب واسع.\n_________\n(١) ينظر: الفتوى الحموية (ص ٣٠٤ - ٣٠٨، ٥٤٣ - ٥٤٧)، ومجموع الفتاوى (١٦/ ٤١٣)، بيان تلبيس الجهمية (٣/ ٧٥٠).\n(٢) نقد المنطق (ص ٤٠).\n(٣) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٢/ ٧).\n(٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٠٩)، وينظر: درء تعارض العقل والنقل: (٨/ ١٣٢).","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في توحيد الأسماء والصفات</span>.\nمن جملة المخالفين لأهل السنة والجماعة في هذا الباب من غير المعطلة: مبتدعة الصوفية والرافضة وغيرهما، فمخالفتهم لا تتعلق بإثبات الأسماء والصفات أو نفيها كما هو الشأن مع المعطلة، بل مخالفتهم من جهة التسوية بين الله وبين المخلوقين، والكمال المختص بالله - ﷿ - ليس لغيره فيه نصيب، فادعاؤه منازعة للربوبية المتضمنة للأسماء والصفات وفرية على الله - ﷿ -.\nومن أجل هذا فإن الانحراف المؤدي إلى الإفراط في توحيد الأسماء والصفات، يأتي من طريقتين، وهما:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-288> أولًا: إرادة تنزيه الله عن النقص</span>.\nإن دعوى تنزيه الله عن النقص في ربوبيته أو عبادته قد ادعاها قوم من الكفار ممن جعلوا لله شركاء أو شفعاء ووسطاء، تنزيها له -بزعمهم- عن أن يعبدوه مباشرة، ولكنهم وقعوا في أعظم الشرك والكفران، فكما ادَّعى أولئك المشركون التنزيه في عبادة الله فضلوا، ادعى المتجهمة التنزيه في صفاته فضلوا (١)، كما ادعى المتصوفة تنزيه الله من العدم فبالغوا في الإثبات حتى قالوا بوحدة الوجود، والاتحاد والحلول (٢)، فأضفوا على المخلوق صفات الكمال التي لا تصلح إلا لله - ﷿ - (٣)،\nوجعلوا الله - ﷾ - مخالطًا للقاذورات والأوساخ تعالى الله عن جهلهم وغلوهم، وهنا يقعون فيما فروا منه وهو التشبيه، ففرطوا غاية التفريط في الله وأسمائه وصفاته وأفعاله ودينه، وغلوا في رجالهم وشيوخهم فأثبتوا لهم النفع والضر والسعادة والشقاء فيتمسحون\n_________\n(١) ينظر: قلب الأدلة على الطوائف المضلة في توحيد الربوبية والأسماء والصفات (٢/ ٧١٤).\n(٢) فهم يصفون المخلوق بكل ما يوصف به الخالق، ويصفون الخالق بكل ما يوصف به المخلوق، فإن الوحدة والاتحاد والحلول العام يقتضي ذلك. ينظر: درء التعارض (٧/ ٢٦٠ - ٢٦١).\n(٣) كما فعل هذا بعض المنتسبين إلى هذه الأمة من الغلاة في الأشخاص كالغلاة في نبينا - ﷺ - القائلين بأن له شيئًا من التصرف في الكون وأن الكون إنما خلق من أجله، ولا يغيب عنا غلاة الرافضة الذين يزعمون أن أئمتهم يعلمون الغيب ويتصرفون في الكون كما هو ظاهر في كتبهم. ينظر: فضائح الباطنية، ت: عبد الرحمن بدوي (ص ٣٧)، واللطائف الندية في بيان توحيد الربوبية، أ. د. أحمد الغنيمان (ص ١٠٥)، ضمن مجلة الجامعة الإسلامية العدد ٢ ..","vol":"1","page":289},{"text":"بالقبور والأضرحة فما ذاك إلا للجمع بين المتناقضات والمتضادات، التي وقعوا فيها لابتعادهم عن المنهج السوي والنور القوي قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ مريم: ٧٥ (١).\nوالحقيقة أن الذي وقع فيه أهل الحلول والاتحاد وأصحاب القول بوحدة الوجود، هو الجمع بين، التعطيل المحض، وتشبيه الخالق بالمخلوق.\nوقد بين شيخ الإسلام - ﵀ - أن هناك من وقع في نوعي التمثيل (٢)، فقال: \"إن الجهمية النفاة يشبهون الخالق تعالى بالمخلوق في صفات النقص، كما ذكر الله تعالى عن اليهود أنهم وصفوه بالنقائص وكذلك الجهمية النفاة إذ قالوا: هو في نفسه لا يتكلم ولا يحب ونحو ذلك من نفيهم. والحلولية يشبهون المخلوق بالخالق، فيصفونه بصفات الكمال التي لا تصلح إلا لله، كما فعلت النصارى في المسيح، ومن جمع بين النفي والحلول، كحلولية الجهمية ... فهم يصفون المخلوق بكل ما يوصف به الخالق، ويصفون الخالق بكل ما يوصف به المخلوق، فإن الوحدة والاتحاد والحلول العام يقتضي ذلك\" (٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-289> ثانيًا: القياس الفاسد في العقليات، والتأويل الفاسد في السمعيات:</span>\nسبق بيان أن المعطلة طلبوا تنزيه الله فردوا النصوص أو حرفوها، وعبدوا إلها لا يعرفون له صفة إلا أنه حي موجود، اعتمادًا على مقررات عقولهم ومناطقهم، وهي لا تنفرد بتقرير المغيبات؛ إذ المعول فيها على السمعيات من الكتاب والسنة.\nوقدموا المنهج العقلي على الأحكام الشرعية، فعملوا ما هو عندهم حسنًا، وتركوا ما اعتقدوه قبيحًا، ولو كان ثابتًا العمل به عند المسلمين من أصل شرعهم، فارتكبوا المحرمات، وعللوا فعلهم لها بالتأويل والمجاز.\nأما المشبهة فقد وصفوا الله تعالى بصفات النقص والتشبيه والتمثيل، فعبدوا ربا كالبشر في حقيقته، فهو محتاج لمخلوقاته كالعرش والسرير الذي يجلس عليه المخلوق، والجمل الذي يركبه يوم عرفة تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.\n_________\n(١) ينظر: تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة د. عفاف بنت حسن بن محمد مختار (١/ ٢٧١ - ٣٧٣).\n(٢) تمثيل الخالق بالمخلوق، وتمثيل المخلوق بالخالق.\n(٣) درء التعارض (٧/ ٢٦٠ - ٢٦١).","vol":"1","page":290},{"text":"كما أنهم شبهوا المخلوق بالخالق، ودعواهم أن الإنسان \"هو خليفة الله، استخلفه؛ بأن جعل فيه من أسمائه وصفاته ما ضاهى به الحضرة الإلهية، وهؤلاء طائفتان: طائفة تثبت الرب وراء العالم، وتجعل الإنسان خليفة لله.\nوطائفة أخرى لا تثبت للرب وجودًا غير العالم، بل يجعلونه هو وجود العالم، ويجعلون الإنسان نسخة ذلك الوجود ومختصره، فهو الخليفة الجامع فيه\" (١).\nقال ابن القيم - ﵀ -: \"حقيقة الشرك هو:\n١ - التشبه بالخالق.\n٢ - التشبيه للمخلوق به، هذا هو التشبيه في الحقيقة\" (٢).\nوإذا كان التشبيه هو حقيقة الشرك كما ذكر ابن القيم - ﵀ -، فإن التشبيه يقع في أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية (٣)،\n_________\n(١) بيان تلبيس الجهمية (٦/ ٥٧٧)، جهود شيخ الإسلام ابن تيمية في باب أسماء الله الحسنى (ص ٩٣٩).\n(٢) الجواب الكافي (١٥٩).\n(٣) أما التمثيل في جانب الربوبية، فينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومثاله:\n١ - شرك القدرية القائلين بأن العبد هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته.\n\n٢ - شرك غلاة عباد القبور الذين يعتقدون في أصحاب القبور أنهم يتصرفون وينفعون ويضرون من دون الله.\nولا شك أن من خصائص الرب التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل به وحده. فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، -فضلًا عن غيره- شبيهًا لمن له الأمر كله، فأزمة الأمور كلها بيده، ومرجعها إليه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. فمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات.\nالقسم الثاني: التشبه بالخالق، ومن أمثلته:\n١ - من تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم.\nففي الصحيح عنه ﵁ قال: \"يقول الله ﷿: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته\".\nينظر: الجواب الكافي (ص ١٥٩ - ١٦٠).","vol":"1","page":291},{"text":"وتوحيد الألوهية (١)، وتوحيد الأسماء والصفات (٢).\nوهذا الخلل في توحيد الأسماء والصفات قادهم إلى الخلل في التطبيق أيضًا، وكتب الفرق والتاريخ مليئة بمثل هذا، وحقيقة الأمر، \"إذا تأمل اللبيب الفاضل هذه الأمور، تبين له أن مذهب السلف والأئمة في غاية الاستقامة والسداد، والصحة والاطراد، وأنه مقتضى المعقول الصريح والمنقول الصحيح، وأن من خالفه، كان مع تناقض قوله المختلف -الذي يؤفك عنه\n_________\n(١) التمثيل في جانب الألوهية، ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومن أمثلة ذلك:\nالسجود لغير الله، والذبح لغير الله، والتوبة لغير الله، والحلف بغير الله.\nفمن خصائص الإلهية، العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما:\n١ - غاية الحب ٢ - مع غاية الذل\nهذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه في خالص حقه. فإذا عرف هذا، فمن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به.\nومنها التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به.\nومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به.\nومنها الحلف باسمه تعظيمًا وإجلالًا له، فمن حلف بغيره فقد شبهه به.\nالقسم الثاني: التشبه به، ومثاله:\nمن دعا الناس إلى تعليق القلب به خوفًا، ورجاءً، وتوكلًا، والتجاءً، واستعانةً، كما يفعله بعض مشايخ طرق الصوفية مع مريديهم.\nينظر: الجواب الكافي (ص ١٦٠ - ١٦١).\n(٢) ينقسم التمثيل في باب الأسماء والصفات إلى قسمين:\nالقسم الأول: تمثيل المخلوق بالخالق\nوهذا ما زعمه النصارى في شأن عيسى ﵇ إذ أعطوه خصائص الخالق ﷿ وجعلوه إلهًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والنصارى يصفون المخلوق بصفات الخالق التي يختص بها، ويشبهون المخلوق بالخالق، حيث قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، وإن الله ثالث ثلاثة، وقالوا المسيح ابن الله\".\nومن هذا القسم كذلك السبيئة من غلاة الروافض: الذين شبهوا\nعليًا ﵁ بالله، وجعلوه إلهًا، وقالوا: أنت الله حتى حرقهم، فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له. فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت الله الذي لا إله إلا هو.\n\nفقال: ويحكم هذا كفر، فارجعوا عنه، وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام -لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام- فلما لم يرجعوا، أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كندة، وقذفهم في تلك النار، وروي عنه أنه قال:\nلما رأيت الأمر أمرًا منكرًا ... أججت ناري ودعوت قنبرًا\".\nالقسم الثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق\nوهذا ما زعمه اليهود قاتلهم الله إذ وصفوا الخالق ببعض صفات المخلوقين، كما ذكر الله ذلك عنهم في كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقال تعالى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤].\nينظر: منهاج السنة (١/ ٣٠٧)، (٥/ ١٦٩)، العرش للذهبي (١١٩ - ١٢٣) ... .","vol":"1","page":292},{"text":"من أفك- خارجًا عن موجب العقل والسمع، مخالفًا للفطرة والسمع\" (١)، \"وبسبب هذه البدع وأمثالها من المنكرات المخالفة لدين الإسلام: سلط الله أعداء الدين؛ فإن الله يقول: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ الحج: ٤٠ - ٤١، وأي معروف أعظم من الإيمان بالله وأسمائه وآياته؟ ! وأي منكر أعظم من الإلحاد في أسماء الله وآياته؟ ! \" (٢).\n\nلذلك فقد تفرد منهج أهل السنة بأنه وسط بين هذه البدع المتقابلة.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٢١٢ - ٢١٣).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٥١١).","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الأسماء والصفات</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بتوحيد الأسماء والصفات</span>.\nإن المتأمل في كتاب الله -﵎- وما جاء فيه من دعوات الرسل، وما أنزل عليهم من الكتب: ليخرج بحقيقة واحدة، أطبق عليها جميع الرسل، وأنزلت بها جميع الكتب السماوية، هذه الحقيقة هي: الدعوة إلى توحيد الله، وعبادته دون سواه، فهي أساس الرسالات وعمودها الفقري، وهي القاسم المشترك بينها؛ وإن اختلفت بعد ذلك الشرائع والمناهج (١).\nبيد أنه لا بد أن يتصف الله المعبود - ﷿ -، بصفات الكمال وأسماء الحسن والجلال؛ لأن مدار الإيمان بالله - ﷿ -، على توحيد الأسماء والصفات؛ ولأن الإيمان بالله لا يتحقَّق إلاَّ بالإيمان بأسمائه وصفاته (٢)،\nلذا لا نكاد نجد آية من الآيات المشتملة على ما يتوهم منه صفة المخلوقين إلا وهي مقرونة بما يشعر بالتنزيه أو تفسير المراد به إما متقدمًا أو متأخرًا (٣)، وقد أفرط أصحاب البدع في توحيد الأسماء والصفات فجعلوها لله ولغيره، لذا تعددت طرق القرآن العظيم في بيان فساد سلوك المخالفين والتحذير منها، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الأسماء والصفات:\n_________\n(١) ينظر: وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٢٤٢).\n(٢) الإيمان بالله يتضمَّن أربعة أمور:\n١ - الإيمان بوجودِه ﷾.\n٢ - والإيمان بربوبيَّته.\n٣ - والإيمان بانفرادِه بالألوهيَّة.\n\n٤ - والإيمان بأسمائه وصفاته. ينظر: شرح العقيدة الواسطيَّة، لابن عثيمين (ص ٤٧).\n(٣) ينظر: إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل، لمحمد بن إبراهيم الكناني (ت ٧٣٣ هـ) (ص ٩٥).","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>الآية الأولى:\nقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١</span>، هذه الآية من الآيات الواضحة في هذا الباب، وهي تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-293> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nدل قوله جل وعلا: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١، على إثبات: ذاتٍ موجودة ثابتة لله، كما دلت على أنه سبحانه (شيء)، وعلى إثبات أسماء الله، وعلى إثبات أفعال الله، وعلى إثبات صفات الله بنوعيها (الصفات الذاتية، والصفات الفعلية)، وبيان ذلك فيما يلي:\n١ - إثبات ذات موجودة لله، وهذا ما دلت عليه الآية كلها، وهو مما يعلم بالضرورة القاطعة المستغنية عن ذكر وجوه الاستنباط، فالكلام في هذه الآية إنما هو عن الله، مما يعلم معه أنه موجود، وأنه شيء، كما أن الله قد نفى المثل عن نفسه فيها، فقال: ﴿ليس كمثله شيء﴾، إذ فكيف يُنفى المثل عما ليس بشيء؟ ! .\n٢ - أن هذه الآية قد دلت على إثبات أسماء الله، حيث تضمنت ذكر اسمين من أسماء الله الحسنى، وهما: السميع، والبصير.\n٣ - أنها قد دلت على إثبات الصفات الذاتية لله، حيث جاء فيها إثبات صفة السمع لله (والتي تضمنها اسم السميع)، وصفة البصر (والتي تضمنها اسم البصير)؛ لأنه من المقرر أن كل اسم لله فإنه يتضمن الدلالة على الذات، وعلى صفة أو عدة صفات (١)، \"فإن صدق المشتق مستلزم لصدق المشتق منه، وذلك يقتضي قيام الصفات به\" (٢).\n٤ - كما دلت الآية أيضًا على إثبات الصفات الفعلية له تعالى، وذلك فيما تضمنه فعل (الفطر)، و(الجعل)، و(الذرء) (٣)، فإضافة هذه الأفعال إلى الله يدل على قيامها به،\n_________\n(١) ينظر: بدائع الفوائد لابن القيم (١/ ١٧٠، ١٧٨)، شرح القواعد المثلى للعثيمين (٥٣، ١٥٦).\n(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥).\n(٣) قال ابن كثير: \" قوله: (فاطر السموات والأرض) أي: خالقهما وما بينهما .. (يذرؤكم فيه) أي: يخلقكم فيه، أي: في ذلك الخلق ... وقال البغوي - ﵀ -: (يذرؤكم فيه) أي: في الرحم. وقيل: في البطن. وقيل: في هذا الوجه من الخلقة\" تفسير القرآن العظيم (٧/ ١٩٤).","vol":"1","page":295},{"text":"وعلى اتصافه بما تضمنته تلك الأفعال من صفات، هذا سوى ما دلت عليه صفتا السمع والبصر من سماعه تعالى للأصوات الحادثة، وإبصاره للمخلوقات الحادثة (١).\n٥ - اتفق سلف الأمة وأئمتها: أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وقال من قال من الأئمة، من شبه الله بخلقه فقد كفر، فكيف من جعله عين المخلوقات، وجعله نفس الأجسام المصنوعات؟ فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا (٢).\nفصارت هذه الآية بعينها مبطلة لأقوال جميع طوائف المعطلة.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-294> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما أن هذه الآية أيضًا قد تضمنت الرد على بدعة الإفراط، فقد استظهر بعض أهل العلم معنى لطيفًا في ختم هذه الآية بالاسمين الكريمين (السميع) و(البصير)، ألا وهو: أن السمع والبصر -من حيث هما سمع وبصر- صفتان يتصف بهما جميع الحيوانات، فجاءت هذه الآية مبينة أن الله متصف بالسمع والبصر، ولكن وصفه بهما على أساس نفي المماثلة بين اتصافه تعالى بهما وبين اتصاف الخلق بهما، فكأنها إشارة للخلق ألا ينفوا عن الله صفة سمعه وبصره بدعوى: \" أن الحوادث تسمع وتبصر، وأن ذلك من التشبيه\"، بل عليهم أن يثبتوا له صفة سمعه وبصره على أساس: ﴿... ليس كمثله شيء﴾، فالله - ﷿ - له صفات لائقة بكماله وجلاله، والمخلوقات لهم صفات مناسبة لحالهم (٣).\nفتبين بهذا أن هذه الآية الكريمة العظيمة قد دلت على إثبات جميع الصفات لله، مع تنزيهه عن كل نقص أو مثيل، وأنها قد قطعت علائق أهل البدع والإلحاد على اختلاف طوائفهم وتنوع مشاربهم في تعلقهم بها على قولهم الباطل، وتمويههم بها على الغمر الجاهل، وأنها تنقلب على جميع الفرق المخالفة، من ممثلة ومعطلة.\n_________\n(١) ينظر لما سبق: قلب الأدلة على الطوائف المضلة في توحيد الربوبية والأسماء والصفات (ص ٧٨٧ - ٧٩٠).\n(٢) ينظر مجموع الفتاوى (٢/ ١٤٠).\n(٣) ينظر: أضواء البيان (٢/ ١٩)، الأسماء والصفات نقلًا وعقلًا (ص ٩)، كلاهما للشنقيطي.","vol":"1","page":296},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-295> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: خطؤهم في قياسهم صفات الخالق على صفات المخلوق، بجعلهم مسألة القدر المشترك في الصفات، مستلزمة للتمثيل (١).\nومنشأ الغلط هذا انبنى عليه عند أهل الأهواء والبدع الخوض في التعطيل والتشبيه، بمحض عقولهم، وجعلها هي الحاكمة القاضية فيما يؤخذ وما لا يؤخذ من أسماء الله وصفاته، فمنهم من رأى أن النصوص الشرعية تقتضي التشبيه، ومنهم من أراد تنزيه الله عن مماثلة خلقه فعطل النصوص.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-296> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nأهل السنة والجماعة هم الطائفة الوحيدة التي عملت بمقتضى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾، إذ كل طائفة عداها إنما عملت بشطر من هذه الآية وضيعت الشطر الآخر.\nفالمشبهة: أحسنوا إذ أثبتوا فلم ينفوا الصفات، وأساؤوا إذ شبهوا ومثلوا.\nوالنفاة: أحسنوا إذ نزهوا الله عن مشابهة خلقه، وأساؤوا إذ نفوا عن الله ما أثبته لنفسه.\nوأهل السنة والجماعة جمعوا بين الحسنيين وسلموا من الإساءتين، فالإحسان الذي عند الطرفين عندهم، وليس عندهم ما عند كل من الإساءة، وذلك أنهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه من الصفات، وينفون عنه مماثلة المخلوقات، يثبتون له صفات الكمال، وينفون عنه ضروب الأمثال، ينزهونه عن النقص والتعطيل، وعن التشبيه والتمثيل، إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل (٢)، فمذهبهم إذًا بين التمثيل والتعطيل، دائر على الإثبات والتنزيه، فمثل هذا المذهب الحق بالنسبة إلى الطرفين المتقابلين كاللبن الخالص السائغ للشاربين الذي يخرج من بين فرث ودم (٣).\n_________\n(١) مجرد الاتفاق في الاسم وفي المعنى الكلي الذهني المطلق فإنه لا يستلزم التمثيل عند الإضافة والتخصيص، ولو لزم ذلك للزم التمثيل بين كل الأشياء، وللزم تبعًا لذلك نفي أصل الوجود والشيئية عن الله.\nينظر: بيان تلبيس الجهمية (١/ ١٠٩، ٤٧٧).\n(٢) ينظر منهاج السنة (٢/ ١١).\n(٣) ينظر: عشرون حديثًا من صحيح مسلم، للشيخ عبد المحسن بن حمد العباد (ص ١٧٧ - ١٧٨).","vol":"1","page":297},{"text":"لذا فهذه الآية شاهدة على طريقة أهل السنة ومنهجهم العام في باب الصفات، وذلك من جهة الجمع بين النفي والإثبات، فإن \"الجمع بين النفي والإثبات في باب الصفات هو حقيقة التوحيد فيه؛ وذلك لأن التوحيد مصدر: وحَّد يوحِّد، ولا يمكن صدق حقيقته إلا بنفي وإثبات؛ لأن الاقتصار على النفي المحض تعطيل محض، والاقتصار على الإثبات المحض لا يمنع المشاركة\" (١).\n\"فأهل السنة والجماعة في الإسلام؛ كأهل الإسلام في أهل الملل، فهم وسط في باب صفات الله - ﷿ - بين أهل الجحد والتعطيل، وبين أهل التشبيه والتمثيل، يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسُله، من غير تعطيل، ولا تمثيل، إثباتًا لصفات الكمال، وتنزيهًا له عن أن يكون فيها أندادٌ وأمثال، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ردٌّ على الممثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ رد على المعطلة\" (٢).\n_________\n(١) تقريب التدمرية، لابن عثيمين (ص ١٨).\n(٢) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ٥٣).","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>الآية الثانية:\nقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي </span>كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ الأنعام: ٥٩، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-298> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nفي هذه الآية الكريمة ردٌ على بطلان كل مذهب أنكر ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات إنكارا كليا أو جزئيا تصريحا أو ضمنيا، كمذهب الجهمية والمعتزلة الغلاة والقدرية نفاة العلم والفلاسفة الذين أنكروا علم الله بالجزئيات، - وقالوا: إنه لا يعلم الأشياء على وجه كلي ثابت، وحقيقة قولهم أنه لا يعلم شيئا -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا-، فإن كل ما في الخارج هو جزئي (١) -، وقد أثبت الله تعالى علمه بالجزئيات فأثبت علمه بالحبة والورقة التي تسقط قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾.\nقال الإمام الشافعي - ﵀ - تعالى: \"ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن أنكروا كفروا\" (٢)؛ لأن الله تعالى موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلًا وأبدًا (٣)، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ الأنفال: ٧٥، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ الأحزاب: ٤٠، ولم يتقدم علمه بالأشياء جهالة ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ مريم: ٦٤، لذلك فإن الإيمان بما وصف الله تعالى به نفسه لا يمكن أن يؤخذ إلا من الكتاب أو السنة.\n_________\n(١) درء تعارض النقل والعقل (٩/ ٣٩٧).\n(٢) شرح الطحاوية (ص ٢٧١).\n(٣) الأزل والأبد كلمتان متقابلتان تطلقان على أمرين متقابلين، هذا في الماضي، وهذا في المستقبل، فالأزل يطلق على ما ليس له ماضي ولا بداية له، والأبد يطلق على ما لا نهاية له بالنسبة لنا.\nينظر: المفردات (ص ١٧٣)، شرح العقيدة الطحاوية لشيخ عبد الرحمن البراك (ص ٣٩).","vol":"1","page":299},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-299> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما أن فيها ردًا على بطلان مذاهب ممثلة الصفات، كالغلاة الصوفية والرافضة وغيرهم، ممن بالغوا في إثبات الصفات حتى أشركوا في كمالها المقدس غير الله فزعموا أن أئمتهم وسادتهم يعلمون الغيب وغير ذلك من صفات الربوبية، فسووا الخالق بالمخلوق على وجه المماثلة، فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾، ونفى عن غيره علم الغيب، وأنه سبحانه المتفرد بذلك.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-300> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: خطؤهم في باب القدر؛ لأنهم أرادوا أن ينزهوا الله بعقولهم، ولم ينزهوه كما نزه نفسه.\nفسلك المعطلة منهم إلى جعل الله تعالى معزولًا عن تدبير الكون وتصريفه حتى لا يشغل نفسه بهذا الناقص؛ وذلك لأن الجزئيات تحتوي على بلاء وشر؛ كالقتل والنهب وغيرها، فيقولون: لو قلنا: إن الله يعلمها، لما نزهنا الله! وهذا من الجهل بالله - ﷿ -، فإنهم أرادوا أن ينزهوا الله بعقولهم، ولم ينزهوه كما نزه نفسه.\nفقالوا: إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات، وذلك حتى لا يعلم الشر؛ لأنه لو علم بالشر فسيكون قد قدره، والشر والقبيح موجود في العالم، إذًا لا بد أن ننزه الله عنه، وبذلك وصفوا الله تعالى بالجهل حتى ينزهوه! (١).\nأما المشبهة فقد أوقعهم مذهبهم الفاسد في باب القدر في التشبيه المذموم، إذ شبهوا الله - ﷿ - بخلقه فيما يتعلق بأفعاله - ﷿ -، ولهذا اعتبرهم السلف الصالح بمشبهة الأفعال (٢).\nفقاسوا الرب - ﷿ - على خلقه، فقيل: ما حسن من المخلوق حسن من الخالق وما قبح من المخلوق قبح من الخالق، مما ترتب على ذلك أن قاسوا الظلم الذي حرمه الله - ﷿ - وتنزه عن فعله وإرادته بأنه هو نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض (٣)، وتشبيه الخالق بالمخلوق\n_________\n(١) ينظر: العقيدة الطحاوية (٢/ ٤٠٢).\n(٢) شبهوا الله - ﷿ - في الأفعال ما يحسن منهما وما لا يحسن بعباده فضربوا له من قبل أنفسهم الأمثال وصاروا بذلك مشبهة ممثلة في الأفعال فامتنعوا من إثبات المثل الأعلى الذي أثبته لنفسه ثم ضربوا له الأمثال ومثلوه في أفعاله بخلقه.\nينظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠٦).\n(٣) ينظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠٦).","vol":"1","page":300},{"text":"والمخلوق بالخالق في الأفعال، قول باطل كما أن تمثيل الخالق بالمخلوق والمخلوق بالخالق في الصفات باطل (١).\nقال الإمام الطحاوي - ﵀ -: \"وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسةً\" (٢)، وهكذا فكل من أراد أن ينزه الله تعالى من غير طريق الكتاب والسنة، فإنه ينسب إليه النقص والعيب الذي لا يليق بالمخلوق، فإنه لو قيل عن المخلوق: إنه يجهل ما لا ينبغي لمثله أن يجهله؛ لكان ذلك عيبًا ونقصًا، فكيف يقال ذلك في حق الله ﷾؟ ! .\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-301> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nأتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب التعطيل والتمثيل، بل هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، \"فعقيدة أهل السنة أصح مباني وأوضح معاني، وحسبك أنها جامعة لمحاسن العقائد\" (٣)؛ فأهل السنة نزهوه عن التعطيل والتمثيل وأثبتوا له ما أثبته لنفسه من صفات الكمال ونزهوه فيها عن الشبه والمثال فأثبتوا له المثل الأعلى ولم يضربوا له الأمثال فكانوا أسعد الطوائف بمعرفته وأحقهم بالإيمان به وبولايته ومحبته وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (٤).\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣١).\n(٢) العقيدة الطحاوية مع شرح ابن أبي العز (ص ٢٧٦).\n(٣) الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم، لمحمد بن إبراهيم الوزير، تحقيق: علي العمران (٢/ ٥٢٢).\n(٤) ينظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠٦).","vol":"1","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>الآية الثالثة:\nقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ مريم: ٤٢</span>، في هذه الآية ردٌ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-303> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nفي هذه الآية ردٌ على المعطلة لصفات الله - ﷿ -، عند قول إبراهيم - ﵇ - لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾، لدلالتها على أن فاقد صفات الكمال لا يكون إلهًا ولا مدبرًا ولا ربًا، بل هو مذموم معيب ناقص.\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" فلو كان إله إبراهيم بهذه الصفة والمثابة لقال له آزر وأنت إلهك بهذه المثابة فكيف تنكر علي لكن كان مع شركه أعرف بالله من الجهمية وكذلك كفار قريش كانوا مع شركهم مقرين بصفات الصانع سبحانه وعلوه على خلقه\" (١).\nوهذه الصفات المنفية ﴿لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي﴾ هي الصفات التي أقرها النفاة المعطلة، ونسبوها إلى الله - ﷿ - تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا-، فأتى ذمها في هذه الآية، بأنها -أي آلهة المشركين- مسلوبة أوصاف الكمال، للدلالة على بطلان مذهب المعطلة النفاة، فلو كان الله - ﷿ - بهذه الأوصاف لما أنكرها إبراهيم - ﵇ -، واستدلال على بطلان الإلهية بذلك.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-304> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما أن في قوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ﴾: استفهام استنكاري، للردِ على بطلان مذهب ممثلة الصفات، الذين صرفوا صفات الله - ﷿ - لغيره، فتعلقوا بهم من دون الله، وتوجهوا إليهم بأنواع من العبادة، وبالغوا في تقديسهم، فأتت هذه الآية للرد على أن المتصف بصفات الكمال والجلال هو المستحق لأن تصرف له هذه العبادة، وأصل عبادته - ﷿ -: معرفته بما وصف به نفسه في كتابه وما وصفه به رسله؛ وأن كل ما دون الله ناقص لا يستحق أن تصرف له العبادة، كما في قوله: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾.\nوهكذا نجد أن الممثلة وصفوا المخلوقين بصفات الخالق، فجعلوهم شركاء لله في صفاته - ﷿ -، لذلك صرفت لهم العبادة والتعظيم، لاتصافهم بصفات الخالق زورا وبهتانًا، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ\n_________\n(١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ٢٥).","vol":"1","page":302},{"text":"بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ لقمان: ٣٠، وقال: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾.\nمن أجل هذا أتت هذه الآية للدلالة على بطلان ما اعتقده الممثلة في أوليائهم وأئمتهم وكبرائهم، بأنه لا يستحق العبادة والتعظيم إلا المتصف بصفات الكمال والجلال وهو الله - ﷿ -، وصرف العبادة والتعظيم لغير الله شرك وكفر.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-305> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: خطؤهم في تعظيم الله - ﷿ -؛ لأن أصل الدين، مبني على تعظيم الله، وتعظيم دينه ورسله، لكنهم ضلوا حينما أرادوا أن يعظموا الله بعقولهم، ولم يعظموه كما أمرهم ﷾.\nفأقام المعطلة معتقدهم على: امتناع قيام الصفات بالله تعالى تعظيما له؛ لاعتقادهم أن الصفات أعراض (١)، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه (٢)، وأن كل ما كان غير الله، فهو مخلوق؛ وأرادوا من ذلك التنزيه والتعظيم! !، فقالوا حينئذ: إن القرآن مخلوق، وإنه ليس لله مشيئة قائمة به، ولا حب ولا بغض ولا سمع ولا بصر ولا غير ذلك من الصفات، بل قالوا: إن أسماء الله تعالى مخلوقه؛ بناء على قولهم: إن الاسم غير المسمى، وكل ما كان غير الله، فهو مخلوق، فأسماؤه مخلوقة (٣).\nفردوا وأنكروا وعطلوا جميع ما وصف الله به نفسه المقدسة العلية، وقالوا: لا بد أن يكون الله متصفًا بالصفة، وهذه الصفة هي عين ذاته؛ لأننا إذا أثبتنا أن الله - ﷿ - متصف بصفة زائدة على ذاته، فإن ذلك يستلزم أن تكون هذه الصفة قديمة، وهذا يؤدي إلى تعدد\n_________\n(١) الأعراض جمع عَرَض وهو: عبارة عن معنى زائد على الذات، مما يقوم بغيره ولا يقوم بنفسه، فهو محتاج إلى محل يقوم به، والفلاسفة والمتكلمون عمومًا مختلفون جدًا في تحديد مفهوم العرض.\nينظر: التعريفات (ص ١٤٨)، الكليات لأبي البقاء أيوب الكفوي (ص ٦٢٤)، مجموع الفتاوى (٥/ ٢١٥ - ٢١٦).\n(٢) أي أن يكون الله محلًا للحوادث، والمحدث ضد القديم، وذلك لأنه إذا كان قديمًا فقد انتفت القدرة الإلهية في خلقه وإيجاده، بالإضافة إلى أنهم اعتبروا أن الأجسام لا تخلو من الحوادث، وما لم يخل من الحوادث، أو ما لم يسبق الحوادث، فهو حادث.\nينظر: معجم ألفاظ العقيدة، لعامر عبد الله فالح (ص ١٤٤).\n(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٧ - ١٤٨)، وينظر: جهود شيخ الإسلام ابن تيمية في باب أسماء الله الحسنى (ص ٨٠١).","vol":"1","page":303},{"text":"القدماء، وهو محالٌ (١)، فضلوا في توحيد الأسماء والصفات من حيث أرادوا تنزيه الله وتعظيمه بعقولهم القاصرة؟ ! .\nوهذا الخلل في معرفة التوحيد قادهم إلى الخلل في التطبيق أيضًا، فإنهم أخذوا يقررون التوحيد وفق هذا الفهم، وسلكوا في ذلك مناهجهم العقلية القائمة على اعتماد النظر العقلي فقط؛ باعتباره مصدر تلقي الوحيد في هذا الباب، وكل ما خالفه فهو إما مؤول أو مردود (٢).\nبينما أقامت الممثلة معتقدها على: تشبيه الخالق بالمخلوق، وجعل ما أخبر الله به عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله - ﷺ - من صفاته مماثلًا لصفات المخلوقين؛ زاعمين أنهم بذلك عظموا نصوص الصفات، وأنهم لا يفهمون من نصوص الصفات إلا مثل ما يرونه من صفات المخلوقين، بدعوى أن الله - ﷿ - لا يخاطبهم إلا بما يعقلون، فإذا أخبروا عن اليد فهم لا يعقلون سوى اليد الجارحة، فشبهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، فقالوا له يد كيدي، -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- (٣).\nبينما تجاهلوا ما جاءت به نصوص الشرع وأوامره الكثيرة بتعظيم الله ﷾ وإجلاله وتقديسه وتنزيهه، وهي كثيرة جدًا، فإن الأمر بالإيمان بالله وتوحيده تعظيم له، وذكر أسمائه وصفاته وأفعاله وقدرته تعظيم له (٤).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-306> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nأتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، فهم وسط في تعظيم الله في باب الأسماء والصفات بين أهل التفريط من المعطلة الذين نفوا أسماء الله تعالى وصفاته، أو نفوا بعضها إرادةً لتعظيم الله - ﷿ - وتنزيهه عن مشابهة المخلوقين (٥)، وبين أهل الإفراط من الممثلة الذين شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا ما أخبر\n_________\n(١) ينظر: جهود شيخ الإسلام ابن تيمية في باب أسماء الله الحسنى، د. أرزقي سعيدي (ص ٨٠٠)، والمعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها، د. عوّاد بن عبد الله المعتق (ص ٨٥ - ٨٦)،\n(٢) ينظر: مواقف الطوائف من أسماء الله الحسنى (ص ٧٩٧).\n(٣) ينظر: درء تعارض العقل والنقل (٤/ ١٤٥).\n(٤) ينظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ١٦٠ - ١٦١).\n(٥) فإن أرادوا بذلك أن ذاته تُعرَف بدون معرفة شيء من أسمائه وصفاته الثبوتية والسلبية، فهذا ممتنع.\nينظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣١٩)، التدمرية (ص ١٦ - ١٨).","vol":"1","page":304},{"text":"الله به عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله - ﷺ - من صفاته مماثلًا لصفات المخلوقين؛ زاعمين أنهم بذلك عظموا نصوص الصفات، وأنهم لا يفهمون من نصوص الصفات إلا مثل ما يرونه من صفات المخلوقين.\nوبذلك يكون أهل السنة والجماعة وسطا بين أهل التعطيل والنفي الذين يلحدون في أسماء الله وآياته، ويعطلون حقائق ما وصف الله به نفسه، حتى يشبهوه بالعدم والموات، وبين أهل التمثيل والتشبيه الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات.","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الأسماء والصفات</span>.\nأختم هذا الفصل بذكرٍ إجمالي للآيات الرادة على الانحراف العقدي في توحيد الأسماء والصفات؛ والآيات التالية سيقت على سبيل المثال لا الحصر (١):\n١ - في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ الفاتحة: ٢، رد على الجهمية القدرية؛ لأن في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إثبات الحمد الكامل له - ﷿ -، وهذا يقتضي ثبوت كل ما يحمد عليه، من صفات كماله، ونعوت جلاله، إذ من عُدِم صفات الكمال فليس بمحمود على الإطلاق؛ وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ فيه إثبات صفة الربوبية وهي تستلزم جميع صفات الفعل، كما أن في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إثباتٌ لصفة الإلهية التي تستلزم جميع أوصاف الكمال: ذاتًا وأفعالًا. كما ردت هذه الآية على الممثلة الذين يصفون الرب - ﷿ - بصفات النقص التي يتصف بها المخلوق، فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فيه إثبات عموم حمده التام سبحانه الذي يقتضى ثبوت كل ما يحمد عليه، من صفات كماله، ونعوت جلاله، ولذلك نزه الله نفسه عن هذا في غير موضع من كتابه، وأخبر أن من فعل ذلك فإنه ما قدره حق قدره - ﷿ -، بل نسبه إلى ما لا يليق به، ويأباه حمده ومجده (٢).\n٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ الإخلاص: ٤، جاءت سورة الإخلاص للرد على المعطلين ونفاة الأسماء والصفات، بإثبات الذات الإلهية، وما لها من الأسماء والصفات. قال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ الإخلاص: ١، فيها التوحيد القولي العملي، الذي تدل عليه الأسماء والصفات؛ ... وفيها إثبات الذات، وما لها من الأسماء والصفات التي يتميز بها مثبتو الربِّ الخالقِ، الأحد الصمد، عن المعطلين له بالحقيقة، نفاة الأسماء والصفات، المضاهين لفرعون وأمثاله، ممن أظهر التعطيل والجحود للإله المعبود، وإن\n_________\n(١) وسبب عدم استقصاء جميع الآيات، أن كتاب الله مليء فلا تكاد تخلو آيةٌ من آياته من صفة لله -سبحانه - أو اسم من أسمائِه الحسنى؛ وما ذلك إلا \"لأنَّ القرآن المجيد عُمْدته ومقصوده الإخْبار عن صفات الرَّبِّ - سبحانه - وأسمائه وأفعاله وأنواع حمدِه والثَّناء عليه، والإنباء عن عظمتِه وعزَّته وحكمتِه، وأنواع صنعه والتقدُّم إلى عباده بأمرِه ونَهْيه على ألسِنة رسله\". طريق الهجرتين (ص ٢٣٣).\n(٢) ينظر: تهذيب مدارج السالكين (١/ ٨٢ - ٨٤).","vol":"1","page":306},{"text":"كان في الباطن يقرّ به\" (١). كما أن هذه السورة أيضًا قد اجتمع فيها النفي والإثبات، للرد على بدعة التفريط، ممن أثبت لله إثباتًا مجملًا أو نفى عن الله نفيًا منفصلًا، والرسل جاءوا بإثبات مفصل ونفي مجمل، فأثبتوا لله صفات الكمال على وجه التفصيل ونفوا عنه صفات النقص على وجه الإجمال، على الضد من أهل البدع، لذلك كانت سورة الإخلاص دليلًا واضحًا على ذلك. قال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" والله سبحانه بعث أنبياءه بإثبات مفصّل، ونفي مجمل؛ فأثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات، ومن خالقهم مِن المعطلة المتفلسفة وغيرهم عكسوا القضية؛ فجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، يقولون: ليس كذا، ليس كذا، ليس كذا، فإذا أرادوا إثباته قالوا: وجود مطلق بشرط النفي، أو بشرط الإطلاق\" (٢).\nوالله - ﷿ - لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله - ﷺ - هذا الأصل العام الذي تنطلق منه جميع الأصول والقواعد في باب الأسماء والصفات، لذلك دل قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، على بطلان مذهب المشبهة الممثلة، فإثبات الكمال يلزم منه نفي ما يناقضه من وصف الله بخلقه الناقص.\n٣ - قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ الأعراف: ١٨٠، في هذه الآية رد على طائفتين ضلتا في باب الأسماء والصفات، ففي قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، رد على الجهمية والمعتزلة وغيرهم الذي نفوا عن الله أسماءه، وعطلوها عن معانيها وجعلوها أعلامًا محضة، وفي قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، ردٌ على الممثلة الذين نسبوها لغير الله، وألحدوا في أسماء الله بتحريفها (٣)؛ فأثبت الله - ﷿ - لنفسه الأسماء الحسنى، وذم كل من حاد بها عن معناها. فالقسم الأول سلبوها عن الله ما سمى به نفسه والقسم الثاني صرفوها لغير الله.\n_________\n(١) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم (٢/ ٨٦٢ - ٨٦٣)، وينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٩ - ٤٦٠)، قاعدة في الاسم والمسمى، ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٢٠٩)، درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٣٦٧).\n(٢) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم (٢/ ٨٦٢ - ٨٦٣)، وينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٩ - ٤٦٠)، قاعدة في الاسم والمسمى، ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٢٠٩)، درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٣٦٧).\n(٣) فالمشركون سموا العزى من العزيز، واللات من الله أو الإله، ومناة من المنان كما ورد في بعض الروايات، وهذا كله من الإلحاد.","vol":"1","page":307},{"text":"٤ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ الأنعام: ١٤، في هذه الآية رد على المعطلة في قوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مُبْتَدِعَهُمَا وَمُبْتَدِئَهُمَا وَخَالِقَهُمَا، فدل هذا على إثبات صفاته - ﷿ -. ورد هذه الآية كذلك على المشبهة بقوله: ﴿يطعم ولا يطعم﴾ لتنفي عن الله - ﷿ - مشابهته لمخلوقاته، كما أن في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾، رد على الذين أشركوا في صفات الله غيره.\n٥ - قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ الأحزاب: ١٨، فيها إثبات لصفة العلم لله - ﷿ - وهذا رد على من أنكر صفات الله من الجهمية والفلاسفة وغيرهم، و﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾ أتت منكرة للدلالة على إحاطة الله بالعلم السابق واللاحق والآني، ليكون في هذا رد على غلاة المعتزلة ممن أنكر جزءًا من العلم وهو علم الله المستقبلي، أو علم الله بالجزئيات، فدلت هذه الآية على أن الله يعلم كل شيء بعلمه الأزلي. كما أن فيها ردًا على المشبهة الذين مثلوا الله بخلقه، بأن وصف المخلوق بصفات النقص والعيب ﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ للدلالة على أنه - ﷿ - منزه عن هذا النقص.\n٦ - قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ مريم: ٦٥، في هذه الآية رد على الملاحدة والفلاسفة وكل من عطل الله - ﷿ - عما يستحقه من صفات الكمال وأسماء الجلال، فأمرهم الله ﷾ بعبادته (١) فقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾؛ لأن أصل عبادته - ﷿ -: معرفته بما وصف به نفسه في كتابه وما وصفه به رسله - ﷺ - (٢)، كما أن فيها ردًا على المشبهة فقد أنكر الله تعالى التشبيه والتمثيل، في قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.\n_________\n(١) لأن من عرف الله بأسمائه وصفاته حق المعرفة، تجلى في سلوكه وتعاملاته: الانصياع والخضوع لصاحب تلك الأسماء الكاملة والصفات العالية، وأورثه ذلك التعبد لله بالعبادات التي تليق بجلاله وكبريائه وعظمته. ومن لم يعرف الله بأسمائه وصفاته التي تليق به، فكيف يعبده، ويحبه، ويعظمه، ويخضع له؟ ! بل كيف يعبد إليهًا يجهله؟ ! . ينظر: أحكام القرآن، لأبي بكر محمد بن العربي، ت: محمد عطا (٢/ ٩٣٣).\n(٢) ينظر: مجموع الفتاوى: (١٣/ ١٦٠).","vol":"1","page":308},{"text":"٧ - قوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤) النحل: ٧٤، فيها رد على الممثلة، في قوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾، كما أن فيها ردًا على المعطلة الذين نفوا عن الله - ﷿ - صفاته، ومنها صفة العلم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾.\n٨ - قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ الأنعام: ١، في هذه الآية رد على المعطلة بقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ فأثبت الله لنفسه الصفات، وفيها كذلك رد على المشبهة، بقوله: ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يعدلونه بغيره فيجعلونه لغيره عدلًا.\n٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ النحل: ١١٦، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ الإسراء: ٣٦، فيهما رد على من وصف ونسب لله ما لم يصف به نفسه، في قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، كما أن فيهما ردًا على من نفى عن الله ما وصف به نفسه، في قوله: ﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ ﴿كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾ الأنعام: ٢١ (١)، وكل هذا ينطبق على المعطلة والممثلة فقد نفوا عن الله ما وصف به نفسه، ووصفوه بما لم يصف به نفسه.\n١٠ - قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ البقرة: ١٦٣، وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ البقرة: ٢٥٥، وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ آل عمران: ٢، وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ التوبة: ١٢٩، وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ طه: ٨، وقوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ المؤمنون: ١١٦، وغيرها من الآيات .. في هذه الآيات رد على الغالين في أسماء الله الحسنى؛ لأن فيها أن الذاكر بها يقولها كلها (٢)، ولا يقتصر على لفظ\n_________\n(١) تهذيب المدارج (١/ ٣٣٤).\n(٢) أي لفظ الشهادة: لا إله إلا الله.","vol":"1","page":309},{"text":"الجلالة، ولا على (هو) كما يفعله غلاة جهال المتصوفة، وفيها كذلك إثبات الصفات خلافًا للمعطلة والمشبهة.\n\nهذه الأقسام -التي رأيناها في الفصول الثلاثة السابقة-تشكل بمجموعها جانب الإيمان بالله الذي نسميه التوحيد فلا يكمل لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة، فهي متكافلة متلازمة يكمل بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، وكذلك لا يصح ولا يقوم توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الله في ربوبيته وألوهيته لا يستقيم بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته، فالخلل والانحراف في أي نوع منها هو خلل في التوحيد كله (١).\nفالتوحيد هو إفراد الله - ﷿ - بما يستحقه ويختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، والإيمان أوسع من ذلك يدخل فيه توحيده والإخلاص له، ويدخل فيه تصديقه في كل ما أخبر به رسوله - ﷺ -، وهذا هو موضوع الفصل التالي بإذن الله تعالى.\n_________\n(١) ينظر: الكواشف الجلية، لعبد العزيز المحمد السلمان (ص ٤٢٢)، وشرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العزّ (١/ ٤١).","vol":"1","page":310},{"text":"الباب الثاني:\n\nالفصل ٤ الآيات الواردة في مسائل الإيمان.\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد في تعريف الإيمان.\nالمبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة\nفي مسائل الإيمان.\nالمبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع\nالمتقابلة مسائل الإيمان.","vol":"1","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>تمهيد في تعريف الإيمان:</span>\nالبحث في مسائل الإيمان له قدر كبير من الأهمية؛ ذلك أن الإيمان أشرف مطلوب وأسمى غاية، فبه \"كمال العبد، ورفعة درجته في الدنيا والآخرة، وهو السبب والطريق لكل خير عاجل وآجل\" (١).\nوأقسام التوحيد السابقة تُشكل بمجموعها جانب الإيمان بالله الذي يسمى (التوحيد)؛ لأنه لا يكمل لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة؛ لأنها متلازمة لا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر (٢).\nوقد أجمع أهل البصيرة والعلم بدين الله من الأولين والآخرين أن الإيمان الذي أمر الله به في كتابه، ودعا إليه رسوله - ﷺ -، وكان عليه الصحابة وتابعوهم بإحسان هو: قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية (٣).\nلذا فهو يشمل عقائد الإيمان وأعماله وأخلاقه من الإقرار الكامل، والتصديق الجازم، والاعتراف التام؛ بوجود الله تعالى، وبما له سبحانه من الأسماء الحسنى والصفات العلا والأفعال الناشئة عن أسمائه وصفاته، والاعتراف بانفراده سبحانه بالوحدانية والألوهية، وعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص الدين له، والقيام بشرائع الإسلام الظاهرة، وحقائقه الباطنة، والإقرار بما أخبر به سبحانه عن ملائكته وجنوده والموجودات السابقة واللاحقة، والإخبار باليوم الآخر، والإيمان بجميع الرسل -عليهم صلوات الله وسلامه-، وما وصفوا به من الأوصاف الحميدة، وبجميع الكتب وما تضمنته من الحق والهدى، والإقرار أن الأمور كلها بمشيئة الله وقدرته، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وكلّ ما يطاع الله - ﷿ - به فريضة\n_________\n(١) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي (ص ٧١).\n(٢) أوضح بعض أهل العلم هذه العلاقة بقوله: هي علاقة تلازم وتضمن وشمول، فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات شامل للنوعين معنًا، فالخلل والانحراف في أي نوع منها هو خلل في التوحيد كله. ينظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٤٠ - ٤١)، ودرء التعارض (٩/ ٣٤٤ - ٣٤٥)، ومنهاج السنة (٢/ ٣٧)، والكواشف الجلية، لعبد العزيز محمد السلمان (ص ٤٢٢)، والشرك في القديم والحديث (١/ ٩٧).\n(٣) ينظر: السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ٣٠٧)، والسنة للخلال (٣/ ٥٨٠ - ٥٨١)، والشريعة للآجري (ص ١١٩)، والإيمان لابن مندة (١/ ٣٦٢)، وأصول السنة لابن أبي زمنين (ص ٢٠٧)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٤/ ٨٣٠) وما بعدها، وشرح السنة للبغوي (١/ ١٠، ٣٩)، وشعب الإيمان للبيهقي (١/ ٣٥) وما بعدها، جموع الفتاوى (٧/ ٥٠٥)، كتاب الإيمان (ص ١٤٢)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٥٩) وما بعدها.","vol":"1","page":312},{"text":"ونافلة من أعمال ظاهرة أو باطنة فهو من الإيمان، فالاعتقاد أصل الإيمان وأساسه، والأعمال فروع الإيمان وبها تحققه (١).\nثم إن الخصومة بين أهل السنة ومخالفيهم في تعريفه وأحكامه طويلة الذيل، قديمة التاريخ؛ لأن مسألة الإيمان من مسائل الأسماء والأحكام (٢)، والخلاف فيها أول خلاف عقديٍّ وقع في الأمة (٣)، بل ظل من أعظم قضايا الخلاف (٤) بين هذه الأمة في عصورها كلها، فقد زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام، وما ذاك إلا للبعد عن هدي السلف فيه، وانتهاج طرق مبتدعة في تقريره وتأصيله، فنشأ عن ذلك معتقدات باطلة، وتصورات خاطئة آلت إلى سفك للدماء، وظهور للبدع والمحدثات، لذلك فقد تصدى أهل السنة والجماعة، لهذه البدع مع بداية ظهورها بالرد والبيان، والحجة والبرهان، ولا عاصم من هذه الانحرافات -بإذن الله- إلا بالالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة.\nوالوصول إلى تحقيق الإيمان وكماله موقوف على معرفته وضبطه (٥)، ولهذا اعتنى علماء أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا بهذا الجانب كل الاعتناء، وخصوه بمصنفات كثيرة، حتى صار منهج أهل السنة والجماعة واضحًا كالشمس في رابعة النهار.\nويحسن قبل الشروع في مباحث هذا الفصل التمهيد بتعريفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>أ-تعريف الإيمان في اللغة:</span>\nالمتأمل لما كتبه علماء اللغة، في تعريف الإيمان، يلحظ أن بعضهم يقصر معنى الإيمان على التصديق، والبعض الآخر يُفصِّل، فيجعل الإيمان مشتملًا على معنى أعم من التصديق، وفيما يلي تفصيل ذلك:\n_________\n(١) زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه، أ. د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر (ص ٦ - ٧).\n(٢) المراد بالأسماء: أسماء الدين، مثل: مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق.\nوالمراد بالأحكام: أحكام هؤلاء في الدنيا والآخرة، أي: أحكام أصحاب هذه الأسماء.\nينظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٨).\n(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٤٧٩)، وشرح الأصفهانية (ص ١٣٧)، وجامع العلوم والحكم (١/ ١١٤).\n(٤) قد كان أكبر مسائل الخلاف -حتى ظهر الخلاف في موضوع الصفات.\n(٥) ونتج عن الجهل بحقيقة الإيمان ولوازمه ومقتضياته: زعزعة الأصول والثوابت في عقيدة المسلمين، وضياع التمايز والمفاضلة، والولاء والبراء، والوقوع فيما لا تحمد عقباه في الدنيا والآخرة. بل نجد في هذا العصر اللبراليين يسعون جاهدين في إحياء التراث الفلسفي والمعتزلي وتقريبه للناس في قالب جميل مزخرف؛ مما يؤدي عياذًا بالله إلى تقبل هذا التراث المنحرف في ظل الجهل الذي يخيم على كثير من الناس.","vol":"1","page":313},{"text":"١ - القائلون بأن الإيمان بمعنى التصديق:\nالإيمان لغة: مصدر آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن، وأصل آمن: أأمن بهمزتين لينت الثانية، وهو من الأمن ضد الخوف (١).\nوالإيمان: التصديقُ. والله تعالى المُؤْمِنُ، لأنّه آمَنَ عبادَه من أن يظلمهم. والأَمْنُ: ضدُّ الخوف. والأَمَنَةُ بالتحريك: الأَمْنُ. ومنه قوله - ﷿ -: ﴿أمَنَةً نُعاسًا﴾ والأَمَنَةُ أيضًا: الذي يثق بكلِّ أحد (٢).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ يوسف: ١٧، قالوا: لَمْ يَخْتَلِفْ أَهل التَّفْسِيرِ أَنّ مَعْنَاهُ مَا أَنت بمُصدِّقٍ لَنَا (٣).\n٢ - القائلون بالتفصيل في المعنى اللغوي:\nالإيمان بمعنى الإقرار لا مجرد التصديق؛ فإن الإيمان يتضمن أمرين: أحدهما: الإخبار. وثانيهما: الالتزام.\nوالتصديق إنما يتضمن الأول دون الثاني، بخلاف الإقرار فإنه يتضمنهما جميعًا (٤).\nولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" معلوم أن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار يتضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد\" (٥)، وقال - ﵀ -: \" فإن اشتقاقه -أي الإيمان- من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد\" (٦).\n_________\n(١) ينظر: تهذيب اللغة (١/ ٢٠٩)، معجم مقاييس اللغة (ص ٨٨)، الصحاح (٥/ ٢٠٧١)، لسان العرب (١٣/ ٢١)، القاموس المحيط (ص ١٥١٨).\n(٢) الصحاح في اللغة (٥/ ٢٠٧١).\n(٣) تهذيب اللغة (١٥/ ٣٦٩)، لسان العرب (١٣/ ٢٣)،\n(٤) ينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٥٣٠ - ٥٣١).\n(٥) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٨).\n(٦) الصارم المسلول (ص ٥١٩).","vol":"1","page":314},{"text":"والمعنى المختار للإيمان أن لفظة (آمن) لغة بمعنى (أقرَّ):\nفيكون الإيمان لغة: هو الإقرار القلبي، وهذا الإقرار مشتمل على أمرين:\n١ - اعتقاد القلب، وهو تصديقه بالأخبار.\n٢ - عمل القلب، وهو إذعانه وانقياده للأوامر (١). هذا من جهة اللغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>ب- أما تعريف الإيمان شرعًا:</span>\nفهو: تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهذا ما عليه أئمة السلف (٢)، وإن تعددت بعض عباراتهم؛ لكنها كلها تؤدي إلى معنى واحد.\nوقد حصر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - عبارات السلف المستعملة في أربع: قول وعمل، وقول وعمل ونية، وقول وعمل واتباع السنة، وقول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، فقال: \" ومن هذا الباب أقوال السلف وأئمة السنة في تفسير الإيمان، فتارة يقولون: هو قول وعمل، وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية، وتارة يقولون: قول وعمل ونية واتباع السنة، وتارة يقولون: قول باللسان واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، وكل هذا صحيح، فإذا قالوا: قول وعمل، فإنه يدخل في القول قول القلب (٣) واللسان جميعًا، وهذا هو المفهوم من لفظ القول والكلام، ونحو ذلك إذا أطلق\" (٤).\nوخلاصة ما سبق من حقيقة الإيمان الشرعي أنها: \"مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب، وهو الاعتقاد، وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام.\nوالعمل قسمان: عمل القلب: وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة، زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة، وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فهذا موضع الخلاف بين المرجئة\n_________\n(١) ينظر: الإيمان حقيقته وخوارمه ونواقضه عند أهل السنة، لعبد الله بن عبد الحميد الأثري (ص ٨).\n(٢) ينظر: السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ٣٠٧)، والسنة للخلال (٣/ ٥٨٠ - ٥٨١)، والشريعة للآجري (ص ١١٩)، والشرح والإبانة (ص ١٩٢) باب الإيمان، والإيمان لابن مندة (١/ ٣٦٢)، وأصول السنة لابن أبي زمنين (ص ٢٠٧)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٤/ ٨٣٠) وما بعدها، وشرح السنة للبغوي (١/ ١٠، ٣٩)، وشعب الإيمان للبيهقي (١/ ٣٥) وما بعدها، جموع الفتاوى (٧/ ٥٠٥)، كتاب الإيمان (ص ١٤٢)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٥٩) وما بعدها.\n(٣) وقول القلب: هو إقراره ومعرفته وتصديقه، وعمله هو انقياده لما صدق به.\n(٤) كتاب الإيمان (ص ١٣٧).","vol":"1","page":315},{"text":"وأهل السنة، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول، بل ويقرون به سرًا وجهرًا، ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به\" (١). هذا هو تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة، أما أصحاب البدع المتقابلة، فيمكن تقسيم قولهم في الإيمان إلى قسمين: قسم أفرطوا فأدخلوا العمل في الإيمان ورأوا أنه كلٌّ واحد لا يتجزأ؛ إذا ذهب بعضُه ذهب كلُّه، وقسم فرطوا فأخرجوا العمل من الإيمان وهم أقسام يجمعهم وصف الإرجاء.\n_________\n(١) نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف، لمحمد علي الوهيبي (١/ ٣٣).","vol":"1","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في مسائل الإيمان</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>تمهيد:</span>\nلا يخفى أنَّ للإيمان أهمية بالغة؛ إذ هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأهل الجنة وأهل النار، وهو الشرط في قبول الأعمال، وإذا عدم لم يقبل من الإنسان صرف ولا عدل ولا فرض ولا نفل (١).\nلذا فإن الانحراف في فهم حقيقة الإيمان، ينبني عليه أحكام دنيوية وأخرويّة كثيرة، لا مجال لتفصيلها، سوى أن نعلم بأن الشيطان استزل أكثر الناس في هذه المسألة (٢)، \"فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره، وتعدّى بآخرين فكفروا من حكم الكتاب والسنة والإجماع بأنه مسلم\" (٣).\nوهكذا شأن الابتداع في الدين، فما يبتدع أحد بدعة إلا ويأتي عقبه من يبتدع بدعة تضاد بدعته وتقابلها، وحسبك أن تعلم ما يقابل هذا الاتساع من خفاء السنن واندراسها (٤).\n_________\n(١) ينظر: جامع العلوم والحكم (١/ ١١٤) ت: الأرنؤوط.\n(٢) أي مسألة الإيمان، ويعبر عنها العلماء بمسألة (الأسماء والأحكام) بمعنى: اسم العبد في الدنيا هو هل مؤمن أو كافر أو ناقص الإيمان ...؟ وحكمه في الآخرة أمن أهل الجنة هو أم من أهل النار، أم ممن يدخل النار ثم يخرج منها ويخلد في الجنة؟ .\n(٣) كلام الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في الدرر السنية (٨/ ٢١٧).\n(٤) ينظر: مسألة الإيمان، د. علي الشبل (ص ١٢).","vol":"1","page":317},{"text":"من أجل ذلك انقسم المسلمون في باب مسائل الإيمان إلى ثلاثة أقسام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>القسم الأول: المرجئة </span>(١)، وإن أحسنوا في إثبات إيمان أهل الذنوب، والرحمة لهم؛ إلا أنهم أساؤوا حين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة (٢)، وأن من صدّق بقلبه ولو لم يعمل فهو مؤمن كامل الإيمان، فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان، ولا يستحق دخول النار.\nوقد سموا بالمرجئة؛ لأنهم قالوا: إن الأعمال ليست من الإيمان، فأخروا الأعمال أي: أرجئوها، فبذلك سموا (٣).\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-315> القسم الثاني: فهم الوعيدية </span>(٤)، وهؤلاء وإن أحسنوا في إدخال العمل في مسمى الإيمان، إلا أنهم أساؤوا حين قالوا: بأنه لا يستحق اسم الإيمان إلا من صدّق بجنانه، وأقر بلسانه، وقام بجميع الواجبات، واجتنب جميع الكبائر، فمرتكب الكبيرة عندهم لا يسمى مؤمنا، ولكنهم اختلفوا هل يسمى كافرًا أو لا؟ فالخوارج يسمونه كافرًا ويستحلون دمه\n_________\n(١) المرجئة: هم من أخرجوا العمل عن حقيقة الإيمان، وكانت بدايتهم في أواخر العقد السابع وأوائل العقد الثامن من المائة الأولى للهجرة ٨٢ هـ، وهم أقسام وفرق متعددة مختلفة في تحديد معنى الإيمان، فمنهم القائلون بأن الإيمان بالقلب واللسان فقط: مرجئة الفقهاء، وابن كلاب. ومنهم القائلون بأن الإيمان بالقلب فقط: الجهمية، والمريسية، والصالحية، والأشعرية، والماتريدية. كما أن منهم القائلون بأن الإيمان باللسان فقط: الكرامية. وغيرهم من الحداثيين والعقلانيين والعصرانيين الذين يطالبون بتجديد الفقه الإسلامي بأي طريقة ووسيلة.\n\nقد يتصور البعض أن المرجئة كسائر الطّوائف لهم آراء في جميع المجالات الكلاميّة، خاصّة بهم، يفترقون بها عن غيرهم، لكنَّ الأصل المقوّم للمرجئة هو مسألة تحديد الإيمان والكفر. وأمّا الموضوعات الاُخرى فليس لهم فيها رأي خاصّ. ولأجل ذلك تفرّقوا في آخر أمرهم وذابوا في فرق متبدّدة ومتضادّة، وهي:\n١ - مرجئة الخوارج ٢ - مرجئة القدرية ٣ - مرجئة الجبرية ٤ - المرجئة الخالصة.\nينظر: الملل والنحل (١/ ١٣٩ - ١٤٠)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٣ - ٢٢٣)، والفرق بين الفرق (ص ٢٠٢)، والفصل (٥/ ٧٣)، والملل والنحل (١/ ١٣٧).\n(٢) ينظر في تقرير مذهب هؤلاء، وأقوال العلماء فيه: السنة للخلال (٣/ ٥٧٦ - ٥٨٧)، وخلق أفعال العباد للبخاري (ص ١٥)، والرد على الجهمية للدارمي (ص ٢٥)، ومجموع الفتاوى (٧/ ٥٨٢ - ٥٨٥، ٢٠٩).\n(٣) ينظر: الإيمان لابن تيمية (ص ١٨٩ - ٢٣٩)، والتسعينية (ص ١٦٠)، ومجموع الفتاوى (٢/ ٩٤).\n(٤) الوعيدية: هم من يُغلب جانب الخوف والوعيد على جانب الرجاء والوعد عند حكمهم على مرتكب الكبيرة، ويقولون بإنفاذ الوعيد، وأن مرتكب الكبيرة إذا مات ولم يتب؛ فهو مخلَّد في النار. وقالوا: إن الله توعَّد العاصين بالنار والعذاب، وهو لا يخلف الميعاد. وأبرز من يمثل مذهبهم الخوارج والمعتزلة، ومن وافقهم.\n\nينظر: شرح العقيدة الواسطية للهراس (ص ١٨٨)، ونواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف (١/ ١٣٣).","vol":"1","page":318},{"text":"وماله (١). وأما المعتزلة فقالوا: إن مرتكب الكبيرة في الدنيا خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو بمنزلة بين المنزلتين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>القسم الثالث: أهل السنة والجماعة</span>، وهم من جمعوا الإحسان كله، فقد توسطوا فلا إفراط ولا تفريط، فجعلوا الإنسان مستحقا اسم الإيمان واسم الإسلام، ولو كان معه شيء من الذنوب وشيء من المعاصي، فمرتكب الكبيرة عندهم ناقص الإيمان، قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصيته، فلا ينفون عنه الإيمان أصلا ولا يخرجونه من الإسلام بالكلية كالخوارج والمعتزلة، الذين يكفرون بكل ذنب، وكذلك لم يكونوا كالجهمية المرجئة؛ الذين يجعلونه كامل الإيمان، ويعتقدون أن المعاصي (٣) لا تضره!، بل جعلوه مؤمنا ناقص الإيمان، أو قالوا: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته (٤).\nوبالجملة فإن الأصل الذي نشأ منه النزاع بين المبتدعة في مسائل الإيمان، وسبب انحرافهم فيه، أصل واحد اتفقت عليه الأطراف المتناقضة جميعًا، وانطلقوا منه: هو أن الإيمان شيء (٥) واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يتبعض، وأنه لا يجتمع في القلب الواحد إيمان ونفاق، ولا يكون في أعمال العبد الواحد شعبة من الشرك وشعبة من الإيمان (٦)، ثم تضاربت عقائدها المؤسسة عليه، فانقسم الناس إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان! .\nوقد بين شيخ الإسلام ذلك الأصل الذي كان سببًا لنشوء تلك الضلالات، وكشف عن تلك اللوازم بقوله: \" وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان؛ من الخوارج، والمرجئة، والمعتزلة،\n_________\n(١) ولهذا كفروا عليًّا ومعاوية وأصحابهما، واستحلوا منهم ما يستحلون من الكفّار.\n(٢) ينظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١١٤)، والخوارج في العصر الأموي لنايف محمود معروف (١٨٧/ ١٩٤)، وتاريخ الطبري (٥/ ٥٥)، ودراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين للدكتور أحمد محمد جلي (ص ٥٣).\n(٣) المعاصي لا تخرج العبد من الإيمان ولكن عليه منها ضرر، فإنها قد تجتمع على العبد فتهلكه، ولا يخلد في النار؛ ولكن يستحق دخولها، ويعذب بقدر سيئاته، إذا كان من أهل العقيدة الصحيحة، ومن أهل الإسلام، ولكن معه ذنب.\n(٤) ينظر: شرح السنة للبربهاري (ص ٧٣)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٦٢، ١٧٥، ١٧٦)، شرح السنة للبغوي (١/ ١٠٣)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٥١، ٣٧٤) (٤/ ٣٠٧)، شرح الطحاوية (٢/ ٥٢٤)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني (ص ٢٧٦).\n(٥) وهو ما أطلقوا عليه بعد استخدام المصطلحات الفلسفية والمنطقية \"الماهية\"، وقالوا: إن للإيمان ماهية معينة لا تقبل التعدد ولا التبعيض، إما أن توجد وإما أن تفقد فلا أبعاض له بحيث يذهب بعضه ويبقى بعضه. وسيأتي مزيد بيان لهذا.\n(٦) ينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٥١٠).","vol":"1","page":319},{"text":"والجهمية وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا إذا زال بعضُه زال جميعُه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه ... ثم قالت الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان فذهب سائره، فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان.\nوقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئًا واحدًا لا يتبعض. إما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة، قالوا: لأنا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءًا منه، فإذا ذهب بعضه؛ فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج، لكن قد يكون له لوازم ودلائل فيستدل بعدمها على عدمه\" (١). وبيان ما سبق في المطلبين الآتيين.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٥١٠ - ٥١١)، وينظر: الإيمان لابن تيمية (ص ١٧٦)، وشرح العقيدة الأصفهانية (٢/ ٥٧٤).","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في مسائل الإيمان</span>.\nيعتبر الإرجاء من أخطر الانحرافات العقدية المؤثرة في حياة المسلمين، فمسألة الإيمان أهم مسألةٍ عقدية؛ لأنها أصل الدين وأساسه، وهي المعيار في معرفة المؤمن من الكافر، والموحّد من المشرك، فالانحراف فيها لا بد أن يكون له آثار عظيمة في المجتمع الإسلامي (١).\nلذلك ذم السلف الصالح الإرجاء ذمًا شديدًا، ومن ذلك قول الزهري (٢): \" ما ابتُدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء\" (٣)، وقال شريك القاضي (٤)\nفيهم: \" هم أخبث قوم\"، وقال قتادة (٥): \"ليس من الأهواء شيء أخوف على الأمة من الإرجاء\" (٦).\nوقد صدقوا في ذلك فإن آثار الإرجاء فاقت آثار سائر البدع الاعتقادية والعملية الأخرى، كما أن عقيدة المرجئة لم تكن على الإطلاق ثمرة نظر في النصوص الشرعية ولا وليدة اجتهاد عقلي سوي، وإنما هي وليدة مواقف انفعالية جدلية أفرزتها المعارك الكلامية الطاحنة بين الفرق البدعية (٧)، لذا فالمرجئة من الفرق الضالة التي فرطت في حق الله - ﷿ -، وذلك بعدم طاعته وعدم القيام بأحكامه وشريعته ﷾، وذلك عن طريق إخراج العمل عن مسمى الإيمان.\nإذ لا يكفي المسلم مجرد إعلانه باللسان أنه مؤمن، فما أكثر المنافقين الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)\n_________\n(١) ينظر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها، د. عبد الرحيم السلمي (ص ٣٣٢).\n(٢) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله، أبو بكر القرشي الزهري المدني، فقيه حافظ متقن، توفي سنة ١٢٥ هـ.\nينظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٧٧)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ٣٢٦)، وتهذيب التهذيب (٩/ ٤٤٥).\n(٣) ينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٢١).\n(٤) هو: شريك بن عبد الله النخعي، أبو عبد الله الحافظ القاضي، أحد الأعلام، ولي قضاء الكوفة، وكان فيه تشيع خفيف، وكان عادلًا فاضلًا شديدًا على أهل البدع، ولد سنة ٩٥، وتوفي بالكوفة سنة ١٧٧ هـ.\n\nيظر: تاريخ بغداد (٩/ ٢٧٩)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ١٧٨ - ١٩٢)، وتقريب التهذيب (١/ ٣٥١).\n(٥) هو: قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري الضرير، كان حافظ العصر وقدوة المفسرين والمحدثين ولد سنة (٦٠ هـ) وتوفي سنة (١١٨ هـ).\nينظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٧٧)، ذكرها اللالكائي في السنة (٤/ ٦٩٩).\n(٦) الإيمان لابن تيمية (ص ٢٦٧).\n(٧) وأخيرا - بعد استقرار النظرية - يبحثون لها عن مستند من النصوص يتعسفونها تعسفا. بل وصل الأمر بهم إلى أن يضعوا الأحاديث في فضل الإرجاء وأهله وذم المخالفين لهم، ومن أشهر واضعيهم: الجويباري. ينظر: المجروحين لابن حبان (١/ ١٤٢)، درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٩٢)، وظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (١/ ١٢٨).","vol":"1","page":321},{"text":"يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ البقرة: ٨ - ٩، كما أنه لا يكفي مجرد المعرفة الذهنية بحقائق الإيمان، فكم من قوم عرفوا حقائق الإيمان ولم يؤمنوا، قال تعال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ النمل: ١٤.\n\nويهمنا هنا الوقوف على أسباب الانحراف المؤدية إلى التفريط في مسائل الإيمان، وهي:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-318> أولًا: أن الإرجاء ردة فعل لغلو الخوارج:</span>\nالمرجئة فرقة إسلامية نشأت بعد ظهور الخوارج، كردِ فعل لغلو الخوارج؛ لأنهم أرادوا دفع فكر التكفير واستباحة الدماء لدى الخوارج، لجعل أهل القبلة كلهم مؤمنين وليسوا كفارًا، كما وجدوا النصوص الكثيرة (١) والنظر العقلي يدلان على فساد قول الخوارج -ما يعني أنهما لم يكونا منذ النشأة منهجين متعادلين-.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" إنما أحدث الإرجاء قوم قصدهم جعل أهل القبلة كلهم مؤمنين ليسوا كفارًا\" (٢).\nوقد خاضوا في مواقف انفعالية جدلية أفرزتها المعارك الكلامية الطاحنة بين الفرق البدعية، فوقعوا في بدعتهم، التي تقتضي تهوين ركن أساسي في الإيمان وهو \"العمل\" (٣)، وتطور الخلاف بين أصحابه في الجانب التطبيقي، ليصبح موضوعه الرئيس حكم مرتكب الكبيرة (الفاسق الملي)، بعد أن كان -في السابق-عثمان وعليًا وسائر الصحابة زمن الفتنة، وبهذا التطور آل الأمر إلى منهجين متضادين على الحقيقة، كما فتحت هذه البدعة الباب للخطأ في العقائد والأعمال - والله المستعان-.\n_________\n(١) كنصوص دخول الموحدين الجنة مهما عصوا ولو بعد حين، ونصوص إثبات الإسلام لمرتكب الكبيرة.\n(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٤٦).\n(٣) ينظر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها (ص ٣٣٢ - ٣٣٣).","vol":"1","page":322},{"text":"ولكن الأمر لم يقف عند حد ردة الفعل -التي وقف منها السلف موقفًا قويًا لعلمهم بخطورتها (١) -، بل تجاوزه على يد أهل الكلام الذين قعدوا لهذه البدعة، وأقاموا عليها مذهبًا كاملًا في باب الإيمان ونواقضه.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-319> ثانيًا: الأثر المنطقي، والتزامهم لوازمه الباطلة:</span>\nكان جهل المرجئة بالشرع وإعراضهم عنه (٢) سببًا في تعلقهم -لدفع خصومهم بأوهام ذاتية أو تصورات غريبة- بقواعد المنطق-بعد أن كان موضوعها الأصلي نفي الصفات-، فجعلوها علمًا معياريا يحكم في القضايا النظرية الخلافية عامة، ومنها قضية الإيمان، وليس للنصوص فيها - إن وجدت - إلا مكانة ثانوية، فالأساس الذي انطلق منه أصل الإيمان عند المرجئة وغيرهم ممن ضل في باب الإيمان، هو المنطق، حيث أثبتوا ما أسموه (الماهية (٣»، ذلك أن الحد المنطقي يشترط فيه وجود حقيقة وماهية يستوي فيها جميع أفراد المعرَّف، مما يعني القضاء بامتناع تفاضل أفراد النوع في الحقيقة والماهية.\nفوضعوا سؤالًا هو: ما الإيمان؟ وأخذوا يبحثون في جوابه على الأسلوب المنطقي الذي يقصد من التعريف \"تصور الماهية\" (٤) فضلوا؛ ذلك أن البحث في ماهية الإيمان المجردة -\n_________\n(١) ومن هذه المواقف: تأليفهم للمصنفات الكبرى في شعب الإيمان وأبوابه، كما قاموا ببيان فساد مذهبهم، والتحذير منهم، ومن مسالك علماء السلف مع مبتدعة المرجئة الحوار معهم، وبيان تهافت فكرتهم وبطلانها، كان السلف لا يحضرون جنائزهم، ولا يصلون عليهم إذا ماتوا.\nينظر: العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها والدفاع عنها حتى نهاية العصر الأموي، لعطاء الله المعايطة (ص ٦٠١).\n(٢) بسبب جعلهم النصوص الشرعية ظنية الثبوت كالآحاد، أو ظنية في الدلالة كالمتواتر وعند تعارض العقل والنقل، فالعقل مقدم عليه، والنقل يؤَول ليوافق العقل.\n(٣) وهذا القول نشأ حينما امتزج علم المنطق بعلم الكلام. وماهية الشيء هي حقيقته وهي أصله وأساسه وجوهره، وما به قوامه وما يقوم عليه وجوده، فالوجود بلا ماهية عدم ووجود هش لا أساس له، والماهية إما بسيطة، وإما مركبة، وذلك لأن الأشياء إما عقلية لا يتمايز أجزاؤها في الخارج أو خارجية يتمايز أجزاؤها في الخارج، فالماهيات العقلية بسيطة والماهيات الخارجية مركبة.\n\nومصطلح الماهية يورده الفلاسفة والمتكلمون ونادرًا ما يستعمله علماء المسلمين.\nينظر: معجم ألفاظ العقيدة، لعامر عبد الله فالح (ص ٣٧٣).\n(٤) الغرض من مبحث الحدود في علم المنطق: هو إثبات الماهية من حيث هي هي، وإثبات ذوات مجردة، وإلا لانتقص الحد، وامتنع حصول التصور لتمام الماهية.\nينظر: آداب البحث والمناظرة للشنقيطي (ص ٤٨).","vol":"1","page":323},{"text":"بزعمهم- والتفريق بين لوازمها الذاتية والعرضية، أدى بهم إلى الحكم بأن العمل ليس داخلًا في الماهية ولا من اللوازم العرضية، وإنما هو من قبيل \"العرض العام\" (١).\nلأنهم أرادوا استخراج القدر الكلي المشترك بين درجات الإيمان، ليتصوروا ماهية الإيمان وحقيقته بمعزل عن صفاته العرضية (٢)، فكان طبيعيًا ألا يدخلوا الأعمال في الإيمان؛ لأنها مفقودة بكاملها عند من يصدق بقلبه ولم يقر بلسانه -بدلالة اللغة-، أو من أقر بالإيمان ولم يعمل شيئًا -بدلالة حديث الجارية (٣) بزعمهم-، وبذلك جاءت تعاريفهم للإيمان خالية من ذكر عمل الجوارح بالمرة، بل محصورة في عمل قلبي واحد وهو التصديق أو الاعتقاد (٤).\n\nويمكن الإشارة باختصار إلى أخطر النتائج التي ترتبت على ذلك، وهي:\n- انحصار مفهوم العبادة في القلب: وهذا التصور الضيق للعبادة أدى إلى إهمال أركان الإسلام والإيمان، فأصبح الإنسان بوسعه أن يتصور مؤمنًا لا يؤدي من أعمال الإسلام شيئًا، وهذا ما شجع على التفلت من التكاليف الشرعية؛ لأن النفس البشرية بطبيعتها ترغب الدعة وترك العمل (٥).\n- إهمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: بناءً على انحصار مفهوم العبادة في القلب، أصبحت الشعائر التعبدية (٦) تؤدى كعادات موروثة ليس لها أثر في الحياة،\n_________\n(١) العرض العام عندهم هو: الكلي الخارج عن الماهية، الذي يقال عليها وعلى غيرها فهو أعم منها، ومن هنا كان هو الكلي الوحيد من الكليات الخمس الذي لا يصح أن يدخل في التعريفات، وإنما ذكروه معها على سبيل التمييز.\nينظر: تسهيل المنطق، لعبد الكريم مراد (ص ٢٤)، ظاهرة الإرجاء (ص ٤٥٢).\n(٢) جاء هؤلاء المرجئة فاثبتوا تلك الماهيات المطلقة التي اختلقها أفلاطون وأرسطو، وطبقوا كل نتائجها على موضوع \"الإيمان\"، فكانت النتيجة القاصمة وهي أن أعمال الإسلام كله ابتداء من قول لا إله إلا الله وانتهاء بالنوافل، ما هي إلا عرض للإيمان وليست من ماهيته، وأنه لم يأت بشيء من ذلك قط يدخل الجنة بسلام -ولو بعد حين-! !، مع العلم أنه ليس كل أحد من المرجئة أثبت وجود الماهية صراحة، ولكن من لم ينص على ذلك بنى كلامه على أساس ثبوتها فالنتيجة واحدة. ينظر: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (٢/ ٤٦٩).\n(٣) رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، برقم (٥٣٧).\n(٤) ينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٥١٣)، والإيمان لابن تيمية (١٨٤ - ١٨٥) (٣٨٧ - ٣٩١)، وظاهر الإرجاء (٢/ ٤٧٤).\n(٥) ينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٦٢١) (١٤/ ١٢٠)، الصلاة وحكم تاركها لابن القيم (ص ٥٤)، الموافقات للشاطبي (١/ ٣٦٧)، حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها (ص ٣٤٠).\n(٦) تم عزل العبادة بمفهومها الشامل عن بقية الإسلام، حتى كأنه منحصر في الشعائر التعبدية دون بقية أجزاء العبادة كالجهاد والدعوة والبر والصلة، وطلب العلم، والأمر بالمعروف والنهي عن النكر، والحكم بما أنزل الله، والصدق، والأمانة، والوفاء بالعقود ونحوها من العبادات التي تجعل الدنيا مزرعة للآخرة تُعمر بكل أنواع الإعمار لتكون موافقة لمرضاة الله تعالى، بل نشأت دعوة عن الإعراض عما سوى الشعائر التعبدية؛ لأنها تشغل عن عبادة الله تعالى، فتركوا الجهاد وإنكار المنكر ورد الطغيان والاستعمار ومقاومة الظلم وغيرها. ينظر: الليبرالية في العالم الإسلامي (ص ٣٤١).","vol":"1","page":324},{"text":"وإن كان الإرجاء يعذر تاركها، لهذا تم إخراج العمل النافع من العبادة نتيجة لهذا التصور المنحرف، فأصبحت العبادة في مقابل العمل الدنيوي، ولهذا سهل تقبل الأفكار الغربية المناقضة لأصول الإسلام؛ لأنها لا تعارض الإيمان فيما يعتقدون، فسياج التصديق القلبي لم يخترق-بزعمهم-! ! (١).\n- انتشار مظاهر الشرك في الأمة: ويعود ذلك إلى أن المنهج الكلامي الإرجائي، اعتبر التوحيد هو مجرد اعتقاد قلبي بربوبية الله وأسمائه وأفعاله، ولا يكون الشرك إلا مقرونًا باعتقاد الاستقلالية في الخلق والإيجاد بزعمهم!، بناء على ذلك أصبح مدلول كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) أي: لا خالق إلا الله، فالإله هو القادر على الاختراع والخلق، وليس معناه المعبود عندهم، وبسبب هذا الفكر الإرجائي تحول المجتمع الإسلامي إلى إحياء المقابر، وتحويلها إلى معابد وثنية يعبد فيها غير الله تعالى، بل تطور الأمر إلى انتشار المذاهب الإلحادية كمذهب وحدة الوجود، والتصوف الفلسفي، ومذهب الرافضة، ولم يجرؤ علماء الإرجاء على اعتبار ذلك كفرًا؛ لأن ذلك لا يؤثر على أصل الإيمان، بل إن غالية المرجئة هم ممن ينكرون الوعيد والعقاب في الآخرة بالكلية (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-320> ثالثًا: الفهم المغلوط لحقيقة الإيمان:</span>\nتكاد المرجئة أن تجمع على أن العمل ليس ركنًا من أركان الإيمان ولا داخلًا في مفهومه، محتجين بالتفسير اللغوي لمصطلح الإيمان -بأنه التصديق فقط-، مستدلين على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب وأن القرآن نزل بلغتهم ونحو ذلك.\n_________\n(١) ينظر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها (ص ٣٤٢).\n(٢) كما يفعله طوائف من الاتحادية والمتفلسفة والقرامطة والباطنية من الجبرية المرجئة. ينظر: حقيقة التوحيد بين أهل السنة والمتكلمين، د. عبد الرحيم السلمي (ص ٤٩٨) وما بعدها، الليبرالية في العالم الإسلامي (ص ٣٤٥ - ٣٤٦).","vol":"1","page":325},{"text":"وهذا الفهم المغلوط لحقيقة الإيمان وتعريف معناه؛ كان بسبب توهمهم أن الإيمان لو كان مركبًا للزم منه ذهابه كله بذهاب بعضه، ولخرج العصاة من الإيمان، وهو قول الخوارج، وللزم منه اجتماع الإيمان والكفر في الشخص، وهذا مخالف للأصل الذي اعتمدوه (١)، فلما كان ارتكاب المحظورات وترك الفرائض هو من جنس الأعمال لا الاعتقادات، وكانت النصوص الكثيرة (٢) والنظر العقلي يدلان على فساد قول الخوارج والمعتزلة، اتفقت سائر فرقهم على إخراج الأعمال من مسمى الإيمان، وحصره في تصديق القلب وقول اللسان، وإنكار زيادة الإيمان ونقصانه حتى يسلم لهم الأصل المذكور، فيظل تارك الفريضة أو مرتكب المحرم مؤمنًا، بل لم يتورع بعضهم عن التصريح بمساواة إيمانه بإيمان الملائكة والنبيين بناء على هذا الأصل (٣).\nمن أجل ما آل إليه هذا الفهم من ظهور للبدع، فقد بين شيخ الإسلام - ﵀ - المنهج الصحيح في ذلك، فقال: \" ومما ينبغي أن يُعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي - ﷺ - لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم؛ ولهذا قال الفقهاء: الأسماء ثلاثة أنواع:\nنوع يُعرف حده بالشرع؛ كالصلاة والزكاة.\nونوع يُعرف حده باللغة؛ كالشمس والقمر.\nونوع يُعرف حده بالعرف؛ كلفظ القبض، ولفظ المعروف في قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ النساء: ١٩، ونحو ذلك ... فاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك قد بين الرسول - ﷺ - ما يُراد بها في كلام الله ورسوله، وكذلك لفظ الخمر وغيرها، ومن هناك يعرف معناها، فلو أراد أحد أن يفسرها بغير ما بينه النبي - ﷺ -؛ لم يقبل منه، وأما الكلام في اشتقاقها ووجه دلالتها؛ فذاك من جنس علم البيان، وتعليل الأحكام، وهو زيادة في العلم وبيان حكمة ألفاظ القرآن، لكن معرفة المراد بها لا يتوقف على هذا.\n_________\n(١) بأن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، وأنه لا يجتمع في القلب الواحد إيمان ونفاق، ولا يكون في أعمال العبد الواحد شعبة من الشرك وشعبة من الإيمان.\n(٢) كنصوص دخول الموحدين الجنة مهما عصوا ولو بعد حين، ونصوص إثبات الإسلام لمرتكب الكبيرة.\n(٣) ينظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (ص ١٣٢)، والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان للسكسكي (ص ٣٣)، وظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (٢/ ٤٠٢).","vol":"1","page":326},{"text":"واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر أعظم من هذا كله؛ فالنبي - ﷺ - قد بين المراد بهذه الألفاظ بيانًا لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك؛ فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله؛ فإنه شافٍ كافٍ؛ بل معاني هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصة والعامة، بل كل من تأمل ما تقوله الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان علم بالاضطرار أنه مخالف للرسول، ويعلم بالاضطرار أن طاعة الله ورسوله من تمام الإيمان، وأنه لم يكن يجعل كل من أذنب ذنبًا كافرًا، ويعلم أنه لو قدر أن قومًا قالوا للنبي - ﷺ -: نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك ونُقِرُّ بألسنتنا بالشهادتين؛ إلا أنَّا لا نطيعك بشيء مما أمرت به ونهيت عنه؛ فلا نصلي، ولا نصوم، ولا نحج، ولا نصدق الحديث، ولا نؤدي الأمانة، ولا نفي بالعهد، ولا نصل الرحم، ولا نفعل شيئًا من الخير الذي أمرت به، ونشرب الخمر، وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر، ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك، ونأخذ أموالهم، بل نقتلك أيضًا ونقاتلك مع أعدائك؛ هل كان يتوهم عاقل أن النبي - ﷺ - يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملو الإيمان، وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة، ويرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار؟ ! بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك.\nوكذلك كل مسلم يعلم أن شارب الخمر والزاني والقاذف والسارق لم يكن النبي - ﷺ - يجعلهم مرتدين يجب قتلهم، بل القرآن والنقل المتواتر عنه يبين أن هؤلاء لهم عقوبات غير عقوبة المرتد عن الإسلام، كما ذكر الله في القرآن جلد القاذف والزاني وقطع السارق، وهذا متواتر عن النبي - ﷺ -، ولو كانوا مرتدين لقتلهم؛ فكلا القولين مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسول - ﷺ -\" (١).\nوحقيقة الأمر أن المرجئة تعتبر الإيمان قضية ذهنية مجردة -تسميها تصديقًا أو معرفة- تعلق هذه القضية بالقلب كمادة جامدة ومعزولة لا تزيد ولا تنقص، توجد كاملة أو تذهب كاملة، ولا تستلزم أي أثر في الوجدان والشعور أو الحركة والكدح، بل هي مثل أية معلومة\n_________\n(١) كتاب الإيمان (ص ٢٢٤ - ٢٢٥).","vol":"1","page":327},{"text":"رياضية أو مقولة فلسفية! ! لهذا جاءت أصولها الاعتقادية مجافية تمامًا للدين والفطرة والعقل والحقيقة الإنسانية (١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-321> رابعًا: الاحتجاج بنصوص الوعد:</span>\nاحتج المرجئة بنصوص الوعد التي فهموا منها حصول الإيمان لمن جاء بالقول حتى ولو لم يعمل، كما في حديث البطاقة (٢)، وحديث الجارية (٣)، وحديث حذيفة - ﵁ - (٤)،\nونحو ذلك من النصوص والعموميات، التي فهموا منها أنه لا يشترك في الإيمان فعل الواجبات، وأن من وجبت عليه العبادات فتركها، وارتكب المحظورات يستحق اسم الإيمان المطلق، وأولوا لأجل تلك النصوص ما يقابلها من نصوص الوعيد التي فيها نفي الإيمان عمن ارتكب بعض الذنوب (٥).\nوالنفس البشرية بطبيعتها ترغب الدعة وترك العمل (٦)، وتميل إلى التفلت من أوامر الشرع؛ لذلك انبنى على الاحتجاج بنصوص الوعد، التشريع لممارسة المعاصي وارتكاب الكبائر، وإنكار حد الردة، وترك الجهاد، إلى غير ذلك من الانحرافات.\n_________\n(١) ينظر: ظاهر الإرجاء في الفكر الإسلامي (١٨٧ - ١٨٨).\n(٢) رواه أحمد في مسنده (٢/ ٢١٣) عن عبد الله بن عمرو، والترمذي في كتاب الإيمان باب ما داء فيمن يموت وهو يشهد ألا إله إلا الله برقم (٢٦٣٩)، وقال: \"حسن غريب\". وابن ماجه في كتاب الزهد باب مايرجى من رحمة الله يوم القيامة برقم (٤٣٠٠)، والحاكم (١/ ٦، ٥٢٩) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\n(٣) رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، برقم (٥٣٧).\n(٤) حديث حذيفة بن اليمان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة. ويسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها. فقال له صلة: \"ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة تنجيهم من النار ثلاثًا)، وقد لحقهم ما منع المؤاخذة.\n\nرواه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب ذهاب القرآن والعلم. برقم (٤٠٤٩)، ورواه الحاكم (٤/ ٤٧٣ و٥٤٥) وقال إسناده صحيح على شرط مسلم، والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (٨٧) (١/ ١٢٧).\n(٥) ينظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٨١)، الدرر السنية (١٠/ ١٣٩، ٣١٨، ٣٢٠، ٣٣٢)، (١٢/ ١١)، (١٣/ ٢٢٥)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٥٨).\n(٦) ينظر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها (ص ٣٤٠).","vol":"1","page":328},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-322> خامسًا: الاحتجاج بالقدر:</span>\nالخائضون في القدر بالباطل ثلاثة أصناف: المكذبون به (كالمعتزلة)، والدافعون للأمر والنهي به (كالجهمية والجبرية)، والطاعنون على الرب - ﷿ - بجمعه بين الأمر والقدر (كالإبليسية)، وهؤلاء شر الطوائف (١).\nوقد ظهرت المرجئة بعدهم بزمن قريب (٢)، واشتركت معهم في إضعاف أمر الله، وأمر الإيمان، والوعد والوعيد، بل إن غالية المرجئة هم ممن ينكرون العقاب بالكلية، أو ينكرون الوعيد في الآخرة رأسًا، كما يفعله طوائف من الاتحادية والمتفلسفة والقرامطة والباطنية من الجبرية المرجئة (٣).\nوالمرجئ الذي أخرج العمل من حقيقة الإيمان، يرى أن التصديق القلبي يكفي في الإيمان، ولو فعل ما فعل من الكفر والإلحاد والمعاصي، ما دام أنه لم يصدر عن تكذيب فليس بكفر (٤)؛ من أجل ذلك نجد أن غلاة المرجئة يجعلون كل الأفعال طاعات، فيقولون: إن خالفنا الأمر فقد وافقنا القضاء والقدر، أي: خالفنا أمرَه وأطعنا قدرَه ومشيئته، ولا فرق عند المرجئة بين القضاء والقدر وبين الشرع فهما شيء واحد من أطاع أحدهما فقد أطاع الله -تعالى الله عما يقولون- (٥).\n_________\n(١) ينظر: منهاج السنة (٣/ ٨٢).\n(٢) ظهر الإرجاء في أواخر عصر الصحابة، في الوقت الذي ظهر القول بالقدر، وبهذا ظهرت أصول الفرق الضلالة الأربع وهي: \"الشيعة، والخوارج، والمرجئة، والقدرية\"، وقد تزامنت نزعة الإرجاء مع مسائل الإيمان، بينما كانت نزعة القدر متزامنة مع مسائل القضاء والقدر، إلا أن هاتين النزعتين توزعتا على بعض الفرق الإسلامية، بحيث كان الغالب على المعتزلة القول بالقدر في مسائل القضاء والقدر، أما في مسائل الإيمان فغلب عليهم قول الخوارج، وإن كانوا يختلفون عنهم في بعض التفصيلات، أما الأشاعرة فغلب عليهم القول بالجبر، والذي هو على النقيض من القول بالقدر، وغلب عليهم في مسائل الإيمان القول بالإرجاء، والذي هو على النقيض من نزعة الوعيدية التي عليها الخوارج والمعتزلة.\n\nينظر: درء التعارض (٥/ ٢٢٤ - ٣٠٢)، ومنهاج السنة (٣/ ١٨٤)، ومجموع الفتاوى (١٣/ ٢٧).\n(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وغالية المرجئة أنكرت عقاب أحد من أهل القبلة\". مجموع الفتاوي (١٢/ ٢٤٢)، وقال أيضا: غالية المرجئة -يقولون -: \"إن الوعيد الذي جاءت به الكتب الإلهية إنما هو تخويف للناس لتنزجر عما نهيت عنه من غير أن يكون له حقيقة، بمنزلة ما يخوف العقلاء الصبيان والبُلْهَ بما لا حقيقة له لتأديبهم، وبمنزلة مخادعة المحارب لعدوه إذا أوهمه أمرًا يخافه لينزجر عنه، أو ليتمكن هو من عدوه، وغير ذلك\". مجموع الفتاوي (١٩/ ١٥٠).\n(٤) فالكفر عندهم هو التكذيب بالقلب فقط، لأن الإيمان عندهم مرادف للتصديق فقط. ينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٥٤٣) وما بعدها.\n(٥) ينظر: التعليق المختصر على القصيد النونية، د. صالح الفوزان (٢/ ٦٣٩ - ٦٤٥).","vol":"1","page":329},{"text":"وقد ترتب على إخراج العمل من حقيقة الإيمان، وعزل الحياة الدنيا عن الدين والتصور الجبري للقدر، أمور عظيمة منها: ترك الجهاد في سبيل الله، وعدم السعي في عمارة الأرض بمنهج الله تعالى، وترك المجالات الحيوية في الأمة؛ كالسياسة والاقتصاد والفكر والثقافة وبناء المجتمع ومعالجة القضايا المستجدة، ما أدّى إلى الاستسلام التام للاستبداد والظلم والطغيان، وغيرها من النتائج المؤلمة (١).\nوبالجملة فإن هؤلاء حينما اعتقدوا بأن العبد ليس مسؤولًا عن أفعاله-حسب فهمهم-، أخرجوا العمل عن حقيقة الإيمان، ليقدموا العذر لأنفسهم عن تبعية العمل والمسؤولية عنه (٢)، فكان للجبر تأثيرٌ واضحٌ على مسائل الإيمان، لدرجة أنهم يجعلون كل أفعالهم طاعات -كما سبق-.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-323> سادسًا: دعواهم استحالة (الجمع بين النقيضين):</span>\nهذه الضرورة العقلية عندهم انبنى عليها القول: بامتناع التفاوت في الحقيقة الشرعية للإيمان، ومقصودهم بالنقيضين هنا اجتماع شعب الإيمان وشعب الكفر في الشخص الواحد، وهذا ممتنع عندهم، بناء على أن التقابل بين الإيمان والكفر هو من باب التقابل بين السلب والإيجاب، فاستنادًا لهذه الضرورة العقلية أحالت الخوارج والمعتزلة والجهمية والمرجئة وقوع التفاوت في الإيمان.\nفالخوارج التزمت بهذا الأصل فكفروا مرتكب الكبيرة وذلك لقولهم بدخول العمل في الإيمان مع التزامهم بدعوى استحالة التفاوت، فكانت النتيجة الطبيعية لذلك: أن سلبوا الإيمان عن صاحب الكبيرة، وأثبتوا له ضده وهو الكفر؛ لأنه لا واسطة بين الإيمان والكفر.\nثم لما نبغت المعتزلة بعد ظهور فرقة الخوارج، استظهرت صحة ذاك الأصل الذي استندت إليه الخوارج في نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة -وهو دعوى استحالة التفاوت في الحقيقة الشرعية للإيمان- لكنها أرادت؛ لما رأت تنادي أهل السنة فيما بينهم بإنكار بدعة الخوارج، والتشنيع عليهم، ومخالفتهم للضرورة الشرعية المستقرة بدلائل الكتاب والسنة،\n_________\n(١) ينظر: الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارهما في حياة الأمة، لعلي بن بخيت الزهراني (ص ٤٦٩).\n(٢) وما ذلك إلا ليسلموا من مسائل [الأسماء والأحكام] التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا.","vol":"1","page":330},{"text":"والإجماع على عدم تكفير مرتكب الكبيرة، ورأت أيضًا مخالفتهم للضرورة العقلية في مساواتهم بين المستحق للعذاب الأليم وهو الكافر، وبين من هو دون ذلك وهو مرتكب الكبيرة عندهم، أرادت الجمع بين الضرورتين: العقلية التي تقضي باستحالة التفاوت والضرورة الشرعية التي تدل على عدم استحقاق مرتكب الكبيرة لاسم الكفر، فتكايست لذلك لكنها في الوقت ذاته تناقضت من حيث أرادت الفرار من التناقض، وابتدعت القول: (بالمنزلة بين المنزلتين)، والتي حقيقتها نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة، وفي الوقت ذاته عدم تكفيره، والذهاب إلى إطلاق اسم \"الفاسق\" عليه.\nأما المرجئة بشتى فرقها، فإنها ذهبت هي أيضًا إلى سلامة الأصل الذي استند إليه كل من الخوارج والمعتزلة، وهو استحالة التفاوت في حقيقة الإيمان بناء على استحالة الجمع بين النقيضين- ورأت أيضًا أن ما التزمت به كلتا الطائفتين مخالف للدلائل الشرعية الدالة على ثبوت وصف الإيمان لمرتكب الكبيرة، فدعاها ذلك إلى إخراج العمل من مسمى \"الإيمان\" ظنًا منها أن سبب ضلال الفرقتين هو إدخالُهما العمل في حقيقة الإيمان، ولم توفق إلى معرفة أن سبب الضلال عند التحقيق، هو التزامهم جميعًا بتلك الشبهة التي تفرعت عنها جميع تلك اللوازم الفاسدة.\nفتلك الشبهة قد جمعت تلك الفرق التي خالفت أهل السنة والجماعة، وإن اختلفوا في بيان حقيقة الإيمان عند كل منها؛ سواء من جعل هذه الحقيقة خصلة واحدة: وهم المرجئة، أو جعلها حقيقة مركبة -وهم الوعيدية-، فهم متفقون على التزام ذاك الأصل وهو دعوى استحالة التفاوت والتبعض في الإيمان، ذلك أنهم جعلوا الإيمان خصلة واحدة: فجعلوا قبول التفاوت فيه يستلزم ذهابه بذهاب بعضه واضمحلاله، ذلك لأن القول بنقص الإيمان يلزم منه أن يخلفه نقيضه وهو الكفر فيقوم بالعبد كفر وإيمان وهو ممتنع؛ لأنه من باب اجتماع النقيض مع نقيضه في شخص واحد، لذا امتنع القول بإمكان التفاوت (١).\n_________\n(١) ينظر لما سبق: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد، لعيسى النعمي (١٢٣ - ١٣٩).","vol":"1","page":331},{"text":"ولا يخفى أن الانحراف عن جادة الصواب في فهم معنى الإيمان أمرٌ له خطورته؛ \"فإن الخطأ في اسم الإيمان ليس كالخطأ في اسم محدَث، ولا كالخطأ في غيره من الأسماء؛ إذ كانت أحكام الدنيا والآخرة متعلقة باسم الإيمان والإسلام والكفر والنفاق\" (١)، وقد أثمر هذا الخطأ -عند أولئك-أخطاء أخرى، أهمها اثنان:\nأولها: يتعلق بموضوع زيادة الإيمان ونقصانه؛ فقد أطبق المرجئة على أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، متأولين النصوص الكثيرة الواردة في ذلك.\nوالآخر: يتعلق بتحقيق أصل التوحيد وعدمه (٢).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٩٥).\n(٢) ينظر: المسائل العقدية المتعلقة بالحسنات والسيئات، د. صالح سندي (١/ ١٨١).","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في مسائل الإيمان</span>.\nمن جملة المخالفين لأهل السنة والجماعة في هذا الباب: الخوارج (١)، والمعتزلة (٢) \"الوعيدية\"، فمخالفتهم لا تتعلق بإخراج العمل من مسمى الإيمان، كما هو الشأن مع المرجئة \"المُفَرِطة\"، بل مخالفتهم من جهة اعتبارهم أن الكبيرة تزيل اسم الإيمان، فأدى بهم هذا الغلو إلى مقالات رديئة منكرة، فبعضهم قال: إلى شرك، وبعضهم قال: إلى كفر نعمة، وبعضهم قال: إلى نفاق، وبعضهم قال: إلى فسق، ثم اتفوقوا: على أن كل من سُلِبَ عنه وصف الإيمان أنه لا يدخل الجنة؛ لأنه لا يدخلها إلا المؤمنون (٣)، فوقعوا بهذا الادعاء في تعطيل نصوص الشرع، وتضييق دائرة الإسلام، والافتراء على الله - ﷿ -.\nومن أجل هذا فإن الانحراف المؤدي إلى الإفراط في مسائل الإيمان، يأتي من عدة أسباب، وهي:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-325> أولًا: انطلاقهم من أصلهم البدعي:</span>\nبنى الوعيدية مذهبهم على أن الإيمان شيء واحد لا يتركب ولا يتجزأ، وتَفرَّع عن هذا الأصل البدعي الفاسد بدع أخرى، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>١ - تكفيرهم لصاحب الكبيرة والحكم بخلوده في النار:</span>\nفمرتكب الكبيرة غير مؤمن -عند الوعيدية-؛ لأن إيمانه زال بارتكابه الكبيرة، فالإيمان عندهم شيء واحد إذا ذهب بعضه ذهب كله، ثم بنوا على هذا: القطع بإنفاذ الوعيد،\n_________\n(١) في زماننا هذا لم يعد لفرق الخوارج وجود سوى فرقة الإباضية، وتنتشر في سلطنة عُمان وجنوب ليبيا وبلاد المغرب العربي وزنجبار \"وتسمى الآن تنزانيا\"، كما تتبنى بعض أصولها بعض جماعات الغلو المعاصر مثل جماعات التكفير والهجرة في مصر واليمن والأردن وباكستان وغيرها، وتنظيم القاعدة، وتنظيم \"الدولة الإسلامية في العراق والشام\" (داعش).\n(٢) حصل الاعتزال نتيجة النقاش في مسائل عقدية دينية كالحكم على مرتكب الكبيرة، والحديث في القدر، بمعنى هل يقدر العبد على فعله أو لا يقدر، والواقع أن نشأة الاعتزال كانت ثمرة تطور تاريخي لمبادئ فكرية وعقدية وليدة النظر العقلي المجرد في النصوص الدينية وقد نتج ذلك عن التأثر بالفلسفة اليونانية والهندية والعقائد اليهودية والنصرانية.\nوقد يظن البعض أن المعتزلة قد انقرضوا وبادوا، والحقيقة أنه قد حمل آراءهم ومعتقداتهم كثير من الذين جاءوا من بعدهم، وكثير من المعاصرين، فشيعة العراق على الإطلاق معتزلة، وكذلك شيعة الأقطار الهندية والشامية والبلاد الفارسية، ومثلهم الزيدية في اليمن، فإنهم على مذهب المعتزلة في الأصول، كما عاد فكر الاعتزال من جديد في الوقت الحاضر، على يد بعض الكتاب والمفكرين، الذين يمثلون المدرسة العقلانية الجديدة، وبهذا يعلم أن المعتزلة ليسوا في قلة، فضلًا عن أن يظن أنهم انقرضوا.\n\nينظر: تاريخ الجهمية والمعتزلة لجمال الدين القاسمي (ص ٥٦)، الشرك في القديم والحديث (٢/ ٨٠٤).\n(٣) ينظر: الملل والنحل (١/ ١٣٧)، ومجموع الفتاوى (١/ ٣١٤) (١٢/ ٤٨٠) (١٦/ ١٩)، ومنهاج السنة (٣/ ٤٦٩) (٥/ ٢٦٠)، والجواب الصحيح (١/ ٧٤ - ٧٥)، والصواعق المرسلة (٢/ ٤٥٤).","vol":"1","page":333},{"text":"وخلود أرباب الكبائر في النار (١)، فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان، ومن ثم حكموا بكفره وخلوده في النار.\nثم اختلفوا عليهم بعض فرقهم في معنى هذا الكفر وبعض لوازم هذا القول، فوافقتهم المعتزلة على هذا، لكن لما رأوا أن التسوية في الحكم بين الكافر والمرتد، وبين الزاني والسارق والشارب يستبعده العقل والشرع -حيث فرق الله بين حكم كل من هذين في الدنيا والآخرة-، اكتفوا بإزالة اسم الإيمان عنه ولم يدخلوه في مسمى الكفر، فابتدعوا ما أسموه (المنزلة بين المنزلتين)، أما في المآل والعاقبة، فهم والخوارج سواء (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>٢ - تكفير بعض الصحابة - ﵃ </span>-:\nاعتقدوا تكفير بعض الصحابة كأهل التحكيم - عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري وكل من رضي بالتحكيم-، وتكفير أصحاب الجمل بمن فيهم عائشة أم المؤمنين - ﵂ -.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \" والخوارج والمعتزلة يقولون: إن صاحب الكبيرة يخلد في النار، ثم إنهم قد يتوهمون في بعض الأخيار أنه من أهل الكبائر، كما تتوهم الخوارج في عثمان وعليّ وأتباعهما أنهم مخلدون في النار ... ويبنون مذاهبهم على مقدمتين باطلتين:\nإحداهما: أن فلانًا من أهل الكبائر. والثانية: أن كل صاحب كبيرة يخلد في النار.\nوكلا القولين باطل، وأما الثاني فباطل على الإطلاق، وأما الأول فقد يعلم بطلانه، وقد يتوقف فيه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>٣ - إنكارهم لحجية السنة، وتعطيلهم لبعض الأحكام الشرعية:</span>\nلقد خالفت الوعيدية ما عليه المسلمون من التمسك والاحتجاج التام بسنة الرسول - ﷺ -، ففي الوقت الذي أظهروا فيه التمسك الشديد بظاهر القرآن الكريم، أغفلوا التمسك بالحديث النبوي حتى المتواتر منه، وردوا ما خالف ظاهر القرآن عندهم!، إما معتلين في ذلك بكونها أخبار آحاد لا تفيد اليقين، وإما بتعطيلها عن دلالتها بتسليط التأويل\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٣٥٣).\n(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٣٥٣) (٧/ ٥١٠).\n(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٧٥ - ٤٧٦).","vol":"1","page":334},{"text":"عليها (١)، وما ذلك إلا لأنها أتت من طريق الصحابة، فرفضوا كل ما يأتي من أخبار وروايات وأحاديث عن طريقهم، بعد أن حكموا عليهم بالكفر والخروج من ملة الإسلام، كما أنها تعارض كثيرًا مما اعتقدوه (٢).\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \" الخوارج لا يتمسكون من السنة إلا بما فسر مجملها (٣)، دون ما خالف ظاهر القرآن عندهم، فلا يرجمون الزاني، ولا يرون للسرقة نصابًا\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>٤ - الخروج على الأئمة:</span>\nإن من الأمور التي أجمعت عليها الخوارج إجماعهم على \"وجوب الخروج على الإمام الجائر\" (٥)، سواء ظلموا أو أخطأوا، أو أظهروا جورًا في الحكم، أو كان فيهم تقصير عن إقامة الحدود، أو اتخذوا من أنفسهم أندادا لله في التشريع (٦)؛ فإن الخروج عليه حينئذ يكون واجبًا (٧).\nكما أنهم لا يرون للإمام ميزة إلا إقامة الأحكام الشرعية، ولهذا فمراجعته وانتقاده أمر عادي (٨)، ولقد أدت هذه النظرية إلى كثرة حروبهم وخروجهم على أئمتهم أو أئمة مخالفيهم وهذا يعتبر أمرًا طبيعيًا إزاء هذه الأحكام الخاطئة تجاه الإمام.\nكما طال التكفير المحكومين فاعتبروا كفر الإمام سببًا في كفر رعيته، وذلك في قولهم: \"إذا كفر الإمام فقد كفرت الرعية الغائب منهم والشاهد\" (٩)؛ لأنهم -بزعمهم-رضوا بأولئك الحكام ولاة عليهم، بل إن الكثيرين منهم ساعدوا الحكام في تنفيذ رغباتهم، ولم يستثن من\n_________\n(١) ينظر: الفرق بين الفرق (١٨٠، ٣٤١)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٧٥)، واقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣٤٤).\n(٢) ينظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٢٠٦).\n(٣) كذا في سياق الفتاوى، ولعل المراد: أنهم لا يحتجون بالسنة إلا ما ورد فيها مجملًا وفسره القرآن. ينظر: المبتدعة وموقف أهل السنة والجماعة منهم، د. محمد يسري (ص ٢٨٢).\n(٤) مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٨ - ٤٩).\n(٥) الفرق بين الفرق (ص ٧٣).\n(٦) بأن الحكام لا يحكمون بما أنزل الله، بل يحكمون بقوانين وضعية، أحلوا فيها ما حرم الله وحرموا ما أحله الله، واتخذوا من أنفسهم أندادا لله في التشريع، فكفروهم.\n(٧) ينظر: الفرق بين الفرق (ص ٥٥)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٠٤)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٠٧).\n(٨) ينظر: الفصل لابن حزم (٤/ ١٥٧).\n(٩) ينظر: الملل والنحل (١/ ١٢٦)، الفرق بين الفرق (ص ١٠٩).","vol":"1","page":335},{"text":"أحكام التكفير العلماء؛ لأنهم لم يقوموا بواجبهم في الحكم بالتكفير على الحكام والمحكوم (١). وتكفيرهم للإمام والخروج عليه وما يتبع ذلك من لوازم؛ كان بسبب زوال الإيمان عنه، بناءً على أصلهم الفاسد.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-330> ثانيًا: خطؤهم في فهم النصوص، وطرق الاستدلال:</span>\nأخذ الوعيدية بظواهر النصوص دون فقه، ولا اعتبار لدلالة المفهوم، ولا قواعد الاستدلال، ولا الجمع بين الأدلة، ولا اعتبار عندهم لفهم العلماء، لذا غلَّبوا نصُوص الوعيد والخوف، وأهملوا نصُوص الوعد والرجاء (٢)، وأخذوا يفسرون القرآن وفقًا لأهوائهم، فجاء تفسيرهم مفتعلًا موجهًا لخدمة أغراضهم (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في بدعة الوعيدية: \" إن أصلها ما فهموه من القرآن فغلطوا في فهمه، ومقصودهم اتباع القرآن باطنًا وظاهرًا ليسوا زنادقة ...، وكذلك الإرجاء إنما أحدثه قوم قصدهم جعل أهل القبلة كلهم مؤمنين ليسوا كفارًا\" (٤).\nوقال عنهم - ﵀ -: \" ليسوا ممن يتعمد الكذب؛ بل هم معروفون بالصدق، حتى يقال إن حديثهم من أصح الحديث، لكنهم جهلوا وضلوا في بدعتهم، ولم تكن بدعتهم عن زندقة وإلحاد؛ بل عن جهل وضلال في معرفة معاني الكتاب\" (٥).\nوبسبب وضعهم الدليل في غير ما يدل عليه، فقد رتبوا على حكم تكفير مرتكب الكبيرة استحلال قتل المسلمين، وفي ذلك يقول ابن عمر - ﵄ -: «ذهبوا إلى الآيات التي أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين» (٦)، إذ التمسك بالقرآن لا يؤدي إلى سفك الدماء بغير حق! (٧).\n_________\n(١) ينظر: دراسة عن الفرق في تاريخ الخوارج والشيعة، أ. د. أحمد محمد جلي (١١٦ - ١١٨).\n(٢) ينظر: الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام، أ. د. ناصر العقل (ص ١٥).\n(٣) ينظر: دراسة عن الفرق في تاريخ الخوارج والشيعة (ص ١٥١ - ١٦٣).\n(٤) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٤٦).\n(٥) منهاج السنة (١/ ٦٨).\n(٦) أخرجه البخاري معلقًا في صحيحه كتاب استبانة المرتدين باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم (٩/ ١٦) فتح الباري (١٢/ ٢٨٢)، ورواه ابن عبد البر موصولا في التمهيد (٢٣/ ٣٣٥)، وشرح السنة للحسين بن مسعود البغوي (١٠/ ٢٣٣).\n(٧) ينظر: تاريخ الطبري (٥/ ٨٤)، والكامل لابن الأثير (٣/ ٣٤٤)، تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة (١٠/ ٦٩).","vol":"1","page":336},{"text":"بل مع ضلالهم هذا نظروا إلى جانب واحد من الأدلة وهو نصوص الوعيد، وأغفلوا نصوص الوعد، فحادوا عن الوسطية والاعتدال إلى الغلو والإفراط. فأعملوا نصوص الوعيد وأهملوا نصوص الوعد، فجعلوا ما توعد الله به ﷾ المخالفين لأمره وأمر رسوله - ﷺ - نافذا لا محالة، سواء كان ذلك في حصول العذاب، أو الحرمان من الثواب، أو الخلود في النار، أو الخروج من الدين، ونتج عن هذا (١):\n١ - التكفير بالمعاصي (الكبائر)، وإلحاق أهلها (المسلمين) بالكفار في الأحكام والدار والمعاملة والبراء منهم وامتحانهم، واستحلال دمائهم (٢).\n٢ - الخروج على أئمة المسلمين اعتقادًا وعملًا -غالبًا-، أو أحدهما أحيانًا.\n٣ - صرف نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى منازعة الأئمة والخروج عليهم، وقتال المخالفين.\n٤ - التشدد والتنطع في الدين كما وصفهم النبي - ﷺ -: «تحقرون صلاتكم عند صلاتهم ...» (٣)، فتظهر سيما الصالحين عليهم، وكثرة العبادة كالصلاة والصيام، وأثر السجود، وتشمير الثياب، ويكثر فيهم أيضًا الورع (علي غير فقه)، والصدق والزهد.\n٥ - الغرور والتعالم والتعالي على العلماء، حتى زعموا أنهم أعلم من علي وابن عباس وسائر الصحابة، والتفّوا على الأحداث الصغار والجهلة قليلي العلم من رؤوسهم.\nوالتحقيق أن الكتاب والسنة مشتمل على نصوص الوعد والوعيد، كما أنه مشتمل على نصوص الأمر والنهي، وكل من النصوص يفسر الآخر ويبينه، وإلحاق هذه الأحكام\n_________\n(١) ينظر: الخوارج، للعقل (ص ٣١ - ٣٣).\n(٢) العجيب أنهم متناقضون يكفرون بالذنب الواحد ويقومون بعشرات الذنوب من القتل والنهب والسرقة وهتك الأعراض والحرمات وأكل أموال اليتامى بعد قتل آبائهم وغير ذلك كثير. ينظر: تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة (١/ ٢٤٨).\n(٣) صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، برقم (٦٩٣١)، ومسلم في كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم، برقم (١٠٦٤).","vol":"1","page":337},{"text":"بالمعين لا بد لها من توافر شروط وانتفاء موانع في حقه؛ فالوعيد سبب مقتض للعذاب، والسبب يتوقف تأثره على وجود شرطه وانتفاء مانعه (١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-331> ثالثًا: بسبب جور الحكام وظهور المنكرات:</span>\nهكذا كانت الوعيدية، تردد في خطبها ومقالاتها: أن الحكام ظلمة والمنكرات فاشية، وأنهم إنما خرجوا لهذا السبب حتى يقيموا العدل ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ويعودوا بالناس إلى ربهم وإلى دينهم. ولقد كان هذا المعنى من أول المعاني التي تستعلن بها الوعيدية في تحريك عامتهم للخروج وحمل السلاح لتحقيق تلك الغاية، وليس الجور هو أصل النشأة، وإن كان مما يعزز الفكرة ويسوغها؛ لكنهم يتعللون بمثل هذا السبب في خروجهم؛ لأنهم سلبوا الحكام الإيمان فجعلوهم مرتدين عن الدين، كما أن لهم نظرة خاصة في الإمام معقدة وشديدة، بل إن الحكام القائمين في نظرهم لا يستحقون الخلافة، لعدم توافر شروط الخوارج القاسية فيهم.\nحينها رأوا أن قتالهم والخروج عليهم -بزعمهم- قربة إلى الله - ﷿ -، وأن الأئمة ابتداءً بالإمام علي -مع عدله وفضله- ثم بحكام الأمويين والعباسيين ومن بعدهم، كلهم ظلمة في نظرهم دون تحر أو تحقيق، وهذا -أي ظلم الحكام- عندهم كفرٌ مُخرج من الملة، فاستحلوا دماء مخالفيهم حكامًا ومحكومين، والواقع أنهم حينما خرجوا فعلوا أضعاف ما كان موجودًا من المظالم والمنكرات (٢).\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٨٣).\n(٢) ينظر: الفرق بين الفرق (ص ٧٨)، وتاريخ الطبري (٥/ ١٧٤)، والكامل لابن الأثير (٣/ ٣٤٣)، وفرق معاصرة تنسب إلى الإسلام (١/ ٢٣٩)، والخوارج تاريخها وآراؤها الاعتقادية وموقف الإسلام منها، د. غالب عواجي (ص ١٠٦).","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في مسائل الإيمان</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بمسائل الإيمان</span>.\nفي أسماء الإيمان والدين وأحكام أهلها من الوعد والوعيد؛ يقف أهل السنة والجماعة موقفا وسطًا حيث يؤمنون أن أهل الكبائر من المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله، وليس معهم جميع الإيمان الواجب الكامل الذي يستوجبون به الجنة، وأنهم لا يخلدون في النار، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، وأن النبي - ﷺ - ادّخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وبذلك يتوسطون بين الوعد والوعيد، ويؤمنون بالآيات كلها في هذا وذاك.\nقال الإمام النووي (١) - ﵀ -: \" واعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف، أن من مات موحدًا دخل الجنة قطعًا على كل حال ... وأنه لا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، ولو عمل من المعاصي ما عمل، كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل. هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة، وقد تظاهرت أدلة أهل الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعي\" (٢).\nفهم -إذن- وسط بين الوعيدية، الذين غلّبوا آيات الوعيد والتخويف، فحكموا على مرتكب الكبيرة بالخروج من الإيمان بالكلية كالخوارج، أو بالخروج من الإيمان وعدم الدخول في الكفر كالمعتزلة القائلين بأنه في منزلة بين المنزلتين، ويكذبون بشفاعة النبي - ﷺ -، وبين المرجئة الذين يرون أن مرتكب الكبيرة غير فاسق، وأنه لا يضر مع الإيمان أي ذنب، فهو مؤمن كامل الإيمان، وأن الأعمال الصالحة ليست من الدين، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية تغليبا لجانب الوعد وآياته، فكل من هذين الفريقين يؤمن بجانب ويهمل الآخر، لذا تعددت طرق القرآن العظيم\n_________\n(١) هو: يحيى بن شرف بن مُري بن حسن بن حسين الحزامي النووي، أبو زكريا، المشهور بالنووي، أحد أعلام الشافعية، من مؤلفاته: المجموع شرح المهذب، شرح صحيح مسلم، رياض الصالحين، توفي سنة ٦٧٦ هـ.\nينظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٤٧٠)، طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٦٥)، الأعلام (٨/ ١٤٩).\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١/ ٢١٧).","vol":"1","page":339},{"text":"في بيان فساد سلوك المخالفين، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة في هذا الباب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>الآية الأولى:\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ فاطر: ٣٢</span>، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-335> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nالآية قسمت أهل الإيمان من جهة أقدارهم في التدين إلى ثلاثة مراتب: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق للخيرات، وكل مرتبة من هذه المراتب يتفاوت أهلها فيها تفاوتًا عظيمًا. بل إن المؤمن تختلف أحواله من حيث ديمومة تذكره، وخشيته، واستمراره على قدم الطاعة والاستقامة.\nفدل هذا على أن الإيمان ليس لزيادته حد، وليس لنقصه حد كذلك، وبذا يعلم بطلان من ناط الزيادة والنقص بالأعمال فقط، فأوقع الزيادة والنقص فيها ومنع من وقوعها في أصل الإيمان وهو التصديق كما هو مذهب المرجئة (١)، فأخرجوا العمل من مسمى الإيمان، فأتت هذه الآية لتبرهن على بطلان ما اعتقدوه.\nكما أن في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، رد على غالية المرجئة ممن ينكرون العقاب بالكلية، أو ينكرون الوعيد في الآخرة رأسًا (٢)؛ لأن تقسيم العباد على هذه الدرجات دليل على أن الله - ﷿ - سيحاسبهم على أفعالهم، وسيجازيهم بما يستحقونه، فدل هذا على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان.\n_________\n(١) ينظر: الإيمان لأبي عبيد (ص ٦٤ - ٦٦)، ومجموع الفتاوى (٧/ ٢٢٣ - ٢٣٠، ٥٦٢ - ٥٧٤)، شرح العقيد الطحاوية (٢/ ٤٧٩).\n(٢) ينظر: حقيقة التوحيد بين أهل السنة والمتكلمين، د. عبد الرحيم السلمي (ص ٤٩٨) وما بعدها، الليبرالية في العالم الإسلامي (ص ٣٤٥ - ٣٤٦).","vol":"1","page":340},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-336> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما أن هذه الآية -أيضًا- توضح بطلان من جعل حدًا أدنى للإيمان، من لم يحققه انتفت عنه حقيقه الإيمان، ويجعلون ضابط هذا الحد الإتيان بجميع الفرائض، والكف عن جميع المحرمات، فإذا وقع الإخلال بهذين الأمرين، انتقص أصل الإيمان، وهذا ما التزمه الوعيدية.\nفالوعيدية جعلوا الطاعات بجملتها ركنًا في الإيمان، ولم يفرقوا بين ما ينتفي به أصل الإيمان من آحاد العمل، وبين ما لا ينتفي، وجعلوا الإخلال بها جميعًا موجبًا لسلب الإيمان منه.\nوقد أبان شيخ الإسلام عن غلط هؤلاء من حيث جعلهم الإيمان حقيقة واحدة متماثلة في حق جميع المكلفين فقال - ﵀ -: \" ليس الإيمان حقيقة واحدة مثل حقيقة مسمى (مسلم) في حق جميع المكلفين في جميع الأزمان بهذا الاعتبار مثل حقيقة البياض والسواد بل الإيمان والكفر يختلفان باختلاف المكلف وبلوغ التكليف له، وبزوال الخطاب الذي به التكليف ونحو ذلك\" (١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-337> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو اعتبارهم بأن: الإيمان حقيقة واحدة إذا ذهب بعضه ذهب كله، وأنه لا يجتمع في العبد إيمان وكفر.\nومنشأ الغلط هذا انبنى عليه عند أهل الأهواء والبدع الخوض في باب الأسماء والأحكام، بمحض عقولهم، فمنهم من رأى أنه لا تأثير للأعمال السيئة في نقصان الإيمان، ومنهم من غلا حتى جعل السيئات مُزيلةً للإيمان بالكلية؛ بناء على الأصل المشترك الذي أصلوه.\nوالخلاصة: أن الوعيدية في هذا الباب أحسن حالًا من المرجئة؛ لأنهم في اسم الإيمان أقرب إلى قول أهل السنة، وعندهم من تعظيم شأن الطاعات والمعاصي ما ليس عند أولئك،\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٥١٨).","vol":"1","page":341},{"text":"إلا أنهم غلوا حتى سلبوا الإيمان بذهاب بعض الواجبات، وفي المقابل فإن المرجئة أقرب إلى أهل السنة في الحكم الأخروي (١)، وكلا الفريقين انحرف عن الحق- منهج أهل السنة-.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-338> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nكلا الفرقتين انحرفتا عن الحق، والصواب المحض مع أهل السنة؛ \"فعقيدة أهل السنة أصح مباني وأوضح معاني، وحسبك أنها جامعة لمحاسن العقائد\" (٢).\nلذلك منعوا من أن يكون للإيمان حد أدنى لا يكون فيه تفاوت (٣): فشعب الكفر الأصغر لا تنافي أصل الإيمان، وإنما تنافي كماله، وإنما الذي ينافي أصل الإيمان شعب الكفر الأكبر (٤).\nلذا فإن جنس العمل -وهو جملة الالتزام بالشريعة- عند أهل السنة ركن في الإيمان، وأما آحاده فمنها ما لا يتحقق أصل الإيمان إلا به، ومنها ما هو من كماله، ففوات بعض الآحاد المحققة لأصله يقتضي انتفاء الإيمان، بخلاف الآحاد المقتضية لتحقيق كماله الواجب أو المستحب، فإنه لا يقتضي انتفاءه أي: انتفاء الإيمان جملة كما دلت عليه النصوص؛ لأن أهل السنة لا يسلبون المسلم مطلق الإيمان بل يسلبونه الإيمان المطلق الذي رتب الله تعالى عليه المديح والثناء، ودخول الجنة ابتداء (٥).\nلذا فهم مجمعون على جواز اجتماع شعب إيمان وشعب كفر في الشخص الواحد، باعتبار أن شعب الكفر متفاوتة، كما أن شعب الإيمان متفاوتة، فالذي يمكن أن يجتمع مع أصل الإيمان، ولا ينافيه هي شعبُ الكفر الأصغر والتي تنافي كمال الإيمان الواجب لا أصله، وهذا الذي دلت عليه النصوص وقام عليه الإجماع.\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ١٥٨ - ١٥٩) (١٦/ ٢٤٢ - ٢٤٣).\n(٢) الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم، لمحمد الوزير (٢/ ٥٢٢).\n(٣) لا يفهم منه تجويزهم أن يقوم بالعبد شعبة من شعب الكفر المنافية لأصل الإيمان مع بقاء هذا الأصل.\n(٤) ينظر: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد (١٤٨ - ١٤٩).\n(٥) ينظر: جامع المسائل لابن تيمية، د. محمد رشاد سالم (١/ ٢٤٢) وما بعدها، ودفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد (ص ١٢٦ - ١٢٧).","vol":"1","page":342},{"text":"فعند الخوارج لا تنفع حسنة إلا مع التقوى المطلقة الخالية من الكبائر، وعند المرجئة لا يضر التقوى إلا الشرك، فجعلوا أصحاب الكبائر داخلين في اسم المتقين، وعند أهل السنة مَنْ يتقِ الله في عمل قُبِلَ منه وإن كان عاصيًا في غيره، ومن يعصه في عمل لم يقبل منه وإن كان مطيعا له في غيره.\nفكان لاجتماع الرد على البدع المتقابلة في هذه الآية دليل على أن المنهج الحق هو ما سَعِد به أهل السنة والجماعة.","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>الآية الثانية:\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ النساء: ٤٨</span>، هذا الآية أتت في حق من لم يتب (١)؛ لأن التائب من الشرك يغفره له بنصوص القرآن واتفاق المسلمين، فكانت هذه الآية رادة على أصحاب البدع المتقابلة، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-340> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nفي قوله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ رد على المرجئة الذين زعموا أنه مغفور لكل مؤمن؛ لأنه دل على أن غفران ما دون الشرك إنما هو لقوم دون قوم؛ وليس لكل أحد (٢).\nكما أن هذه الآية \"ترد على المرجئة الواقفية، الذين يقولون: يجوز أن يعذب كل فاسق فلا يغفر لأحد، ويجوز أن يغفر للجميع، فإنه قد قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فأثبت أن ما دون ذلك هو مغفور، لكن لمن شاء.\nفلو كان لا يغفره لأحد بطل قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾، ولو كان يغفره لكل أحد بطل قوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فلما أثبت أنه يغفر ما دون ذلك، وأن المغفرة هي لمن يشاء، دل ذلك على وقوع المغفرة العامة مما دون الشرك، لكنها لبعض الناس.\nوحينئذ فمن غفر له لم يعذب، ومن لم يغفر له عذب، وهذا مذهب الصحابة والسلف والأئمة، وهو القطع بأن بعض عصاة الأمة يدخل النار، وبعضهم يغفر له\" (٣).\nوالكلام على مفهوم المرجئة للكفر فرع عن مفهومهم للإيمان، فلّما عرفوا الإيمان بأنه مجرد المعرفة والتصديق، حصروا الكفر في الجهل والتكذيب ونحوه من الجحود والإنكار والعناد، ومن هنا ضلوا في هذا الباب (٤)، فأتت هذه الآية للرد عليهم، وبيان فساد ما ابتدعوه.\n_________\n(١) ينظر: جامع البيان للطبري (٢١/ ٣١٠)، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (٢/ ٧٨)، ومدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي (١/ ٣٦٤)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٣١)، وروائع التفسير لابن رجب (٢/ ٤١٦)، والتحرير والتنوير (٥/ ٨١).\n(٢) ينظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية (٢/ ٤٦)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٢٧٣).\n(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٢٧٣).\n(٤) ينظر: الصارم المسلول (ص ٥٢٢)، والإيمان لابن تيمية (ص ٢٧٧) وما بعدها.","vol":"1","page":344},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-341> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فيه رد على الوعيدية القائلين بأن من مات على كبيرة يخلد في النار؛ وذلك لأن المراد بغفران ما دون ذلك أي: غفران الكبائر قبل التوبة؛ لأنه تعالى علَّق هذا الغفران بالمشيئة، وغفران الكبائر والصغائر بعد التوبة مقطوع به غير معلق بالمشيئة (١)، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ الزمر: ٥٣، وقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ النساء: ٣١.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-342> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو اعتقادهم: أنه لا يجتمع في العبد إيمان وكفر، ومنشأ الغلط هذا انبنى عليه عند أهل الأهواء والبدع: مسألة أصحاب الكبائر وتكفيرهم الدائر بين النفي والإثبات.\nفمنهم من رأى أنهم مؤمنون لا تأثير للذنوب والسيئات في نقصان إيمانهم، مستدلين بنصوص الوعد، فأخرجوا أعمال القلوب من مسمى الإيمان، وكان هذا من أعظم أسباب اضطرابهم وتناقضهم؛ ولذلك ظنوا أن سب الرسول - ﷺ - لا ينافي اعتقاد صدقه فيجوز اجتماع ذلك مع الإيمان، ولكن لو أدخلوا الأعمال في مسمى الإيمان لعلموا أنه يستحيل أن يسب المرء من أحبه وخضع واستسلم؛ لأن المحبة والاستسلام والانقياد إكرام وإعزاز، والسب والشتم إهانة وإذلال فلا يجتمعان (٢).\nومنهم من غلا حتى جعل مرتكب الكبيرة كافرًا لا يخرج من النار إذا لم يتب، وأن سيئاته مُزيلة للإيمان بالكلية، وأنها لا تقبل فيه الشفاعة، مستدلين بنصوص الوعيد، وقالوا: إن الله توعَّد العاصين بالنار والعذاب، وهو لا يخلف الميعاد (٣).\n_________\n(١) ينظر: المحرر الوجيز (٤/ ١٤٣ - ١٤٤)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٢٧٣).\n(٢) ينظر: الصارم المسلول (ص ٥٢٣) وما بعدها.\n(٣) إخلاف الوعيد من فعل الكرام وهى صفة مدح، بخلاف خلف الوعد فإنها صفة ذم، والله ﷿ يتنزه عنها، بخلاف الوعيد فإنه يعتبر من باب التفضل والتكرم وإسقاط حق نفسه، وهذا هو مذهب السلف أهل السنة والجماعة. وما ذهب إليه المعتزلة من منع إخلاف الوعيد وزعمهم أنه من الكذب فهو إلى سوء الظن أقرب، وهو تحكم على الله ﷿، والله تعالى يفعل ما يشاء.\nينظر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها (٣/ ١١٩١).","vol":"1","page":345},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-343> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nباب التكفير نفيًا وإثباتًا باب عظمت فيه الفتنة، وعمّت به المحنة، وكثر فيه الافتراق، وتشتت فيه الأهواء والآراء، وتعارضت فيه الحجج والأدلة، حتى صارت كل فرقةٍ ترمي أختها بالكفر والخروج من الملة، وكلٌّ يدعي لنفسه أنه الموحّد المؤمن، وغيره المشرك الكافر (١).\nمن أجل هذا تواترت النصوص الدالة على عدم كفر مرتكب الكبيرة، وعدم خلوده في النار إن دخلها، ما لم يستحل، وهذا من الأصول الاعتقادية المجمع عليها بين أهل السنة (٢).\nكما تواترت الأدلة على محاسبة الناس على أعمالهم، وقد سمى الله يوم القيامة يوم الحساب، لأنه اليوم الذي يحاسب الإنسان فيه على عمله، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾ فصلت: ٢١ - ٢٤.\nمن أجل هذا كان اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد، للدلالة على المذهب الحق مذهب أهل السنة، وقد أجمله الطحاوي (٣)\n- ﵀ - في قوله: \" وأهل الكبائر من أمة محمد - ﷺ - في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين (٤) وهم في مشيئته وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر - ﷿ - في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ النساء: ٤٨، وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى تولى\n_________\n(١) ينظر: حقيقة التكفير بين أهل السنة والجماعة والشيعة الاثني عشرية، لخالد أحمد الزهراني (ص ٨).\n(٢) ينظر: نواقض الإيمان الاعتقادية، للوهيبي (١/ ١١٣).\n(٣) هو: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الحنفي، محدث الديار المصرية ومفتيها، برز في علوم كثيرة، وله مؤلفات نافعة منها شرح العقيدة الطحاوية، توفي سنة ٣٢١ هـ.\n\nينظر: وفيات الأعيان (١/ ٧١ - ٧٢)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧ - ٣٣)، البداية والنهاية (١١/ ١٧٤)، لسان الميزان (١/ ٢٧٤ - ٢٨٢).\n(٤) قال شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي معقبا على قول الطحاوي: \" بعد أن لقوا الله عارفين \" - قال: \" لو قال \"مؤمنين\" بدل قوله: \"عارفين\" كان أولى، لأن من عرف الله ولم يؤمن به فهو كافر، وإنما اكتفى بالمعرفة وحدها الجهم وقوله مردود باطل \" (ص ٣٥٩).","vol":"1","page":346},{"text":"أهل معرفته ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته، الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من ولايته\" (١).\n_________\n(١) متن الطحاوية بتعليق الألباني (ص ٦٦)، وينظر: شرح الطحاوية (٢/ ٤٥٠) وما بعدها.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>الآية الثالثة:\nقوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ التوبة: ١١٢</span>، في هذه الآية رد على طائفتين، ضلتا في هذا الباب، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-345> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nردت هذه الآية الكريمة على أهل التفريط من المرجئة، وأهل الفجور الذين يرون ترك العبادات الظاهرة، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ظنًّا منهم أنَّ ذلك من باب ترك الفتنة، ومعلومٌ ما في هذا المذهب من الفتنة والفساد، فجاء الأمر بذلك عند قوله - ﷿ -: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.\nوقد نبه شيخ الإسلام - ﵀ - على أن كثيرًا من المرجئة لا يعرفون اعتقاد أهل السنة والجماعة كما يجب، أو يعرفون بعضه ويجهلون بعضه، وما عرفوه منه قد لا يبينونه للناس بل يكتمونه، ولا ينهون عن البدع المخالفة للكتاب والسنة، ولا يذمون أهل البدع ويعاقبونهم، بل لعلهم يذمون الكلام في السنة وأصول الدين ذمًا مطلقا، لا يفرقون بين ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، وما يقوله أهل البدع والفرقة، أو يقرِّون الجميع على مذاهبهم المختلفة، وهذه طريقة منحرفة، خارجة عن الكتاب والسنة (١).\nوخلاصة الأمر أن المرجئة قصروا في النهي عن المنكر، وفي الأمر بكثير من المعروف (٢).\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٦٧).\n(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٢٠/ ١١١).","vol":"1","page":348},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-346> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nالغُلاة وهم طرف الخوارج: الذين يرون أن قتال أئمة الجور ومن والاهم من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنهم فعلوا الظلم أو ما ظنوه ظلمًا، وهذا عندهم كفرٌ مُخرج من الملة، وقصدوا بذلك طاعة الله ورسوله - ﷺ - فغلطوا (١).\nوالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الحكام، وولاة الأمور، من المسائل الهامة، والتي إذا أساء الناس فهمها، ترتب على ذلك فتن عظيمة، ومفاسد كبيرة في البلاد والعباد، من أجل هذا ردت هذه الآية على أصحاب الغلو، عند قوله تعالى: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾؛ لأن من الحفظ لحدود الله ألا يزال المنكر بما هو أنكر منه، ولهذا حُرم الخروج على ولاة الأمور بالسيف، لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذنوب (٢)؛ لأن ذلك يؤول إلى الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين وهذا أعظم من فعل المنكر الذي قصد إزالته (٣)، والقرآن الكريم والسنة الصحيحة، هما المورد العذب لمعرفة الطريقة المثلى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nقال ابن مفلح الحنبلي - ﵀ - (٤): \" ولا ينكر أحد على سلطانه إلا وعظًا له، وتخويفًا، أو تحذيرًا من العاقبة في الدنيا والآخرة، فإنه يجب، ويحرم بغير ذلك\" (٥).\nقال أبو قلابة - ﵀ - (٦):\n\" ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف\" (٧)، هذا هو أصل الخروج، ثم يأتي بعد ذلك إيجاد الأعذار، إما بأن استحلالهم هذا كان أمرًا بالمعروف أو نهيًا عن المنكر، أو غير ذلك ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ الأنعام: ٤٣.\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٩٨).\n(٢) ينظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (١٤/ ٤٧٢).\n(٣) ينظر: الآداب الشرعية (١/ ١٧٦)، وجامع العلوم والحكم (٣/ ٩٥٥).\n(٤) هو: محمد بن مفلح المقدسي ثم الصالحي الحنبلي، عالم تفقه وبرع ودرس وأفتى وأفاد، كان آية وغاية في نقل مذهب الإمام أحمد، تتلمذ على شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، توفي سنة (٧٦٣ هـ) له مصنفات عديدة أشهرها كتاب الفروع.\nينظر: شذرات الذهب (٦/ ١٩٩)، والأعلام (٧/ ١٠٧)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٧٢٩).\n(٥) الآداب الشرعية (١/ ١٧٥).\n(٦) هو: عبد الله بن زيد بن عمرو، الجرمي، أبو قلابة البصري، كان ثقة فاضلًا كثير الحديث، كثير الإرسال، ابتلي في دينه وبدنه، مات بالشام هاربًا من القضاء سنة أربع ومائة.\n\nينظر: تقريب التهذيب (١/ ٤١٧)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٦٨).\n(٧) ينظر: الشريعة للآجري (١/ ٤٦)، والاعتصام للشاطبي (١/ ١١٣).","vol":"1","page":349},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-347> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو اعتقادهم: أنه لا يجتمع في العبد إيمان وكفر، ومنشأ الغلط هذا انبنى عليه عند الوعيدية: جعل الإيمان من المخالفين حقيقة مركبة من اعتقاد وقول وعمل، يلزم بزوال البعض زوال جميع هذه الحقيقة؛ إذ لو فرُض وقوع النقص في هذه الحقيقة مع بقائها، وعدم زوالها لانبنى على ذلك أن يجتمع في الشخص إيمان وكفر، وتوحيد وشرك، وهذا خلاف الضرورة العقلية بزعمهم (١)، لذلك خرجوا على الحكام بالسيف، خشية أن ينقص إيمانهم بتركهم النهي عن المنكر، بعد أن رأوا أن الحاكم أخل بإيمانه، على الأصل الذي اعتمدوه.\nأما المرجئة فقد أراحت نفسها بأن أخرجت العمل من مسمى الإيمان، حتى لا يجتمع في العبد إيمان وكفر، لذلك لم تعتبر الأعمال الظاهرة من الإيمان، ومن هنا فرطت في عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-348> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمراتبه وأحواله وأحكامه اختلف فيه الناس، فالمرجئة أهل طريقة التفريط: أدخالوا الأعمال الظاهرة في الإيمان فعطّلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخوارج أهل طريقة الغلو: رأوا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معناه الخروج على الحكام وسفك الدماء.\nوكلا الفرقتين انحرفتا عن الحق، والصواب المحض مع أهل السنة، فهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة لا على ما توجبه أهواؤهم وعقولهم (٢)؛ لأن من قواعد أهل السنة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون واجبًا إذا غلب على الظن الانتفاع، كما قال الله: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ الأعلى: ٩.\nمن أجل هذا كانت هذه الآية الكريمة دالة على منهج أهل السنة والجماعة، رادةً على أهل البدع المتقابلة.\n_________\n(١) ينظر: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد (ص ١٢٩).\n(٢) ينظر: العقيد الواسطية (ص ١٢٩)، ومجموع الفتاوى (٣/ ١٥٨).","vol":"1","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في مسائل الإيمان</span>.\nالإيمان بالله سبحانه أساس سعادة العبد، وعليه مدار نجاته وفلاحه في دنياه وآخرته، فحاجة الإنسان إليه فوق كل حاجة وضرورته إليه فوق كل ضرورة، وهذه بعض الآيات الرادة على الانحراف العقدي في مسائل الإيمان، للدلالة على اهتمام الشرع بهذا الباب العظيم:\n١ - قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ الإسراء: ٥٧، هذه الآية فيها دعوة إلى أن يكون الإنسان في حال سيره إلى الله ما بين الخوف والرجاء، والسير بهذا المنوال يخرج به الإنسان من طائفتين ضلتا في هذا الباب، فالمرجئة يقولون: لا يضر مع الإيمان شيء، فمن كان راجيًا فقط وترك الخوف دخل في طائفة المرجئة، ومن أفرط في الخوف دخل في طائفة الوعيدية الذين يرون أن مرتكب الكبيرة يكفر ويخلد في النار ما لم يتب قبل أن يموت.\n٢ - قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)﴾ هود: ٣، في هذه الآية رد على الجهمية والمرجئة الذين يقولون: \"لا يضر مع الإيمان ذنب كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة\" (١)، فبين الله سبحانه أن الذنوب تضر أصحابها، وأن أمر صاحبها إلى الله -﷾-، وأما الطاعة مع الكفر فلا تنفع، فالكافر إذا حصلت منه طاعة فإنها تكون مردودة وغير مقبولة، كما دلت هذه الآية على بطلان قول المرجئة الذين لا يكفرون إلا بالاستحلال فقط، فدلت هذه الآية على أن قولهم هذا باطل، لمخالفته لمنطوق نصوص الوعيد؛ لأن الوعيد نيط فيها بالفعل دون الاستحلال؛ ولأن الاستحلال بمجرده موجب للوعيد فعل أو لم يفعل (٢).\nكما أن في هذه الآية ردٌ على الوعيدية الذين تعلقوا بنصوص الوعيد وتركوا نصوص الوعد فإن من رحمة الله - ﷿ - بخلقه أن أوجد أسبابًا وطرقًا لإسقاط الوعيد عن خلقه الذين معهم أصل التوحيد؛ فتلك الأسباب لا تجدي نفعًا إن لم يكن مع العبد أصل التوحيد الذي هو أهم سبب لنجاة العبد من عذاب الله ووعيده؛ لأن الذنب الأعظم -وهو الشرك بالله تعالى- لا توجد\n_________\n(١) وهذا القول هو الذي من أجله كفر السلف الصالح الجهمية.\n(٢) ينظر: مدارج السالكين (١/ ٤٢٧).","vol":"1","page":351},{"text":"حسنة تستطيع محوه إلا حسنة التوحيد؛ وأما بقية الذنوب والمعاصي فقد تنوعت الحسنات والطرق التي تزيل لحوق الوعيد بمرتكبها؛ فضلًا من الله وتكرمًا. فكانت هذه الآية رادة على كلا البدعتين.\n٣ - قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ البقرة: ١١٢، في هذه الآية رد على المرجئة الذين لا يشترطون النية الخالصة للعمل -لازم قولهم-؛ لأنهم يعتقدون أنه لا تأثير لفعلهم الصالح والسيئ على الإيمان، فالأعمال خارجة عن الإيمان -بزعمهم-، فردت عليهم هذه الآية: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ -فالوجه رمز على الكل، ولفظ أسلم يعني الاستسلام والتسليم (١) - فدل هذا على وجوب إخلاص كل الأعمال -الظاهرة والباطنة- لله - ﷿ -، وفيها كذلك رد على الوعيدية الذين حسنت نيتهم ولم تصح أعمالهم ولم تقتد بالشرع ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ... أي متابع لما جاء به الشرع لا مبتدع ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، فكان لازم قبول العمل أن يكون خالصا صوابًا وهذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة.\n٤ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ الأنفال: ٢، في هذه الآية ردٌّ على من منع تفاوت الإيمان، وتفاضله، ودخول الأعمال فيه، فذكر الأعمال الصالحة الظاهرة (٢) والباطنة (٣) وجعلها من الإيمان ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، دليل على أنه لم يثبت لهم حقيقة الإيمان إلا باجتماع خصال الخير من الأعمال الظاهرة والباطنة، والمرجئة يثبتون حقيقته بالتصديق وحده، كما أنه - ﷿ - قال بعد ذلك كله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ﴾ الأنفال: ٤، وقد أثبت لهم الإيمان بشرائطه وحقيقته، وهم لا يجعلون للمؤمن في إيمانه إلا درجة واحدة، ولا يجعلون للإيمان أجزاء (٤)، كما أن في هذا أيضًا ردًا على الوعيدية الذين جعلوا الإيمان جزءًا واحدًا يزول بزوال بعض أجزائه، فكان قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ﴾ دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة.\n_________\n(١) ينظر: تفسير جامع البيان للطبري (٢/ ٥١٢)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢/ ٧٥)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٣٨٥).\n(٢) ذكر قبل (إنما المؤمنون) التقوى وإصلاح ذات البين، وغير ذلك من الأعمال.\n(٣) ذكر في هذه الآية التوكل: وهو عمل باطن، وغير ذلك من الأعمال.\n(٤) نكت القرآن الدالة على البيان، لمحمد على القصاب (١/ ٤٦١ - ٤٦٢).","vol":"1","page":352},{"text":"١ - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ الفرقان: ٧٠، في هذه الآية رد على المرجئة الذين أخرجوا العمل من حقيقة الإيمان، وقالوا: بأن السيئات لا تؤثر على الإيمان، ونفوا الوعيد عن عصاة الموحدين (١)، فجاء قوله - ﷿ -: ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ للدلالة على تأثير الأعمال على الإيمان، فبطل اعتقاد من يعمل السيئات ويرجو أن يتساوى هو ومن عمل الصالحات.\nكما أن فيها ردًا على الوعيدية الذين سلبوا أسماء الدين والإيمان عمن يستحقها شرعًا، وقالوا: بخلود العصاة في جهنم (٢)،\nفإن الله تعالى قد أخبر بالمغفرة ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾، وذكر سبحانه أسبابًا كثيرة لإسقاط الذنب غير التوبة ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ مما يدل على عدم الخلود، واستحقاقهم لأصل الإيمان.\nوبهذا يتبين فساد قول كل من الوعيدية والمرجئة في مسائل الإيمان، وأن الحق هو مذهب أهل السنة والجماعة.\n_________\n(١) نفي الوعيد عن عصاة الموحدين، أو إيجابه يستلزم لوازم باطله منها:\n- ... مخالفة النصوص المتواترة في أن بعض عصاة الموحدين يدخلون النار ثم يخرجون منها بالشفاعة أو العفو.\n- ... مخالفة ما أجمع عليه أهل السنة والجماعة من أنه لا بد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة ثم يخرجون منها.\n- ... إبطال التكاليف اعتمادًا على كفاية التوحيد، وهذا يفضي إلى الانخلاع عن الدين، والانحلال عن قيد الشريعة.\n- ... سقوط حقوق الآدميين بمجرد الموت على الإيمان؛ وهو خلاف ما استقرت عليه القواعد.\nينظر: فتح الباري (١/ ١٠٣).\n(٢) يدل على بطلان مذهب الوعيدية، أن انقطاع عذاب عصاة الموحدين يكون بثلاثة طرق وهي:\n- ... الإخبار بأن الجنة مآل كل موحد، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة.\n- ... الإخبار بخروج عصاة الموحدين من النار بالشفاعة أو بعفو أرحم الراحمين.\n- ... التصريح بأن العذاب الدائم مختص بالكفار.\n\nينظر: لوامع الأنوار (١/ ٣٨٩)، وفتح المجيد (ص ٧٨، ٧٩).","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>الباب الثالث: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في بقية أركان الإيمان:</span>\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: الآيات الواردة في الإيمان بالملائكة.\nالفصل الثاني: الآيات الواردة في الإيمان بالكتب.\nالفصل الثالث: الآيات الواردة في الإيمان بالرسل.\nالفصل الرابع: الآيات الواردة في الإيمان باليوم الآخر.\nالفصل الخامس: الآيات الواردة في الإيمان بالقضاء والقدر.","vol":"1","page":354},{"text":"الفصل ١ الآيات الواردة في الإيمان بالملائكة.\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد في تعريف الملائكة.\nالمبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة\nفي الملائكة.\nالمبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع\nالمتقابلة في الإيمان بالملائكة.","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>تمهيد في تعريف الملائكة:</span>\nالإيمان بالملائكة أصلٌ من أصول الاعتقاد، لا يتم إيمان العبد حتى يقر بهم، ويؤمن بوجودهم، كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ البقرة: ٢٨٥، ويصَدِّق بكلِّ ما جاء به الوحي من أسمائهم وأوصافهم وأعمالهم، وأنهم خلق من خلق الله تعالى، خلقهم لعبادته، واصطفاهم لقربه، واختصهم بتدبير أمره، وجعلهم سفراءه ورسله إلى خلقه.\nوكتاب الله مملوء من ذكرهم، بل لا تكاد تخلو سورة من سور القرآن عن ذكر الملائكة تصريحًا، أو تلويحًا، أو إشارة، وأما ذكرهم في الأحاديث النبوية فأكثر وأشهر من أن يذكر، بل لم تخل جميع الديانات وكتبها من ذكر الملائكة؛ لأنه لا يؤمن أحد بوحي الله إلى رسله إلا ويؤمن بالملائكة الحاملة لهذه الرسالة، ولهذا كان الإيمان بالملائكة - ﵈ - أحد الأصول الستة التي هي أركان الإيمان (١).\nلذا كان لهذا الفصل -الإيمان بالملائكة-تعلق واضح وصلة عميقة بجميع أركان الإيمان، فلا يتم الإيمان بالله وكتبه ورسله إلا بالإيمان بالملائكة؛ لأنهم يبلغون وحي الله إلى خلقه.\nقال ابن سعدي (٢) - ﵀ -: \"الإيمان بالملائكة أحد أصول الإيمان ولا يتم الإيمان بالله وكتبه ورسله إلا بالإيمان بالملائكة وقد وصفهم الله بأكمل الصفات\" (٣).\nولذلك قُدم ذكر الملائكة على ذكر الكتاب والنبيين، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ البقرة: ١٧٧، فالملائكة هم الذين يأتون إلى الأنبياء بالكتب، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾\n_________\n(١) ينظر: إغاثة اللهفان (٢/ ١٢٥ - ١٣١)، وشرح العقيدة الطحاوية (١/ ٣٣٧).\n(٢) هو: العلامة الفقيه المفسر عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر آل سعدي، ولد ونشأ في عنيزة أحدى محافظات القصيم، واشتغل بالعلم حتى فاق الأقران، توفي - ﵀ - سنة (١٣٧٦ هـ)، وله مؤلفات عدة منها: تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن، والقواعد الحسان، وتيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، والقول السديد في شرح كتاب التوحيد.\nينظر: علماء نجد خلال ثمانية قرون للشيخ عبد الله البسام (٣/ ٢١٨)، الأعلام (٣/ ٣٤٠).\n(٣) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن (ص ٢٩).","vol":"1","page":356},{"text":"الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥، فيلزم من إنكار الملائكة إنكار الوحي والنبوة، وذلك يستلزم إنكار اليوم الآخر (١).\nوحقيقة الملائكة، وكيفية خلقهم، وتفصيلات أحوالهم؛ من عوالم الغيب التي استأثر الله - ﷿ - بها، -لذا فإن الإيمان بالملائكة من الإيمان بالغيب الذي هو صفة من صفات المؤمنين المتقين كما قال سبحانه: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ البقرة: ٢ - ٣، بل إن أركان الإيمان الستة كلُّها غيب-، ولا يمكن أن يُعلم الغيب إلا من طريق الوحي؛ لذلك انحصر طريق معرفتهم -﵈- في الوحيين الكتاب والسنة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"وما تواتر عن الأنبياء من وصف الملائكة هو مما يوجب العلم اليقين بوجودهم في الخارج ... \" (٢).\nعليه فوجود الملائكة ثابت بالدليل القطعي الذي لا يمكن أن يلحقه أدنى شك، ومن هنا كان إنكار وجودهم كفرًا بنص القرآن الكريم، فقد قال - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ النساء: ١٣٦ (٣).\nلذلك فإن الإيمان بالملائكة وما يدخل تحته يكاد ألا يكون فيه موضع خلاف بين أهل السنة وغيرهم، فالقول فيه متفق عليه تماما بين غالبية الفرق المنتسبة للإِسلام، قال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" وليس بين أهل الملل خلاف في أن الملائكة جميعهم مخلوقون\" (٤).\nويحسن قبل الشروع في مباحث هذا الفصل التمهيد بالتعريف وبيان الأهمية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>أول<span data-type=\"title\" id=toc-354>ًا: التعريف بالملائكة:</span></span>\nأ-التعريف بالملائكة:\n_________\n(١) ينظر: تفسير المنار، لمحمد رشيد بن علي رضا (٢/ ٩٢).\n(٢) درء التعارض (٦/ ١٠٧).\n(٣) ينظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ٢٥١)،\nو(٤) بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية، لابن تيمية (ص ٢٣٢).","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>الملائكة: </span>جمع مَلَك، قال ابن فارس (١):\n\" الميم واللام والكاف أصل صحيح يدل على قوة في الشيء وصحة\" (٢). اختلف اللغويون في اشتقاقه من عدمه، ثم اختلف القائلون بالاشتقاق في أصل مادة الاشتقاق (٣).\nوالقول باشتقاقه، وأن أصله من الألوكة: وهي الرسالة، أصوب من جهة اللغة والمعنى.\nيقول الحافظ ابن جرير - ﵀ -: \" الملائكة: جمع ملاك -بغير الهمزة-، وهذا أكثر وأشهر في كلام العرب منه بالهمز، وذلك أنهم يقولون في واحدهم: ملك من الملائكة ... فسميت الملائكة ملائكة بالرسالة؛ لأنها رسل الله بينه وبين أنبيائه، ومن أرسلت إليه من عباده\" (٤).\nقال الكسائي (٥): \"أصله مألك بتقديم الهمزة من الألوك، وهي الرسالة، ثم قلبت وقدمت اللام فقيل: ملأك ... ثم تركت همزته لكثرة الاستعمال فقيل: مَلكَ. فلما جمعوه ردّوها إليه فقالوا: ملائكة وملائك\" (٦).\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \"والملك في اللغة: حامل الألوكة وهي الرسالة\" (٧).\nوإنما سميت الرسالة ألوكة ومألكة؛ لأنها تُؤْلَكُ في الفم، من قولهم: يأْلُكُ اللجام ويعلُكُه (٨).\n_________\n(١) هو: أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد القزويني، أبو الحسين، الإمام اللغوي، ولد بقزوين حوالي ٣٠٦/ ٣٠٨ هـ، له مصنفات منها: معجم مقاييس اللغة، ومجمل اللغة، توفي سنة ٣٩٥ هـ.\n\nينظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٧/ ١٠٣)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد (٣/ ١٣٢)، الوافي بالوفيات للصفدي (٧/ ١٨١).\n(٢) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٣٥١ - ٣٥٢) مادة (ملَكَ).\n(٣) ينظر: تهذيب اللغة (١/ ١٨٤)، ومعجم مقاييس اللغة (١/ ١٣٢) مادة (ألك)، والصحاح (٤/ ١٦١١)، والقاموس المحيط (ص ١٢٠٣)، تفسير جامع البيان للطبري (١/ ٤٤٤ - ٤٤٧).\n(٤) تفسير جامع البيان لابن جرير الطبري (١/ ١٣٤ - ١٣٥).\n(٥) أبو الحسن، علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي، شيخ القراءة والعربية، أحد القراء السبعة، له عدة تصانيف منها: معاني القرآن، وكتاب في القراءات، ومختصر في النحو، مات بالري، وفي تاريخ موته أقوال أصحها أنه مات سنة ١٨٩ هـ.\nينظر ترجمته في: بغية الوعاة (٢/ ١٦٢ - ١٦٥)، وطبقات المفسرين للداودي (١/ ٣٩٩ - ٤٠٣)، السير (٩/ ١٣١ - ١٣٤).\n(٦) لسان العرب (١٠/ ٤٩٦)، وينظر: القاموس المحيط (ص ١٢٠٣)، الصحاح (٤/ ١٦١١)، تفسير الطبري (١/ ٤٤٤ - ٤٤٧).\n(٧) النبوات (ص ٢٥٧).\n(٨) ينظر: معجم مقاييس اللغة (١/ ١٣٣) مادة (ألك).","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>أما الملائكة في التعريف الشرعي فهم:</span>\nعالم غيبي خلقهم الله - ﷿ - من نور، ومنحهم الانقياد التام لأمره، والقوة على تنفيذه، مربوبون مُسخرون، عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يوصفون بالذكورة ولا بالأنوثة، لا يأكلون ولا يشربون، ولا يملُّون ولا يتعبون ولا يتناكحون ولا يعلم عددهم إلا الله، ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية من شيء (١).\nوعرَّفها بعضهم بأنهم: أجسام نورانية (٢) علوية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة كاملة في العلم والقدرة على الأفعال الشاقة، وشأنها الطاعات، ومسكنها السموات هم رسل الله تعالى إلى أنبيائه، وأمناؤه على وحيه، يسبحون الليل والنهار لا يفترون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة لعدم دليل على ذلك، ولا يعلم عددهم إلا الله ﷾ (٣).\nونسب ابن حجر في فتح الباري إلى الجمهور القول بأن الملائكة: \" أجسام لطيفة أعطيت قدرة على التشكُّل بأشكالٍ مختلفة مسكنها السموات خلقت من النور\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>ب- معنى الإيمان بالملائكة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>وعليه فالإيمان بالملائكة: </span>يتضمن التصديق والاعتقاد الجازم بما أخبر الله تعالى عن ملائكته، وإنزالهم منزلتهم التي أنزلهم الله إياها في كتابه وسنة نبيه - ﷺ - دون زيادة أو نقصان (٥).\n_________\n(١) ينظر: لوامع الأنوار البهية (١/ ٤٤٧)، وأعلام السنة المنشورة (ص ٧٨)، وشرح ثلاثة الأصول للعثيمين (ص ٩٠)، وعالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر (ص ١٣) وما بعدها.\n(٢) والتعريف بأن الملائكة أجسام نورانية أدق وأصح إذ إن الشرع وصفها بأنها مخلوقات نورانية، والوقوف عند النص أولى، أخرج مسلم في كتاب الزهد والرقائق باب في أحاديث متفرقة، برقم (٢٩٩٦): أن النبي - ﷺ - قال: (خلقت الملائكة من نور).\n(٣) ينظر: فتح الباري (٦/ ٤٥٠)، وروح المعاني للألوسي (١/ ٢١٨).\n(٤) فتح الباري (٦/ ٣٥٣)، منهاج السنة (٢/ ٥٣٣).\n(٥) ينظر: إغاثة اللهفان (٢/ ١٢٥ - ١٢٧)، وشرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٤٠٥ - ٤٠٧)، وفتح الباري (٦/ ٤٥١).","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>وهذا ينتظم أمورًا أربعة </span>(١):\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>الأول: الإيمان بوجودهم</span>، ويكون الإيمان بهم تفصيلًا وإجمالًا، فما ورد تعيينه باسمه المخصوص كجبريل وميكائيل ومالك فنؤمن بهم وبوظائفهم تفصيلًا على ما بين في الكتاب والسنة، وأما الذين لم يرد ذكر أسمائهم فنؤمن بهم إجمالًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>الثاني: إنزالهم منازلهم</span>، وإثبات أنهم عباد الله وخلقه كالإنس والجن، وأنهم مكلفون بعبادة الله، ولا يقدرون إلا على ما أقدرهم الله عليه، والموت عليهم جائز، ولكن الله جعل لهم أمدًا بعيدًا، ولا يوصفون بشيء يؤدي وصفهم به إلى إشراكهم بالله تعالى (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>الثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم على الإجمال والتفصيل</span>.\nإجمالًا: بأنهم مخلوقون من نور، وأنهم على صور حسنة جدًا، وأنهم خلق عظيم.\nوتفصيلًا: الإيمان بما علمنا من أوصاف بعضهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>الرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم على الإجمال والتفصيل</span>.\nإجمالًا: أنهم يفعلون ما أمرهم الله تعالى ولا يعصونه.\nوتفصيلًا: أن منهم من هو موكل بأعمال مخصوصة (٤).\n_________\n(١) ينظر: المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (١/ ٣٠٢)، وشعب الإيان للبيهقي (١/ ١٦٣)، ومعارج القبول (٢/ ٦٣)، ومختصر الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية (ص ٢١٧)، وفتاوى ابن عثيمين (٥/ ١١٦)، والإيمان لمحمد ياسين (ص ٤٧).\n(٢) ينظر: الحبائك في أخبار الملائك للسيوطي (ص ٩)، وشرح أصول الإيمان لابن العثيمين (ص ٢٧).\n(٣) كالإيمان بصفات جبريل - ﵇ - بأنه قوي، وأنه ذو خلق عظيم ومنظر حسن، وأن له ستمائة جناح، وغيره من صفات الملائكة المذكورة في القرآن.\n(٤) من هذه الأعمال التي كلف الله بها الملائكة وأمرهم بالقيام بها:\nأ- أعمال عامة يشتركون جميعًا فيها، وتتمثل في عبادة الله سبحانه، وتسبيحه ليلًا ونهارًا، بلا ملل ولا فتور، قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ الأنبياء: ٢٠. ب- أعمال خاصة لبعض الملائكة، أمرهم الله بالقيام بها.\nوالأعمال الخاصة بالملائكة كثيرة، دلّ القرآن الكريم، والسنة الشريفة المطهرة على بعضٍ منها، وهي ممّا يجب على المؤمن الإيمان بها طبقًا لما بيّنه الله ورسوله؛ والملائكة بالنسبة إلى الأعمال التي يقومون بها أصناف: -\n١ - فمنهم حَمَلةُ العرش.\n٢ - ومنهم الموكلون بالجنان وإعداد الكرامة لأهلها.\n٣ - ومنهم الموكلون بالنارِ وتعذيبِ أهلها، وهم الزبانية، ومُقَدَّموهم تسعة عشر، وخازنها مالك، وهو مُقَدَّم الخزنة.\n٤ - ومنهم الموكلون بحفظ بني آدم في الدنيا.\n٥ - ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد وكتابتها.\n٦ - ومن الملائكة من هو موكلٌ بالرحم وشأن النطفة.\n٧ - ومنهم ملائكة موكلون بقبض الأرواح.\n٨ - ومنهم وملائكة موكولون بتحريك الهواء إجراء السحاب، وهم المدبرات أمرًا، والمقسمات أمرًا.\nوهذه الأصناف ليس على سبيل الحصر، ينظر: الرد على المنطقيين لابن تيمية (ص ٤٩٠) وما بعدها، إغاثة اللهفان لابن القيم (٢/ ١٢٥) وما بعدها، شرح الطحاوية (٢/ ٤٠٥) وما بعدها، معارج القبول (١/ ٦٣) وما بعدها.","vol":"1","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>ثانيًا: بيان ثمرة وأهمية الإيمان بالملائكة:</span>\nالإيمان بالملائكة يثمر ثمرات جليلة منها (١):\nأولًا: العلم بعظمة الله تعالى وقوته وسلطانه، فإن عظمة المخلوق من عظمة الخالق، وإذا كان الملك قادرًا على إحصاء كل دقيق وجليل، فإن معطي الكمال أولى به (٢).\nثانيًا: شكر الله تعالى ومحبته على عنايته وحمايته لبني آدم، حيث جعل الله عليهم حفظة يحفظونهم من الجن والشياطين ومن كل شرٍّ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ الرعد: ١١. واطمئنان المؤمن إلى أنه محاطٌ برعاية الله تعالى له، بهؤلاء الخلق العظام الذين يرعون شؤونه، ويسيرون كثيرًا من شؤون الكون بإذن الله تعالى، ليستوجب محبته والعمل على طاعته.\nثالثًا: التقرب إلى الله بحب الملائكة على ما قاموا به من مراضي الله، وعبادة الله تعالى، وتحقيقها على الوجه الأكمل، ونصرتهم للمؤمنين واستغفارهم لهم. قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ الأنفال: ١٢، ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ غافر: ٧.\nكما أن دعاء الملائكة للمؤمنين من أسباب تثبيت المؤمنين وتسديدهم -وهذا يوجب محبتهم-، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ الأحزاب: ٤٣، قال شيخ الإسلام - ﵀ - تعليقًا على هذه الآية: \" فدل ذلك على أن هذه الصلاة سبب لخروجهم من الظلمات إلى النور\" (٣).\n_________\n(١) ينظر: الداء والدواء (ص ١٦٩)، وشرح ثلاثة الأصول للعثيمين (ص ٩٢)، وعالم الملائكة الأبرار (ص ٤٨)، والإسلام أصوله ومبادئه لمحمد بن عبد الله السحيم (٢/ ١٣٣)، والقصد والوسطية في ضوء السنة النبوية، لعبد الواحد الشربيني (٢٢٦ - ٢٢٩).\n(٢) ينظر: المسائل العقدية المتعلقة بالحسنات والسيئات (١/ ٤٠٧).\n(٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ٥٢٥).","vol":"1","page":361},{"text":"ودعاء الملائكة للمؤمنين شاهد صدق على محبتهم لهم، وحرصهم على استقامة أحوالهم، قال الشيخ السعدي: \" فمن محبة الملائكة لهم -أي للمؤمنين- دعوا الله واجتهدوا في صلاح أحوالهم؛ لأن الدعاء للشخص من أدل الدلائل على محبته؛ لأنه لا يدعو إلا لمن يحبه\" (١).\nرابعًا: الاستقامةُ على أمر الله - ﷿ - والصبر على طاعته، والحث على العمل الصالح والزجر عن السيئات؛ لأن الملائكة يترصدون جميع الأعمال ويكتبونها (٢).\nفمن يستشعر وجود الملائكة معه وعدم مفارقتها له، ويؤمن برقابتهم لأعماله وأقواله وشهادتهم على كل ما يصدر عنه، فيورثه الاستقامة، فلا يخالف الله - ﷿ - في أمر ولا يعصيه في سرِّ ولا علانية، مواصلًا الجهاد في سبيل الله، وعدم اليأس والشعور بالأنس والطمأنينة؛ لأن جنود الله معه، فيجد منهم أنيسًا ورفيقًا يصحبه ويطمئنه ويشجعه على مواصلة السير في طريق الهدى.\nخامسًا: إغلاقُ باب الخرافة والتخيلاتِ الباطلة والاعتقادات الزائفة في الملائكة، وذلك بأن يعلم المسلم أن الملائكة لا ينفعون ولا يضرون، وإنما هم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فلا يعبدهم ولا يتوجه إليهم، ولا يتعلق بهم -بما أطلعنا من أمر الملائكة وأفعالها-.\nسادسًا: ومن ثمرات الإيمان بالملائكة تطهير عقيدة المسلم من شوائب الشركِ وأدرانه؛ لأنَّ المسلم إذا آمن بوجود الملائكة الذين كلفهم الله بأعمال عظيمة تخلَّص من الاعتقاد بوجود مخلوقات وهميةٍ تسهمُ في تسيير أمورِ الكون (٣).\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن (ص ٧٣٣)، وينظر: فتح الباري لابن حجر (٧/ ٢٩)، (١١/ ٢١٣).\n(٢) كما أن في هذا إظهار عدل الله التام: حيث تكون صحيفة الأعمال حجة للإنسان أو عليه ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ الإسراء: ١٣ - ١٤، مع ما يحصل للمؤمن من استبشار عظيم بأخذ كتابه، في موقف الحساب بيمينه وما يحصل من ضده للكافر.\n\nينظر: المسائل العقدية المتعلقة بالحسنات والسيئات (١/ ٤٠٧).\n(٣) قال ابن القيم - ﵀ -: \" ... فكل حركة في السموات والأرض من حركات الأفلاك، والنجوم، والشمس، والقمر، والرياح، والسحاب، والنبات، والحيوان، فهي ناشئة عن الملائكة الموكلين بالسموات والأرض ... وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكلّ بالجبال ملائكة، ووكلّ بالسحاب والمطر ملائكة، ووكلّ بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها ... \". إغاثة اللهفان (٢/ ١٥٣ - ١٦١) باختصار.","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالملائكة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>تمهيد:</span>\nإذا تقرر وجوب الإيمان بالملائكة -﵈-، فإن لهذا الإيمان ما يناقضه، لذلك نجد أصحاب البدع المتقابلة قد خالفوا أهل السنة والجماعة في هذا الركن المهم من أركان الإيمان، فوافقوا بذلك الأمم السابقة الذين وقفوا موقف التناقض من الغلو والمجافاة، فالغالي منهم عبدهم من دون الله والجافي وصفهم بما لا يليق (١).\nوسبب انحراف هذه الفرق في الإيمان بالملائكة، يرجع إلى سبب واحد رئيس، وهو:\nانحرافهم في باب الإيمان بالغيب، واعتمادهم على العقل والحس والتصورات الفاسدة، في الإيمان بالملائكة من عدمه.\n\"ولا يصار إلى بيان المبهمات إلا بقاطع\" (٢)، ولا سبيل إلى العلم بذلك إلا عن طريق الخبر، إما من كتاب الله - ﷿ -، وإما عن طريق نبيه - ﷺ -. ومن أجل هذا فقد، انقسم الناس إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان!؛ لإعراضهم عن هدي المرسلين واتباعهم غير سبيل المؤمنين. وبيان ذلك في المطلبين الآتيين.\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٤/ ١٢٠، ١٢١، ٣٤٦)، والسبعينية (ص ٢٢٠)، وأصول اللالكائي (٧/ ١٢١٧).\n(٢) تفسر القاسمي سور الزمر (ص ٦٨).","vol":"1","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في الإيمان بالملائكة</span>.\nتواترت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية في الحديث عن الملائكة، ومع كل هذا نجد من فَرط في هذا الركن العظيم، فأثبت وجودهم، لكنه انحرف إلى الاستهزاء بهم أو سبهم فقال: إنهم بنات الله وهذا اعتقاد العرب المشركين قديمًا، أو أنهم خانوا الأمانة كما زعمت الشيعة (١)، أو وصفهم بالشهوة والأكل والشرب إلى غير ذلك (٢).\nوهذا كله شطط وخروج عن منهج القصد والحق في الإيمان بالملائكة.\nويمكن الوقوف على طرق الانحراف المؤدية إلى التفريط في الإيمان بالملائكة الكرام، من خلال ما يلي:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-368> أولًا: الإيمان بالمحسوسات فقط:</span>\nظهرت دعوى أنه لا إيمان إلا بما يقع عليه الحس، وأن كل ما لا يقع عليه الحس غير موجود (٣)، فأنكر الغلاة من أجل ذلك ما جاءت به الأديان السماوية من حقائق غيبية أيقن بوجودها العاقل -لإخبار الصادق بها- وتقبلتها الفطرة بارتياح، إذ إن الحس ليس كل شيء في المعرفة فهناك مغيبات لا يتناولها الحس.\nوهؤلاء الملحدون حصروا العلوم المدركة في دوائر ضيقة، فما أدركوه بحواسهم وتجاربهم أثبتوه، وما لم يدركوه بذلك نفوه، وهذا باطل، بل قصور في العلم (٤)؛ لأن وسائل العلم ثلاثة:\n١ - المعرفة المباشرة، وتكون بالإدراك الحسي، ولو عن طريق الأجهزة والأدوات.\n٢ - الاستدلال العقلي بمختلف طرقه الاستنتاجية والاستنباطية الصحيحة، والمؤيدة بالحجج والبرهانية أوالمقبولة.\n_________\n(١) الغرابية-إحدى فرق الشيعة-: وهم القائلون بأن محمدًا - ﷺ - أشبه الناس بعلي - ﵁ - من الغراب بالغراب وإلى هذا القول نسبوا، وهذه الفرقة تقول لأتباعها: العنوا صاحب الريش يعنون جبريل - ﵇ -، ويقولون: بوجوب النبوة بعد النبي - ﷺ -، وبكفر جماعة من الصحابة - ﵃ - إذ جحدوا إمامة علي، وكفروا عليًا إذا سلم الأمر لأبي بكر - ﵁ -، ثم رجع إلى الإيلام لما تولى الخلافة ولهم أقوال كثيرة وأباطيل يناقض بعضها بعضًا.\nينظر: الملل والنحل (٤/ ١٨٣)، التنبيه والرد (ص ٣٤)، التبصير في الدين (ص ١٢٨)، البرهان (ص ٧٣ - ٣٤).\n(٢) ينظر: الحجة للأصفهاني (٢/ ٣٩٠)، وفتح الباري (٦/ ٣٤٣)، والفصل لابن حزم (١/ ٩٠)، والفرق بين الفرق، لعبد القاهر البغدادي (ص ٢٧٩).\n(٣) ينظر: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (٤/ ٣٣)، ومختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم اختصار ابن الموصلي (ص ١٤٦).\n(٤) ينظر: الرد على المنطقيين لابن تيمية (ص ١٣٩)، والأدلة والقواطع والبراهين (١٤ - ١٥).","vol":"1","page":364},{"text":"٣ - الخبر الصادق، ومن الخبر الصادق الوحي الذي يتلقاه نبي من أنبياء الله مؤيد بالمعجزات الباهرات ويبلغه عن الله (١).\n\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" المعلومات المعاينة التي لا تدرك إلا بالخبر أضعاف أضعاف المعلومات التي تدرك بالحس والعقل، بل لا نسبة بينها بوجه من الوجوه، ولهذا كان إدراك السمع أعم وأشمل من إدراك البصر، فإنه يدرك الأمور المعدومة والموجودة والحاضرة والغائبة، والمعلومات التي لا تدرك بالحسِّ والأمور الغائبة عن الحس نسبة المحسوس إليها كقطرة من بحر، ولا سبيل إلى العلم بها إلا بالخبر الصادق\" (٢).\nوالإيمان بالمحسوسات فقط نداء إلى الجهل والطيش والوقوع في الحيرة والوسوسة؛ لأننا إذا أبطلنا كل العلوم عدا المحسوسات، فإننا قد أبطلنا علومًا جمة، ومعارف كثيرة (٣).\nووجود هذا العالم العجيب المحكم عند من يؤمنون بالمحسوسات فقط، يضطرهم إلى القول بالمحارَات، الوقوع في المحالات، فإنه يلزمُ حينئذٍ إمَّا القول بِقِدَمِ العالم، والقِدَمُ بنفسه هو أعظم المحارات، أو القول بحدوثه من غير مُحدِثٍ ولا مُرَجِّحٍ، وذلك من أعظم المحالات (٤).\nوالحقيقة أن أصل التعطيل ومنشأ التفريط هو: انحرافهم في باب الإيمان بالغيب (٥)،\nالذي يتفاضل فيه الناس ويتفاوتون، لذا كان الإيمان بالغيب ركيزةً أساسيةً من ركائز الإيمان في الرسالات السماوية كلها. فقد جاءت هذه الرسالاتُ بكثير من الأمور الغيبية التي لا سبيل\n_________\n(١) ينظر: الاستقامة (٢/ ٢٩)، درء التعارض (٩/ ٢١)، الأدلة والقواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين للسعدي (ص ١٥).\n(٢) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (٣/ ٨٧٣).\n(٣) يلاحظ اتساع الفساد في هذا الباب مع ظاهرة الإلحاد الحديثة، وهي ظاهرة غزت في فترة الطفرة العلمية الحديثة مجالات مختلفة من الفكر الغربي الحديث، وإذا دخل الإلحاد إلى مجال الفكر، وأصبح موضة للمفكرين، فمن المنطقي انعدام جدوى الإيمان بقضايا الغيب الدينية كلها. ينظر: أمثلة لهذا الإنكار عند بعض العقلانيين المعاصرين في كتاب عالم الجن، لعبد الكريم عبيدات (ص ١١٨ - ١٦٩).\n(٤) ينظر: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (٤/ ٣٣).\n(٥) الغيب في الإسلام هو: كل ما غاب عن حسِّ الإنسان سواءٌ بقي سرًّا مكتوما يعجز الإنسانُ عن إدراكه بحيث لا يعلمه إلا اللطيف الخبير، أو كان مما يعلمه الإنسانُ بالخبر اليقين عن الله تعالى ورسوله - ﷺ -، وقد يعلمُ الإنسانُ بعض الغيب بتحليله الفكري أو نحو ذلك من الوسائل. (وذلك في بعض ما يمكن الوصول إليه بالوسائل المساعدة، على توسيع مدى الحواس مثل المناظير وغيرها من الأجهزة، وهذا مما يدخل في الغيب النسبي كما سنرى).\n\nينظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ٥١)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١/ ١٦٣)، وعالم الغيب في الشريعة الإسلامية. د. أحمد الغنيمان (ص ٢٥ - ٣١).","vol":"1","page":365},{"text":"للإنسان إلى العلم بها إلا بطريق الوحي الثابت في الكتاب والسنة، كالحديث عن الله تعالى وصفاته وأفعاله وعن السماوات السبع وما فيهن، وعن الملائكة والنبيين والجنة والنار والشياطين والجن وغير ذلك من الحقائق الإيمانية الغيبية، التي لا سبيل لإدراكها والعلم بها إلا بالخبر الصادق عن الله تعالى ورسوله - ﷺ - (١).\nقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - ﵀ - بعد أن ذكر جملة من الأحاديث الواردة في شأن الملائكة وصفاتهم-: \"وفي هذا وما ورد من القرآن رد على من أنكر وجود الملائكة من الملاحدة\" (٢).\nلذلك فإن أعظم الناس إنكارًا لها الفلاسفة المسمون عند من يعظمهم بالحكماء، فالملائكة عندهم هي القوى العقلية المجردة، فليس هناك ذات منفصلة تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، وترى وتخاطب الرسل، وإنما ذلك عندهم أمور ذهنية لا وجود لها في الأعيان (٣)، فأنكروا رؤيتها؛ لأنها ليست أجسامًا عندهم، كما يلزم من إنكارهم للملائكة أيضًا إنكار الوحي ونزول جبريل - ﵇ - به، وإنكار النبوة، وإنكار الجن، وإنكار اليوم الآخر، إلى غير ذلك من الجحود لآيات الله تعالى، الذي يناقض الإقرار والتصديق، ومن ثَمَّ فقد توعّد الله تعالى أولئك المنكرين لآياته، المكذبين بها بالعذاب المهين والخلود في نار جهنم.\nقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠)﴾ الأعراف: ٤٠.\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾ الحج: ٥٧.\nبل إن صفة الجحود لتلك الآيات لا تقوم إلا في الكفار، كما قال ﵎: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧)﴾ العنكبوت: ٤٧.\nوالذي ينبغي معرفته أن الفلاسفة لا يؤمنون بوجود الله حقيقة، ولا يؤمنون بوحي ولا نبوة ولا رسالة، وينكرون كل غيب، فالمبادئ الفلسفية جميعها تقوم على أصلين هما:\nالأصل الأول: أن الأصل في العلوم هو عقل الإنسان، فهو عندهم مصدر العلم.\n_________\n(١) ينظر: أركان الإسلام، لعلي بن نايف الشحود (ص ١٠).\n(٢) فتح الباري (٦/ ٣٠٦).\n(٣) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣).","vol":"1","page":366},{"text":"الأصل الثاني: أن العلوم محصورة في الأمور المحسوسة المشاهدة فقط.\nفتحت الأصل الأول أبطلوا الوحي، وتحت الأصل الثاني أبطلوا الأمور الغيبية بما فيها الإيمان بالله واليوم الآخر.\nوقد تسلط الفلاسفة على المسائل الاعتقادية وزعموا أنها مجرد أوهام وخيالات لا حقيقة لها ولا وجود لها في الخارج، فلا الله موجود حقيقة، ولا نبوة ولا نبي على التحقيق، ولا ملائكة، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا نشور (١).\n\nوبالجملة فإن إنكار الغيب أصل كل شر، وهذا باب واسع ليس هذا موضعه.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-369> ثانيًا: محاولة إدراك صفات الملائكة بالعقل:</span>\nيجب الإيمان بصفات الملائكة الكرام الخَلْقية والخُلُقية، والأعمال التي يقومون بها كما ورد ذكرها في القرآن والسنة على وجه التفصيل؛ لأن إقحام العقل في كل ما سبق سبب للانحراف في الإيمان بالملائكة، ونتيجة إلى التفريط في هذا الأصل العظيم.\nمن أجل ذلك نجد من أهل البدع من الفلاسفة (٢) وغيرهم يقولون: إنها قوى معنوية لا أجسام، فيجعلون الملائكة قوى النفس الصالحة والشياطين قوى النفس الخبيثة، وسجود الملائكة طاعة القوى الصالحة للعقل، وامتناع الشياطين عصيان القوى الخبيثة للعقل ونحو ذلك من المقالات (٣) التي يتفوه بها أصحاب الفرق الباطنية، ويعتقدها الدهريون والملحدون من الماديين الذين ينكرون الخالق وكل الأمور الغيبية (٤)، أو كقول المؤولين الذين يؤولون\n_________\n(١) ينظر: العرش للذهبي (١/ ٤٧).\n(٢) إن أكثر من حاول التقريب بين مذهب الفلاسفة ومذهب الشريعة الإسلامية ابن سينا، ولكنه لم يفلح في ذلك، يقول ابن القيم - ﵀ -: \" فالرجل معطل مشرك جاحد للنبوات والمعاد لا مبدأ عنده ولا معاد ولا رسول ولا كتاب\".\nينظر: إغاثة اللهفان (٢/ ٢٦٣).\n(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٦).\n(٤) تيسر اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، للسعدي (ص ٢٩).","vol":"1","page":367},{"text":"الملائكة بأمور غير صحيحة كقولهم بأن المراد من نفوس الملائكة اللوح المحفوظ (١)، أما العقلانيون الآن فيزعمون أن الملائكة قوى طبيعية، أو ناموس طبيعي توجد في المخلوقات أوجدها الله فيها منذ الأزل، أو الفكر الموجود في الإنسان والحيوان والنبات، وينكرون مجيء الملك إلى الأنبياء، أو وجودهم في الأرض أو في السماء مع إنكارهم للوظائف التي يقومون بها، وقولهم هو نفسه قول الفلاسفة القدماء (٢).\nقال ابن القيم - ﵀ - في بيان عقيدة المنحرفين في باب الإيمان بالملائكة المكرمين: \" وأما الإيمان بالملائكة فهم لا يعرفون الملائكة، ولا يؤمنون بهم، وإنما الملائكة عندهم ما يتصوره النبي بزعمهم في نفسه من أشكال نُورانية، هي العقول عندهم، وهي مجردات ليست داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق السموات ولا تحتها، ولا هي أشخاص تتحرك، ولا تصعد ولا تنزل، ولا تُدبر شيئًا، ولا تتكلم، ولا تكتب أعمال العبد، ولا لها إحساس ولا حركة ألبتة، ولا تنتقل من مكان إلى مكان، ولا تصف عند ربها، ولا تصلي، ولا لها تصرف في أمر العالم ألبتة؛ فلا تقبض نفس العبد، ولا تكتب رزقه وأجله وعمله، ولا عن اليمين وعن الشمال قعيد، كل هذا لا حقيقة له عندهم ألبتة، وربما تقرب بعضهم إلى الإسلام فقال: الملائكة هي القوى الخيرة الفاضلة التي في العبد، والشياطين هي القوى الشريرة الرديئة، هذا إذا تقربوا إلى الإسلام وإلى الرسل\" (٣).\nوالحقيقة أنهم إنما توهموا هذا لمّا خاضوا بعقولهم في تصورها، قال ابن الأثير -تعليقًا على حديث: «أطت السماء وحق لها أن تئط ...» (٤) -: وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة، كثرة لا يسعها عقل البشر (٥)، فالعقول لا تستطيع إدراكها، كما أن للملائكة أجنحة، كما ثبت في الأحاديث، لكنها لا تضبط بالفكر، بل يجب الإيمان بها إجمالًا، وهي صفات ملكية، لا\n_________\n(١) وهم إنما أخذها من الفلاسفة كابن سينا وغيره ممن سمعوا كلام الأنبياء وأرادوا الجمع بينه وبين أقوالهم، فصاروا يأخذون ألفاظ الأنبياء فيضعونها على معانيهم ويسمون تلك المعاني بتلك الألفاظ المنقولة عن الأنبياء.\nينظر: مشكاة الأنوار، لأبي حامد الغزالي (ص ٣١)، والنبوات لابن تيمية (ص ١٦٨ - ١٦٩).\n(٢) ينظر: تناقض أهل الأهواء والبدع (١/ ٣٣٣ - ٣٣٦).\n(٣) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٦١).\n(٤) رواه أحمد برقم (٢٠٥٣٩)، والترمذي في كتاب الزهد، باب قوله - ﷺ -: \"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا\" برقم (٢٣١٢)، وابن ماجه في كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء برقم (٤١٩٠)، وحسنه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٦٨)، وصحيح سنن ابن ماجه (٢/ ٤٠٧).\n(٥) النهاية في غريب الحديث (١/ ٥٤).","vol":"1","page":368},{"text":"تدرك بالعين، فإن الله أخبر بأنها مثنى وثلاث ورباع، ولم ير لطائر ثلاثة أو أربعة أجنحة، فكيف بستمائة جناح، فدل على أنها صفات لا تضبط بالفكر، ولا ورد ببيانها خبر، فيجب الإيمان بها إجمالًا (١).\nولا يغرب عن البال، أن كل تصور عن عالم غيبي لا يمكن أن يكون صحيحًا إلا بدليل سمعي يدل عليه.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-370> ثالثًا: لوازم اعتقاداتهم الفاسدة في بقية أركان الإيمان:</span>\nنجد أن الجبرية الجهمية لما عطلوا الله - ﷿ - عن صفات الكمال ونعوت الجلال، - فقالوا: لا سمع له ولا بصر ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة ولا كلام ولا أمر ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا ينزل الأمر والوحي من عنده، وليس فوق العرش إلهٌ يُعبد ولا يُصلى له ويسجد-، فإذا كانوا يقولون بعدم الرب -﷾- فيلزمهم القول بعدم وجود الملائكة، وهذا من الخلل الواضح في معتقدهم في الإيمان بالملائكة وإن لم يصرحوا بالنفي أو بالعدم صراحة، وهم يصرحون صراحة بعدم كلام الله -﷾-، فيلزمهم بقولهم هذا عدم إرسال الملائكة، حيث إنهم لا يقومون بالوحي إلا بعد كلام الله -﷾- لهم (٢).\nكما أن كل من قال بخلق القرآن فقد ضل في باب الإيمان بالملائكة؛ لأنه عطل جبريل - ﵇ - عن أعظم أفعاله ألا وهو إنزال كلام الله - ﷿ -.\nوكذلك القائلون بنفي صفة الرؤية والنزول لله - ﷿ - يؤدي ذلك إلى تعطيل حملة العرش عن أعمالهم، يقول الله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ الحاقة: ١٧، فيتضح بذلك الخلل في هذا الركن بإنكار صفات الله.\n_________\n(١) ينظر: الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، لعبد الرحمن السهيلي، ت: السلامي (٧/ ١٧٤).\nولم ينكره من المعتزلة إلا ضرار بن عمرو الغطفاني ولهذا نسب هذا القول للمعتزلة، وما ينقل من أن المعتزلة أنكرت عذاب القبر غير صحيح، والسبب في نسبة هذا القول لها هو ما ينقله عنهم خصومهم كابن الراوندي أو الأشاعرة أو بعض أهل السنة، كما يوصف أهل السنة من قبل خصومهم بأنهم حشوية ومجسمة ونحو ذلك، انظر في اثبات المعتزلة لعذاب القبر متشابه القرآن للطريثيثي (١٠٢٦)، وشرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص ٧٣٠).\n(٢) ينظر: تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة، د. عفاف محمد مختار (١/ ٣٣٨).","vol":"1","page":369},{"text":"كما أن المعتزلة أنكروا عذاب القبر ونعيمه (١)،\nفعطلوا بعض الملائكة من أعمالهم، وكذلك قالوا بتخليد مرتكب الكبيرة في النار (٢) فجعلوا الزبانية يعذبون المؤمن الذي لا يستحق العذاب كالكافر، وفي هذا مخالفة لأمر الله - ﷿ - فيتبع ذلك على معتقدهم الفاسد مخالفة الملائكة لأوامر الله - ﷿ -، وبذلك يظهر الخلل في هذا الركن عند القدرية وهذا أيضًا ما تقوله الخوارج (٣).\nكما أن المعتزلة تقول بالعدل وهو أصل من أصولها (٤)، وبقولها هذا أخرجت أفعال الملائكة والإنس والجن وحركاتهم وأقوالهم وإراداتهم عن قدرته ومشيئته وخلقه، وهذا من الخلل أيضا في موقفهم من الإيمان بالملائكة.\nكما أن الصوفية تقول بالإلهام (٥) والأخذ مباشرة من الملائكة (٦)، فلازم قولهم وصف الملائكة بالمعاصي والآثام والتقليل من شأنهم.\nومن الخلل في عقيدة المرجئة في ركن الإيمان بالملائكة أنهم يزعمون أنه ليس لله كلام مسموع (٧) وأن جبريل لم يسمع من الله شيئًا مما أداه إلى رسله -﵈-، فيكون على حد زعمهم أن جبريل ادعى كذبًا أن ما في المصحف هو كلام الله -﷾- وهذا وصف لجبريل بالتنقيص وعدم الأمانة مع أنه موصوف بها كما قال تعالى: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ التكوير: ٢١، ويؤدي قولهم إلى تعطيل جبريل من أفضل أعمال ألا وهي الوحي، بل هذا\n_________\n(١) تواترت الأحاديث بثبوت عذاب القبر ونعيمه، ولا ينكره إلّا معاند مكابر.\n\nينظر: السنة، لابن أبي عاصم (٢/ ٤١٥ - ٤٢٥). والشريعة، للآجري (ص ٣٥٨ - ٣٦٤).\n(٢) ينظر: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع للملطي (ص ٣٥ - ٤٣)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٣ - ٨٥).\n(٣) ينظر: مقالات الإسلاميين (ص ١٢٧، ٤٣٠).\n(٤) ينظر: مقالات الإسلاميين (ص ٢٧٨)، التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع للملطي (ص ٣٥ - ٤٣)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٣ - ٨٥).\n(٥) الإلهام: ما وقع في القلب من علم يدعو إلى العمل من غير استدلال بآية، ولا نظر في حجة، وقد يسمى الإلهام بالعلم اللّدنيّ.\nينظر: التعريفات (ص ٣٥).\n(٦) يقول العزالي: \" ولم يفارق الوحي الإلهام في شيء، بل في مشاهدة المَلكَ المفيد العلم، فإن العلم إنما يحصل في قلوبنا، بواسطة الملائكة\" الإحياء (٣/ ٢١)، وينظر: الفتوحات المكية لابن عربي (١/ ٣٥٨).\n(٧) مجموع الفتاوى (١٢/ ١٦٥).","vol":"1","page":370},{"text":"لازم قول الأشاعرة كذلك القائلين: بأن الله لم يتكلم بحرف وصوت، وأنه أفهم جبريل ما في نفسه من الكلام بلطيفة (١). وغير ذلك من اللوازم الباطلة.\n_________\n(١) ينظر: رسالة السجري إلى أهل زبيدة في الرد على من أنكر الحرف والصوت، لأبي نصر عبد الله بن سعيد السجري، تحقيق د. محمد باكريم باعبد الله (ص ٧٩) وما بعدها.","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالملائكة</span>.\nمن جملة المخالفين لأهل السنة والجماعة في هذا الباب من أخبر الله - ﷿ - عنهم في كتابه بقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ سبأ: ٤٠ - ٤١.\nفي هذه الآية دليل على أنه سيبلغ الغلو في الملائكة إلى درجة العبادة، فأخبر - ﷿ - عن الملائكة أنهم إذا سُئلوا عن عبادة من عبدهم تبرّؤوا إلى الله من ولايتهم، وعلى هذا يكون ذلك تنكيلا للكافرين حيث بين لهم أن معبودهم لا ينفع ولا يضر.\nلذا فإن الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالملائكة، يأتي من طريقتين، وهما:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-372> أولًا: انحرافهم في مفهوم التوحيد وتقريره:</span>\nوالشرك الذي ذكره الله في كتابه إنما هو عبادة غيره من الملائكة وغيرهم (١)، والملائكة هم من أعظم وأكبر من عُبِدَ من دون الله، وسبب عبادتهم كان التوسل بهم إلى الله تعالى، وطلب القربة إليه (٢)؛ لأجل صلاحهم (٣)، ممن يزعم أنه محقق للتوحيد -وهو من أعظم الناس إشراكًا- (٤)؛ لأنهم لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنْزل المطر أو تنبت النبات وإنما كانوا يدعونهم (٥)\nويقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ يونس: ١٨، اعتقادًا في الملك بأنه لأجل صلاحه وقربه يملك أن يشفع عند الله، ولأجل قربه لا يَرُدُّ الله تعالى طلبه كما هو الشأن في المخلوقين، قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾ الزمر: ٣٨.\n_________\n(١) لقد بين الله تعالى في كتابه أن المعبودات سواه كثرت وتنوعت من عبادة الأشخاص، إلى عبادة الأحجار والأخشاب، إلى عبادة الهوى إلى عبادة الأجرام السماوية إلى عبادة الملائكة.\n(٢) هذه مفاهيمنا، للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ (ص ١٠٦).\n(٣) هذا الوصف -لأجل صلاحهم-علة مطردة عند المشركين، فكل من فيه صلاح يعتقدون فيه أنه يرفع الحوائج وُجِدَ الشرك، فهي علة مطردة. فقد عُبِدَ عيسى ﵇ لأجل صلاحه. وَعُبِدَ البدوي لأجل صلاحه. وَعُبِدَ الحسين لأجل صلاحه .. وهلم جرا. فما من معبود من القبور والأوثان إلا وهم يعتقدون أنهم صالحون.\nينظر: شرح كشف الشبهات للحازمي، درس مفرغ وهو بترقيم الشاملة آليا (٥/ ١٦).\n(٤) ينظر: التسعينية (ص: ٢٠٨)، مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٦٤ - ٢٦٥).\n(٥) وعبادة الملائكة والنجوم، والأنفس المفارقة، هي حقيقة دين الصابئة.\n\nينظر: مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الأول) (ص: ٢٩٢)","vol":"1","page":372},{"text":"فكل ما وجد الصلاح أو وصف بالصلاح أحد ظنوا أنه يقربهم ويرفع إلى الله - ﷿ - حوائجهم لتقضى من عنده سبحانه، قالوا: هذا تصرف له العبادة \"ليشفعوا لهم\"، هذه غاية سؤال الملائكة، فآل الغلو في الصالحين إلى الشرك بالله في الإلهية، وهو أعظم ذنب عُصي الله به، وأول شرك وقع على ظهر الأرض، وهو ينافي التوحيد الذي دلَّت عليه كلمة الإخلاص: شهادة أن لا إله الله (١).\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \" فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين\" (٢)، وقد نقل كلام شيخ الإسلام هذا جملة من أهل العلم (٣).\nقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ آل عمران: ٨٠.\n\nإذًا فالانحراف في تحقيق توحيد الألوهية سبب في انحرافهم في الإيمان بالملائكة.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-373> ثانيًا: إضفاء صفات الربوبية على الملائكة:</span>\nسبق بيان أن الانحراف في تحقيق توحيد الألوهية يؤول إلى الانحراف في الإيمان بالملائكة، وهنا بيان أن الانحراف في توحيد الربوبية سبب كذلك في الانحراف في الإيمان بالملائكة؛ ذلك أنه وجد فئام من الضالين وصفوا الملائكة بأنها تعلم الغيب، قال تعالى للرد عليهم: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ النمل: ٦٥، كما وجد من يعتقد أن كل حركة في العالم ناشئة عن ملائكته (٤).\n_________\n(١) ينظر: شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للغنيمان (٣/ ١١٣)، إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ٢٦٦)، التنجيم والمنجمون وحكم ذلك في الإسلام لعبد المجيد بن سالم المشعبي (ص ٧).\n(٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٢٤)، وينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٢٧٤) ..\n(٣) كابن مفلح (الفروع (٦/ ١٥٨)، والمرداوي (الإنصاف (١٠/ ٣٢٧)، والحجاوي والبهوتي (الإقناع وشرحه (٦/ ١٦٨)، وابن ضويان (منار السبيل (٢/ ٣٥٧) وغيرهم ﵏.\n(٤) وفي هذا نظر؛ لأنه قد ورد في بعض النصوص أن هناك أمورًا تحدث بهذه الأسباب، أي: بما جعله الله ﷿ من أعمال الملائكة الموكلين بالسماوات والأرض، وأمورًا تكون بقدرة الله المحضة، كما ورد من أن الله ﷿ خلق آدم بيده، وخلق عيسى بن مريم بيده، وتولى كثيرًا من أمر خلقه بيده سبحانه. كما أن هناك من الأمور ما يحدث بأسباب مباشرة، أي: يكون وجوده وخلقه بأسباب جعلها الله ﷿، وهناك ما يكون بمجرد قول الله ﷿: (كن). فتدبير الله للعالم يكون بفعله وبقوله، ويكون بيده سبحانه، ويكون أيضًا بتسخيره للملائكة، وبأمره لهم.\nينظر: شرح الطحاوية، أ. د. ناصر العقل \"مفرغ\"، وهو بترقيم الشاملة آليا (٦٣/ ١١).","vol":"1","page":373},{"text":"من أجل هذا نجمت اعتقادات بدعية غاليةٌ في الإيمان بالملائكة، فبدأ هؤلاء المبتدعة بالتقرب إليها -حتى تنكشف لهم الغيوب-، بل وصل بعضهم إلى عبادتها -كما سبق-، ووراء هذا غُلوٌ ينتهي إلى القول بمشاهدة الله، يدخلونه في باب الكرامات (١).\n_________\n(١) يقول نجم الدين الكبري المتوفى ٦١٨ هـ: \"أن الملائكة تنزل على الصوفية\". وقالوا: بالكشف الصوفي وهو يعني عندهم رفع الحجب أمام قلب الصوفي وبصره ليعلم ما في السماوات جميعًا، وما في الأرض جميعًا، فلا تسقط ورقة إلا بنظره ولا تقع قطرة ماء من السماء إلا بعلمه ولا يولد مولود، أو يعقد معقود، أو يتحرك ساكن أو يسكن متحرك إلا بعلم الصوفي. واطلاعهم على ما يغيب عن علمهم أو ما يحتاجون إليه من الأمور الدينية أو حتى الدنيوية عيانًا أو سماعًا من قبل النبي ﷺ أو الخضر أو الهواتف أو الملائكة ونحو ذلك.\nينظر: التَّصَوُّفُ .. المنشَأ وَالمَصَادر، إحسان إلهي ظهير (ص ١٦٤)، الموسوعة الميسرة في الأديان (١/ ٢٦١)، وأصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة، أ. د. سعود بن عبد العزيز الخلف (ص ٢٧)، والفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، لعبد الرحمن عبد الخالق (١٤٥ - ١٤٩).","vol":"1","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالملائكة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان بالملائكة</span>.\nبين الله - ﷿ - في كتابه وسنة نبيه - ﷺ - مسألة الإيمان بالملائكة، بما ينفع الناس، ويدلهم على الصراط المستقيم، ويصحح تصوراتهم، وأفكارهم، ومعتقدهم في قضايا الاعتقاد وغيرها، وهذا ما يعمق الإيمان ويرسخه، ويقي من الوقوعِ في الخرافات والأوهام.\nكما بين الله -﷾- الانحراف الذي وقع فيه الناس تجاه اعتقادهم في الملائكة منذ القِدَم، فهناك من عبدهم، وهناك من ظن: أنهم بنات الله، وهناك من يرى: أنهم هم الأفلاك التي نراها في الفضاء، وبعضهم أنكر وجودها، ومنهم من عادى بعضهم، ووصف الملائكة بأنهم يشربون ويأكلون، إلى غير ذلك من البدع المتقابلة في الإيمان بالملائكة؛ لأن من سمات أهل البدع أنهم لا يوفقون إلى الوسطية، فهم بين الغلو والتقصير.\nمن أجل هذا جاء القرآن ليبين منهج الوسطية في هذا الركن العظيم، لذا تعددت طرق القرآن الكريم في بيان فساد سلوك المخالفين والتحذير منها، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالملائكة الكرام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>الآية الأولى:\nقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ النحل: ٥٠</span>، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين في باب الإيمان بالملائكة، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-377> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nردت هذه الآية الكريمة على أهل التفريط والجفاء، الذين عطلوا الملائكة عن أعمالهم: فعطلوا جبريل - ﵇ - عن أعظم أعماله \"الوحي\"، وعطلوا حملة العرش عن أعمالهم وغير ذلك -كما هو لازم أقوالهم البدعية-، فأبانت هذه الآية في قولها: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ بأن للملائكة أعمالًا يؤدونها عبادة لرب العالمين -كما أمرهم بها- تتصف بغاية الإتقان.","vol":"1","page":375},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" أي: هم قادرون على ذلك لا يعجزون عن شيء منه بل يفعلونه كله، فيلزم وجود كل ما أمروا به، وقد يكون في ضمن ذلك أنهم لا يفعلون إلا المأمور به، كما يقول القائل: أنا أفعل ما أمرت به، أي: أفعله ولا أتعداه إلى زيادة ولا نقصان\" (١).\nكما أن في قوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ وقوله: ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ الأنبياء: ٢٧، دليل عن عصمة الملائكة واشتغالهم التام بالعبادة؛ ومن كان كذلك امتنع منه صدور الخطيئة، لا سيما مع عدم المنازع من هوى أو شهوة (٢)، فيكون ذلك ردًا على المبتدعة الذين وصفوا الملائكة بالنواقص وارتكاب المعاصي وأن لهم شهوة وغير ذلك.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-378> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما أن في هذه الآية -أيضًا- ردًا على الغلاة عُبَّادُ الملائكة، الذين صرفوا لها شيئًا من الألوهية؛ فأبانت هذه الآية أن هؤلاء الملائكة لا يستحقون أن يعبدوا فهم ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، فكانت هذه الآية دليلٌ على بطلان عبادة الملائكة، فالملائكة مع فضلهم ومكانتهم ومع كونهم يعبدون الله - ﷿ - لا يفترون، ومع كونهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، مع هذه الخصائص جميعًا لا يستحقون العبادة؛ لأنهم يخافون (٣)، والإله لا يخاف، كما نصت هذه الآية على أَن الْمَلَائِكَة متعبدون، والإله يُعبد ولا يتعبد لأحد، قال تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾.\nوإذا بطل ذلك في حق الملائكة وهم أقوى الخلق خِلقة، ومن أقربهم إلى الله -﷾- منزلة فلأن تبطل عبادة من سواهم من الآدميين والجن والإنس من باب أولى، فكان هذا دليل على بيان بُطلان عبادة كل من عُبد من دون الله من الأنبياء، والأولياء، والصالحين، والملائكة؛ لأنهم إذا بطلت عبادة هؤلاء، فبُطلان عبادة من دونهم من باب أولى (٤).\n_________\n(١) الإيمان لابن تيمية (ص ١٤٠).\n(٢) ينظر: عدة الصابرين (ص ٢٣).\n(٣) وكلما قوي إيمان العبد ويقينه قوي خوفه ورجاؤه مطلقًا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فاطر: ٢٨، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)﴾ المؤمنون: ٥٧، وقال عز من قائل: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ النحل: ٥٠. ينظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد (ص ٤٣٥).\n(٤) ينظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ٢٢١)","vol":"1","page":376},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-379> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: ظلالهم في باب الإيمان بالغيب، مما أدى بهم إلى سلوك طرفي نقيض: فمنهم من أنكر الغيب وأنكر تبعًا لذلك الملائكة؛ لأنهم من عالم غيبي، ومنهم من غلا فاعتقد أنها تعلم الغيب، فوصفها بالربوبية، وصرف لها شيئا من العبادة.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-380> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nأتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب الغلو والجفاء، بل هو ما ذهب إليه السلف -رضوان الله عليهم-، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة؛ لأنهم آمنوا بما دلت عليه النصوص من أوصاف الملائكة، بلا إفراط ولا تفريط، إيمانًا منهم بما أخبر به الله - ﷿ - من الغيب.\nلذا جعل الله صفة الإيمان بالغيب أول صفة للمتقين المهتدين بالقرآن والسنة ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ البقرة: ٢ - ٣؛ وذلك حتى يوحد المؤمنون طريق التلقي فلا يتلقون غيبًا إلا من الله، ومن أقامه للإخبار بالغيب عنه وهم رسله، وأنبياؤه فقط.","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>الآية الثانية:\nقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ التحريم: </span>٦، هذه الآية وإن كانت صريحة الدلالة على المطلوب، إلا أنها تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-382> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nفي هذه الآية الكريمة ردٌ على الجفاة الذين زعموا أن الملائكة إناثٌ (١)، وقد أخبر الله تعالى أن الإناث جُبلنَ على الضعف، والرقة (٢)؛ وفي هذه الآية أخبر سبحانه عن الملائكة أنهم موصوفون بالقوة، والشدة، وضخامة الخلق: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾، لتبين أن هناك فرقًا بين خلقة الإناث، وخلقة الملائكة، فكان في هذا التناسب بيانٌ لضعف قولهم والرد عليهم (٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-383> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما نصت هذه الآية على أَن الْمَلَائِكَة متعبدون، قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾، فكانت ردًا على من وصف الملائكة بصفات الألوهية أو الربوبية، فصرف لها شيئًا مما لا يجوز صرفه إلا لله - ﷿ -.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-384> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: اعتمادهم على العقل دون الشرع، حيث وصفوا الملائكة حسب ما تمليه عليهم عقولهم، فمنهم من أفرط فوصفها -حسب ما صور له عقله- بأنها إناث، محاولة منه لإخضاع عوالم الغيب لمقاييسه البشرية الدنيوية، ولقد\n_________\n(١) وذلك أن جهينة، وخزاعة، وبني مليح، وبني سلمة، وعبد الدار، زعموا أن الملائكة بناتُ الله.\nينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ١٣٣).\n(٢) قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ الزخرف: ١٧ - ١٨. أبان الله - ﷿ - أن المرأة تنشأُ وتشب في الحلية والترف، وهي عند الخصام واللجاج لا تستطيع الإبانة عن حجتها على الوجه الصحيح.\nينظر: تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٤، ١٢٦)، والمقولات التي أبطلها القرآن ومنهجه في إبطالها (ص ٣٣٩ - ٣٤٠).\n(٣) مجموع الفتاوى (١٢/ ١٦٥).","vol":"1","page":378},{"text":"ضلّ في هذا المجال مشركو العرب الذين كانوا يزعمون أن الملائكة إناث، واختلطت هذه المقولة المجافية للحقيقة عندهم بخرافة أعظم وأكبر؛ إذ زعموا أن هؤلاء الإناث بنات الله.\nوناقشهم القرآن في هاتين القضيتين، فبين أنهم - فيما ذهبوا إليه - لم يعتمدوا على دليل صحيح، وهكذا تنشأ الخرافة، وتتفرع في عقول الذين لا يتصلون بالنور الإلهي (١).\nومنهم من غلا فوصفها بصفات الربوبية وصرف لها الألوهية، وذلك ناتج من عدم التزامهم بما نصت عليه الآيات الكثيرة فكذبوا خبر الله - ﷿ -، وإخبار رسوله - ﷺ - عنهم، بأنهم عباد مكرمون، ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية من شيء قال تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ الأنبياء: ١٩ - ٢٠، ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ الأنبياء: ٢٩.\nقال الشيخ السعدي - ﵀ -: \" فالملائكة الكرام والأنبياء والأولياء ونحوهم يتبرؤون ممن عبدهم يوم القيامة، ويتنصلون من دعائهم إياهم إلى عبادتهم، وهم الصادقون البارون في ذلك\" (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-385> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nهذه الآية شاهدة على طريقة أهل السنة ومنهجهم العام في باب الإيمان بالملائكة فهم بين الغلو والتقصير؛ لأنهم يعتقدون اعتقادًا جازمًا أن لله ملائكة موجودين مخلوقين من نور، غير موصوفين بالذكورة ولا الأنوثة، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، وأنهم قائمون بوظائفهم التي أمرهم الله بالقيام بها، ولا يصلح أن تصرف لهم العبادة، كما لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بوجودهم، وبما ورد في حقهم من صفات وأعمال في كتاب الله سبحانه، وسنة رسوله - ﷺ - من غير زيادة، ولا نقصان ولا تحريف (٣).\n_________\n(١) ينظر: عالم الملائكة الأبرار، لعمر الأشقر (١٣).\n(٢) تيسير الكريم الرحمن (ص ٤١٦).\n(٣) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٤٠٥)، والإيمان لمحمد نعيم ياسين (ص ٤٨).","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>الآية الثالثة:\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ سبأ: ٢٣</span>، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-387> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nالملائكة عباد الله اختارهم واصطفاهم، ولهم مكانة عند ربهم، والمؤمن الذي يعبد الله، ويتبع رضوانه لا مناص له من أن يتولى الملائكة بالحب والتوقير، ويتجنب كل ما من شأنه أن يسيء إليهم ويؤذيهم، خاصة وأن الملائكة ممن تشفع للمسلمين يوم القيامة (١)، قال تعالى: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ فنص تعالى على أن الشفاعة يوم القيامة تنفع عنده - ﷿ - ممن أذن له فيها ورضي قوله، ولا يخفى أن الله تعالى بوأ الملائكة المكانة العليا لديه، واصطفاهم وقربهم منه سبحانه، ووصفهم بصفات تقتضي احترامهم وإكرامهم وحبهم.\nفكانت هذه الآية رادةً على من أنقص الملائكة عن الحق المشروع لهم من التعظيم والمحبة، قال ابن حزم - ﵀ -: \" وصح بالنص أن كل من استهزأ بالله تعالى، أو بملك من الملائكة، أو بنبي من الأنبياء -﵈-، أو بآية من القرآن، أو بفريضة من فرائض الدين؛ فهي كلها آيات الله تعالى بعد بلوغ الحجة إليه فهو كافر\" (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-388> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nالملائكة هي من أعظم وأكبر من عُبِدَ من دون الله، وسبب عبادتها كان التوسل بهم إلى الله تعالى (٣)،\nوطلب القربة إليه؛ لأجل صلاحهم، لذلك قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾\n_________\n(١) سلف الأمة وأئمتها، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة، أثبتوا ما جاءت به السنة عن النبي - ﷺ -، من شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وغير ذلك من أنواع شفاعاته، وشفاعة غيره من النبيين والملائكة. وقالوا: إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، وأقروا بما جاءت به السنة من انتفاع الإنسان بدعاء غيره وشفاعته.\nينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٣٠).\n(٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/ ٢٧٥).\n(٣) من اتخذ الشفعاء هو بين حالات:\nأـ إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه.\nب - وإما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشفيع.\n\nج - وإما أن يظن أنه لا يعلم حتى يعلمه الشفيع، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الشفيع أن يرفع حاجتهم إليه كما هو حال ملوك الدنيا.\nد - أو يظن أنه لا يسمع حتى يرفع الشفيع إليه ذلك.\nهـ - أو يظن أن للشفيع عليه حقا، فهو يقسم عليه بحقه، ويتوسل إليه بذلك الشفيع كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم، ولا تمكنهم مخالفته.\nوكل هذا هضم لحق الربوبية وتنقص للعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين كما قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ الفتح: ٦ الآية.\nينظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٢٠٢).","vol":"1","page":380},{"text":"يونس: ١٨، وهذا اعتقاد في الملك بأنه لأجل صلاحه وقربه يملك أن يشفع عند الله، ولأجل قربه لا يَرُدُّ الله تعالى طلبه كما هو الشأن في المخلوقين.\nفرد الله عليهم هذا المعتقد الفاسد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، فبين الله تعالى أن شفاعة الملائكة لا تكون إلا بإذنه، ولا تكون إلا لمن ارتضى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ الأنبياء: ٢٨ - ٢٩، فذكر هذا الوعيد في الملائكة تنبيهًا على أن دعوى الإلهية لا تجوز لأحد من المخلوقين، لا ملك ولا غيره، وأنه لو قدر وقوع ذلك من ملك من الملائكة لكان جزاؤه جهنم، فكيف بمن دونهم؟ وهذا التخصيص لإفراد الله بالإلهية (١).\nكما جاء في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾، بيان لحال الملائكة الذين هم أقوى وأعظم من عُبد من دون الله فإذا كان حالهم مع الله ما ذُكر من هيبتهم منه وخشيتهم له فكيف يُدعون مع الله، فغيرهم من باب أولى. ففي ذلك ردٌّ على جميع المشركين الذين يدعون مع الله من لا يُداني الملائكة (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-389> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: قياسهم الفاسد، فمنهم من قاس الملائكة الكرام على المحسوسات فأنكر المغيبات، ومن ذلك عالم الملائكة الغيبي، وبعضهم\n_________\n(١) كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس (ص: ٢٧٩).\n(٢) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد (ص: ١٣٤).","vol":"1","page":381},{"text":"أنقصها عن قدرها الذي ارتضاه الله - ﷿ - لها، فلم يتقرب إلى الله بحبها ولم يطمع في شفاعتها؛ لأن الشفاعة كذلك أمر غيبي (١).\nومنهم من قاسها على المخلوقين، فاتخذ الملائكة شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة عند المخلوقين؛ لأنهم أهل قرب ومنزلة وجاه وفضل، ومن كان كذلك فقد تأهل للشفاعة، قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ يونس: ١٨، فنفى الله - ﷿ - هذه الشفاعة التي أثبتها المشركون، وظنوها حاصلة ممن قصدوه وتوجَّهوا إليه، وسألوه رغبا ورهبا.\nرابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد.\nأتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، فهم وسط في مسألة الشفاعة بين الغلاة والجفاة، فقد أجمعوا على ثبوت الشفاعة للنبي - ﷺ - وللملائكة والصالحين من عباد الله تعالى، كما نطَق بذلك القرآن العزيز والسنَّة الصحيحة المتواترة، وبذلك انعقد إجماع أئمَّة الأمة، ولم يشذَّ عنهم إلا المُبتدعة من الفِرَق المارقة، ومن ثَمَّ كانت من المعلوم من الدين بالضرورة.\nوكما أثبت أهل السنة الشفاعة، فهم لا يطمعون فيها إلا بشروطها (٢)، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ سبأ: ٢٣، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ سبأ: ٢٢.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - معقبًا على الآيتين السابقتين: \" نفى عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط من الملك أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ البقرة: ٢٥٥. وقال تعالى عن الملائكة: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ\nيَعْمَلُونَ (٢٧)\n_________\n(١) هذه الغيبيات لا مصدر لها إلا الله ورسوله، وليس أمام المؤمنين إلا الإيمانُ بها كما وردتْ، أما العقل والاجتهاد، فليس لهما فيها مجال، من أجل هذا ضل من ضل في هذا الباب لعدم إيمانهم بالغيب، وعدم امتثالهم لكل ما جاء في الكتاب والسنَّة.\n(٢) إذن الله للشافع أن يشفع- وأن يرضى الله عن الشافع- وأن يرضى الله عن المشفوع له.\nينظر: قرة عيون الموحدين (ص ٩٧).","vol":"1","page":382},{"text":"يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ الأنبياء: ٢٧ - ٢٨. وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ النجم: ٢٦، فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون، هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن\" (١).\n_________\n(١) الإيمان (ص ٦٦).","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالملائكة</span>.\nأختم هذا الفصل بذكرٍ إجمالي للآيات الرادة على الانحراف العقدي في الإيمان بالملائكة؛ والآيات التالية سيقت على سبيل المثال لا الحصر:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ الزخرف: ١٩، تردُ هذه الآية على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\nردت هذه الآية على من غلا في الملائكة فرفعها عن القدر الواجب، قال ﷾: ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ الزخرف: ١٩، ليبن - ﷿ - أنهم عباده، وأنه ولا يجوز صرف شيء لهم من خصائصه سبحانه، وإذا بطلت عبادة الملائكة فالجن وغيرهم من الناس من باب أولى، وإذا بطلت عبادة الرسول - ﷺ - فالأولياء من باب أولى ألا يُعبَدوا من دون الله (١).\nكما أن المشركين - قبحهم الله-جعلوا الملائكة الذين هم عبادُ الرحمن إناثًا، ثم ادعوا أنهم بناتُ الله، ثم عبدوهم، فاقترفوا الجريمة العظمى في المقامات الثلاثة (٢).\nوقد أبطل القرآن العظيم هذه الفرية من أربعة أوجه:\nأ-نفى علمهم بحقيقة الملائكة، فليس لديهم دليل حسي بهذا الشأن، ولذا قال تعالى: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ الزخرف: ١٩، وقال سبحانه: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠)﴾ الصافات: ١٥٠، أي: وهم حاضرون، وسؤاله لهم على وجه الإنكار والتوبيخ والتقريع.\nب- تهديدهم، وتوعدهم بأن شهادتهم بذلك الكفر، ستكتب عليهم، وسوف يسالون عنها، قال تعالى: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ الزخرف: ١٩.\nت- بيان أنهم فعلوا ذلك بدون علم؛ فلم ينزل الله عليهم كتابًا يقرُّ ذلك، فهم بما فيه مستمسكون، وإنما مجرد التقليد، واتباع الأولين؛ ولذلك قال: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾ الصافات: ١٥٧.\n_________\n(١) ينظر سورة آل عمران (٧٩ - ٨٠).\n(٢) ينظر: أضواء البيان (٣/ ١٥٨).","vol":"1","page":384},{"text":"ث- وهو مأخوذ من مناسبة الآية التي أخبر الله تعالى فيها: أنهم جعلوا الملائكة إناثا، والآية التي قبلها، حيث أخبر الله تعالى أن الإناث جُبلنَ على الضعف، والرقة؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ الزخرف: ١٧ - ١٨.\nفأبان أن المرأة تنشأُ وتشب في الحلية والترف، وهي عند الخصام واللجاج لا تستطيع الإبانة عن حجتها على الوجه الصحيح، وفي الوقت الذي أخبر القرآن عن الملائكة أنهم موصوفون بالقوة، والشدة، وضخامة الخلق.\nفهناك فرق بين خلقة الإناث، وخلقة الملائكة، فكان في هذا التناسب بيان لضعف قولهم (١)، والله تعالى أعلم.\n٢ - قوله تعالى: ... ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ النساء: ١٧١ - ١٧٢، واضح من الآيتين أن الله تعالى ارتضى بالنسبة لرسله وملائكته ﵈ حدًا معينًا ونسبة محدودة من التقدير والتعظيم، وهي النسبة التي أخبر الله تعالى أنه أفاضها عليهم وأكرمهم بها، ولكنه تعالى لم يرتض الزيادة على ذلك والغلو، فإن أي رسول أو ملك مقرب ما هو إلا عبد خاضع ذليل لله تعالى، فيجب على المؤمنين ألا يرفعوا أحدًا إلى مرتبة الألوهية وإلا اعتبر ذلك غلوًا مرفوضًا وشركًا مكفرًا، كما أن الله لا يرضى أن ينزل عباده عن المنزلة التي ارتضاها لهم، فلا غلو ولا جفاء.\n٣ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ\n_________\n(١) ينظر: تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٤، ١٢٦)، والمقولات التي أبطلها القرآن ومنهجه في إبطالها (ص ٣٣٩ - ٣٤٠).","vol":"1","page":385},{"text":"الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ غافر: ٧ - ٩، وفي هذا رد على من زعم أن عبادة الملائكة ساذجة أو صورية (١)، قال العلامة السعدي - ﵀ -: \" وقد تضمن هذا الدعاء من الملائكة كمال معرفتهم بربهم، والتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى التي يحب من عباده التوسل بها إليه، والدعاء بما يناسب ما دعوا الله فيه ... وتضمن كما أدبهم مع الله تعالى بإقرارهم بربوبيته لهم الربوبية العامة والخاصة، وأنه ليس لهم من الأمر شيء، وإنما دعاؤهم لربهم صدر من فقر بالذات من جميع الوجوه، لا يدلي على ربه بحالة من الأحوال؛ إن هو إلا فضل الله وكرمه وإحسانه.\nوتضمن موافقتهم لربهم تمام الموافقة؛ بمحبة ما يحبه من الأعمال التي هي العبادات التي قاموا بها واجتهدوا اجتهاد المحبين، ومن العمال الذين هم المؤمنون الذين يحبهم الله تعالى من بين خلقه\" (٢). فهي عبادة دائمة لا تنقطع، وهم في حال قيامهم بها خاضعون منكسرون، لا تعتريهم كلالة ولا تنتابهم ملالة، قال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ فصلت: ٣٨، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)﴾ الأنبياء: ١٩.\nكما أن في هذه الآية ردًا على من صرف شيئًا من الألوهية أو الربوبية لهم، بأنهم عباد الله، ولا يجوز صرف شيء من خصائص الربوبية إلا لمستحقها وهو الله - ﷿ -، فكانت هذه الآية دليل على أن دعوى الإلهية لا تجوز لأحد من المخلوقين، لا ملك ولا غيره.\n\n٤ - في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ النجم: ٢٦. ففي هذه الآية رد على من يعبدون الملائكة ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله\n_________\n(١) كما فعل ابن الجوزي -عفا الله عنه- في صيد الخاطر (ص ٧٥).\n(٢) تيسير الكريم الرحمن (ص ٧٣٣).","vol":"1","page":386},{"text":"وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فبين الله تعالى ضعفهم ﴿لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾؛ وفيها رد على المنكرين للملائكة في قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾.","vol":"1","page":387},{"text":"الباب الثالث:\n\nالفصل ٢ الآيات الواردة في الإيمان بالكتب.\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد في تعريف الكتب.\nالمبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة\nفي الكتب.\nالمبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع\nالمتقابلة في الإيمان بالكتب.","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>تمهيد في تعريف الكتب:</span>\nالإيمان بكتب الله - ﷿ - المنزلة على أنبيائه -عليهم الصلاة والسلام-ركنٌ من أركان الإيمان، وأصل من أصوله العظام التي ينبني عليها، فلا يصح إسلام عبدٍ ولا يثبت إيمانه؛ حتى يؤمن الإيمان الجازم بأن هذه الكتب نزلت من عند الله، وأن الله - ﷿ - تكلم بها حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن ما تضمنته من وحي الله لأنبيائه حق لا مرية فيه (١).\nومن المعلوم أن الإيمان بالله لا ينفصل عن الإيمان بكتبه (٢)، لذلك فإن مجيء الإيمان بالكتب بعد الإيمان بالله -الذي هو التصديق بوجوده ذاتًا وصفاتًا ونبذ كل ما سواه من المعبودات الباطلة-، وبعد الإيمان بالملائكة -الذي هو اعتقاد وجودهم وأنهم عباد مكرمون ورسله إلى خلقه وأمناؤه على وحيه- في غاية التنسيق (٣)؛ لأن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بملائكته وكتبه ورسله، لذا فالكفر بواحد من هذه الكتب يُعد كفرًا بالله؛ لأن العقيدة الإسلامية كُلًا لا يتجزأ، ومجموع أركانها يكمل بتوافر جميع أسسها وركائزها، وأن الإيمان بواحد منها يستلزم التصديق بسائرها.\nويحسن قبل الشروع في مباحث هذا الفصل التمهيد بالتعريف وبيان الأهمية.\n_________\n(١) ينظر: شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٤٤٧)، وشرح الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥)، ومعارج القبول (٢/ ٦٧٥).\n(٢) من ينتمي للفرق فلا بد أن يكون مؤمن بالنبوات والكتب والإله واليوم الآخر .. عكس المنتمي للمذاهب فإنه لا يؤمن بهذه الأمور.\n(٣) لأن وجود الصانع يقر به كل عاقل، والإيمان بالملائكة جاء بعده؛ لأنهم الوسطاء بين الله وعباده، أما الإيمان بالكتب -هو الوحي الذي تتلقاه الملائكة من الله وتوصله إلى البشر- والإيمان بالرسل جاء بعد ذلك؛ لأنهم الذين يقتبسون أنوار الوحي فهم متأخرون في الذكر عن الملائكة.","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>أولًا: التعريف بالكتب، ومعنى الإيمان بها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>الكتب في اللغة: </span>جمع كتاب، بمعنى مكتوب؛ لأن الكتاب لفظ عربي مشتق من الفعل \"كتب\"، يقول ابن فارس: \" الكاف والتاء والباء أصل صحيح واحد يدل على جمع شيء إلى شيء، من ذلك الكتاب والكتابة، يقال: كتبت الكتاب أكتبه كتبًا\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>والمراد بالكتب هنا</span>- التي يجب الإيمان بها-: \"هي الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله، رحمة للخلق، وهداية لهم، ليصلوا بها إلى سعادة الدنيا والآخرة\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>أما المراد بالإيمان بالكتب، فهو:</span>\nالتصديق الجازم بأنها كلها منزل من عند الله - ﷿ - على رسله إلى عباده بالحق المبين والهدى المستبين، وأنها كلام الله - ﷿ - لا كلام غيره، وأن الله تعالى تكلم بها حقيقة كما شاء وعلى الوجه الذي أراد، فمنها المسموع منه من وراء حجاب بدون واسطة، ومنها ما يسمعه الرسول الملكي ويأمره بتبليغه منه إلى الرسول البشري كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ الشورى: ٥١، ومنها ما خطه بيده - ﷿ - (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>والإيمان بها يتضمن ما يلي:</span>\n١ - الإيمان بأنها حق من عند الله (٤).\n٢ - تصديقُ ما صح وصوله من أخبارها، والإيمان به، وأنه حقٌّ من عند الله تعالى.\n_________\n(١) معجم مقاييس اللغة (ص ٩١٧)، وينظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٠٩٧)، والصحاح (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩)، لسان العرب (١/ ٦٩٨ - ٧٠٢)، القاموس المحيط (ص ١٦٥).\n(٢) فتاوى ابن عثيمين (٥/ ١٢٠).\n(٣) ينظر: شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٤٤٧)، وشرح الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥)، ومعارج القبول (٢/ ٦٧٢).\n(٤) والإيمان بالكتب المتقدمة على القرآن يعني الإيمان بأصولها التي أنزلها الله تعالى، بخلاف ما يوجد منها الآن في أيدي الناس؛ لما وقع فيها من التحريف والتبديل كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر ﵀.\n\nينظر: منهج الحافظ ابن حجر العسقلاني في العقيدة من خلال كتابه (فتح الباري) لمحمد كندو (٣/ ١١٨٧)، والقول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين (٣/ ٢١٩).","vol":"1","page":390},{"text":"٣ - التزام أحكامها ما لم تنسخ، وعلى هذا، فلا يلزمنا أن نلتزم بأحكام الكتب السابقة; لأنها كلها منسوخة بالقرآن، إلا ما أقره القرآن. وكذلك لا يلزمنا العمل بما نسخ في القرآن; لأن القرآن فيه أشياء منسوخة (١).\nلذا فإن الإيمان بهذه الكتب -أي بجنسها-قبل أن يصيبها ما أصابها واجب على المؤمنين. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ النساء: ١٣٦.\n\"وجمهور المفسرين على أن الخطاب فيها للمؤمنين كافة، أمرهم الله أن يجمعوا بين الإيمان به وبرسوله الأعظم خاتم النبيين والقرآن الذي نزل عليه وبين الإيمان بجنس الكتب التي نزلها على رسله من قبل بعثة خاتم النبيين، بأن يعلموا أن الله قد بعث قبله رسلًا، وأنزل عليهم كتبًا، وأنه لم يترك عباده في الزمن الماضي سدى، محرومين من البينات والهدى، ولا يقتضي ذلك أن يعرفوا أعيان تلك الكتب ولا أن تكون موجودة، ولا أن يكون الموجود منها صحيحًا غير محرف\" (٢).\nكما أنه \"معلوم من دلالات نصوص الوحيين، أن الإيمان قول القلب واللسان والجوارح، والإيمان بالكتب يجري على هذه الثلاث، فهو إيمان القلب واللسان والجوارح بالكتب:\nأما صورة إيمان القلب بالكتب، فهي: اعتقاده أنها منزلة من عند الله، وهي كلامه ووحيه لأنبيائه، منه بدأ، ليست من إنشاء الرسل، واعتقاد أنها تضمنت مراد الله من خلقه اعتقادًا وشريعة وسلوكًا، واعتقاد وجوب العمل بمقتضاها وتعبد الله به.\nوأما صورة إيمان اللسان، فهي: الإقرار بذلك الذي اعتقده القلب، والإخبار عنه، والشهادة به.\nوأما صورة إيمان الجوارح، فهي: امتثالها أوامر الله في كتبه، وكفها عن نواهيها، وتأدبها بآدابها\" (٣).\n_________\n(١) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٤١٠).\n(٢) تفسير المنار لرشيد رضا (٥/ ٤٥٩).\n(٣) الإيمان بالكتب، أ. د. محمد بن عبد الرحمن أبو سيف الجهني (ص ٣)، ضمن مجلة التوحيد الصادرة عن جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر عدد (٤٤٥)، ١٤٣٠ هـ.","vol":"1","page":391},{"text":"كما ورد الأمر بالإيمان بكتب الله جميعًا من غير تفريق، قال الله - ﷿ -: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ الشورى: ١٥، إلا أن القدر الذي تحصل به الركنية الواجبة على كل فرد من آحاد المؤمنين هو أن يؤمن إيمانًا مجملًا بأن الله أنزل كتبًا على أنبيائه فيها مراده من عباده هي وحيه الذي تكلم به وأوحاه إلى رسله، وأنه يجب الإيمان بما ورد في شأنها في كتاب الله المنزل على محمد - ﷺ -: القرآن، على الوجه الذي ورد به، إجمالًا فيما أجمله، وتفصيلا فيما فصله، وأن يؤمن بأن الإيمان بـ\"القرآن\" خاصة يجب على التفصيل باعتقاد عقائده والتزام شرعته عملًا بأوامره وانزجارًا عن نواهيه وتأدبًا بآدابه.\nوهذا القدر المجمل هو الذي يحصل به أصل الواجب وتستوفى به الركنية، ثم المؤمنون يتفاوتون بعد ذلك في استكمال الواجب وتحقيق تمامه، فكل من علم شيئًا من تفاصيل ذلك وجب عليه الإيمان به وزاد به إيمانًا على الذي لم يعلمه، فمفردات الإيمان المجمل هي مورد التفاوت (١).\nيقول ابن أبي العز - ﵀ -: \" وأما الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين، فنؤمن بأن لله تعالى سوى ذلك كتبًا أنزلها على أنبيائه، ولا يعرف أسماءها وعددها إلا الله تعالى (٢)، وأما الإيمان بالقرآن، فالإقرار به، واتباع ما فيه، وذلك أمر زائد على الإيمان بغيره من الكتب\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>والكتب المنزلة من عند الله تعالى قسمان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>الأول: ما لم ترد تسميتها في القرآن والسنة</span>، وهي أكثرها، فهذه يجب الإيمان بها إجمالًا؛ لأن الله سبحانه أخبرنا: أن لكل نبي أرسله، رسالة بلغة قومه (٤)، فقال: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ\n_________\n(١) ينظر:: الإيمان بالكتب، أ. د. محمد أبو سيف (ص ١٦ - ١٧).\n(٢) ورد في بيان عدد الكتب الإلهية ما يفيد أنها مائة وأربعة كتب، لقول أبي ذر - ﵁ - للنبي - ﷺ -: يا رسول الله كم كتابًا أنزله الله؟ قال: «مائة كتاب وأربعة كتب، أُنزل على شيث خمسون صحيفة، وأُنزل على أخنوخ ثلاثون صحيفة، وأنزل على إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والقرآن» وهو قطعة من حديث أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦ - ١٦٧)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٤٤)، والطبري في تاريخه (١/ ٧٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٤١) إلى عبيد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر.\n(٣) شرح الطحاوية (٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥).\n(٤) شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٤٢٤، ٤٢٥).","vol":"1","page":392},{"text":"وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ البقرة: ٢١٣.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>الثاني: ما ورد تسميته في القرآن والسنة</span>، وهي:\n١ - التوراة: المنزلة على موسى - ﵍ -.\n٢ - الإنجيل: المنزل على عيسى - ﵍ -.\n٣ - الزبور: المنزل على داوود - ﵍ -.\n٤ - صحف إبراهيم وموسى - ﵁ -.\n٥ - القرآن العظيم المنزل على نبينا محمد - ﵉ -، وهو آخرها (١).\n\nوأهل السنة والجماعة يؤمنون أن القرآن الكريم هو المهيمن على كل الكتب قبله، بمعنى: أنه أمينٌ عليها، حافظ لها، وشاهدٌ على أنها حقٌ من عند الله تعالى، يُصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما فيها من التحريف والتبديل، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل، فصارت له الهيمنة عليها من كل وجه (٢)، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ المائدة: ٤٨.\nقال ابن كثير - ﵀ -: \" جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأكملها؛ حيث جمع فيه محاسن ما قبله من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهدًا، وأمينًا، وحاكمًا عليها كلها، وتكفل تعالى حفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ الحجر: ٩\" (٣).\n_________\n(١) ينظر: تعظيم قدر الصلاة للمروزي (١/ ٢٩٣)، والمنهاج في شعب الإيمان (١/ ٣١٧ - ٣٢٣)، وشعب الإيمان (١/ ٤٤٧)، شرح الطحاوية (٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥)، وفتح الباري (١٢/ ١٧٢)، ومعارج القبول (٢/ ٦٧٥)، وأضواء البيان (١/ ١٤٨ - ١٤٩)، وفتاوى ابن عثيمين (٣/ ٢٤١ - ٢٤٢).\n(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٣)، ومنهاج السنة (٥/ ٥٠٨)،\n(٣) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٩٢).","vol":"1","page":393},{"text":"فهو محفوظ بحفظ الله - ﷿ - إلى قيام الساعة، شاهدٌ على هذه الكتب، مبين ما حُرف منها، وحاكم بما أقره الله وأمر به من أحكامها، وناسخ ما نسخه الله منها، وهو أمين عليها في ذلك كله (١).\nمن أجل ذلك فإن المرجع إلى جميع الكتب الإلهية ومصدرها الوحيد المأمون \"القرآن الكريم\"؛ لأنه أُنزِل مصدقًا لما قبله من الكتب السماوية ومهيمنا عليها، يثبت منها ما شاء الله إثباته وينسخ منها ما شاء سبحانه (٢)، وهو محفوظ من التغيير والتحريف بحفظه - ﷿ -، فسلم من الزيادة فيه والإضافة عليه والنقص منه وتحريفه وتبديله مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ الحجر: ٩، لذا يجب الإيمان بأنه أفضل الكتب وأعظمها، وأعلاها منزلة وأشرفها، وأنه المهيمن عليها المصدق لها، وأن الله قد تكفل بحفظه من التغيير والتبديل والتحريف، كما قال - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ فصلت: ٤١ - ٤٢، وكذلك يجب الإقرار به، واتباع ما فيه، بفعل أوامره واجتناب منهياته، وتصديق أخباره (٣).\nوجملة القول: أن علاقة القرآن الكريم بالكتب السماوية في حالتها الأولى -التي نزلت بها-هي التصديق والتأييد الكلي، وأن علاقته بها في حالتها الثانية -بعد التحريف-علاقة تصديق لما بقي منها على أصله وتصحيح لما طرأ عليها من تحريف وتبديل (٤).\nوالواجب على المسلم الإيمان بالأصول الأولى التي أنزلت على النبيين على الوجه الذي تقدم ذكره في صفة الإيمان بالكتب، وأن يعتقد أنها لم تبق كما أنزلت بل دخلها التحريف والتبديل، فاختلط ما أنزل فيها من الله مع ما أحدث فيها، وعليه فما دل كتابنا على صحته وصدقه مما فيها فهو مما أنزل الله، وما دل كتابنا على بطلانه وكذبه بدليل من كتابنا فالمنهج فيه ما في حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم» (٥).\n_________\n(١) ينظر: المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع، عدد من الباحثين (ص ٧٥٢).\n(٢) فتاوى اللجنة (٣/ ٣٣٧).\n(٣) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٤٢٥).\n(٤) ينظر: الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير للدكتور رمزي نعناعة (ص ٢٦ - ٣٠).\n(٥) أخرجه البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي - ﷺ -: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء» برقم (٧٣٦٢).","vol":"1","page":394},{"text":"وهذه الجملة من الحديث فيها الاحتياط التام لصحة الإيمان، فإن كان ما في كتابهم مما لم يقم دليل في كتابنا على صحته صحيحًا فإن هذه الجملة تقتضي إيماننا به وسلامتنا من تكذيب ما أنزل الله، وإن كان كذبًا فإن هذه الجملة تقتضي تكذيبنا له وبراءتنا من الإيمان بكذب لم ينزله الله (١)، وكان يجب على أهل الكتاب أن يحكموا بما أنزل الله فيها، ولكنهم حرفوها ونبذوها وراء ظهورهم كما أنهم نسوا وأضاعوا جزءًا منها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>ثانيًا: أهمية الإيمان بالكتب:</span>\nأنزل الله - ﷿ - كتبه هدايةً للعباد، وجعل لها المنزلة السامية، والمكانة الرفيعة، وجعلَ الإيمان بها ركنًا من أركانِ دينهِ، لا يصح إيمان العبد إلا بالإيمان بها، وقد اشتملت هذه الكتب على العقائد التي أوجبها الله على عباده، وعلى الشرائع التي شرعها - ﷿ -، سواء كانت عبادات أو معاملات، فنظمت العلاقة بين العبد وربه، وبينه وبين نفسه، وبين الناس، ومن هنا كان للإيمان بالكتب أهمية عظمى، تبرز فيما يلي (٣):\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-402> العلم بعناية الله تعالى بعباده:</span>\nالتأمل لهذه الكتب يظهر عناية الله تعالى بعباده ورحمته بهم حيث أنزل لكل قوم كتابًا يهديهم إلى الطريق المستقيم (٤)، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ المائدة: ٤٤، وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ المائدة: ٤٦، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ البقرة: ٢، فكل هذه الكتب استهدفت هداية البشر في أوقات وأماكن محدودة، فلم يتركهم سبحانه هملًا تتخطفهم الأهواءُ والشهوات، وتتقاذفهم الميولُ والرغبات، بل هيَّأ لهم من الأسباب ما يُصلِحُ أمرهم ويسددُ وجهتهم.\n_________\n(١) الإيمان بالكتب لأبي سيف (ص ٥٤).\n(٢) ينظر: سورة القرة آية (١١٠)، وسورة المائدة آية (١٤).\n(٣) ينظر: القصد والوسطية في ضوء السنة والنبوية، لعبد الواحد الشربيني (ص ٢٥٤ - ٢٥٩)، وأسس العقيدة الإسلامية لمحمد حسن حبنكة الميداني (ص ٥٣٨ - ٥٤٠)، وأركان الإيمان، لعلي الشحود (ص ٩٢).\n(٤) وتلحظ هذه الهادية باستشعارُ نِعم الله وآلائه التي لا تعدُّ ولا تحصى، من إسباغ نعمة الإيمان به، وما يتبعها من الإيمانٍ بما أنزله من كتب، في مقابل التأمل لحالَ من حُرم هذه النّعم، وحال من كان يحيا حياة الغيِّ والضلالِ، لا يدري الهدفَ من سيره، وما هي الغاية التي يسعى إليها من مسيره، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ الملك: ٢٢.","vol":"1","page":395},{"text":"وقد كان القرآن الكريم آخر هذه الكتب نزولًا، لهذا جاء مهيمنًا وحاكمًا عليها، كما جاء لهداية الناس في كل العصور إلى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ المائدة: ٤٨، فالقرآن مشتملٌ على كل ما سبقه من كتب، مصدق بها، سليم من أي تحريف، بل هو المرجع الوحيد لبيان ما فيها من حق.\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-403> العلم بحكمة الله تعالى في شرعه:</span>\nمن المعلوم أن الله تعالى قد شرع لكل قوم ما يناسب أحوالهم ويلائم ظروفهم، ويحققُ حاجتهم، ويهديهم لما فيه صلاحُ أمرهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ المائدة: ٤٨، قال ابن كثير - ﵀ -: \" ففي هذه الآية إخبار عن أحوال الأمم المختلفة الأديان، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد، الذي بعث الله به كل رسول أرسله، وضمنه كل كتاب أنزله، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حرامًا ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وخفيفًا فيزاد في الشدة في هذه دون هذه، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة الدامغة\" (١).\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-404> تقديم العبر والعظات من أحوال السابقين وأُمم الهالكين:</span>\nالمتأمل في القرآن الكريم يجد أنه كثيرًا ما ينبه ويشير لأحوال السابقين لأخذ العبر والعظات.\nفبعد أن قص الله علينا قصة أخذ القرى الظالمة، وهي قرى نوح وعاد وثمود ختم الله هذا بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾ هود: ١٠٣.\nوالمعنى: \" إن في إهلاكنا الكافرين وإنجائنا المؤمنين لآية؛ أي: عظة واعتبارا على صدق موعدنا في الدار والآخرة\" (٢)، وغير ذلك من الموضوعات التي أشار إليها القرآن الكريم (٣).\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٦٨).\n(٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٧٠).\n(٣) كقصة غرق فرعون، وقصة نوح - ﵇ - مع قومه، وقصة إبراهيم مع ابنه، وكذا قصة أصحاب الكهف وأصحاب الجنة ... إلى أخر هذه القصص التي ذكرها الله في كتابه الكريم للعظة والاعتبار.","vol":"1","page":396},{"text":"o<span data-type=\"title\" id=toc-405> ترقيق القلوب:</span>\nهذا الأثر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعنصر السابق؛ ذلك أن من شأن العظة والاعتبار ترقيق القلوب.\nكما أن الوعد والوعيد وصور العذاب والنعيم التي اشتملت عليه هذه الكتب ودعوتها إلى ما ينبغي أن يكون، وما ينبغي ألا يكون، كل هذا سببٌ لترقيق القلوب.\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-406> وحدة الرسالات الإلهية:</span>\nالإيمان بالكتب السابقة يؤكد وحدة البشرية ووحدة دينها، ووحدة رسلها، ووحدة مصدرها، وأن الأمة الإسلامية ورثت العقائد السماوية ووحدة النبوات منذ فجر البشرية، فكان الإسلام جامعًا لكل الديانات السماوية، والمسلمون أولى الناس جميعًا بقيادة البشرية على نهج الإسلام، لمحافظتهم على تراث العقيدة وتراث النبوة، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ الشورى: ١٣، فكان الإسلام رائد موكب الإيمان على الأرض إلى آخر الزمان.\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-407> تقديم المعارف المستمرة:</span>\nوجه العلماء في العصور الحديثة جهودهم إلى الكتب السماوية لا سيما القرآن الكريم بحثًا عن معارف جديدة (١)، فوجدوا أن في القرآن الكريم الكثير من الحقائق العلمية التي وصل إليها العلماء المتخصصون من خلال التجارب والأبحاث والمختبرات، وليس هذا أمرًا غريبًا، إنما هي طبيعة القرآن الذي يحمل بين طياته دليلَ صدقِه لأهل العصور على مر الدهور (٢)، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ فصلت: ٥٣، فكل هذه إشارات تؤكد على أن الكتب السماوية ولا سيما القرآن الكريم امتاز بتقديم معارف مستمرة.\n_________\n(١) اشتمل القرآن الكريم على كثير من المعارف الجديدة، على عكس التوراة والإنجيل اللذين لا يشتملان على نصوص حول الظواهر الطبيعية التي يمكن أن تشكل في أي وقت من التاريخ الإنساني موضوعًا جديرًا بالملاحظة، فإن مثل هذه النصوص ينفرد بها القرآن، حيث تم التعبير عنها بشكل يسمح لنا بمقارنة حقائق كثيرة بمعارفنا التجريبية.\nينظر: أصل الإنسان موريس بكاي (ص ١٥٩) ترجمة مكتب التربية العربية لدول الخليج، والقصد والوسطية في ضوء السنة النبوية (ص ٢٥٧).\n(٢) ينظر العجزة والإعجاز في القرآن د. سعد صالح (ص ١٨٣).","vol":"1","page":397},{"text":"o<span data-type=\"title\" id=toc-408> الحث على العمل:</span>\nأكدت الكتب الإلهية وعلى رأسها القرآن (١) -بما تضمنته من الأوامر والنواهي-، أنها إنما نزلت ليُعمل بها، وليس لمجرد التلاوة فقط - مع أن تلاوته عبادة-، ولا لحفظه فقط - مع أننا أمرنا بحفظه-، ولكن للعمل به وعدم الاحتكام لغيره، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ ص: ٢٩، فالعمل بالقرآن: هو تصديق أخباره، واتباع أحكامه، بفعل جميع ما أمر الله به، وتركِ جميعَ ما نهى الله عنه؛ ولهذا سار السلف الصالح على ذلك -﵃-، فكانوا يتعلمون القرآن، ويصدقون بأخباره، وبه، وبجميع ما جاء فيه، ويطبقون أحكامه تطبيقًا عن عقيدة راسخةٍ، وهذا هو الذي عليه مدار السعادة والشقاوة، قال الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ طه: ١٢٣ - ١٢٦.\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-409> بناء منهج حياةٍ متكاملٍ:</span>\nإن في كُتب الله - ﷿ - وخاصة القرآن الكريم منهجَ حياةٍ متكاملًا يهدي للتي هي أقومُ، ولا سعادةَ للبشريةِ إلا به، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ الإسراء: ٩ - ١٠، فيهدي للتي هي أقوم بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد فيها ولا غموض، ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله، ويهدي للتي هي أقوم في الأمر بالعبادة الموازنة بين التكاليف والطاقة، فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل وتيأس من الوفاء، ولا تسهل وتترخص حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار، ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال.\n_________\n(١) وردت في القرآن الكريم (٣٦٠) آية تحدثت عن العمل، ووردت (١٩٠) آية عن (الفعل)، وهي تتضمن أحكامًا شاملة للعمل، وتقدير ومسؤولية العامل وعقوبته ومثوبته. ينظر: أهمية العمل في الإسلام، لباقر شريف القرشي (ص ١٥٤).","vol":"1","page":398},{"text":"هذه هي قاعدته الأصيلة في العمل والجزاء. فعلى الإيمان والعمل الصالح يقيم بناءه. فلا إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان. الأول مبتور لم يبلغ تمامه، والثاني مقطوع لا ركيزة له. وبهما معا تسير الحياة على التي هي أقوم .. وبهما معا تتحقق الهداية بهذا القرآن (١).\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-410> إثبات صفات الله - ﷿ </span>-:\nومن الإيمان بالكتب، الإيمان بأن الله تكلم بها، فتضمن ذلك صفة الكلام لله ﷾ حقيقة له، كما أن إنزالها يتضمن صفة العلو لله - ﷿ - حقيقة، كما أن الإيمان بالكتب الإلهية جزء من الإيمان بالقرآن وجزء من الإيمان بأن الله سبحانه هو الهادي، وأن هداية الله لم تنقطع عن البشر، فما من أمة إلا وقد أنزل الله بها هدى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ فاطر: ٢٤، فكان لازم الإيمان بالكتب الإيمان بجميع صفات الله - ﷿ -.\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-411> سعادة الدارين:</span>\nرتبَ سبحانه على الإيمان بكتبه السعادةَ في الدنيا والفوزَ في الآخرة، ذلك أنَّ من لم يؤمن بتلك الكتب فقد خالفَ أمر الله تعالى، وضلَّ ضلالا بعيدًا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ النساء: ١٣٦، ونلحظ أن الله - ﷾ - قرن بين الإيمان بكتبه والإيمان به، وجعل عاقبة الكفران بها كعاقبة الكفران به، سواء بسواء، كما أن الإيمان سبب في البركات في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الأعراف: ٩٦، وقال أيضًا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ المائدة: ٦٦.\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-412> قطع الأعذار عن المكلفين:</span>\nسجل الله تعالى في كتبه -خصوصًا القرآن الكريم-ما أراده من خلقه، فلا يستطيع أحد أن يعتذر بجهله للمطلوب منه.\n_________\n(١) ينظر: أركان الإيمان، لعلي بن نايف الشحود (ص ٩١).","vol":"1","page":399},{"text":"o<span data-type=\"title\" id=toc-413> مصدر لصيانة الدين:</span>\nالكتاب الإلهي مصدر صيانة للدين من عبث أصحاب الأهواء الشيطانية والنفوس المريضة فلا يستطيعون التلاعب بدين الله ولا يقدرون على جعل الدين مطابقًا لأهوائهم وموافقًا لانحرافاتهم ومسايرًا لضلالهم وبدعهم وكفرهم، كما أنه مرجع يرجع إليه في تحديد مقاصد الدين وأهدافه وغاياته وأسسه كما يكون مرجعًا في التعرف على أحكام الدين وشرائعه وعقائده ومبادئه، لتعلم الواجبات التي يأمرهم بها والمحرمات التي ينهاهم عنها، والفضائل والكمالات الأخلاقية التي يرغبهم فيها وليكون كذلك مرجعا في المواعظ والنصائح والأمثال والترغيب والترهيب القصصي والتبشير والوعد والوعيد وكل ما يدلهم على الطريق إلى مرضاة الله - ﷿ -.\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-414> سبب لانتشار الدين:</span>\nالكتاب المنزل سببٌ في اتساع الدين وانتشار أتباعه بعد وفاة من أنزل عليه فإنه يكون حينئذ بمثابة معجزة باقية على مدى الدهر مغنية عن دين جديد ورسول جديد، معجزة متجددة في كل زمان ومكان خاصة إذا كان الكتاب معجزًا كالقرآن الكريم والرسالة عامة كالرسالة المحمدية فكل إنسان يستطيع أن يطالع المعجزة القرآنية الدالة على صدقه، ويشاهد الدليل على كونه حجة.\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-415> استجابة لأمر الله بالإيمان بها:</span>\nكل كتاب من كتب الله أمر بالإيمان بجميع كتب الله. فإن الإيمان بالكتب من أصول الإيمان التي جاءت بها الملة على لسان كل رسول، فمن كفر بواحد من كتب الله يكون قد كفر بما أمر به في الكتاب الذي ادعى الإيمان به، لذلك فإن الإيمان بالكتب من آكد الواجبات، وقد وردت الأدلة في الشرع تقرر وجوب ذلك من وجوه عديده، منها:\nأ-الإخبار عن كتب الله أنه أنزلها على رسله، وهذا الخبر واجب الإيمان به؛ لأنه خبر الرب سبحانه والجحود به كفر، ومن أمثلة هذا الإخبار، قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ البقرة: ٢١٣، ونحو ذلك كثير.\nب- الأمر المباشر بالإيمان بالكتب، ومنه قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ النساء: ١٣٦، فأمر بالإيمان بكتب الأنبياء جميعًا.","vol":"1","page":400},{"text":"ت إخباره سبحانه بأن الإيمان بالكتب من البر، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ البقرة: ١٧٧، والبر من الأسماء الجامعة لما يحبه الله ويرضاه.\nث إخباره سبحانه أن النبي والمؤمنين يؤمنون بالكتب في معرض الثناء عليهم وتسجيل صفات الإيمان لهم التي بها يستحق العبد صفة الإيمان وحكمه، قال سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ البقرة: ٢٨٥.\nج- إخباره سبحانه بأن تكذيب المكذبين وكفرهم إنما كان لجحودهم بالكتب، فمن جحد بالكتب كفر وخرج من الملة، فظهر ملازمة وجوب الإيمان بالكتب للإيمان، قال سبحانه: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾ آل عمران: ١٨٤، أي جاءتهم الرسل بالكتب ولكنهم كذبوا بها.\nح- إخباره سبحانه بأن الكفر بالكتب ضلال بعيد، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ النساء: ١٣٦، فوصف من كفر بالكتب بأنه \"قد ضل\" و(قد) للتحقيق، ثم لم يكتف بهذا حتى أكده بالمصدر فقال: \"ضلالًا\" ثم لم يكتف بهذا حتى أكد المصدر بوصفه فقال: \"بعيدًا\" وهو دليل مقرر لكون الإيمان بالكتب واجب.\nخ- إخباره سبحانه عن جزاء المكذبين بالكتب، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾ غافر: ٧٠ - ٧٢، وفي هذا دلالة على وجوب الإيمان بالكتب (١).\nومن أجل ما سبق، ولحكم أخرى يعلمها الله، كان الإيمان بالكتب السماوية ضرورة حتمية -وحاجة ضرورية لا غنى للبشر عنها-؛ لأنه تعالى أنزل كتبه على رسله لتنذر وتبشر وتعظ وترشد وتأمر وتنهى وتهدي الناس إلى الصراط المستقيم، وتحكم بينهم فيما اختلفوا فيه،\n_________\n(١) ينظر: الإيمان بالكتب، أ. د. محمد أبو سيف (ص ٦ - ٨).","vol":"1","page":401},{"text":"وقد بلَّغ الرسل إلى الناس جميع نصوص تلك الكتب الإلهية، ومضى الرسل إلى لقاء ربهم وتركوا تلك الكتب لتكون من بعدهم للناس هدى ونورًا (١).\n_________\n(١) ينظر: أركان الإيمان لوهبي سليمان غاوجي الألباني (ص ١٣٨)، وأسس العقيدة الإسلامية لمحمد حسن حبنكة الميداني (ص ٥٣٨ - ٥٤٠).","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>تمهيد:</span>\nالإيمان بالكتب هو الركن الذي لا يقوم الدين إلا به، وبه أقام الله - ﷿ - الحجة على خلقه، وحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، بما اشتملته كتبه - ﷿ - من الأوامر والنواهي والتشريعات، التي فيها العدل والقسط في الديانة والمعاملات والجنايات والمواريث وغير ذلك، ليتحاكم بها الناس لإقامة العدل بينهم، كما أن فيها تأييدًا لرسل الله وإظهارًا لصحة رسالاتهم وصدق نبواتهم (١)، إلا أن أهل البدع في كتاب الله من المحرفين الغالين، والمنتحلين المبطلين، ومن المؤولين الجاهلين، عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مخالفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين (٢)، الذين حق عليهم قول رب العالمين، ويصدق عليهم عموم آيات القرآن المبين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>ويمكن إرجاع انحراف أصحاب البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب، إلى أسباب ثلاثة هي:</span>\n١ - اعتمادهم على العقل في فهم نصوص الكتب المقدسة، وتوهمهم أن هناك معارضة بين العقل والنقل، مما أورثهم شبها كثيرة، ضلوا بسببها عن قواعد الشرع، والتزموا قواعدهم البدعية.\n٢ - خللهم في باب الإيمان بالله - ﷿ - وربوبيته، بما أحدثوه من طُرقٍ بدعية كالحدوث والإمكان (٤)، وهذه \"الطريقة هي التي ولّدت بين المسلمين اختلافهم في القرآن،\n_________\n(١) ينظر: الإيمان بالكتب، أ. د. محمد أبو سيف (ص ١١ - ١٢).\n(٢) ينظر: الرد على الجهمية (ص ٦)، مجموع الفتاوى (٤/ ٢١٧ - ٢١٨)، والنبوات (ص ٢١٧).\n(٣) ينظر: القرآن الكريم ومنزلته بين السلف ومخالفيهم دراسة عقدية، لمحمد هشام (١/ ٤٣٧).\n(٤) استدلت الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من طوائف أهل الكلام على ذلك بأن ما لا تخلو عن الحوادث فهو حادث، والكلام إذا كان حادثا فهو مخلوق، كما هو قول الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم، وأما من خالفهم من أهل الكلام، اضطروا -لأنهم وافقوهم في أصل القول بالحدوث والإمكان- أن يقولوا: إن الكلام ليس بحادث، بل هو أزلي، ولم يهتدوا إلى الفرق في المسألة، وهو القول بأزلية الكلام من حيث كونه متكلمًا، وأن آحاده في وقت معين، فنشأ النزاع والتفرق.\nينظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١٤٠/ ٥٩٢، ٢١٣)، النبوات (ص ٢٣٠)، والصفدية (١/ ١٢٨ - ١٢٩).","vol":"1","page":403},{"text":"وكلام الله - ﷿ -، حتى صار كثير من الناس -أو أكثرهم- في ذلك إما حائرًا، وإما مخطئًا مبتدعًا، وكفر بعضهم بعضا بسبب ذلك\" (١).\n٣ - معارضة نصوص الكتب لكثير من أهوائهم وشهواتهم، ما كان سببًا لتحريفهم إياها، لتوافق أهواءهم.\n\nمن أجل هذا انقسم هؤلاء المبتدعة إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان!؛ لإعراضهم عن هدي المرسلين واتباعهم غير سبيل المؤمنين. وبيان ذلك في المطلبين الآتيين.\n_________\n(١) الصفدية (٢/ ٤٠).","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في الإيمان بالكتب</span>.\nإذا تقرر وجوب الإيمان بالكتب، فإن لهذا الإيمان ما يناقضه، لذلك نجد<span data-type=\"title\" id=toc-420> طوائف كثيرة فرطت في هذا الركن المهم من أركان الإيمان، ومنهم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>١ - اليهود: </span>وذلك بتكذيبهم للقرآن، بل في الحقيقة تكذيب لجميع الكتب السماوية، وقد تفنَّنوا في التزوير، وأضافوا في كتابهم المقدس، وحذفوا منه، واتَّبعوا كافة الأساليب الشيطانية، وقد بين الله في كتابه العزيز أنواعًا من تحريف اليهود للتوراة:\nأ-إلباس الحق بالباطل، قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ آل عمران: ٧١.\nب- كتمان الحق، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ البقرة: ١٤٦.\nت- إخفاء الحق، قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ المائدة: ١٥.\nث- لي اللسان، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ آل عمران: ٧٨.\nج- تحريف الكلم عن موضعه، قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ المائدة: ١٣ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>٢ - النصارى: </span>يقال عنهم ما قيل عن اليهود، فقد حرفوا الإنجيل، وبذلك ابتعدوا عن الصراط المستقيم، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ\n_________\n(١) ينظر: التوراة دراسة وتحليل للدكتور محمد شلبي شتوري (ص ٨٣).","vol":"1","page":405},{"text":"تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ المائدة: ١٤ - ١٥.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>٣ - الرافضة: </span>وذلك بادعائها أن القرآن ناقص ومحرّف، وأن القرآن الكامل مع الغائب الذي سيخرج في آخر الزمان من سرداب سامراء! (١).\nثم إنهم ضلوا في هذا الباب بسبب جعلهم تعاليم الإمام مصدرًا للتلقي عندهم، وضلوا أيضًا في تأويل القرآن حيث أغرق الباطنية في تأويله (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>٤ - البابية والبهائية: </span>وذلك بادعائها نسخ القرآن الكريم، والشريعة الإسلامية بشريعة الباب والبهاء (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>٥ - التيجانية: </span>وذلك بتفضيلها أورادَها وأذكارَها -كصلاة الفاتح-على القرآن الكريم حيث قالوا: إن قراءة صلاة الفاتح مرة واحدة أفضل من قراءة القرآن ستة آلاف مرة (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>٦ - غلاة الصوفية عمومًا: </span>وذلك بادعائهم العلم اللَّدُنِّي الذي يوحى إليهم، ويغنيهم عن القرآن كما يزعمون، إذ مصدر التلقي عندهم ليس القرآن والسنة بل الرؤى والأحلام، والكشف، وغير ذلك (٥) مما يخالف ما جاء في القرآن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>٧ - النصيرية والدروز وسائر الفرق الباطنية </span>(٦): وذلك بانحرافهم في تأويل القرآن، وإغراقهم في التأويل الباطني، وإخراج القرآن عن معانيه وحقائقه الصحيحة، وكذلك ادعاء بعضهم نسخ الإسلام (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>٨ - المشرعون والقانونيون: </span>الذين أعرضوا عن تحكيم القرآن، وعارضوه بأفكارهم، زاعمين أنه لا يناسب العصر الحديث، ولا يفي بحاجاته.\n_________\n(١) ينظر: الأصول من الكافي للكليني (١/ ٢٢٨ - ٢٣٠)، المنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال، للذهبي (ص ٢٥)، وشرح العقيدة السفارينية - الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية، لابن عثيمين (ص ٤٥١).\n(٢) ينظر: الشيعة والسنة، لإحسان إلهي ظهير (ص ٧٨)، وبطلان عقائد الشيعة، لمحمد عبد الستار التونسي (ص ٣٥)، ومسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة، د. ناصر القفاري (١/ ٢١٢ - ٢١٥).\n(٣) ينظر: البابية عرض ونقد، لإحسان إلهي ظهير (ص ١٠٤)، والبائية نقد وتحليل، لإحسان إلهي ظهير، (ص ٢٢٢).\n(٤) ينظر: التيجانية، لعلي الدخيل الله (ص ١١٦ - ١٢٣).\n(٥) ينظر: التصوف المنشأ والمصادر، لإحسان إلهي ظهير (٢٦٠ - ٢٧٥)، وهذه هي الصوفية، للشيخ عبدالرحمن الوكيل (ص ٧٠).\n(٦) إنما سموا باطنية لقولهم أن للنصوص ظاهرا وباطنًا، ومقصودهم إبطال الشريعة. ينظر: فضائح الباطنية للغزالي (ص ١١، ٥٥).\n(٧) ينظر: كشف أسرار الباطنية، لابن أبي الفضائل الحمادي اليمني (ص ٥٠)، والحركات الباطنية، د. محمد بن أحمد الخطيب (ص ٦٦، ٣٤٩)، والنصيرية، د. سهل الفيل (ص ٨٧).","vol":"1","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-429>٩ - الخوارج: </span>قامت بتأويل القرآن على حسب أهوائهم كقصْرِ بعضهم الصلاة على ركعة واحدة في الصباح، وواحدة في المساء، وأجاز بعضهم نكاح المحارم (١) كبنات البنين وبنات البنات وبنات بني الأخوة، وبعضهم زاد فأنكر أن تكون سورة يوسف من القرآن لاشتمالها على حد زعمهم على ذكر العشق والحب، والقرآن ليس محله ذلك، ومع ذلك فرطوا في حق الله - ﷿ - وفي حق القرآن الكريم، فلم يتدبروا الأوامر والنواهي والمستحبات والمكروهات ولا غرو في ذلك، فقد أخبر الصادق المصدوق - ﷺ - بقوله: (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>١٠ - الملاحدة: </span>وهناك من البشر من أنكر الكتب السماوية جملة، وهم الملاحدة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>١١ - أهل الكلام وقعوا في تحريف معاني كلام الله - ﷿ - كثيرًا</span>، وخاصة نصوص صفات الله - ﷿ - (٣).\nومن خلال ما سبق يمكننا الوقوف على<span data-type=\"title\" id=toc-432> طرق الانحراف المؤدية إلى التفريط في الإيمان بالكتب</span>، وهي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-433> أولًا: التفريق بين كُتب الله في الإيمان:</span>\nالتفريق بين كتب الله في الإيمان كفر ينقض أصل الإيمان، وله في الجملة صورتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>الأولى: الإيمان ببعض الكتب والكفر ببعضها:</span>\nومثال هذه الصورة ما حكاه الله عن اليهود من إيمانهم بالتوراة وكفرهم بالقرآن، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ البقرة: ٩١، فسجل الله عليهم فعل الكفر بهذا التفريق في الإيمان، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ\n_________\n(١) الميمونية من الخوارج قالت بهذا القول وهي فرقة تابعة لرجل من العجاردة كان اسمه ميمونًا، يقولون بقول القدرية والمعتزلة في الإرادة والقدر والاستطاعة، ويزعمون أن أطفال المشركين في الجنة، وأن علي وطلحة والزبير وعائشة وعثمان ﵃ كفرة، ويقولون بتكفير أصحاب الذنوب، أباحوا نكاح بنات الأولاد من الأجداد، وبنات أولاد الأخوة والأخوات، لأن هؤلاء لم يذكروا في القرآن، مع زعمهم بأن سورة يوسف ليست من القرآن.\nينظر: الملل والنحل (١/ ١٢٩)، والفرق بين الفرق (٢١١ - ٢١٢)، والبرهان (٢٧ - ٢٨)، وتناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة د. عفاف بنت حسن بن محمد مختار (١/ ٢٤٣).\n(٢) رواه مسلم في صحيحة في كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة برقم (١٠٦٤).\n(٣) ينظر: الإبانة للأشعري (ص ١٢٠)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٧)، ومختصر الصواعق المرسلة (٣/ ٩٠٨).","vol":"1","page":407},{"text":"ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ النساء: ١٥٠ - ١٥١، فسجل سبحانه على المفرقين بين الرسل ورسالاتهم وكتبهم فعل الكفر، فقال \" يَكْفُرُونَ \" ووصفهم فقال: \" أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ \" وحقق تسجيل وصفهم بالكفر بقوله: \" حَقًّا \" ثم توعدهم سبحانه.\nوإنما كان الكفر ببعض كتب الله مع الإيمان ببعضها \"كفرًا بها جميعًا ونقضًا لأصلِ الإيمان\"، لثلاثة أوجه:\n١ - أن جميع كتب الله مصدرها واحد، فهي منزلة من عند الله فلا وجه للتفريق بينها، فمن كفر بواحد منها كان هذا كفرًا بالجنس الذي اجتمعت عليه، وعاد على جميع الكتب بالكفر. وهذا الوجه ينبه عليه قوله تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ الشورى: ١٥، وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ البقرة: ١٣٦.\n٢ - أن جميع كتب الله اشتملت على أصول اعتقادية وعملية واحدة، وهي جميعها على ملة واحدة، فمن كفر بواحد منها يكون هذا كفرًا بالملة التي اشتمل عليها ذات الكتاب الذي ادعى الإيمان به. وكتب الله يصدق بعضها بعضًا فالكفر بواحد منها كفر بالباقي، وينبه إلى هذا الوجه قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾ البقرة: ٩١، قوله: \" وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ \" تعليل لكفرهم.\n٣ - أن كل كتاب من كتب الله أمر بالإيمان بجميع كتب الله. فإن الإيمان بالكتب من أصول الإيمان التي جاءت بها الملة على لسان كل رسول، فمن كفر بواحد من كتب الله يكون قد كفر بما أمر به في الكتاب الذي ادعى الإيمان به.\nهذا ويمكن أن يقال بأن التفريق بين كتب الله في الإيمان يرد من جهتين، من جهة التنزيل، وهذا ككفر اليهود بالقرآن مع إيمانهم بالتوراة فإنهم أنكروا أن يكون القرآن منزلًا","vol":"1","page":408},{"text":"أصلًا من عند الله، فهو كفر بأصل الإنزال. ومن جهة التأويل، وهذا ككفر النصارى الذين أقروا بالقرآن كتابًا منزلًا ولكنهم زعموا أنه خاص بالعرب ولا يجب عليهم اتباعه وهم مكتفون بكتابهم، فهؤلاء أثبتوا أصل الإنزال وكفروا من جهة التأويل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>الثانية: الإيمان ببعض الكتاب الواحد والكفر ببعضه:</span>\nومثال هذه الصورة فعل اليهود الذي ذكره الله في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ البقرة: ٨٤ - ٨٥، والشاهد في الآية قوله: \" أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ \" أي: تؤمنون ببعض كتابكم وتكفرون ببعضه، وبين وجه هذا الكفر من فعلهم وهو المذكور في الآية، وهو أنه كان حلفاء الخزرج من اليهود يقاتلون مع الخزرج حلفاء الأوس من اليهود أنفسهم في الحرب الدائرة بين الخزرج والأوس، فيقاتل اليهودي اليهودي، فيقتل اليهود بعضهم بعضًا ويخرجون بعضهم بعضًا من ديارهم، وهذا محرم عليهم في كتابهم، ثم إذا أسر يهودي من الفريقين كليهما جمعوا له الفدية يفدونه جميعًا؛ لأن هذا واجب عليهم فعملوا بهذا وتركوا ذاك (٢).\nومن صور الإيمان بالكتاب الواحد والكفر ببعضه، ما عليه الذين يسمون أنفسهم بـ\"القرآنيين\" الذين يقولون: القرآن يكفينا، وتركون العمل بسنة رسول الله - ﷺ -، فهؤلاء قد كفروا ببعض القرآن مع دعواهم الإيمان به وهو كفرهم بقول الله في القرآن: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الحشر: ٧، وقد ورد الخبر عنهم عن رسول الله - ﷺ -، قال: (لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا\n_________\n(١) ينظر: الإيمان بالكتب، أ. د. محمد أبو سيف (ص ١٩ - ٢١).\n(٢) ينظر: زاد المسير في علم التفسير، لابن الجوزي (١/ ١١٠ - ١١١).","vol":"1","page":409},{"text":"أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) (١) ويلحق بهؤلاء كل من رد خبر الآحاد من المبتدعة المعطلة (٢).\nفمنهج المعطلة في الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة النبوية قائم على ردّ النصوص الصحيحة الثابتة، والذي جلب لهم هذا الخلط والاضطراب: توهمهم أن هناك معارضة بين العقل والنقل ولما كان العقل عندهم مقدسًا منزهًا عن الخطأ، نفوا وعطلوا وأولوا ما دل عليه النقل، وركنوا إلى قواعدهم العقلية وأصولهم الفلسفية، وجعلوها عمدة في ردّ ما ورد به الشرع بدعوى معارضته لها (٣).\nوهكذا نلحظ أن كثيرًا ممن انحرف في باب أسماء الله - ﷿ - وصفاته، أنه آل بهم الأمر إلى التفريط في الإيمان بالكتب، فأولوا ما لم يستطيعوا على رده، فوقعوا في الفرقة والضلال، والشك والريبة والوبال، فنعوذ بالله من الخذلان (٤).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-436> ثانيًا: بدعة القول بخلق القرآن </span>(٥):\nتكلف المبتدعة نفي صفة الكلام لله ﷿، معتقدين أن كلام الله بحرف وصوت لكنه مخلوق (٦)، وأوردوا إشكالات لتقوية ما زعموه، وتركوا المضي على عقيدة الفطرة والشرع\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في المسند برقم (٢٣٨٧٦)، وأبي داود في سننه، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، برقم (٤٦٠٤)، والترمذي، في كتاب العلم، باب ما نهى أن يقال عند حيث النبي - ﷺ -، برقم (٢٦٦٤)، وابن ماجة في سننه المقدمة، باب تعظيم حديث رسول الله والتغليظ على من عارضه برقم (١٢)، صححه أحمد شاكر في هامش الرسالة للشافعي (ص ٩٠، ٩١).\n(٢) ينظر: الإيمان بالكتب، أ. د. محمد أبو سيف (ص ٢١ - ٢٢)، وإعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ١٢١)، وشرح ثلاثة الأصول لصالح الفوزان (ص ٢١٣).\n(٣) ينظر: النفي في باب صفات الله - ﷿ - (ص ٩١ - ٩٢)، وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - كتابه الكبير: \"درء تعارض العقل والنقل\" في إبطال هذه الدعوى.\n(٤) ينظر: قلب الأدلة على الطوائف المضلة في توحيد الربوبية والأسماء والصفات (ص ٧٨٧ - ٧٩٠).\n(٥) القول بخلق القرآن هو من أشهر المسائل العلمية في باب الصفات، وباب ما يتعلق بالقرآن الكريم من المسائل العقدية.\nومعنى قول الجهمية والمعتزلة بأن القرآن الكريم مخلوق، يعني أن الله - ﷿ - لم يتكلم به، بل هو خلقٌ من المخلوقات قائم بنفسه! !، أو مخلوق خلقه الله في غيره.\nينظر: مقالات الإسلاميين (ص ١٩٣)، الصفدية (٢/ ٦٧)، درء التعارض (٢/ ٤٩)، ومجموع الفتاوى (٧/ ٦٦٢).\n(٦) ينظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار (٧/ ٣، ٦، ٢١)، المختصر في أصول الدين للقاضي عبد الجبار (ص ١٩٣) ضمن رسائل العدل والتوحيد المجلد الأول).","vol":"1","page":410},{"text":"والعقل بالإيمان بأن الله تكلم حقيقة -لا مجازًا أو خلقًا-بالكتب السماوية التي أنزلها على رُسله -عليهم الصلاة والسلام- (١).\nلذا فإن الخلق قد اختلفوا في تنزيل كتابه سبحانه اختلافًا انقسم به الحق والباطل، والسنة والبدعة، وتضاد المؤمن والكافر، والسني والبدعي، ويمكن تصنيف اختلاف الخلق في تنزيل الكتاب إلى نوعين (٢):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>الأول: اختلاف في جنس التنزيل</span>، وهو بين المؤمنين والكافرين، فالمؤمنون يؤمنون بأصل التنزيل ويثبتون كتاب الله منزلًا منه سبحانه على رسوله فهو كلام الله والرسول مبلغ، أما الكفار فأنكروا أصل التنزيل وأبطلوه وزعموا أن الكتاب قول الرسول أو تعلمه من بشر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>الثاني: اختلاف في صفة التنزيل</span>، وهو واقع بين أهل السنة وبين أهل البدع والهوى من فلاسفة ومتكلمة، فأهل السنة يقولون: كتاب الله كلامه، خرج منه بحرف وصوت، وسمعه منه جبريل، وبلغه جبريل إلى الرسول - ﷺ -، وسمعه الرسول - ﷺ - من جبريل - ﵇ -، وبلغه الرسول لأمته سمعه منه أصحابه وتلقته الأمة منهم (٣)، أما أهل البدع من أهل الكلام فقد اتفقوا على كلمة واحدة هي أن القرآن مخلوق (٤)،\nإما خلقه الله في جبريل أو في محمد أو في جسم آخر\n_________\n(١) أسباب ظهور هذا القول: أنهم لما ظنوا أن إثبات الصفات يلزم منه تعدد القدماء، نفوا الصفات، ومن جملة ذلك صفة الكلام، ومنه القرآن الكريم. كما أنهم لما سمعوا القرآن من المخلوقين، ولم يفرقوا بين المسموع من الله مباشرة، وبين المسموع بواسطة العباد، ظنوا أنه مخلوق، لأنه يسمع من مخلوق! ! .\nينظر: القرآن الكريم ومنزلته بين السلف ومخالفيهم (١/ ٤٧٧).\n(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١٣ - ١٤، ١١٩ - ١٢١)، والإيمان بالكتب لأبي سيف الجهني (ص ٣١ - ٣٢).\n(٣) ينظر: عقيد السلف وأصحاب الحديث لأبي عثمان الصابوني (ص ١٦٥ - ١٦٦)، ولمعة الاعتقاد (ص ٧٧)، ومجموع الفتاوى (١٢/ ٢٣٥، ٢٤١).\n(٤) الجعد بن درهم كان أول من أظهر القول بخلق القرآن بعد كفار قريش عندما قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ المدثر: ٢٥، فكان تابعًا لهم؛ لأن من زعم أن القرآن مخلوق فقد جعله قولًا للبشر. ينظر: شرح السنة للبغوي (١/ ١٦٨)، ومنهاج السنة (١/ ٣٠٩)، ومجموع الفتاوى (١٣/ ١٧٧).\n\nقال الدارمي - ﵀ -: \" وقوله -أي الوليد بن المغيرة-: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ المدثر: ٢٥، وقول هؤلاء الجهمية: \"هو مخلوق\" واحد لا فرق بينهما، فبئس التابع، وبئس المتبوع\". الرد على الجهمية (ص ١٨٤).","vol":"1","page":411},{"text":"غيرهما (١)، أو أن كلام الله معنى قائم بالنفس (٢)، كما ظهر من يجعلون كلام الخالق هو عين كلام المخلوق (٣). وأما الفلاسفة فجعلوه فيضًا فاض على نفس النبي - ﷺ - من العقل الفعال أو غيره. وكلا القولين كفر وضلال.\nمن أجل ذلك فرط أهل البدع في الإيمان بالكتب، فعارضوا القرآن الكريم -المهيمن على الكتب السابقة- بالآراء والأذواق والعقول والأقيسة والمواجيد.\nومن عارض آيات الله المنزلة بما سبق من غير سلطان أتاه دخل في معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ غافر: ٣٥، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ غافر: ٥٦، وهذا مما يبين أنه لا يجوز معارضة كتاب الله إلا بكتاب الله، ولا يجوز معارضته بغير ذلك (٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" ومن المعلوم أن كل من عارض القرآن وجادل في ذلك بعقله ورأيه فهو داخل في ذلك؛ وإن لم يزعم تقديم كلامه على كلام الله ورسوله؛ بل إذا قال ما يوجب المرية والشك في كلام الله؛ فقد دخل في ذلك، فكيف بمن يزعم أن ما يقوله بعقله ورأيه مقدم على نصوص الكتاب والسنة\" (٥).\n_________\n(١) كالجهمية والمعتزلة: ومذهبهم أن كلام الله تعالى مخلوق؛ خلقه في غيره، وعلى هذا فالقرآن عندهم مخلوقٌ لم يكن ثم كان. ينظر: المختصر في أصول الدين للقاضي عبد الجبار (ص ٥٢٨ - ٥٢٩)، ومقالات الإسلاميين (٢/ ٢٥٦).\n(٢) كالكلابية والأشاعرة؛ لأن مذهبهم أن كلام الله معنى قائم بالنفس، ليس بحرف ولا صوت، ولا ينقسم، ولا يتجزأ، ولا يتبعض، ولا يتغاير، وأنه معنى واحد قائم بالله - ﷿ -، إن عُبِّر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عُبِّر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبِّر عنه بالسريانية كان إنجيلًا، فهو عند الكلابية حكاية عن كلام الله تعالى، وعند الأشاعرة عبارة عن كلام الله، وعلى هذا فالقرآن عندهم ليس بكلام الله على الحقيقة، وهو مخلوق. ينظر: مقالات الإسلاميين (٢/ ٢٥٧، ٢٥٨)، ومجموع الفتاوى (١٢/ ١٦٥).\n(٣) كما هو معتقد الحلولية والاتحادية: الذين يجعلون صفة الخالق هي عين صفة المخلوق، فقالوا: الذي نسمعه من القراء هو كلام الله، وإنما نسمع أصوات العباد، فأصوات العباد بالقرآن كلام الله، وكلام الله غير مخلوق، فأصوات العباد بالقرآن غير مخلوقة، والحروف المسموعة منهم غير مخلوقة .. أما الجهمية ومن وافقهم فقد زعموا أن أصوات العباد ومدادهم مخلوقة، فيكون كلام الله - ﷿ - مخلوقًا.\nينظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٨٢).\n(٤) ينظر: درء التعارض (٥/ ٢٠٨).\n(٥) درء التعارض (٥/ ٢٠٦).","vol":"1","page":412},{"text":"أما أهل السنة والجماعة فإن أصولهم لا تقبل من أحد أيًا كان أن يعارض ما جاء في كتاب الله - ﷿ -، لا برأي ولا عقلٍ ولا قياسٍ ولا ذوقٍ ولا وجد، قال الطحاوي - ﵀ -: \" ولا نجادل في القرآن، ونشهد أنه كلام رب العالمين، ونزل به الروح الأمين، فعلمه سيد المرسلين\nمحمدًا - ﷺ - وعلى آله أجمعين، وهو كلام الله تعالى، لا يساويه شيءٌ من كلام المخلوقين، ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين\" (١).\nوأما كون الإيمان بأن القرآن كلام الله داخلا في الإيمان بالكتب؛ فإن الإيمان بها إيمانا صحيحا يقتضي إيمان العبد بأن الله تكلم بها بألفاظها ومعانيها، وأنها جميعا كلامه هو؛ لا كلام غيره، فهو الذي تكلم بالتوراة بالعبرانية، وبالإنجيل بالسريانية، وبالقرآن بلسان عربي مبين (٢).\nوبالجملة فإن القول بخلق القرآن أصل البدع، وهذا باب واسع ليس هذا موضعه، إلا أن نعلم أن من قال بهذا القول قد فرط في الإيمان بكتب الله المنزلة.\n_________\n(١) شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٤٢٨).\n(٢) ينظر: شرح العقيدة الواسطية للهراس (ص ٢٠٠).","vol":"1","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-439>المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالكتب</span>.\nمن جملة المخالفين لأهل السنة والجماعة في هذا الباب، أصحاب الغلو في الإيمان بالكتب، قال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" فلعسر الفرق والتمييز، يميل قوم إلى زيادة في الإثبات، وآخرون إلى زيادة في النفي\" (١)، \"وكلاهما خارج عن السنة والجماعة\" (٢).\nوقد لاحظ كثير من علماء السلف مدى تأثر بعض الفرق الإسلامية بعقائد اليهود والنصارى، فذكروا ما بينهم من تشابه كبير في كثير من الأمور (٣)، وهذا كله من قبيل الغلو في الإيمان بالكتب المحرفة، وتصديق قول النبي - ﷺ -: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) (٤)، وإذا كانت المتابعة في القليل ذريعة ووسيلة إلى القبائح المحرمة، فكيف إذا أفضت إلى ما هو كفر بالله.\nوالإيمان بالكتب يقتضي العمل بما فيها من الأمر والنهي؛ لكنه إذا ثبت نسخ الإسلام للأديان السابقة؛ فإن ذلك يعني عدم جواز العمل بتلكم الكتب التي أنزلت من قبل، وهذه الكتب المنزلة الموجودة في زمن النبي - ﷺ -، وفي هذا الزمن، شأنها لا يخلو من أمرين:\nالأول: ما هو باطل، مما وضعته أيدي المحرفين، أو ليَّتهُ ألسنة الملحدين، فهذا لا شك أن القرآن قد أبطله من كل وجه، وأنه لا يمت إلى الله - ﷿ - بصلة؛ بل هو مضاد لما في القرآن؛ فهذا لا شك أنه باطل، وقد أخبر الله - ﷿ - في أكثر من آية أن أحبار السوء ورهبان الجهل غيروا هذه الكتب بأيديهم وألسنتهم، تحريفا لها وتأويلا فيها، قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ البقرة: ٧٩، والباطل لا ينسب منه إلى الحق شيء.\nالثاني: ما هو صحيح؛ فهذا يشهد له القرآن، ويؤكده، وهذا لا يعرف إلا بشهادة كتابنا له، فلا نحتاج إليه، ولهذا جاء في وصف القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٣١).\n(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٤).\n(٣) ينظر: بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود، أ. د. إبراهيم الرحيلي (١/ ١٧) وما بعدها.\n(٤) أخرجه البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم\" حديث رقم ٧٣٢٠، ومسلم، كتاب العلم، باب: اتباع سنن اليهود والنصارى حديث رقم ٦٧٢٣.","vol":"1","page":414},{"text":"جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ المائدة: ٤٨، ففي الآية بيان: أن الكتاب الذي هو القرآن مصدق لما قبله من الكتب المنزلة، وشاهد عليها بالحق، فما في الكتب السابقة مما هو في كتابنا فهذا حق؛ لأن القرآن شهد له بذلك، ولذا لم يكن لنا أن نحكم أو نتحاكم إلا إلى كتابنا المنزل علينا، وذلك لأنه مهيمن على الكتب السابقة، ناسخ لها، إذ جعل الله لكل نبي شرعة ومنهاجا، فشرعة أمة محمد - ﷺ - القرآن، ومنهجهم الوحي المنزل من الرحمن، فليس لهم أن يلتفتوا إلى غيره.\nأما ما في كتبهم مما ليس في كتابنا كأخبار الأمم السابقة، وبعض ملح العلم، مما هو ليس من أساسيات الأديان؛ فهذه قال فيها - ﷺ -: (لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، و﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ البقرة: ١٣٦) (١)، وذلك لأن التصديق قد يقع على المحرف، فنكون صدقنا بالباطل، أو يقع التكذيب بالمنزل فنكون قد وقعنا في الحرج (٢).\n\nومن أجل هذا فإن<span data-type=\"title\" id=toc-440> الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالكتب، يأتي من طريقين، هما:</span>\n-<span data-type=\"title\" id=toc-441> أولًا: التبرك بالكتب المنزلة</span>.\nمن الإيمان بالكتب الإيمان بأن القرآن كلام الله - ﷿ -، وبما أن الكتب المنزلة حرفت عدا القرآن الكريم -بحفظ الله - ﷿ - له-، فإن التبرك يتجه إليه في المقام الأول، لإخبارنا الله - ﷿ - عنه بأنه مبارك، قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ الأنعام: ٩٢، وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ص: ٢٩، إلا أن تبرك أهل السنة والجماعة بالقرآن مقيد بقيود (٣)، فعقيدة أهل السنة والجماعة تثبت أن كلام الله تعالى مكتوب في القراطيس، وأن المكتوب في المصاحف التي بأيدي المسلمين اليوم هو كلام الله - ﷿ - على الحقيقة.\n_________\n(١) رواه البخاري، في كتاب التفسير، باب (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا)، برقم (٤٤٨٥).\n(٢) ينظر: القرآن الكريم ومنزلته بين السلف ومخالفيهم دراسة عقدية (٢/ ٧٨٩).\n(٣) بأن يجري التبرك بالقرآن على النحو الذي ورد فيه \"وهو طلب البركة من الله - ﷿ - بذكر القلب، واللسان، والعمل بالقرآن والسنة على الوجه المشروع \"، فيكون بتلاوته وتدبره والعمل به؛ لا بجعله تميمة، أو غسل أوراق المصحف وشربها، أو وضعه في البيت أو في السيارة ونحو ذلك.\nينظر: التبرك أنواعه وأحكامه، د. ناصر الجديع (ص ٢٠١ - ٢٤١)، ونور السنة وظلمات البدعة في ضوء الكتاب والسنة، د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني (ص ٧٢).","vol":"1","page":415},{"text":"ولم يخالف أهل السنة والجماعة في ذلك إلا الكلابية والأشعرية، الذين أنكروا أن يكون كلام الله مكتوبًا في المصاحف؛ بناءًا على زعمهم أن كلام الله معنى قائم بالنفس، وأما المكتوب في المصاحف فهو حكاية أو عبارة عن كلام الله (١).\nوالتبرك عند أهل السنة والجماعة ينقسم من جهة حكمه إلى قسمين (٢):\nأ- تبرك مشروع: وهو أن يفعل المسلم العبادات المشروعة طلبًا للثواب المترتب عليها، ومن ذلك أن يتبرك بقراءة القرآن والعمل بأحكامه، فالتبرك به هو ما يرجو المسلم من الأجور على قراءته له وعمله بأحكامه.\nب- تبرك ممنوع: وهو ينقسم من حيث حكمه إلى قسمين:\n١ - تبرك شركي: وهو أن يعتقد المتبرِّك أن المتبرَّك به - وهو المخلوق - يهب البركة بنفسه، فيبارك في الأشياء بذاته استقلالًا (٣)؛ لأن الله تعالى وحده موجد البركة وواهبها، فقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي - ﷺ - أنه قال: (البركة من الله) (٤)، فطلبها من غيره، أو اعتقاد أن غيره يهبها بذاته شرك أكبر.\n٢ - تبرك بدعي: وهو التبرك بما لم يرد دليل شرعي يدل على جواز التبرك به، معتقدًا أن الله جعل فيه بركة، أو التبرك بالشيء الذي ورد التبرك به في غير ما ورد في الشرع التبرك به فيه، وهذا بلا شك محرم؛ لأن فيه إحداث عبادة لا دليل عليها من كتاب أو سنة؛ ولأنه جعل ما ليس بسبب سببًا، فهو من الشرك الأصغر؛ ولأنه يؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر (٥).\n\nوصور تبرك المخالفين بالقرآن الكريم كثيرة، والبدع فيها غير محصورة، ومنها:\n_________\n(١) ينظر: مقالات الإسلاميين (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨).\n(٢) ينظر: مختصر تسهيل العقيدة الإسلامية (ص ٢٨٨ - ٢٩٠).\n(٣) ينظر: جهود علماء الحنفية لشمس الدين الأفغاني (٣/ ١٥٧٥ - ١٥٧٨)، وتيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، لسليمان بن عبد الله، باب من تبرك بشجرة أو حجر (ص ١٤٨).\n(٤) صحيح البخاري، آخر كتاب الأشربة \"٥٦٣٩\". وروى مسلم في صحيحه، في الصلاة \"٧٧١\" عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه في استفتاح الصلاة: \" والخير كله في يديك \".\n(٥) ينظر: مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٣٧)، وتيسير العزيز الحميد (ص ١٤٨، ١٥٣)، والقول السديد للسعدي (ص ٥٣)، والقول المفيد لابن عثيمين، باب من تبرك بشجرة أو حجر (١/ ١٩٤)، وكتاب التوحيد للدكتور صالح الفوزان (ص ١١٢).","vol":"1","page":416},{"text":"كتابة القرآن في الحروز ومعها شيء من الطلاسم الشركية، والحسابات والمبتدعات (١)، والتعاويذ، وتعليقه على الصبيان، والنساء، بل والدواب، وهذا كله زعم منهم أنه من باب التداوي (٢)! !، فيجعل القرآن تلبيسا، والمقصود الشرك تأسيسا، بل ربما كان فيها نوع استعانة بالجن (٣)، قال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" وعامة ما يقوله أهل العزائم فيه شرك، وقد يقرؤون مع ذلك شيئا من القرآن، ويظهرونه، ويكتمون ما يقولونه من الشرك، وفي الاستشفاء بما شرعه الله ورسوله ما يغني عن الشرك وأهله\" (٤)، كما أن كتابة التمائم من القرآن لم يثبت عن النبي - ﷺ -، ولو كان هذا سائغا شرعًا، ونافعًا كونا، لأرشد إليه المصطفى - ﷺ - (٥)، ولا شك أن منع التمائم من القرآن وغيره (٦)، فيه سد لباب الذرائع، وهو باب عظيم معمول به في الشرع، وقد حمى النبي - ﷺ - جانب التوحيد، فمنع من الألفاظ الموهمة والمؤدية إلى الشرك، فكيف يجيز ما يكون ذريعة إلى الشرك؟ ووسيلة إليه؟ ! .\nوقريب من هذا التبرك غير المشروع، ما يفعله بعض أهل البدع من كتابة القرآن على الأثواب، ولبس ذلك لإخراج الجن، أو يكون ذلك تبركا، ولعل هذا كان معروفا في القدم (٧)، وهذا يدل أن هناك ثيابا كانت ترقم ويكتب فيها القرآن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nومن ذلك قراءتهم -تبركا- القرآن على الميت! !، ووضع المصحف على القبر، فإن هذا من البدع المنكرة، وليس هذا سبيل التبرك، أو وضع المصحف عند رأس المحتضر تبركًا (٨)، قال الشيخ ابن باز - ﵀ - معلقًا على ما في الفتح: \" الأحكام التي تنسب إلى الدين، لا بد من ثبوتها في نصوص الدين، وكل ما لم يكن في زمن التشريع، وفي نصوص التشريع؛ فهو مردود على من يزعمه، وتقدم قول الإمام الشافعي: ولكننا نتبع السنة فعلا وتركًا\" (٩).\n_________\n(١) ينظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر للهيثمي (١/ ٢٧٤)، وقد بين الشيخ ابن باز ﵀ أن المعلقين للتمائم إنما يريدون البركة والنفع، ولهذا يعلقون التمائم. ينظر: فتاوى وتنبيهات (ص ٢٥٣).\n(٢) ينظر: التبيان للنووي (ص ١٥٩).\n(٣) ينظر: معيد النعم ومبيد النقم للسبكي (ص ١١٧)، التمائم في ميزان العقيدة د. علي نفيع العلياني.\n(٤) مجموع الفتاوى (١٩/ ٦١).\n(٥) حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم (ص ٨٦).\n(٦) حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم (ص ٨٦).\n(٧) ولهذا ذكر البهوتي في كشاف القناع، فقال: \" وهل يجوز مس ثوب رقم بالقرآن! ! \" كشاف القناع عن متن الإقناع (١/ ١٢٥).\n(٨) ينظر: بدع الجنائز للألباني (ص ٢٤٣)، وبدع المقابر والجائز لعلي الطهطاوي (ص ١٤٤).\n(٩) حاشية الفتح (٢/ ٥٥٥)، الطبعة السلفية.","vol":"1","page":417},{"text":"ومن ذلك التبرُكات البدعية بالآيات القرآنية، أو المصحف، أخذهم الفأل من المصحف، أو من الآيات، وذلك بفتح القرآن، ثم ينظر على ماذا يقع عينه، فيتفاءل بذلك، أو يتشاءم! !، ومعلوم أن القرآن الكريم ما أنزل لهذا، ولكن أهل البدع يبتدعون في الدين ما يشتهون (١)، قال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" وأما استفتاح الفأل في المصحف؛ فلم ينقل عن السلف فيه شيء ...، وقد حرم الله الاستقسام بها -أي: الأزلام- كالضرب بالحصى، والشعير، واللوح والخشب والورق المكتوب عليه حروف أبجد، وأبيات شعر، ونحو ذلك: منهي عنه؛ لأنها من أسباب الاستقسام بالأزلام\" (٢).\nومن ذلك تعليق الآيات القرآنية في البيوت، واتخاذها زينة، أو تبركًا، أو كتابتها على الستور، أو اتخاذها رسوما فنية، فهذا كله لم يثبت عن السلف الصالح -﵃- (٣).\nومن التعظيم الغير مشروع، كتابة القرآن على القبور، أو على الأضرحة، فإن هذه بدعة منكرة (٤).\nومن ذلك جعلهم القرآن الكريم-كلام رب العالمين-، بدلا عن الكلام (٥)، وقد نهى عن هذا السلف، قال إبراهيم النخعي - ﵀ -: \" كانوا يكرهون أن يتلوا الآية عند شيء يَعرِضُ من أمر الدنيا\" (٦)، فالسلف منعوا الاستشهاد بالقرآن على غير المراد الذي من أجله أنزل، وإيراده اقتباسا أو أساسا على الوجه الذي نزل هو المقصود (٧).\nفالتبرك بالقرآن لا يكون بما يستحسنه العقل، ولا بما يقوله بعض الناس من دون دليل من النقل، وفي حقيقة الأمر أن هذا مخالفة للسلف، بل إنه في حد ذاته مخالفة للقرآن الكريم، وطريق للغلو في الإيمان بالكتب.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-442> ثانيًا: زعم تعظيم القرآن:</span>\n_________\n(١) ينظر: الإبداع في مضار الابتداع لعلي محفوظ (ص ٧٤).\n(٢) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٦٦ - ٦٧).\n(٣) ينظر: كشاف القناع (١/ ١٣٧).\n(٤) ينظر: القرآن الكريم ومنزلته بين السلف ومخالفيهم دراسة عقدية (١/ ٦٣٤).\n(٥) كمن يَهِم بالحاجة فتأتيه من غير طلب، فيقول كالمازح: جئت على قدر يا موسى!، أو يقول آمر لمن يشتري له البقل: من بقلها وقثائها، أو ملأ قدحا، وجاء به، وقال: كأسا دهاقا، أو قال عند الكيل أو الوزن: وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ... وغير ذلك.\n(٦) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٠/ ١٥)، ينظر: التبيان للنووي (ص ١١٨).\n(٧) ينظر: كشاف القناع (١/ ٣٤٣).","vol":"1","page":418},{"text":"إن كثيرًا من الفرق الإسلامية المبتدعة يصح أن يقال عنها: إنها كانت نواة للقرآنيين (١)،\nفالرافضة بل والشيعة بجميع فرقها لا تقبل السنة التي رويت عن طريق الصحابة -﵃-، وهكذا الخوارج لا يقبلون ما صح عند أهل السنة من الأحاديث، وهكذا المعتزلة لا يقبلون من السنة إلا ما وافق مذهبهم، وظنوه مؤكدا لمنهجهم (٢).\nفنبذ السنة وإظهار تعظيم القرآن الكريم فقط دعوات ظهرت منذ القِدم، تقل وتكثر بحسب ضعف وقوة أهل السنة، والخوارج أول من \"ابتدعوا ترك العمل بالسنة المخالفة في زعمهم للقرآن\" (٣)، وهؤلاء الخوارج وإن كانوا في الظاهر معظمين للقرآن لكنهم في الحقيقة غير معظمين له؛ وذلك لأنهم يفهمونه مجردًا عن بيان السنة النبوية، وبسبب هذا ضل الخوارج، و\"صاروا يتبعون المتشابه من القرآن؛ فيتأولونه على غير معرفة بمعناه، ولا رسوخ في العلم، ولا اتباع للسنة، ولا مراجعة لجماعة المسلمين، الذين يفهمون القرآن\" (٤).\nفالدعوة إلى الاكتفاء بالقرآن دون السنة ليست وليدة اليوم (٥)، ولم يظهروا كمدرسة هكذا فجأة، وإنما هي ميلاد اجتماع وأخلاط لآراء العقلانيين، الذين ظنوا المخالفة بين العقل والشرع المبين، وحاولوا إبعاد النصوص عن ميادين الدنيا والدين، ومن ذلك القرآن الكريم، ولما كان متواترا ثبوته، وأن رده كفر صريح، فإنهم زعموا أنهم يعتمدون عليه، وذلك حتى يفسروا آياته حسب مشتهياتهم ومراداتهم، فتركوا لذلك السنة، وهذه فكرة عقلانية قديمة أصبحت ظاهرة في هذا العصر في كثير من العقلانيين إن لم يكن في كلهم (٦).\n_________\n(١) هم: تيار إسلامي ظهر في باكستان والهند ومصر ومنشؤهم الهند وهم من المعتزلة القدرية ومؤسسهم هو عبدالله جكر الوي، يطلقون على أنفسهم \"أهل القرآن\" خاصة وهم لا يأخذون بالأحاديث ولا السنة الشريفة ويكتفون بالقرآن كمصدر وحيد.\n\nوأسباب ظهور هذه الفرقة اغترار كثير من شباب المسلمين بالحضارة الغربية المدنية، واعتقاد أن سبب تخلفهم هو الإسلام! ! فأرادوا الانفلات منه فلم يروا طريقة إلا ترك السنة، وفهم القرآن على ما يريدون، وعلى ما يوافق الحضارة الغربية! ! .\nينظر: القرآنيون وشبهاتهم حول السنة لخادم حسين بخش (ص ٢٣).\n(٢) ينظر: القرآنيون وشبهاتهم حول السنة (ص ٧٨، ٨٢، ٨٨).\n(٣) الرد على البكري (٢/ ٤٨٧)، وينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٣٥٥).\n(٤) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢١٠).\n(٥) مجموع الفتاوى (١٩/ ٨٦، ٨٩).\n(٦) ينظر: القرآن الكريم ومنزلته بين السلف ومخالفيهم (٢/ ١١٤١ - ١١٤٢).","vol":"1","page":419},{"text":"وأصل دين المنكرين للسنة قائم على تعظيم القرآن الكريم، ولكن هذا التعظيم إنما هو ظاهري لا حقيقي (١)، ومموه لا مُذَهَّب.\nكما أن المبالغة في مسألة الإعجاز العلمي (٢)\nللقرآن الكريم ولي أعناق الأدلة، منطلقة من تعظيمهم للقرآن، حيث بالغوا فيه إلى حد يخرجه عن الأصل الشرعي، فدخلوا إلى الرموز الباطنية والإشارات الصوفية ومسألة الأرقام، أو التكهن بالأحداث من خلال ربط الآيات بعضها ببعض (٣)، وكل هذا الجهد إنما هو لأجل التوفيق بين ما يسمونه علمًا، وبين ما جاء في القرآن، ولقد كان لهذه القضية سلفٌ كالفلاسفة الذين عاشوا في ظلِّ الإسلام حين أرادوا أن يوفِّقوا بين ما في القرآن وبين ما في الفلسفة مما يسمونه حقيقة (٤).\nكما أن من البدع قول: إن الإعجاز واقع بجميع القرآن لا ببعضه كما هو قول بعض المعتزلة، وهو أحد الأقوال في مسألة القدْر المعجز من القرآن، فهو مردود بنص القرآن وأن التحدي جاء بسورة واحدة منه (٥).\nوكل شيء ينبغي أن يأخذ قدره في البيان، فمسألة الإعجاز من أعظم مسائل الدين؛ لأن القرآن مما اتفق عليه أهل القبلة في الجملة، وأقروا بكونه أظهر معجزات النبي - ﷺ -،\n_________\n(١) لأن من الإيمان المفصل بالقرآن الإيمان بما جاء به الرسول - ﷺ - بغير القرآن في سنته القولية والفعلية، وفي القرآن: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ النساء: ٨٠. ينظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٠٨).\n(٢) تعريف الإعجاز: الإعجاز مشتق من العجز: الضعف أو عدم القدرة. والإعجاز مصدر أعجز: وهو بمعنى الفوت والسبق. والمعجزة في اصطلاح العلماء: أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم من المعارضة.\nوإعجاز القرآن يقصد به: إعجاز القرآن الناس أن يأتوا بمثله -أي نسبة العجز إلى الناس بسبب عدم قدرتهم على الإتيان بمثله-.\nتعريف العلم: وصف الإعجاز هنا بأنه علمي نسبة إلى العلم. والعلم: هو إدراك الأشياء على حقائقها، أو هو صفة ينكشف بها المطلوب انكشافًا تامًا. والمقصود بالعلم في هذا المقام: العلم التجريبي.\nوعليه فيعرف الإعجاز العلمي بما يلي: هو إخبار القرآن الكريم أو السنة النبوية بحقيقة أثبتها العلم التجريبي، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول - ﷺ -.\n\nينظر: المفردات للراغب الأصفهاني (ص ٣٢٢، ٣٤٣)، ولسان العرب مادة عجز (٥/ ٣٧٠)، والإعجاز العلمي في القرآن والسنة تاريخه وضوابطه، د. عبد الله المصلح (ص/٣٠ - ٣٧)، وتأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة تأليف الشيخ عبد المجيد الزنداني.\n(٣) كما جعل بعضهم السموات السبع هي الكواكب السبع السيارة، وجعل الكرسي المجرات التي بعد هذه المنظومة الشمسية، والعرش هو كل الكون ... وغير ذلك من التخرصات.\n(٤) ينظر: نقد ما يسمى بالإعجاز العلمي للقرآن (للدكتور مساعد الطيار)، ملتقى أهل التفسير.\n(٥) ينظر: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (٤/ ١٧).","vol":"1","page":420},{"text":"وأبينها، وأعلاها، وأشرفها، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ الطور: ٣٣ - ٣٤.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \" كون القرآن معجزة ليس هو من جهة بلاغته وفصاحته فقط، أو نظمه أو أسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط ... بل هو آية بينة معجزة من وجوه متعددة، من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الله تعالى، وأسمائه وصفاته، وملائكته، وغير ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي، وعن الغيب المستقبل، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بين فيه من الدلائل اليقينية، والأقيسة العقلية، التي هي الأمثال المضروبة ... وكل ما ذكره الناس من وجوه إعجاز القرآن هو حجة في إعجازه، ولا تناقض في ذلك، بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له\" (١).\nوقد أكثر أهل العلم ممن صنف في إعجاز القرآن من ذكر أوجه إعجازه، حتى عد السيوطي منها خمسة وثلاثين وجهًا (٢)، وما هذا البحث \"الآيات الواردة في الرد على البدع المتقابلة\" إلا وجه من وجوه الإعجاز القرآني في الرد على انحراف الفرق عن الحق.\n\nومما سبق يتضح تفرد منهج أهل السنة بالوسطية بين هذه البدع المتقابلة، فلا إفراط ولا تفريط في الإيمان بكتب الله - ﷿ - المنزلة.\n_________\n(١) الجواب الصحيح (٥/ ٤٢٨ - ٤٢٩).\n(٢) ينظر: معترك الأقران للسيوطي (١/ ١٤) وما بعدها، وينظر: بيان إعجاز القرآن للخطابي (ص ٢٤ - ٢٧)، وإعجاز القرآن للباقلاني (ص ٢٣)، والبرهان الكاشف عن إعجاز القرآن للزملكاني (ص ٥٣ - ٥٦).","vol":"1","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان بالكتب</span>.\nإن المتأمل في كتاب الله -﵎-، وما جاء فيه من تقرير كون كتبه - ﷿ - منزلة منه -بما يجلي شأن الحقيقة، ويرد على البدع المتقابلة-، ليدرك فضله تعالى على عباده في بيان ما يختلفون فيه وفصل الحكم فيه، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب المنزلة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>الآية الأولى:\nقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ </span>أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ البقرة: ٢١٣. ونحو ذلك كثير من الآيات التي ذكر فيها تنزيل الكتاب من الله - ﷿ -، وهذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-446> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\n\"في جميع مواضع ذكر تنزيل الكتب من الله أضيف الإنزال إليه سبحانه على وجهين:\n١ - إسناد الفعل إلى الله فهو فاعله.\n٢ - إسناد ابتداء الفعل إلى الله فهو منه.\nوالتعبير بالإنزال وإسناده إلى الله يدل على أصلين في الحق يقمعان نوعين من الباطل:\nالأول: أن كتب الله ليست من كلام الرسل أنشؤوه من أنفسهم، وكذا لم يتلقوه من أحد ممن حولهم من البشر. فإن النزول والإنزال لا يكون إلا من علو إلى سفل، لا يُعقل إلا كذلك، فإذا كانت كتب الله منزلة عليهم فهي أولًا: من جهة منفكة ليست من كلام أنفسهم، ثم هي من ذات في العلو ليست ممن حولهم في الأرض. وهذا يبطل قول الكفار ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ المدثر: ٢٥، وقولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ النحل: ١٠٣ الذي حكاه الله عنهم.","vol":"1","page":422},{"text":"الثاني: أن كتب الله هي كلامه الذي هو صفته منه بدأ، فهي غير مخلوقة ولكنها كلام الله، وهذا هو معنى إسناد الفعل إلى الله بأنه فاعله، فالفعل صفة الفاعل، وهو معنى إسناد الفعل إلى الله بأنه منه؛ لأنه ابتدأ منه وخرج منه سبحانه، فكتب الله كلامه منه بدأت، تكلم بها أولًا سبحانه ثم تناقلت كلامه سبحانه الألسن وحفظته الصدور والسطور وهو حيث تصرّف كلام الله؛ لأنه منه بدأ، فهو غير مخلوق، فإن قيل: كيف يكون الكتاب كلامه الذي هو صفته وقد كتب باليد المخلوقة على الورق المخلوق بالحبر المخلوق، وحفظته الصدور المخلوقة ورددته الألسن المخلوقة، فالجواب: يكون كلام الله؛ لأنه منه بدأ، فالكلام ينسب إلى من تكلم به أولًا حيث تصرف، فإنك إذا تلوت حديثًا من كلام رسول الله - ﷺ - بصوت نفسك ولسان نفسك لا يقول أحد: إن هذا كلامك، وإن كان بأداء نفسك، بل يقول: هذا كلام رسول الله - ﷺ -، ومعلوم أن صوتك المسموع منه هذا الكلام ليس هو صوت رسول الله - ﷺ -، ولا لسانك وحركات فمك بالحروف والكلم هي لسان رسول الله - ﷺ -، وحركات فمه الشريف، ولكنه كلام رسول الله؛ لأنه هو الذي تكلم به أولًا وخرج منه - ﷺ - في ابتداء الأمر، هذا وكلامه - ﷺ - مخلوق ككلامنا، فكذلك كلام الله إذا تلوته أو حفظته أو كتبته هو كلام الله وليس كلام التالي والكاتب، وكلامه الذي نشأ منه سبحانه هو صفته غير مخلوق، فلا يكون نشأ مخلوقًا ولا من مخلوق.\nويجلي الأمر بيان أن الكلام ينسب نسبتين نسبة إلى المتكلم به أولًا، فيكون كلامه الذي هو صفته، ونسبة إلى المبلغ فيكون تبليغه، فالأولى: نسبة إنشاء، والثانية: نسبة تبليغ، وهذا يبطل قول أهل البدع إن القرآن مخلوق\" (١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-447> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما أن هذه الآية أيضًا قد تضمنت الرد على بدعة الإفراط، ففي قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، رد على\n_________\n(١) الإيمان بالكتب، أ. د. محمد أبو سيف الجهني (ص ٢٩ - ٣١).","vol":"1","page":423},{"text":"من أنكر السنة وأظهر تعظيم القرآن الكريم فقط، فبينت الآية أن الكتاب والسنة لا ينفصلان، بل هما شيء واحد في الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. كما أن في قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾، رد على من آمنوا بالكتاب وعرفوا أنه من عند الله، فلم يكن اختلافهم عن جهل منهم به، بل كان اختلافهم فيه، وخلاف حكمه -مع زعمهم لتعظيمه-، وإن كانت الآية نزلت في اليهود إلا أن هذا هو ما يشاهد من تعظيم بعض الفرق الإسلامية للقرآن كالخوارج وأضرابهم، لكن اختلافهم في فهمه كان سببًا في التكفير واستباحة الدماء ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.\nفكانت هذه الآية رادة على بدعة الاكتفاء بالقرآن دون السنة بزعم تعظيمه.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-448> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: اعتمادهم على العقل بعيدا عن نور الشرع، فآل بقوم منهم إلى التفريط في الإيمان بالكتب وأنها ليست كلام الله - ﷿ -، وآل بآخرين إلى فهم نصوص الكتب المنزلة بعقولهم المجردة.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-449> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nأتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب الغلو والجفاء، بل هو ما ذهب إليه السلف -رضوان الله عليهم-، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة؛ كما قال تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾.","vol":"1","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-450>الآية الثانية:\nقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْ</span>فُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾ الأنعام: ٩١، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-451> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nفي قوله تعال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ الأنعام: ٩١، رد على من جحد وأنكر إنزال الله للكتب، ذلك أن إنكارهم فيه طعن للخالق سبحانه؛ إذ يلزم منه أن الرسل كذبوا، وافتروا على الله، كما أن في هذه الآية إلزامًا لهم بما يعتقدونه من إنزال الله تعالى للتوراة، فقال على سبيل المحاجة: إن كان الله تعالى لم ينزل على بشر شيئًا، فمن الذي أنزل التوراة التي جاء بها موسى؟ ! ولا شك أن الجواب هو: أنزلها الله، وهو جواب القرآن حيث قال تعالى في ختام الآية: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ الأنعام: ٩١، جوابا لقوله: ﴿مَنْ أَنْزَلَ﴾ الأنعام: ٩١، واسم الله مرفوع بفعل مضمر تقديره: أنزله الله، أو مرفوع بالابتداء (١).\nقال - ﷾ - بعد هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾ الأنعام: ٢١، ليقرر سبحانه أن أعظم الكذب أن ينفي أهل الكتاب: نزول كتاب من الله تعالى على البشر! .\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-452> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما أن فيها ردًا على بطلان مذهب من انتهج الغلو في الإثبات على غير هدى، وسلك طريق المبالغة في إعجاز القرآن لدلاله على إثبات كتب الله المنزلة (٢)، وأنَّ المتكلم عن الحقيقة الكونية المخبر بها هو خالقها؛ وذلك بتحميل الآيات ما لا تحتمل من أوجه المجاز\n_________\n(١) ينظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير الطبري (٢/ ١٦).\n(٢) هذا النوع من الإعجاز العلمي الذي يدخل فيما يسمى بالإعجاز الغيبي، ليس مما يختص به القرآن وحده، بل هو موجود في كل كتب الله السابقة؛ لأنَّ الإخبار في هذه الكتب عن الحقائق الكونية لا يمكن أن يختلف البتة، وعدم وجود ما يطابق علم القرآن في كتبهم التي بين يديهم إنما هو لتحريفهم لها.\nينظر: نقد ما يسمى بالإعجاز العلمي للقرآن، للدكتور مساعد الطيار، ملتقى أهل التفسير.","vol":"1","page":425},{"text":"المخالفة للسياق، أو المخالفة لما ثبت في السنة المطهرة من تفسير هذه الآيات، أو التسرع في عرض الفرضيات والنظريات على أنها حقائق علمية.\nفجاء قوله تعالى: ﴿نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾، للدلالة على أن كتاب الله أنزل لغاية عظيمة وهي العبادة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦، وأما إشارة القرآن لبعض هذه المسائل المرتبطة بالعلوم التجريبية لم يكن هو المقصد الأول؛ لأنها تجيء مرتبطة بالدلالة على حكم عقدي أو شرعي، فهي جاءت تبعًا وليس أصالةً، لذلك فهي لم تأت على سبيل التفصيل (١)؛ لأنه نتيجة البحث والتأمل، وهو من العلوم التي وكلها الله لعباده فنجد أن الغرب تقدم فيها نتيجة البحث والجهد.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-453> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: الخلل الذي لديهم في توحيد الأسماء والصفات، فسلك المعطلة الجفاة طريق إنكار الكتب السماوية وأن الله لم ينزل شيئًا، بينما سلك المشبهة الغلاة إخراج كتب الله عن مقصدها المراد منها إلى أن تكون كتابا في العلوم التجريبية، فقاسوا كلام الرب - ﷿ - باختراعات البشر.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-454> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nأتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب الإفراط والتفريط، بل هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، فحققوا الإيمان بالكتب، وأقروا بأنها كلها منزل من عند الله - ﷿ - على رسله إلى عباده بالحق المبين والهدى المستبين، وأنها كلام الله - ﷿ - لا كلام غيره.\nولم يغلوا في الإثبات ففسروا نصوص الكتاب بما أثر عن السلف، ولهم موقف واضح من مسألة الإعجاز (٢) العلمي (٣).\n_________\n(١) ينظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، (٢٦/ ٢٨).\n(٢) ينظر ضوابط الإعجاز العلمي: كتاب الإعجاز العلمي في القرآن والسنة تاريخه وضوابطه، د. عبد الله المصلح (ص/٣٠ - ٣٧).\n(٣) إنَّ في نسبة الإعجاز، أو التفسير إلى (العلمي) خلل كبير، وأثر من آثار التغريب الفكري، فهذه التسمية منطلقة من تقسيم العلوم إلى أدبية وعلمية، وفي ذلك رفع من شأن العلوم التجريبية على غيرها من العلوم النظرية التي تدخل فيها علوم الشريعة.\nوإذا كان هذا يسمى بالإعجاز العلمي، فماذا يسمى الإعجاز اللغوي، أليس إعجازًا علميًا، أليست اللغة علمًا، وقل غيرها في وجوه الإعجاز المحكية، لا شكَّ أنها علوم، لكنها غير العلم الذي يريده الدنيويون الغربيون الذين أثروا في حياة الناس اليوم، وصارت السيادة لهم. ومما يؤسف عليه أن يتبعهم فضلاء من المسلمين في هذا المصطلح دون التنبه لما تحته من الخطر والخطأ.\nينظر: نقد ما يسمى بالإعجاز العلمي للقرآن، د. مساعد الطيار، ملتقى أهل التفسير.","vol":"1","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>الآية الثالثة:\nقال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّ</span>قُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ البقرة: ١٣٦، في هذه الآية ردٌ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-456> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nفي هذه الآية ردٌ على المنكرين للكتب المنزلة، كما أن فيها كذلك ردًا على من آمن بكتاب وأنكر غيره مما أنزله الله على رُسُلِه -عليهم الصلاة والسلام-.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-457> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما أن هذه الآية أتت للرد على من بالغ في تعظيم الكتاب برد السنة، فأتى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾، لدلالة على أن السنة لا تنفك عن القرآن كما قال - ﷾ -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ النحل: ٤٤، بل إن استمرار السنة النبوية حتى يومنا هذا معجزة من باطن معجزة القرآن، لذا فإن تشكيك هؤلاء في السنة يؤدي بهم إلى الشك في معجزة القرآن نفسها؛ لأن في السنة النبوية بيان ما نزل في القرآن من الفرائض والعبادات والمعاملات.\nقال الإمام ابن حزم - ﵀ -: \"ولو أن امرءًا قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن، لكان كافرًا بإجماع الأمة\" (١).\n_________\n(١) الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ٨٠).","vol":"1","page":427},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-459> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: اعتمادهم على العقل بعيدًا عن نور الشرع، فآل بقوم منهم إلى التفريط في الإيمان بالكتب وأنها ليست كلام الله - ﷿ -، أو آمن ببعضها وكفر بالبعض الآخر، وآل بآخرين إلى رد السنة، وفهم القرآن بعقولهم القاصرة.\nبينما تجاهلوا جميعًا ما جاءت به نصوص الشرع وأوامره الكثيرة من الإيمان بالكتب الذي لا يشوبه إفراط ولا تفريط.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-460> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nمن أجل هذا أتت هذه الآية للدلالة على بطلان ما اعتقده أصحاب البدع المتقابلة، فتضمنت الآية إيمان المؤمنين بما أنزل الله عليهم بواسطة رسوله - ﷺ -، وما أنزل على أعيان الرسل -﵈- المذكورين في الآية، وما أنزل على بقية الأنبياء في الجملة وأنهم لا يفرقون بين الرسل في الإيمان ببعضهم دون بعض فانتظم ذلك الإيمان بجميع الرسل وكل ما أنزل الله عليهم من الكتب.\nوبذلك يكون أهل السنة والجماعة وسطًا بين أهل التفريط الذين ينكرون إنزال الله لكتبه وتكلُمِه بها، أو يعطلونها عن أوامرها وشرائعها، حتى نظروا لكتب الله - ﷿ - نظرة نقص فعظموا عقولهم، وبين أهل الإفراط الذين زعموا التعظيم واستحسنوا ما أملته عليه عقولهم في التبرك البدعي أو الشركي بكتاب الله - ﷿ -، حتى آل بهم الأمر إلى تحميل الآيات ما لا تحتمل، أو المخالفة لما ثبت في السنة المطهرة من تفسير هذه الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب</span>.\nأختم هذا الفصل بذكرٍ إجمالي للآيات الرادة على الانحراف العقدي في الإيمان بالكتب؛ والآيات التالية سيقت على سبيل المثال لا الحصر:\n١١ - قال سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ البقرة: ٢٨٥، إخباره سبحانه أن النبي - ﷺ - والمؤمنين يؤمنون بالكتب في معرض الثناء عليهم وتسجيل صفات الإيمان لهم التي بها يستحق العبد صفة الإيمان وحكمه، لتكون","vol":"1","page":428},{"text":"هذه الآية ردًا على من فرط وأفرط، فادعى أنه أعظم تعظيما لها منهم، أو جفا فيها ولم يؤمن بها حق الإيمان.\n١٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ الحجر: ٩، فيه رد على كل من سعى في التشكيك في كتاب الله - ﷿ - أو نفيه وإنكاره بأن عمله في تباب، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾، كما أن فيه ردًا كذلك على من عظمه تعظيمًا شركيًا بأن فعله مخالف لمنطوق القرآن المحفوظ لقيام الساعة.\n١٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ النساء: ١٣٦، في هذه الآية الإخبار عن كتب الله المنزلة على رسله، وهذا الخبر وجب الإيمان به؛ لأنه خبر الرب سبحانه والجحود به كفر، فكانت ردًا على المفرطين، كما أنها ترد على الغلاة عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾، لتدلل على أن هذا الإيمان محدود بحدود شرعية ارتضاها الله فمن تجاوزها فقد ﴿ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾.\n١٤ - قال سبحانه: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾ آل عمران: ١٨٤، أي: جاءتهم الرسل بالكتب ولكنهم كذبوا بها، وإخباره سبحانه بأن تكذيب المكذبين وكفرهم إنما كان لجحودهم بالكتب، فمن جحد بالكتب كفر وخرج من الملة، فظهر ملازمة وجوب الإيمان بالكتب للإيمان، ليكون هذا ردا على المفرطين الذين لم يؤمنوا بها، أما رد الآية على الغلاة ففي قوله تعالى: ﴿رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾، للدلالة على أن الإيمان بالكتب له حد بينته رسل الله فمن تجاوزه فقد جانب الحق كما أن من فرط فيه فقد جاوز الحق كذلك.\n\nوبهذا يتبين فساد قول كل من الغلاة والجفاة في الإيمان بالكتب، وأن الحق هو مذهب أهل السنة والجماعة.","vol":"1","page":429},{"text":"الباب الثالث:\n\nالفصل ٣ الآيات الواردة في الإيمان بالرسل.\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد في تعريف الرسل.\nالمبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة\nفي الإيمان بالرسل.\nالمبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع\nالمتقابلة في الإيمان بالرسل.","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-462>تمهيد في تعريف الرسل:</span>\nلا شك أن الإيمان بالرسل ركن عظيم ودعامة يبنى عليه أساس كل العبادات التي جاء بها الرسل -عليهم الصلاة والسلام- (١)، كما أنه من لوازم ربوبية الله تعالى لخلقه؛ لأنه لا يحسن أن يترك عباده سدى هملًا لا يعرفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم (٢).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"وبالجملة فينبغي للعاقل أن يعلم أن قيام دين الله في الأرض إنما هو بواسطة المرسلين -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، فلولا الرسل لما عبد الله وحده لا شريك له، ولما علم الناس أكثر ما يستحقه سبحانه من الأسماء الحسنى والصفات العُلا، ولا كانت له شريعة في الأرض\" (٣)، وقال الشيخ السعدي - ﵀ -: \" زبدة ما أُرسِل به المُرسَلين؛ أنه البشارة والنذارة، وذلك مستلزم لبيان المبشِّر والمبشَّر به، والأعمال التي إذا عملها العبد حصلت له البشارة، والمنذِّر والمنذَّر به، والأعمال التي من عملها حقت عليه النذارة\" (٤).\nكما أن \"تفاوت العقول والمدارك وتباين الأفكار واختلاف الأغراض والمنازع ينشأ عنه تضارب الآراء وتناقض المذاهب، وذلك مما يفضي إلى سفك الدماء، ونهب الأموال، والاعتداء على الأعراض، وانتهاك الحرمات، وبالجملة ينتهي بالناس إلى تخريب وتدمير، لا إلى تنظيم وحسن تدبير، ولا يرتفع هذا إلا برسول يبعثه الله بفصل الخطاب؛ ليقيم به الحجة، ويوضح به المحجة؛ فاقتضت حكمة الله أن يرسل رسله بالهدى ودين الحق رحمة منه بعباده، وإقامة للعدل بينهم، وتبصيرًا لهم بما يجب عليهم من حقوق خالقهم وحقوق أنفسهم وإخوانهم، وإعانةً لهم على أنفسهم، وإعذارًا إليهم؛ فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله\" (٥).\n\nويحسن قبل الشروع في مباحث هذا الفصل التمهيد بما يلي:\n_________\n(١) ينظر: الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة، لحياة بن محمد بن جبريل (١/ ٣٦٣).\n(٢) ينظر: مدارج السالكين (١/ ٨)، ولوامع الأنوار للسفاريني (٢/ ٢٥٩).\n(٣) الصارم المسلول (ص ٢٤٩).\n(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص ٢٥٧).\n(٥) الحكمة من إرسال الرسل، للشيخ عبد الرزاق عفيفي (ص ١٥).","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-463>أول<span data-type=\"title\" id=toc-464>ًا: التعريف </span>بالنبي والرسول:</span>\nأ- التعريف:\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>النبي لغة </span>يأتي على ثلاثة معانٍ يرجع أصل اشتقاقه إليها وهي:\n١ - بمعنى النبأ: أي: الخبر ذو الفائدة العظيمة الذي يحصل به العلم، كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ النبأ: ١ - ٢ (١)، فيكون اشتقاق الكلمة من الفعل نَبَأَ، ونَبَّأَ، وأنبأ أي: أخبر (٢).\n٢ - بمعنى النَبْوة والنَّبَاوة: أي: العلو والارتفاع، فيكون اشتقاق الكلمة من الفعل \"نَبَا\" بدون همز أي: علا وارتفع (٣).\n٣ - بمعنى الطريق الواضح (٤).\n\nويظهر مما سبق أن معاني النبي في اللغة تختلف باختلاف جهة الاشتقاق، إلا أن كل هذه المعاني موافقة للمفهوم الشرعي للنبوة، إذ إنها إخبار عن الله، وهي مقام رفيع ومكانة منيفة لصاحبها، وكذا فهي طريق موصل إليه -﷾- (٥)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" والتحقيق أن ... من أنبأه الله، وجعله مُنْبِئًَا عنه، فلا يكون إلا رفيع القدر عليًا\" (٦).\n\nوبصرف النظر عن جهة اشتقاق كلمة (نبي) في اللغة، فإنه يحظر تمامًا استعمالها في الشريعة الإسلامية إلا للدلالة على النبوة بمعناها الشرعي، لذا فإن معنى<span data-type=\"title\" id=toc-466> النبي في الشرع:</span>\n_________\n(١) وسمي النبي لكونه منبئًا بما تسكن إليه العقول الزكية. ينظر: المفردات للراغب (ص ٧٨٩ - ٧٩٠).\n(٢) ينظر: معجم مقاييس اللغة (٥/ ٣٨٥)، والصحاح (٦/ ٢٥٠٠)، ولسان العرب (١/ ١٦٢)، والقاموس المحيط (٤/ ٣٩٣).\n(٣) ينظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٤٨٩)، معجم مقاييس اللغة (ص ١٠٠٩)، الصحاح (١/ ٧٤)، لسان العرب (١/ ١٦٢)، القاموس المحيط (ص ١٧٢٢).\n(٤) ينظر: غريب الحديث للخطابي (٣/ ٢٩٣ - ١٩٤)، ومعجم مقاييس اللغة مادة (نبو) (٥/ ٣٨٤ - ٣٨٥).\n(٥) ينظر: المصباح المنير للفيومي (٢/ ٥٩١).\n(٦) النبوات (ص ٢٣٧).","vol":"1","page":432},{"text":"وهو الذي أوحى الله إليه بأن يعمل بشريعة من قبله، وأن يبلغها (١) إلى قوم موافقين له في التوحيد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>وأما الرسول لغة: </span>فمشتق من (الإرسال) بمعنى البعث والتوجيه، يقال: أرسلت فلانًا في رسالة: أي: بعثته، فهو مرسل ورسول، قال تعالى عن ملكة سبأ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ النمل: ٣٥، ويجمع الرسول على أرْسُل، ورُسُل ورُسْل، ورُسَلاءَ، وسُمُّوا الرُّسُل بذلك؛ لأنهم مبعوثون وموجهون من قبل الله - ﷿ -، لتبليغ الخلق أمر الله ووحْيه (٣)، كما أن الرَّسل تأتي بمعنى التتابع؛ أخذًا من قولهم: رَسَل اللبن إذا تتابع دَرُّه، فيكون الرسول هو من تتابَع عليه الوحي (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>والرسول في الاصطلاح: </span>هو من أوحى اللهُ إليه بشرع، وأمر بتبليغه إلى قوم مخالفين، سواءٌ دعاهم بشرع جديد أو بشرع مَن قبله (٥).\nوقد اختلف العلماء اختلافًا كبيرًا في بيان الفرق بين النبي والرسول، وذلك بسبب اختلاف ضبطهم للتعريف الاصطلاحي، وبيان الفرق بينهما، والراجح أن بينهما عموم وخصوص مطلقًا، فالنبوة داخلة في الرسالة، والرسالة أعم من جهة نفسها وأخص من جهة\n_________\n(١) النبي يقع عليه الإرسال؛ ولكن لا يسمى رسولًا عند الإطلاق؛ لأن الله - ﷿ - جعل من ملائكة مرسلين، ولكن إذا أُطلق لفظ الرسول فلا ينصرف إلى من أُرسل من الملائكة، وإنما ينصرف إلى من أُرسل من البشر، وهذا يدل على أن الفرق قائمٌ بين النبي والرسول، وأن النبي إرسالُه خاص، وأن الرسول إرساله مطلَق. كما دل على أن كلًا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الحج: ٥٢.\nينظر: شرح العقيدة الطحاوية للشيخ صالح آل الشيخ (١/ ١٤٥ - ١٤٦)، وأضواء البيان (٥/ ٧٣٥).\n(٢) كما جاء في الحديث: (العلماء ورثة الأنبياء)، ولم يجعلهم ورثة الرسل، وإنما قال: (وإن العلماء ورثة الأنبياء)؛ وذلك لأن العالِم في قومه يقوم مقام النبي في إيضاح الشريعة التي معه، فيكون إذًا في إيضاح الشريعة ثَم شبَهٌ بين العالِم والنبي، ولكن النبي يوحى إليه فتكون أحكامه صوابًا؛ لأنها من عند الله - ﷿ - والعالم يوضِّح الشريعة، ويعرِض لحُكمه الغلطُ. ينظر: تفسير البيضاوي (٤/ ١٣٣).\nوينظر في تعريف النبي شرعًا: النبوات (٢٥٥ - ٢٥٦)، ومجموع الفتاوى (١٠/ ٢٩٠)،\nو(٣) ينظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٤٠٧)، معجم مقاييس اللغة (ص ٤٠٢)، الصحاح (٤/ ١٧٠٨)، لسان العرب (١١/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، القاموس المحيط (ص ١٣٠٠).\n(٤) ينظر: لسان العرب (١١/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، وأصول الدين، لعبد القاهر بن طاهر البغدادي (ص ١٥٤).\n(٥) يوسف - ﵇ - أُرسل إلى أقوام مخالفين مشركين، فبلَّغهم دين الله بشريعة من قبله.\nينظر لتعريف الرسل شرعًا: النبوات (ص ٢٨١ - ٢٨٢)، وشرح العقيدة الطحاوية للشيخ صالح آل الشيخ (١/ ١٤١ - ١٤٨).","vol":"1","page":433},{"text":"أهلها، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، فالأنبياء أعم، والنبوة نفسها جزء من الرسالة، فالرسالة تتناول النبوة وغيرها بخلاف النبوة فإنها لا تتناول الرسالة (١).\nكما أنه لا يصح قول من ذهب إلى أنه لا فرق بين الرسول والنبي، ويدل على بطلان هذا القول ما ورد في عدد الأنبياء والرسل، فقد ذكر الرسول - ﷺ - أن عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، وعدد الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر رسولًا (٢)، ويدل أيضا ما ورد في كتاب الله من عطف النبي على الرسول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الحج: ٥٢ (٣).\n\nوعليه فالنبي والرسول بينهما عموم وخصوص مطلق، وكذا النبوة والرسالة، فالرسالة أعم من جهة نفسها؛ إذ النبوة داخلة في الرسالة، كما أنها أخص من جهة أهلها؛ إذ كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، والرسالة أفضل من النبوة، والرسول أفضل من النبي (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>ثانيًا: الإيمان بالرسل وما يتضمنه:</span>\nوعليه فالإيمان بالرسل: هو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونبذ ما سواه؛ فقد اتفقت دعوتهم من أولهم إلى آخرهم في أصل الدين -وهو توحيد الله - ﷿ - بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته-، ونفي ما يضاد ذلك أو ينافي كماله، قال - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا\n_________\n(١) ينظر: الإيمان لابن تيمية (ص ٦ - ٧)، وأعلام الحديث للخطابي (١/ ٢٩٨)، والمنهاج للحليمي (١/ ٢٣٩)، والدرة فيما يجب اعتقاده لابن حزم (ص ٣٨٠)، والفصل له (٥/ ١١٩ - ١٢٠)، والنبوات لابن تيمية (٢/ ٧١٤)، شرح الطحاوية (١/ ١٥٥)، ولوامع الأنوار البهية (١/ ٤٩)، أضواء البيان (٥/ ٧٣٥).\n(٢) رواه أحمد في مسنده برقم (٢١٥٤٦، ٢١٥٥٢)، أخرجه ابن حبان في صحيحه برقم (٣٦١)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٤٤)، والطبري في تاريخه (١/ ٧٦)، وهذا الحديث معلول كما ذكر العلماء، قال الذهبي: متروك، وقال ابن باز: ضعيف.\n\nينظر: الميزان (١/ ٧٢ - ٧٣)، الجرح والتعديل لأبي حاتم الرازي (٢/ ١٤٢)، واللسان (١/ ١٢٢ - ١٢٣)، فتاوى نور على الدرب (١/ ٧٩).\n(٣) ينظر: شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار (ص ٥٦٧)، أعلام النبوة للماوردي (ص ٧٠)، غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص ٣١٧)، المواقف في علم الكلام لعبدالرحمن الإيجي (ص ٣٣٧). وشرح العقيدة الطحاوية (ص ١٦٧)، ولوامع الأنوار البهية (١/ ٤٩)، والرسل والرسالات للأشقر (ص ١٢).\n(٤) ينظر: الإيمان لابن تيمية (ص ٦ - ٧)، شرح الطحاوية (١/ ١٥٥)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٤٩ - ٥٠).","vol":"1","page":434},{"text":"الطَّاغُوتَ﴾ النحل: ٣٦، فنؤمن بمن سمى الله في كتابه منهم، وقص علينا من أنبائهم ونبَّأنا من أخبارهم ما فيه كفاية وعبرة وموعظة إجمالًا وتفصيلًا، ثم قال: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ النساء: ١٦٤، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ غافر: ٧٨، فنؤمن بجميعهم تفصيلًا فيما فصل وإجمالًا فيما أجمل، ونؤمن بمحمد - ﷺ -، وإيماننا به غير إيماننا بسائر الرسل (١).\n\nلذلك كان مذهب السلف الصالح - ﵃ - في باب الإيمان بالرسل يقوم على أربعة قواعد هي:\nالأول: الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى.\nالثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه، ومن لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالًا فإن لله رسلًا وأنبياء لا يعلم عددهم وأسماءهم إلا هو سبحانه.\nالثالث: تصديق ما صح عنهم من أخبارهم.\nالرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد - ﵉ - المرسل إلى جميع الناس (٢).\n\nكما أن الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام، يتضمن ما يلي (٣):\n١ - يتضمن الإيمان بالرسل إثبات صفة الرحمة لله - ﷿ - بعباده؛ فإن الله - ﷾ - لم يخلق الناس عبثًا، ولم يتركهم سدى، بل بيَّن لهم سبحانه أنه ما خلق الخلق إلا لحكمة\n_________\n(١) إيمانك بسائر الرسل: إقرارك بهم، وإيمانك بمحمد - ﷺ - إقرارك به، وتصديقك إياه، واتباعك ما جاء به. ينظر: تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٩٣). وينظر للإيمان بالرسل: منهاج السنة (٢/ ٤١٦) وما بعدها، ومجموع الفتاوى (٧/ ٣١٣)، وشرح الطحاوية (٢/ ٤٢٣) وما بعدها، ومعارج القبول (٢/ ٧٨) وما بعدها.\n(٢) ينظر: تعظيم قدر الصلاة لمحمد المروزي (١/ ٣٩٣)، المنهاج للحليمي (١/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٣٧١)، جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٢)، فتح الباري (١/ ١١٨)، معارج القبول (٢/ ٦٧٧)، فتاوى ابن عثيمين (١/ ١٢٤ - ١٢٥)، مباحث العقيدة في سورة الزمر لناصر الشيخ (ص ٤٧١).\n(٣) ينظر: منهج الحافظ ابن رجب الحنبلي (ص ٦١٤ - ٦١٨)، والتوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٧٩).","vol":"1","page":435},{"text":"عظيمة، وغاية جليلة، وهي عبادته سبحانه دون ما سواه، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦.\n٢ - الإيمان بأن الله - ﷿ - أرسل رسلًا لكل أمة من الأمم، مبلِّغين توحيده وشرائعه، منذرين عقابه ووعيده، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ النحل: ٣٦ (١)، وهذه المهمة السامية هي المقصود من إرسال الأنبياء والرسل؛ لأن غاية بعثتهم: إخراج الناس من ظلمات الجهل والكفر والمعصية إلى نور العلم والإيمان والطاعة، قال - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ إبراهيم: ٥، كما أن هداية الرسل للبشر لم تكن بأهواء أنفسهم؛ بل بأمر الله ودينه واتباع مرضاته، قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ الأنبياء: ٧٣.\n٣ - يتضمن الإيمان بالرسل الإيمان بأسماء الرسل الذين سماهم الله - ﷿ -: آدم وإدريس ويوسف وعيسى وإبراهيم واليسع ذو النون وإلياس ومحمد - ﷺ - وغيرهم من المرسلين الذين ذكروا في القرآن الكريم؛ لأن الله اصطفاهم لحمل رسالته وتبليغ وحيه و﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ الأنعام: ١٢٤، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ الأحزاب: ٣٩، وقال جل شأنه: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ الحج: ٧٥.\n٤ - يتضمن الإيمان بأن منهم من كلمهم الله - ﷿ - مباشرة كما حصل مع موسى، ومنهم من كان يرسل إليهم رسولًا ويأتيهم الوحي من السماء، ومنهم من أوحى الله - ﷿ - إليهم بالإلهام، والنبي - ﷺ - أوحى الله إليه بهذه الطرق جميعًا.\n_________\n(١) لهذا فإن الرسل الذين ذكرهم الله - ﷿ - في القرآن، هم بعض من الرسل وليسوا كل الرسل، بل إن الله - ﷿ - أخبرنا أن هناك عددًا من الرسل لم يخبرنا الله - ﷿ - بخبرهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ غافر: ٧٨.","vol":"1","page":436},{"text":"٥ - ويتضمن كذلك الإيمان بجميع ما جاءوا به -﵈- من الكتب والتوحيد، والمعجزات التي جعلها الله لهم علامة على صدقهم فيما يدعونه ويقولونه، قال النبي - ﷺ -: «ما من الأنبياء نبي، إلا أعطي من الآيات، ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا، أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (١)، وما أخبروا به مما غاب عنا، وكذلك الملائكة والكتب والأنبياء والبعث والقدر وغير ذلك من تفاصيل ما أخبروا به من صفات اليوم الآخر كالصراط والميزان والجنة والنار.\n٦ - أن من أنكر رسالة رسول أو نبوة نبي واحد فقد كفر كفرًا مطلقًا مخرجًا من الملة، وكأنه كفر بالجميع، لأن تكذيب واحد منهم يعتبر تكذيبًا للكل (٢).\n٧ - إن الإيمان بالرسل يتضمن محبة الله - ﷿ -؛ لأن محبته - ﷿ - لا تتم إلا بطاعته، ولا سبيل إلى طاعته إلا بمتابعة رُسِوله - ﷺ -، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ آل عمران: ٣١، وباتباعهم ينال الإنسان سعادة الدنيا والآخرة -فمن أحبه الله أسعده-، وبمخالفتهم والعدول عن طريقهم، تتحقق الخسارة والخذلان والعياذ بالله (٣).\n٨ - يتضمن الإيمان بالرسل الإيمان بالمقصد الأعظم من بعثهم وهو: تحقيق التوحيد والدعوة إليه والجهاد فيه؛ لأن تحقيق عبودية الله لا تكون إلا عن طريق إرسال\n_________\n(١) رواه البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي - ﷺ - بعثت بجوامع الكلم برقم (٧٢٧٤)، ومسلم كتاب الإيمان باب ما من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، برقم (١٥٢).\n(٢) كذلك بقية أركان الإيمان بالرسل، أو الإيمان باليوم الآخر، فمن أنكر شيئًا من ثوابت اليوم الآخر، حتى وإن كان جزئيًا، فكأنه ما آمن باليوم الآخر، بل انتقض إيمانه بالدين كله ... هذه القاعدة قاعدة في كل أصول الدين وثوابته وقطعياته، فهي قاعدة في أركان الإيمان وأركان الإسلام، وفي أصول الغيبيات الأخرى، وفي الأحكام القطعية، أعني: أن قاعدة التسليم لابد أن تكون مطردة، وأن من اختل تسليمه في مسألة من المسائل التي تطرد في قاعدة واحدة فقد هدم دينه، فمثلًا: أول أركان الإيمان: الإيمان بالله - ﷿ -، فمن أنكر اسمًا من أسماء الله، أو صفة من صفاته لا على سبيل التأويل، فإنه بذلك يكون قد وقع في الكفر، وهكذا فيما يتعلق بالإيمان بالملائكة، والإيمان بالرسل. قال الإمام ابن بطة العكبري - ﵀ -: \" الإيمان والتصديق بجميع ما جاءت به الرسل من عند الله وبجميع ما قال الله - ﷿ - فهو حقٌ لازمٌ فلو أن رجلًا آمن بجميع ما جاءت به الرسل إلا شيئًا واحدًا كان برد ذلك الشيء كافرًا عند جميع العلماء\"\nينظر: الشرح والإبانة (ص ٢١١)، وشرح التدمرية - ناصر العقل (٢٣/ ٤، بترقيم الشاملة آليا).\n(٣) ينظر: منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف، أ. د. علي الشهراني (ص ٢٩٧).","vol":"1","page":437},{"text":"رسله، كما أن \"الإيمان بالنبوة والرسالة ينبني على الإيمان بالربوبية والإلهية\" (١)؛ لأنها \"شأن من شؤونه سبحانه ومتعلق صفاته في النوع البشري، فإنها من مقتضى الحكمة، وأجل آثار الرحمة\" (٢).\nوبهذا تتبين لنا تلك الرابطة القوية والمتينة بين الإيمان بالله والإيمان بالرسل، فمعرفة الله والإيمان به لا تكون ولا تحصل إلا عن طريق أولئك الذين بعثهم الله لهداية الناس، مبينين لهم هذا الأمر العظيم، وموضحين الطريق الموصل إلى ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>ثالثًا: بيان أهمية الإيمان بالرسل:</span>\nأرسل الله - ﷿ - رسله هدايةً للعباد، وفضلهم على سائر خلقه، وجعل لهم المنزلة السامية، والمكانة الرفيعة، وجعلَ الإيمان بهم ركنًا من أركانِ دينهِ، لا يصح إيمان العبد إلا بالإيمان بهم، وعهد إليهم بمهمة كبيرة، ووظيفة جليلة، ألا وهي تحقيق العبودية له - ﷿ -، والدعوة إليه، وفي هذا يقول - ﷾ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ الأنبياء: ٢٥، ومن هنا كان للإيمان بالرسل أهمية عظمى، تبرز فيما يلي:\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-471> معرفة الله تعالى على النحو الصحيح:</span>\nمعرفةُ الله تعالى المعرفةَ الصحيحة لا تكون إلا عن طريق ما جاء به الرسل -﵈-. فلن يصل العبد إلى توحيد الله ومعرفته ومعرفة \"صفاته وآياته الدالة على كماله وتنزهه عن النقص، وما يجب له من عبادته وشكره وذكره على النحو الذي تتزكى به النفس، وتتطهر من أدران مساوئها، وتصل إلى الكمال المستعدة له بفطرتها\" (٣)، إلا إذا كان مؤمنًا برسل الله تعالى؛ فهذه الثمرة من ثمار الإيمان بالرسل لا يصلح حال الإنسان إلا بها، ولا يمكن أن تكون هذه المعرفة على الدرجة من التمام والكمال إلا إذا كان الداعي إليها رسول من قبل الله تعالى أراد الله به أن ترجع الإنسانية عن انحرافها وتعرف حقيقة معبودها (٤).\n_________\n(١) تفسير المنار، لمحمد رشيد بن علي رضا (١/ ٢١٦).\n(٢) تفسير المنار (٧/ ٦١٢).\n(٣) الوحي المحمدي، محمد رشيد رضا (ص ٣٤).\n(٤) القصد والوسطية في ضوء السنة النبوية، لعبد الواحد الشبريني (ص ٣٠٩).","vol":"1","page":438},{"text":"o<span data-type=\"title\" id=toc-472> تحقيق القدوة العلمية والعملية:</span>\nمن حكمة الله تعالى أن جعل رسله -﵈- من البشر لتتحقق بهم القدوة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ الأحزاب: ٢١، فيكون التزامهم بما يدعون إليه، التزامًا يدل على إمكانية بلوغِ البشر درجاتٍ عاليةٍ في القرب من الله تعالى بالطاعة، لأن المرسلينَ إليهم هم من جنسهِم، قال الله تعالى آمرًا رسوله - ﷺ - أن يبينَ ذلك للناس: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)﴾ فصلت: ٦، فيسهل بذلك تتبع ما جاءوا به، والتخلق بأخلاقهم، والتأسي بسيرهم، ومتابعتُهم على نهجهِم وسنتهِم، وسيرتهِم ودعوتهِم إلى الله، فهم قادة للبشر، ومن ثم تصبح قيادتهم قيادة سلوكية عملية، وليست مجرد قيادة إرشادية أو وعظية (١).\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-473> الصبر وعدم اليأس:</span>\nإن من أعظم الآثار التي تعود على الإنسان من جراء إيمانه بالرسل: فضيلة الصبر (٢)، فالمتأمل في أحوال الأنبياء مع أقوامهم يجد أنهم قد جاءوا لهدايتهم وإنقاذهم من التهلكة، وقد تحملوا في سبيل تلك المهمة فوق ما يتحمله البشر، وتسلحوا بالصبر وتخلقوا به.\nفهذا رسول الله - ﷺ - يذكر صبر موسى على إيذاء قومه بأكثر مما أوذي هو - ﷺ -، فقال: (رحم الله موسى، قد أُوذي بأكثر من هذا فصبر) (٣).\nكما أن في الصبر تشبهًا بالأنبياء وتأدبًا بأدبهم، قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)﴾ الأنبياء: ٨٥، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ الأحقاف: ٣٥.\nفالصبر يهذب النفوس المؤمنة، كما أنه يطهرها من خلق اليأس والهلع والجزع عند نزول المصيبة ومن خلق الطغيان والبطر عند النقمة.\n_________\n(١) ينظر: أثر الإسلام في بناء المجتمع الفاضل، د. محمود بركات، (ص ٥٥)، أركان الإيمان لعلي بن نايف الشحود (ص ١٣٣ - ١٣٤).\n(٢) وقد عرف الغزالي الصبر بقوله: \"ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة\". إحياء علوم الدين للغزالي (٤/ ٦٦).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى ﵉ برقم (٣٤٠٥)، ومسلم في كتاب الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وصبر من قوي إيمانه برقم (٢٧٧٧).","vol":"1","page":439},{"text":"o<span data-type=\"title\" id=toc-474> الإيمان بالأنبياء والرسل نجاة من الخسران:</span>\nالإيمان بالرسل أصل من أصول الإيمان، قال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)﴾ آل عمران: ٨٤، ومن لم يؤمن بالرسل ضل ضلالًا بعيدًا، وخسر خسرانًا مبينًا: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ النساء: ١٣٦.\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-475> عبادة الله لا تكون إلا بالإيمان بالرسل:</span>\nلا شك أن الإيمان بالرسل ركن عظيم ودعامة يبنى عليه أساس كل العبادات التي جاء بها الرسل -عليهم الصلاة والسلام- (١).\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-476> تحقيقُ الرغبات والنزعاتِ البشرية في معرفة ما لا يستطيعُ العقل البشريُّ الوصولَ إليه بمجرده، ومن ذلك:</span>\nأ-الإيمان بالغيب ورأسه توحيد الله وصفاته وآياته الدالة على كماله وتنزهه عن النقص، وما يجب من عبادته وشكره وذكره الذي هو أعلى ما تتزكى به الأنفس، وتتطهر من أدران مساويها، وتصل إلى الكمال المستعدة له بفطرتها، ويليه الإيمان بملائكته وما يناط بهم من الوحي والنظام في الخالق والأمر ويجب الوقوف في ذلك عند ما ورد به النص.\nب- ما يجب اعتقاده من البعث بعد الموت والحساب والجزاء على الإيمان والأعمال، وهو أكبر البواعث -بعد الإيمان بالله ومعرفته- على اتباع ما شرعه من اتباع الحق، وإقامة العدل، وأعمال البر والخير والصدود عن أضدادها.\nت- وضع حدود وأصول للأعمال التشريعية المشار إليها لا مجال للآراء والأهواء فيها، لتكون جامعة للكلمة، مانعة من التفرقة، متبعة في السر والعلانية.\n_________\n(١) ينظر: الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة (١/ ٣٦٣)","vol":"1","page":440},{"text":"ث- إبعاد الناس عن التصورات الباطلة لا يتم إلا عن طريق الرسل -﵈-، لا سيما في عالم الغيب.\nج- أن العبادة الصحيحة لا تعرف إلا عن طريقهم.\nح- تقويم الفطرة المنحرفة.\nخ- إيجاد القدوة الصالحة والتأسي بهم.\nد- تحقيق العدل لا يحصل إلا بإرسال الرسل، فالناس لا يستطيعون تحقيق العدل لاختلاف أهوائهم ومشاربهم وتفاوت عقولهم (١)؛ \"لأن عقول الناس مختلفة أعظم اختلاف، ولا تستطيع أن تستقل بمعرفة ما يرضي الله سبحانه أو يسخطه من الأقوال والأعمال والعقائد، ومن أجل ذلك أرسل الله رسله من نوح -﵊- إلى أن ختموا بنبينا محمد - ﵉ - الذي بعثه الله بدين شامل كامل باق عام للبشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين\" (٢).\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-477> ظهور ثمرات الإيمان بالرسل، وهي </span>(٣):\nأولًا: حصول محبة العباد لله - ﷿ -، لعلمهم برحمة الله تعالى وعنايته بخلقه، حيث أرسل إليهم رسلًا من أنفسهِم يبينون لهم آياتهِ وشريعته، ويبشرونهم بجزيل الثواب لمن آمنَ بهم، وينذرون من كفرَ بهم سوءَ العقاب.\nثانيًا: شكره تعالى على هذه النعمة الكبرى.\nثالثًا: محبةُ الرسل، والثناءُ عليهم بما يليق بهم؛ لأنهم رسل الله تعالى وخلاصة عبيده، قاموا لله بعبادته وتبليغ رسالته، والنصح لعباده، والصبر على أذاهم.\n_________\n(١) ينظر: الوحي المحمدي لرشيد رضا (ص ٤٨ - ٥٠). منهج الشيخ محمد رشيد رضا (ص ٦٨٣).\n(٢) فتاوى اللجنة (٣/ ٢٥٨).\n(٣) ينظر: عقيدة أهل السنة والجماعة للعثيمين (ص ٣٣)، وأركان الإيمان لعلي بن نايف الشحود (ص ١٣٣ - ١٣٤).","vol":"1","page":441},{"text":"رابعًا: ونحبُّ بحبِّ رسول الله - ﷺ -، آلَ بيته الأطهارِ (١)، وأصحابَه وأتباعَه وأنصارَه إلى يوم الدين، ونتولاهم ولا نبرأُ من أحدٍ منهم، بل نبغضُ من يبغضُهم، وبغير الخير يذكرهُم، فلا نذكرهُم إلا بخيرٍ، وحبُّهم عندنا دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ نتقربُ به إلى الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ التوبة: ١٠٠، ونتميزُ عن أهل البدع بسلامةِ قلوبنِا وألسنتنا لهم، فنُمسكُ عمّا شجرَ بين أصحابِ النبي - ﷺ -، فهم في ذلك بينَ مجتهدٍ مصيبٍ ومجتهدٍ مخطئٍ، فلبعضهِم أجرٌ ولبعضهِم أجرانِ، رضوان الله عليهم أجمعين.\nخامسًا: ونحبُّ أنصارَ الدين في كلِّ زمانٍ إلى قيامِ الساعة، القريب منهم والبعيد، من عرفنا منهم ومن لم نعرفْ، ولا نبرأُ من أحدٍ منهم أو نعاديهِ أو نعاملُه معاملةَ غيرِ المسلمين، بلْ نتولاَّهم وندعو لهم وننصرهُم ونجتهدُ أن نكون منهم. امتثالا لقول النبي - ﷺ -: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (٢).\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-478> لحاجة البشر إليها:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان حاجة العالم إلى الرسالات: \" الرسالة ضرورية للعباد لا بدّ لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟ والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، وكذلك العبد ما لم تشرق على قلبه شمس الرسالة، ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة، وهو من الأموات، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ الأنعام: ١٢٢، فهذا وصف المؤمن كان\n_________\n(١) كما أن آل البيت ابتلوا بطائفتين متقابلتين: طائفة تنقص قدرهم وتجحد حقهم ولا تقيم لهم حرمة ولا مكانة، وطائفة أخرى أدهى وأمر وهي التي غلت فيهم وألهتهم، حتى أنها أنشأت حركات ثورية ضالة تنتسب إليهم، وتزعم الدعوة لإمامتهم، والثورة لقيام خلافتهم.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه برقم (١٣)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من خصال الخير، برقم (٤٥).","vol":"1","page":442},{"text":"ميتًا في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في الظلمات\" (١).\nكما بين ابن القيم - ﵀ - حاجة العبادة إلى الأنبياء والرسل، فقال: \" ... ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضا الله البتة إلا على أيديهم ... فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير ... \" (٢).\nقال الشيخ محمد بن عثيمين - ﵀ -: \"قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦ ... ولهذا أعطى الله البشر عقولًا، وأرسل إليهم رسلًا، وأنزل عليهم كتبًا، ولو كان الغرض من خلقهم كالغرض من خلق البهائم؛ لضاعت الحكمة من إرسال الرسل، وإنزال الكتب؛ لأنه في النهاية يكون كشجرة نبتت، ونمت، وتحطمت، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ القصص: ٨٥، فلابد أن يردك إلى معادٍ تجازى على عملك إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر\" (٣).\nهذا بعض صور الحاجة إلى إرسال الرسل، والأمر أكبر من ذلك بكثير، والأدلة على ذلك كثيرة معلومة من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله - ﷺ -.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٩/ ٩٣ - ٩٤).\n(٢) زاد المعاد (١/ ٦٩).\n(٣) القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ١٠).","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-479>المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالرسل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>تمهيد:</span>\nأرسل الله الرسل لهداية الناس إلى سعادة الدارين، ولكن تباينت مواقف الأمم تجاه أنبيائهم ورسلهم ما بين مؤمن بهم متبع لهم، وبين غالٍ فيهم منزِّلهم فوق منازلهم التي أنزلهم الله إياها، فعبدوهم من دون الله، كاليهود الذين جعلوا عزيرًا ابن الله، والنصارى الذين جعلوا عيسى ابن الله، وحذا حذوهم الفرق الضالة كالشيعة والصوفية وغيرهم، وقلما تجد فرقة إلا وتجد فيها هذه الصفة من عبادة الأنبياء والرسل، وخاصة الرسول - ﷺ - وما يوجه له من الدعاء والاستعانة والاستغاثة أكبر دليل على ذلك.\nوبين كافر بهم جافٍ لهم منكر للرسالات السماوية، كالملاحدة واليهود (١) وغيرهم، أو زاعمٍ بأن الرسل ومنهم محمد - ﷺ - لم يبلغوا البلاغ المبين، ولم يفصحوا فيما جاءوا به مما يتعلق بالله تعالى وأسمائه وصفاته العلا، كالفلاسفة وأهل التخييل والتأويل والتجهيل، ومن مظاهر الجفاء عند أهل البدع تكذيب الرسول - ﷺ - أو بعض ما جاء به، أو بغضه أو بغض ما جاء به، أو المسرة بانخفاض دين الرسول -﵊-، أو الكراهية لانتصار دين الرسول ﵊ وسبه وشتمه ﵊، كما هو موجود عند المرجئة والجهمية (٢)، كما أن البراهمة (٣)؛\nتطرفوا فأحالوا أن يصطفي الله رسولًا من عباده ويرسل إليهم رسولًا، وزعموا أن إرسالهم عبث؛ إما لعدم حاجة الناس إليهم اعتمادًا على العقل في التمييز بين المصالح والمفاسد، واكتفاءً به في إدراك ما يحتاجه الناس من المعاش والمعاد، وإما لاستغناء الله عن عباده؛ لعدم حاجته إلى أعمالهم إن كان خيرًا، وعدم تضرره بها إن كانت\n_________\n(١) اليهود أعظم الطوائف جفاءً للأنبياء والرسل وسبق ذكرهم في معرض الغلاة، لكنهم جمعوا بين الأمرين، إلا أن الصفة الغالبة عليهم هي الجفاء والإغراق في ذلك والقرآن دل على ذلك.\n(٢) الذين يقولون: إن الإيمان هو تصديق الرسول ﵊ فيما أخبر به، والسب والشتم لا ينافي التصديق؛ لأن الإنسان قد يهين من يعتقد وجوب إكرامه، فالساب لا يكون كافرًا وهي شبهة أوهى من خيط العنكبوت لأنه لو كان مصدقًا بالرسول ﵊ لصدق بأقواله وأفعاله التي تحرم إهانته ﵊.\n(٣) البراهمة الذين يزعموا أن العقل يغني عن الوحي لا نحتاج إلى إيراد الحجج لإبطال قولهم، وكل ما نفعله أن نوجه الأنظار إلى ما قادتهم إليه عقولهم التي زعموا أنهم يستغنون بها عن الوحي، هذا زعيم من زعمائهم \"غاندي\" في القرن العشرين يقول مفاخرًا: \" عندما أرى البقرة لا أجدني أرى حيوانًا، لأني أبعد البقرة، وسأدافع عن عبادتها أمام العالم أجمع\". ينظر أقواله هذه في: كتاب مقارنة الأديان (٤/ ٣٢) ..","vol":"1","page":444},{"text":"شرًا، إذ هو سبحانه لا ينتفع بطاعتهم ولا يتضرر بمعصيتهم (١)، كما أننا نجد في العصر الحديث من جعل النبوة صفة لا تزيد على مرتبة العبقرية، كما عند بعض الكتّاب والأدباء والفلاسفة (٢)، بل إن موقف الفرق عمومًا من هذا الركن قد حصل فيه خلل من قريب أو بعيد (٣)، ويمكن إجمال أسباب انحراف الفرق في الإيمان بالرسل، إلى سببين رئيسين هما:\n١ - الخلل في توحيد الربوبية، وعدم تعظيم الله - ﷿ -، ما أدى بقوم إلى صرف الربوبية للرسل، وبقوم آخرين إلى إنكار حكمة الله - ﷿ - من إرساله لرسله ﵈.\n٢ - الاشتباه الحاصل في معنى تجريد المتابعة للرسل (٤)،\nواعتمادهم على العقل (٥) في ذلك، ولا ريب أنه نحى ببعضهم إلى الغلو فيما نحى بآخرين إلى الجفاء.\nومن أجل هذا فقد، انقسم الناس إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان! . وبيان ذلك في المطلبين الآتيين.\n_________\n(١) الحكمة من إرسال الرسل، عبد الرزاق عفيفي (ص ١٥).\n(٢) النبوة عند الشيخ محمد عبده غير النبوة المعروفة في الإسلام، إذ أنه يعرف النبي بأنه: \"إنسان فطر على الحق علمًا وعملًا، بحيث لا يعلم إلا حقًا ولا يعمل إلا حقًا على مقتضى الحكمة ... \". ينظر: موقف العقل لمصطفى صبري (١/ ٢٩ - ٣٠)، ومنهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة (ص ٦٧٥).\n(٣) تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة (١/ ٣٤٣ - ٣٤٥).\n(٤) تجريد المتابعة يكون بمتابعة الرسل في العقائد والعبادات والأخلاق والمناهج، ومتابعتهم في كل صغيرة وكبيرة، فلا يتبعهم في بعض هديهم، ويخالفهم فيما سواه.\n\nينظر: تجريد المتابعة للنبي - ﷺ - بين السلف والمخالفين، د. سيرين المان انجاي (١/ ٣٠).\n(٥) يمكن تشبيه العقل بدون وحي كالعين بدون نور، فكما أن العين لا تبصر إلا بوجود النور فكذلك العقل لا يمكن أن يعرف الحق من الباطل ويميز بين الهدى والضلال إلا إذا جاء الوحي.","vol":"1","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في الإيمان بالرسل</span>.\nإذا كان الناس في القدم يجادلون الرسل، ويرفضون علومهم، ويعرضون عنهم، ويكذبونهم بعد وضوح الحق، ويظهرون لهم التعنت بطلبهم أمورا ليست من قدرة البشر لتعجيزهم، ويؤذونهم -عليهم الصلاة والسلام- (١)، مع توافر الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب الإيمان بهم، فإن البشر اليوم في القرن العشرين -حيث بلغت البشرية ذروة التقدم المادي، فغاصت في أعماق البحار، وانطلقت بعيدًا في أجواز الفضاء، وفجرت الذرة، وكشفت كثيرًا من القوى الكونية الكامنة في هذا الوجود- أشد جدالًا للرسل، وأكثر رفضًا لعلومهم، وأعظم إعراضًا عنهم، بحجة أن في شريعة الله حجرًا على عقولهم، وتوقيفًا لركب الحياة، وتجميدًا للحضارة والرقي (٢)، وقد أقامت الدول اليوم نظمها وقوانينها وتشريعاتها على رفض تعاليم الرسل، بل إن بعض الدول تضع الإلحاد مبدأ دستوريًا، وهو الذي يسمى بالعلمانية (٣).\nوهذا كله شطط بل خروج عن منهج القصد والحق في الاعتقاد بهم.\nونأتي للوقوف على طرق الانحراف المؤدية إلى التفريط في الإيمان بالرسل، وهي:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-482> أولًا: إنكار أن يختص الله تعالى بهذه الرحمة والمنّة من يشاء من عباده:</span>\nمن نظر في الكتب المنزلة، وتصفح ما رواه علماء الأخبار، اتضح له اعترافهم بإمكان الوحي وحاجتهم إليه، حتى الكفار؛ فإنهم إنما استبعدوا أن يختار الله لوحيه رسولًا من البشر.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾ هود: ٢٥ - ٢٧، إلى غير ذلك من الآيات والأخبار التي تدل على أن إنكار الرسل لم يكن لأصل الرسالة ولا\n_________\n(١) ينظر: كتاب المقولات التي أبطلها القرآن ومهجه في إبطالها من (٢٦٩ - ٣٣٥).\n(٢) ينظر: الرسل والرسالات (ص ٢٩ - ٣٠). تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة (١/ ٣٤٣ - ٣٤٥).\n(٣) العلمانية: حركة تهدف إلى فصل الدين وعزله عن شؤون الحياة العامة في الحكم والسياسة والاقتصاد والشؤون الاجتماعية والتعليمية وغيرها، وحصره في المسجد أو الضمير فقط.\n\nينظر: الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة (ص ١٠٣)، للشيخين د. ناصر القفاري، أ. د. ناصر العقل.","vol":"1","page":446},{"text":"لحاجتهم إليها، وإنما كان لبعث رسول الله إليهم من جنسهم (١)، ولم يقفوا عند هذا الحد، بل وصفوا بعض الخلق بالقداسة ورفعوهم فوق منزلة الأنبياء والرسل، فجعلوا هذه المنزلة تنال بالكسب لا بالاصطفاء.\nوالذي جلب لهم هذا الخلط والاضطراب، توهمهم: \" استبعاد اختصاص الله تعالى بعض البشر بهذا التفضيل على سائرهم وهم متساوون في الصفات البشرية بزعمهم ... \" (٢)، وقريبًا من موقف العرب، يقف اليهود \"الذين أنكروا أن يختص الله تعالى بهذه الرحمة والمنة من يشاء من عباده، وأوجبوا عليه أن يحصر النبوة في شعب إسرائيل وحده (٣) ... ووافقهم النصارى على حصر النبوة فيهم وأثبتوا قداسة غير الأنبياء من رسل المسيح وغيرهم من البابوات والعباد ... \" (٤).\nونحى نحوهم الشيعة في تقديس أئمتهم (٥)، والصوفية في تقديس أوليائهم وتفضيلهم على الأنبياء (٦)، وادعى الفضيلية من الخوارج أنهم أفضل من الأنبياء، حيث أجازوا الكفر على الأنبياء، باعتبار تجويزهم للذنوب عليهم، وكل ذنب فإنه كفر عندهم، والأزارقة من الخوارج، أجازوا أن يبعث الله نبيًا يعلم أنه يكفر بعد نبوته، حكي عن أبي جعفر السمناني (٧)\nأنه يقول\n_________\n(١) الحكمة من إرسال الرسل عفيفي (ص ١٩ - ٢٠).\n(٢) الوحي المحمدي لرشيد رضا (ص ١٩٨).\n(٣) كُفر من أقر بنبوة بعض الأنبياء دون بعض، من المسلم به أن الرسل كلهم متفقون في أصل الدين، فلزم من ذلك أن من أقر بنبوة البعض دون الآخر فإنه كافرٌ بالجميع، وذلك لاتفاقهم جميعًا في أصل رسالتهم، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ الشورى: ١٣، ولهذا كان الإيمان بهم جميعًا ركنا من أركان الإيمان الستة. ينظر: المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع (ص ٧٨٣).\n(٤) الوحي المحمدي لرشيد رضا (ص ١٩٨).\n(٥) الشيعة يجعلون الولي أفضل من النبي - ﷺ -، بل بلغ بهم الغلو إلى أن جعلوا الأئمة كالإله؛ يعلمون الغيب وبيدهم النفع والضر، فيتصفون بالصفات التي يتصف بها الإله لأنه على حسب زعمهم أنّ روح الإله تحل فيهم كما حلت في علي - ﵁ -.\n\nينظر: التنبيه والرد (ص ٢٩)، والفرق بين الفرق (ص ٢٠٤)، الملل والنحل (١/ ١٧٤)، والبرهان (ص ٦٧).\n(٦) يقول ابن عربي في فصوصه: \"مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي\" فرتبة الولاية عنده أعظم من رتبة النبوة لأن الولي يأخذ بلا واسطة والنبي بواسطة، وهو كلام ساقط يعرف بطلانه عوام الناس فضلا عن علمائهم! ! قال ابن أبي العز الحنفي ﵀: \" وكفر ابن عربي وأمثاله فوق كفر القائلين: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ الأنعام: ١٢٤، ولكن ابن عربي وأمثاله منافقون، زنادقة اتحادية في الدرك الأسفل من النار\" شرح الطحاوية (ص ٤٩٤). ينظر: فصوص الحكم (١/ ٦٣)، وينظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية (ص ٤٠)، غلم الغيب في العقيدة الإسلامية، د. أحمد الغنيمان (ص ٢٧٨ - ٢٧٩).\n(٧) هو: أبو جعفر محمد بن أحمد بن محمد السمناني الحنفي الأشعري، قاضي الموصل، كان مقدَّم الأشعرية في وقته، تتلمذ على الباقلاني، وتتلمذ عليه أبو الوليد الباجي، ولد سنة ٣٦١ هـ، وتوفي سنة ٤٤٤ هـ بالموصل.\n\nينظر: تاريخ بغداد (١/ ٣٥٥)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٥١).","vol":"1","page":447},{"text":"بجواز الكفر على الأنبياء، حكاه عنه ابن حزم (١)، كما أجازت الرافضة على الأنبياء إظهار كلمة الكفر تقية إذا خافوا على أنفسهم، احترازًا من إلقاء النفس إلى التهلكة (٢)، بل ظهر من يدعي النبوة، ومن يزعم بأن النبوة لم تختم بالنبي - ﷺ - كالقاديانية (٣).\nوقد نقل شيخ الإسلام وغيره الاتفاق على أن الأنبياء ﵈ هم أفضل الخلق، فقد حفظهم الله تعالى \"من تغير الفطرة، ومن الخطأ فيما يبلغون عنه من وحي، ومن اقتراف كبائر الذنوب، وما يستقذر من صغائرها، وعدم إقرارهم على ما يمكن وقوعه منهم من المعاصي\" (٤)، لذلك اجتباهم - ﷿ - واصطفاهم على سائر البشر و﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ الأنعام: ١٢٤، فهم أعلم وأتقى من عبد الله من الخلق، كما أنهم أعلم الناس بالحقائق (٥)، وهذا معلوم بالاضطرار من دين الله، ولا يجهله عامة الناس فضلا عن علمائهم (٦).\n_________\n(١) ينظر: المسائل العقدية المتعلقة بالحسنات والسيئات (١/ ٤٢٧)، والملل والنحل (١/ ١٥٥)، والفصل لابن حزم (٤/ ٥).\n(٢) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ١٦١)، واللوامع (٢/ ٣٠٥).\n(٣) هي فرقة نشأت عام ١٣١٨ هـ في شبه القارة الهندية، بهدف إبعاد المسلمين عن دينهم، ورأس هذه الفرقة هو ميرزا غلام أحمد القادياني، المولود في قرية قاديان في البنجاب بالهند سنة ١٢٥٥ هـ، كان معروفًا عند أتباعه باختلال المزاج وكثرة الأمراض وإدمان المخدرات، وله أكثر من خمسين كتابًا ونشرة ومقالًا، على هذا المعتقد الخبيث، منها: إزالة الأوهام، وإعجاز أحمدي، وبراهين أحمدية، وأنوار الإسلام، وغيرها، وقد هلك بالطاعون سنة ١٣٢٦ هـ.\nويعيش معظم القاديانيين الآن في الهند وباكستان، ومن معتقدهم الخبيث أن الله يصوم ويصلي وينام ويصحوا -تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا- كما يعتقدون أن النبوة لم تُختم بمحمد - ﷺ -، بل هي جارية، وأن الله يرسل الرسل حسب الضرورة، وأن غلام أحمد هو أفضل الأنبياء جميعًا، وكل مسلم عندهم كافر حتى يدخل القاديانية.\nوفي شهر ربيع الأول سنة ١٣٩٨ هـ أصدر مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة، قراره الذي أعلن فيه كفر هذه الطائفة وإخرجها عن الإسلام.\nينظر: القاديانية لإحسان إليهي ظهير، والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة لعبد القادر شيبة الحمد.\n(٤) منهاج السنة (٢/ ٤١٧)، وينظر: الإحكام للآمدي (١/ ١٤٦)، ولوامع الأنوار (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥).\n(٥) زندقة من زعم أنه أعلم من الرسل بالحقائق، قال شيخ الإسلام - ﵀ -: \"إن من زعم أنه وكبار طائفته أعلم من الرسل بالحقائق، وأحسن بيانًا لها فهذا زنديق منافق إذا أظهر الإيمان بهم باتفاق المؤمنين\". مجموع الفتاوى (٤/ ١٠١).\n(٦) إنما ذكر شيخ الإسلام هذا الإجماع في معرض رده على الفلاسفة الزنادقة الذين ظهروا بعد القرون الأولى الموصوفة بالخيرية.\nينظر: المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع (ص ٧٨٢).","vol":"1","page":448},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-483> ثانيًا: ادعاء كفاية العقل في إدراك الحسن والقبح:</span>\nتكلف المبتدعة تقديس العقل، فردوا به نصوص الوحي، زاعمين أنهم ليسوا بحاجة للرسل؛ لأن عقولهم تفرق بين الحسن والقبيح، ومما يدلك على ضرورة بطلان هذا الادعاء، ما يلي (١):\n١ - أن العقل محدود في عمله:\nالعقل له مجال معين يعمل فيه، وهو عالم الماديات دون الغيبيات، فهو لا يزال يعمل في هذا الجانب ويكتشف الاكتشافات ويبتكرها وليست معلومة لديه دفعة واحدة، لذا فإن العقل ليس المصدر الوحيد للمعرفة، فمن المعلوم أن مصادر المعرفة متعددة (٢)، وكما أن سائر الآلات في الإنسان محدودة ويصيبها الضعف، فهكذا العقل محدود ويصاب بالضعف.\n٢ - عجز العقل عن إدراك عالم الغيب:\nإن العقل لا يمكنه أن يدرك عالم الغيب (٣) وما يحصل في المستقبل، وهل هناك مخلوقات أخرى كالجن والملائكة، ومعرفة حقيقة الروح في جسم الإنسان، وما الذي يحصل للإنسان في قبره، وماذا يكون للبشرية بعد الموت من الحساب والجزاء والجنة والنار، وكذلك معرفة الخالق ﷾ بأسمائه وصفاته وأفعاله، كل ذلك وغيره كثير مما لا يمكن للعقل مهما كان ذكاؤه أن يدركه على حقيقته إدراكًا تامًا، فكان لابد من إرسال الرسل من عند الخالق سبحانه لتعريف الإنسان بذلك.\n٣ - عجز العقل عن إدراك ألوهية الله وعبادته:\nإن العقل عاجز عن الوصول إلى المعبود الحق ومعرفة أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأنه لا يجوز صرف العبادة لغير الله جل وعلا، ولذا تجد أن العقل يتخبط في هذا الجانب ويحتار، وهنا اختلفت العقول وتباينت معبوداتها قديمًا وحديثًا.\n_________\n(١) ينظر: الإسلام وحاجة البشرية إليه د. محمد يوسف موسى (ص ٢١)، الوحي المحمدي لرشيد رضا (ص ٥٤)، رسالة خاتم النبيين د. ثامر غشيان (ص ٢٢) وما بعدها.، الرسل والرسالات د. عمر الأشقر (ص ٢٩).\n(٢) منها ما يعرف بالسمع ومنها ما يعرف بالبصر ومنها ما يدرك بالذوق، ومنها ما يعرف بالعقل، ومنها ما يعرف بالوحي.\n(٣) ضرورة الإيمان بالغيب: إن البشرية بحاجة ماسة وضرورية للإيمان بالغيب، إذ يتوقف على ذلك تحديد مصيرها في الآخرة وتنظيم حياتها في الدنيا، فلابد من معرفة الخالق سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، وكذلك غاية خلقه للجن والإنس وما هو المصير بعد الموت ...، كل ذلك من أجل أن يعرف الإنسان كيف يتعامل مع المخلوقات التي لا يراها وكذلك ليستعد للقاء الله ﷿ ووقوفه بين يديه في يوم القيامة، ويتحدد بذلك مصيره إلى جنة أو إلى نار.","vol":"1","page":449},{"text":"ورغم ما وصلت إليه البشرية من التطور الهائل، ومع ذلك فلا يزال كثير من سكان الأرض يعبدون غير الله - ﷿ -، فمنهم من لا يزال يعبد التماثيل والأحجار ومنهم من يعبد الأبقار والشيطان، بل عَبَدَ بعض الناس فروج النساء وتخبطت البشرية في هذا الجانب.\n٤ - تفاوت العقول واختلافها:\nومما يجعل العقول عاجزة عن هداية الخلق وإرشادهم أن العقول مختلفة ومتفاوتة ولكل عقل منها رأي في القضايا المطروحة عليه، فما هو العقل الذي نعتمد عليه في حسم الخلافات، وما هو المعيار في كون عقل فلان صوابًا، وعقل فلان خطأ؟ إنه لا جواب لمثل هذه الأسئلة إلا ببعثة الرسل فهم الذين يرشدون البشر ويهدون العقول ويحكمون بالخطأ والصواب على معتقدات الناس وأفعالهم.\n٥ - عجز العقل عن وضع منهج صحيح للحياة:\nإن العقل يدرك الحسن والقبح في بعض الجوانب من حيث الجملة ولكنه عاجز عن إدراك جميع جوانب الحسن والقبح، كما أنه أيضًا عاجز عن إدراك الأحكام الجزئية ووضع التشريعات المناسبة الصحيحة لتلك الجزئيات.\nوكذلك لا يستطيع العقل أن يدرك تفاصيل العبادة التي يريدها الله من خلقه ولأجلها خلقهم، مثل تفاصيل الصلاة والصيام والزكاة والذكر وغيره من أنواع العبادات. وهكذا في جانب التشريعات التي يحتاج إليها البشر في حياتهم مثل جانب السياسة والاقتصاد والاجتماع وأمور السلم والحرب والعلاقات بين الدول، كل ذلك مما يعجز العقل عن إدراكه.\nوالذي جلب لهم هذا الخلط والاضطراب: توهمهم أن هناك معارضة بين العقل والنقل، وذلك لِما اعتقدوه من أن العقل مقدس ومنزه عن الخطأ، فنفوا وعطلوا وأولوا ما أتت به الرسل من النقل، ولم يرفعوا به رأسًا، بل ركنوا إلى قواعدهم العقلية وأصولهم الفلسفية، وجعلوها عمدة في ردّ ما ورد به الشرع بدعوى معارضته لها (١).\n_________\n(١) ينظر: النفي في باب صفات الله - ﷿ - (ص ٩١ - ٩٢)، وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - كتابه الكبير: \"درء تعارض العقل والنقل\" في إبطال هذه الدعوى.","vol":"1","page":450},{"text":"وهكذا نلحظ أن كثيرًا من انحراف هؤلاء، إنما هو نتيجة التزامهم بما اعتمدوه من كليات عقلية وقواعد منطقية، أدت بهم إلى التفريط في باب الإيمان بالرسل.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-484> ثالثًا: بسبب البدع التي شيّدت عليها الفرق مذاهبها:</span>\nنجد الموقف الحائر والمتردد في أمر النبوة والرسالة منتشر سائد بين أهل الأهواء.\nفنجد أن الفلاسفة متناقضون في أمر النبوة فلا هم كذبوا بهم تكذيب المكذبين الذين كذبوا بالنبوات مطلقًا ولا صدقوهم تصديق المؤمنين الذين آمنوا بهم مطلقًا، بل كانوا كمن آمن ببعض وكفر ببعض، وهؤلاء من الكافرين حقًا وهم من المنافقين المذبذبين، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، وفيهم من يكثر نفاقه وزندقته، وفيهم من يكون نفاقه أقل من نفاق غيره (١).\nومنهم الذين يقفون من الرسل -عليهم الصلاة والسلام- موقف الإنكار، ويسمون أنفسهم المجددين والعصرانيين (٢)، والصحيح أنهم ليسوا بمجددين، وإنما ابتدعوا أمورًا جديدة فأطلقوا على أنفسهم هذا اللقب، وهو في الحقيقة تجديد بدعي، حيث أن المراد عندهم هو التلفيق بين ما جاء به الإسلام وبين الأفكار البشرية المنحرفة المتمثلة عند قدماء المبتدعة المتكلمين \"الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة\" في الفلسفة والمنطق اليوناني والرماني ونحوهما، وأما العصرانيون فحقيقة أمرهم التلفيق بين الدين وبين الحضارة المادية الحديثة أو التوفيق بين الدين والعصر الحديث، بإعادة تأويل الدين وتفسير تعاليمه في ضوء متطلبات العصر (٣).\n_________\n(١) ينظر: درء التعارض (١/ ٢٢ - ٢٣).\n(٢) العصرانية: حركة تجديد واسعة نشطت في داخل الأديان الكبرى داخل اليهودية، وداخل النصرانية وداخل الإسلام أيضًا، عرفت هذه الحركة في الفكر العربي باسم العصرانية، وكلمة عصرانية هنا لا تعني مجرد الانتماء إلى هذا العصر ولكنها مصطلح خاص، فالعصرانية في الدين هي وجهة نظر في الدين مبنية على الاعتقاد بأن التقدم العلمي، والثقافة المعاصرة، يستلزمان إعادة تأويل التعاليم الدينية التقليدية على ضوء المفاهيم الفلسفية والعلمية السائدة.\nينظر: العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب، لمحمد الناصر (ص ٥ - ٦)، العصرانية في حياتنا الاجتماعية، د. عبد الرحمن بن فريد الزنيدي (ص ٩، ١٥).\n(٣) ينظر: العقلانية هداية أم غواية، لعبد السلام البسيوني (ص ٩ - ١٠)، ومذاهب معاصرة للعواجي (ص ٥٠٠ - ٥٥٤)، تناقض أهل الأهواء والبدع (١/ ٣٥٠).","vol":"1","page":451},{"text":"كذلك نجد أن المعتزلة والجهمية ومن يسمون أنفسهم بالعقلانيين (١) وقفوا موقفًا متناقضًا من الإيمان بالرسول - ﷺ -، فبعض الأحيان يأخذون بالسنة وفي البعض الآخر يردوها زاعمين وجوب الأخذ بالأحاديث المتواترة دون الآحاد، وعند التطبيق نجدهم يردون كثيرًا من الأحاديث المتواترة ويأخذون بأحاديث الآحاد، وما ذلك إلا وقوع في نقيض المعتقد، ومع ذلك يقولون: إن الصحابة أو معظمهم لا يوثق بقولهم والأخذ منهم بعد حصول الفتنة، فلذلك يردون الرواية التي لا تروق لهم بهذه الحجة الفاسدة الواهية، فمرة يقولون بالتأويل ومرة بالمجاز ومرة بمخالفة المنقول لصريح المعقول (٢).\nيقول ابن القيم - ﵀ -: \" ولما أصلت القدرية أن الله سبحانه لم يخلق أفعال عباده ولم يقدرها عليهم أولوا كل ما خالف أصولهم\" (٣)، وبذلك جعلوا سنة الرسول - ﷺ - خاضعة لهم ولمعتقداتهم، ومن الخلل عندهم في هذا الركن، أن المعتزلة والجهمية ينفون كرامات الأولياء بحجة أنه لو جاز ظهور الخوارق على أيديهم لالتبس النبي بغيره، إذ الفرق بين النبي وغيره هو المعجزة التي هي الخارق للعادة، والصحيح أن قولهم مردود حيث إن الولي لا يأتي بالخارق لادعاء النبوة (٤)، ولم يقف المعتزلة عند هذا الحد، بل أنكروا معجزات الرسول - ﷺ - التي تؤدي إلى إنكار نبوته، ونبوة غيره من الرسل والأنبياء (٥).\nأما المرجئة فموقفها من هذا الركن متناقض كذلك، فما وافق أصولها تمسكت به وعضت عليه، وما ناقضها ضربت به عرض الحائط. يقول ابن القيم - ﵀ -: \" ولما أصلت المرجئة أن الإيمان هو المعرفة وأنها لا تزيد ولا تنقص أولوا ما خالف أصولهم، ولما أصلت الكلابية أن الله سبحانه لا يقوم به ما يتعلق بقدرته ومشيئته وسموا ذلك حلول الحوادث أولوا كل ما خالف هذا الأصل\" (٦).، وفي المقابل يزعمون محبة الرسول ﵊،\n_________\n(١) ويعني هذا المفهوم: التفسير العقلاني لكل شيء في الوجود، أو تمرير كل شيء في الوجود إلى قناة العقل لإثباته أو نفيه أو تحديد خصائصه، فالعقلانية في حقيقتها إلغاء النص والاعتماد على العقل.\n(٢) ينظر: تناقض أهل الأهواء والبدع (١/ ٣٤٧).\n(٣) الصواعق المرسلة (١/ ٢٣١).\n(٤) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٥٣).\n(٥) ينظر: الصواعق المرسلة (١/ ٢٣١).\n(٦) الصواعق المرسلة (١/ ٢٣١).","vol":"1","page":452},{"text":"ويفسرون هذه المحبة بأفعالهم الشركية إما بالاستغاثة أو التوسل غير المشروع (١)، زاعمين أن هذه التصرفات تدل على محبته وتكريمه، وفي المقابل لا يرون سب الرسول - ﷺ - كفرًا، بل يعتقدون أنه لا يضر مع التصديق شيء (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-485> رابعًا: تعظيم غير الأنبياء والمرسلين:</span>\nوفي معنى الجفاء الذي يقطع الصلة المتولدة في القلب من المحبة والتعظيم لرسل الله، ما جعله الأتباع لمشايخهم وأئمتهم من الفضائل والمناقب ما لم يكن للأنبياء والمرسلين ولا لسيد البشر - ﷺ -، فهذا من الجفاء إذ إن النبي - ﷺ - فاق في فضله جميع الأنبياء والمرسلين بل هو سيدهم وإمامهم فلا شك أن تقديم غيره عليه - ﷺ - في الفضائل من أعظم الجفاء؛ لأن بذلك التعظيم للغير تنشأ المحبة التي تفوق محبة النبي - ﷺ - التي لا يبقى منها إلا الادعاءات التي يُعبرون عنها بالمولد والاحتفالات، ويدخل في الجفاء أيضًا ترك التأسي به - ﷺ - في هديه والتأسي بغيره، والجفاء في كل ذلك تختلف درجته، فمنه ما يكون كفرًا والعياذ بالله ومنه ما هو دون ذلك، وأكثر من يتصف بالجفاء هم الفلاسفة المنتسبون إلى الإسلام ومدعو النبوة عمومًا والصوفية (٣)، وبالجملة فقد أصاب النبوة مثل ما أصاب الربوبية في العصر الحديث، فالنبوة في هذا العصر لا تزيد على مرتبة العبقرية (٤)، لذا ظهر التعظيم لغير الأنبياء.\n_________\n(١) ينظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية (ص ١٧٢ - ١٧٣)، الصواعق الشهابية على الشبه الداحضة الشامية، لسليمان بن سحمان (ص ٧٤)، وتحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، للألباني.\n(٢) ينظر: تناقض أهل الأهواء والبدع (١/ ٣٤٨ - ٣٤٩).\n(٣) خصائص المصطفى بين الغلو الجفاء، للصادق بن محمد بن إبراهيم (ص ٢٩).\n(٤) ينظر: موقف العقل لمصطفى صبري (١/ ٢٩ - ٣٠)، ومنهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة، لتامر محمد محمود متولي (ص ٦٧٥).","vol":"1","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-486>المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالرسل</span>.\nمن جملة المخالفين لأهل السنة والجماعة في هذا الباب، الغلاة المنحرفون كالنصارى الذين غلوا في عيسى - ﵇ - فجعلوه ثالث ثلاثة -تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا-، وكالغلاة في نبينا محمد - ﷺ - الذين ادعوا أنه يعلم ما كان وما يكون، وأن الكون ما خلق إلا من أجله، وأن الكائنات خلقت من نوره، وأنه أول الموجودات، وأنه يكشف الكرب ويغفر الذنب، ويجيب المضطر إذا دعاه، ويذهب الهم والغم ويكشف الخزن، ويعلم الغيب، وغيرها من الصفات التي ليست إلا لله وحده لا شريك له.\nمتجاوزين حقيقة أن رسل الله - ﷿ - بشر كسائر البشر فلا يملكون جلب النفع لأنفسهم ولا لغيرهم، ولا دفع الضر ولا كشفه إلا بشيء قد كتبه الله وقدره وأعانهم عليه، وليس لهم من علم الغيب شيء إلا ما أطلعهم الله عليه وخصهم به، وليس لهم من صفات الألوهية أو الربوبية شيء البتة، بل هم عبيد لله من أكمل عباد الله عبودية وأحسنهم طاعة (١)، كما دلل على ذلك القرآن الكريم وأكثر من وصفهم بالبشرية، واصطفائهم بالوحي.\nومن أجل هذا فإن الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالرسل، يأتي من طريقتين، وهما:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-487> أولًا: اعتقاد القداسة في ذوات الأنبياء والرسل:</span>\nلقد غلا اليهود في عزير، كما غلت النصارى في عيسى غلوًا عظيمًا، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ التوبة: ٣٠، ولم تكن الفرق البدعية منهم ببعيد، فقد أوصلهم غلوهم في نبينا - ﷺ - إلى:\n\no -<span data-type=\"title\" id=toc-488> اعتقاد أن النبي - ﷺ - خلق من نور الله فقالوا بالاتحاد ووحدة الوجود</span>.\nفالنبي - ﷺ - عند أئمة الصوفية خُلق من نور الله تعالى، ثم خُلق من نور النبي - ﷺ - بقية المخلوقات، وهذا الذي ذهبوا إليه من خلق العالم أو صدوره عن ذات الله تعالى\n_________\n(١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية (ص ٤٠)، غلم الغيب في العقيدة الإسلامية، د. أحمد الغنيمان (ص ٢٧٨ - ٢٧٩).","vol":"1","page":454},{"text":"هو الذي يفسر لنا ما ذهب إليه هؤلاء الغلاة من القول بوحدة الوجود (١)، والفناء (٢) أو الاتحاد بالله تعالى، كما زعمت الصوفية بأن حقيقة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ النجم: ٨، أي: أن رسول الله - ﵉ - ليس مغايرًا لله تعالى فلا تزعم أنه كان هناك وجودان فما رأى - ﵉ - إلا نفسه.\nوالقول بأنه ليس هناك وجودان، وأن محمدًا - ﵉ - ما رأى في ذلك الوقت إلا نفسه (قول بوحدة الوجود) وذلك كفر صريح، بل يتبين أن من قال بهذا القول ليس بمؤمن فضلًا عن أن يكون من أهل السنة والجماعة، بل كافر مرتد عن ملة الإسلام إن كان قد زعم أنه مسلم (٣).\n\no -<span data-type=\"title\" id=toc-489> اعتقادهم أن النبي - ﷺ - خلق من نور، فأخرجوه من بشريته:</span>\nوغفل هؤلاء من أن النبي - ﷺ - من البشر، والأدلة متوافرة على ذلك، والبشر خلق من التراب لا من النور ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ الروم: ٢٠، كما أنه أمره ربه - ﷿ - أن يقول -لما طلب المشركون منه - ﷺ - أمورا ليست من قدرة البشر على سبيل التعجيز (٤) -: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ الإسراء: ٩٣.\n_________\n(١) مذهب يقول: إن الله تعالى والعالم حقيقة واحدة، وعُرفت وحدة الوجود في التاريخ القديم، والمتوسط، وأوضح ما تكون عند الرواقيين وأفلوطين من اليونان، وعند ابن عربي بين المسلمين، ولها مؤيدون في التاريخ الحديث. ينظر: المعجم الفلسفي (ص ٢١٢).\n(٢) تبديل الصفات البشرية بالصفات الإلهية دون الذات، كلما ارتفعت صفة قامت صفة إلهية مقامها. ينظر معجم المصطلحات الصوفية (ص ٢٠٧).\n(٣) ينظر: فتاوى اللجنة (١/ ٤٦١ - ٤٦٢).\n(٤) قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ الإسراء: ٩٠ - ٩٣.","vol":"1","page":455},{"text":"o -<span data-type=\"title\" id=toc-490> صرف الربوبية والألوهية للنبي - ﷺ </span>-:\nنجد من يستغيث به - ﷺ - بعد موته، بل منهم من زعم أنه يعطي ويمنع، ويضر وينفع (١)، ووصفه بعضهم بأنه مالك الأرضين والناس والأمم والخلائق، وبيده مفاتيح النصر والمدد والجنة والنار، وهو الذي يكون صاحب القدرة والاختيار يوم القيامة، وهو الذي يكشف الكروب، ويدفع البلاء، وهو حافظ لأمته وناصر لها، وإليه ترفع الأيدي بالاستجداء، وأنه مبرء من كل سقم، وهو الذي أبرد على الخليل النار، وهو الذي يهب ويعطي، وحكمه نافذ وأمره جار في الكونين، ويعلم الغيب، بل زعم بعضهم أنه - ﷺ - نور خلق من نور الله، وليس ببشر (٢).\nولا أدري ماذا أبقوا لله رب العالمين؟ ! (٣).\n\no -<span data-type=\"title\" id=toc-491> التوسل بجاه النبي - ﷺ </span>-.\nالتوسل بالحق والجاه والذات أمر محدث مبتدع لم يأذن الله تعالى به، قال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" ومن سأل الله تعالى بالمخلوقين أو أقسم عليه بالمخلوقين كان مبتدعًا بدعة ما أنزل الله بها من سلطان\" (٤).\nومن قالوا بجواز التوسل بحق النبي - ﷺ - (٥) في الخطوة الأولى، توسعوا وقالوا بجوازه بالأنبياء من قبلُ ﵈، ثم توسعوا ففتحوا الباب على مصراعيه وقالوا بجواز التوسل بكل عبد مؤمن، ثم وقع كثير منهم في الشرك الأكبر، وذلك بأن صرفوا الاستغاثة وقضاء\n_________\n(١) ينظر: بيان المحجة في الرد على اللجة، ضمن مجموع الرسائل والمسائل النجدية، لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (ص ٢٢٧).\n(٢) ينظر: البريلوية عقائد وتاريخ، لإحسان إلهي ظهير (ص ١٣ - ٤٥) وما بعدها.\n(٣) ينظر: وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٤٣٩).\n(٤) قاعدة جليلة (ص ٢٤٣).\n(٥) \"من توسل إلى الله في دعائه بجاه النبي - ﵉ - أو حرمته أو بركته أو بجاه غيره من الصالحين أو حرمته أو بركته فقال: (اللهم بجاه نبيك أو حرمته أو بركته أعطني مالًا وولدًا أو أدخلني الجنة وقني عذاب النار) مثلًا فليس بمشرك شركًا يخرج عن الإسلام، لكنه ممنوع؛ سدًا لذريعة الشرك، وإبعادًا للمسلم من فعل شيء يفضي إلى الشرك، ولا شك أن التوسل بجاه الأنبياء والصالحين وسيلة من وسائل الشرك التي تفضي إليه على مر الأيام، على ما دلت عليه التجارب وشهد له الواقع، وقد جاءت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة تدل دلالة قاطعه على أن سد الذرائع إلى الشرك والمحرمات من مقاصد الشريعة؛ ولأن التوسل بالجاه والحرمة ونحوهما في الدعاء عبادة، والعبادة توقيفية، ولم يرد في الكتاب ولا في سنة الرسول - ﵉ - ولا عن أصحابه ما يدل على هذا التوسل، فعلم أنه بدعة، وقد قال - ﵉ -: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) \". فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٥٠١ - ٥٠٣، ٥٠٥ - ٥٠٦، ٥١١، ٥١٣، ٥١٦، ٥٢٠).","vol":"1","page":456},{"text":"الحاجات، وكشف الضرر والكُربات، وشفاء الأسقام فيما عجز عن طبه الأنام، وغفران الذنوب والآثام التي هي من خصائص رب العزة والجلال، إلى الأنبياء والصالحين (١).\nبقي أن يعلم أن كون أحاديث التوسل وجاه الرسول - ﷺ - ضعيفة، لا يعني بأنه - ﷺ - ليس له جاه عند ربه - ﷿ -، ولا ينفي التوسل المشروع الذي جاء به الشرع الحنيف، فجاهه - ﷺ - أعظم الجاه بل لا يبلغ أحد من الخلق ما بلغه - ﷺ - من الجاه عند ربه - ﷿ -.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" وجاهه عند الله تعالى أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين، وقد أخبر ﷾ عن موسى وعيسى ﵉ أنهما وجيهان عند الله تعالى، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ الأحزاب: ٦٩، وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾ آل عمران: ٤٥، فإذا كان موسى وعيسى وجيهين عند الله - ﷿ - فكيف بسيد ولد آدم، صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وصاحب الكوثر والحوض المورود ...، وهو صاحب الشفاعة يوم القيامة حيث يتأخر عنها آدم وأولو العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهو إمام الأنبياء إذا اجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا ذو الجاه العظيم - ﷺ - \" (٢).\n\no -<span data-type=\"title\" id=toc-492> الإطراء والمبالغة في المدح في يوم \"الاحتفال بالمولد</span>\".\nفي\" نظر الكثيرين من أهل السنة والجماعة أن الاحتفال بمولد الرسول - ﵉ - بدعة منكرة ... ويجب التسليم من كل منصف أن النبي - ﵉ - لم يحتفل بمولد نفسه ولا بمولد غيره من الرسل والصحابة مع امتداد حياته بعد الرسالة ولا احتفل بمولده أحد من الصحابة وهم خير القرون المشهود لهم بالخير، ورسول الله - ﵉ - أكرم الخلق على نفوسهم وأحب العالمين إلى قلوبهم ولو احتفلوا بمولده لنقل لتوفر الدواعي على نقله؛ فيكفي في الاستشهاد على أن ترك الاحتفال بمولده سنة وأن فعله بدعة لعدم نقلهم لفعله .. أما ما ذكر عن حسان بن ثابت وعلي بن أبي طالب والبراء بن عازب وأنس بن مالك - ﵃ - من الثناء على النبي - ﵉ - فإنهم لم يلتزموا فيه وقتًا معينًا يتخذونه موسمًا ومجتمعًا وهذا متفق عليه ومندوب إليه لشرح سيرة النبي\n_________\n(١) ينظر: خصائص المصطفى بين الغلو والجفاء (ص ١٣٧ - ١٣٨) وما بعدها.\n(٢) قاعدة جليلة (ص ٢٥٢ - ٢٥٤).","vol":"1","page":457},{"text":"- ﵉ - تدريسًا أو دفاعًا عنه عند وجود الدواعي لذلك دون التزام حال معينة أو زمان أو مكان معين وإنما البدعة التزام زمن أو مكان بعينه يعتبر موسمًا ويعتاد الناس الاجتماع فيه شأنهم فيه كشأنهم في الأعياد بل هذا ربما أدى إلى الغلو في إعظام النبي - ﵉ - وإطرائه وقد نهى عن ذلك فقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) (١) \" (٢).\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" اتخاذ هذا اليوم عيدًا محدث لا أصل له فلم يكن في السلف لا من أهل البيت ولا من غيرهم من اتخذ ذلك عيدا حتى يحدث فيه أعمالا إذ الأعياد شريعة من الشرائع فيجب فيها الاتباع لا الابتداع وللنبي - ﵉ - خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة ووقت هجرته ودخوله المدينة وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعيادًا وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى ﵇ أعيادا أو اليهود وإنما العيد شريعة فما شرعه الله اتبع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇ وإما محبة للنبي - ﵉ - وتعظيما له والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع من اتخاذ مولد النبي - ﵉ - عيدا مع اختلاف الناس في مولده فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه ولو كان هذا خيرا محضا أو راجحا لكان السلف ﵃ أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله - ﵉ - وتعظيما له منا وهم على الخير أحرص وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطنا وظاهرا ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾ مريم: ١٦، برقم (٣٤٤٥).\n(٢) مجموعة ملفات الشيخ عبد الرزاق عفيفي (ص ٢٠٢).\n(٣) اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، وينظر: المورد في عمل المولد للفاكهاني، وحكم الاحتفال بالمولد النبوي والرد على من أجازه لمحمد بن إبراهيم، حكم الاحتفال بالمولد النبوي عبدالعزيز بن باز، الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي وبيان أخطائهم في المولد النبوي لحمود التويجري، الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف لأبي بكر الجزائري، والقول الفصل في حكم التوسل بخير الرسل لإسماعيل الأنصاري، الاحتفال بالمولد بين الاتباع والابتداع لمحمد بن سعد شقير.","vol":"1","page":458},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-493> ثانيًا: إرادة تنزيه الأنبياء والرسل:</span>\nقال ابن قتيبة (١) - ﵀ -: \"يستوحش كثير من الناس من أن يلحقوا بالأنبياء ذنوبًا، ويحملهم التنزيه لهم -صلوات الله عليهم- على مخالفة كتاب الله جل ذكره، واستكراه التأويل، وعلى أن يلتمسوا لألفاظه المخارج البعيدة بالحيل الضعيفة\" (٢).\nلذلك ظهر القول بأن النبي - ﷺ - كان نبيًا قبل أن يوحى إليه (٣)، بل إن النصارى قالوا للنبي - ﷺ -، لما قال لهم: «إن المسيح عبد الله» (٤)،\nقالوا: تنقصت المسح وعبته، وهكذا قال أشباه المشركين لمن منع اتخاذ القبور أوثانًا تعبد، ومساجد تقصد (٥)، كما وجد من ينزه الأنبياء والرسل عن أن يكونوا قبل النبوة ممن ارتكب الذنوب (٦)، إلى غير ذلك من أوجه التنزيه التي لم يرد بها دليل شرعي.\n_________\n(١) هو عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد، خطيب أهل السنة وأحد أئمة السلف، من مؤلفاته: تفسير غريب القرآن، تأويل مختلف الحديث، الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية وتأويل مشكل القرآن وغيرها، توفي سنة ٢٧٦ هـ.\nينظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٦)، شذرات الذهب (٢/ ١٦٩).\n(٢) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة - ﵀ - (ص ٤٠٢).\n(٣) وهذا مخالفًا لقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ الضحى: ٧، وقوله - ﷿ -: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ الشورى: ٥٢، وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ يوسف: ٣، والآيات كثيرة وصريحة في ذلك، إذ لم يكن النبي - ﷺ - قبل نزول الوحي عليه نبيًا، وإنما نزل عليه الوحي على رأس الأربعين وقد بلغ أشده واستوى، وقد بلغ ووقع في الغلو من قال إنه نبي قبل أن يوحى إليه بل قد كفر؛ لأنه كذب كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -.\nينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٢٨٣).\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٢٠١ - ٢٠٢) (٥/ ٢٠٩ - ٢٩٢)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٢/ ٣٠١ - ٣٠٣)، وأبو نعيم في \"دلائل النبوة\" برقم (١٩٤)، وفي \"حلية الأولياء\" (١/ ١١٥) بإسناد حسن.\n\nينظر: \"مجمع الزوائد\" (٦/ ٢٤ - ٢٧) وتعليق العلامة أحمد شاكر على \"المسند\" رقم (١٧٤٠) وتخريج العلامة الألباني لـ \"فقه السيرة\" (ص ١١٥).\n(٥) تهذيب المدارج (١/ ٣١١).\n(٦) الذنوب أقسام: الأول: الكفر، وجائز في حق الأنبياء والرسل أن يكونوا على غير التوحيد قبل الرسالة والنبوة. الثاني: الكبائر، وهي جائزة فيما قبل النبوة، ممنوعة فيما بعد النبوة والرسالة، فليس في الرسل من اقترف كبيرة بعد النبوة والرسالة أو تقحمها -عليهم صلوات الله وسلامه- بخلاف من أجاز ذلك من أهل البدع. الثالث: الصغائر، وقد منع الأكثرون فعل الصغائر من الأنبياء والرسل، والصواب أن الصغائر على قسمين: إما أن تؤثر في صدق الحديث، وفي تبليغ الرسالة، فهذه لا يجوز أن تقع من الأنبياء والرسل، وإما أن تكون من طبائع البشر في العمل، أو في النظر، أو من جهة النقص في تحقيق أعلى المقامات، وأشباه ذلك، فهذه جائزة، ولا نقول واقعه، فالنبي - ﷺ - غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.\nينظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٩ - ٣٢١)، ومنهاج السنة (٢/ ٣٩٣)، وشرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (١/ ١٥٨).","vol":"1","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالرسل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان بالرسل</span>.\nإن موقف المسلمين في باب الإيمان بالرسل ﵈، مستند إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - فهما سداه ولحمته-، ولذا جاء موقفهم موقفًا معتدلًا وسطًا، لا غلو فيه ولا إفراط (١)، بينما تأرجح أصحاب البدع في الإيمان برسل الله - ﷿ - بين غالٍ وجافٍ، فتعددت طرق القرآن العظيم في بيان فساد سلوك المخالفين والتحذير منها، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>الآية الأولى:\nقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)﴾ فصلت: ٦</span>، تردُ هذه الآية على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-497> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nأتت هذه الآية للرد على بدعة الجفاة المنكرين للرسل من الملاحدة والمشركين وغيرهم، فأثبتت اصطفاء الله من يشاء من البشر، وتخصيصه بالوحي ليكون من الأنبياء لإبلاغ رسالته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾.\nثم استطردت هذه الآية في بيان نوع المهمة الموكلة إلى رسله ﵈، وهي قولهم لأقوامهم: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)﴾، فكان من أنكر الرسل كافرًا؛ لأن الله فرض على الناس أن يعبدوه بما شرعه على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا الرسل ردّوا عليهم شرائعهم، ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أُمروا بالتزامها، فكان كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية، وكذلك التفريق بين الله ورسله (٢).\n_________\n(١) ينظر: وسطية أهل السنة د. محمد باكريم (ص ٢٧٧).\n(٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ٥).","vol":"1","page":460},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-498> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما أن هذه الآية أيضًا قد تضمنت الرد على بدعة الإفراط، بأن حددت نوع الأنبياء وأنهم من البشر، في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فضلت عليكم بأنه ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾، والوصف بالبشرية يتضمن إبطال ملك أحد من الخلق لشيء من الربوبية أو استحقاق الألوهية، لذا أتت هذه الآية تقرر حقيقة توحيد الله -لئلا يقع في القلب إرادة غير الله من الرسل أو الملائكة أو من دونهم-، عند قوله: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-499> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: الخلل في توحيد الربوبية، وعدم تعظيم الله - ﷿ -، ما أدى بقوم إلى صرف الربوبية للرسل، وبقوم آخرين إلى إنكار حكمة الله - ﷿ - من إرساله لرسله ﵈.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-500> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nأتت هذه الآية لتدلل على أن الطائفة الوحيدة التي عملت بمقتضى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾، فأثبتوا للرسل صفة البشرية ودرجة النبوة والرسالة دون إفراط ولا تفريط، هم المسلمون من أهل السنة والجماعة، ليتبين أن من خالفهم فهو مجانب للحق.","vol":"1","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-501>الآية الثانية:\nقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ الزخرف: ٥٩</span>، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-502> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nفي هذه الآية الكريمة ردٌ على بطلان ما زعمه الجفاة \"اليهود\"، من نفي النبوة عن عيسى ﵇، فأتت هذه الآية للرد عليهم، في قوله: ﴿أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾، أي: بالنبوة.\nكما أن في هذه الآية دليل على \"أنه يجب الإيمان بجميع رسل الله تعالى وعدم التفرقة بينهم في الإيمان، وأن الإيمان ببعضهم والكفر ببعض كالكفر بهم كلهم؛ لأن إضافتهم إلى الله تعالى واحدة ... قال تعالى في خواتم سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ البقرة: ٢٨٥، وبيَّن - ﷿ - في سورة النساء أن التفرقة بينهم في الإيمان هي الكفر حق الكفر، وأن الإيمان بالجميع بغير تفرقة هو الإيمان حق الإيمان (١) ... وقد انفرد بهذه الحقيقة العادلة المسلمون دون أهل الملل الوثنية من المجوس والهندوس، ودون أهل الكتاب الذين لا يؤمنون إلا بأنبياء بني إسرائيل ... \" (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-503> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما أن فيها ردًا لما زعمه النصارى من القول بأن المسيح - ﵇ - إنسان كامل وإله كامل في نفس الوقت، ومنهم من يغلب جانب ألوهيته على بشريته \"ناسوته\"، ومنهم من يغلب جانب بشريته على جانب \"لاهوته\" ألوهيته، فأتت هذه الآية لدلالة على أن الله جعل غاية عيسى - ﵇ - العبودية لا الإلهية، فقال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ﴾ أي: عبد لله كسائر الخلْقِ وليس إلهًا كما يدَّعُون، أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة ﴿أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾.\n_________\n(١) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ النساء: ١٥٠ - ١٥١.\n(٢) الوحي المحمدي رشيد رضا (ص ٢٠٢ - ٢٠٣).","vol":"1","page":462},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-504> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: اتكاؤهم على عقولهم في مفهوم الإيمان بالرسل.\nفسلك الجفاة منهم الإيمان ببعض الأنبياء دون البعض بمحض عقولهم، فأوجب اليهود على الله أن يحصر النبوة في شعب إسرائيل وحده، ووافقهم النصارى على حصر النبوة فيهم.\nبينما سار الغلاة، في رفع درجة النبوة والرسالة إلى مستوى الألوهية، بل أثبتوا قداسة غير الأنبياء من رسل المسيح وغيرهم من البابوات والعباد، وكذا ما فعله الشيعة مع أئمتهم، والصوفية مع ولاتهم (١)، فكانوا جميعًا مخالفين لمفهوم الإيمان بالرسل.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-505> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nأتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب الغلو والجفاء، بل هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، \"فعقيدة أهل السنة أصح مباني وأوضح معاني، وحسبك أنها جامعة لمحاسن العقائد\" (٢)؛ فقد صدقوا التصديق الجازم بأن الله تعالى: بعث في كل أمةٍ رسولًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له والكفر بما يعبد من دونه، وأَنَّ جميعهم صادقون مصدقون بارُّون راشدون كرام بررة أتقياء أمناء هداة مهتدون، وبالبراهين الظاهرة والآيات الباهرة من ربهم مؤيدون، وأنهم بلَّغوا جميع ما أرسلهم الله به، لم يكتموا حرفًا ولم يغيروه ولم يزيدوا فيه من عند أنفسهم حرفًا ولم ينقصوه، فهل على الرسل إلا البلاغ المبين. وأنهم كلهم كانوا على الحق المبين، والهدى المستبين، وأن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلًا، واتخذ محمدًا - ﷺ - خليلًا، وكلَّم موسى تكليمًا، ورفع إدريس مكانًا عليا، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الله تعالى فضل بعضهم على بعض ورفع بعضهم على بعض درجات. وقد اتفقت دعوتهم من أولهم إلى آخرهم في أصل الدين وهو توحيد الله - ﷿ - بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ونفي ما يضاد ذلك أو ينافي كماله. وأما فروع الشرائع من\n_________\n(١) ينظر: الوحي المحمدي لرشيد رضا (ص ١٩٨).\n(٢) الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم، لمحمد بن إبراهيم الوزير، تحقيق: علي العمران (٢/ ٥٢٢).","vol":"1","page":463},{"text":"الفرائض والحلال والحرام فقد تختلف فيفرض على هؤلاء ما لا يفرض على هؤلاء ويُخفف على هؤلاء ما شدد على أولئك ويحرم على أمة ما يحل للأخرى وبالعكس لحكمة بالغة وغاية محمودة قضاها ربنا - ﷿ - ليبلوكم فيما آتاكم، وليبلوكم أيكم أحسن عملا.\nوقد ذكر الله تعالى في كتابه منهم: آدم ونوحا وإدريس وهودا وصالحا وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف ولوطا وشعيبا ويونس وموسى وهارون وإلياس وزكريا ويحيى واليسع وذا الكفل وداود وسليمان وأيوب، وذكر الأسباط جملة، وعيسى ومحمدًا - ﷺ -، وقص علينا من أنبائهم ونبَّأنا من أخبارهم ما فيه كفاية وعبرة وموعظة إجمالًا وتفصيلًا ثم قال ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ النساء: ١٦٤، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ غافر: ٧٨ فنؤمن بجميعهم تفصيلًا فيما فصل وإجمالًا فيما أجمل (١). لذا فهذه الآية وأضرابها شاهدة على طريقة أهل السنة ومنهجهم العام في باب الإيمان بالرسل ﵈.\n_________\n(١) ينظر: معارج القبول بشرح سلم الوصل إلى علم الأصول (ص ٨٣٠).","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-506>الآية الثالثة:\nقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ الكهف: ١</span>. جمع الله تعالى في هذه الآية لنبيه محمد - ﷺ - بين صفتي الرسالة والعبودية، فكانت هذه الآية رادة على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-507> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nأتت هذه الآية للرد على من جفا في حق النبي - ﷺ - فلم يعرف منزلته ولا قدره ولا حقوقه، فعامله كسائر البشر، فلم يرفع بهديه رأسًا، كما هو حال كثير من الفلاسفة والملاحدة والعلمانيين والعصرانيين والماديين وغيرهم، فبين الله - ﷿ - أنه فضله على كثير ممن خلق بالنبوة فأوحى إليه وأنزل إليه الكتاب، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، ونظائر هذه الآية في الكتاب والسنة كثير.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-508> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما أن هذه الآية رادة على المفْرِطة، التي رفعت النبي - ﷺ - فوق منزلته، فجعلته في مرتبة الربوبية والألوهية -فوق مرتبة العبودية-، كما يفعل كثير من أهل البدع من الصوفية والقبورية وغيرهم، حتى صار عندها إلها وربا مسؤولًا، فأتت هذه الآية لتبدد هذا المعتقد الفاسد فوصفته بالعبودية، عند قول الله تعالى: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ﴾.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-509> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: انحرافهم في الإيمان بالكتاب \"القرآن الكريم\".\nفأقام الجفاة معتقدهم على: تعظيم العقل وتقديسه وتقديمه على الشرع، فلم يقدروا للنبي - ﷺ - قدره، إذ لم يلتزموا بأوامر الشرع التي جاء بها، بل رأوها مخالفة للمعقول.\nبينما أقام الغلاة معتقدهم على: فهم الكتاب بطريقتهم الخاصة، بعيدا عن الالتزام بحدود الشرع المنزل، فصرفوا أنواعًا من العبادة للرسول - ﷺ -، وتجاهلوا ما جاءت به نصوص","vol":"1","page":465},{"text":"الشرع وأوامره الكثيرة بتعظيم الله ﷾ وإجلاله وتقديسه وتنزيهه، وهي كثيرة جدًا (١)، بل غلا بعضهم فألّه الرسول - ﷺ - كما فعلت البريلوية.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-510> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nأتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، فهم وسط في باب الإيمان بالرسل بين أهل التفريط من الجفاة الذين لم يعرفوا للنبي - ﷺ - قدره، ولم يعملوا بشرعه، وبين أهل الإفراط من الغلاة الذين شبهوا المخلوق بالخالق، فصرفوا له أنواع من العبادة، زاعمين أنهم بذلك معظمين لمقام النبوة.\nوبذلك يكون أهل السنة والجماعة وسطا بينهم، فهم مقرون بنبوته - ﷺ - معترفون ببشريته، لا يجاوزون حدود الشرع في تعظيمه (٢)، ولا ينقصونه عن الحق الذي ارتضاه الله - ﷿ - لنبيه، فلا يعبد الله إلا بما شرع، مصدقين له - ﷺ - فيما أخبر طائعين له فيما أمر، مجانبين ما نهى عنه وزجر.\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ١٦٠ - ١٦١).\n(٢) التعظيم الحقيقي للنبي - ﷺ - لا يكون إلاّ وفق ما أمر به الشارع الحكيم وكان على فهم سلف هذه الأمة الذي به يُقضى على الغلو والتقصير في حقه - ﷺ - فتتحقق للأمة الوسطية التامة والخيرية الكاملة.\nينظر: خصائص المصطفى بين الغلو والجفاء، للصادق بن محمد بن إبراهيم (ص ١١).","vol":"1","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-511>المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالرسل</span>.\nأختم هذا الفصل بذكرٍ إجمالي للآيات الرادة على الانحراف العقدي في الإيمان بالرسل:\n١ - د قال الله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ الإسراء: ٩٣، ردت هذه الآية على الغلاة فأثبتت البشرية للرسل ﴿بشرًا﴾، كما ردت على الجفاة فأثبتت أنهم فضلوا على سائر البشر بالرسالة ﴿رسولًا﴾.\n\n٢ - د قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ النساء: ١٧١، ردت هذه الآية على الجفاة من اليهود المنكرين لنبوته فأتى قوله تعالى: ﴿رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ ليثبت أن عيسى - ﵇ - رسول، كما ردت هذه الآية على الغلاة من النصارى، في قوله ﴿الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ للدلالة على أن عيسى ابن مريم، ليس ابن الله.\n٣ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ آل عمران: ١٩، في هذه الآية رد على اليهود والنصارى، بل على كل المبتدعة، الذين خالفوا الإسلام الذي هو دعوة جميع الأنبياء، فتفرقوا ما بين مُفْرِط ومفَرِّط، وغال ومقصر.","vol":"1","page":467},{"text":"الباب الثالث:\n\nالفصل ٤ الآيات الواردة في الإيمان باليوم الآخر.\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد في تعريف اليوم الآخر.\nالمبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة\nفي الإيمان باليوم الآخر.\nالمبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع\nالمتقابلة في الإيمان باليوم الآخر.","vol":"1","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-513>تمهيد في تعريف اليوم الآخر:</span>\nإن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة، فلا يصح إيمان أحد حتى يؤمن به، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ النساء: ٨٧، ولأهمية هذا المعتقد وآثاره الكبرى في استقامة الفرد وصلاحه؛ عُني به القرآن الكريم عناية لا تقل عن العناية بالإيمان بالله ﷾، فكرر الآيات عنه، وربطها بالإيمان بالله وتوحيده (١)،\nومما يؤكد أهمية هذا المعتقد، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ البقرة: ٦٢، دالٌ على هذه العناية وأن الإيمان بهذا الركن قوام الحياة، وعليه مدار استقامة الإنسان، وصلاح خلقه، وطهارة حالة، وبدونه لا خيرَ في المخلوق لنفسه ولا لغيره، ولا يؤمن جانبه، ولا يطمأن إليه؛ لأنه قد انعدم عنده أصول الخير، وينابيع الفضيلة والكمال البشري (٢).\nلذلك لم يكن هذا الركن خاصًا بدين الإسلام، بل كان أحد الأسس العقائدية التي وجدت منذ أن خلق الله الإنسان، كما نجده واضحًا عند قدماء المصريين، وعند البراهمة من الهنود، ونجده عند الفرس أيضًا (٣).\n_________\n(١) العلاقة بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر علاقة اطراد وتكامل، فلا يستقيم الإيمان بأحدهم دون الآخر، فمن آمن بالله وصفاته كان إيمانه باليوم الآخر أسهل وأيسر، كما أنه لا يتصور أن يؤمن أحد باليوم الآخر ما لم يؤمن بالله - ﷾ -، إلا أن الناس قد افترقوا في الإيمان بالله واليوم الآخر، وقد أوضح شيخ الإسلام - ﵀ - ذلك، فقال: \" ولهذا افترق الناس في هذا المقام ثلاث فِرَق: فالسلف والأئمة وأتباعهم آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة وأن مباينة الله لخلقه أعظم. والفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب والعقاب ونفوا كثيرًا مما أخبر به من الصفات، مثل طوائف من أهل الكلام المعتزلة ومن وافقهم. والفريق الثالث: نفوا هذا وهذا، كالقرامطة الباطنية والفلاسفة أتباع المشائين ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر به عن نفسه وعن اليوم الآخر\". التدمرية (ص ٤٧ - ٤٨) ..\n(٢) ينظر: عقيدة المؤمن لأبي بكر الجزائري (ص ١٥٧ - ١٥٩)، والقصد والوسطية في ضوء السنة النبوية (ص ٣١٥ - ٣٢١).\n(٣) يرجع ذلك إلى الوحي عن طريق الأنبياء - لا إلى التطور الفكري كما يحلو للبعض أن يقول-، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ فاطر: ٢٤، كما يرجع إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها بإحساسهم جميعًا بضرورة وجود حياة آخرة يجازى فيها المحسن والمسيء.\nينظر: اليوم الآخر بين اليهودية والمسيحية والإسلام، لفرج الله عبد الباري (ص ٢٩ - ٤٨)، إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات للشوكاني (ص ١٤).","vol":"1","page":469},{"text":"كما أن الإيمان باليوم الآخر من الإيمان بالغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى كما دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فلم يُطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا، فلا يعلم أحدٌ متى تقوم الساعة إلا الله تعالى، وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ العقل البشري يجب عليه أن يتقبّل ما ورد عن الله تعالى كما جاء بلا إنكار أو تأويل.\nلذلك نجد أن السلف -﵏- قد قبلوا نصوص المعاد على ظاهرها، ولم يبحثوا في كيفية ما يرد من أحوال الآخرة؛ لأنها مما يجب الإيمان به كما ورد من غير تحريف ولا تأويل؛ ولأنه لا يحكم على الغيب إذ لا يقاس عالم الغيب على عالم الشهادة؛ ولأن كثيرًا من أحوال الآخرة الإيمان بها منوط بالإيمان بكمال قدرة الرب تعالى (١)، خلافًا لمن فتح باب الخوض فيها على مصراعيه من أصحاب البدع المتقابلة، حتى أفضى ببعضهم الأمر إلى إنكار ما جاء به الشرع، بحجّة الاعتماد على العقل.\n\nلذلك كان مذهب السلف الصالح - ﵃ - في باب الإيمان باليوم الآخر يقوم على أربعة ركائز:\nالأولى: الإيمان بما يكون قبله مما هو مقدمة له كالموت، وعذاب القبر (٢)، وأشراط الساعة.\nالثانية: الإيمان بالبعث.\nالثالثة: الإيمان بالحساب والجزاء، وأحوال اليوم الآخر.\nوالرابعة: الإيمان بالجنة والنار (٣).\nويحسن قبل الشروع في مباحث هذا الفصل التمهيد بتعريفه وبيان أهميته.\n_________\n(١) ومن ضاقت حوصلته عن ذلك، فالحديث معه يتجه إلى تقرير دلائل كمال قدرة الرب ﵎، ثم في متعلقاتها. ينظر: تفسير المنار (٤/ ٢٣٣)، نواقض الإيمان القولية والعملية، د. عبد العزيز آل عبد اللطيف (ص ٢١٩) وما بعدها.\n(٢) يضاف عذاب البرزخ ونعيمه إلى القبر لكون معظمه فيه، ولأن الغالب على الموتى أن يقبروا.\nينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٢٣٣).\n(٣) ينظر: تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٩٣)، المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٣٣٦)، شعب الإيمان (٢/ ٥)، مجموع الفتاوى (٢/ ٧٠٣)، فتاوى ابن عثيمين (٥/ ١٢٧).","vol":"1","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-514>أولًا: التعريف باليوم الآخر، ومعنى الإيمان به:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>في تعريف اليوم الآخر:</span>\nاليوم: واحد الأيام، يقول ابن فارس: \" الياء والواو والميم كلمة واحدة، وهي اليوم: الواحد من الأيام ... \" (١).\nوالآخر: نقيض المتقدم، يقول ابن فارس: \" الهمزة والخاء والراء أصل واحد صحيح، إليه ترجع فروعه، وهو خلاف التقدم\" (٢).\nوالمراد باليوم الآخر هنا: يوم القيامة، ويدخل فيه كل ما كان مقدمة إليه كالحياة البرزخية (٣)، وأشراط الساعة (٤).\nوسمي باليوم الآخر لتأخره عن الدنيا (٥)، فهو آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة (٦)، ويطلق عليه أسماء أخرى وردت في القرآن وذكرها أهل العلم، وأوردوا أدلتها، وبينّوا معانيها في كتبهم بما يغني عن تسطيره (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>معنى الإيمان باليوم الآخر</span>.\nالحياة في التصور الإسلامي ليست هي الحياة الدُّنيا القصيرة المحدودة، وليست هي عمر الإنسان القصير المحدود، وإنما الحياة في التصور الإسلامي تمتد طولًا في الزمان إلى أبد الآباد، وتمتد في المكان إلى دار أخرى في جنة عرضها السماوات والأرض، أو نار تتسع لكثير من الأجيال التي عمرت وجه الأرض أحقابًا من السنين -أعاذنا الله وإياكم منها- (٨).\n_________\n(١) معجم مقاييس اللغة (ص ١١١١)، وينظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٩٩٠)، الصحاح (٥/ ٢٠٦٥)، لسان العرب (١٢/ ٦٤٩).\n(٢) معجم مقاييس اللغة (ص ٩٣)، وينظر: تهذيب اللغة (١/ ١٣١)، الصحاح (٢/ ٥٧٦)، لسان العرب (٤/ ١١).\n(٣) البرزخ هو ما بين الموت إلى قيام الساعة. ينظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٢)، لوامع الأنوار (٢/ ٤).\n(٤) ينظر: تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٩٣)، المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٣٣٦)، شعب الإيمان (٢/ ١)، إحياء علوم الدين (٤/ ٤٤١)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٥)، معارج القبول (٢/ ٧٠٣)، فتاوى ابن عثيمين (٥/ ١٢٧).\n(٥) ينظر: العقيدة الواسطية لابن تيمية مع شرحها للدكتور صالح الفوزان (ص ١٤٢)، الفتاوى السعدية للشيخ عبد الرحمن السعدي (ص ١٦).\n(٦) ينظر: فتح الباري (١/ ١١٨)، فتاوى ابن عثيمين (٥/ ١٢٧).\n(٧) ينظر: إحياء علوم الدين (٤/ ٤٤١)، التذكرة في أحوال الموتى للقرطبي (١/ ٣٢٨)، النهاية لابن كثير (١/ ٣٢٣)، فتح الباري (١١/ ٤٠٣)، لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٦٨).\n(٨) ينظر: اليوم الآخر في ظلال القرآن لأحمد فايز (ص ٣ - ٤)، أشراط الساعة ليوسف الوابل (ص ٢٧ - ٢٨).","vol":"1","page":471},{"text":"كما أن أمر اليوم الآخر والتصديق به من الأمور التي لا يدخل الشخص في الإيمان حتى يؤمن بها على وفق ما أخبر الله - ﷿ - ورسوله - ﷺ - عنها، وأن الإيمان بذلك مما يحتاج إلى يقين قوي؛ إذ إن أكثر ما يضعف من عقيدة الشخص هو الجانب الأخروي وما يقع فيه من أحداث (١).\nوالمؤمن الحق يعترف بوقوعه، ويؤمن بتحققه؛ لأن الخبر عنه صادر من صادق مقطوع بصدقه، مجزوم بصحة خبره، \"ولذلك كان الإيمان بالغيب هذا تصديقًا للنبي - ﷺ -، وتصديقًا للقرآن الكريم، وإيمانًا بوحي السماء\" (٢).\nلذا فإن معنى الإيمان باليوم الآخر: هو الإيمان بالبعث، وبرجوع الناس إلى ربهم، لمجازاتهم يوم القيامة، فمن أحسن فله الحسنى -وهي الجنة-، ومن أساء فله ما عمل ومآله إلى النار، هذا في الجملة.\nويتبعه الإيمان التفصيلي، وهو: الإيمان بكل ما يجري في ذلك اليوم، وهذا الإيمان به واجب لمن سمع النص والدليل في كل مسألة من مسائل ذلك اليوم، ويدخل في ذلك الإيمان بأشراط الساعة وأماراتها، وبالموت وما بعده من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، وبالنفخ في الصور، وخروج الخلائق من القبور، وتفاصيل المحشر، ونشر الصحف، ونصب الموازين، وبالصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار، وكل هذا غيب أخفاه الله تعالى عنا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>ثانيًا: بيان أهمية الإيمان باليوم الآخر:</span>\nإن التصديق الجازم بانقلاب هائل يتم في الكون ويكون انتهاء هذه الحياة الدنيا بكاملها، وابتداء حياة أخرى وهي الدار الآخرة -بكل ما فيها من حقائق مدهشة من بعث\n_________\n(١) ينظر: الحياة الآخرة ما بين البعث إلى دخول الجنة أو النار، د. غالب بن علي عواجي (٣/ ١٥٢٥).\n(٢) ثمرات الإيمان بالله واليوم الآخر، للشيخ الغزالي خليل عيد (ص ٢٥٠)، وينظر: موقف فرق الباطنية من اليوم الآخر، أ. د. عبدالقادر عطا (ص ٢٥٧) من العدد الثالث لمجلة الدراسات العقيدة.\n(٣) ينظر: أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة (ص ٥٥)، العقيدة الواسطية لابن تيمية مع شرحها للدكتور صالح الفوزان (ص ١٤٢)، الفتاوى السعدية للشيخ عبد الرحمن السعدي (ص ١٦)، شرح الطحاوية لصالح آل الشيخ (٢/ ٢٢٠).","vol":"1","page":472},{"text":"الخلق وحشرهم وحسابهم، ومجازاتهم- (١)، وجعل هذا أحد أركان الإيمان الستة المذكورة في حديث جبريل (٢)، يُبرِزُ لنا أن للإيمان باليوم الآخر أهمية عظمى، تتضح فيما يلي:\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-518> أولًا: الحرص على طاعة الله تعالى:</span>\nالإيمان باليوم الآخر وما يشتمل عليه، \"يوجه الإنسان نحو القيام بالعمل الصالح ليتزود ليوم الآخرة بالثواب والفوز، وهذا لا شك له أقوى الأثر في نفس الإنسان المؤمن، إذ يخشى الله في كل عمل يقوم به\" (٣)، \"فإن العلم بذلك هو الذي يؤثر في النفس فيبعثها على العمل، وأما من كان على ظن أو شك فإنه يعمل تارة ويترك أخرى لتنازع الشكوك قلبه .. \" (٤).\nكما أن الذي لا يعتقد بهذا اليوم وينكره فهو ينكر الحساب والعقاب ويستهينُ بالأوامر والنواهي، والمرتاب في الثواب والعقاب، والمنكر للجزاء والحساب على الأعمال يُقدِم على فعل الفواحش دون وازع أو رادع، فلا نيران تدفعه، ولا صراط يمنعه، ولا جحيم تُحجمه، ولا جنة تقدمه، فتراه منكبا على المعاصي، غارقًا في الموبقات، مسارعًا إلى ارتكاب المنهيات؛ لأن اليوم الذي سيحاسب فيه لا وجود له في ضميره (٥).\nلذا فإن الإيمان بهذا اليوم يدفع صاحبه لفعل الخيرات، وترك المنكرات تجنبًا للعقاب في اليوم الآخر، قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ الأعراف: ٨ - ٩.\nوهكذا نجد ارتباطًا وثيقًا بين الإيمان والعمل الصالح؛ فبمقتضى الإيمان بالله، واليوم الآخر يتجه المرء نحو العمل الصالح، أملًا في نيل رضا لله تعالى، ورغبة في ثواب ذلك اليوم، ويبتعد عن معصيته خوفا من سخط الله وعقاب ذلك اليوم.\nيقول الشيخ السعدي - ﵀ -: \"إن معرفة ذلك اليوم حقيقة المعرفة، يفتح للإنسان باب الخوف والرجاء، اللذين إن خلا القلب منهما، خَرب كل الخراب، وإن عُمر بهما، أوجب له الخوفُ: الانكفاف عن المعاصي، والرجاء: تيسير الطاعة وتسهيلها، ولا يتم ذلك إلا بمعرفة تفاصيل\n_________\n(١) ينظر: عقيدة المؤمن لأبي بكر الجزائري (ص ٢٥٧).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الإسلام، برقم (٨).\n(٣) الإيمان باليوم الآخر، د. عبد السلام التونجي (ص ١٠٧).\n(٤) تفسير المنار (١/ ٢٤٣).\n(٥) وينظر: موقف فرق الباطنية من اليوم الآخر، أ. د. عبدالقادر عطا (ص ٢٥٩) من العدد الثالث لمجلة الدراسات العقيدة.","vol":"1","page":473},{"text":"الأمور التي يخاف منها وتحذر، كأحوال القبر وشدته، وأحوال الموقف الهائلة، وصفات النار المفظعة، وبمعرفة تفاصيل الجنة وما فيها من النعيم المقيم، والحبرة والسرور، ونعيم القلب والروح والبدع، فيحدث بسبب ذلك الاشتياق الداعي للاجتهاد في السعي للمحبوب المطلوب، بكل ما يقدر عليه.\nومنها: أن يعرف بذلك، فضل الله وعدله في المجازاة على الأعمال الصالحة والسيئة، الموجب لكمال حمده، والثناء عليه بما هو أهله\nوعلى قدر علم العبد بتفاصيل الثواب والعقاب، يعرف بذلك فضل الله وعدله وحكمته\" (١).\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-519> ثانيًا: ضبط السلوك بالتوجه إلى الخير والعصمة من الشر:</span>\nلما كانت الطبيعة البشرية فيها الاستعداد للخير والشر: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ الشمس: ٧ - ٨، فقد يطغى أحد الجانبين على الآخر، وقد يكون الغالب هو جانب الشر، بدافع الشهوات والغفلة، والتي غالبًا ما تجمح بصاحبها إلى تجاوز الحدود والتعدي على الآخرين.\nوواقع الحال يبين لنا كثيرًا أن ممن ارتكب جرائم التعدي في حق غيره وأوقع الظلم بهم، قد غادر الحياة مع المظلوم، قبل أن يأخذ هذا الأخير حقه منه: ولما كانت عدالة الله تعالى تقتضي القصاص وأن يأخذ المظلوم حقه من الظالم، كان لا بد من حياة أخرى غير هذه الحياة يقع فيها القصاص وهو ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾ المعارج: ٤٣، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ المؤمنون: ١١٥، وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ القيامة: ٣٦ (٢).\nلذا فإن للإيمان باليوم الآخر أثرًا بالغًا في انضباط سلوك الإنسان، وتوجيهه إلى الخير، والتزامه بالعمل الصالح، وتقوى الله - ﷿ -، وشتان ما بين اثنين:\n_________\n(١) تسير الكريم الرحمن، للسعدي (١/ ٢٩).\n(٢) ينظر: منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة (ص ٨٠٣).","vol":"1","page":474},{"text":"أحدهما: لا يعتقد ببعث ولا حساب على أعماله وأقواله، ولا يقيده غير مصلحته، ومنفعته الذاتية.\nوآخر: يعتقد بيوم يحاكم فيه الإنسان على أعماله وأقواله، وأمام أحكم الحاكمين، فيثاب على الخير، ويعاقب على الشر.\nفالأول منفلت من أي ضوابط سوى هواه وشهواته، والغاية عنده أنانية، تبدد أي وسيلة وأي خلق وأي عمل صالح، فهو يقهر اليتيم، ويمنع إطعام المسكين، يشير الله - ﷿ - إلى ذلك بقوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ الماعون: ١ - ٣.\nوالآخر منضبط في حدود الحق والخير والصواب، يسارع في الخيرات ويحافظ على الصلوات ويؤدي الزكوات، يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ التوبة: ١٨ (١).\nلذا فـ\"إن الإيمان بالبعث والجزاء أصل صلاح القلب، وأصل الرغبة في الخير، والرهبة من الشر اللذين هما أساس الخيرات\" (٢)، ولا شيء يحض على التطوع بما وراء التكليف أكثر من ذلك، إلا الإيمان العميق بأن الحسنة بعشر أمثالها (٣)، وأن ما يبذله الإنسان من جهد زائد على التكليف سيعوض عنه في اليوم الآخر بمتاع أعلى، وأشهى، وأشف: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ\n_________\n(١) ينظر: القصد والوسطية في ضوء السنة النبوية (ص ٣٣٣ - ٣٣٥).\n(٢) تيسير الكريم الرحمن (١/ ٣٦٠).\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب: \"هل يقول: إني صائم إذا شتم؟ \"، برقم (١٩٠٤). ومسلم في كتاب الصيام، باب: \"فضل الصيام\"، برقم (٢٧٠٠). من حديث أبي هريرة ﵁. قال رسول الله - ﷺ -: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله - ﷿ -: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).","vol":"1","page":475},{"text":"النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ آل عمران: ١٤ - ١٧.\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-520> ثالثًا: ضبط شهوات النفس:</span>\nالنفس ذات شهوات متعددة، ومتطلبات كثيرة، وإذا ما حقق الإنسان لها واحدة طلبت الأخرى، وهكذا إلى ما لا ناهية، لكن المؤمن بوجود حياة أخرى يلقى المرءُ فيها جزاءه، يجعله سيدًا لشهواته حاكمًا لها، \"فيتقبل المسلم ما فرضه الله عليه من قيود على شهواته راضيًا بالقيد غير شاعر بالحرمان؛ لأنه مطمئن إلى أن كل متاع زائد عن الحد يتركه الإنسان في الدنيا طاعة لله سيعوض عنه أضعافًا مضاعفة في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين\" (١)، فالإيمان باليوم الآخر والتصديق به هو صمام لحياة الاستقامة والطهر والعفة وضبط الشهوات.\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-521> رابعًا: الزهد في الدنيا، وتسلية المؤمن عمّا يفوته من نعيمها:</span>\nلعل من حكمة الاهتمام البالغ بالتذكير باليوم الآخر كثرة نسيان العباد له وغفلتهم عنه، بسبب تثاقلهم إلى الأرض، وحبهم لمتاع الدنيا، فيكون الإيمان به، وبما فيه من عذاب ونعيم مخففًا من الغلو في حب الدنيا.\nكما أنه لا شيء يرفع الإنسان من إخلاده إلى الأرض -بعد الإيمان بالله- إلا الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بأن كل متاع زائد يتنازل عنه الإنسان في الحياة الدنيا - طاعةً لله والتزاما بأمره - يعوض عنه في الآخرة متاعا أعلى وأخلد وأبقى، والإيمان في ذات الوقت بأن كل خروج على أمر الله في الحياة الدنيا من أجل متاع الأرض الزائل - سيجازى عليه في الآخرة عذابا أليما.\nفيعلم العباد أن شهوات الدنيا كلها لا تستحق الطلب بشرهٍ والجهد والتنافس فيها بحرص، وأن الذي يستحق منهم ذلك هو ما أعده الله - ﷿ - لهم في اليوم الآخر، قال تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ التوبة: ٣٨، فحين يؤمن الإنسان باليوم الآخر\n_________\n(١) ينظر: القصد والوسطية في ضوء السنة النبوية (ص ٣٣٣).","vol":"1","page":476},{"text":"إيمان يقين، تحسم القضية في حسه حسمًا كاملًا، تستقر الأمور له، فكل نعيم الدنيا لا يقاس إلى نعيم الآخرة، ولا يساوي من جهة أخرى غمسة واحدة في العذاب من أجله، وكل عذاب في الدنيا -في سبيل الله- لا يقاس إلى عذاب الآخرة، ولا يوازي من جهة أخرى غمسة واحدة من أجله في النعيم (١).\nكما أن الإيمان باليوم الآخر فيه تسلية للمؤمن عمّا يفوته من نعيم الدنيا ومتاعها بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها (٢).\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-522> خامسًا: تماسك المجتمع واستقراره:</span>\nالإيمان بالبعث بعد الموت يحفظ للمجتمع استقراره، فلو لم يكن هناك بعث ولا حساب ولا عقاب، لما كان هناك ما يدعو إلى المحافظة على قيم المجتمع وأخلاقياته، ولما كان هناك داع إلى أداء الواجبات وغير ذلك.\nفالإيمان باليوم الآخر وما يتبعه من أحداث يثبت النظام في الدولة، ويهذب السلوك الإنساني، ويقوم الأفعال الشاذة، فالمؤمن به لا يحتاج إلى قوة -كالشرطة-تدفعه إلى المحافظة على القانون-؛ لأن الإيمان باليوم الآخر يدفعه إلى التزام الحق وتحري العدل، وأقرب مثال على ذلك: المؤمنون في الوقت الحاضر، فالمؤمن الحق لا يشرب خمرًا، رغم أن كثيرًا من الدول لا تعاقب على شربه، وكذا الزنا وغيره من المحرمات لا يرتكبه المؤمن، فما الذي دفع المؤمن إلى التمسك بهذا سوى الإيمان باليوم الآخر.\nوفوق ذلك فإن الإيمان باليوم الآخر هو الباعث الأكبر على الجهاد في سبيل الله، وعلى التطوع بأعمال الخير .. وكلاهما أمر عميق الغور في بنية المجتمع المسلم، وتلك هي الوسطية، بمعنى الخيرية الكامنة في الإيمان باليوم الآخر (٣).\nفالإيمان بعقيدة البعث والجزاء الأخروي هو الباعث الحقيقي لاستمرار الحياة نحو هدفها السامي وغايتها المثلى.\n_________\n(١) ينظر: القصد والوسطية في ضوء السنة النبوية (ص ٣٣٦).\n(٢) عقيدة أهل السنة والجماعة للعثيمين (ص ٣٣).\n(٣) ينظر: القصد والوسطية في ضوء السنة النبوية (ص ٣٣٧).","vol":"1","page":477},{"text":"o<span data-type=\"title\" id=toc-523> سادسًا: العدل بين البشر:</span>\nاقتضت حكمة الله - ﷿ - ألا يترك الظالم هكذا دون حساب وعقاب، والمظلوم دون أن يأخذ له حقّه من ظالمه، بل حكمته تعالى ورحمته تقتضيان أن يأخذ كل ذي حق حقه، وكل ظالم جزاءه، ولهذا فإن العدل بين البشر يقتضي البعث والجزاء، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾ يونس: ٤، فاللام تعليلية، أي: يعيد الخلق بعد موتهم، ليجزي المحسن، ويحاسب المسيء (١).\nإن الخلق يصبح عبثًا وباطلًا إذا لم يوجد هناك يوم آخر، يبعث فيه الناس، ويحاسبون على أعمالهم التي عملوها في الحياة الدنيا. والحياة تصبح عبثًا، وخلق السموات والأرض يصبح باطلًا لو كانت الحياة الدنيا هي نهاية المطاف. فنحن نشاهد في الحياة الدنيا مؤمنين وكفارًا، تختلف معتقداتهم وسلوكهم، ويختلف موقفهم من الخالق سبحانه، ثم تنتهي حياة هذا وحياة هذا، فهل يستوي المحسن والمسيء؟ . ونشاهد ظالمين إلى أن يموتوا، ومظلومين إلى أن يموتوا، فهل يكون من العدل أن يُترك هذا وذاك بدون قصاص وعدل؟\nكلا بلا شك، ولا يجوز ذلك في حق عدالته وحكمته سبحانه؛ بل لا تستقيم الصورة ولا يتبين الحق حتى توضع التكملة الطبيعية للحياة الدنيا، وهي اليوم الآخر الذي يحاسب الناس فيه فيكرمون أو يهانون.\nومن هنا كان البعث ضروريًا حتى تستقيم الحياة، ويتطهر السلوك، ويرتدع الظالم عن ظلمه، والفاحش عن فحشه إذا خاف يومًا يعرض فيه على ربه، كما قال تعالى رادعًا للمطففين في الكيل: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ المطففين: ١ - ٦.\nكان البعث ضروريًا أيضًا حتى يتبين الصادق من الكاذب في أمور العقائد وغيرها، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾ النحل: ٣٨ - ٣٩ (٢).\n_________\n(١) ينظر: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٠٨)، وتفسير أبي السعود (٤/ ١١٩).\n(٢) ينظر: القصد والوسطية في ضوء السنة النبوية (ص ٣٢٦).","vol":"1","page":478},{"text":"o<span data-type=\"title\" id=toc-524> سابعًا: تحقيقًا للتوحيد:</span>\nيتضمن إنكار البعث تعطيلًا لأسماء الله وصفاته ومقتضاها، وإنكارًا لعلم الله تعالى وقدرته وحكمته (١)، بينما يتضمن الإيمان بذلك عكس ذلك تمامًا، كما أن الإيمان بالله وباليوم الآخر يلزم منه الإيمان ببقيّة الأركان (٢).\nونخلص من هذا كله إلى أن عقيدة الإيمان باليوم الآخر تمثل إحدى المفاهيم الأساسية وعلامة على واقعية ديننا الحنيف، ونظرته إلى حياة الإنسان ككل متكامل، وفهم عميق لحقيقتها التي تجمع بين الجوانب المادية والروحية معًا؛ ولا ريب أن محاولة التشكيك في هذه العقيدة، إنما تهدف إلى التحللّ من أحكام شريعتنا، وإزالة الضوابط التي تحول بين الإنسان وبين الوقوع في دائرة الفساد والإباحية.\n_________\n(١) ينظر: نواقض الإيمان القولية والعملية (ص ٢٢٣).\n(٢) ينظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (١/ ٦٩).","vol":"1","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-525>المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>تمهيد:</span>\nإن أهل الأهواء والبدع قد وقفوا من هذا الركن موقفهم من الأركان السابقة، فتباينت مواقفهم تجاه الإيمان باليوم الآخر، بين غالٍ فيه، وكافر به (١)، والبحث في هذا الباب -الإيمان باليوم الآخر- بحثٌ طويل، وما يندرج تحته من المسائل شيءٌ كثير، والمتصل من ذلك بموضوع المبحث هو البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر.\nويمكن إجمال ما ورد من انحراف الفرق في الإيمان باليوم الآخر إلى الأسباب التالية:\n١ - فساد الإيمان بهذا الركن من أركان الدين تابع لفساد الركن الأول وهو الإيمان بالله تعالى ومعرفته.\n٢ - الانحراف في الإيمان بالغيب والانحباس في عالم الشهادة، وهذا مرتبط بانحرافهم في الربوبية، الذي يؤثر في قبول علم الله الغيبي؛ لأنه لم يعد هناك مبرر للقول بغيب ديني ومن ذلك أحداث اليوم الآخر، وهناك أمر مشترك عند أغلب المكذبين بالغيب وهو انحباسهم في عالم الشهادة، ووقوعهم بين طرفي نقيض، عند إرادتهم تفسير الأمور الغيبية، فإما أن يجلبوا ذاك الغيب بصور شتى إلى عالم الشهادة، وإما أن ينفوا ذلك الغيب مطلقًا (٢).\n٣ - الخوض في تصور كيفية اليوم الآخر، وقياسهم عالم الغيب على عالم الشهادة.\n٤ - الانحراف في الأسماء والأحكام، ومحاولة التزامهم بالأصول التي أصلوها لأنفسهم، كإنكار الخوارج للشفاعة (٣)؛ وذلك لأن إثباتها يخالف أصلًا من أصولهم وهو\n_________\n(١) ينظر أقوال الفرق في الإيمان باليوم الآخر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٣٨)، الصواعق المرسلة (٢/ ٤٧٣ - ٤٨٠)، التدمرية (ص ٤٧ - ٤٨)، تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة (١/ ٣٥٢) وما بعدها.\n(٢) ينظر: النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية (٢/ ٨٩١ - ٨٩٢).\n(٣) ينظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٦٨٨)، الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ٦٣) وما بعدها.","vol":"1","page":480},{"text":"خلود الفساق المذنبين من المسلمين في النار، وعدم خروجهم، وهكذا مع بقية الفرق الضالة (١).\n٥ - الخلل في طريقة الاستدلال، وذلك بالاعتماد على مقدمات وأقيسة عقلية، جعلوها مصدر هداية.\nومن أجل هذا فقد انقسم الناس إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان!، وبيان ذلك في المطلبين الآتيين.\n_________\n(١) فتعتقد الخوارج أن الفاسق كافر في الدنيا، مخلد في النار يوم القيامة، يجوز سلب ماله واستحلال دمه واسترقاقه وتطليق زوجته منه. . . وهو في الآخرة يائس من رحمة الله للجزم بأنه كافر ومخلد في نار جهنم.\nأما المعتزلة فيوافقونهم في حكم يوم القيامة، فهؤلاء ضيقوا على الناس بمحاسبتهم بكبائرهم ومعاصيهم، فكم يبقى في الدين من رجل بعد هذا التشدد والتعسير؟\nوعند المرجئة المؤمن على رأيين:\n١ - من أوقفوا الإيمان على مجرد المعرفة والإقرار القلبي بالله وبرسوله، فلا فرق بين المؤمن والكافر إلا بالجهل بالرب أو جحوده، هذا عند المرجئة المحضة من الجهمية ومن وافقهم.\n٢ - من حد الإيمان بالنطق باللسان فقط - وهم الكرامية - وإن جحد قلبه، فعلى هذا اسم المؤمن عندهم في الدنيا شمل المنافق والمعاند والزنديق؛ لأنهم أظهروا كلمة الإيمان نطقا، وإن لم يعتقدوها قلبا أو يطبقوها عملا.\nأما في الآخرة فعند المعرفية من المرجئة - كالجهمية المحضة وغيرهم - لا يدخل النار إلا الملاحدة المنكرون بقلوبهم وألسنتهم وجود الله، والمكذبون بقلوبهم الرسول - ﷺ - .. وعند الكرامية كل من نطق بلسانه دخل الجنة، وإن كان ما في قلبه خلاف ذلك، ومن لم ينطق بلسانه، بل اكتفى بتصديق قلبه وإيمانه ويقينه، فهو من أهل النار .. وبقية المرجئة مترددون ومنتقلون في هذا بينهما بشيء من الزيادة والنقصان، فمن ناقص على قولهم ومن زائد عليه كما سبق الكلام عليهم تفصيلا.\nوهؤلاء العصاة مهما كانوا عليه من معصيتهم أو كفرهم فهم كاملو الإيمان، فلا حاجة إلى جهاد المشركين، كما أنهم يتركون الملاحدة والمفسدين يعيثون في الأرض الفساد بجامع أنهم مؤمنون، بل وسعوا دائرة الإيمان وأدخلوا فيها الزنادقة وأكفر الكفرة.\nينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٨)، الملل والنحل (١/ ١١٥، ١٣٩ - ١٤٠)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١٠٨).","vol":"1","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في الإيمان باليوم الآخر</span>.\nبالرغم من إجماع الأديان السماوية والملل (١)، وعلى رأسها الإسلام على وجوب الإيمان باليوم الآخر، وإثبات البعث بعد الموت حقيقة واقعة لا ريب فيها، إلا أنه قد وجد قديمًا وحديثًا من ينكر هذه الحقيقة، وينازع في إمكان وقوعها بعد الموت، وعلى رأس هؤلاء المنكرين الدهريون والطبيعيون من الفلاسفة المتقدمين.\nوحاصل مذهبهم إنكار البعث بعد الموت، والجنة والنار والجزاء الأخروي، حيث جعلوا الغاية من وجود الإنسان هي التعقل والتأمل المطلق للكون، وعند هذا الحد ينتهي دورهم في الحياة (٢).\nوقد تأثر بمذهبهم من جاء بعدهم من الفلاسفة، وخاصة الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام كالفارابي، وابن سينا، وابن رشد، فهؤلاء وإن لم ينكروا البعث مطلقًا لكنهم أنكروا البعث الجسماني (٣)؛ لأنه لا يمكن البرهنة عليه عقلًا بزعمهم.\nومن ثم أنكروا النعيم والعذاب الحسي الأخروي المتمثل في وجود الجنة والنار، والحشر والحساب، والصراط، ووزن الأعمال، وجعلوا جميع ذلك أمورًا معنوية تحصل للروح فقط، بعد مفارقتها البدن حيث تصبح عالمًا عقليًا مطلقًا (٤).\nكما أن الإسماعيلية (٥)\n- التي تنسب إلى الإسلام كذبًا- تنكر الجنة والنار وغيرها من الأمور الأخروية ويؤولون النصوص المختصة باليوم الآخر بأن المراد بها تناسخ الأرواح، وكذلك\n_________\n(١) مما لا شك فيه أن الكتب السماوية التي أنزلها الحق ﵎ كانت تزخر نصوصها بذكر اليوم الآخر، والتخويف منه، والتبشير بما أعده الله للمؤمنين به في جنات النعيم، والتحذير من النار وأهوال القيامة، إلا أن هذه الكتب طرأ عليها تحريف كثير، وذهب كثير من نصوصها التي تتعرض لليوم الآخر. ينظر: الوسطية في ضوء القرآن الكريم للصلابي (ص ٢٩٨).\n(٢) ينظر: تاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم، (٢/ ٤٠٣ - ٤١٥)، القضاء والقدر في الإسلام، د. فاروق دسوقي (٣/ ١٨٥ - ١٩٢).\n(٣) وحاصل مذهبهم في هذا الجانب أنهم جعلوا للمعاد صورتين: الأولى: جسمانية وهي الأدنى في نظرهم، وهي التي نطقت بها الشريعة، وثبتت بالنص المتلقى من النبوة. الثانية: روحانية، وهي الأكمل، وقد ثبتت بالعقل والقياس البرهاني بزعمهم، وانتهوا إلى إنكار المعاد الجسماني، والقول بالمعاد الروحاني الذي حقيقته: أن الأرواح تعود إلى عالمها الأول، الذي صدرت منه، وفارقته مدة مصاحبتها للبدن، وهو عالم العقول المفارقة على اختلاف بينهم في عودها وبقائها.\nينظر: الصفدية (٢/ ٢٨٣)، موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من آراء الفلاسفة (ص ٤٥٥ - ٤٥٦).\n(٤) ينظر: موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من آراء الفلاسفة ومنهجه في عرضها، د. صالح الغامدي (ص ٤٥٥).\n(٥) الإسماعيلية: فرقة باطنية، انتسبت إلى الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق، ظاهرها التشيع لآل البيت، وحقيقتها هدم عقائد الإسلام، تشعبت فرقها وامتدت عبر الزمان حتى وقتنا الحاضر، وحقيقتها تخالف العقائد الإسلامية الصحية. وقد مالت إلى الغلو الشديد لدرجة أن الشيعة الاثني عشرية يكفرون أعضاءها. وقد تشعبت الإسماعيلية لفرق عده، هي: الإسماعيلية القرامطة، والإسماعيلية الفاطمية، والإسماعيلية الحشاشون،","vol":"1","page":482},{"text":"الدروز (١) الذين يزعمون أن يوم الحساب هو اليوم الذي يبلغ فيه التوحيد غايته بالانتصار على العقائد الشركية، أما البعث فباطل لا أساس له.\nوهذا الموقف من التأويل والتحريف يقول به العصرانيون، فهم قد وقفوا من هذا الركن موقفًا غريبًا، إذ سلطوا على آيات القرآن وأخبار السنة الصحيحة التأويل والإنكار إرضاءً لعقولهم، فحملوا النصوص الثابتة اليقينية حول أحوال يوم القيامة على أنها تمثيل وتصوير، لا حقيقة واقعة، فحملُ عرش الرب سبحانه على أنه تمثيل لكمال عزته، وأخذ الكتب باليمين يراد به الاستبشار والابتهاج، والتناول بالشمال يراد به العبوس، وكذلك النفخ في الصور هو تمثيل وتصوير لما سيجري، وهذا التأويل عندهم كثير جدًا وهم لا يقصرونه على أخبار المستقبل، بل عموا به الأخبار القرآنية في الماضي أيضًا وهو القصص القرآنية (٢).\nوما من فرقة من الفِرَق الضالة إلا ونجد لها موقفًا مخالفًا في الإيمان باليوم الآخر، ابتداء من عند الموت إلى دخول الجنة والنار من التحريف والتأويل والإنكار (٣).\n_________\nوإسماعيلية الشام، والإسماعيلية البهرة، والإسماعيلية الأغاخانية، ... ويتضح أن الإسماعيلية في بدايتها كانت إحدى الفرق الشيعية، ولكنها غلت في أئمتها وتأثرت بمؤثرات كثيرة حتى وصل الأمر إلى أن اعتبرتها معظم الفرق الإسلامية كافرة وخارجة من حظيرة الإسلام، لما أسبغوه على إمامهم من صفات تصل به إلى ما يشبه مقام الألوهية، ولقولهم بالتناسخ وإنكارهم صفات الله ﷾، ولعدم استمدادهم عقيدتهم من خالص الكتاب والسنة.\nينظر: الموسوعة الميسرة (١/ ٣٨٣ - ٣٨٩)، بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات (ص ٥١)، معجم ألفاظ العقيدة (ص ٤٣).\n(١) الدروز: فرقة من فرق الشيعة سموا بذلك نسبة إلى رجل يقال له نوشتكين الدرزي وهم طائفة من الإسماعيلية قالوا: بإلهية الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي ويلقبون أحيانًا بالحاكمية، والطائفة الدرزية فرقة باطنية تعتبر نفسها منذ ما يقرب من ألف سنة في دور الستر فلا يكشفون أمر عقائدهم بما يلقي الضوء على مذهبهم، يقوم مذهبهم على ألوهية الحاكم بأمر الله، ويعتقدون أنهم الموحدون، ويزعمون أن الحاكم بأمر الله قد نسخ شريعة الإسلام وأسقط التكاليف، يأخذون صفات الله - ﷿ - ويطبقونها على الحاكم بأمر الله، فالإله عندهم هو الحاكم بأمر الله.\nينظر: عقيدة الدروز، د. محمد أحمد الخطيب (ص ١٢)، الموسوعة الميسرة (١/ ٣٩٧).\n(٢) ينظر: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير، لفهد بن عبد الرحمن الرومي (ص ٥٣٢).\n(٣) ينظر: تناقض أهل الأهواء والبدع (١/ ٣٥٢).","vol":"1","page":483},{"text":"ومن خلال ما سبق يمكننا الوقوف على طرق الانحراف المؤدية إلى التفريط في الإيمان باليوم الآخر، وهي:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-528> أولًا: عدم إثبات صفات الله - ﷾ - أو بعضها:</span>\nوإن اعترف الكفار بوجود الخالق، إلا أنهم يكذبون بالبعث والنشور، ومن هؤلاء طائفة من اليهود يسمون بالصادقين (١)، ومن هؤلاء العرب الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ لقمان: ٢٥، فهؤلاء يزعمون أنهم يؤمنون بالله، ولكنهم يدعون: أن قدرة الله عاجزة عن إحيائهم بعد إماتتهم، ويسخرون من البعث-وهو فعل من أفعال الرب جل وعلا-، فهم إذن لم يُقّروا لله بأفعاله بل كفروا بها كما قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ التغابن: ٧، وهم الذين ضرب الله لهم الأمثال، وساق لهم الحجج والبراهين (٢) لبيان قدرته على البعث والنشور، وأنه لا يعجزه شيء.\nفعذاب القبر والبعث والنشور ونشر الصحف ووزن الأعمال والعرض والتعذيب بالنار والإنعام بالجنة، لا يؤمن بها إلا من صح توحيده بالله - ﷿ - وبصفاته؛ لأنها من أفعال الله تعالى، ويدلنا إنكارهم لها على أنهم غيرُ موحدين لله بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-529> ثانيًا: الكفر بالله:</span>\nمن أعظم أسباب التكذيب باليوم الآخر الكفر، لذا فإننا نجد أن اليهود، والنصارى ينكرون الأكل، والشرب، والنكاح في الجنة، ويزعمون: أن أهل الجنة إنما يتمتعون بالأصوات المطربة، والأرواح الطيبة مع نعيم الأرواح، وهم يقرون مع ذلك بحشر الأجساد مع الأرواح ونعيمهما وعذابهما.\n_________\n(١) يزعمون: أنهم لا يؤمنون إلا بتوراة موسى، وهم يكذبون بالبعث والنشور والجنة والنار.\nينظر: القيامة الكبرى، لعمر الأشقر (ص ٧٢).\n(٢) ومن هذه الحجج (بداية الخلق - أن الخلق يصبح عبثًا وباطلًا إذا لم يكن بعث ولا يوم آخر ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ المؤمنون: ١١٥. ينظر: الوسطية في ضوء القرآن الكريم للصلابي (ص ٢٩٨).","vol":"1","page":484},{"text":"كما أن الصابئة، والفلاسفة، ومن وافقهم؛ يقرون بحشر الأرواح فقط، وأن النعيم والعذاب للأرواح فقط.\nأما طوائف من الكفار، والمشركين، وغيرهم فينكرون المعاد بالكلية، ولا يقرون لا بمعاد الأرواح، ولا الأجسام، وقد بين الله تعالى في كتابه على لسان رسوله أمر معاد الأرواح، والأجساد، ورد على الكافرين والمنكرين لشيء من ذلك بيانًا تامًا غاية التمام والكمال.\nكما نجد أن المنافقين من هذه الأمة، لا يقرون بألفاظ القرآن والسنة المشهورة، بل يحرفون الكلام عن مواضعه، ويقولون: هذه أمثال ضربت لنفهم المعاد الروحاني، وهؤلاء مثل القرامطة الباطنية (١) الذين قولهم مؤلف من قول المجوس، والصابئة، ومثل المتفلسفة الصابئة المنتسبين إلى الإسلام ممن ضاهوهم: من كاتب، أو متطبب، أو متكلم، أو متصوف، أو منافق (٢).\nولا يفوت دور الملاحدة الذين أنكروا وجود الخالق، ومن هؤلاء كثير من الفلاسفة الدهرية الطبائعية، ومنهم الشيوعيون (٣) في عصرنا، وهؤلاء ينكرون صدور الخلق عن خالق، فهم منكرون للنشأة الأولى، والثانية، ومنكرون لوجود الخالق أصلًا، ولا يحسن مناقشة هؤلاء في أمر المعاد، بل يناقشون في وجود الخالق، ووحدانيته أولًا، ثم يأتي إثبات المعاد بعد ذلك؛ لأن الإيمان بالمعاد فرع عن الإيمان بالله (٤).\n_________\n(١) هم فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة، يقال لهم الإسماعيلية، لانتسابهم إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ويقال لهم القرامطة، قيل نسبة إلى قرمط بن الأشعث البقار، الذي انقلب على الإسماعيلية الباطنية وقام بإنشاء مذهبًا خاصًا به؛ ظاهرها التشيع لآل البيت والانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وحقيقتها الإلحاد والإباحية وهدم الأخلاق والقضاء على الدولة الإسلامية، قالوا إن للإسلام ظاهرًا وباطنًا، حكموا في فترة من الفترات الجزيرة وبلاد الشام والعراق وما وراء النهر، وارتكبوا مجازر بحق المسلمين وهم الطائفة الوحيدة التي تجرأت على سرقة الحجر الأسود من الكعبة المشرفة، وقد تميزت بالقتل والاغتيالات لأهداف سياسية ودينية متعصبة.\nينظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٤١)، البداية والنهاية (١١/ ٧١)، تاريخ ابن خلدون (٤/ ٣٠)، معجم ألفاظ العقيدة (ص ٣٣٣).\n(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٣).\n(٣) هي حركة فكرية اقتصادية يهودية إباحية وضعها كارل ماركس تقوم على الإلحاد وإلغاء الملكية الفردية وإلغاء التوارث وإشراك الناس كلهم في الإنتاج على حد سواء، ومن مبادئ الشيوعية أن المادة هي أصل الحياة وليس لها خالق ولا مبدع ولا متصرف فهي بهذا المبدأ تحارب جميع الأديان، وكذلك محاربتها للرأسمالية ومحاربة للحشمة والفضيلة والتمسك الاجتماعي والبناء الأسري، وإثارة حقد الفقراء والعمال ضد أصحاب الأموال والسلطات.\nينظر: الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة، أ. د. ناصر القفاري، أ. د. ناصر العقل (ص ٩٠)، ومعجم ألفاظ العقيدة (ص ٢٤٨).\n(٤) ينظر: اليوم الآخر القيامة الكبرى لعمر الأشقر (ص ٧٢)، الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة للدكتورين العقل والقفاري (ص ١١ - ١٣).","vol":"1","page":485},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-530> ثالثًا: إمهال الله لهم على كفرهم وسوء صنيعهم:</span>\nقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ الماعون: ١ - ٣، جعل الله من أخص صفات المكذبين بيوم القيامة الذين فسدت عقائدهم: سوء أخلاقهم مع المجتمع، وخاصة مع من لا يرجون من ورائه نفعًا دنيويا عاجلًا كاليتامى والمساكين والضعفة.\nبل نجد هذا ظاهرًا في المذاهب المادية كالرأسمالية \"البرجوازية\" (١) وغيرها؛ وما ذلك إلا لِمَا هم فيه من أبهة الغنى، فظنوا أن لهم عند الله الحظوة في الدنيا، وكذا في الآخرة؛ وهذا من جهلهم، واغترارهم بالحياة الدنيا، وزينتها، فقال: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ سبأ: ٣٥، وقال: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ فصلت: ٥٠.\nكما أن كثيرًا من أهل الكفر والجهل توهم أن إمهال الله لهم دليل على أنه لا حياة آخرة فضلوا وأضلوا، فقال الله - ﷾ - عنهم: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ العنكبوت: ٥٣.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-531> رابعًا: إقحام العقل القاصر في تصور عالم الآخرة الغائب:</span>\nنجد إقحام العقل القاصر في تصور عالم الآخرة الغائب، واضحًا عند استعراض أقوال المذاهب في حشر الأجساد:\nفالفلاسفة الطبيعيون: أنكروا البعث كلية، زاعمين أن اعتدال المزاج له تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان؛ فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضًا، وأنها تبطل ببطلان مزاجه، فتنعدم، ثمّ إذا انعدم فلا يعقل إعادة المعدوم (٢).\n_________\n(١) الرأسمالية -أو البرجوازية كما يسميها الشيوعيون-: نظام اقتصادي ذو فلسفة اجتماعية وسياسية يقوم على أساس تنمية الملكية الفردية والمحافظة عليها، متوسعًا في مفهوم الحرية، ولقد ذاق العالم بسببه ويلات كثيرة، وما زالت الرأس مالية تمارس ضغوطها وتدخلها السياسي والاجتماعي والثقافي وترمي بثقلها على مختلف شعوب الأرض، وأهم معتقداتها البحث عن الربح بشتى الطرق والأساليب -إلا ما تمنعه الدولة لضرر عام كالمخدرات-، وتقديس الملكية الفردية، والمنافسة والمزاحمة في الأسواق، ونظام حرية الأسعار.\nينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة (ص ٢٣١).\n(٢) ينظر: الكليات للكفوي (ص ١٤٦)، شرح المقاصد لتفتازاني (٢/ ١٥٥).","vol":"1","page":486},{"text":"الفلاسفة الإلهيون: وهم يرون أن البعث للروح فقط، وأنكروا المعاد الجسماني (١)، بمعنى: أن الأجساد لا تحشر، وإنما المثاب والمعاقب هي: الأرواح المجرّدة، والمثوبات والعقوبات روحانيات لا جسمانية (٢).\nأهل التناسخ (٣): وزعموا أن الإعادة إنما تكون بكرور الأرواح في أجساد مختلفة، وذلك كله في الدنيا، وأن كل روح أحسنت في قالبها أعيدت في قالب يتنعم فيه، وكل روح أساءت في قالبها أعيدت في قالب يؤذيها (٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - حاكيًا أقوال المتفلسفة والمتكلمة والمتصوفة: \" فأهل التخييل هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف ومتفقه فإنهم يقولون: إن ما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بين به الحق ولا هدى الخلق ولا أوضح الحقائق\" (٥).\nكما أن المتكلمين -من المسلمين- يرون أن الدليل على إثبات اليوم الآخر، لا يكون إلا سمعيًا وأن العقل لا حظ له في ذلك إلا مجرد بيان عدم الامتناع، لكن لما كانت النصوص الشرعية الدالة على المعاد الجسماني واضحة، ومتواترة لا يستطاع إنكارها، ادعوا أن هذه النصوص إنما جاءت لخطاب الجمهور من العوام والدهماء الغليظة عقولهم وإفهامهم بما يفهمونه، مقربًا إلى أفهامهم ما لا يفهمونه بالتشبيه والتمثيل الجسماني الحسي؛ لأنه في زعمهم أشد تفهيمًا للجمهور، فلوا خاطبهم بالمعاد الروحاني، فيشبه أن يكون أقل تحريكًا لنفوسهم، وأن يكونوا معه أقل رغبة فيه وخوفا منه (٦).\n_________\n(١) ينظر: الكليات (ص ١٤٦)، شرح المقاصد (٢/ ١٥٥).\n(٢) ينظر: الملل والنحل (١/ ١٦٩).\n(٣) هم القائلون: بتناسخ الأرواح في الأجساد، والانتقال من شخص إلى شخص، وما يلقى الإنسان من الراحة والتعب، والدعة والنصب فمرتب على ما أسلفه من قبل، وهو في بدن آخر جزاء على ذلك، والإنسان أبدًا في أحد أمرين: إمّا في فعل، وإما في جزاء، وما هو فيه فإمًا مكافأة على عمل قدّمه، وإمّا علم ينتظر المكافأة عليه.\nينظر: الملل والنحل (١/ ١٩٤)، والفرق بين الفرق (ص ٢٤٠) وما بعدها.\n(٤) أصول الدين لعبد القاهر البغدادي (ص ٢٣٥).\n(٥) مجموع الفتاوى (٥/ ٣١).\n(٦) ينظر: موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من آراء الفلاسفة (ص ٤٥٦).","vol":"1","page":487},{"text":"قال ابن تيمية - ﵀ -: \" وكثير من هؤلاء - أي الذين يظنون أن العقل غير مستقل بإدراك التوحيد - يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يعلم بالعقل: كالمعاد وحسن التوحيد والعدل والصدق، وقبح الشرك والظلم والكذب.\nوالقرآن يبين الأدلة العقلية الدالة على ذلك، وينكر على من لم يستدل بها؛ ويبين أنه بالعقل يعرف: المعاد، وحسن عبادته وحده، وحسن شكره، وقبح الشرك وكفر نعمه، كما قد بسطت الكلام على ذلك في مواضع\" (١).\nوالذي جلب لهم هذا الخلط والاضطراب: توهمهم أن هناك معارضة بين العقل والنقل ولما كان العقل عندهم مقدسًا منزهًا عن الخطأ، نفوا وعطلوا وأولوا ما دل عليه النقل من الإيمان باليوم الآخر، وركنوا إلى قواعدهم العقلية وأصولهم الفلسفية، وجعلوها عمدة في ردّ ما ورد به الشرع بدعوى معارضته لها (٢).\nلذلك نجد السلف قد قبلوها على ظاهرها، خلافًا لمن فتح باب الخوض فيها حتى أفضى به الأمر إلى إنكار ما جاء به الشرع، بحجّة الاعتماد على العقل.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-532> خامسًا: قياسهم الأمور الغيبية على الأمور المشاهدة:</span>\nالمخالفون خالفوا في الإيمان باليوم الآخر لما حكموا العقل، وأرادوا عالم الغيب كعالم الشهادة، لقياسهم الأمور الغيبية على الأمور المشاهدة، فقاموا بتحكيم العقل فيما جاءت به النصوص في أن هذا يُعقل، وهذا لا يعقل، فيحملونه على المعقول.\nيقول الغزالي - ﵀ -: \" إن هذه العين لا تصلح لمشاهدة الأمور الملكوتية، وكل ما يتعلق بالآخرة فهو من عالم الملكوت، أما ترى الصحابة - ﵃ - كيف كانوا يؤمنون بنزول جبريل وما كانوا يشاهدونه، ويؤمنون بأنه - ﵇ - يشاهده؛ فإن كنت لا تؤمن بهذا فتصحيح أصل الإيمان بالملائكة والوحي أهمّ عليك، وإن كنت آمنت به وجوّزت أن يشاهد النبي - ﷺ - ما لا تشاهده الأمة فكيف لا تجوز هذا في الميت؟ ... وإن من ينكر بعض ذلك فهو لضيق حوصلته وجهله\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٢٥٢: ٢٥٣).\n(٢) ينظر: النفي في باب صفات الله - ﷿ - (ص ٩١ - ٩٢)، وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - كتابه الكبير: \"درء تعارض العقل والنقل\" في إبطال هذه الدعوى.","vol":"1","page":488},{"text":"باتساع قدرة الله سبحانه وعجائب تدبيره، فينكر من أفعال الله تعالى ما لم يأنس به ويألفه، وذلك جهل وقصور\" (١)، وهذا مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة (٢).\nكما أن القياس الفاسد لا ينضبط؛ لأن الأصل في باب اليوم الآخر أنه من الغيب، والغيب لا يقال فيه بالظن.\nولأجل مخالفة الضالين -من طوائف الجهمية، والمعتزلة، والفلاسفة، وأهل الكلام، وبعض فقهاء السنة (٣) - إما في كل المسألة أو في بعضها، صارت من مسائل العقائد التي يُعلن أهل السنة الإيمان بها وتقرير ما دلت عليه (٤)، والأدلة التي دلت على هذا الأصل من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - كثيرة (٥).\nلذا فإننا نجد أن السلف في باب اليوم الآخر لا يذكرون فيه إلا أقوالًا كأنها هي نفس الحروف المكتوبة في القرآن، بمعنى أن القول المأثور عن السلف يكان أن يكون نفس النص النبوي، أو جزءًا منه، أو جزءًا من النص القرآني، وهذا يدل على أن باب اليوم الآخر يؤخذ بطريقة المطابقة، وإن تضمنت هذه الطريقة التي أشير إليها عدم الإجابة على كثير من الأسئلة التي ترد؛ فما دام النص ليس صريحًا في هذا الخبر، فإن الأصل الوقف فيه؛ لأن باب اليوم الآخر الأصل فيه أنه غيب، والغيب لا يقال فيه بالظن؛ لأن هذا الظن ليس مما شرعه الله - ﷿ -؛ فإن الله - ﷾ - لم يشرع في الغيب ظنًا، وكل الغيبيات التي أوجب الله ورسوله على العباد أن يؤمنوا بها هي غيبيات قطعية بينة (٦).\n_________\n(١) إحياء علوم الدين (٤/ ٥٠٠ - ٥٠٢).\n(٢) ينظر: الروح (ص ٢٤)، والإرشاد (ص ٢١٣).\n(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٣١).\n(٤) نجد أن أصل إيراد مسألة عذاب القبر ونعيمه في العقائد؛ لأن طائفة من الجهمية والفلاسفة وأهل الكلام ينكرون عذاب القبر، وينكرون السؤال والفتنة، مستدلين بأن الميت جماد لا حياة فيه، فلا يتصور تعذيبه، بل هو محال، وذلك لعدم إيمانهم بدلالة السنة والحديث على ذلك، وتأولهم لما جاء في القرآن مما يدل على عذاب القبر.\nكما أن الإيمان بالشفاعة يوم القيامة من عقيدة أهل السنة والجماعة، لأن الخوارج والمعتزلة أنكروها، فآمن أهل السنة بكل ما جاء في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله - ﷺ -، من إثبات الشفاعة بجميع أنواعها، كشفاعة الرسول - ﷺ - لأهل الموقف، وشفاعته لأهل الكبائر من أمته، وهكذا الأنبياء يشفعون، وكذلك الشهداء والصالحون والملائكة الكرام ... وغير ذلك من مسائل العقائد التي يُعلن أهل السنة الإيمان بها.\nينظر: مقالات الإسلاميين (٢/ ١١٦)، عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني (ص ٢٥٨)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ٣١ - ٣٤)، والسنة لابن أبي عاصم (٢/ ٣٨٥)، ومجموع الفتاوى (٣/ ١٤٧)، ومعارج القبول (٢/ ٨٨٦).\n(٥) ينظر: الروح لاين القيم (ص ٤٨)، وشرح الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٦٠٢) وما بعدها، شرح الطحاوية لصالح آل الشيخ (٢/ ٢٠٤).\n(٦) ينظر: شرح الواسطية، للشيخ يوسف الغفيص، دروس صوتية مفرغة على المكتبة الشاملة.","vol":"1","page":489},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-533> سادسًا: التأثر بشبهات الفلاسفة وغيرهم، ورد نصوص الشرع:</span>\nأورد الفلاسفة على المتكلمين شبهات في الإيمان باليوم الأخر، منها قولهم: أن الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان، فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا، لم تعد من هذا؟ وأوردوا عليهم: أن الإنسان يتحلل دائمًا، فما الذي يُعاد؟ أهو الذي كان وقت الموت؟ فإن قيل بذلك لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف النصوص، وإن كان غير ذلك فليس بعض الأبدان أولى من بعض! (١).\nفخاض المتكلمون في هذه الشبهة، وقالوا: بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، وهم في الإعادة على قولين:\nالأول: من يقول تنعدم الجواهر ثم تعاد.\nالثاني: من يقول تفرق الأجزاء ثم تجتمع (٢).\nوهذا القول وغيره من الأقوال فيه خبط واضطراب، كما أن فيه فتحًا لشبهات الفلاسفة الذين ينكرون المعاد الجسماني، فإنهم -أي: الفلاسفة- منعوا إعادة الجواهر بعدما تتفرق، ويرون أن من مات فقد قامت قيامته وينكرون عودة الأرواح إلى الأجسام وبعث تلك الأجساد؛ ذلك لأن البعث الجسماني متوقف على إعادة المعدوم سواء كانت عن فناء وعدم- مطلقين، أم كانت عن جمع بعد تفريق، وهذا محال -على حد زعمهم- وكل ما توقف على المحال فهو محال.\nفاستحالة الإعادة بعد العدم أمر دلّ عليه العقل عندهم، أما استحالة الجمع والإحياء بعد التفريق فللقطع بفناء التأليف والمزاج وكثير من الأعراض والهيئات (٣).\nوكان الواجب على المتكلمين أن يكونوا مع السلف ويقولوا بمقالتهم التي ثبتت عن رسول الله - ﷺ -، ويؤمنوا بأن الله يُعيد الأعيان والأجسام بصفاتها دون دخول في مصطلحات الفلاسفة التي اخترعوها، وقدرة الله شاملة عامة تامة فلا يعجزه تعالى شيء في الأرض ولا في السماء، ولو كلفوا أنفسهم قراءة كتاب الله لوجدوا أمامهم قصة إبراهيم والطير وقصة من مر\n_________\n(١) ينظر: تهافت الفلاسفة للغزالي (٢٩٥ - ٢٩٦)، وشرح المقاصد (٢/ ٢١٣).\n(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٤٢٤)، النبوات (١/ ٣١٢)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٢٨٥).\n(٣) ينظر: شرح المقاصد للتفتازاني (٢/ ٢١٣)، والمواقف للإيجي (ص ٣٧١)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٦٢٤).","vol":"1","page":490},{"text":"على القرية، كافية في دفع كل ما وقعوا فيه، لكن إذا غاب الإيمان بالغيب، ظهر مثل هذا التخبط.\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" وأما اليوم الآخر فإن جمهورهم -أي: المتكلمين- بنوه على إثبات الجوهر الفرد، وقالوا: لا يتأتى التصديق بالمعاد إلا بإثباته، وهو في الحقيقة باطل، لا أصل له، والمثبتون له يعترفون بأن القول به في غاية الإشكال، وأدلته متعارضة، وكثير منهم له قولان في إثباته ونفيه، وسلكوا في تقرير المعاد ما خالفوا فيه جمهور العقلاء ولم يرافقوا ما جاءت به الأنبياء، فقالوا: إن الله سبحانه يعدم أجزاء العالم كلها حتى تصير عدمًا محضًا، ثم يعيد المعدوم ويقلبه وجودًا، حتى إنه يعيد زمنه بعينه وينشؤه لا من مادة، كما قالوا في البداء، فجنوا على العقل والشرع، وأغروا أعداء الشرع به، وحالوا بينهم وبين تصديق الرسل\" (١).\nفمن آمن وصدق بكلام الله تعالى وبقدرته التامة الشاملة، فإنه سينشرح صدره لكل ما استشكله كثير من الفلاسفة وغيرهم، وهنا تكون مواضع الإيمان وحقائق اليقين، ويمتاز أهل الإيمان عن أهل الريب والنفاق، لذا فإن منهج السلف هو القاضي بترك الخوض فيما ثبت بالنصوص القطعية وعُلم من الدين بالضرورة وإن كانت بعض العقول قد تحار فيه لكنها لا تحيله، كذا تجنب القول على الله بلا علم، وقياس قدرته تعالى على قدرات الممكنات من المخلوقات.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-534> سابعًا: التأثر بالطريقة الباطنية:</span>\nيظهر الانحراف جليًا في باب الإيمان باليوم الآخر ممن مال إلى الطرق الباطنية؛ لأنهم انحرفوا في قبول الدليل النصي من الكتاب والسنة المتفق على قدره الكلي بين جمهور الطوائف.\nوالمائلون إلى الطرق الباطنية هم أحد صنفين: إما من الشيعة، وإما من الصوفية، فإن غلاة الشيعة باطنية، كما أن غلاة الصوفية باطنية كذلك (٢).\n_________\n(١) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (٣/ ٩٧٨ - ٩٨٨)، وينظر: لوامع الأنوار (٢/ ١٥٩ - ١٦٠).\n(٢) نفذت أقوال الباطنية بين بعض سواد المسلمين، بسبب أنهم انتحلوا أحد وجهين:\n\nإما أنهم انتحلوا التشيع لآل بيت النبي - ﷺ -، وعظموا آل البيت، وإما أنهم انتحلوا التنسك والعبادة والميل إلى تحقيق النسك وما إلى ذلك بأنواع من التصوف. وإن كان يعلم أنه ليس جميع الشيعة باطنية، كما أنه ليس جميع الصوفية باطنية، بل فيهم وفيهم، ولكن الباطنية دخلوا على سواد المسلمين بأحد هذين الوجهين.\nينظر: شرح الواسطية، للشيخ يوسف الغفيص، دروس صوتية مفرغة على المكتبة الشاملة.","vol":"1","page":491},{"text":"والمقصود أن هؤلاء الباطنية من الصوفية أو الشيعة هم المحرفون لباب اليوم الآخر؛ لأن نتيجة مقولتهم هذه: إنكار المعاد، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وتأويل التكاليف الشرعية تأويلًا باطنيًا موافقًا لأهوائهم، وإباحة المحرمات، والدعوة إلى انتهاب اللذات، والانغماس في الشهوات.\nكما أن الباطنية ليست فرقة مستقلة بذاتها، وإنما هي طائفة يندرج تحتها عدد من الفرق، يجمعها القول بالظاهر والباطن (١).\nلذا نجد أن الإسماعيلية لم تؤمن باليوم الآخر، بل جاءت بمفاهيم تغاير تمامًا تلك المفاهيم التي جاء بها الإسلام، وقد استخدموا منهجهم الفاسد في التأويل بالباطن، ليُعارضوا ما دعا الأنبياء الناس إليه (٢)، ولا يزال الإسماعيلية المعاصرون متبعين لمنهج أسلافهم في تأويل الأمور الغيبية تأويلًا قائمًا على إنكار حقيقتها، والاستعاضة عنها بمعان باطنية لا تمت إلى الحقيقة بصلة، ولا تقرب من الصواب قدر أنملة (٣).\nكما نجد النصيرية يستعيضون عن الإيمان باليوم الآخر بمبدأ التناسخ (٤) الذي أوجدوه خصيصًا من أجل إلغاء هذا الركن الأصيل وهدمه (٥)، ويستعيض عنه الدروز بالتقمص (٦) -كما يحلو لهم أن يسموه-.\n_________\n(١) وهذه الفرق، وإن اتحدت في قولها: إن لنصوص الشريعة ظاهرًا وباطنًا، وخصت نفسها بعلم الباطن، إلا أنها تختلف فيما بينها في مسائل كثرة وهامة، تُعد من أُسِّ العقيدة.\nينظر: موقف فرق الباطنية من اليوم الآخر، أ. د. عبد القادر عطا (ص ٢٧٥) العدد (٣) من مجلة الدراسات العقدية.\n(٢) ينظر: فضائح الباطنية للغزالي (ص ٤٤ - ٤٥)، الحركات الباطنية في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب (ص ١٢).\n(٣) ولأجل معتقد الإسماعيلية في اليوم الآخر، ولأجل غيره من معتقداتهم الباطلة كفرهم علماء المسلمين.\nينظر: موقف فرق الباطنية من اليوم الآخر، أ. د. عبد القادر عطا (ص ٢٨٥) العدد (٣) من مجلة الدراسات العقدية.\n(٤) انتقال الروح عند النصيرية لها أربعة أشكال، هي: النسخ، والمسخ، والفسخ، والرسخ. وقد آمن بمعتقد التناسخ عدد من الأمم قل الإسلام، كالبوذية والهندوسية، وفلاسفة اليونان، بل إن التناسخ علم على المعتقدات الهندية القديمة، فهو معتقد دخيل على أمتنا الإسلامية من المانوية المجوسية، ومن الهندوسية البرهمية، ومن فلاسفة اليونان وغيرهم.\nينظر: الملل والنحل للشهرستاني (ص ١٧٥)، الحركات الباطنية في العالم الإسلامي للخطيب (ص ٢٤٤).\n(٥) ينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١١٩)، حركة الغلو وأصولها الفارسية، لنظلة الجبوري (ص ٢٣).\n(٦) معناه: انتقال الروح من جسم بشري إلى جسم بشري آخر، استنادًا إلى اعتقادهم في الروح أنها لا تموت، وإنما يموت قميصها، فتنتقل إلى قميص آخر.\nينظر: الموحدون الدروز وأصولهم، لأمين محمد طليع (ص ٩٩ - ١٠٠)، والحركات الباطنية للخطيب (ص ٣٣٩)، وعقيدة الدروز للخطيب (ص ١٤٢).","vol":"1","page":492},{"text":"وهذا هو ديدن فرق الباطنية جميعًا: إنكار اليوم الآخر، وعدم الإيمان به، وزعمهم أن للشريعة ظاهرًا وباطنًا.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-535> ثامنًا: اطراد ما التزموه من أصول مذهبهم الفاسدة:</span>\nنلحظ أن كثيرًا من انحراف هؤلاء، إنما هو نتيجة التزامهم بما اعتمدوه من كليات عقلية وقواعد منطقية، أدت بهم إلى التفريط في باب الإيمان باليوم الآخر (١)، وهذا واضح بين في إنكار الوعيدية -الخوارج وبعض المعتزلة- لوجود الجنة والنار قبل يوم القيامة، وإنكارهم لعذاب القبر (٢)، والشفاعة (٣)، والميزان والصفات الثابتة له، وإنكار الصراط (٤)؛ لأن إثباتهم لهذا يخالف أصلًا من أصولهم وهو خلود الفساق المذنبين من المسلمين في النار، وعدم خروجهم، وجعلت الشفاعة خاصة بالتائبين المنيبين في زيادة ثوابهم ورفعة منزلتهم (٥).\nكما أن الجبرية تعتقد أن العبد مجبور على أفعاله -بزعمهم-، فآل بهم هذا إلى إنكار الحساب، أما الإسماعيلية فالقيامة عندهم هي: عبارة عن عودة الروح إلى مبدئها وهي النفس الكلية، وهذا يعني إبطال العقاب والثواب في الجنة والنار؛ لأن العقاب عندهم هو الآلام التي تراها الروح في تقلبها في الأجساد المختلفة، وأما الثواب فهو اللذات التي يأخذها المؤمن من مراتب العلوم (٦).\n_________\n(١) والحقيقة أنهم إنما توهموا هذه اللوازم لمَّا فسدت ألسنتهم وعقولهم، فوقعوا في الفرقة والضلال، والشك والريبة والوبال.\n\nينظر: قلب الأدلة على الطوائف المضلة في توحيد الربوبية والأسماء والصفات (ص ٧٨٧ - ٧٩٠).\n(٢) اختلف الإباضية في إثبات عذاب القبر، فذهب قسم منهم إلى إنكاره موافقين بذلك سائر فرق الخوارج، وذهب قسم آخر إلى إثباته.\nينظر: المقالات (١/ ١٦٧ - ١٦٨)، فتح الباري (٣/ ٢٣٣)، تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة (١/ ٣٥٢ - ٣٥٣).\n(٣) فرقة الإباضية تثبت الشفاعة للمتقين فقط، وهنا يظهر التناقض حيث أن المتقي لا يحتاج إلى الشفاعة، بل إن الله أعد له جنة عرضها السموات والأرض. ينظر: تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة (١/ ٣٥٣).\n(٤) ينظر: المقالات، (١/ ١٦٧ - ٢١١)، التنبيه والرد لأبي الحسين الملطي (ص ٦٢ - ٦٨)، الفرق بين الفرق (ص ٤٩ - ٧٥)، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان لأبي الفضل عباس السكسكي ت: د. بسام العموش (١٧/ ٣٠)، وعقائد الثلاثة والسبعين فرقة لأبي محمد اليمني ت: محمد عبد الله الغامدي (١/ ١٢ - ٤٢، ٢٩٦)، إسلام بلا مذاهب لمصطفى الشكعة، (ص ١٤٧ - ١٦٥).\n(٥) ينظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٦٨٨)، الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ٦٣).\n(٦) ينظر: العقائد والباطنية، لصابر طعيمة (ص ١٢٧).","vol":"1","page":493},{"text":"وما من فرقة جاءت عن طريقة الشيعة إلا ولديها انحراف في هذا الركن المهم كالدروز، والبهائية، والنصيرية وغيرها، فهم يتخيلون ويعتقدون أن تلك النصوص هي من باب التخييل فهم تابعون لأهل التخييل (١).\nوهكذا فإن ما بُني على باطل فهو باطل، فلا يظن أن تخرج لنا المذاهب الباطلة عقيدة صافية في الإيمان باليوم الآخر!، لذلك فإن اختيارات أرباب البدع هي نتاج لما قروره في أبواب العقائد الأخرى ما أثر في هذا الباب باب اليوم الآخر.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-536> تاسعًا: الإيمان بالماديات، وإنكار الغيبيات:</span>\nأصبحت أديان أهل الكتاب أديانًا مادية دنيوية، يندر أن تجد فيها للإيمان بالغيب نصًا واضحًا -لا سيما الإيمان بالله واليوم الآخر-، وإن وجدت فهي نصوص عامة محتملة، يقصد بها جنة الدنيا ونعيمها (٢)، وما ذلك إلا لتفريط اليهود والنصارى بتحريفهم للتوراة والنجيل، فلا يكاد يوجد نص يتحدث عن اليوم الآخر صريحًا فضلا عن أن يكون صحيحًا.\nكما أن التفريط أيضًا حاصلٌ في واقعهم، فإننا نجد أفعالهم - من قتل، وتشريد، واغتصاب أرض، وإثارة للفتن، والسعي للإفساد في الأرض- أكبر شاهد على عدم إيمانهم باليوم الآخر.\nولقد بات إنكار الغيب من سمات العصر الحديث -وصار الإيمان بالماديات هو البديل- في نظر الحضارات الغربية والشرقية، وعلى هذا فإن الإيمان بالغيب يعد فيصلًا بين البشر في حياتهم، فصار سعادةً للمؤمن بإيمانه به، وشقاءً للكافر بجحوده ونكرانه له.\n\nوبالجملة فإن الخلل والاضطراب في الإيمان بهذا الركن العظيم أصل كل شر، ورأس كل بلية، وهذا باب واسع ليس هذا موضعه.\n_________\n(١) ينظر: تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة (١/ ٣٥٦).\n(٢) الصراع العقائدي في الأندلس خلال ثمانية قرون بين المسلمين والنصارى (ص ٣٧٩).","vol":"1","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-537>المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان باليوم الآخر</span>.\nبالرغم من أن الغالبية العظمى تقف من اليوم الآخر موقف التفريط، إلا أنه يوجد من سلك جانب الإفراط، مخالفين بذلك ما عليه أهل السنة والجماعة.\nوبالنظر إلى سبب هذا الإفراط في الإيمان باليوم الآخر، نجد أنه ينطلق من إيمانهم باليوم الآخر على غير الصفة التي جاءت بها الشرائع، ومن ذلك:\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-538> الاستحقاق والمعاوضة:</span>\nأوجبت القدرية على الله - ﷿ - إدخال المؤمن الجنة عن طريق الاستحقاق والمعاوضة، وأن يدخل العاصي النار ويخلد فيها، ولازم قولهم وصف الله تعالى بالظلم تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا (١).\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-539> الزلفى عند الله في الآخرة:</span>\nوقد تتابع ادعاؤها من قبل اليهود (٢)، والنصارى (٣)، وبعض مشركي العرب (٤)، ولما كان قولهم هذا فيه ادعاء لعلم لا قدرة لبشر على معرفته، كذب القرآن هذه الدعوى، ورد عليها بطريقة عقلية منطقية، وعلمية إيمانية (٥).\n_________\n(١) ينظر: الفرق بين الفرق (ص ٩٥)، والصواعق المرسلة (٢/ ٤٧٥ - ٤٨٠)، تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة (١/ ٣٥٧).\n(٢) من الملفت للنظر أن اليهود حتى في فترات إيمانهم باليوم الآخر والجنة والنار والحساب والعقاب لم يكن هذا الإيمان سالمًا عند أكثرهم، بل كان مشوهًا ومنحرفًا حيث ظنوا أن الجنة لن يدخلها إلا اليهود، وأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودات، وأما غيرهم من البشر فمصيره النار، كما حكى الله عنهم وكشف انحرافهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)﴾ البقرة: ٨٠ - ٨١.\n(٣) ذكر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ آل عمران: ٢٤.\n(٤) عن مسروق، قال: سمعت خبابًا، قال: جئت العاصي بن وائل السهمي أتقاضاه حقًا لي عنده فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا؛ حتى تموت ثم تبعث، قال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قلت: نعم، قال: إن لي هناك مالًا وولدًا فأقضيكه، فنزل قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ مريم: ٧٧.\n\nأخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾، برقم (٤٤٥٥)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب سؤال اليهود النبي - ﷺ - عن الروح، برقم (٢٧٩٥).\n(٥) ينظر: المقولات التي أبطلها القرآن ومنهجه في إبطالها (ص ٣٤١) وما بعدها.","vol":"1","page":495},{"text":"o<span data-type=\"title\" id=toc-540> تأثير ما التزموه من أصول مذهبهم الفاسد على تصور اليوم الآخر:</span>\nفنجد أن بدعة القول بأن: \"الإيمان شيء واحد لا يتجزأ\"، جَرَّت الأشاعرة والماتريدية إلى لازم قولهم بأن المؤمن الطائع كالفاسق، وأن الجميع يدخلون الجنة، فلا فرق بين نبي ولا غيره؛ لأن الإيمان عندهم درجة واحدة.\nبينما زعم الخوارج والمعتزلة إلى أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، لا يخرج منها (١)، فظهر بذلك مخالفتهم للسلف في هذا الأصل العظيم والركن المهم (٢).\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-541> التقصير في التحقيق للنصوص النبوية:</span>\nغلب على أكثر الطوائف التقصير في التحقيق للنصوص النبوية، وذلك لسببين:\nالأول: عدم اشتغال علمائها بهذا العلم كثيرًا.\nالثاني: ما وضعوه من القواعد الفاسدة في تقريرهم للدلائل النبوية، كقاعدة: أن خبر الآحاد لا يحتج به في العقائد، فضلوا بذلك في تصورهم الحقيقي لليوم الآخر (٣).\nوعليه فثمة امتياز لأهل السنة والجماعة في باب اليوم الآخر، لذلك كانوا وسطًا بين هذه البدع المتقابلة.\n_________\n(١) وهذا التصور -أن الجنة لا يدخلها أصحاب الكبائر-، أظهر آثاره في الدنيا، فنجد الغلو في التكفير، واستباحة الدماء، وانتهاك الأعراض، والغلو في الولاء والبراء، وغير ذلك من الأنواع، وكل هذا ناشئ من الاعتقاد الباطل لليوم الآخر.\n(٢) ينظر: منهاج السنة (١/ ٢٢٧)، مجموع الفتاوى (١٠/ ٤١٣ - ٤١٤)، شرح العقيدة الطحاوية (ص ١٩٥)، تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة (١/ ٣٥٨ - ٣٥٩).\n(٣) ينظر: شرح الواسطية، للشيخ يوسف الغفيص، دروس صوتية مفرغة على المكتبة الشاملة.","vol":"1","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-542>المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان باليوم الآخر</span>.\nحفل القرآن الكريم بذكر اليوم الآخر، واهتم بتقريره في مواضع عديدة، وأكد وقوعه بأساليب كثيرة -لا يغفل قلبٌ عنها إلا دهري جحود-، وربط الإيمان به بالإيمان بالله - ﷿ -، كما جاء في قوله تعلى ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ البقرة: ٢٣٢، وأكثر القرآن من ذكر اليوم الآخر، وسماه بأسماء متعددة تدل على تحقق وقوع هذا اليوم كالحاقة، والواقعة، والقيامة، وبعض هذه الأسماء يدل على ما سيقع فيه من الأهوال مثل الغاشية والطامة والصاخَّة والقارعة، بل وتناول القرآن أسماء اليوم الآخر كيوم الدين، ويوم الحساب، ويوم الخلود، ويوم الخروج، ويوم الحسرة، ويوم التناد، ومعلوم من أساليب العرب أنهم يكثرون الأسماء للشيء إذا كان ذا أهمية وشأن، وقد نزل القرآن بلغتهم.\nإذن فقد دل على وقوع اليوم الآخر النقل، والعقل، والفطرة كما صرحت به جميع الكتب السماوية، ونادى به جميع الأنبياء والمرسلون (١).\nويحسن استعراض طريقة القرآن الكريم في إثبات الإيمان باليوم الآخر، وهي:\n١ - الاستدلال بما وقع وحدث من إحياء الله بعض الموتى في الدنيا، على بعث الخلق بعد موتهم يوم القيامة: وهذا دليل شرعي ملزم للمؤمنين؛ لأنه خبر صادق من الحق ﵎، وقد قص الله علينا في كتابه الكريم عن أنبيائه ورسله ﵈ أنهم كانوا يحذرون أممهم وينذرونهم البعث والجزاء والحساب، كما قص علينا - ﷿ - في كتابه الكريم من إحياء أفراد وجماعات من الموتى على مر العصور الإنسانية تدل على قدرته تعالى وعلى صدق رسله المخبرين عنه بالبعث بعد الموت والجزاء والحساب (٢).\n_________\n(١) ينظر: إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات للشوكاني (ص ١٤).\n(٢) ينظر: سورة البقرة (١٥٩، ٢٤٣، ٢٦٠)، وإبراهيم (٤١)، والكهف (٢١)، وطه (١٥ - ١٦)، والشعراء (٨٢)، وغافر (٣٢ - ٣٩)، وسورة نوح (١٧ - ١٨)، والشواهد من القرآن الكريم كثيرة ومعلومة والحمد الله.","vol":"1","page":497},{"text":"٢ - أنه تعالى أخبر عن وقوع البعث، وما يقع بعده من أحوال اليوم الآخر، وهذا كثير متنوع في القرآن:\nأ-فتارة يكون إخبارًا مجردًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ الأنعام: ٣٦.\nب- وتارة: يؤكد ذلك الإخبار بأدلة توكيد، كقوله ﷿: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ المؤمنون: ١٦.\nت- وتارة يقسم جل وعلا على وقوعه وحصوله لا محالة، فيقول: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾ مريم: ٦٨.\nث- وتارة يأمر رسوله - ﷺ - أن يقسم على وقوعه المعاد وإتيانه وكونه، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ سبأ: ٣، وقال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ التغابن: ٧، وقوله - ﷾ -: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ يونس: ٥٣.\nج- وتارة الإخبار عن اقترابها، كما في قال - ﷾ -: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ القمر: ١.\n٣ - دليل النشأة الأولى، وحاصل هذا الدليل الاستدلال ببدء خلق الإنسان على معاده وبالنشأة الأولى على إمكان النشأة الآخرة، وهو دليل من القوة والوضوح بحيث لا يحتاج من الإنسان إلى إعمال الفكر أو مزيد بحث ونظر، فكل عاقل يعلم ضرورة أن من قدر على البدء فهو على الإعادة أقدر، وأنه لو كان عاجزًا عن الثانية لكان عن الأولى أعجز، قال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ يس: ٧٩، وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ القيامة: ٣٦ - ٤٠، قال ابن أبي العز - ﵀ -: \" فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب بالقول","vol":"1","page":498},{"text":"الوجيز الذي لا يكون أوجز منه، والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه، ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقرب منه\" (١).\n٤ - ذم المكذبين بالمعاد، قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾ يونس: ٤٥.\n٥ - الاستدلال بخلق الأكبر والأعظم، على البعث والمعاد: كما ورد في استدلال القرآن الكريم بخلق السماوات والأرض على البعث في عدة آيات منها، قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ يس: ٨١.\nوهذا النوع من الأدلة، أدلة شرعية عقلية، فهي إلى جانب كونها إخبارًا من الحق ﵎ عن البعث، فهي كذلك ملزمة عقلًا للمكذبين، لو كانوا يعقلون، فإن العقل السليم لا يشك في أن الذي يخلق الأعظم والأكبر هو أقدر على خلق ما دونه، ولا شك أن البعث وإعادة الخلق بعد موتهم دون خلق السموات والأرض.\n٦ - الاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها، على إحياء الخلق وبعثهم بعد موتهم: وهذا دليل مشاهد محسوس، يشهده الخلق في حياتهم ويحسونه ويرونه كيف يحيي الله ﷿ الأرض بعد موتها وجفافها وذهاب أشجارها وثمارها، وذلك بإنزال المطر عليها، فإذا هي مخضرة حية، فالذي أحياها بعد موتها قادر على إحياء الخلق بعد موتهم، وقد ورد عدد من الآيات الكريمة في هذا المعنى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ فصلت: ٣٩.\n_________\n(١) شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٥٩٧).","vol":"1","page":499},{"text":"وهكذا نجد أن القرآن الكريم قد تنوعت فيه أساليب الإخبار عن البعث ليكون ذلك أوقع في النفوس والقلوب (١).\nومع كل هذا نجد من أصحاب البدع المتقابلة من أفرط وفرط في باب الإيمان باليوم الآخر، لذا فقد اهتم القرآن الكريم بشبههم، فبينها وقضى عليها بالبراهين القاطعة، والحجج الساطعة، كما تعددت طرق بيانه لفساد سلوك المخالفين، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة في هذا الباب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>الآية الأولى:\nقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَ</span>الِدُونَ (٥)﴾ الرعد: ٥، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-545> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nفي هذه الآية الكريمة ردٌ على بطلان دعوى من أنكر البعث، عند قوله - ﷾ -: ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾؛ لأن المعاد معلوم بالعقل، وإنما اهتدي إلى تفاصيله بالوحي، ولهذا يجعل الله سبحانه إنكار المعاد كفرًا به، فقال - ﷿ -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾؛ لأن بدعتهم إنكار لقدرته - ﷿ - ولإلهيته، ولهذا فإنكار المعاد عجب من الإنسان، وهو محض إنكار الرب والكفر به، والجحد لإلهيته، وقدرته، وحكمته وعدله وسلطانه.\n_________\n(١) أدلة القرآن في هذا الباب على ثلاثة أنواع:\n١ - الأدلة السمعية، وهي خطاب الشرع.\n٢ - الأدلة العقلية، كالاستدلال علي البعث بخلق الناس أول مرة، وكالاستدلال بخلق السموات والأرض، وكالعدل بين البشر، وهذا يقتضي البعث والجزاء.\n٣ - الأدلة الحسية، كإحياء الموتى في دار الدنيا، وإحياء الأرض بعد موتها، وإخراج النار من الشجر الأخضر.\n\nينظر: مجموع الفتاوى (٩/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، وإعلام الموقعين (١/ ١٤٠)، والصواعق المرسلة (٢/ ٤٧٣ - ٤٨١)، مفتاح دار السعادة (١/ ١٨٨)، وأضواء البيان عند تفسير الآيات الدالة على البعث والنشور (٥/ ٣٥٠)، والتحرير والتنوير (٧/ ٢٤٥)، مقدمة تحقيق رسالة في الرد على منكري بعث الأجساد لقاسم بن محمد بن مخلص، تحقيق د. محمد باكريم محمد باعبدالله (ص ٣٦٢ - ٣٦٦) ضمن مجلة الدراسات العقيدة العدد ١، منهج الإمام ابن أبي العز الحنفي وآراؤه في العقيدة من خلال شرحه للطحاوية، لعبد الله الحافي (ص ٣٨٧ - ٣٩٢).","vol":"1","page":500},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-546> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما أن فيها ردًا على بطلان مذهب الجبرية الذين بالغوا في تصور يوم الآخر بما لم يرد به دليل شرعي، فاعتقدوا أن الإنسان مسير في أفعاله، فنفوا الحساب، فجاءت هذه الآية لدلالة على أن المعاد فيه الحساب، والحساب لا يكون إلا على الأعمال التي عملوها في الدنيا، فكان الوعيد في قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، متجهًا إلى من كان قادرًا على أفعاله، لا إلى من كان مجبورًا على فعله.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-547> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالباعث لهم في الانحراف عن الإيمان باليوم الآخر، ومنابذة الأدلة والبراهين، هو:\nتوظيفهم الأقيسة الفاسدة في مقابل تلك الأدلة والبراهين؛ حيث قاسوا الله على خلقه، فأوجبوا عليه - ﷾ - أمورًا، وحظروا عليه - ﷿ - أخرى (١)، كمحاسبته لخلقه.\nكما أن مستند من أنكر اليوم الآخر، استحالته في عقولهم القاصرة، فكيف يبعث الناس وقد صيرهم الموت عظامًا بالية، ورفاتًا بائدة، وليس ما يجري للميت من جنس المعهود في هذا العالم.\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" والله سبحانه إنما أشهد بني آدم في هذه الدار ما كان فيها ومنها، فأما ما كان من أمر الآخرة فقد أسبل عليهم الغطاء، ليكون الإقرار به، والإيمان به سببًا لسعادتهم\" (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-548> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nأتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب الإفراط أو التفريط في الإيمان باليوم الآخر، بل هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، \"فعقيدة أهل السنة أصح مباني وأوضح معاني، وحسبك أنها جامعة لمحاسن العقائد\" (٣)؛ فأهل السنة يؤمنون بحصول ذلك اليوم ورجوع الناس إلى ربهم، ويؤمنون بكل ما يجري في\n_________\n(١) لذلك نُعِتوا بأنهم \"مشبهة في الأفعال\": لتشبيههم الله تعالى بخلقه، فجمعوا بن النقيضين: التشبيه، والتعطيل.\n(٢) الروح (ص ١٠٣).\n(٣) الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم، لمحمد بن إبراهيم الوزير، تحقيق: علي العمران (٢/ ٥٢٢).","vol":"1","page":501},{"text":"ذلك اليوم، كالحساب وغيره، وهذا الإيمان به واجب لمن سمع النص والدليل في كل مسألة من مسائل ذلك اليوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>الآية الثانية:\nقال تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ يس: ٥٢</span>، في هذه الآية ردٌ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-550> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nفي قوله تعالى: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ردٌ على منكري البعث القائلين بتناسخ الأرواح، فبين الله - ﷿ - أن الأمر ليس كما زعموا بل إن الأرواح والأبدان تبعث ولا تتناسخ.\nكما أن ما جاء قبل البعث من عذاب القبر أو نعيمه، عند قوله تعالى: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ يدل بوضوح على بطلان ما توهموه من أن الأرواح تظل متنقلة بين الأجساد.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-551> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما أن في قوله تعالى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾، ردًا على كل من خالف نصوص الكتاب والسنة في الإيمان باليوم الآخر؛ لأن وعد الله وتصديق رسله يبطل كل تصور نشأ بعيدًا عن قولهم، كمن أوجب النار على مرتكبي الكبيرة ومنع الشفاعة عنهم، والله أثبها في كتابه وعلى لسان رسله، وغير ذلك من بدع الإفراط كثير.\nمن أجل هذا أتت هذه الآية للدلالة على بطلان ما اعتقده المُفرْطون والمُفَرِّطون في إيمانهم باليوم الآخر.\nلذا فهذه الآية شاهدة على طريقة أهل السنة ومنهجهم العام في باب اليوم الآخر.","vol":"1","page":502},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-552> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: اطراحهم لنصوص الشرع الدالة على اليوم الآخر، وتجاهلهم لها، إما كفرًا بها، أو تقديسًا للعقل عند معارضتها.\nفمن فرط أنكر المعاد أو قال بالتناسخ وغيره، ومن غلا قاس أمور الآخرة على أمور الدنيا.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-553> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nأتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، فهم وسط في باب الإيمان باليوم الآخر بين أهل التفريط الذين نفوا أو أنكروا اليوم الآخر أو بعض حقائقه التي نص عليها الشرع، وبين أهل الإفراط الذين شبهوا أعمال الآخرة بالدنيا، وجعلوا ما أخبر الله به عن ذلك اليوم في كتابه أو على لسان رسوله - ﷺ - مماثلًا لما يقع في عقولهم من جنس المعهود عندهم في هذا العالم؛ زاعمين أنهم بذلك معظمين لهذا الركن -الإيمان باليوم الآخر-.\nوبذلك يكون أهل السنة والجماعة وسطًا بين أهل التعطيل وأهل الإفراط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>الآية الثالثة:\nقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ السجدة: ١٧</span>، الآية أثبتت أن الجنة معلقة بالعمل، فتكون هذه الآية ردًا على طائفتين من الفرق، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-555> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nدل إثبات الله - ﷿ - للجنة وما يخفي فيها من نعيم لعباده المتقين، عند قوله: ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، على بطلان من أنكر اليوم الآخر جملة كما هو صنيع الملاحدة وغيرهم.","vol":"1","page":503},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-556> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما أن هذه الآية أيضًا قد تضمنت الرد على بدعة الإفراط، فكانت رادةً على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان بعمله لا يستحق الجنة؛ لأنهم يرون أنه أصلًا مجبور على العمل، فالجنة عندهم ليست ثوابًا (١)، فكان قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ ردًا عليهم.\nكما ردت أيضًا على القدرية والمعتزلة الذين يقولون: إنه يجب على الله أن يدخلهم الجنة؛ لأنهم قدموا السبب؛ ولأن الباء في الآية هي (باء) السبب أي: بسبب أعمالكم (٢)، والله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات، فرجع الفضل كله إلى فضله ورحمته.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-557> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: الانحراف في الإيمان بالغيب.\nفإنكار الله - ﷿ -، يستلزم الانحراف في توحيد الربوبية الذي يؤثر في قبول علم الله الغيبي، يصاحب ذلك الانحراف الإغراق في الحس، ومن ثم إنكار اليوم الآخر جملة وتفصيلا.\nلذا حُسم أمر الغيب مع الملاحدة؛ فإنه بإنكار وجود الرب لم يعد هناك مبرر للقول بغيب ديني.\nكما أن الاستغراق في عالم الشهادة والمادة والحس، وطول إلفه ذلك، والإخلاد إليه، يفسد على صاحبه الإيمان بالغيب والتصديق به، فيقع بين طرفي نقيض، فإما جلب ذاك الغيب بصور شتى إلى عالم الشهادة وإما نفي ذلك الغيب مطلقًا.\nلذا نجد من شبه أعمال اليوم الآخر وما فيه من مخلوقات، بما يرسمه له عقله من عالم الشهادة (٣).\n_________\n(١) ينظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي (ص ٨٩ - ٩٢)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٧٩)، الفرق الإسلامية لعطوان (ص ٨١ - ١٠٥).\n(٢) ينظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٢٤)، التنبيه والرد للملطي (ص ١٧٦ - ١٨٧)، الفرق الإسلامية في بلاد الشام لعطوان (ص ١٥ - ٧٩).\n(٣) ينظر: النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية (٢/ ٨٩١ - ٨٩٢).","vol":"1","page":504},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-558> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nأهل السنة والجماعة هم أسعد الناس بهذا الوعد الرباني، في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾؛ لأنهم آمنوا باليوم الآخر وما أعد الله لهم فيها من نعيم (١)، نسأل الله من فضله.\n_________\n(١) ينظر: تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٩٣)، المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٣٣٦)، شعب الإيمان (٢/ ٥)، مجموع الفتاوى (٢/ ٧٠٣)، فتاوى ابن عثيمين (٥/ ١٢٧).","vol":"1","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-559>المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر</span>.\nأختم هذا الفصل بذكرٍ إجمالي للآيات الرادة على الانحراف العقدي في باب الإيمان باليوم الآخر:\n١ - د قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ النجم: ٢٦. ففي هذه الآية الكريمة رد على الجفاة منكري الشفاعة من الخوارج وغيرهم، كما أن فيها أيضًا ردًا على منكري اليوم الآخر؛ لأن إثبات الشفاعة هو إثبات لليوم الآخر، وهذا من إطلاق الجزء وإرادة الكل، كما أن فيها ذكرًا للشفاعتين الممنوعة والمثبتة، أما الممنوعة فهي الشفاعة التي يزعمها المشركون-فتراهم يعبدون الملائكة والأولياء والصالحين والأصنام والأوثان ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى-، أو يفعلها عُبادُ القبور وطالبو الشفاعة فبين الله تعالى أن هذه الشفاعات لا تغني شيئا، وأنه لا بد لها من شروط وهي قبول الله لها ورضاه، وفعلكم هذا لا يقبله الله، وهذا رد واضح وصريح على المُفرِطين الغالين الذين شبهوا شفاعة الآخرة بشفاعة الدنيا، من أجل ذلك قابلها - ﷾ - بالشفاعة المثبتة التي يُكرم الله - ﷿ - بها الشافع والمشفوع، وهذا هو ما اتفق على إثباته أهل السنة والجماعة يوم القيامة، بأن الشفاعة ملك لله يأذن لمن يشاء من أوليائه فيشفعون لمن ارتضى من عباده، الموحدين المخلصين المذنبين، وأما المشركون الظالمون فما لهم من شافعين ولا صديق حميم، وأن أسعد الناس بشفاعة النبي - ﷺ - يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه، وأنها أنواع (١).\n٢ - قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ الأنبياء: ٢٣، في هذه الآية رد على المنحرفين في عقيدة اليوم الآخر، فنجد أنها ردت على الجفاة من الملاحدة الجاحدين، والماديين الغافلين الذين لا يؤمنون بالبعث والحساب، المنكرين لأفعال الله ﷻ، فجاء\n_________\n(١) الشفاعة العظمى، والشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، والشفاعة للمؤمنين يوم القيامة بزيادة الثواب ورفعة الدرجات، الشفاعة لمن استحق النار ألا يدخلها، والشفاعة لمن دخل النار أن يخرج منها، وشفاعة بقية الأنبياء - ﵇ -، وشفاعة الملائكة، والشهداء، والمؤمنين، وشفاعة الزمن، والشفاعة الإلهية، وشفاعة الأعمال، وغير ذلك من أنواع الشفاعات.\nينظر: الشفاعة، لمقبل الوادعي (ص ٦)، الشفاعة في الحديث النبوي، لعبد القادر بن مصطفى المحمدي (ص ٧) وما بعدها.","vol":"1","page":506},{"text":"الرد عليهم جميعًا في قوله: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ لإثبات اليوم الآخر وما سيكون فيه من حساب. كما أن في قوله: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ أيضًا رد على المعترفين بالمعاد ولكن على غير الصفة التي جاء بها الوحي، فهم سيسألون أيضًا عن القول على الله بلا علم، وعن عدم إيمانهم باليوم الآخر كما جاءت به نصوص الكتاب والسنة.\n٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ يس: ٨٢، هذا تأكيد وبيان منه - ﷾ - بأن فعله ليس كفعل غيره، وأن قدرته ليست كقدرة مخلوقاته التي لا تفعل إلا بالكلفة والمشقة، ولا يمكنها الاستقلال بالفعل، أما هو ﷾ فيكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه بقوله: ﴿كُنْ﴾ كما أن في هذا دليلًا واضحًا وحجة دامغة على إثبات المعاد واليوم الآخر، وعلى عدم جواز مشابهة أفعال الله بخلقه، خاصة وأن هذه الآية أتت عقب إثبات الله للمعاد من عدة أوجه (١).\nفكانت ردًا على منكري البعث، كما كانت رادة على الغلاة الذين أوجبوا على الله أفعالا وحظروا عنه أخرى -كمحاسبته لخلقه وإدخال المؤمن الجنة عن طريق الاستحقاق والمعاوضة، وأن يدخل العاصي النار ويخلد فيها- من باب تنزيه الله عن الظلم، حيث قاسوا الله على خلقه -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا-.\n٤ - قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾ يونس: ٤، فاللام تعليلية؛ أي: يعيد الخلق بعد موتهم، ليجزي المحسن، ويحاسب المسيء (٢)، فإن من خلق الخلق بعلمه، ثم سلط عليهم تكاليف الأمر والنهي؛ لا بد أن يحاسبهم على ذلك.\nومن هذا الباب جاءت الآيات القرآنية مؤكدة هذا المعنى، ومنكرة على من ظن أن يترك الحكيم الخبير خلقه سدى، دون حساب، ولا جزاء، قال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ\n_________\n(١) قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ يس: ٧٨ - ٨٣.\n(٢) ينظر: التسهيل لابن جزي (٢/ ٨٩)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٠٨).","vol":"1","page":507},{"text":"(٤)﴾ المطففين: ٤، وقال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ القيامة: ٣٦، أي: كيف يظن أن يترك بعد موته، فلا يبعث، ولا يحاسب! .\nثم استدل على هذا الإنكار بما بعده من الآيات، وأن من خلقه من نظفة، ثم علقة، ثم سوّى خلقه، فلا بد أن يحييه، ويحاسبه، ووجه الدلالة أن من أحيا نفسًا واحدة بعد موتها، قادر على إحياء جيمع النفوس، كما قال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ لقمان: ٢٨، فكانت هذه الآية رادة على الغلاة والجفاة.\n٥ - قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾ الأنعام: ٢٩ - ٣٠، لما ذكر - ﷿ - إنكارهم للبعث، أعقبه - ﷾ - بوصف حالهم حين يحشرون إلى الله، وهو حال البعث الذي أنكروه، وهذا أسلوب قرآني فريد في المناظرة، ففي خضم عرض شبهتهم، وما هم فيه من باطل القول، ينتقل بهم الموقف إلى لحظة وقوفهم بين يدي الله تعالى يسألهم عن بعثهم بعد موتهم بأسلوب استفهام تقريري!، وحينئذٍ لا يجدون سوى التسليم والاعتراف: ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ (١)، فكانت هذه الآية رادة على المنكرين لليوم الآخر، كما أنها رادة على الذين آمنوا به على غير الصفة التي جاءت بها الشرائع.\n_________\n(١) ينظر: التحرير والتنوير (٧/ ٢٤٥)، المقولات التي أبطلها القرآن ومنهجه في إبطالها (ص ٣٦٢ - ٣٦٣).","vol":"1","page":508},{"text":"الباب الثالث:\n\nالفصل ٥ الآيات الواردة في الإيمان بالقضاء والقدر\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد في تعريف القضاء والقدر.\nالمبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة\nفي الإيمان بالقضاء والقدر.\nالمبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع\nالمتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر.","vol":"1","page":509},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-561>تمهيد في تعريف القضاء والقدر، وأهميته:</span>\nموضوع القضاء والقدر من الموضوعات الكبرى التي خاض فيها جميع الناس، وشغلت أذهان الفلاسفة والمتكلمين، وأتباع الطوائف من أهل الملل ومن غيرهم (١)، كما اعتُبِر القضاء والقدر والمسائل المندرجة تحته من أهم القضايا التي تناولها العلماء بالاهتمام والدراسة، حتى أفردها البعض منهم بالكتابة والتأليف (٢).\nوتجدر الإشارة هنا إلى أن الخوض والجدل في هذه القضية قد بدأت جذوره على عهد النبي - ﷺ - حيث نهى عن ذلك صراحة؛ إلا أن أسئلة الصحابة - ﵃ - حينها كانت أسئلة استفهام، فإذا ما جاءهم الجواب عن رسول الله - ﷺ -: «اعملوا فكل ميسر لما خلق الله» (٣) اكتفوا به، بل كان لهذا الجدل وجود قبل ظهور الإسلام كما أخبرنا الله - ﷿ - بذلك في كتابه المبين عن كفار قريش ومن سبقهم من مشركي الأمم أنهم ينسبون شركهم وما هم عليه من المعاصي إلى مشيئته - ﷿ - قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ النحل: ٣٥، وقوله تعالى على لسانهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا﴾ النحل: ٣٥. (٤).\n_________\n(١) لو لم يكن هناك إلا مسألة الحياة والموت واختلاف الناس في الأعمار، ومسألة الغنى والفقر، والصحة والمرض، وتفاوت الناس فيها، لكان كافيًا في أن يفكر الإنسان في هذه الأحداث، هل هي مقدرة أم لا؟ خاصة أن الإيمان بالله والإيمان بأن هذا الكون لا بد له من خالق ومدبر أمر فطري، فكيف لو أضيف لذلك سوء فهم عقيدة الإيمان بالقدر على الوجه الصحيح المطلوب.\nينظر: القصد والوسطية في ضوء السنة النبوية (ص ٣٤١ - ٣٤٢).\n(٢) كما فعل الإمام البخاري ﵀ حيث ألف كتابه الشهير (خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل)، وكذلك الإمام ابن القيم ﵀ الذي سمى كتابه (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل)، كما ذكر هذه المسألة وإيمان أهل السنة والجماعة بها كثير من أهل العلم، والسنة للإمام عبد الله بن أحمد (٢/ ٤١٧ - ٤٢٢)، والسنة للخلال (٣/ ٥٤٠)، وشرح السنة للبربهاري (ص ٨٦)، والإبانة لأبي الحسن الأشعري (ص ٢١)، وشرح مذاهب أهل السنة لابن شاهين (ص ٣١٩)، والقيروانية لابن أبي زيد القيرواني (ص ٣٠)، والشرح والإبانة لابن بطة العكبري (ص ١٩٣)، وعقيد السلف وأصحاب الحديث للصابوني (ص ٢٨٤)، والاعتقاد والهداية للبيهقي (ص ٨٣، ٩٣، ١٠٧)، والتمهيد للإمام ابن عبد البر (٢/ ٢٧٧) من كتاب \"فتح البر في الترتب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر\"، والحجة في بيان المحجة لأبي القاسم الأصبهاني (٢/ ٤٣٤)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص ٢١٥)، وغيرهم كثير.\n(٣) جزء من حديث أخرجه البخاري في صحيحه: في كتاب التفسير سورة الليل، باب \"وما خلق الذكر والأنثى\" برقم (٤٦٦٢)، ومسلم في كتاب القدر باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته برقم (٢٦٤٨).\n(٤) ينظر: تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٩٣ - ١٩٤).","vol":"1","page":510},{"text":"ولأجل كون القدر سرًا من أسرار الله - ﷿ - (١)، وإدراك كنهه وحكمة الله - ﷿ - في عباده غير متحقق من كل وجه؛ فلذلك صار الخائض في القدر بلا دليل عرضة لمزلة القدم، بل لم يخض في القدر أحد بغير حجة وبرهان إلا وزلت قدمه، وتنكب سواء الصراط؛ ولهذا ينبغي أن يتكلم في القدر بما جاء في النص دون زيادة؛ لأنه أمر غيبي، ولا يمكن للعبد أن يخوض في الأمور الغيبية إلا مع الدليل، والمخالفون في القدر كثيرون (٢).\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" القدر بحر محيط لا ساحل له، ولا خروج عنه لأحد من العالمين، والشرع فيه سفينة النجاة؛ من ركبها نجا، ومن تخلف عنها فهو من المغرقين\" (٣).\nوقال ابن عباس - ﵁ -: «القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله وآمن بالقدر؛ تم توحيده، ومن وحد الله، وكذب بالقدر، نقض توحيده» (٤)، \"والقدر هو قدرة الله\" كما قال الإمام أحمد - ﵀ - (٥)، لذا فإن الاختلاف في مسائل التوحيد سينتج بالضرورة اختلافات في مفهوم القدر؛ لأن الإيمان بالقدر متعلق بتوحيد الربوبية خصوصًا، وله تعلق بتوحيد الأسماء والصفات؛ لأنه من صفات كمال الله - ﷿ -، ولا شك أن الإقرار بتوحيد الله وربوبيته لا يتم إلا بالإيمان بصفاته، فمن زعم أن هناك خالقًا غير الله فقد أشرك.\nولفهم هذه القضية وما يندرج تحتها من مسائل متعلقة بموضوع بحثنا، لا بد من التمهيد بتعريف القضاء والقدر في اللغة والمراد به شرعًا، وبيان معناه وأهميته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>أولًا: التعريف بالقضاء والقدر:</span>\no<span data-type=\"title\" id=toc-563> ١ - في تعريف القضاء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>معنى القضاء لغة:</span>\nيقول ابن فارس: \" القاف والضّاد والحرف المعتلّ أصل صحيح يدلٌ على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه\" (٦)، هو بالمدّ، ويقصر، أصله: قَضَايٌ؛ لأنّه من قضيت، إلا أنّ الياء لَمّا جاءت\n_________\n(١) ينظر: شرح الطحاوية (١/ ٣٢٠)، العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، لابن الوزير (٥/ ٤٣١).\n(٢) شرح الطحاوية لآل الشيخ (٢/ ٢٥٠).\n(٣) شفاء العليل (١/ ٨).\n(٤) رواه الآجري في كتاب الشريعة (ص ٢٤٤)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٤/ ٧٤٢) رقم الأثر (١٢٢٤).\n(٥) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد (١/ ١٣٥).\n(٦) معجم مقاييس اللغة (ص ٨٩٣).","vol":"1","page":511},{"text":"بعد الألف همزت، تقول: قضى وطره؛ أي: أتمه وبلغه، وقضى عليه: أماته، وقضى عليه دينه: أوصاه وأنفذه، وقضى عليه عهدًا: أدّاه (١).\nويطلق القضاء على معان عدّة منها: الأمر، والأداء، والحكم، والفراغ، والإعلام، والموت (٢)؛ وهذه هي أهم معاني (القضاء) في اللغة، وهناك اشتقاقات أخرى ذكرَتها كتب اللغة (٣)، فالقضاء موضوع للقدر المشترك بين هذه المفهومات، وهو انقطاع الشيء والنهاية، والفصل بتمام الأمر.\nويتبين مما سبق أن معنى القضاء في اللغة، هو: إحكام الشيء وإتمام الأمر.\nوهذا هو أصل معاني القضاء الواردة في اللغة، وقد يأتي بمعنى القدر (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>معنى القضاء شرعًا، هو:</span>\nعلم الله تعالى في الأزل بالأشياء كلها على ما ستكون عليه في المستقبل، أي: \"إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على ماهي عليه فيما لا يزال\" (٥).\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-566> ٢ - في تعريف القدر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>معنى القدر لغة:</span>\nيقول ابن فارس: \" القاف والدّال والرّاء أصل صحيح يدلّ على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته\" (٦)، تقول: قدر الله تعالى ذلك عليه يقدره قدْرًا وقدَرًا، وقدّره عليه وله، واستقدر الله خيرًا: سأله أن يقدر له به، وقدر الرزق: قسمه، فالقدر إذًا: مبلغ كل شيء، يقال: قدره كذا: أي مبلغه وكذلك القدر. وقدرت الشيء أقْدِرُه وأقْدُرُه من التقدير، وقدّرته أقدِّرُه، والقدْر: قضاء الله تعالى الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها الله (٧).\n_________\n(١) ينظر: القاموس المحيد (٤/ ٣٨١)، أساس البلاغة (ص ٣٧٠)، معجم مفردات ألفاظ القرآن (ص ٤٢١).\n(٢) ينظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٩٨٦)، الصحاح (٦/ ٢٤٦٣)، لسان العرب (١٥/ ١٨٦)، القاموس المحيط (ص ١٧٠٨).\n(٣) ينظر: في مادة (قضى): الصحاح (٦/ ٢٤٦٣)، وتهذيب الصحاح (٣/ ١٠٥١)، ولسان العرب (١٥/ ١٨٦)، وتاج العروس (١٠/ ٣٩٦)، وأساس البلاغة للزمخشري (ص ٥١٣)، وغيرها.\n(٤) ينظر: مفردات القرآن للراغب الأصبهاني (ص ٤٢٢).\n(٥) لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٤٥)، ينظر: العقيدة الواسطية، لابن تيمية (ص ٢١)، شفاء العليل، لابن القيم (ص ٢٩).\n(٦) معجم مقاييس اللغة (ص ٨٧٦).\n(٧) تهذيب اللغة (٩/ ١٨ - ١٩)، لسان العرب (٥/ ٧٩).","vol":"1","page":512},{"text":"ويطلق القدر على معان عدّة منها: الحكم، والقضاء، والطّاقة، والتّضييق، والتّقدير، وهو مصدر قَدَرَ يَقدر قَدَرًا، وهو مبلغ الشيء، وجمعه أقدار (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>تعريف القدر شرعًا، هو:</span>\nالإيمان بعلم الله تعالى السابق، وكتابته وإرادته ومشيئته وخلقه لأفعال عباده مع إثبات قدرتهم المؤثرة في هذه الأفعال (٢)، وقيل: \"هو إيجاد الله - ﷾ - الأشياء على قدر مخصوص، وتقدير معين في ذواتها وأحوالها طبق ما سبق به العلم وجرى به القلم\" (٣).\nقال النووي - ﵀ -: \" واعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر ومعناه: أن الله ﵎ قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ﷾ وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها ﷾\" (٤).\n\no<span data-type=\"title\" id=toc-569> ٣ - في تعريف القضاء والقدر شرعًا:</span>\nاختلفت عبارات أهل العلم ﵏ في تعريفهم الاصطلاحي للقضاء والقدر (٥)، فمنهم من فرق بين القضاء والقدر، ومنهم من اعتبرهما شيئا واحدًا، قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - وغيره: \" القضاء: الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر: الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل\" (٦).\n\" وجماع القول في هذا الباب أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه\" (٧)، كما أن بينهما عمومًا وخصوصًا، فإذا أطلق القضاء مفردًا شمل القدر، وإذا أطلق القدر مفردًا شمل\n_________\n(١) ينظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٨٩٦)، الصحاح (٢/ ٧٨٦)، لسان العرب (٥/ ٧٤)، القاموس المحيط (ص ٥٩١).\n(٢) ينظر: شفاء العليل (ص ٥٥).\n(٣) لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٤٥).\n(٤) شرح صحيح مسلم (١/ ١٠٩).\n(٥) ينظر: شفاء العليل (ص ٥٩ - ٦٠)، وشرح صحيح مسلم للنووي (١/ ١٥٤)، ومسائل الإمام أحمد لابن هانئ (٢/ ٤٠٦)، والمفردات للراغب (ص ٤٠٦ - ٤٠٧)، والتعريفات للجرجاني (ص ١٧٤ - ١٧٧).\n(٦) فتح الباري (١١/ ١٤٨)، وينظر: الحجة في بيان المحجة (٢/ ٣٠ - ٣١)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٣٢٠)، ولوامع الأنوار (١/ ٣٤٥).\n(٧) معالم السنن للخطابي (٤/ ٣٢٣).","vol":"1","page":513},{"text":"القضاء، وأمّا إذا اجتمعا فالمراد بالقضاء ما يقضيه الله تعالى في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، والمراد بالقدر ما قدّره الله تعالى في الأزل، فالقدر سابق والقضاء لاحق (١).\nوالمختار والله أعلم أن المراد بالقضاء والقدر في الشرع، هو:\nعلم الله بالأشياء قبل كونها، وكتابته لها في اللوح المحفوظ، ومشيئته سبحانه لوقوعها، وخلقه - ﵁ - لها على ما سبق به علمه وكتابته ومشيئته (٢).\nويتبين مما سبق ما بين المعنى اللغوي لكل من القضاء والقدر والمعنى الشرعي من ربط قوي، فكل منهما يأتي بمعنى الآخر، ومعاني القضاء ترجع إلى إحكام الأمر وإتقانه وإنفاذه، كما أن معاني القدر ترجع إلى التقدير، والله ﷾ قدر مقادير الخلق، فعلمها وكتبها وشاءها وخلقها، وهي مقتضية ومقدرة فتقع حسب أقدارها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>ثانيًا: معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه</span>.\nالإيمان بالقضاء والقدر: هو الإيمان بقدرة الله التامة والشاملة على خلقه، لذا دل الكتاب والسنة وإجماع السلف على أن الله - ﷿ - موصوف بالعلم أزلًا وأبدًا لا يغيب عن علمه شيء، وأنه كتب كل ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، وأن مشيئته نافذة في كل شيء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالقُ كل شيء لا خالق غيره ولا رب سواه، وقد اصطلح أهل العلم على تسمية هذه الأمور الأربعة - العلم والكتابة والمشيئة والخلق- بمراتب الإيمان بالقدر، لذلك كان مذهب السلف الصالح - ﵃ - في باب الإيمان بالقضاء والقدر يقوم على أربع مراتب تنتظم الإيمان بالقدر، هي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>المرتبة الأولى: العلم</span>، وذلك بأن يؤمن المكلف بأن الله تعالى علم كل شيء جملة وتفصيلًا، وما كان وما يكون، فكل شيء علمه الله تعالى دقيقًا كان أو جليلًا، ولا يكون\n_________\n(١) ينظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية لمجموعة من أئمة الدعوة النجدية (١٠/ ٥١٢ - ٥١٣)، فتاوى ابن عثيمين (١/ ٥٢، ٦٢).\n(٢) ينظر: شرح السنة (١/ ١٤٢)، معالم السنن (٤/ ٢٩٧)، شرح صحيح مسلم (١/ ٢١٧)، جامع الرسائل (٢/ ٣٥٥)، مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٨ - ١٤٩)، لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٤٥، ٣٤٩)، فتاوى ابن عثيمين (٢/ ٧٩ - ٨١).\n(٣) ينظر: القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذهب الناس فيه (ص ٣٩).","vol":"1","page":514},{"text":"شيء إلا بعلمه؛ فيجب الإيمان \"بأن الله - ﷿ - لم يزل عالمًا بالخلق وأعمالهم قبل أن يخلقهم، ولا يزال عالمًا بهم، ولم يزدد في علمه بكينونة الخلق خردلة واحدة ... \" (١).\nكما أن تقدير الأمور وتدبيرها وإرادتها في القدم لا تكون إلا من مقدر مريد مدبر أول ليس قبله شيء، وهذه هي معاني الربوبية لله ﷾، فالكلام في القدر كلام في الربوبية (٢).\nوأدلة هذه المرتبة في القرآن الكريم أكثر من أن تحصر، فمن الأدلة قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ الأنعام: ٥٩، ومن السنة قوله - ﷺ - في أطفال المشركين: (الله أعلم بما كانوا عاملين) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>وقد خالف في هذه المسألة طائفتان:</span>\n١ - غلاة القدرية: فزعموا أن الله لا يعلم أعمال العباد قبل أن يعملوها، وهذه طائفة كفرها كثير من السلف، وقد انقرضت ولا وجود لها اليوم ولا يُعرف من ينسب إليها من المتأخرين (٤).\n٢ - الفلاسفة: قالوا إن الله لا يعلم الجزئيات، وإنما يعلم الأشياء على وجه كلي، أي: يعلم الكليات دون الجزئيات (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>المرتبة الثانية: الكتابة</span>، أي: أن الله - ﷿ - قد كتب كل ما هو كائن قبل أن يكون، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ الحديد: ٢٢، قال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: \" وهذه الآية الكريمة من أدل\n_________\n(١) الرد على الجهمية للدارمي (ص ١١٢).\n(٢) الإيمان بالقدر له مساس بأقسام التوحيد والثلاثة، بدلالة الاقتضاء واللزوم. ينظر: القول المفيد (٢/ ٤٢٩)، ومجموع الفتاوى (١٠/ ١٠١٧)، منهج الحافظ ابن رحب الحنبلي في العقيدة، د. علي الشبل (ص ٦٤٨).\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفكرة برقم (٢٦٥٩).\n(٤) ينظر: الفرق بين الفرق (ص ٢٥)، درء التعارض (٩/ ٣٩٦)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ٢٠٠) (٣/ ٤٥٠) (٤/ ٧٧٥)، مجموع الفتاوى (٨/ ٤١٩).\n(٥) ينظر: درء التعارض (٩/ ٣٩٧) (١٠/ ١٧٩).","vol":"1","page":515},{"text":"دليل على القدرية نفاة العلم السابق قبحهم الله\" (١)، وقال في قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾؛ \"أي: أن علمه تعالى الأشياء قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها سهل على الله - ﷿ -؛ لأنه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون\" (٢).\nكما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الأنعام: ٣٨، فكل ما يجري مثبت في اللوح المحفوظ.\nومما يدل لذلك قوله - ﷺ -: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ...» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>والكتابة لها أكثر من موضع:</span>\n١ - اللوح المحفوظ: وهي الكتابة الأزلية التفصيلية في اللوح المحفوظ.\n٢ - الكتابة العمرية: التي تكون للجنين في بطن أمه.\n٣ - الكتابة الحولية: وتكون في ليلة القدر، فيكتب فيها ما يكون تلك السنة.\n٤ - الكتابة اليومية: كتابة الملكين اللذين لا يفارقان ابن آدم بحال من الأحوال، وهي من قول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ الرحمن: ٢٩، فهو سبحانه يحيي ويميت ويعطي ويمنع وينفع ويضر، ويرفع ويخفض، ويؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>المرتبة الثالثة: المشيئة</span>، وهي عامة، فما من شيء في السموات والأرض إلا وهو كائن بإرادة الله ومشيئته، فلا يكون في ملكه ما لا يريد أبدًا، سواء كان ذلك فيما يفعله بنفسه أو يفعله المخلوق، وقد دل على هذا أدلة كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ الأنعام: ١١٢، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ يس: ٨٢.\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم (٨/ ٥٢).\n(٢) تفسير القرآن العظيم (٨/ ٥٢).\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب حجاج آدم موسى ﵉ برقم (٢٦٥٣).\n(٤) ينظر: شفاء العليل (ص ١١ - ٤٤)، ومعارج القبول (٢/ ٢٣٠ - ٢٣٨).","vol":"1","page":516},{"text":"قال الإمام ابن القيم - ﵀ -: \" وقد دل على ذلك إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند الله، والفكرة التي فطر الله عليها خلقه، وأدلة العقول والعيان وليس في الوجود موجب ومقتض إلا مشيئة الله وحده، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ... \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>ومشيئة الله وإرادته كونية وشرعية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>أما الكونية: </span>فهي المشيئة العامة، ومثالها قول نوح - ﵇ - لقومه: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ هود: ٣٤، فهذه إرادة كونية يتعين فيا وقوع ما أرداه الله تعالى، سواء أحبه، أم كرهه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>وأما الشرعية: </span>فهي بمعنى المحبة للمراد، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ النساء: ٢٧ (٢).\nخالف في هذه المرتبة: المعتزلة ومن وافقهم فقالوا: أفعال العباد حادثة بمشيئتهم والله - ﷿ - لم يردها، فلا تعلق له بها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق</span>، أي: أن الله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد، فلا يقع شيء في هذا الكون إلا والله خالقه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ\n_________\n(١) شفاء العليل (ص ٤٣).\n(٢) فهذه إرادة شرعية تتعلق بما أحبه الله تعالى وطلبه سواء وقع أم لم يقع، ولا يتعين فيها وقوع المراد، وعلى هذا يمكن أن نقول إن المعاصي ليست مرادة لله سبحانه شرعًا، وإن كانت مرادة له كونًا وقدرًا.\n\nوللعبد مشيئة في تركها وفي فعلها فلا يحتج بمشيئة الله تعالى على فعلها، كما قال الله تعالى حاكيا قوله المشركين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ النحل: ٣٥، أما الإرادة الكونية فهي مرادة له سبحانه؛ لأنها واقعة بمشيئة الله.\nينظر: شرح العقيدة الواسطية لاين عثيمين (ص ٥٤٤).\n(٣) قال القاضي عبد الجبار: \" فصل في أنه تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا للمعاصي، فإن الإرادة فعل من الأفعال، ومتى تعلقت بالقبيح فتجب لا محالة، وكونه تعالى عدلًا يقتضي أن تنفى عنه هذه الإرادة\". شرح الأصول الخمسة (ص ٤٣١).","vol":"1","page":517},{"text":"خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ غافر: ٦٢، ومن أدلة ذلك من السنة قوله - ﷺ -: (إن الله يصنع كل صانع وصنعته) (١)، قال الإمام البخاري - ﵀ -: \" فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة\" (٢).\nوالعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، فأفعال العباد إذًا تسند إلى العباد فعلًا وتسند إلى الله خالقًا (٣)، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ التكوير: ٢٨ - ٢٩.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>وخالف في هذه المرتبة ثلاث طوائف:</span>\n١. الجبرية: قالوا إن العبد مجبور على فعله، فالله - ﷿ - هو الفاعل لفعل العبد، كما أنه هو الخالق له، فلا فعل ولا علم لأحدٍ غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز، كما يقال: زالت الشمس ودارت الرحى من غير أن يكون فاعلين أو مستطيعين لذلك (٤).\n٢. المعتزلة: نفوا تعلق أعمال العباد بالله - ﷿ - وأنكروا أن يكون الله خالقًا لها وأن تكون تحت مشيئته، وإنما يحدثها العبد استقلالًا (٥).\n٣. الأشاعرة: أرادوا أن يوفقوا بين القولين السابقين فجاءوا بنظرية الكسب التي تكون في مآلها جبرًا محضًا، فقالوا: للعبد قدرة حادثة غير مؤثرة في الفعل لامتناع اجتماع قدرتين مؤثرتين على أثر واحدٍ، وإنما أجرى الله العادة بخلق مقدروها مقارنًا لها (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتابه خلق أفعال العباد (ص ٧٣)، وابن منده في التوحيد (٢/ ٣٩)، ووصححه ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٥٠٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣١) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (١٦٣٦): على شرط مسلم.\n(٢) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٢٥).\n(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٩).\n(٤) ينظر: الفرق بين الفرق (ص ١٩٤)، الملل والنحل (١/ ١١٠).\n(٥) ينظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي (ص ٣٣٢).\n(٦) ينظر: شفاء العليل (ص ٩٢)، المواقف للإيجي (ص ٣١٢).","vol":"1","page":518},{"text":"وهذه المرتبة والتي قبلها -أي المشيئة- هما محل النزاع بين أهل السنة والجماعة ومن خالفهم من الطوائف (١).\nوبعد: فهذه هي المراتب، وإن شئت فقل الأركان التي يدور عليها رحى الإيمان بالقدر ذكرها الإمام ابن القيم، وأفاض في الكلام عليها والاستدلال لها فأفاد وأجاد - ﵀ - (٢)، كما أوضح هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في العقيدة الواسطية (٣)، بل إن كتب العقيدة اهتمت بمسائل القدر أيما اهتمام، وأطالت في ذكره، والحديث عنه، كالإبانة لابن بطة (٤)، والشريعة للآجري (٥)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٦)، والحجة في بيان المحجة للأصبهاني (٧)، وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>ثالثًا: بيان أهمية الإيمان بالقضاء والقدر:</span>\nدل الكتاب العزيز والسنة الصحيحة وإجماع سلف الأمة على وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره، وأنه من أصول الإيمان الستة، التي لا يتم إسلام العبد ولا إيمانه إلا بها، كما دلت على ذلك آيات من القرآن الكريم وأحاديث صحيحة مستفيضة بل متواترة عن الرسول الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم.\nكما يعتبر موضوع القضاء والقدر من المواضيع المهمة لتعلقه بحياة الإنسان، فما من إنسان يعيش في هذه الحياة، ويسير في مناكبها على أي ديانة كان، وفي أي اتجاه اتجه في حياته العملية أو العقدية أو غيرها؛ إلا وقضية القضاء والقدر عنده من القضايا التي تشغل باله في كل وقت. ومن هنا كان للإيمان بالقضاء والقدر أهمية عظمى، تبرز فيما يلي:\n_________\n(١) ينظر: شرح الطحاوية (٢/ ٢٩٠ - ٢٩٧)، معارج القبول (٣/ ٩٢٨)، المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع (ص ٨٠٩).\n(٢) ينظر: شفاء العليل (ص ٢٩ - ٦٥)، وسطية أهل السنة بين الفرق (٣٦٣ - ٣٦٦).\n(٣) تكلم شيخ الإسلام عن القدر في مواضع عديدة في كتابه هذا.\n(٤) (١/ ٤٠٦) وما بعدها.\n(٥) (٢/ ٧٠٢) وما بعدها.\n(٦) (٤/ ٦٩٠) وما بعدها.\n(٧) (٢/ ١٣) وما بعدها.","vol":"1","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-582>١ - الإيمان بالقدر طريق للخلاص من الشرك:</span>\nزعم المجوس بأن النور خالق الخير، وأن الظلمة خالقة الشر، كما زعمت القدرية بأن الله لم يخلق أفعال العباد لا الخير ولا الشر، وهؤلاء جميعًا أثبتوا خالقين مع الله - ﷿ -، وهذا شرك.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" اعلم أن أهل البدع من القدرية الجهمية والمجبرة والقدرية النافية لا يحمدون الله ولا يشكرونه، كما أنهم لا يعبدونه، وأما أهل الإلحاد من المتفلسفة والباطنية فهم أبعد عن حمده وشكره، وذلك أن المجبرة حقيقة قولهم أنه ليس برحيم ولا مُنعم، بل ولا إله يستحق أن يعبد ويُحب، بل صدور الإحسان عنه كصدور الإساءة، وإنما هو يفعل بمحض مشيئة ترجح الشيء على مثله لا لمرجِّح، وكل الممكنات عندهم متماثلة، فلا فرق بين أن يريد رحمة الخلق ونفعهم والإحسان إليهم، أو يريد فسادهم وهلاكهم وإضرارهم، يقولون: هذا كله عندهم سواء\" (١).\nومنهج أهل السنة العام في باب القدر، هو: الإيمان بأن جميع الكائنات واقعة تحت قدر الله، محكومة بقدره، ليس لها من الأمر شيء، فلا تملك لنفسها -فضلا عن غيرها- جلب نفع أو دفع ضر، وأن الأمور كلها بيد الله، فهو المعطي المانع، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، فإذا آمن الإنسان بذلك وأيقن به انبعث إلى إفراد الله بالعبادة وتجنب الشرك بأنواعه، وأخلص الدين لله رب العالمين، ولم يخش إلا الله (٢).\nكما أن من منهجهم الإيمان بالقدر خيره وشره، وذلك أن كل ما يكون فقد شاءه الله، وأن الطاعات والمعاصي كلها بقضاء الله وقدره، واعتبار الخير والشر بالنسبة للمقضي المقدر، وأما تقدير الله وقضاؤه فكله خيرٌ كما قال النبي - ﷺ -: «والشر ليس إليك» (٣)، وذلك أن القضاء والتقدير فعل الله، وأفعال الله - ﷿ - كلها خير وحكمة ليس فيها شر (٤).\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" الشر ليس إلى الرب تعالى بوجه من الوجوه، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في المقضي\n_________\n(١) جامع الرسائل (المجموعة الأولى) (١/ ١٠٣).\n(٢) ينظر: الإيمان بالقضاء والقدر لمحمد الحمد (ص ١٣)، والقول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين (٣/ ١٥٩).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم (٧٧١).\n(٤) ينظر: المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع (ص ٨١١).","vol":"1","page":520},{"text":"المقدر ويكون شرًا بالنسبة إلى محل وخيرًا بالنسبة إلى محل آخر، وقد يكون خيرًا بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه، كما هو شر له من وجه، بل هذا هو الغالب وهذا كالقصاص وإقامة الحدود وقتل الكفار، فإنه شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه بل من وجه دون وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر والنكال ودفع الناس بعضهم ببعض، وكذلك الآلام والأمراض إن كانت شرورًا من وجه فهي خيرات من وجوه عديدة ... فالخير والشر من جنس اللذة والألم والنفع والضرر وذلك في المقضي المقدر لا في نفس صفة الرب وفعله القائم به، فإن قطع يد السارق شر مؤلم ضار له، وأما قضاء الرب ذلك وتقديره عليه فعدل وخير وحكمة ومصلحة\" (١).\nلذا فإن الإيمان بالقدر على الوجه الصحيح توحيد وخلاص من الشرك؛ لأن ارتباطه مباشرة بالإيمان بالله تعالى، فقد جاء في صفاته سبحانه صفة العلم، والإرادة، والقدرة، والخلق، وعلى هذه الأسس قامت عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر (٢).\nكما عد العلماء الإيمان بالقضاء والقدر ثمرة من ثمرات الإيمان بالله، فالراضي بالقضاء والقدر راضٍ بالله، والساخط من القدر ساخط على الله، وهذه النكتة في عطف الفعل \"تؤمن\" لما عد النبي - ﷺ - أركان الإيمان فقال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) في حديث جبريل المشهور (٣).\nكما أن الإيمان بالقدر هو المحك الحقيقي لمدى الإيمان بالله تعالى على الوجه الصحيح، وهو الاختيار القوي لمدى معرفة الإنسان بربه تعالى، وما يترتب على هذه المعرفة من يقين صادق بالله، وبما يجب له من صفات الجلال والكمال؛ وذلك لأن القدر فيه من التساؤلات والاستفهامات الكثيرة لمن أطلق لعقله المحدود العنان فيها (٤).\n_________\n(١) شفاء العليل (ص ٤٤٣).\n(٢) مراتب القدر الأربع هي صفات الله تعالى، لهذا السبب -والله أعلم- لم يُذكر ركن الإيمان بالقدر في كتاب الله تعالى مع بقية أركان الإيمان كما ورد في السنة، لأن الإيمان بالقدر هو إيمان بربوبيته وأسمائه وصفاته.\n(٣) ينظر: منهج الحافظ ابن رجل الحنبلي في العقيدة (ص ٦٤٨).\n(٤) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٠٤)، القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذهب الناس فيه (٨٣ - ٨٥)، القضاء والقدر للمحمود (ص ٨٣ - ٨٥).","vol":"1","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-583>٢ - الإيمان بالقدر يحقق السعادة الدائمة والاطمئنان الكامل على الحاضر والمستقبل:</span>\nإن العبد المؤمن بالقدر خيره وشره يأخذ بالأسباب، ويدع تحقيق الآمال لربه تعالى، فإن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، ولا شك أنه يرضى بقسمة الله تعالى، ويقنع بما أعطاه، بل يفرح، وكل من الشكر والرضا والقناعة والفرح من أثر الإيمان بالقدر وفيها سعادة وطمأنينة، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، فلا يسيطر عليه الفزع، ولا يستبد به الجزع والهلع، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ التغابن: ١١؛ لأنه يعلم أن كل شيء بقدر، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، فيكون بعيدًا عن الحيرة والتردد، محجبًا عن حياة القلق والاضطراب.\nوذلك يحميه أيضًا من كثير من الأمراض النفسية والصراعات العصبية التي أصبحت سمة من سمات هذا العصر الذي نعيش فيه، فالذين لا يؤمنون بالقدر ربما يؤدي بهم الجزع إلى أن يكفروا بالله، وبعضهم يجن، وبعضهم يصبح موسوسًا، وبعضهم يلجأ إلى المخدرات، وبعضهم يقتل نفسه (١).\nومن هنا فإن الإيمان بالقدر يورث السعادة الكاملة والاطمئنان على الحاضر والمستقبل؛\nكما يوجب صدق الاعتماد عليه - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>٣ - الإيمان بالقدر يورث القوة والحزم:</span>\nالإيمان بالقدر يورث القوة في مواطن اليأس والخطر، والإقدام والشجاعة والبسالة عند ملاقاة الأعداء في الحروب؛ لأن المؤمن بالقدر يعلم أنه لن يموت قبل أجله المقدر له، فلا العيش في النعيم والنوم على الأسرة الموطئة بفرش الحرير تزيد في الأعمار، ولا\n_________\n(١) يكثر الانتحار في البلاد التي لا يؤمن أهلها بالقدر كأمريكا والسويد والنرويج، بل إن الأمر وصل ببلاد كالسويد إلى أن يفتحوا مستشفى للانتحار، والعجيب في الأمر أن غالبية المنتحرين ليسوا من الفقراء، بل هم من الطبقة الغنية، بل يقع الانتحار من الأطباء النفسيين الذين يظن بهم أنهم يجلبون السعادة للناس.\nينظر: (الانتحار) في ar.wikipedia.org","vol":"1","page":522},{"text":"الدخول في ساحات القتال ومنازلة الأعداء تقرب من الآجال، وتقصر الأعمار، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ آل عمران: ١٥٤.\nكما أن الإيمان بالقدر يورث الثبات على الحق، ومواجهة الباطل، فهو يهب صاحبه ثباتًا ورسوخًا على المنهج الصحيح، شعاره قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ التوبة: ٥١.","vol":"1","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-585>المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>تمهيد:</span>\nجاء الإيمان بالقضاء والقدر في القرآن الكريم واضحًا، وشرحه النبي - ﷺ - أتم الشرح، وتلقاه الصحابة عنه، فكانوا -رضوان الله عليهم- أعظم الناس فهمًا لحقيقة الإيمان بالقدر، فأثر ذلك فيهم أيما تأثير، فكانوا أشجع الناس، وأكرمهم، وأتقاهم.\nثم دبَّ في هذه الأمة داء الأمم، فركبت سنن من كان قبلها، ودخلت الفلسفات اليونانية، والهندية، وعقائد اليهود المحرفة، والنصارى الزائغة، إلى بلاد المسلمين، فظهرت بدعة القدرية في البصرة ودمشق، ووقع أول شرك في الأمة، وهو نفي القدر.\nومما لا شك فيه: أن باب القدر من علوم الغيب، لذا فقد حار النظار، والعقلاء قديمًا وحديثًا في شأنه، وفي فهم حقيقته، فلم يصلوا إلى اليقين والصواب؛ ذلك لأنهم التمسوا الهدى في غير مظانه، فحاروا، وحيروا، وتعبوا، وأتعبوا، فـ\"كثر الاختلاف حول القدر، وتوسع الناس في الجدل والتأويل لآيات القرآن الواردة بذكره، بل وأصبح أعداء الإسلام في كل زمن يثيرون البلبلة في عقيدة المسلمين عن طريق الكلام في القدر، ودس الشبهات حوله\" (١).\nوقد وفق الله ﷾ أهل السنة والجماعة لفهم هذا الباب، وذلك لاتباع ما جاء في الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح؛ إذ لا يمكن لأحد أن يفهم هذا الباب على وجه التفصيل فهمًا صحيحًا -إلا كما فهمه أهل السنة والجماعة- سلف هذه الأمة الصالح، وإذا نظرت إلى كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - انتظم العقد في هذا الباب، وظهرت ملامح الوسطية فيه، وسلمت من الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء، كما تجد أن القرآن الكريم والسنة المطهرة ترشدنا إلى أبواب يستطيع العقل البشري أن يجول فيها (٢)، وتنهانا عن أمور يستحيل العقل أن يصل إليها (٣).\n_________\n(١) القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذهب الناس فيه (٨٣ - ٨٥).\n(٢) الأمور التي يستطيع العقل البشري أن يجول فيها، ويفهمها من منطق النصوص هي: كالبحث في مراتب القدر، وأقسام التقدير، وخلق أفعال العباد إلى غير ذلك من مباحث القدر.\n(٣) الأمور التي نهانا الشرع عن الخوض فيها هي مثل: الخوض في القدر بالباطل وبلا علم ولا دليل، والاعتماد في معرفة القدر على العقل البشري القاصر بعيدًا عن هدي الكتاب والسنة؛ لأن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ذلك على وجه التفصيل، وكذلك البحث عن الجانب الخفي في القدر الذي هو سر الله في خلقه، وكذلك التنازع في القدر الذي يؤدي إلى اختلاف الناس فيه، وافتراقهم، فهذا مما نهينا عنه. ينظر: فيض القدير (١/ ٣٤٨)، وتحفة الأحوذي (٦/ ٢٧٩)، الوسطية في القرآن الكريم (ص ٣٠٩ - ٣١٠).","vol":"1","page":524},{"text":"لذلك فقد أنكر السلف التوليدات الحادثة عند الفرق حول هذا المسألة، وأجازوا الرد عليهم باصطلاحاتهم من باب الضرورة وإقامة الحجة، كما أنكروا ضرب النصوص بعضها ببعض (١)\nكما فعل المعتزلة والجبرية ومن وافقهم، وقالوا: بأن الواجب في القدر هو الإمساك عن الكلام والجدل حوله، ورأوا أن الغوص في الكلام على القدر ذريعة الخذلان والحرمان، لا سيما إذا كان من باب التنازع والتخاصم وتحكيم الأهواء ومقاييس البشر (٢).\nقال ابن أبي العز - ﵀ -: \" وأكبر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأمة مسألة القدر، وقد اتسع الكلام فيها غاية الاتساع\" (٣).\nولهذا كان الأسعد بالدليل والأوفق للحكمة والتعليل أهل السنة والجماعة الطائفة الوسط المقتصدة في اعتقادها، الذين جمعوا بين الأدلة، وسلكوا في طريقهم خير مسلك، فآمنوا بقضاء الله وقدره في مراتبه الأربع، وآمنوا بأن للعبد اختيارًا وقدرة (٤)، ولم يقفوا عند هذا الحد؛ بل تصدى علماء السنة للبدع المتقابلة في باب القدر، وبينوا عوارها، ودحضوا باطلها، وأظهروا الحق، ونشروه.\n\nويمكن إجمال<span data-type=\"title\" id=toc-587> أسباب انحراف الفرق في الإيمان بالقضاء والقدر إلى الأسباب التالية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>١ - الجهل بحكمة الله فيما يخلق ويقدر: </span>معلوم أن حكمة الله - ﷿ - في خلقه منها ما هو مدلل عليه، ومنها ما ليس بمعروف، ولذلك إذا جهلت الحكمة، فإن المرء يُسَلم، ولا يعترض، لكن المبتدعة لم يعرفوا حكمة الله - ﷿ - في الأشياء،\n_________\n(١) ضرب كتاب الله بعضه ببعض: بأن ينزع المثبت للقدر بآية، والنافي له بأخرى، ويقع التجادل في ذلك. وهذا قد روي أنه وقع في عهد النبي - ﷺ -، وأن النبي - ﷺ - غضب من ذلك ونهى عنه، وهذا من جملة الاختلاف في القرآن، والمراء فيه وقد نهي عن ذلك.\n\nينظر: فضل علم السلف على علم الخلف لابن رجب (ص ١٣٦ - ١٣٨).\n(٢) ينظر: القدر في ضوء الكتاب والسنة، د. عبدالرحمن المحمود (١٧ - ١٩)، وشرح الطحاوية (١/ ٣٢٠).\n(٣) شرح الطحاوية (١/ ٣٤٠).\n(٤) القصد والوسطية في ضوء السنة النبوية (ص ٣٧٢).","vol":"1","page":525},{"text":"ولا حكمته فيما يقدر ويخلق من الخير والشر أو من المخلوقات بعامة، ولما لم يدركوا الحكمة، عارضوا فعل الله - ﷿ - في ملكوته بما يرون من ظاهر رأيهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>٢ - قياس أفعال الله - ﷿ - على أفعال العباد فيما هو من قبيل العدل والظلم: </span>نظر المبتدعة إلى أفعال الرب - ﷿ -، فجعلوا ما هو عدل في تصرفات البشر واجبًا وعدلًا في تصرفات الرب - ﷿ -، وجعلوا ما هو ظلم من تصرفات البشر محرمًا أو منفيًا وظلما في تصرف الرب، فضلوا في هذا الباب؛ لأن الخالق - ﷿ - لا يقاس على المخلوق في أفعاله وفي تدبيراته في ملكوته. وقصدوا بذلك تعظيم الرب وتنزيهه: فالقدرية من المعتزلة وغيرهم قصدوا تعظيم الرب وتنزيهه عما ظنوه قبيحًا من الأفعال وظلمًا، فأنكروا عموم قدرته ومشيئته، ولم يجعلوه خالقًا لكل شيء، ولا أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، بل قالوا: يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، ثم إنهم وضعوا لربهم شريعة فيما يجب عليه ويحرم بالقياس على أنفسهم، وتكلموا في التعديل والتجويز بهذا القياس الفاسد الذي شبهوا فيه الخالق بالمخلوق، فضلوا وأضلوا (٢)، وقابلتهم الجهمية الغلاة في الجبر، فأنكروا حكمة الله ورحمته (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>٣ - إحداث ألفاظ ومصطلحات جعلت أصلًا في هذا الباب، ثم حمل الكتاب والسنة عليها: </span>مثل لفظ: الاستطاعة -بتفسيرهم- وما يطاق وما لا يطاق، والتكاليف، وأشباه ذلك، ومنها أيضًا -عند الجبرية- الكسب ونحوه، وفسروها بتفسيرات تخصهم، فضلوا في أصلٍ يجب الرجوع فيه إلى الدليل؛ لأن إحداث\n_________\n(١) ينظر: تائية شيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ١٥١).\n(٢) إذًا: فقد جعلوا الله تعالى معزولًا عن تدبير الكون وتصريفه، حتى لا يشغل نفسه بهذا الناقص؛ وذلك لأن الجزئيات تحتوي على بلاء وشر؛ كالقتل والنهب وغيرها، فيقولون: لو قلنا: إن الله يعلمها، لما نزهنا الله! وهذا من الجهل بالله - ﷿ -، فإنهم أرادوا أن ينزهوا الله بعقولهم، ولم ينزهوه كما نزه نفسه، وقولهم هذا كقول القدرية، لكنهم زادوا على ذلك، فقالوا: لا يعلمها، فأنكروا العلم، وهو المرتبة الأولى من مراتب القدر التي من أنكرها فقد كفر، ولذلك فإن أكثر القدرية لم ينكروا العلم؛ لأنهم لو أنكروه لكفروا، أما الفلاسفة فقد أنكروا العلم، ولكن العلم بالجزئيات، وذلك مداهنة لأهل الإسلام، والله أعلم.\n(٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ٩٩ - ١٠١).","vol":"1","page":526},{"text":"لفظ وإحداث مصطلح لا شك أنه سيترتب عليه أشياء كثيرة. ومن المعلوم أن هذه الأمور الغيبية -كالقدر- الاصطلاح عليها بألفاظ وأسماء لمسميات لم يأت عليها برهان أنه يجعل المرء يؤصل ويقعد بشيء لا أساس له، والعلم بالقرآن والسنة حجة على كل مخالف أحدث المصطلحات؛ لأن إحداث المصطلحات عقلي، واتباع الكتاب والسنة نقلي، ولهذا يغلب النقل العقل الحادث والمصطلح عليه في هذه المسائل (١).\n\n٤ - التسوية بين المشيئة والإرادة (٢) وبين المحبة والرضا: منشأ الغلط في باب القدر (٣) هو اعتقاد أن محبة الله - ﷿ - ورضاه، ومشيئته وإرادته متحدان أو متلازمان (٤)،\nوهذا أصل مشترك بين القدرية والمعتزلة والجبرية والجهمية والأشعرية (٥)، واعتقادهم بالتسوية مبنيٌ على صفة المحبة لله - ﷿ - (٦)، فأنكرتها القدرية، بينما غلت فيها الجبرية، ثم بنى كل فريق على ذلك منهجهم في الغلو أو الجفاء في الإيمان بالقضاء والقدر.\n_________\n(١) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٢٥١ - ٢٥٥).\n(٢) وهذه الإرادة التي أثبتوها هي الإرادة الشرعية، وهي التي تتعلق بالأمر والترغيب؛ لأن الإرادة الكونية (المشيئة) -وهي المرتبة الثالثة من مراتب القدر- فقد أنكروها، وزعموا أن العبد مستقل بإرادة فعله، وهو الذي أحدثها، وحملوا نصوص المشيئة على معنى الأمر والتكليف. ينظر: الصفدية (١/ ١٠٦ - ١٠٨).\n(٣) كذلك في كثير من مسائل الأسماء والصفات.\n(٤) والصواب أن المشيئة والإرادة الكونية العامة لا تلازم بينهما وبين الرضا والمحبة الدينية، وقد دلت الأدلة على التفريق بينهما، وهكذا الحال في الإرادة، فهناك إرادة كونية وهناك إرادة شرعية مرادفة للمحبة والرضا، وهكذا القضاء، فهناك قضاء كوني مرادف للمشيئة العامة والإرادة العامة، وهناك قضاء شرعي مرادف للمحبة وللإرادة الدينية وهكذا الأمر والإذن والكتاب والحكم والتحريم والكلمات كل منها ينقسم إلى كوني مرادف للمشيئة العامة، وإلى شرعي مرادف للمحبة والرضا، فمن لم يفرق بينهما وقع في الاضطراب والتناقض، وأسعد الناس بمعرفة هذه الفروق والقول بمقتضاها والحكم بموجبها هم السلف ومن تبعهم بإحسان، فجاء مذهبهم في القدر متسقًا مع أدلة الكتاب والسنة منسجمًا مع الفطرة السليمة لا وكس فيه ولا شطط.\n\nينظر: شرح الطحاوية (١/ ٣٢٤)، منهج الإمام ابن أبي العز الحنفي (ص ٣٢٦).\n(٥) ينظر: المعني في أبواب العدل والتوحيد والإنصاف، للباقلاني (٤٤ - ٤٥)، والإرشاد للجويني (ص ٢١١).\n(٦) ينظر: منهاج السنة (٣/ ١٨١) (٥/ ٣٢١، ٣٥٩ - ٣٦٠)، مدارج السالكين (١/ ٢٧٥)، المسائل العقدية المتعلقة بالحسنات والسيئات (١/ ٣١٨).","vol":"1","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-592>٥ - اعتمادهم على مقدمات فاسدة: </span>الأساس في مخالفة تلك الفرق للنصوص الشرعية إنما يرجع إلى شبهات عقلية سلموا بها قبل النظر في دلالات النصوص الشرعية، ثم نظروا إلى النصوص الشرعية بعد ذلك وفسروها بما يوافق تلك الشبهات، وبهذا يكون ضلالهم في موقفهم من النصوص الشرعية مضاعفًا، حيث تركوا دلالات تلك النصوص واعتمدوا على شبهات عقلية زعموا أنه لا يمكن اعتبار دلالات النصوص الشرعية معها، ثم عادوا على دلالات النصوص بعد ذلك بالتأويل ودعوى أنها معارضة لما هو معلوم بالضرورة، والاستشهاد بالمتشابه منها على ما ادعوه من المعاني الباطلة، فيما يتعلق بالقدر وأفعال العباد (١).\nومن أجل هذا: انقسم المبتدعة إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان!؛ لإعراضهم عن هدي المرسلين واتباعهم غير سبيل المؤمنين. وبيان ذلك في المطلبين الآتيين.\n_________\n(١) المقدمة التي بنى عليها القدرية والجبرية قولهم فيها، ادعاء أن أفعال العباد لا تكون إلا بقدرة واحدة إما قدرة الله تعالى، وإما قدرة العبد، وأنه يستحيل حصولها بقدرة الرب وقدرة العبد في آن واحد.\n\nوالحاصل أن من سلم بالشبهة المشتركة بين القدرية والجبرية فلا بد أن يلتزم بقول القدرية وينفي خلق الله تعالى لأفعال العباد، أو يلتزم بقول الجبرية وينفي اختيار العبد وتأثير قدرته في فعله، أو يبقى حائرًا مضطربًا لا يتبين له الحق في هذه المسألة. ينظر: تبصرة الأدلة، لأبي المعين النسفي (٢/ ٥٩٤ - ٥٩٥)، الخلاف العقدي في باب القدر دراسة تحليلية نقدية لأصول القدرية والجبرية في أفعال العباد، د. عبد الله بن محمد القرني (ص ١٠، ٢٠).","vol":"1","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-593>المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في الإيمان بالقضاء والقدر</span>.\nلقد شغلت قضية القضاء والقدر أذهان الفلاسفة وأتباع الطوائف من أهل الملل من قديم الزمان، وما زالت حتى يومنا هذا، وضلال أهل الأهواء والبدع في هذا الأصل العظيم كضلالهم في باقي الأركان، وهذا ما وضحه الله - ﷾ - في كتابه الكريم من زعم بعضهم بأن الله لا يقدر الأمور، وإنما تسير على حسب جريان الدهر، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ الجاثية: ٢٤.\n\nوكانت<span data-type=\"title\" id=toc-594> البداية لنشأة الاختلاف والكلام في القدر</span>، تدور على أمرين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>أحدهما: نفي علم الله تعالى بالأشياء قبل وقوعها</span>، وبالتالي نفي الكتابة، وهذا التقدير ينكره غلاة القدرية الأوائل، وقد انقرض مذهبهم (١)، كما ينكره الفلاسفة، القائلون: بأن الله لا يعلم الجزئيات، وإنما يعلم الأشياء على وجه كلي، أي: يعلم الكليات دون الجزئيات (٢).\nوقد تأثر اليهود والنصارى بالفلسفة القديمة، وتجد في كتبهم المحرفة ما يفيد إنكار علم الله تعالى (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>الآخر: نفي خلق الله تعالى لأفعال العباد</span>، والقول بأنها ليست واقعة بقدره، وأن العباد يخلقون أفعالهم (٤)، فجعلوا لله شريكًا في خلقه، واستدلوا استدلالًا أعور ببعض الآيات،\nوأولوا ما عدا\n_________\n(١) ينظر: فتح الباري (١/ ١١٩)، وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٣٧١).\n(٢) قال الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي: \" وإذا كان الله بزعمهم لا يعلم الشيء حتى يكون كيف علم في مذهبهم بقيام الساعة والبعث، ولم تقم الساعة بعد ولا تقوم إلا بعد فناء الخلق وارتفاع الدنيا .. ! فإن أقروا لله بعلم قيام الساعة والبعث والحساب، لزمهم أن يقروا له بعلم كل شيء دونها، وإن أنكروا علم الله - ﷿ - بما دونها، لزمهم الإنكار بها وبقيامها، وبالبعث والحساب؛ لأن علمه بالساعة كعلمه بالخلق وأعمالهم سواءً، لا يزيد ولا ينقص، فمن لم يؤمن بأحدهما، لزمه أن لا يؤمن بالآخر، وهي من أوضح الحجج، وأشدها على من رد العلم وأنكره\" الرد على الجهمية (ص ٦٩)، وينظر: درء التعارض (٩/ ٣٩٧) (١٠/ ١٧٩).\n(٣) زعم اليهود أن الله تعالى: لا يعلم الغيب، ويحتاج إلى علامات يميز بها بني إسرائيل من غيرهم، فوضع الدم علامة على بيوت بني إسرائيل، ليميزها عن بيوت المصريين حتى لا يهلكهم. أما النصارى فقد جعلوا المخلوق إلهًا، ونفوا عن إلههم أن تكون له إرادة، ومشيئة، وعلم بما يحصل له، أو لمخلوقاته، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا! . ينظر: وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٢٤٩).\n(٤) وهذا المذهب هو الذي تبنته المعتزلة وجعلته أصلًا من أصولها التي قام عليها كيان الاعتزال، وبسبب قولهم به عرفوا بالقدرية، لنفيهم القدر. ينظر: المقالات للأشعري (١/ ٣٣٨)، وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٣٧١).","vol":"1","page":529},{"text":"ذلك مما يخالف مذهبهم، وهذا التقدير ينكره متأخرو القدرية، بينما يثبتون علم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها (١).\nولو ذهبنا نستجلي أقوال الناس في هذه المسألة لوجدنا أنها هي هي، لم تتغير قبل الإسلام أو بعده، فهي ترجع دائمًا إلى ثلاثة أقوال (٢):\n١ - قول الجبرية (٣): الذين يقولون: بأن الله هو الخالق للأفعال، بينما الإنسان مجبور على أفعاله.\n٢ - قول أهل حرية الإرادة (٤): الذين يقولون: إن الله لا يوصف بأنه يخلق فعل العبد، بل الإنسان مستقل في أفعاله عن خالقه، وأنه هو الذي يخلق أفعاله، وهم يقولون هذا لسببين:\nأ-أن فعل العبد فيه الأشياء المشينة مثل: الكفر، والزنا، والسرقة، والقتل .. إلخ، ولو قيل: أن الله هو الذي يخلق هذه الأشياء، لصار في هذا نسبة للأشياء السيئة إلى الله، وهو منزه عنها.\n_________\n(١) ينظر: فتح الباري (١/ ١١٩)، وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٣٧١). ينظر: الفرق بين الفرق (ص ٢٥)، درء التعارض (٩/ ٣٩٦)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ٢٠٠) (٣/ ٤٥٠) (٤/ ٧٧٥)، مجموع الفتاوى (٨/ ٤١٩).\n(٢) ينظر: القضاء والقدر في الإسلام، د. فاروق الدسوقي (١/ ١ - ٣٨)، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة، د. عبد الرحمن المحمود (٣/ ١٣٠٨ - ١٣٣٠)، تناقض أهل الأهواء والبدع (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠).\n(٣) الجبرية هم نفاة الفعل حقيقة من العبد، وإضافته إلى الرب تعالى، وأشهر من يمثلها: الجهمية، والقائلين بالكسب من الأشاعرة، وهم أصناف: منهم الجبرية الخالصة: التي لا تثبت للعبد فعلًا ولا قدرة على الفعل أصلًا، والجبرية المتوسطة: التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة.\nينظر: الملل والنحل (١/ ٧٢)، والتعريفات (ص ٧٤). ينظر: تفصيل مذهبهم في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١٠٣ - ١٠٦)، والملل والنحل (١/ ٨٥ - ٨٦) وما بعدها، والبرهان للسكسكي (ص ٤٢ - ٤٣).\n(٤) وهم القدرية وسموا بذلك لتكذيبهم القدر، ومقولتهم قائمة على أن العبد خالق لأفعاله كلها، خيرها وشرها استقلالًا، وأول ما ظهر عنهم هو أن الأمر أنف، أي مستأنف، لم يسبق به قدر ولا علم من الله تعالى، وإنما يعلمه بعد وقوعه. وكان أول من تلكم به رجل نصراني يقال له سنسويه البقال، وسماه الأوزاعي سوسن، أسلم ثم عاد فتنصر، فأخذ عنه معبد الجهني البصري وأخذ عنه معبد غيلان ابن مسلم الدمشقي. وقد أطلق السلف رحمهم الله تعالى هذا الاسم على المعتزلة أيضًا، ووصموها به لكونهم نفوا قضاء الله وقدره في معاصي العباد.\nينظر: السنة للخلال (ص ٥٢٦ - ٥٢٨)، ومعالم السنن للخطابي (٤/ ٣١٧ - ٣٢٠)، وغريب الحديث للخطابي (٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤)، وشرح النووي لصحيح مسلم (١/ ١٥٣ - ١٥٦)، والبرهان لسكسكي (ص ٥٠).","vol":"1","page":530},{"text":"ب- أن خلق الفعل من الله يقتضي التفريق بين المكلفين، هذا خلق فعل طاعته، فأدخله الجنة، وهذا خلق فعل معصيته، فأدخله النار، وهذا ظلم؛ لأنه لم يساو بينهم في خلقه وفعله.\nوالخوض في هذا الباب: طريقة أهل الأهواء والمراء، وهي طريقة وعرة ودحضُ مزلة، مع نهي الشرع عنها أصلًا وفرعًا، كما أنه قدح في فعل الرب سبحانه وتنقص لحكمته، وتحكيم في إرادته بمحض القياس العقلي الناقص، المتضمن لتنقص الشرع وصاحبه.\nويتبين مما سبق أن القدرية النفاة مفرطون في هذا الباب، مقصرون فيه بما سلبوا الله تعالى قدرته، وبقولهم إن العباد هم الخالقون لأفعالهم.\n٣ - قول أهل الوسط بين هؤلاء وهؤلاء، وهم الذين يثبتون القدر السابق، ويقولون أيضًا: إن للإنسان إرادة ومشيئة، ولكنها خاضعة لمشيئة الله، والإنسان وأفعاله مخلوق لله - ﷿ -، وهذا مذهب الأنبياء وأتباعهم؛ لأنه لا يحدث في ملك الله شيء إلا وهو خالق له - ﷾ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>ومن خلال ما سبق يمكننا الوقوف على طرق الانحراف المؤدية إلى التفريط في الإيمان بالقضاء والقدر، وهي:</span>\n-<span data-type=\"title\" id=toc-598> أولًا: إرادة تنزيه الله - ﷿ - عن الشر:</span>\nمنشأ ضلال هؤلاء في البداية هو أنهم أرادوا تنزيه الله - ﷿ - عن الشر، فوقعوا في نفي القدر، وهذا أصل التعطيل ومنشأ التفريط، فقالوا: بأن العبد مستقل بعمله في الإرادة، والقدرة، وليس لمشيئة الله تعالى وقدرته في ذلك أثر، وقالوا بأن: أفعال العباد ليست مخلوقة لله، وإنما العباد هم الخالقون لها، وقالوا: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئته الشاملة، وغلاتهم ينكرون أن يكون الله قد علمها، فيجحدون مشيئته الشاملة، وقدرته النافذة، ولهذا سموا مجوس هذه الأمة؛ لأنهم شابهوا المجوس الذين قالوا: إن للكون إلهين: إله النور، وهو","vol":"1","page":531},{"text":"خالق الخير، وإله الظلمة: وهو خالق الشر (١)، ويكفي في الرد عليهم قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ الصافات: ٩٦.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-599> ثانيًا: إرادة تنزيه الله - ﷿ - عن الظلم:</span>\nأرادت القدرية تنزيه الله - ﷿ - عن الظلم، حتى لا تنتفي عنه صفة العدل، فغلوا في جانب التصديق بالأمر والنهي والوعد والوعيد، ما جرهم إلى الظن بأنه لا يتم هذا إلا بالتكذيب بالقدر (٢)، وزعموا أن هذا مقتضى العدل؛ فأدخلوا إنكار مشيئة الله وخلقه أفعال عباده في فروع أصل العدل الذي أصلوه؛ بل حكموا على أفعاله - ﷿ - بأحكام من جهة النظر إلى الخلق، فجعلوا فعلًا لله - ﷿ - واجبًا عليه بالنسبة للجميع، وجعلوا فعلًا لله - ﷿ - ممتنعًا عليه بالنسبة للجميع، وخلاف القدرية في مسألة الاستطاعة ناشئ عن أنهم قالوا: الواجب على الله - ﷿ - أن يجعل الناس سواء فيما يطيعهم، فكون هذا يوفق، وهذا يخذل، هذا غير سائغ؛ لأنه تفريق فإذا جعلنا الأصل هو أن يكون الناس سواسية (٣)،\nفإن هذا قاعدة نبني عليها غيرها من مسائل القدر، وبهذا نشأت أقوال كثيرة محدثة في القدر وخلاف متنوع في المسائل العقلية، وما يجب على الرب - ﷿ -، وما لا يجوز عليه (٤).\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٨ - ١٤٩)، (٨/ ٢٥٨).\n(٢) ينظر: درء التعارض (٨/ ٤٠٥).\n(٣) أي أن الناس في فعل الله - ﷿ - سواء: وهو أن العاصي والمطيع، والمؤمن والكافر كلهم أعطوا شيئًا واحدًا، فهذا فعل الخير، وهذا فعل الشر بمحض قدرته. وجعلوا هذا وهذا متساويين في القدرة والآلات؛ فلهذا نفوا خلق الله - ﷿ - للأفعال، وقالوا: إن العبد يخلق فعل نفسه، لئلا ينتج عنها أن الله ظلم، أدخل الجنة هذا، وأدخل النار ذاك.\nونظر أهل السنة إلى أن الله - ﷿ - ساوى بين الناس: في التكليف، في الآلات، في الاستطاعة التي هي قبل الفعل، أما الاستطاعة التي مع الفعل، فلا يحدث الفعل إلا بأسباب، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بتأثير الأسباب بمسبباتها، ولكنه تأثير بقدرة الله - ﷿ -، فلو شاء لسلب هذا التأثير، فلا ينكرون الأسباب وتأثيرها، ولا يعتمدون عليها ويرون استقلال تأثيرها دون الله، ولا يعرضون عنها لعلمهم أن لكل شيء سببًا، فينسب فعل العبد إلى قدرة الرب نسبة مخلوق إلى خالقه، وينسب نفس الفعل إلى قدرة العبد نسبة مسبب إلى سببه، ولا تعارض بين النسبتين.\n\nينظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٣٤٥)، مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٧) (٨/ ٥٠٥)، منهاج السنة (٢/ ٢٩٤)، شرح الطحاوية لآل الشيخ (٢/ ٢٦٩).\n(٤) ينظر: مشابه القرآن للقاضي عبد الجبار (٦٤ - ٦٥).","vol":"1","page":532},{"text":"وهذه التسوية بين الجميع جعلتهم ينفون أن يكون هناك أمرٌ زائدٌ خص به هذا، أو منع ذاك، فجعلوها جميعًا قبل الفعل، وأما مع الفعل، وفي أثناء الفعل، فعندهم العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وبالتالي فلو جعل هذا مستطيعًا للفعل، وهذا غير مستطيع للفعل، لكان الناس ليسوا سواسية فيما أعطاهم الله - ﷿ -، وبالتالي يترتب على هذا أن هذا ظلم (١).\n\nوالحق أن هذا العدل الذي أصلوه معطل لكمال قدرة الرب وعموم مشيئته؛ فهو بعيد عن العدل الذي هو وصف قضائه جل وعلا (٢)؛ لأن جميع أعمال الله - ﷿ - بين الفضل والعدل وليس فيها ظلم إطلاقًا، فإن أعطى وأنعم فبفضله، وإن منع وعذب فبعدله، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، ينزه الله عنه، والعدل هو وضع الشيء في موضعه ومن تمام عدله - ﷿ - أن أتقن صنعه، وشرعه، وجزاءه ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فهو العدل الكامل في عدله (٣)، بل أعظم من هذا أنه حرم الظلم على نفسه كما في الصحيح (٤)، والعباد قاصرون عن معرفة الحكم في أنفسهم، فكيف بالحكم في أفعال الله - ﷿ - وصفاته وتصرفه في ملكوته؟ ! (٥).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-600> ثالثًا: اطراد ما التزمه أهل البدع من أصولهم الفاسدة:</span>\nلذا نجد أن الخوارج قد نالهم الاختلاف في هذا الركن عن طريق قولهم: بأن مرتكب الكبيرة كافر خالد مخلد في النار، فهم عندما يجعلونه كافرًا -وقد كتبه الله عنده من المؤمنين - خالفوا كتابته ومشيئته، وعندما يجعلونه من أهل النار -وقد جعله الله من أهل الجنة- يؤدي قولهم إلى رد المشيئة والكتابة ضمنًا وتلويحًا لا تصريحًا، وبذلك يقع الخلل عندهم في القضاء والقدر والله أعلم (٦).\n_________\n(١) ينظر: شرح الطحاوية لآل الشيخ (٢/ ٢٥٨).\n(٢) ينظر: شفاء العليل (١/ ٢٨٠)، والصواعق المرسلة (٣/ ٩٤٩).\n(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٥٠٥).\n(٤) صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم النظر برقم (٢٥٧٧).\n(٥) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية لآل الشيخ (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٨).\n(٦) ينظر: الملل والنحل (١/ ١١٤)، والفرق بين الفرق (٧٢، ٧٣)، والمقالات (١/ ١٦٧).","vol":"1","page":533},{"text":"كما نلحظ الخلل الكبير الذي وقعت فيه الشيعة، حينما قالوا بعقيدة البداء على الله - ﷿ -، وهذه العقيدة تعارض القضاء والقدر؛ لأن وصفهم الله - ﷿ - بالبداء يستلزم منه وصفه ﷾ بالجهل، وعلى ذلك فلا علم ولا كتابة ولا إرادة ولا خلق، فعن طريق قولهم بالبداء يلزمهم نفي القضاء والقدر ومحو ما كتبه ﷾، أما متأخرو الشيعة فقد قالوا بقول المعتزلة، فبذلك زاد الخلل عندهم في هذا الركن (١)، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: \" وأما عمدتهم في النظر والعقليات، فقد اعتمد متأخروهم على كتب المعتزلة، ووافقوهم في مسائل الصفات والقدر\" (٢).\nأما المعتزلة فقد وقعت في خلل كبير في هذا الركن من أركان الإيمان، حيث قالوا: بأن الله يفعل المفعولات ويخلق المخلوقات لحكمة مخلوقة منفصلة عنه، فهم أثبتوا الحكمة من أفعال الله تعالى كما أثبتها أهل السنة والجماعة، ولكنهم انحرفوا عن السلف حين أثبتوا لأفعال الله حكمة منفصلة عنه ﷾ لا ترجع إليه، وحصروا هذه الحكمة في المخلوق ثم زعموا أن هذه الحكمة لا تتم إلا بأن يكون العبد خالقًا لأفعاله، والله ليس خالقًا لها حتى لا تنتفي صفة العدل عنه، ثم تمادوا وقالوا بوجوب فعل الصلاح والأصلح وما تحته من مسائل تعارض وتخالف هذا الركن الجليل من أركان الإيمان، وهم قد شابهوا الخوارج في تخليدهم لمرتكب الكبيرة في النار، فلازم قولهم رد قضاء وقدر الله ﷾ في هذا العاصي، بحيث يجعلونه في أهل النار أن والله قد يكون كتبه في أهل الجنة، كما يوجبون على الله إدخال الطائع الجنة وقد يكون الله - ﷿ - كتبه مع أهل النار، فليزمهم رد القضاء والقدر السابق، ولهم مخالفات أخرى في هذا الركن جاءت عن طريق تماديهم وغلوهم في هذا الباب (٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-601> رابعًا: محاولة إدراك حقيقة القدر بالعقل المجرد، ومخالفتهم للنصوص:</span>\n_________\n(١) ينظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٦٩)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٦٥)، والفرق بين الفرق ص (١٥ - ١٧).\n(٢) ينظر: منهاج السنة (١/ ٧٠)، والشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة، لهاشم الحسيني (ص ٢٤٠).\n(٣) ينظر: الفرق بين الفرق (ص ٨٣)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٦٣)، وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص ٦٩)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٥)، تناقض أهل الأهواء (١/ ٣٦٢) وما بعدها.","vol":"1","page":534},{"text":"تكلف المبتدعة تقديس العقل، فردوا به نصوص الوحي، زاعمين كفاية العقل في إدراك الفرق بين الحسن والقبيح، وبهذا يكون ضلالهم في موقفهم من النصوص الشرعية مضاعفًا، حيث تركوا دلالات تلك النصوص واعتمدوا على شبهات عقلية زعموا أنه لا يمكن اعتبار دلالات النصوص الشرعية معها (١).\nيقول ابن قتيبة - ﵀ - (٢) عنهم: \" ولما اطرد لهم القول على ما أصلوه، ورأوه حسن الظاهر قريبًا من النفوس، يروق السامعين ويستميل قلوب الغافلين، نظروا في كتاب الله فوجدوه ينقض ما قاسوا، ويبطل ما أسسوا، فطلبوا له التأويلات المستكرهة، والمخارج البعيدة، وجعلوه عويصًا وألغازًا، وإن كانوا لم يقدروا من تلك الحيل على ما يصح في النظر ولا في اللغة\" (٣).\nفالأساس إذًا في مخالفة تلك الفرق للنصوص الشرعية إنما يرجع إلى شبهات عقلية سلموا بها قبل النظر في دلالات النصوص الشرعية، ثم نظروا إلى النصوص الشرعية بعد ذلك وفسروها بما يوافق تلك الشبهات، وهذا ما لا يُعجز كل مبطل، والذي جلب لهم هذا الخلط والاضطراب والحيرة: أنهم رتبوا إثباتهم لتعلق أفعال العباد بقدرة الرب وقدرة العبد على إدراكهم لكيفية الصلة بين القدرتين، لا على مجرد التسليم بما دلت عليه الضرورة من ثبوتهما (٤)،\nومن ثم توهموا أن هناك معارضة بين العقل والنقل ولما كان العقل عندهم مقدسًا منزهًا عن الخطأ، نفوا وعطلوا وأولوا ما دل عليه النقل، وركنوا إلى قواعدهم العقلية وأصولهم الفلسفية، وجعلوها عمدة في ردّ ما ورد به الشرع بدعوى معارضته لها (٥).\n_________\n(١) ينظر: الخلاف العقدي في باب القدر دراسة تحليلية نقدية لأصول القدرية والجبرية في أفعال العباد، د. عبد الله بن محمد القرني (ص ١٠، ٢٠).\n(٢) هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد، خطيب أهل السنة وأحد أئمة السلف، من مؤلفاته: تفسير غريب القرآن، تأويل مختلف الحديث، الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية وتأويل مشكل القرآن وغيرها، توفي سنة ٢٧٦ هـ.\nينظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٦)، شذرات الذهب (٢/ ١٦٩).\n(٣) الاختلاف في اللفظ (ص ٢٤)، وينظر الفصل لابن حزم (٣/ ٨٩).\n(٤) إذا كان عدم إدراك كيفية العلاقة بين خلق الله لخاصية الأسباب وبين ثبوت تلكك الخاصية للأسباب لا يقدح في التسليم بهذين الأصلين فكذلك ينبغي ألا يقدح عدم إدراكنا لكيفية الصلة بين قدرة الرب وإرادته وبين قدرة العبد وإرادته في عدم التسليم بثبوت تعلقهما بأفعال العباد؛ لأن إثبات تعلقهما بأفعال العباد إنما هو من إثبات العلم بالوجود لا من إثبات العلم بالكيفية.\n\nينظر: الخلاف العقدي في باب القدر (ص ٤٥) وما بعدها.\n(٥) ينظر: النفي في باب صفات الله - ﷿ - (ص ٩١ - ٩٢)، وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - كتابه الكبير: \"درء تعارض العقل والنقل\" في إبطال هذه الدعوى.","vol":"1","page":535},{"text":"ومن هذه الشبهات التي ظل بسببها المبتدعة في باب القدر:\nأ-قولهم: لو كانت أفعال العباد خلقًا لله لبطل التكليف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولسقطت بعثة الرسل، ولقبحت المساءلة والمحاسبة والمعاقبة؛ لأنه لا يجوز أن ينهى الله عما خلقه، ولا أن يأمر بما يفعله هو؛ إذ لا فائدة من ذلك، كما أنه لا يجوز أن يثيب ويعاقب على فعله (١).\nب- أنه يحسن المدح على الحسن من أفعال الناس والذم على قبيحها دون المدح والذم على حسن الهيئة وضده، أو طول القامة وقصرها، فدل هذا الفرق على أن أفعال العباد محدثة من جهتهم بخلاف الهيئة والصورة فإنها من عند الله (٢).\nت- أنا \"نحتاج في هذه الأفعال إلى آلات وقدر وارتفاع الحواجز؛ لأنه إذا أراد الرامي الإصابة فلا بد له من قوس وآلة، وألا يكون بينه وبين المرمى حاجز، وأن يكون عالمًا، وأن يكون قويًا ليبلغ الرمي بشدة اعتماده، ولو كان من فعل الله تعالى لما احتاج إلى ذلك؛ لأنه تعالى فيما يفعله لا يحتاج إلى هذه الأمور، تعالى الله عن ذلك\" (٣).\nوكل هذا مردود بالكتاب والسنة والإجماع (٤)، بأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وليس بعد الحق إلا الضلال، مع ضرورة التسليم بالشرع والقدر، واستحالة التعارض بينهما (٥).\n_________\n(١) ينظر: شرح الأصول الخمسة (٣٣٤ - ٣٣٥).\n(٢) ينظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٣٣٢).\n(٣) مختصر أصول الدين للقاضي عبد الجبار (١/ ٢٣٨).\n(٤) منهج السلف الصالح جمعوا بين الدليل المنقول، والدليل المعقول، فأدلتهم على إثبات القدر هي أدلة المثبتين له من الجبرية، لكنهم استدلوا بها على وجه العدل، وجمعوا بينها وبين الأدلة التي استدل بها نفاة مشيئة العبد وقدرته، وبهذا نعرف أن كلًا من الجبرية والقدرية نظروا إلى النصوص بعين الأعور الذي لا يبصر إلا من جانب واحد، فهدى الله أهل السنة والجماعة لما اختلف فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\nينظر: كتاب القول المقيد على كتاب التوحيد، شرح ابن عثيمين (ص ٢٠٩).\n(٥) ووجه استحالة التعارض بين الشرع والقدر أن كلًا منهما معلوم من الدين بالضرورة، والضرورة من حيث هي ضرورة لا يمكن أن تكون محتملة أو قابلة للإبطال؛ لأن حقيقة كونها ضرورية أن تكون ثابتة بإطلاق، وما كان كذلك لم يقبل المعارضة بدعوى المناقض؛ لأن ما كان ثابتًا في نفسه يستحيل أن يدل دليل صحيح على عدم ثبوته، وهذه قواعد من المسلمات التي لا يمكن الشك فيها مع تصورها على وجهها. ينظر: الخلاف العقدي في باب القدر (ص ٤٦).\nوقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية عدم التعارض بين هذين الأصلين، وبين أن كلًا منهما أصل ضروري لا يمكن نفيه، وبنى على ذلك الرد على كل من طائفتي القدرية والجبرية في دعوى كل منها أنهم قد أخذوا بما هو مقتضى الضرورة، وأن كلا منهما قد خالف ما ضرورة في حقيقة الأمر، وفي بيان وجه مخالفتهم لهاتين الضرورتين. ينظر: منهاج السنة (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠).","vol":"1","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-602>المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في توحيد الإيمان بالقضاء والقدر</span>.\nظَهَر قول مضاد معاكس لقول القدرية، وهو القول بالجبر، والذي يثبت أصحابه القدر بمراتبه، لكنهم سلبوا العبد قدرته واختياره، وقالوا: إنه مجبور على أفعاله، وأنه لا يقدر منها على شيء؛ لأنها مكتوبة عليه، فلا أثر لإرادته، ولا لقدرته (١)، بل هو كالريشة في مهب الريح، فليس له فعل حقيقة، وليس له تصرف حقيقة، ولا كسب حقيقة، وإنما هذه أمور مجازية، وفعل العبد هو في الحقيقة فعل الله - ﷿ -، لكن أضيف للعبد اقترانًا، ولم يضف إليه حقيقة، وأخرج بعضهم لفظ الكسب، وعللوا به (٢).\nوقد سبقهم إبليس فاحتج على الله بالقدر: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)﴾ الحجر: ٣٩، فنسب الغواية إلى الله تعالى، وأخذ أهل البدع عنه ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ الزخرف: ٢٠، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ النساء: ١٥٥، كما أن هؤلاء الجبرية يسمون بالقدرية المشركية؛ لأنهم شابهوا المشركين في قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ الأنعام: ١٤٨، فكانت هذه الأقوال السابقة بذرة لزرع القول بالجبر والخوض في القضاء والقدر على حسب الأهواء والآراء.\n_________\n(١) وهذا القول خلاف ما يجده العقلاء في أنفسهم؛ لأن كل من يرجع إلى نفسه يفرق بين ما يرد عليه من أمر ضروري لا اختيار له فيه وبين ما يختاره لنفسه ويضيفه لها، فالعاقل يفرق بين حركة ضرورية كحركة المرتعش وحركة المختار، ومن أنكر هذه التفرقة لا يعد من العقلاء، وله ما ورد في القرآن كقول تعالى \"يعملون\"\"يكسبون\"\"يفعلون\" حجة، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ المدثر: ٣٨، ولو لم يكن للعبد اختيار كان الخطاب معه محالًا والثواب والعقاب عنه ساقطين كالجماد.\nينظر: هامش الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني (١/ ٩٨ - ٩٩).\n(٢) ينظر: أصول الدين للبغدادي (ص ٢٤) وما بعدها، مجموع الفتاوى (٨/ ١٠٣) وما بعدها، ومدارج السالكين (١/ ١٠٣) وما بعدها، شفاء العليل (ص ٩١) وما بعدها، شرح الطحاوية لآل الشيخ (٢/ ٢٧٠ - ٢٧١).","vol":"1","page":537},{"text":"وهؤلاء في الحقيقة يزعمون: أن الله هو الفاعل الحقيقي لأفعالهم، وهذا كلام ظاهر البطلان، بخلاف ما عليه أهل السنة، الذين يقولون: إن الله هو الخالق، والعبد هو الفاعل، ولذا ترتب على فعله الثواب، والعقاب.\nولا تزال هذه الأقوال تقال على ألسنة طوائف من أهل الأهواء والبدع كالمرجئة-الأشاعرة والجهمية الكلابية-، والجبرية، وغلاة الصوفية (١)، ومن يعتقدون تأثير الكواكب، وغيرهم، وكما أن بدعة القدر ظهرت قديمًا، فهي وما تزال موجودة إلى الآن (٢).\nومن أجل هذا فإن الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالقضاء والقدر، يأتي من طريقين، هما:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-603> أولًا: إرادة تنزيه الله - ﷾ - عن العجز الذي رماه به القدرية:</span>\nلما ظهر من ينكر علم الله بالجزئيات ومن ينكر مشيئة الله وخلقه، ظهر في المقابل من يثبت لله - ﷿ - خلق المخلوقات وأمر المأمورات لا لعلة ولا لحكمة؛ بل إنه تعالى فعل ذلك لمحض المشيئة والإرادة، وتسويتهم بين محبة الله ومشيئته، ونفيهم تعليل أفعال الله، أو أن تكون له فيها حكمة تعود إليه، نتج عن هذا أن جوزوا عقلًا كل ممكن عليه سبحانه، حتى تعذيب أوليائه وتنعيم أعدائه، وأن يأمر بما لا منفعة فيه، بل ما يكون ضررًا محضًا؛ لأنه تصرف في ملكه، ولا ملك إلا ملكه فيكون الظلم ممتنعًا عنه، وكل ما شاءه الله حسن؛ لأنه يحبه (٣).\nوهذا النفي لحكمة الله - ﷾ - دفعهم إلى سلب العباد إرادتهم ومشيئتهم، وإلى القول بأن العبد مجبور على فعله، ولا قدرة له ولا اختيار، في مقابل قدرة الله واختياره، وأن الله وحده هو الخالق لأفعال العباد وأعمالهم، إنما تنسب إليهم مجازًا (٤) كما تنسب إلى الجمادات، كما\n_________\n(١) \"ممن يزعمون الترقي في مقام الشهود للحقيقة الكونية، والربوبية الشاملة، فيرون كل ما يصدر من العبد من ظلم، وكفر، وفسوق هو طاعة محضة؛ لأنها تجري وفق ما قضاه الله، وقدره، وكل ما قضاه وقدره فهو محبوب لديه، مرضي عنده، فإذا كان قد خالف أمر الشارع بارتكابه هذه المحظورات؛ فقد أطاع إرادة الله، ونفذ مشيئته، فمن أطاع الله في قضائه وقدره هو كمن أطاعه في أمره ونهيه كلاهما قد قام بحق العبودية لله\". شرح نونية ابن القيم للهراس (١/ ٣٧٢).\n(٢) ينظر: تناقض أهل الأهواء والبدع (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠).\n(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٥٠٦)، درء التعارض (٨/ ٢٢).\n(٤) لا يمكن تكليف من لا ينسب إليه الفعل نسبة حقيقية .. فلا يمكن القول بما تقول به القدرية من نفي خلق الله لأفعال العباد، إلا مع القدح في توحيد الله تعالى، وإثبات مخلوق خارج عن مشيئة الله وقدرته، فيلزم وجود مخلوق لم يخلقه الله، كما لا يمكن القول بما تقول به الجبرية من نفي نسبة أفعال العباد إليهم إلا مع نفي التكليف وإبطال الحكمة من إنزال الكتب وإرسال الرسل والثواب والعقاب. ينظر: منهاج السنة (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠)، الخلاف العقدي في باب القدر (ص ٤٦).","vol":"1","page":538},{"text":"يقال: أثمرت الشجرة وطلعت الشمس وغربت واهتزت الأرض وأنبتت إلى غير ذلك، وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضًا جبر، وهذا ما قالت به الأشاعرة (١)\nوالجهمية (٢).\nومع أن الكلابية يثبتون الحكمة لله - ﷿ - إلا أنهم يجعلونها قديمة، فيزعمون أن الله تعالى لم يزل راضيًا عمن علم أنه سيموت مؤمنًا وإن كان أكثر عمره كافرًا، ولم يزل ساخطًا على من علم أنه سيموت كافرًا، وإن كان أكثر عمره مؤمنًا، وإرادة الله ﷾ لكون الشيء هو الكراهة ألا يكون، ويزعمون أن محبته ورضاه وسخطه وإرادته كل ذلك قديم، وقولهم واضح البطلان حيث يؤدي إلى رد الصفات الاختيارية ورد النصوص من الكتاب والسنة فظهر خلل المرجئة في هذا الموضع (٣).\n\nوالخلاصة أن نفي قدرة العبد واختياره، وإخراج أفعاله عن أن تكون أفعالًا له؛ وإنما هو آله محضة، مضطرٌ إلى جميع ما فيه من حركة أو سكون، وأن إضافة الفعل إليه مجازًا، والفاعل الحقيقي هو الله تعالى، كل هذا ترتب عليه مفاسد كثيره، منها:\n١ - اعتقادهم أنهم مكرهون على المعاصي، مقهورون على فعل السيئات، من غير اختيار منهم البتة، وبناء على هذا اعتقدوا أنهم إذا عُذبوا على السيئات فإنما يعذبون على ما لا صنع لهم فيه؛ بل يعذبون على فعله هو - ﷾ - عما يقولون- إذ العبد عندهم لا فعل له، وقد بلغ التجرؤ أقصاه عندما تبجح من تبجح بالمدافعة عن إبليس زاعمين\n_________\n(١) الأشاعرة يثبتون للعبد قدرة محدثة وكسبًا، ويقصدون بذلك أن الأفعال مستندة إلى الله تعالى خلقًا وإلى العبد كسبًا بإثبات قدرة مقارنة للفعل، ولكن قدرة العبد غير مؤثرة، والمقدور والقدرة كلاهما واقع بقدرة الله، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله وكونه متعلق القدرة الحادثة هو الكسب. والذي أوقعهم في التناقض -نسبة الفعل إلى العبد مع نفي تأثير قدرته فيه- أنهم ظنوا أن التأثير للقدرة في الفعل لا يكون إلا على وجه الإحداث للفعل، وهي الشبهة المشتركة بين القدرية والجبرية، فلا يمكنهم -والأمر كذلك- إلا أن يلتزموا بما التزمت به الجبرية من القول بنفي تأثير قدرة الرب وقدرة العبد، ومن هنا ادعوا أن القدرة الكاسبة غير القدرة المؤثرة، وأن التمانع إنما يكون بين قدرتين مؤثرتين.\n\nوالسؤال الذي لم يتمكن الأشاعرة من الإجابة عليه، أنهم إذا نفوا التأثير لقدرة العبد في فعله لم يمكنهم التفريق بين قولهم وقول الجبرية، وأنه يلزمهم كل ما يلزم الجبرية مما يتعلق بموقفهم من أساس التكليف، ومن هنا اعترف بعضهم بالجبر وإن حاولوا تبريره بالادعاء أنه ليس مطابقًا لمذهب الجبرية.\nينظر: الخلاف العقدي في باب القدر، د. عبد الله القرني (ص ٣٩ - ٤٠).\n(٢) ينظر: بيان مخالفة الكوثري لاعتقاد السلف، د. محمد عبد الرحمن الخميس (ص ٨٨)، تناقض أهل الأهواء (١/ ٣٦٤).\n(٣) ينظر: الفرق بين الفرق (ص ١٥٨)، البرهان (ص ٣٤ - ٣٥)، تناقض أهل الأهواء (١/ ٣٦٤).","vol":"1","page":539},{"text":"أن الله تعالى ظلمه، وأنه أجبره على الحال التي هو فيها، وأنه منعه التوبة ولا حول ولا قوة إلا بالله (١).\n٢ - أن البعض منهم تدرج في الأمر فاحتج بالقدر على المعاصي، زاعمًا أن ذلك بإرادة الله ومشيئته وأنه هو الخالق لهذا الفعل.\n٣ - قرر بعضهم أن أعمالهم لا توصف بحسن ولا قبح، فتذرع من غلا منهم إلى إنكار الفرق بين المأمور والمحظور، بل إلى أن يروا أفعالهم كلها طاعات لموافقتها القدر.\n٤ - صار هذا الانحراف إلى مزلق الجبر ذريعة إلى الانسلاخ من الشرع وطي بساط الأمر والنهي (٢).\nولو صح ما قالوه من أن أفعال كافة العباد اضطرارية لما صح شيء في العقل البتة؛ بل وأبطلت الشرائع وسقطت التكاليف جملة فإنه لا يتصور تعلق الأمر والنهي بأفعال اضطرارية غير اختيارية (٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-604> ثانيًا: الغلو في شهود خصائص الربوبية:</span>\nكذلك فالغلو في شهود خصائص الربوبية أدى إلى إيجاب الرضا بكل مقضي؛ وليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله - ﷺ -، ولا كلام أحد من السلف ما يدل على أنه يجب أو يستحب الرضا بكل مقضي، ومنشأ ذلك -والله أعلم- هو الغلو في جانب القضاء والقدر، وذلك بشهود ذلك منفصلًا عن الأمر والنهي الذي هو مقتضى توحيد الألوهية (٤).\nومقتضى التسليم بتوحيد الربوبية، هو الإيمان بعموم خلق الله - ﷾ - لجميع المخلوقات، ومنها أفعال العباد، مع الجزم بنسبة أفعال العباد إليهم نسبة حقيقية، لتوقف التكليف على ذلك، إذ\n_________\n(١) ينظر: مدارج السالكين (٢/ ٢٠٣)، صراع الملاحدة لعبد الرحمن الميداني (ص ٣٥٤ - ٣٥٨)، تناقض أهل الأهواء (١/ ٣٦٤).\n(٢) ينظر: بغية المرتاد (ص ٢٦١)، وشفاء العليل (٢/ ٧٦١)، ومجموع الفتاوى (١٦/ ٢٣٥)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٣٦٨)، وطريق الهجرتين (ص ١٦٨)، مدارج السالكين (١/ ٤٣٦ - ٤٣٧)، والمسائل العقيدة المتعلقة بالحسنات والسيئات (١/ ٦٠٤ - ٦٠٦).\n(٣) ينظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٧١ - ٣٧٢).\n(٤) ينظر: منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير عقيدة التوحيد (٢/ ٤٩٨).","vol":"1","page":540},{"text":"لا يمكن تكليف من لا ينسب إليه الفعل نسبة حقيقية، والإخلال بهذا مفضٍ إلى جعل القدر حجة في باب المعصية، والأمر ليس كذلك، فليس لأحد أن يحتج بالقدر على معاصيه، بل عليه التوبة والاستغفار، وإنما يحتج بالقدر في باب المصائب لا المعائب؛ فليس لأحد حجة على الله (١).\nلذا يفرق الإمام ابن القيم بين ما يضاف إلى قدرة الله تعالى وما يضاف إلى قدرة العبد من أفعال العباد، فيقول: \" يضاف الفعل إلى قدرة العبد إضافة السبب إلى مسببه، ويضاف إلى قدرة الرب إضافة المخلوق إلى الخالق، فلا يمتنع وقوع مقدور بين قادرين، قدرة أحدهما أثر لقدرة الآخر ... وإذا عرف هذا فنقول: الفعل وقع بقدرة الرب خلقًا وتكوينًا، كما وقعت سائر المخلوقات بقدرته وتكوينه، وبقدرة العبد سببًا ومباشرة، فالقدرة الحادثة وأثرها واقعان بقدرة الرب ومشيئته\" (٢).\n\nيتضح لنا مما سبق تفرد منهج أهل السنة بأنه وسط بين هذه البدع المتقابلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" وهم -أي: أهل السنة- وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية\" (٣).\n_________\n(١) ينظر: الاستقامة (٢/ ٧٨ - ٧٩).\n(٢) شفاء العليل، (١/ ٤٢٨ - ٤٢٩).\n(٣) العقيدة الواسطية -ضمن مجموع الفتاوى- (٣/ ١٤١).","vol":"1","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-605>المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان بالقضاء والقدر</span>.\nإن المتأمل في كتاب الله -﵎- ليجد فيه عنايةً واضحًا بإثبات قدرة العباد وأن لهم إرادةً واختيارًا، فرتب حصول الخيرات والسرور في الدنيا والآخرة على الأعمال، ورتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب، وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع (١).\nكما أولى اهتمامًا بإثبات المشيئة العامة لله - ﷿ - وأنه لا يخرج في هذا الكون شيء عن مشيئته وإرادته، وهذا كثير في كتاب الله - ﷾ - أيضًا.\nفإذا جمع المسلم بين هذه الآيات تبين له الحق وظهر، وهو أن الله له المشيئة التامة في الخلق، وأن الخلق لهم مشيئة وإرادة تابعة لمشيئة الله - ﷿ - وإرادته؛ لأنه سيدهم وخالقهم، وأمرهم بيده.\nومع كل ما جاء في القرآن الكريم من خبر ذلك وتأكيده، نجد من أصحاب البدع المتقابلة من أفرط أو فرط في باب الإيمان بالقضاء والقدر، لذا فقد اعتنى القرآن الكريم بشبههم، فبينها وقضى عليها بالبراهين القاطعة، والحجج الساطعة، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة في هذا الباب:\n_________\n(١) ينظر: الجواب الكافي (ص ٣٩ - ٤١).","vol":"1","page":542},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-607>الآية الأولى:\nقول الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ الأنبياء: ٢٣</span>، فيها رد على طائفتين متقابلتين من طوائف المبتدعة!، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-608> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nدل قوله جل وعلا: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾، على إثبات الفعل لله - ﷿ -، فكانت هذه الآية رادةً على كلِ من نفى أفعال الله (١) -من القدرية- بأنه سبحانه ﴿يَفْعَلُ﴾.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-609> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما أن هذه الآية أيضًا قد تضمنت الرد على بدعة الإفراط، فردت على نفاة أفعال العباد -من الجبرية- بأنهم ﴿يُسْأَلُونَ﴾؛ ونسبة السؤال إليهم فيه دلالة على أنهم قادرون ومحاسبون على أعمالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>ويلاحظ مما سبق أمور ثلاثة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>الأمر الأول: </span>إسناد الفعل إلى العبد، وأنه القائم به حقيقة؛ ولأجل هذا وقعت المحاسبة والجزاء عليه، كما في قاله تعالى: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾، وقوله - ﷾ -: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ الأنعام: ١٦٤، أي: \" أن النفوس إنما تجازى بأعمالها؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر\" (٢)، وكما قال تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ طه: ١٥، والآيات في هذا كثيرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>الأمر الثاني: </span>أن للعبد قدرة أودعها الله فيه، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ التغابن: ١٦، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ فصلت: ١٥، فهو قادرٌ بجعل الله له قادرًا، وهو - ﷾ - خالقه وخالق قدرته (٣)، لذا فإنه - ﷾ - لا يسأله ولا يحاسبه إلا لما له فيه قدرة ومشيئة، قال تعالى: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾، أي: عما فعلوا باختيارهم (٤).\n_________\n(١) ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن أدلة إثبات الحكمة والتعليل في أفعال الله تزيد على عشرة آلاف دليل .. ينظر شفاء العليل (١/ ٥٧٣).\n(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢/ ٢٠٧).\n(٣) ينظر: درء التعارض (١/ ٨٦)، ومنهاج السنة (٣/ ١١١، ٢٣٥، ٢٥٧)، وبغية المرتاد (ص ٢٦٣).\n(٤) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢/ ٢٠٧).","vol":"1","page":543},{"text":"وهذه القدرة هي \"قدرة الأسباب والشروط وسلامة الآلة، وهي مناط التكليف، وهي متقدمة على الفعل، غير موجبة له\" (١)، وتأثير هذه القدرة في مقدورها كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها (٢).\nومن المعلوم أن السبب لا يستقل بالمسبب، بل يفتقر إلى ما يعاونه، وكذلك قدرة العبد لا تستقل بالمقدور؛ بل لا بد من إعانة الله وتيسيره.\nوالسبب له ما يمنعه ويعوقه، وكذلك قدرة العبد لها ما يعوقها؛ والله خالق السبب وما يعينه، وصرف عنه ما يعوقه (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" الذي عليه السلف وأتباعهم وأئمة أهل السنة وجمهور أهل الإسلام المثبتون للقدر، المخالفون للمعتزلة، إثبات الأسباب، وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثير كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، والله تعالى خلق الأسباب والمسببات، والأسباب ليست مستقلة بالمسببات، بل لا بد لها من أسباب أخر تعاونها، ولها مع ذلك أضداد تمانعها، والمسبب لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه، ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته، كما يخلق سائر المخلوقات\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>الأمر الثالث: </span>أن للعبد مشيئة واختيارًا وإرادة جعلها الله فيه، قال سبحانه: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)﴾ المزمل: ١٩، وقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ البقرة: ٥٨.\nوغير ذلك من الآيات الكثيرة التي يسند الله فيها المشيئة والأعمال للعباد فأثبت لهم مشيئة وقدرة على أفعالهم، ولكنها مشيئة وقدرة تابعة لمشيئة الله غير مستقلة، فالله سبحانه \"لا يعبد إلا بإعانته، ولا يطاع إلا بمشيئته\" (٥) كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ الإنسان: ٢٩ - ٣٠.\n_________\n(١) شفاء العليل (١/ ٣٢٠).\n(٢) الشأن في خلق المسببات بالأسباب، حيث خلق الله - ﷿ - النبات بالماء، وخلق الغيث بالسحاب، ونحو ذلك. ينظر مجموع الفتاوى (٨/ ٣٨٩).\n(٣) ينظر: منهاج السنة (٣/ ١١٤ - ١١٥)، وشفاء العليل (١/ ١٩٧).\n(٤) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٧).\n(٥) إغاثة اللهفان (٢/ ١٥٦).","vol":"1","page":544},{"text":"فأعمال العباد تسند إلى العبد فعلًا واختيارًا وتسند إلى الله خلقًا وإيجادًا، فهي من فعل العبد بمشيئته وقدرته، ولكن الله هو الذي خلق المشيئة والقدرة، وهي السبب في فعل العبد، وخالق السبب التام خالقٌ للمسبب، فالله - ﷿ - خلق العباد وأعمالهم وما يعملون (١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \" فأثبت مشيئة العبد، وجعلها لا تحصل إلا بمشيئة الله\" (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-614> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: الجهل بحكمة الله فيما يخلق ويقدر:\nلم تعرف المبتدعة حكمة الله - ﷿ - في الأشياء، ولا حكمته فيما يقدر ويخلق من الخير والشر أو من المخلوقات بعامة، ولما لم يدركوا الحكمة، عارضوا فعل الله - ﷿ - في ملكوته بما يرون من ظاهر رأيهم (٣).\nفعطلت القدرية الله - ﷿ - عن أفعاله، فقالوا: بأن الله لا يخلق الشر، بينما نسبوا للعباد خلق الشر في أفعالهم.\nأما الجبرية فقد أوقعهم مذهبهم الفاسد في تعطيل الشرع، عندما غلوا في إثبات أفعال الله، وقالوا: بأن كل شيء من خلق الله، وأن ما خلقه الله فقد أراده وأحبه ولو كان شرًا، وأن العباد لا يقدرون على شيء، لذا فهم مسيرون غير مخيرين.\nقال ابن القيم - ﵀ -: \" الشر ليس إلى الرب تعالى بوجه من الوجوه، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في المقضي المقدر ويكون شرًا بالنسبة إلى محل وخيرًا بالنسبة إلى محل آخر، وقد يكون خيرًا بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه، كما هو شر له من وجه، بل هذا هو الغالب وهذا كالقصاص وإقامة الحدود وقتل الكفار، فإنه شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه بل من وجه دون وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر والنكال ودفع الناس بعضهم ببعض، وكذلك الآلام والأمراض\n_________\n(١) ينظر: المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع (ص ٨٣٦).\n(٢) منهاج السنة (٣/ ٢٣٧) وينظر لهذه الأمور الثلاثة السابقة: المسائل العقدية المتعلقة بالحسنات والسيئات جمعا ودراسة (١/ ٥٨١ - ٥٨٢).\n(٣) ينظر: تائية شيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ١٥١).","vol":"1","page":545},{"text":"إن كانت شرورًا من وجه فهي خيرات من وجوه عديدة ... فالخير والشر من جنس اللذة والألم والنفع والضرر وذلك في المقضي المقدر لا في نفس صفة الرب وفعله القائم به، فإن قطع يد السارق شر مؤلم ضار له، وأما قضاء الرب ذلك وتقديره عليه فعدل وخير وحكمة ومصلحة\" (١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-615> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nفي باب الخَلْق والأمر، يؤمن أهل السنة والجماعة بأن الله تعالى على كل شيء قدير، فيقدر أن يهدي العباد ويقلّب قلوبهم، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق الأعيان والصفات والحركات.\nويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل، وأنه مختار فيما يعمله، ولا يقولون: إنه مجبور؛ لأن المجبور هو من أُكره على خلاف اختياره، والله سبحانه جعل العبد مختارا لما يفعله، فهو مختار مريد، والله خالقه وخالق اختياره.\nوبذلك يكون أهل السنة والجماعة وسطًا بين القدرية، الذين يكذبون بقدرة الله، ولا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء؛ وبين الجبرية المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد بلا مشيئة ولا قدرة ولا عمل، فيعطلون الأمر والنهي، والثواب والعقاب، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ الأنعام: ١٤٨.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>الآية الثانية:\nقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ الأنعام: ١٣٢</span>، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-617> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\n_________\n(١) شفاء العليل (ص ٤٤٣).","vol":"1","page":546},{"text":"هذه الآية الكريمة فيها ردٌ على ما ذهب إليه القدرية، قاصدو تعظيم الرب - ﷾ - وتنزيهه عما ظنوه قبيحًا من الأفعال وظلمًا، فزادوا على ما وصف الله به نفسه من تحريم الظلم عليها (١)، فأنكروا عموم قدرته ومشيئته، وزعموا أن أفعال العباد غير مخلوقة لله، وزعموا أيضًا أن العبد يحدثها أو يخلقها دون الله، ويتضح الرد عليهم في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾، كما دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الله سبحانه هو خالق الخلق وأفعالهم كقوله - ﷿ -: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ سورة الزمر: ٦٢، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ سورة الصافات: ٩٦.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-618> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nكما أن فيها ردًا على بطلان مذهب الجبرية منكري حكمة الله ورحمته، القائلين: بأنه - ﷿ - لم يخلق لحكمة، ولم يأمر لحكمة، القائلين: بأن العبد مجبور على أفعاله، فأتى الرد عليهم في هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ فنسب - ﷾ - العمل للعبد وجعل التفاضل بينهم بسببه؛ وأثبت ﷾ الحكمة من خلق العباد، وهي في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦، ومن أجلها تتم محاسبتهم، وعلى قدر تحقيقها تكون درجاتهم في الجنة.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-619> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالباعث لهم على الانحراف عن الإيمان بالقدر، ومنابذة الأدلة والبراهين، هو:\nتوظيفهم الأقيسة الفاسدة في مقابل تلك الأدلة والبراهين؛ بحيث أرادت القدرية تنزيه الله عن الظلم والشر، وعما ظنوه قبيحًا من الأفعال وظلمًا، فأنكروا عموم قدرته ومشيئته، ولم يجعلوه خالقًا لكل شيء، ولا أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ثم إنهم وضعوا لربهم شريعة فيما يجب عليه ويحرم بالقياس على أنفسهم، وتكلموا في التعديل والتجويز بهذا القياس الفاسد الذي شبهوا فيه الخالق بالمخلوق، فضلوا وأضلوا.\nكما أرادت الجبرية أن تنزه الله عن العجز الذي رماه به القدرية فأثبتت لله - ﷿ - خلق المخلوقات وأمر المأمورات لا لعلة ولا لحكمة؛ بل لمحض المشيئة والإرادة، لأجل هذا ساووا\n_________\n(١) كما في الحديث القدسي، عن الله ﵎، أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ...»، صحيح مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم برقم (٢٥٧٧).","vol":"1","page":547},{"text":"بين محبة الله ومشيئته- قياسًا على المخلوق-، ونفوا تعليل أفعال الله، أو أن تكون له فيها حكمة تعود إليه، فنتج عن هذا أن جوزوا عقلًا كل ممكن عليه سبحانه، حتى ما يكون ضررًا محضًا؛ لأنه تصرف في ملكه، وقالوا: بأن كل ما شاءه الله حسن؛ لأنه يحبه (١).\nوهذا دفعهم إلى سلب العباد إرادتهم ومشيئتهم، وإلى القول بأن العبد مجبور على فعله، والله وحده هو الخالق لأفعال العباد وأعمالهم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-620> رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nمن خلال مقالتي الطائفتين، يتبين أن القدرية النفاة مفرطون في هذا الباب، مقصرون فيه بما سلبوا الله قدرته، وقولهم: إن العباد هم الخالقون لأفعالهم.\nكما يتضح كذلك مدى غلو الجهمية الجبرية في إثبات القدر حتى سلبوا الإنسان مشيئته وإرادته وعدوه بمنزلة الجماد، وأنه لا فعل له في الحقيقة، وأنه مجبور على أفعاله غير مختار فيها، وكلا الفريقين من الإفراط والتفريط على شفا جرف هار.\nفكل منهما قد أخطأ، وضل في هذا الباب، وإن كان هذا لا يمنع أن يكون مع كل منهما بعض الحق والصواب، لكن الحق المحض والصواب المحض ليس هو في قول واحد منهما، وإنما هو في قول خارج عن قولهما جمع ما عند كل من الفريقين من حق وصواب، وخلا مما وقع فيه الفريقان من خطأ وضلال.\nذلك هو قول أهل السنة والجماعة في هذا الباب، الذي هو حق بين باطلين، وهدى بين ضلالتين، به كانوا وسطًا بين إفراط وتفريط الفريقين في هذا الباب (٢)، وهذا أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: \"وهم وسط (٣) في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهما\" (٤).\n_________\n(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٥٠٦)، درء التعارض (٨/ ٢٢).\n(٢) ينظر: وسطية أهل السنة بين الفرق (ص ٣٧٢).\n(٣) أي أهل السُّنَّة، وأهل العقيدة السلفيّة.\n(٤) العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيميّة.","vol":"1","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-621>الآية الثالثة:\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦</span>، في هذه الآية ردٌ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-622> أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط</span>.\nفي هذه الآية رد على غلاة القدرية، الذين نفوا القدر وعطلوه، فجاء قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ للتعليل، وهذا التعليل لبيان الحكمة من الخلق، وهي الإرادة الدينية الشرعية، فليس المراد بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ وقوع العبادة، بل الأمر بها على وجه الابتلاء، ثم من وقعت منه فقد امتثل للإرادة الشرعية وكان وقوع هذا الامتثال منه من الإرادة القدرية الكونية، ومن لم تقع منه فإن مخالفته للإرادة الشرعية لا تخرج عن الإرادة القدرية الكونية.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-623> ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط</span>.\nفي هذه الآية رد على غلاة الجبرية، الذين عارضوا الشرع بالقدر، فعطلوا الأوامر وانتهكوا المناهي، فأبطل الله - ﷿ - احتجاجهم بالقدر على ترك الطاعة، بقوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾، ولفظ الآية وظهور العموم فيها يقتضى فعلا يفعلونه هم، والمراد أن الأمر بالعبادة الشرعية على جهة الابتلاء، لينظر الله - ﷿ - من يحسن عملًا فيطيع أمر ربه ويمتثل شرعه، ومن يسيء فيعصي ويكفر، وهذا المعنى دلت عليه آيات أخرى في كتاب الله، وجاءت دلالتها له على وجهين: إما مفسرة له، أو شاهدة له.\n\nأما المفسرة: فنحو قوله سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ الملك: ٢، وغيرها من الآيات (١) التي تصرح بأن حكمة خلق الله - ﷿ - للخلق هي ابتلاؤهم أيهم أحسن عملًا، وهذا يفسر قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢).\nوأما الشاهدة: فنحو قوله سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ المؤمنون: ١١٥، فهذا إنكار من الرب -﷾- لعباده عن أن يظنوا أنه يتركهم سدى\n_________\n(١) ينظر: سورة الإنسان آية (٢)، والكهف آية (٧)، وهود آية (٧)، والتوبة آية (٣١)، والبينة آية (٥)، وغير ذلك.\n(٢) ينظر: أضواء البيان (٧/ ٦٧٣).","vol":"1","page":549},{"text":"بلا أمر ولا نهي يبتليهم به، وهذا الإنكار من الرب شاهد لمعنى قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وذكر الجن والإنس وهما المذكوران دون سواهما، يدل على عبودية مرادة منهما خاصة دون سواهما وهي عبودية الطاعة والامتثال للأمر الشرعي والابتلاء فيها (١).\nكما أن فيها ردًا على الملاحدة الذين نفوا الحقيقة من وجود الإنسان، فبينت الآية الكريمة حقيقة الوجود وهي عبادة الله - ﷿ -.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-624> ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان</span>.\nالمأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان في باب القدر هو: التسوية بين الإرادة والمشيئة، وبين المحبة والرضا: فاعتقاد أن محبة الله - ﷿ - ورضاه، ومشيئته وإرادته متحدان أو متلازمان (٢)، هو الأصل المشترك بين القدرية والمعتزلة والجبرية والجهمية والأشعرية (٣)، الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان إلى الغلو أو الجفاء في الإيمان بالقضاء والقدر.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-625> رابعًا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد</span>.\nأتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، فهم وسط في باب القدر بين القدرية الذين ضلوا بالتفريط، حيث زعموا أن العبد يخلق عمل نفسه استقلالًا عن غير تأثير لقدرة الله فيه، وبين الجبرية الذين ضلوا بالإفراط، حيث زعموا أن العبد لا عمل له أصلا حتى يؤاخذ به.\nلذا فهذه الآية شاهدة على طريقة أهل السنة ومنهجهم العام في باب القدر؛ فهم لم يفَّرِطوا ولم يفْرِطوا فأثبتوا للعبد أفعالًا اختيارية، ومن الضروري عند جميع العقلاء أن الحركة الارتعاشية ليست كالحركة الاختيارية، وأثبتوا أن الله خالق كل شيء، فهو خالق العبد وخالق قدرته وإرادته، وتأثير قدرة العبد لا يكون إلا بمشيئة الله تعالى، فالعبد وجميع أفعاله بمشيئة الله تعالى، مع أن العبد يفعل اختيارًا بالقدرة والإرادة اللتين خلقهما الله فيه فعلا اختياريا يثاب عليه ويعاقب (٤).\n_________\n(١) ينظر: دراسة لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، (ص ٢٥).\n(٢) ينظر: شرح الطحاوية (١/ ٣٢٤)، ومنهج الإمام ابن أبي العز الحنفي (ص ٣٢٦).\n(٣) ينظر: المعني في أبواب العدل والتوحيد والإنصاف، للباقلاني (٤٤ - ٤٥)، والإرشاد للجويني (ص ٢١١).\n(٤) ينظر: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب.","vol":"1","page":550},{"text":"ولا إشكال البتة في أن الله يخلق للعبد قدرة وإرادة يقدر بها على الفعل والترك، ثم يصرف الله بقدرته وإرادته قدرة العبد وإرادته إلى ما سبق به علمه، فيأتيه العبد طائعا مختارا غير مقهور ولا مجبور، وغير مستقل به دون قدرة الله وإرادته كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ الإنسان: ٣٠.\nوبالجملة فإنه ينبغي على الإنسان أن ينشغل بما أمره الله به، عن الانشغال بسر القدر والتعمق فيه والنظر، فهو كما قال الإمام الطحاوي - ﵀ -: \" وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسُلَّم الحرمان، ودرجة الطغيان\" (١).\n_________\n(١) شرح الطحاوية (١/ ٣٢٠).","vol":"1","page":551},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-626>المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر</span>.\nأختتم هذا الفصل، بذكرٍ إجمالي للآيات الرادة على الانحراف العقدي في الإيمان بالقضاء والقدر:\n١. قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ التكوير: والإنسان: ٢٩، ٣٠ في هذه الآية الكريمة رد على طائفتين ضالتين، وهما: الجبرية والقدرية، ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ دليل على أن للعبد مشيئة يختار بها فكان هذا رد على الجبرية، كما أن في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ رد على القدرية الذين ينفون مشيئة الله - ﷿ -، وأهل السنة وسط بين هاتين الطائفتين الضالتين. فتبين أنه لا حجة في القدر على ترك التوحيد، ولا حجة في القدر على إتيان المعصية، ولا حجة في القدر على ترك الطاعة، بل لله الحجة البالغة على كل أحد، فإنه ما من أحد إلا وله الاختيار الكامل في فعل ما شاء وترك ما شاء، وهذه المشيئة لا تخرج عن مشيئة الله - ﷿ -، من أجل هذا كان أهل السنة وسط بين هاتين الطائفتين الضالتين.\n\n٢. قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ البقرة: ٢٨٦، أثبت الله للعبد فعلًا وكسبًا، والكسب هو الذي يعود على فاعله منه نفعٌ أو ضرر، ففي هذا رد على الجبرية، وكذلك رد على القدرية بأنه - ﷿ - هو من قام بهذا التكليف: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ البقرة: ٢٨٦، وأنه هو الناصر والمعين لأوليائه ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ البقرة: ٢٨٦.\n٣. قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) يوسف: ٦٧، في هذه الآية رد على من أنكر أفعال العباد، عند قوله تعالى: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا﴾، كما أن فيها ردًا على من أنكر أفعال الله، عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾.","vol":"1","page":552},{"text":"٤. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ طه: ٧٥، في هذه الآية رد على من أنكر فعل العباد، فنسب الله الفعل للعباد عند قوله تعالى: ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾، وفيها كذلك رد على من أنكر محاسبة الله لعباده، عند قوله: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ﴾.\n٥. قال تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ النحل: ١١، فيها رد على الأشاعرة الذين ينفون دور العلل ومشاركتها، وعلى -القدرية- التي تنسب العلل للمخلوقات فقط؛ فجاء القرآن ليصرح بتأثير العلل الطبيعية في معاليلها، حيث يقول: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ﴾، فإنّ قوله: ﴿بِهِ﴾ صريح في تأثير الماء في إنبات هذه الثمار. وبهذا يتبيّن أنّ القائلين بأنّ الإنسان محتاج إلى الله في أصل وجوده، ولكنه مستغن عنه تعالى في أفعاله ومستقل في تأثيره، قد سقطوا في الشرك (١) من حيث لا يعلمون، ذلك لأنّهم بمثل هذا الاعتقاد يكونون قد اعترفوا - في الحقيقة - بمؤثرين أصيلين مستقلين غنيين وخرجوا بذلك عن إطار \"التوحيد الأفعالي\"! ! (٢).\n\n٦. قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ البقرة: ٣٨، في قوله تعالى: ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ رد على القدرية نفاة هداية التوفيق والإلهام، وفي قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ رد على الجبرية منكري هداية الإرشاد والدلالة.\n٧. قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ الأنفال: ١٧، أي: حين رميت، فإن الله - ﷿ - هو الذي رمى، وظاهر الآية -كما هو واضح- أنه أثبت للنبي - ﷺ - رميًا،\n_________\n(١) قال ابن القيم: والشرك في الجديد هو بعينه القديم. ينظر: تهذيب المدارج (١/ ٣١١ - ٣١٢).\n(٢) ينظر: مفاهيم القرآن ص ١٧","vol":"1","page":553},{"text":"فقال: ﴿إذ رميت﴾، ونفى عنه رميًا، بقوله: ﴿وما رميت﴾، والنظر الصحيح يدل على أنه لا بد من الجمع ما بين الرمي المنفي والرمي المثبت، وهذا يتضح بأن العبد إذا فعل الفعل، فإن الفعل الذي يفعله سبب في حدوث المسبب، ولا يحصل المسبب، أو لا تحصل النتيجة بفعل العبد وحده في أكثر أو في جل المسائل، بل لا بد من إعانة من الله - ﷿ -، وهذا ظاهر في الرمي بخصوصه؛ لأن الرمي عن بعد له ابتداء وله انتهاء، فابتداء الرمي من النبي - ﷺ -، لكن الانتهاء بأن يصيب رمي النبل أو رمي الحصاة فلانًا المشرك، ويموت منه، هذا من الله - ﷿ -؛ لأن العبد لا يملك أن تكون رميته ماضية، فتصيب، ولهذا فيكون العبد هنا متخلصًا من رؤيته لنفسه ومن حوله وقوته مع فعله؛ لأن الذي يمن عليه ويسدد رميه هو الله - ﷿ -، فيكون إذًا معنى أصاب: بما أعان على التسديد (١).\n\nفهذه الآيات التي تقدم ذكرها: دلت على أن الله خالق كل شيء فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته وكل ساكن وسكونه، وما من ذرة في السموات ولا في الأرض إلا والله - ﷾ - خالقها وخالق حركتها وسكونها، لا خالق غيره ولا رب سواه.\nكما دلت على أن للعباد قدرة على أعمالهم، ولهم مشيئة، والله تعالى خالقهم وخالق قدرتهم ومشيئتهم، وأقوالهم وأعمالهم وهو الذي منحهم إياها وأقدرهم عليها وجعلها قائمة بهم مضافة إليهم حقيقة، وبحسبها كلفوا وعليها يثابون ويعاقبون، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ الزخرف: ٧٢، وقال تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ السجدة: ١٤، ولم يكلفهم الله تعالى إلا وسعهم ولم يحملهم إلا طاقتهم كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ البقرة: ٢٨٦.\n_________\n(١) شرح العقيدة الطحاوية لآل الشيخ (٢/ ٢٤٤).","vol":"1","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-627>الخاتمة:</span>\nالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وبفضله تتنزل البركات، وبأمره قامت الأرض والسموات، وأصلي وأسلم على أزكى البريات، محمد وعلى آله وصحبه الأثبات الثقات.\nأما بعد:\nفإن من تمام فوائد البحث أن أشير إلى أهم النتائج المستفادة منه، ويمكن أجملها في النقاط التالية:\n- اتضح أن مفهوم الافتراق متلازم مع مفهوم البدعة، فكل بدعة في الدين نوع من أنواع المفارقة لسبيل الحق والرشاد، فأصبحت علامة أهل البدع: الافتراق والتفريق، كما أن الاعتصام بالسنة متلازم مع مفهوم الجماعة، لهذا يقال: أهل السنة والجماعة.\n- أن البدعة هي: ما أحدث في دين الله، بقصد التعبد، من غير دليل معتبر شرعًا، أما \"البدع المتقابلة\"، فهي: (تقابل من جهة الاستدلال العقدي على سبيل الممانعة الصورية لدى المبتدعة ينتج عنه الإفراط والتفريط).\n- أن الوسطية سبقت كلا الطرفين إلى خير ما فيهما، وتركت ما سوى ذلك، فجمعت الخيرين، ونفت الشرين؛ وبالتالي لم يبق معنى الوسطية مجرد التجاور بين الشيئين فقط؛ بل أصبح ذا مدلول أعظم، ألا وهو البحث عن الحقيقة، التي تقف على معنى (الخيرية والعدل)، والسعي في تحصيلها والاستفادة منها، فيجتمع عندها أسمى الصفات\"وهو معنى يتسع ليشمل كل خصلة محمودة\".\n-اتضح أن من أعظم سمات المبتدعة وقوعهم في الحيرة، وقد اعترف أساطينهم بها؛ لذا فهم يعيشون اضطرابًا نفسيًا، بعيدين كل البعد عن اليقين والطمأنينة بسبب إعراضهم عن الهدي الذي جاء به النبي - ﷺ -، كما أن أهل البدع يقررون في موضع ما يناقضونه في موضع آخر، وهذه سمة غالبة عليهم تدل على تناقضهم.\n-أن من أبرز علامات أهل البدع التشابه بينهم في موقفهم من النصوص، وفي طرقهم في الاستدلال على بدعهم.","vol":"1","page":555},{"text":"-أنه لما كان الغلو بطبيعته لا تطيقه إلا نفوس قلائل تنطلق من تصور فاسد، وكثيرًا ما تحظى بالإعجاب والإكبار لما تلزم به أنفسها، فيظن الرائي أنها تمثل حقيقة الدين وسموه، جاءت الأحاديث الصحيحة تبين صفات هذه النفوس وشبهات ذلك التصور. ولما كان التفريط بطبعه غالبًا على أكثر النفوس؛ جاء التحذير منه متمثلًا في الأوامر والنواهي عامة، والتذكير بها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضرورة التناصح بين الأمة.\n-أن الانحراف الذي وقع فيه الناس في مسألة الإيمان بالغيب: هو أكبر انحراف وأعظم ضلال؛ فكل من ضل في معرفة الله -﵎-، وكل من أشرك مع الله -﵎- غيره، وكل من أنكر الرسل وجحدهم وكذب ما جاءوا به؛ كل ذلك إنما هو لأنه لم يؤمن بالغيب.\n-أن أركان الإيمان الستة كلُّها غيب، ولا يمكن أن يُعلم الغيب \"ولا يصار إلى بيان المبهمات إلا بقاطع\" (١)، ولا قاطع ولا سبيل إلى العلم بذلك إلا عن طريق الخبر، إما من كتاب الله - ﷿ -، وإما عن طريق نبيه - ﷺ -، لذا كان الإيمان بالغيب ركيزةً أساسيةً من ركائز الإيمان في الرسالات السماوية كلها.\n- أن السلف -﵏- قد قبلوا نصوص المعاد على ظاهرها، ولم يبحثوا في كيفية ما يرد من أحوال الآخرة؛ لأنها مما يجب الإيمان به كما ورد من غير تحريف ولا تأويل؛ ولأنه لا يحكم على الغيب إذ لا يقاس عالم الغيب على عالم الشهادة؛ ولأن كثيرًا من أحوال الآخرة الإيمان بها منوط بالإيمان بكمال قدرة الرب تعالى، خلافًا لمن فتح باب الخوض فيها على مصراعيه من أصحاب البدع المتقابلة، حتى أفضى الأمر ببعضهم إلى إنكار ما جاء به الشرع، بحجّة الاعتماد على العقل.\n- أن هناك أمرًا مشتركًا عند أغلب المكذبين بالغيب وهو انحباسهم في عالم الشهادة، ووقوعهم بين طرفي نقيض، عند إرادتهم تفسير الأمور الغيبية، فإما أن يجلبوا ذاك الغيب بصور شتى إلى عالم الشهادة، وإما أن ينفوا ذلك الغيب مطلقًا.\n-أن أهل البدع والأهواء -على اختلاف العصور- لما أحسوا بإفلاس مذاهبهم من المعقولات والمنقولات، لجؤوا إلى طريقة أعداء الرسل، وهي التهويش بالألقاب والأسامي،\n_________\n(١) تفسر القاسمي سورة الزمر (ص ٦٨).","vol":"1","page":556},{"text":"مدحًا لأنفسهم، وذمًا لأهل الحق، فسموا أهل الحق بالمشبهة والجهلة والحشوية والنابتة والغثاء والعامة، ونحوها من الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، كما تسموا بأهل التوحيد والعدل والحق والتنزيه، وبالحكماء، ونحو ذلك، والحق الذي يتبين باستقراء أقوالهم والنظر في أحوالهم ومآلاتهم أن كل لقب ذم فإنما هو لازم لهم، وكل لقب مدح فإنما يتصف به أتباع الرسل والسلف الصالح، وهذه التسميات لن تضير أهل السنة شيئًا، كما أن أنبياء الله لم يضرهم ما سماهم به أعداؤهم.\n-اتضح أن أهل السنة ليس لهم لقب يعرفون به إلا الإسلام، أو ما كان مستمدًا من نصوص الشرع (كأهل السنة والجماعة- والفرقة الناجية والطائفة المنصورة- السلف- أهل الحديث- أهل الأثر)، وكما أن بعضها ثبت لهم بالنص من الرسول - ﷺ -، فإن البعض الآخر إنما حصل لهم بفضل تحقيقهم للإسلام تحقيقًا صحيحًا، وهي تخالف تمامًا أسماء أهل البدع التي هي في الغالب مشتقة من أصل بدعهم، أو ترجع إلى الانتساب إلى الأشخاص الذين هم رؤوسهم في تلك البدع.\n- أن التوسع في دراسة ظاهرتي الإفراط والتفريط، كما أنها توصلنا إلى معرفة حقيقة ضلال الفرق، فإنها كذلك توصلنا إلى حقيقة صحة منهج أهل الحق؛ ما يكون دافعًا لنا لاختيار النافع الصالح، وترك ما سواه.\n- أن الرد على البدعتين المتقابلتين من آية واحدة، يحتاج إلى مزيد عناية من الناظر (١)، فإن فيه تجلية أسلوب من أساليب إعجاز هذا القرآن وعظمته، وهو لفت الأنظار بذكر الموازنة بين الضدين، وإثبات عدم المساواة بينهما، للدلالة على المذهب الحق مذهب أهل السنة والجماعة.\n-أن المتأمل في جملة المسائل العقدية التي قررتها السنة النبوية، والتي خاض المخالفون لأهل السنة فيها بغير مستند شرعي، يجد السنة لم تنفرد بالدلالة عليها، بل اشتركت الدلائل القرآنية، والإجماع القطعي في تثبيتها؛ فيتحصل عندئذ بطلان دعوى المخالفين والمبطلين.\n_________\n(١) بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن هذا النوع من الرد يحتاج إلى تدبر وتأمل. ينظر: درء التعارض (١/ ٣٧٤)، ومجموع الفتاوى (٦/ ٢٨٨).","vol":"1","page":557},{"text":"-أن من أعظم ما امتاز به أهل السنة والجماعة على غيرهم من الطوائف إصابة النظرة الشمولية للدلائل الشرعية، وهذا النظرة مبنية على اليقين القاضي بامتناع مناكدة صحيح المنقول لصريح المعقول، والانحطاط عن رتبة هذه النظرة عند كل مخالف لهم إنما يتأتى من التقصير في فقه العلاقة بين هذين الدليلين.\n-أن علاقة القرآن الكريم بالكتب السماوية في حالتها الأولى -التي نزلت بها-هي التصديق والتأييد الكلي، وأن علاقته بها في حالتها الثانية -بعد التحريف-علاقة تصديق لما بقي منها على أصله وتصحيح لما طرأ عليها من تحريف وتبديل.\n- الحقيقة المهمة التي هي نتيجة التتبع والاستقراء أن الطوائف التي خالفت أهل السنة في كل باب من أبواب الاعتقاد، قد اتفقت ابتداء على مخالفة أهل السنة بشبهة مشتركة بين تلك الطوائف، ثم إنها بعد اتفاقها على تلك الشبهة اختلفت فيما بينها حول لوازم تلك الشبهة؛ لأن كل طائفة أضافت إلى الشبهة المشتركة بين تلك الطوائف أصلًا قيدت به موقفها من تلك الشبهة المشتركة، فنشأ عن ذلك افتراق تلك الطوائف فيما بينها بعد أن اتفقت على مفارقة أهل السنة ابتداء، وبيان ذلك فيما يلي:\n*أن من أسباب الانحراف في الربوبية نفي الصفات؛ لأنه لما كان الاعتراف بالربوبية لا يتم إلا بالإيمان بصفاته تعالى، كان نفي صفات الله تعالى من أسباب الانحراف في باب الربوبية، وبهذا يتبين سبب انحراف كثير من الفرق.\n*أما أسباب الانحراف في توحيد الألوهية فتعود إلى سببين رئيسين هما:\n١ - الخطأ في تصور التوحيد الذي أرسل لأجله الرسل، وأنزلت من أجله الكتب، وطُلبَ من العباد تحقيقه. ٢ - الخطأ في تصور حقيقة الرب وحقيقة الإله ومدلول الكلمتين، ومن ثم جعلهما شيئًا واحدًا.\n*وترجع أسباب انحراف الفرق في توحيد الأسماء والصفات، إلى سببين كذلك هما:\n١ - خوضهم في تصور كيفية اتصاف الرب بهذه الصفات، مما أوقعهم في التشبيه العقلي بين الخالق والمخلوق، ومن ثم الخوض بالمبالغة في التنزيه أو الإثبات، مما أدى بهم إلى التمثيل والتعطيل، فأما المشبهة فالتزموا بهذا اللازم -دعوى أنه يلزم من إثبات القدر المشترك بين صفات الله تعالى وبين صفات خلقه تشبيه الله تعالى","vol":"1","page":558},{"text":"بخلقه-، وأما المعطلة فرأوا أنه يلزم منه الكفر فعطلوا الله تعالى عن الصفات التي يدعون أنه يلزم من إثباتها تشبيه الله تعالى بخلقه.\n٢ - الخلل في طريقة الاستدلال، وذلك باعتمادهم على مقدمات وأقيسة عقلية، جعلوها مصدر هداية، وأصلًا يُصار إليه عند الاختلاف، وادَّعوا أن النصوص التي جاءت بها الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في إثبات الصفات تبعٌ لها؛ لذا فقد صيروا هذه الأصول عمدة لهم في توحيد الله تعالى، فنتج عن التزامهم بها، إنكار صفات الله - ﷿ -، بل تشبيهه - ﷿ - بالمعدومات التي تحيلها العقول في التصور الذهني؛ لأن مدار الإثبات والنفي عندهم على ما يزعمونه من العقليات (١) لا على النقل.\n* أن الأصل الذي نشأ منه النزاع بين المبتدعة في مسائل الإيمان، وسبب انحرافهم فيه، أصل واحد اتفقت عليه الأطراف المتناقضة جميعًا، وانطلقوا منه: هو أن الإيمان شيء (٢) واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يتبعض، وأنه لا يجتمع في القلب الواحد إيمان ونفاق، ولا يكون في أعمال العبد الواحد شعبة من الشرك وشعبة من الإيمان (٣)، ثم تضاربت عقائدها المؤسسة عليه، فانقسم الناس إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان! .\n*أما الإيمان بالملائكة وما يدخل تحته يكاد ألا يكون فيه موضع خلاف بين أهل السنة وغيرهم، فالقول فيه متفق عليه تماما بين غالبية الفرق المنتسبة للإِسلام، قال شيخ الإسلام - ﵀ -: \" وليس بين أهل الملل خلاف في أن الملائكة جميعهم مخلوقون\" (٤).\n*أن انحراف أصحاب البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب، يعود إلى أسباب ثلاثة هي:\n_________\n(١) العقليات الصريحة لا تعارض النقل الصحيح بحال، المراد هنا العقليات الفاسدة.\n(٢) وهو ما أطلقوا عليه بعد استخدام المصطلحات الفلسفية والمنطقية \"الماهية\"، وقالوا: إن للإيمان ماهية معينة لا تقبل التعدد ولا التبعيض، إما أن توجد وإما أن تفقد فلا أبعاض له بحيث يذهب بعضه ويبقى بعضه. وسيأتي مزيد بيان لهذا.\n(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٥١٠).\n(٤) بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية، لابن تيمية (ص ٢٣٢).","vol":"1","page":559},{"text":"١ - اعتمادهم على العقل في فهم نصوص الكتب المقدسة، وتوهمهم أن هناك معارضة بين العقل والنقل، مما أورثهم شبها كثيرة، ضلوا بسببها عن قواعد الشرع، والتزموا قواعدهم البدعية.\n٢ - خللهم في باب الإيمان بالله - ﷿ - وربوبيته، بما أحدثوه من طُرقٍ بدعية كالحدوث والإمكان، وهذه \"الطريقة هي التي ولّدت بين المسلمين اختلافهم في القرآن، وكلام الله - ﷿ -، حتى صار كثير من الناس في ذلك إما حائرًا، وإما مخطئًا مبتدعًا، وكفر بعضهم بعضا بسبب ذلك\" (١).\n٣ - معارضة نصوص الكتب لكثير من أهوائهم وشهواتهم، ما كان سببًا لتحريفهم إياها، لتوافق أهواءهم.\n*أن أسباب انحراف الفرق في الإيمان بالرسل، تعود إلى سببين رئيسين هما:\n١ - الخلل في توحيد الربوبية، وعدم تعظيم الله - ﷿ -، ما أدى بقوم إلى صرف الربوبية للرسل، وبقوم آخرين إلى إنكار حكمة الله - ﷿ - من إرساله لرسله -﵈-.\n٢ - الاشتباه الحاصل في معنى تجريد المتابعة للرسل، واعتمادهم على العقل في ذلك، ولا ريب أنه نحى ببعضهم إلى الغلو فيما نحى بآخرين إلى الجفاء.\n* أن انحراف الفرق في الإيمان باليوم الآخر يمكن إجماله فيما يلي:\n١ - فساد الإيمان بهذا الركن من أركان الدين تابع لفساد الركن الأول وهو الإيمان بالله تعالى ومعرفته.\n٢ - الانحراف في الإيمان بالغيب والانحباس في عالم الشهادة، ما أدى بهم إلى قياس عالم الغيب على عالم الشهادة، والخوض في تصور كيفية اليوم الآخر، وهذا مرتبط بانحرافهم في الربوبية، الذي يؤثر في قبول علم الله الغيبي؛ لأنه لم يعد هناك مبرر للقول بغيب ديني ومن ذلك أحداث اليوم الآخر.\n٣ - الانحراف في الأسماء والأحكام، ومحاولة التزامهم بالأصول التي أصلوها لأنفسهم، كإنكار الخوارج للشفاعة؛ وذلك لأن إثباتها يخالف أصلًا من أصولهم\n_________\n(١) الصفدية (٢/ ٤٠).","vol":"1","page":560},{"text":"وهو خلود الفساق المذنبين من المسلمين في النار، وعدم خروجهم، وهكذا مع بقية الفرق الضالة.\n٤ - الخلل في طريقة الاستدلال، وذلك بالاعتماد على مقدمات وأقيسة عقلية، جعلوها مصدر هداية.\n* أن انحراف الفرق في الإيمان بالقضاء والقدر يرجع إلى الأسباب التالية:\n١ - الجهل بحكمة الله فيما يخلق ويقدر، فعارضوا فعل الله - ﷿ - في ملكوته بما يرون من ظاهر رأيهم.\n٢ - قياس أفعال الله - ﷿ - على أفعال العباد فيما هو من قبيل العدل والظلم، وقصدوا بذلك تعظيم الرب وتنزيهه.\n٣ - إحداث ألفاظ ومصطلحات جعلت أصلًا في هذا الباب، ثم حمل الكتاب والسنة عليها: مثل لفظ: الاستطاعة -بتفسيرهم- وما يطاق وما لا يطاق، والتكاليف، وأشباه ذلك، ومنها أيضًا -عند الجبرية- الكسب ونحوه، وفسروها بتفسيرات تخصهم، فضلوا في أصلٍ يجب الرجوع فيه إلى الدليل.\n٤ - التسوية بين المشيئة والإرادة (١) وبين المحبة والرضا؛ لأنهم اعتقادوا أن محبة الله - ﷿ - ورضاه، ومشيئته وإرادته متحدان أو متلازمان، واعتقادهم بالتسوية مبنيٌ على صفة المحبة لله - ﷿ -، فأنكرتها القدرية، بينما غلت فيها الجبرية، ثم بنى كل فريق على ذلك منهجهم في الغلو أو الجفاء في الإيمان بالقضاء والقدر (٢).\n٥ - اعتمادهم على مقدمات فاسدة، كاتفاق كل من القدرية والجبرية على دعوى أن مفهوم القدرة محصور في إحداث الفعل، بحيث لا تكون القدرة قدرة إلا إذا تعلقت بإحداث الفعل وانتقاله من العدم إلى الوجود، ثم رتبوا على ذلك استحالة أن يكون فعل العبد مخلوقًا لله تعالى متعلقًا بقدرة العبد، بل إما أن\n_________\n(١) وهذه الإرادة التي أثبتوها هي الإرادة الشرعية، وهي التي تتعلق بالأمر والترغيب؛ لأن الإرادة الكونية (المشيئة) -وهي المرتبة الثالثة من مراتب القدر- فقد أنكروها، وزعموا أن العبد مستقل بإرادة فعله، وهو الذي أحدثها، وحملوا نصوص المشيئة على معنى الأمر والتكليف. ينظر: الصفدية (١/ ١٠٦ - ١٠٨).\n(٢) كذلك في كثير من مسائل الأسماء والصفات.","vol":"1","page":561},{"text":"يكون مخلوقًا لله تعالى فلا يكون متعلقًا بقدرة العبد، وإما أن يتعلق بقدرة العبد فلا يكون مخلوقًا لله تعالى، واستندوا في ذلك إلى أنه يلزم من اجتماعهما حصول أفعال العباد بين قدرتين ينسب لكل منهما إحداث الفعل، وهذا محال في العقل. وهكذا تعددت أوجه الغلوّ ومقولاته على يمين الصراط المستقيم وشماله.\n\nوبعد .. فهذه خلاصة أهم مسائل البحث وأبرز نتائجه، التي أمكنني ذكرها هنا، وإن كان البحث قد اشتمل على مسائل أخرى نحوها أو دونها في الأهمية، وقد أغفلت ذكرها ههنا رغبة في الاختصار، وهي مبسوطة في موضعها من هذا البحث.\nوختامًا: فإني لا أدَّعي أني وفيت الموضوع حقه، واستكملت جميع جوانبه، ولا أني أصبت في كل ما كتبت؛ لأن الخطأ والنسيان من طبيعة البشر، ولكني أحسب أني بذلت وسعي وطاقتي، فما كان فيه من صواب، فمن الكريم الوهاب، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي واستغفر الله منه.\nاللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، حمدًا يوافي نعمك ويكافئ مزيدك. اللهم كما أنعمت ببحث الموضوع فمُنَّ بالسداد والإخلاص والتوفيق، وانفعني به ومن يقرأه ويطلع عليه من المسلمين، إنك جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.","vol":"1","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-628>فهرس<span data-type=\"title\" id=toc-630> ا</span>لمصادر والمراجع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>١. القرآن الكريم</span>.\nأ\n٢. الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث، لعلي يحي معمَّر، مكتبة وهبة، مطابع سجل العرب، ط: ١، ١٣٩٦ هـ.\n٣. الإبانة الكبرى، لابن بطة، تحقيق: رضا بن نعمان بن معطي وآخرين، دار الراية، الرياض، ط: ٢، ١٤١٥ هـ.\n٤. الإبانة عن أصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: بشير محمد عيون، مكتبة المؤيد، ط: ٣، ١٤١١ هـ.\n٥. أبجد العلوم\" الواشي المرقوم في بيان أحوال العلوم\"، لصديق حسن خان القنوجي، اعتنى به: عبد الجبار زكار، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دار الكتب العلمية، دمشق، ١٩٧٨ م.\n٦. الإبداع في مضار الابتداع، للشيخ علي محفوظ، تحقيق: سعيد بن ناصر بن محمد، مكتبة الرشد، الرياض، ١٤٢١ هـ، ط ١.\n٧. الاتباع: أنواعه وآثاره في بيان القرآن، لمحمد مصطفى السيد، سلسلة تصدر عن المنتدى الإسلامي.\n٨. الاتجاهات الفكرية المعاصرة وموقف الإسلام منها، د. جمعة الخولي، مطابع الجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة. الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.\n٩. إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، محمد بن محمد الحسيني الزبيدي، المطبعة الميمنية، تصوير مؤسسة التاريخ الإسلامي، ١٣١١ هـ.\n١٠. الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، ط: ٢، ١٤١٤ هـ.\n١١. الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة، لحياة بن محمد بن جبريل، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الأولى ١٤٢٣ هـ/٢٠٠٢ م.\n١٢. أثر الإسلام في بناء المجتمع الفاضل، د. محمود بركات، جامعة الأزهر، القاهرة، ١٩٩١ م.\n١٣. اجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم، تحقيق: يوسف بن أحمد البكري وآخر، دار رمادي للنشر، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n١٤. الإجماع، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (المتوفى: ٣١٩ هـ)، تحقيق: فؤاد عبد المنعم أحمد، دار المسلم للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ/ ٢٠٠٤ مـ.\n١٥. الاحتفال بالمولد بين الاتباع والابتداع لمحمد بن سعد شقير، (ضمن رسائل في حكم الاحتفال بالمولد) لمجموعة من العلماء، دار العاصمة، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n١٦. أحكام القرآن، لأبي بكر محمد بن العربي، ت: محمد عطا، دار الكتب العربية، ط: ٣، ١٤٢٤ هـ.\n١٧. الإحكام في أصول الأحكام، علي بن محمد الآمدي، تحقيق الشيخ عبد الرزاق عفيفي، دار الصميعي، الرياض، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.\n١٨. إحياء علوم الدين، محمد بن محمد بن محمد الغزالي، لجنة نشر الثقافة الإسلامية، القاهرة، مصر، ١٣٥٦ هـ.\n١٩. الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري، تحقيق: عمر بن محمود، دار الراية، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٢٠. آداب البحث والمناظرة، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، تحقيق: سعود بن عبد العزيز العريفي، دار عالم الفوائد - مجمع الفقه الإسلامي بجدة.\n٢١. الآداب الشرعية والمنح المرعية، لمحمد بن مفلح الحنبلي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وعمر القيام، مؤسسة الرسالة، ط: ٣، ١٤١٩ هـ.\n٢٢. الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد، لسعود بن عبد العزيز العريفي، دار عالم الفوائد، ١٤١٩ هـ.\n٢٣. الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين، للسعدي، مكتبة المعارف، الرياض، ط: ١، ١٤٠٢ هـ.\n٢٤. الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، عبد القادر شيبة الحمد، مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n٢٥. الأربعين في أصول الدين، محمد بن عمر الرازي، تحقيق د. أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ط: ١، ١٤٠٦ هـ.","vol":"1","page":602},{"text":"٢٦. إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات، لمحمد بن علي الشوكاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٤ هـ.\n٢٧. إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، للشوكاني، تحقيق: د. شعبان محمد إسماعيل، دار الكتبي، القاهرة، مصر، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٢٨. الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد، للشيخ صالح الفوزان، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، ط: ٢، ١٤١٢ هـ.\n٢٩. الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقادية، لأبي المعالي الجويني، تحقيق: الشيخ زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٣٠. أركان الإيمان لوهبي سليمان غاوجي الألباني، مؤسسة الرسالة.\n٣١. الأزهية في أحكام الأدعية للزركشي، تحقيق: أم عبد الله بنت محروس العسلي - محمود الحداد، دار الفرقان، ١٤٠٨ هـ.\n٣٢. أساس البلاغة، للزمخشري، دار الفكر، ١٣٩٩ هـ.\n٣٣. أساس التقديس في علم الكلام، محمد بن عمر بن الحسين الفخر الرازي، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٣٤. الاستغاثة في الرد على البكري، لابن تيمية، تحقيق: عبد الله بن دجين السهيلي، دار الوطن للنشر - الرياض، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٣٥. الاستقامة، لابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، مصر.\n٣٦. أسد الغابة في معرفة الصحابة، لعي بن محمد بن الأثير الجزري، طبعة القاهرة، مصر، ١٩٧٠ م.\n٣٧. الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير، للدكتور رمزي نعناعة، رسالة دكتوراه من الأزهر - الطبعة الأولى، ١٣٩٠ هـ.\n٣٨. أسس العقيدة الإسلامية، لمحمد حسن حبنكة الميداني، أسس العقيدة الإسلامية، ط: ١، ٢٠٠٢ م.\n٣٩. أسطر من النقل والعقل والفكر، تقييدات: عبد العزيز بن مرزوق الطريفي، جمع: عزام بن محمد المحيسني، ط: ١، ١٤٣٥ هـ.\n٤٠. الإسلام أصوله ومبادئه، لمحمد بن عبد الله السحيم، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٤١. إسلام بلا مذاهب، لمصطفى محمد الشكعة، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط: ١١، ١٤١٦ هـ.\n٤٢. الإسلام على مفترق الطرق، لمحمد أسد، ترجمة الدكتور عمر فرّوخ، دار العلم للملايين.\n٤٣. الإسلام في مواجهة الاستشراق، لعبد العظيم المطعني، دار الوفاء، القاهرة، ١٩٨٧ م.\n٤٤. الإسلام مقاصده وخصائصه، لمحمد عقله، مكتبة الرسالة الحديثة، عمان الأردن.\n٤٥. الإسلام والحضارة الغربية، د. محمد محمد حسين، دار الفرقان.\n٤٦. الإسلام وحاجة البشرية إليه، د. محمد يوسف موسى، وزارة الأوقاف المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، ١٤٢٩ هـ.\n٤٧. الإسلام ينهى عن الغلو ويدعو إلى الوسطية، أ. د. سليمان بن عبد الرحمن الحقيل، ط: ١، الرياض، ١٩٩٦ م.\n٤٨. الإسلام ينهى عن الغلو ويدعو إلى الوسطية، أ. د. سليمان عبد الرحمن الحقيل، ط ١، ١٤١٦ هـ.\n٤٩. الأسئلة والأجوبة في العقيدة، لصالح بن عبد الرحمن بن عبد الله الأطرم، دار كنوز إشبيليا، الرياض، ط: ٤، ١٤٣٤ هـ.\n٥٠. اشتقاق أسماء الله تعالى لأبي القاسم الزجاجي، تحقيق: أ. د. عبد الحسين المبارك، دار الفكر، ط: ١، ٢٠٠٩ م.\n٥١. أشراط الساعة، يوسف بن عبد الله الوابل، دار ابن الجوزي، الدمام، ط: ٣، ١٤١٤ هـ.\n٥٢. أصل الإنسان، موريس بكاي ترجمة مكتب التربية العربية لدول الخليج، الرياض، ١٩٨٤ م.\n٥٣. إصلاح المساجد من البدع والعوائد، لعلامة الشام الشيخ محمد جمال الدين القاسمي، تحقيق: الألباني، المكتب الإسلامي، ط: ٤، ١٣٩٩ هـ.\n٥٤. الأصول التي بني عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات، أ. د. عبد القادر عطا صوفي، مكتبة الغرباء الأثرية، ١٤١٨ هـ.\n٥٥. أصول الدين، عبد القاهر بن طاهر البغدادي، دار الكتب العلمية، ط: ٣، ١٤٠١ هـ.","vol":"1","page":603},{"text":"٥٦. أصول السنة، لابن أبي زمنين، تحقيق وتخريج وتعليق: عبد الله بن محمد عبد الرحيم بن حسين البخاري، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٥٧. أصول في البدع والسنن، تأليف محمد أحمد العدوي، المكتب الإسلامي، ط: ٤، ١٤١٦ هـ.\n٥٨. أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية، للدكتور ناصر القفاري، أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراة من جامعة الإمام محمد بن سعود، ط: ٢، ١٤١٥ هـ.\n٥٩. أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة، أ. د. سعود بن عبد العزيز الخلف، ١٤٢٠ - ١٤٢١ هـ.\n٦٠. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ١٤١٣ هـ.\n٦١. إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، للشيخ صالح بن فوزان، مؤسسة الرسالة، ط: ٣، ١٤٢٣ هـ.\n٦٢. الاعتصام، لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق: مشهور بن حسن آل سليمان، مكتبة التوحيد، ط: ١، ١٤٢١ هـ.\n٦٣. الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد، للبيهقي، تحقيق: أحمد عصام الكاتب، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط: ١، ١٤٠١ هـ.\n٦٤. اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، للرازي، تحقيق: علي سامي النشار، دار الكتب العلمية - بيروت.\n٦٥. اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، لمحمد بن عمر بن الحسين الرازي، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٥ هـ.\n٦٦. الإعجاز العلمي في القرآن والسنة تاريخه وضوابطه، د. عبد الله المصلح، الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، ط: ٢، ١٤٢٧ هـ.\n٦٧. إعجاز القرآن، محمد بن الطيب الباقلاني، تحقيق السيد أحمد صقر، دار المعارف، مصر، ط: ٣.\n٦٨. أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، حمد بن محمد الخطابي، تحقق: محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود، جامعة أم القرى، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٦٩. أعلام السنة المنشورة، لحافظ الحكمي، من مطبوعات دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية، ١٣٩٩ م.\n٧٠. أعلام الموقعين عن رب العالمين، للإمام ابن القيم الجوزية، راجعه وعلق عليه: عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت.\n٧١. أعلام النبوة، لأبي حسن علي للماوردي، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، ط: ١، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٧ هـ.\n٧٢. الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٩٠ م.\n٧٣. إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق محمد حامد الفقي، مكتبة الرياض الحديثة.\n٧٤. الافتراق بين وسطية الإسلام وظاهرة الغلو الديني، أ. د. فؤاد البعداني، مؤتمر الإرهاب بين تطرف الفكر وفكر التطرف - الجامعة الإسلامية ١٤٣٠ هـ.\n٧٥. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق د. ناصر عبد الكريم العقل، مكتبة الرشد، الرياض، ط: ٢، ١٤١١ هـ.\n٧٦. الإقناع لطالب الانتفاع، للحجاوي المقدسي، تحقيق، د. عبد الله التركي، هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلام، مصر، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n٧٧. الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع \" حقيقه السنة والبدعة\"، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، تحقيق: ذيب بن مصري بن ناصر القحطاني، مطابع الرشيد، ١٤٠٩ هـ.\n٧٨. إنباه الرواة على أنباه النحاة، جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي - القاهرة، ومؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، ط: ١، ١٤٠٦ هـ.\n٧٩. الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارهما في حياة الأمة، لعلي بن بخيت الزهراني، دار طيبة، مكة المكرمة، ط: ٢، ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":604},{"text":"٨٠. الإنصاف فما وقع في العصر الراشدي من الخلاف، د. حامد محمد الخليفة، دار الميمان للنشر والتوزيع -الرياض، ط: ١، ١٤٣٢ هـ.\n\n٨١. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علاء الدين أ<span data-type=\"title\" id=toc-631>ب</span>والحسن علي بن سليمان المرداوي، دار إحياء التراث العربي، ط: ٢.\n٨٢. الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف، لأبي بكر الجزائري، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٨٣. أنوار التنزيل وأسرار التأويل \"تفسير البيضاوي\"، ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط: ٢، ١٣٨٨ هـ.\n٨٤. آيات العقيدة التي قد يوهم ظاهرها التعارض، إعداد خالد بن عبدالله بن عمر الدميجي، حياة بنت حمد المحمادي، حنان بنت رافع العمري، دار الهدى النبوي، ودار الفضيلة، ط: ١، ١٤٣١ هـ.\n٨٥. إيثار الحق على الخلق في رد الاختلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد، للإمام محمد إبراهيم الوزير الصنعاني، دار الكتب العلمية، ط: ٢، ١٤٠٧ هـ.\n٨٦. أيسر التفاسير، للجزائري، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط: ٥، ١٤٢٤ هـ.\n٨٧. إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل، أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي الشافعي، بدر الدين (المتوفى: ٧٣٣ هـ)، المحقق: وهبي سليمان غاوجي الألباني، دار السلام، مصر، ط ١، ١٤١٠ هـ.\n٨٨. الإيمان أركانه حقيقته نواقضه، د. محمد نعيم ياسين، دار عمر بن الخطاب، الإسكندرية.\n٨٩. الإيمان بالقضاء والقدر، لمحمد الحمد، دار الوطن، ط: ٢.\n٩٠. الإيمان بالكتب، أ. د. محمد بن عبد الرحمن أبو سيف الجهني (ص ٣)، ضمن مجلة التوحيد الصادرة عن جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر عدد (٤٤٥)، ١٤٣٠ هـ.\n٩١. الإيمان باليوم الآخر، د. عبد السلام التونجي، دار الكتب العلمية، ١٩٩٨ م.\n٩٢. الإيمان حقيقته وخوارمه ونواقضه عند أهل السنة، لعبد الله بن عبد الحميد الأثري، مدار الوطن للنشر، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.\n٩٣. الإيمان، ابن مندة، تحقيق د. علي محمد فقيهي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٦ هـ.\n٩٤. الإيمان، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٣، ١٤٠٨ هـ.\n٩٥. الإيمان، لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: الألباني، دار الأرقم، ط: ٢، ١٤٠٥ هـ.\n٩٦. الإيمان، لمحمد بن يحيى أبي عمر العدني، تحقيق: محمد حمدي الجابري، الدار السلفية، الكويت، ط: ١، ١٤٠٧ هـ.\n٩٧. الحوادث والبدع، محمد بن الوليد الطرطوشي، تحقيق: علي حسن الحلبي، دار ابن الجوزي، ط: ١، ١٤١١ هـ.\nب\n٩٨. البابية عرض ونقد، لإحسان إلهي ظهير، إدارة ترجمان السنة - باكستان، ط: ٣، ١٤٠١ هـ.\n٩٩. الباعث على إنكار البدع والحوادث، عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن أبي شامة، مطبعة النهضة الحديثة - مكة، ط: ٢، ١٤٠١ هـ.\n١٠٠. البائية نقد وتحليل، لإحسان إلهي ظهير، إدارة ترجمان السنة - باكستان، ط: ٢، ١٤٠١ هـ.\n١٠١. بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، لمحمد باقر المجلسي، احياء الكتب الإسلامية.\n١٠٢. بحوث ودراسات في المذاهب والتيارات، د. محمد مجاهد نور الدين، دار هجر.\n١٠٣. البحر المحيط في التفسير، لأبي حيان الأندلسي، تحقيق: صدقي محمد جميل، دار الفكر - بيروت، ١٤٢٠ هـ.\n١٠٤. البداية والنهاية، لأبي الفداء إسماعيل بن كثير، مكتبة المعارف، بيروت، ط: ١.\n١٠٥. بدائع الفوائد، لمحمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، اعنتى به: أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n١٠٦. البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن التاسع، لمحمد بن علي الشوكاني، دار المعرفة، بيروت، ط: ١، ١٣٤٨ هـ.","vol":"1","page":605},{"text":"١٠٧. بدع الجنائز، للألباني، مك<span data-type=\"title\" id=toc-632>ت</span>بة المعارف، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n١٠٨. البدع الحولية، لعبد الله التويجري، دار الفضيلة، ط: ١، ١٤٢١ هـ.\n١٠٩. البدع العلمية المتعلقة بالقرآن الكريم، لأحمد آل عبد الكريم، مكتبة دار المنهاج - الرياض، ط: ١، ١٤٣٢ هـ.\n١١٠. بدع المقابر والجائز، لعلي الطهطاوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩٩ م.\n١١١. البدع والنهي عنها، محمد بن وضاح بن بزيع المرواني القرطبي، تحقيق: عمرو عبد المنعم سليم، مكتبة ابن تيمية- القاهرة، مكتبة العلم- جدة، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n١١٢. البدعة والمصالح المرسلة، للدكتور توفيق يوسف الواعي، مكتبة دار التراث - الكويت، ط: ١، ١٤٠٤ هـ.\n١١٣. بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود، أ. د. إبراهيم الرحيلي، دار الإمام أحمد -القاهرة، ط: ١، ١٤٣٢ هـ.\n١١٤. البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن، كمال الدين عبد الواحد بن عبد الكريم الزملكاني، تحقيق: د. خديجة الحديثي ود. أحمد مطلوب، مطبعة العاني بغداد، ط: ١، ١٣٩٤ هـ.\n١١٥. البرهان في توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان، برهان الدين أبي القاسم محمود بن حمزة بن نصر الكرماني، تحقيق: د. السيد الجميلي، مركز الكتاب للنشر - القاهرة.\n١١٦. البرهان في علوم القرآن، لمحمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق د. يوسف المرعشلي وآخرين، دار المعرفة، بيروت، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n١١٧. البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان، لأبي الفضل عباس بن منصور السكسكي، تحقيق: د. بسام علي العموش، مكتبة المنار الزرقاء، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n١١٨. البريلوية عقائد وتاريخ، لإحسان إلهي ظهير، إدارة ترجمان السنة، لاهور، ط: ١، ١٤٠٣ هـ.\n١١٩. بطلان عقائد الشيعة وبيان زيغ معتنقيها ومفترياتهم على الإسلام من مراجعهم الأساسية، لمحمد عبدالستار التونسوي، مكتبة الإمداد- مكة المكرمة، دار النشر الإسلامية العالمية - باكستان.\n١٢٠. بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة، لابن تيمية، تحقيق د. موسى الدويش، مكتبة العلوم والحكم، ط: ٣، ١٤١٥ هـ.\n١٢١. بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة لجلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت.\n١٢٢. بهجة المجالس وأنس المجالس، لابن عبد البر، تحقيق: محمد مرسي الخولي، دار الكتب العلمية - بيروت.\n١٢٣. بيان إعجاز القرآن، للخطابي، تحقيق: محمد خلف الله، د. محمد زغلول سلام، دار المعارف بمصر، ط: ٣، ١٩٧٦ م.\n١٢٤. بيان المحجة في الرد على اللجة، ضمن مجموع الرسائل والمسائل النجدية، لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب لبعض علماء نجد، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٣٤٩ هـ.\n١٢٥. بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، القسم الخامس والسادس والسابع، تحقيق، د. عبد العزيز اليحيى وآخرين، رسائل علمية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ويسمى كذلك \"نقض التأسيس\"، طبع منه جزآن بتحقيق محمد ابن عبد الرحمن بن قاسم، مطبعة الحكومة، مكة المكرمة، وللكتاب أجزاء أخري مخطوطة في جامعة الملك سعود، ط: ١، ١٣٩١ هـ.\n١٢٦. بيان مخالفة الكوثري لاعتقاد السلف، د. محمد عبد الرحمن الخميس، دار الفتح- الشارقة، ١٤١٥ هـ.\nت\n١٢٧. تاج العروس من جواهر القاموس، لمحمد بن محمد الزبيدي، المطبعة الخيرية، القاهرة، ١٣٠٦ هـ.\n١٢٨. تاريخ ابن خلدون \" العبر وديوان المبتدأ والخبر\"، لعبد الرحمن بن خلدون، بيروت ١٩٧١ م.\n١٢٩. تاريخ الإسلام، للذهبي، تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمرية، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n١٣٠. تاريخ الجهمية والمعتزلة، لجمال الدين القاسمي، مؤسسة الرسالة، ط: ١، ١٣٩٩ هـ.\n١٣١. تاريخ الأمم والملوك، للطبري، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم، دار المعارف بمصر، ط: ٢.\n١٣٢. تاريخ العلويين، لمحمد أمين غالب الطويل، دار الأندلس.","vol":"1","page":606},{"text":"١٣٣. تاريخ الفكر الديني الجاهلي، لمحمد إبراهيم الفيومي، دار الفكر العربي، ط: ٤، ١٤١٥ هـ.\n١٣٤. تاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ط: ٢.\n١٣٥. تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد وتاريخ المذاهب الفقهية، لمحمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة.\n١٣٦. تاريخ بغداد للخطيب، البغدادي، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n١٣٧. تاريخ حكماء الإسلام، للبيهقي، تحقيق محمد كرد علي، المجمع العلمي العربي بدمشق، سنة ١٩٤٥ م.\n١٣٨. تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، للشيخ عبد المجيد الزنداني، أ. د. سعد يلدرم، الشيخ محمد الأمين ولد محمد، هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، مكة المكرمة، ط: ٢، ١٤٢١ هـ.\n١٣٩. تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة، شرحه ونشره: السيد أحمد صقر، المكتبة العلمية، ط: ٣، ١٤٠١ هـ.\n١٤٠. تائية \"القصيدة التائية\"، شيخ الإسلام ابن تيمية، شرح وتحقيق: محمد بن إبراهيم الحمد، دار ابن خزيمة - الرياض، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.\n١٤١. التبرك أنواعه وأحكامه، د. ناصر الجديع، مكتبة الرشد -الرياض، ط: ٥، ٢٠١٢ م.\n١٤٢. تبصرة الأدلة، لأبي المعين النسفي، تحقيق: محمد الأنور، مكتبة الأزهرية للتراث، الجزيرة للنشر والتوزيع، ط: ١، ٢٠١١.\n١٤٣. التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، لأبي طاهر الإسفراييني، تحقيق: كمال يوسف الحوت، عالم الكتب، بيروت، ط: ١، ١٩٨٣ م.\n١٤٤. التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت، ط: ١.\n١٤٥. التبيان في آداب حملة القرآن، للنووي، تحقيق: محمد الحجار، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت، ط: ٨، ١٤١٤ هـ.\n١٤٦. تجريد التوحيد المفيد، لأحمد بن علي المقريزي، تحقيق علي بن محمد العمران، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط: ١، ١٤١٧ هـ\n١٤٧. تجريد المتابعة للنبي - ﷺ - بين السلف والمخالفين، د. سيرين المان انجاي، رسالة دكتوراه، الجامعة الإسلامية، ١٤٣٠ هـ.\n١٤٨. تجريد المنطق، لنصير الدين محمد بن الحسن الطوسي، منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات - بيروت، ط: ١، ١٩٨٨ م.\n١٤٩. تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط: ٤، ١٤٠٣ هـ.\n١٥٠. تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، لمحمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري أبو العلا، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ١٤١٢ هـ.\n١٥١. التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية، للشيخ فالح بن مهدي آل مهدي، تحقيق: د. عبد الرحمن بن صالح المحمود، دار الوطن، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n١٥٢. تخجيل من حرف التوراة والإنجيل، لصالح بن الحسين الجعفري أبو البقاء الهاشمي، تحقيق: محمود عبد الرحمن قدح، مكتبة العبيكان، الرياض، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n١٥٣. التدابير الواقية من التشبه بالكفار، د. عثمان دوكوري، مكتبة الرشد، ط: ١، ١٤٢١ هـ.\n١٥٤. التدمرية، لابن تيمية، تحقيق: د. محمد السعوي، مكتبة العبيكان، ط: ٧، ١٤٢٣ هـ.\n١٥٥. تذكرة الحفاظ، للذهبي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٥٦. تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي، د. عبد الرزاق البدر، غرس للنشر والتوزيع، الكويت، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.\n١٥٧. التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، لمحمد بن فرج القرطبي، خرج أحاديثه: محمود البسطويسي، دار البخاري، المدينة المنورة، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n١٥٨. التسعينية، لابن تيمية، تحقيق: د. محمد العجلان، مكتبة العارف، الرياض، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.","vol":"1","page":607},{"text":"١٥٩. مختصر تسهيل العقيدة الإسلامية، عبد الله بن عبد العزيز بن حمادة الجبرين، مكتبة الرشد -الرياض، ط: ٢، ١٤٢٤ هـ.\n١٦٠. تسهيل المنطق، لعبد الكريم مراد، دار مصر للطباعة.\n١٦١. التسهيل لعلوم التنزيل \" تفسير ابن جزي\"، لابن جزي الكلبي، تحقيق: محمد سالم هاشم، دار الكتب العلمية، ١٤١٥ هـ.\n١٦٢. تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان)، لشيخ عبد الرحمن السعدي، مركز صالح بن صالح الثقافي بعنيزة، ط: ٢، ١٤١٢ هـ.\n١٦٣. التصوف المنشأ والمصادر، لإحسان إلهي ظهير، إدارة ترجمان السنة - باكستان، ط: ١، ١٤٠٦ هـ.\n١٦٤. التعاريف \"التوقيف على مهمات التعاريف\"، لمحمد عبد الرؤوف المناوي، تحقيق: محمد رضوان الداية، دار الفكر المعاصر، دار الفكر - بيروت، ط: ١٤١٠ هـ.\n١٦٥. التعريفات، لعلي بن محمد الجرجاني، تحقيق: جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٣ هـ.\n١٦٦. تعظيم قدر الصلاة، للمروزي، تحقيق: د. عبد الرحمن الفريوائي، مكتبة الدار، المدينة المنورة، ط: ١، ١٤٠٦ هـ.\n١٦٧. التعليق المختصر على القصيد النونية، د. صالح الفوزان، أشرف على طبعه وإخراجه: عبد السلام عبد الله السليمان، ١٤٢٤ هـ.\n١٦٨. تعليقات الشيخ صالح العصيمي على متن الثلاثة الأصول وأدلتها، في دورة مهمات العلم المقامة في الحرم المدني لعام ١٤٣٥ هـ.\n١٦٩. تفسير الثعالبي \"الجواهر الحسان في تفسير القرآن\"، عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف أبو زيد الثعالبي، تحقيق: علي معوض - عادل عبد الموجود، دار إحياء التراث العربي، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n١٧٠. تفسير القاسمي \" محاسن التأويل\"، لجمال القاسمي، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، عيسى البابي الحلبي، مصر.\n١٧١. تفسير \"ابن كثير\" القرآن العظيم، لإسماعيل بن كثير القرشي، دار الخير، بيروت، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n١٧٢. تفسير أبي السعود \" إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم\"، أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى، دار المصحف - مكتبة ومطبعة عبد الرحمن محمد - القاهرة.\n١٧٣. تفسير البغوي \"معالم التنزيل\"، للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: خالد العك ومروان سوار، دار المعرفة، ط: ٤، ١٤١٥ هـ.\n١٧٤. تفسير البيضاوي \"أنوار التنزيل وأسرار التأويل\"، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط: ٢، ١٣٨٨ هـ.\n١٧٥. تفسير التحرير والتنوير، لابن عاشور، الدرر التونسية للنشر، ١٩٨٤ هـ.\n١٧٦. تفسير السمعاني، منصور بن محمد أبو المظفر السمعاني، تحقيق: ياسر بن إبراهيم أبو تيميم - غنيم بن عباس أبو بلال، دار الوطن للنشر، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n١٧٧. التفسير السياسي للقضايا العقدية في الفكر العربي، لسلطان العميري، مركز التأصيل للدراسات والبحوث - جدة، ط: ١، ١٤٣١ هـ.\n١٧٨. تفسير الطبري \"جامع البيان في تأويل القرآن\"، لمحمد بن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n١٧٩. تفسير القاسمي \" محاسن التأويل\"، لجمال القاسمي، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، عيسى البابي الحلبي، مصر.\n١٨٠. تفسير الألوسي \"روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني\"، للسيد محمود الألوسي البغدادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: ٤، ١٤٠٥ هـ.\n١٨١. تفسير القرآن العظيم، لإسماعيل بن كثير القرشي، دار الخير، بيروت، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n١٨٢. تفسير القرطبي \" الجامع لأحكام القرآن\"، محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط: ٢، ١٣٨٤ هـ.\n١٨٣. تفسير المنار\" تفسير القرآن الحكيم\" لمحمد رشيد رضا، طباعة المنار، ط: ١، ١٣٥٣ هـ.\n١٨٤. التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، د وهبة بن مصطفى الزحيلي، دار الفكر المعاصر - بيروت، ط: ٢، ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":608},{"text":"١٨٥. التفسير الوسيط للقرآن الكريم، محمد سيد طنطاوي، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع- القاهرة، ط: ١، ١٩٩٨ م.\n١٨٦. تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي عرض وتحليل على ضوء الكتاب والسنة، لمحمد على لوح، دار ابن القيم، دار ابن عفان، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.\n١٨٧. تقريب التدمرية، لمحمد بن صالح العثيمين، مكتبة السنة، مصر، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n١٨٨. تقريب التهذيب، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، عناية: عادل مرشد، مؤسسة الرسالة، ط: ١، ١٤٢٣ هـ.\n١٨٩. التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية لابن حزم، تحقيق: إحسان عباس، دار مكتبة الحياة - بيروت، ط: ١، ١٩٠٠ م.\n١٩٠. التقليد في باب العقائد وأحكامه، د. ناصر بن عبدالرحمن الجديع، دار العاصمة، ط: ١، ١٤٢٦ هـ.\n١٩١. التقليد والتبعية وأثرهما في كيان الأمة الإسلامية د. ناصر العقل، دار المسلم للنشر والتوزيع، ط: ١، ١٩٩٣ م.\n١٩٢. تلبيس إبليس، لابن الجوزي، دار الفكر للطباعة والنشر، بيرزت، ط: ١، ١٤٢١ هـ.\n١٩٣. التمائم في ميزان العقيدة، د. علي نفيع العلياني، دار الوطن للنشر.\n١٩٤. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب.\n١٩٥. التمهيد لشرح كتاب التوحيد، دروس ألقاها صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، دار التوحيد، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.\n١٩٦. تناقض أهل الأهواء والبدع في العقيدة، لـ د. عفاف بنت حسن مختار، مكتبة الرشد- الرياض، ط: ١، ١٤٢١ هـ.\n١٩٧. التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع لمحمد بن أحمد الملطي، تحقيق: محمد زاهد الكوثري، مكتبة المثنى، بغداد، العراق، مكتبة المعارف، بيروت، ١٣٨٨ هـ.\n١٩٨. التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية، للشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد، دار الرشد، الرياض، ط: ٢، ١٤١٦ هـ.\n١٩٩. التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة، للشيخ عبد الرحمن السعدي، دار طيبة - الرياض، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٢٠٠. التنجيم والمنجمون وحكم ذلك في الإسلام، لعبد المجيد بن سالم المشعبي، مكتبة الصديق، الطائف، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٢٠١. تهافت الفلاسفة، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي، تحقيق: د. علي بو ملحم، دار ومكتبة الهلال، بيروت، لبنان، ط: ١، ١٩٩٤ م.\n٢٠٢. تهذيب اقتضاء الصراط المستقيم، لابن تيمية، تهذيب: شحاتة محمد صقر، مكتبة دار العلوم، البحيرة -مصر.\n٢٠٣. تهذيب الأسماء واللغات، ليحيى بن شرف الدين النووي، إدارة الطباعة المنيرية.\n٢٠٤. تهذيب التهذيب، لابن حجر، تحقيق: جماعة من الباحثين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٢٠٥. تهذيب الصحاح، محمود بن أحمد الزنجاني، تحقيق: عبد السلام هارون، وأحمد عطار، دار المعارف - مصر.\n٢٠٦. تهذيب اللغة، لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، عناية: محمد عوض مرعب وزملائه، دار إحياء التراث العربي، ١٤٢١ هـ.\n٢٠٧. تهذيب تاريخ دمشق، لابن عساكر، هذبه ورتبه: الشيخ عبد القادر بدران، دار إحياء التراث العربي، ط: ٣، ١٤٠٧ هـ.\n٢٠٨. تهذيب مدارج السالكين، لابن القيم، هذبه: عبد المنعم صالح العلي العزي، ط: ٧، ١٤٢٦ هـ.\n٢٠٩. توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم الموسوعة بالكافية الشافية، لأحمد بن إبراهيم بن عيسى، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٣، ١٤٠٦ هـ.\n٢١٠. التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، دار طيبة، الرياض، ط: ١، ١٤٠٤ هـ.","vol":"1","page":609},{"text":"٢١١. التوضيح والبيان لش<span data-type=\"title\" id=toc-633>ج</span>رة الإيمان، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي، أضواء السلف، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٢١٢. التجانية: دراسة لأهم عقائد التجانية على ضوء الكتاب والسنة، تأليف علي بن محمد آل دخيل الله، دار العاصمة، ط: ٢، ١٩٩٨ م.\n٢١٣. تيسر اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، للسعدي، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.\n٢١٤. تيسير التفسير، لإبراهيم القطان، مراجعة: عمران أحمد أبو حجلة، طبع سنة ١٩٨٢، بمطابع الجمعية العلمية الملكية الأردن.\n٢١٥. تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، لسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٧، ١٤٠٧ هـ.\n٢١٦. التيسير في قواعد علم التفسير، للإمام محمد بن سليمان الكافيجي، مكتبة القدس، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٢١٧. التساهل مع غير المسلمين أصول معاملتهم واستعمالهم دراسة فقهية، د. عبد الله الطريقي، دار الهدي النبوي - دار الفضيلة، ط: ١، ١٤٢٨ هـ.\nج\n٢١٨. جامع البيان في تأويل آي القرآن، لمحمد بن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٢١٩. جامع المسائل، لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: محمد عزيز شمي، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.\n٢٢٠. جامع الرسائل لابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، دار المدني، جدة، ط: ٢، ١٤٠٥ هـ.\n٢٢١. الجامع الصغير وزياداته \" صحيح وضعيف الجامع الصغير وزيادته\"، السيوطي، حكم على أحاديثه الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة المجددة والمزيدة المنقحة.\n٢٢٢. جامع العلوم والحكم، للعلامة أبي الفرج ابن رجب الحنبلي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وإبراهيم بلجس، مؤسسة الرسالة، ط: ٧، ١٤٢٣ هـ.\n٢٢٣. الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور، لابن الأثير، تحقيق: مصطفى جود، مطبعة المجمع العلمي، ١٣٧٥ هـ.\n٢٢٤. جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، لابن عبد البر، تحقيق: أبو الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، الدمام، ط: ٢، ١٤١٦ هـ.\n٢٢٥. الجامع لأحكام القرآن \"تفسير القرطبي\"، محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط: ٢، ١٣٨٤ هـ.\n٢٢٦. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، تحقيق: محمود الطحان، مكتبة المعارف، ١٤٠٣ هـ.\n٢٢٧. الجرح والتعديل، لأبي حاتم الرازي، طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية - الهند، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط: ١، ١٢٧١ هـ.\n٢٢٨. الجرح والتعديل، لجمال الدين لقاسمي، مؤسسة الرسالة، ١٣٩٩ هـ.\n٢٢٩. الجمعيات القومية العربية وموقفها من الإسلام والمسلمين في القرن الرابع عشر الهجري، للدكتور خالد بن إبراهيم الدبيان، مؤسسة الرسالة، ط: ١، ١٤٢٥ هـ.\n٢٣٠. جمهرة اللغة، لأبي بكر محمد بن الحسن الأزدي، ت: رمزي بعلبكي، دار العلم للملايين - بيروت، ط: ١، ١٩٨٧ م.\n٢٣١. جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف، لعبد العزيز بن صالح الطويان، مكتبة العبيكان، الرياض، ط: ١، ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":610},{"text":"٢٣٢. جهود شيخ الإسلام ابن تيمية في توضي<span data-type=\"title\" id=toc-634>ح </span>توحيد العبادة، أ. د. أحمد الغنيمان، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط: ١، ١٤٣٠ هـ.\n٢٣٣. جهود شيخ الإسلام في باب أسماء الله الحسنى، د. أرزقي بن محمد السعيد سعيدي، مكتبة دار المنهاج -الرياض، ط: ١، ١٤٣٥ هـ.\n٢٣٤. جهود شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير توحيد الربوبية، لعادل العامري، دار منار التوحيد -المدينة المنورة، ط: ١، ٢٠١٥ م.\n٢٣٥. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، لشمس الدين الأفغاني، دار الصميعي، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٢٣٦. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: د. عبد العزيز بن إبراهيم العسكر وآخرين، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٢٣٧. الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، تحقيق: يوسف علي بديوي، دار ابن كثير، ط: ٢، ١٤٠٩ هـ.\n٢٣٨. حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لمحمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: علي الشربجي وقاسم النوري، مؤسسة الرسالة، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٢٣٩. الجواهر الحسان في تفسير القرآن \"تفسير الثعالبي\"، عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف أبو زيد الثعالبي، تحقيق: علي معوض - عادل عبد الموجود، دار إحياء التراث العربي، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\nح\n٢٤٠. حاشية الصاوي على تفسير الجلالين، أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي المالكي، المطبعة العامرة، سنه ١٣١٨ هـ.\n٢٤١. الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، لإسماعيل بن محمد الأصبهاني، تحقيق: د. محمد بن ربيع المدخلي وآخر، دار الراية، الرياض، ط: ١، ١٤١١ هـ.\n٢٤٢. حاشية كتاب التوحيد، لابن قاسم، ط: ٣، ١٤٠٨ هـ.\n٢٤٣. الحبائك في أخبار الملائك، للسيوطي، تحقيق: أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٢٤٤. الحركات الباطنية في العالم الإسلامي، لمحمد أحمد الخطيب، مكتبة الأقصى - عمان، ط: ١، ١٤٠٦ هـ.\n٢٤٥. حركة الغلو وأصولها الفارسية، لنظلة الجبوري، مكتبة ابن تيمية، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٢٤٦. الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين من الكافية الشافية، لابن سعدي، الميمان - الرياض، ط: ١، ١٤٣٢ هـ.\n٢٤٧. حقيقة البدعة وأحكامها، لسعيد بن ناصر الغامدي، مكتبة الرشد، ط: ٣، ١٤١٩ هـ.\n٢٤٨. حقيقة التكفير بين أهل السنة والجماعة والشيعة الاثني عشرية، لخالد أحمد الزهراني، مركز الفكر المعاصر - الرياض، ط: ١، ١٤٣١ هـ.\n٢٤٩. حقيقة التوحيد بين أهل السنة والمتكلمين، د. عبد الرحيم السلمي، دار المعلمة للنشر والتوزيع، رسالة ماجستير، جامعة أم القرى.\n٢٥٠. حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها، د. عبد الرحيم السلمي، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، ط: ١، ١٤٣٠ هـ.\n٢٥١. حكم الاحتفال بالمولد النبوي \"ضمن مجموع وفتاوي ابن باز\"، عبدالعزيز بن باز، دار القاسم- الرياض، ط: ١٩.\n٢٥٢. الحكمة من إرسال الرسل، للشيخ عبد الرزاق عفيفي، دار الصميعي، الرياض، ط: ٢، ١٤٢٠ هـ.","vol":"1","page":611},{"text":"٢٥٣. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم أحم<span data-type=\"title\" id=toc-636>د </span>الأصبهاني، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: ٣، ١٤٠٠ هـ.\n٢٥٤. الحموية، لابن تيمية، تحقيق: حمد بن عبد المحسن التويجري، دار الصميعي، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n\n٢٥٥. الحياة الآ<span data-type=\"title\" id=toc-635>خ</span>رة ما بين البعث إلى دخول الجنة أو النار، للدكتور غالب عواجي، المكتبة العصرية الذهبية، جدة، ١٤٢١ هـ.\nخ\n٢٥٦. خصائص المصطفى بين الغلو الجفاء، للصادق بن محمد بن إبراهيم، مكتبة الرشد -الرياض، رسالة ماجستير الجامعة الإسلامية.\n٢٥٧. خطاب دعوة الغلو الاعتقادي في المجتمع السعودي مرتكزاته وأساليبه وكيف مواجهته، د. محمد إبراهيم الزهراني، رسالة دكتوراه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n٢٥٨. خطبة الحاجة التي كان رسول الله - ﷺ - يعلمها أصحابه، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، ١٤٠٠ هـ.\n٢٥٩. الخلاف العقدي في باب القدر دراسة تحليلية نقدية لأصول القدرية والجبرية في أفعال العباد، د. عبد الله بن محمد القرني، مركز نماء للبحوث والدراسات، ط: ١، ٢٠١٣ م.\n٢٦٠. خلق أفعال العباد، للإمام البخاري، تحقيق: بدر البدر، الدار السلفية، الكويت، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٢٦١. الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام، أ. د. ناصر بن عبد الكريم العقل، دار الوطن، الرياض، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٢٦٢. الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها، د. غالب عواجي، المكتبة العصرية الذهبية، جدة، ط: ٢، ١٤٢٣ هـ.\n٢٦٣. الخوارج في العصر الأموي، د. نايف محمود معروف، دار الطليعة، بيروت، ط: ٣، ١٤٠٦ هـ.\nد\n٢٦٤. الداء والدواء، لابن القيم، تحقيق: علي بن عبد الحميد، دار ابن الجوزية، الدمام، ط: ٢، ١٤١٧ هـ.\n٢٦٥. دائرة المعارف الإسلامية \"موجز دائرة المعارف\"، تأليف: م. ت. هوتسما - ت. و. أرنولد - ر. باسيت - ر. هارتمان، تحقيق: إبراهيم زكي خورشيد - أحمد الشنتناوي - عبد الحميد يونس - حسن حبشي - عبد الرحمن الشيخ - محمد عناني، مركز الشارقة للإبداع الفكري، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n٢٦٦. الدر المنثور في التفسير بالمأثور، السيوطي، دار الفكر - بيروت.\n٢٦٧. درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط: ٢، ١٤١١ هـ.\n٢٦٨. دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية، أ. د. سعود الخلف، مكتبة أضواء السلف -الرياض، ط: ٤، ١٤٢٥ هـ.\n٢٦٩. دراسات في الأهواء والفرق والبدع وموقف السلف منها، أ. د. ناصر العقل، دار كنوز أشبيليا، ط: ٣، ١٤٣٢ هـ.\n٢٧٠. دراسات في التصوف، لإحسان إلهي ظهير، دار الإمام المجدد للنشر والتوزيع، ط: ١، ١٤٢٦ هـ.\n٢٧١. دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين الخوارج والشيعة، للدكتور أحمد محمد جلي، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ط: ٣، ١٤٢٩ هـ.\n٢٧٢. درة التنزيل وغرة التأويل، للإسكافي، تحقيق: د. محمد مصطفى آيدين، معهد البحوث العلمية مكة المكرمة، جامعة أم القرى، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":612},{"text":"٢٧٣. الد<span data-type=\"title\" id=toc-637>ر</span>ة فيما يجب اعتقاده، لابن حزم، دراسة وتحقيق عبد الحق التركماني، مركز البحوث الإسلامية في السويد- غوطبورغ، دار ابن حزم -بيروت، ط: ١، ١٤٣٠ هـ / ٢٠٠٩ م.\n٢٧٤. الدرر السنية في الأجوبة النجدية، لمجموعة من أئمة الدعوة النجدية، جمع عبد الرحمن القاسم، ط: ٥، ١٤١٣ هـ\n٢٧٥. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر، حققه: محمد سيد جاد الحق، مطبعة المدني بمصر، ط: ٢، ١٣٨٥ هـ.\n٢٧٦. دعاوى الإجماع عند المتكلمين في أصول الدين، ياسر عبدالرحمن اليحيى، دار الميمان - الرياض، ط: ١، ١٤٣٢ هـ.\n٢٧٧. دعاوى المناوئين لدعوة محمد بن عبد الوهاب، عرض ونقض: د. عبد العزيز العبد اللطيف، دار الوطن، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٢٧٨. دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب سلفية لا وهابية، لأحمد بن عبد العزيز بن عبد الله الحصين، فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٢٧٩. دعوة التقريب بين الأديان دراسة نقدية في ضوء العقيدة الإسلامية، د. أحمد القاضي، دار ابن الجوزي - الرياض، رسالة دكتوراه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n٢٨٠. دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية - القاهرة، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٢٨١. دفع إيهام التشبيه عن أحاديث الصفات ونقد كتاب \"تأويل الأحاديث الموهمة للتشبيه\"، تأليف أ. د. محمد السمهري، دار بلنسية، الرياض، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٢٨٢. دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد، لعيسى النعمي، مكتبة دار المنهاج -الرياض، ط: ١، ١٤٣٥ هـ.\n٢٨٣. دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، لأحمد الحسين البيهقي، ت: عبد المعطي قلعجي، دار القلم، بيروت، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٢٨٤. دلائل النبوة، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني، حققه: د. محمد رواس قلعه جي، عبد البر عباس، دار النفائس، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٦ هـ.\n٢٨٥. الدليل العقلي عند السلف، لعبد الرحمن بن سعد الشهري، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، ط ١، ١٤٣٢ هـ.\n٢٨٦. دول الإسلام، للذهبي، تحقيق: حسن إسماعيل مروة - محمود الأرناؤوط، دار صادر، ط: ١، ١٩٩٩ م.\n٢٨٧. الدين الخالص، لمحمد صديق حسن خان، دار التراث، القاهرة.\nر\n٢٨٨. الرد على الأخنائي، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن المعلمي، الرئاسة العامة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية، ١٤٠٤ هـ.\n٢٨٩. الرد على الجهمية، للدارمي، تحقيق: بدر البدر، الدار السلفية، الكويت، ط: ١، ١٤٠٥ هـ.\n٢٩٠. الرد على المخالف (ضمن كتاب: الردود: الرد على المخالف، تحريف النصوص، البراءة، التحذير، تصنيف الناس، عقيدة إبن أبي زيد القيرواني وعبث بعض المعاصرين بها)، تأليف بكر بن عبد الله أبو زيد، دار العاصمة -الرياض، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٢٩١. الرد القوي على الرفاعي، والمجهول، وابن علوي، وبيان أخطائهم في المولد النبوي، للشيخ حمود بن عبد الله التويجري، دار اللواء، ط: ١، ١٤٠٣ هـ.\n٢٩٢. الرد على البكري، لابن تيمية، تحقيق: محمد علي عجال، مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٢٩٣. الرد على الجهمية والزنادقة، لإمام أحمد، تحقيق: صبري بن سلامة شاهين، دار الثبات للنشر والتوزيع، ط: ١.\n٢٩٤. الرد على المنطقيين، لابن تيمية، إدارة ترجمان السنة، باكستان، ط: ٢، ١٣٩٣ هـ.","vol":"1","page":613},{"text":"٢٩٥. الر<span data-type=\"title\" id=toc-639>س</span>الات السماوية السابقة امتداد أم تقاطع - للدكتور رشيد كهوس - البحث لمشاركة بمهرجان ربيع الرسالة الثقافي العالمي السابع.\n٢٩٦. هجر المبتدع، للشيخ بكر أبو<span data-type=\"title\" id=toc-638> ز</span>يد، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع.\n٢٩٧. رسالة العبادات الشرعية والفرق بينها وبين البدعية، شيخ الإسلام ابن تيمية، مكتبة ابن الجوزي -الدمام، ط: ١.\n٢٩٨. رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب، لأبي حسن الأشعري، تحقيق: عبد الله شاكر محمد الجنيدي، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة،، ١٤١٣ هـ.\n٢٩٩. رسالة خاتم النبيين ضرورتها وطرائق إثباتها ولوازمها، د. ثامر غشيان، مكتبة الرشد، ط: ١، ٢٠٠٥ م.\n٣٠٠. رسالة موقف الشيعة الاثني عشرية من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، أ. د. عبد القادر عطا، الجامعة الإسلامية.\n٣٠١. الرسل والرسالات، د. عمر الأشقر، دار النفائس، الأردن، ط: ٥، ١٤١٤ هـ.\n٣٠٢. روائع التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن رجب الحنبلي، جمع: طارق عوض الله بن محمد أبو معاذ، دار العاصمة، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.\n٣٠٣. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للسيد محمود الألوسي البغدادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: ٤، ١٤٠٥ هـ.\n٣٠٤. الروح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء، لابن القيم، تحقيق: د. بسام علي العموش، دار ابن تيمية، ط: ٢، ١٤١٢ هـ.\n٣٠٥. الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، لعبد الرحمن السهيلي، تحقيق: عمر عبد السلام السلامي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: ١، ١٤٢١ هـ.\n٣٠٦. الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم، لمحمد بن إبراهيم الوزير، تحقيق: علي العمران، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع.\n٣٠٧. روضة المحبين ونزهة المشتاقين، لابن القيم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ١٤٣٠ هـ.\n٣٠٨. رؤية إسلامية معاصرة إعلان مبادئ، د. أحمد كمال أبو المجد، دار الشروق.\n٣٠٩. الرياض الناضرة والحدائق المنيرة الزاهرة في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة، للسعدي، دار المنهاج، ط: ١، ١٤٢٦ هـ.\nز\n٣١٠. زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه، لـ أ. د. عبد الرزاق العباد البدر، مكتبة دار القلم والكتاب، الرياض، ط: ١٤١٦ هـ.\n٣١١. زاد المسير في علم التفسير، لابن الجوزي، المكتب الإسلامي، بيروت لبنان، ط: ١، ١٣٨٤ هـ.\n٣١٢. زاد المعاد في هدي خير العباد، محمد بن أبي بكر الزرعي بن قيم الجوزية، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ١٣، ١٤٠٦ هـ.\n٣١٣. الزهد والرقائق، عبد الله بن المبارك المروزي، تحقيق: أحمد فريد، دار المعراج الدولية للنشر، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٣١٤. زهرة التفاسير، لمحمد بن أحمد المعروف بأبي زهرة، دار الفكر العربي.\n٣١٥. الزواجر عن اقتراف الكبائر، لأحمد بن حجر الهيثمي، دار الفكر، ط: ١، ١٤٠٧ هـ\n٣١٦. زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه، لعبد الرزاق العباد البدر، مكتبة دار القلم والكتاب، الرياض، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\nس\n٣١٧. السبعينية، لابن تيمية، تحقيق: محمد بن إبراهيم العجلان، مكتبة المعارف، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٣١٨. سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٤، ١٤٠٥ هـ.\n٣١٩. سلك الدرر وأعيان القرن الثاني عشر، لمحمد خليل المرادي، دار البشائر، بيروت، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.","vol":"1","page":614},{"text":"٣٢٠. السنة، أبو بكر بن أبي عاصم وهو أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد ال<span data-type=\"title\" id=toc-640>ش</span>يباني، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، ط: ١، ١٤٠٠ هـ.\n٣٢١. السنة، لأحمد بن محمد الخلال، تحقيق: د. عطية الزهراني، دار الراية، الرياض، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٣٢٢. السنة، لعبد الله بن أحمد بن حنبل، تحقيق: د. محمد بن سعيد القحطاني، رمادي للنشر، الدمام، ط: ٣، ١٤١٦ هـ.\n٣٢٣. سنن ابن ماجه، لمحمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث، القاهرة.\n٣٢٤. سنن أبي داوود، لسليمان بن الأشعث الجستاني، ت: د. عزت الدعاس وآخرين، دار الحدي، بيروت، ط: ١، ١٣٩٤ هـ.\n٣٢٥. سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى الترمذي، تحقيق: أحمد شاكر، دار الفكر، بيروت ١٤٠٨ هـ.\n٣٢٦. سنن الدارمي \"مسند الدارمي\"، عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، تحقيق: نبيل هاشم الغمري، دار البشائر -بيروت، ط: ١، ١٤٣٤ هـ.\n٣٢٧. سنن الكبرى، لأحمد بن الحسين البيهقي، دار المعرفة، بيروت، ١٤١٣ هـ.\n٣٢٨. سنن الله في الأمم من خلال آيات القرآن الكريم، لحسن صالح الحميد، دار الهدي النبوي-مصر، دار الفضيلة-السعودية، ط: ٢، ١٤٣٢ هـ.\n٣٢٩. سنن النسائي، لأحمد بن شعيب النسائي، ترقيم عبد الفتاح أبي غدة، دار البشائر، بيروت، ط: ٣، ١٤٠٩ هـ.\n٣٣٠. سير أعلام النبلاء، لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط مع آخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ٨، ١٤١٢ هـ.\nش\n٣٣١. شذرات الذهب في أخبار من ذهب، \"لابن العماد\" عبد الحي ابن أحمد بن محمد العكري الحنبلي، دار المسير بيروت لبنان، ط: ٢، ١٣٩٩ هـ.\n٣٣٢. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، لهبة الله بن الحسن اللالكائي، تحقيق: د. أحمد سعد حمدان الغامدي، دار طيبة للنشر والتوزيع الرياض، ط: ٢، ١٤١١ هـ.\n٣٣٣. شرح أصول الإيمان، لابن العثيمين، دار الوطن -الرياض، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٣٣٤. شرح الأصبهانية، لابن تيمية، تحقيق: محمد بن عودة السعوي، دار المنهاج، ط: ١، ١٤٣٠ هـ.\n٣٣٥. شرح الأصول الخمسة، للقاضي عبد الجبار بن أحمد، حققه وقدم له: د. عبد الكريم عثمان، طبعة أم القرى للطباعة والنشر مصر، ط: ٢، ١٤٠٨ هـ.\n٣٣٦. شرح السنة، للحسن بن علي البربهاري، تحقيق: خالد بن قاسم الردادي، دار السلف، الرياض، ط: ٣، ١٤٢١ هـ.\n٣٣٧. شرح السنة، للحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: زهير الشاويش وشعيب الأرنؤوط، المكتب الإسلامي بيروت ودمشق، ط: ٢، ١٤٠٣ هـ.\n٣٣٨. شرح العقيدة الطحاوية، لصالح آل الشيخ، تحقيق وعناية: عادل بن محمد رفاعي، مكتبة دار الحجاز ط: ١، ١٤٣٣ هـ.\n٣٣٩. شرح العقيدة السفارينية الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية، لابن عثيمين، مدار الوطن للنشر، ط: ١، ١٤٢٦ هـ.\n٣٤٠. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز، تحقيق ومراجعة جماعة من العلماء، تخريج الألباني، طبعة المكتب الإسلامي، الطبعة التاسعة ١٤٠٨ هـ.\n٣٤١. شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز، حققه: د. عبد الله التركي، وشعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط: ٢، ١٤٢١ هـ.\n٣٤٢. شرح العقيدة الطحاوية، لشيخ عبد الرحمن البراك، دار التدمرية، ط: ١، ١٤٢٩ هـ.\n٣٤٣. شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، دار الثريا، الرياض، ط: ٢، ١٤٢٤ هـ.","vol":"1","page":615},{"text":"٣٤٤. شرح العقيدة الواسطية، للهراس (المتوفى: ١٣٩٥ هـ)، ضبطه نصه وخرج أحاديثه: علوي السقاف، دار الهجرة للنشر والتوزيع الرياض، ط: ١، ١٤١١ هـ.\n٣٤٥. شرح العقيدة الواسطية لابن تيمية، للدكتور صالح الفوزان، دار العاصمة، ١٤٢٥ هـ.\n٣٤٦. شرح القواعد المثلى للعثيمين، مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية، ط: ١، ١٤٣٦ هـ.\n٣٤٧. الشرح الكبير لمختصر الأصول من علم الأصول، لأبي المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي، المكتبة الشاملة -مصر، ط: ١، ١٤٣٢ هـ.\n٣٤٨. شرح المقاصد، سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني، طبعه مطبعه محرم افندي-الهند، سنه ١٩١٧ م.\n٣٤٩. شرح النووي على صحيح مسلم \"المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج\"، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار المعرفة، بيروت، ط: ٨، ١٤٢٢ هـ.\n٣٥٠. شرح أم البراهين، للسنوسي، مطبعة الاستقامة، ط: ١، ١٣٥١ هـ.\n٣٥١. شرح ثلاثة الأصول، للشيخ صالح الفوزان، مؤسسة الرسالة، ط: ١، ١٤٢٧ هـ.\n٣٥٢. شرح ثلاثة الأصول للعثيمين، تحقيق: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، دار الثريا للنشر والتوزيع - الرياض، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٣٥٣. شرح حديث النزول، لاين تيمية، تحقيق: أ. د. محمد الخميس، دار العاصمة، ط: ١.\n٣٥٤. شرح عقيدة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، للشيخ صالح الفوزان، مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط ٢، ١٤٣١ هـ.\n٣٥٥. شرح فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، للشيخ صالح آل الشيخ، مكتبة دار الحجاز ط: ١، ١٤٣٣ هـ.\n٣٥٦. شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، لمحمد بن صالح العثيمين، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان، ومكتبة الرشد بالرياض، ط: ١، ١٤٠٣ هـ.\n٣٥٧. شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، لمحمد بن صالح العثيمين، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان، ومكتبة الرشد بالرياض، ط: ١، ١٤٠٣ هـ.\n٣٥٨. شرح مذاهب أهل السنة ومعرفة شرائع الدين والتمسك بالسنن، عمر بن أحمد بن عثمان شاهين، تحقيق: عادل بن محمد، مؤسسة قرطبة، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٣٥٩. شرح نونية ابن القيم\" كافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية\"، للهراس، دار الكتب العلمية، ط: ٢، ١٤١٥ هـ.\n٣٦٠. الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة، لابن بطة العكبري، تحقيق: رضا نعسان معطي، المكتبة الفيصلية، مكة المكرمة.\n٣٦١. الشرك الأصغر حقيقته وحكمه وأنواعه، عبد الله السليم، والشرك الأكبر حقيقته وحكمه وأنواعه، أسماء السلمان، الشرك وأنواعه، جفري أفندي رسالة ماجستير.\n٣٦٢. الشرك في القديم والحديث لأبي بكر محمد زكريا، مكتبة الرشد، الرياض، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.\n٣٦٣. الشريعة، للآجري، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط: ١، ١٤٠٣ هـ.\n٣٦٤. الشريعة، للآجري، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط: ١، ١٤٠٣ هـ.\n٣٦٥. شعب الإيمان، للبيهقي، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٠ هـ.\n٣٦٦. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم، تحقيق: عمر الحفيان، مكتبة العبيكان، الرياض، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٣٦٧. الشفاعة في الحديث النبوي، لعبد القادر بن مصطفى المحمدي، دار الكتب العلمية، ط: ١، ١٤٢٦ هـ.\n٣٦٨. الشفاعة، لمقبل الوادعي، دار الآثار - صنعاء، ط: ٣، ١٤٢٠ هـ.\n٣٦٩. الشمائل المحمدية للترمذي، تحقيق: سيد بن عباس الجليمي، المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز- مكة المكرمة، ط: ١، ١٤١٣ هـ.","vol":"1","page":616},{"text":"٣٧٠. شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق، ليوسف بن إسماعيل النبهاني، دار الكتب العلمية -بيروت، ٢٠١١ م.\n٣٧١. الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة، لهاشم الحسيني، دار القلم -بيروت، ط: ١، ١٩٧٨ م.\n٣٧٢. الشيعة والسنة، لإحسان إلهي ظهير، إدارة ترجمان السنة - باكستان، ط: ٣، ١٣٩٦ هـ.\n٣٧٣. الشيعة وآل البيت، لإحسان إلاهي ظهير، مكتبة بيت السلام، الرياض، ط: ١، ١٤٢٩ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>ص</span>\n٣٧٤. الصارم المسلول على شاتم الرسول - ﷺ -، لابن تيمية، حققه: محمد عبد الله الحلواني وآخر، دار رمادي للنشر، الدمام، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٣٧٥. الصحاح \"تاج اللغة وصحاح العربية\"، لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين بيروت لبنان، ط: ٢، ١٣٩٩ هـ.\n٣٧٦. صحيح البخاري \"الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه\"، لمحمد إسماعيل البخاري، مراجعة: محمد علي قطب وآخرين، المكتبة العصرية، صيدا بيروت، ط: ٢، ١٤١٨ هـ.\n٣٧٧. صحيح الترغيب والترهيب، الألباني، مكتبة المعارف، ط: ١، ١٤٢١ هـ.\n٣٧٨. صحيح الجامع الصغير وزياداته، للألباني، أشرف على طباعته: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي بيروت، ط: ٢، ١٤٠٦ هـ.\n٣٧٩. صحيح سنن ابن ماجه وضعيف سنن ابن ماجه، الألباني، مكتبة المعارف، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٣٨٠. صحيح سنن أبي داود وضعيف سنن أبي داود، صححه الشيخ الألباني، مكتبة المعارف، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٣٨١. صحيح سنن الترمذي وضعيف سنن الترمذي، العلامة الألباني، مكتبة المعارف، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٣٨٢. صحيح مسلم \"المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ\"، لمسلم بن الحجاج النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، المكتبة الإسلامية، إستانبول.\n٣٨٣. الصراع العقائدي في الأندلس خلال ثمانية قرون بين المسلمين والنصارى، د. خالد بن ناصر الغامدي، مكتبة الكوثر-الرياض، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\n٣٨٤. صراع الملاحدة \"صراع مع الملاحدة حتى العظم\"، لعبد الرحمن الميداني، دار القلم، دمشق، ط: ٥، ١٤١٢ هـ.\n٣٨٥. الصفات الإلهية تعريفها أقسامها، محمد بن خليفة بن علي التميمي، أضواء السلف-الرياض، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.\n٣٨٦. الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه، للدكتور محمد أمان بن علي الجامي (المتوفى: ١٤١٥ هـ)، مطابع الجامعة الإسلامية نشر المجلس العلمي، إحياء التراث الإسلامي بالجامعة، ط: ١، ١٤٠٨ هـ. تراجع\n٣٨٧. الصفدية، لابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، دار الفضيلة، الرياض، ط: ١، ١٤٢١ هـ.\n٣٨٨. الصلاة وحكم تاركها لابن القيم، تحقيق: عبد الله المنشاوي، مكتبة الإيمان -القاهرة.\n٣٨٩. الصواعق الشهابية على الشبه الداحضة الشامية، لسليمان بن سحمان، دار العاصمة-الرياض، ١٤٠٨ هـ.\n٣٩٠. الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة، أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد الله التركي - كامل محمد الخراط، مؤسسة الرسالة - لبنان، ط: ١، ١٤١٧ هـ.\n٣٩١. الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشامية، لسليمان بن سحمان، تحقيق: عبد السلام آل عبد الكريم، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٣٩٢. الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لمحمد بن أبي بكر بن القيم، تحقيق: د. علي الدخيل الله، دار العاصمة، الرياض، ط: ٢، ١٤١٢ هـ.\n٣٩٣. صون المنطق والكلام عن المنطق والكلام، للسيوطي، تحقيق د. علي سامي النشار ود. سعاد علي عبد الرازق، دار النصر للطباعة، القاهرة.","vol":"1","page":617},{"text":"٣٩٤. صيد الخا<span data-type=\"title\" id=toc-643>ط</span>ر،<span data-type=\"title\" id=toc-645> ع</span>بد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، عناية: حسن المساحي سويدان، دار القلم - دمشق، ط: ١، ١٤٢٥ هـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>ض</span>\n٣٩٥. ضعف وضوح الرؤية لحقائق وأحكام الدين أسبابه وطرق علاجه من من<span data-type=\"title\" id=toc-644>ظ</span>ور التربية الإسلامية، د. عبد الرحمن بن سعيد الحازمي، ط ١، ١٤٣١ هـ.\n٣٩٦. ضعيف الجامع وزيادته، الألباني، أشرف على طبعه: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، الطبعة: المجددة والمزيدة والمنقحة.\n٣٩٧. الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، لمحمد السخاوي، دار الكتب الإسلامي، القاهرة.\n٣٩٨. ضوابط استعمال المصطلحات العقدية والفكرية عند أهل السنة والجماعة، د. سعود بن سعد بن نمر العتيبي، مركز التأصيل للدراسات والبحوث - السعودية، ط: ١، ١٤٣٠ هـ.\nط\n٣٩٩. طبقات الحنابلة، لمحمد بن محمد بن أبي يعلى الفراء، تحقيق: محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، مصر ١٣٧١ هـ.\n٤٠٠. طبقات الشافعية الكبرى، لعبد الوهاب بن علي السبكي، تحقيق: عبد الفتاح الحلو وآخرين، دار إحياء الكتب العربية.\n٤٠١. طبقات المعتزلة، لأحمد المرتضي، تحقيق: سُوسَنّة دِيفَلْد - فِلْزَر، دار مكتبة الحياة - بيروت، ١٣٨٠ هـ.\n٤٠٢. طبقات المفسرين، لأحمد بن محمد الأدنروي، تحقيق: سليمان بن صالح الخزي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط: ١، ١٩٩٧ م.\n٤٠٣. طبقات المفسرين، محمد بن علي بن أحمد الداوودي، دار الكتب العلمية، ط: ١، ١٤٠٣ هـ.\n٤٠٤. طبقات النحويين واللغويين، لأبي بكر محمد بن الحسين الزبيدي الأندلسي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف بمصر، القاهرة.\n٤٠٥. طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤٢٣ هـ.\nظ\n٤٠٦. ظاهر الإرجاء في الفكر الإسلامي، د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي، مكتب الطيب، ط: ٢، ١٤١٨ هـ.\nع\n٤٠٧. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة للدكتور عبد الكريم عبيدات، دار اشبيليا، الرياض، ط: ٢، ١٤١٩ هـ.\n٤٠٨. عالم الغيب في الشريعة الإسلامية. د. أحمد الغنيمان، عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية- المدينة المنورة، ط: ١، ١٤٢٥ هـ.\n٤٠٩. عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر، مكتبة الفلاح، ط: ٣، ١٤٠٣ هـ.\n٤١٠. العبادة \"رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله وتحقيق معنى التوحيد والشرك بالله\"، عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، تحقيق: الشبراوي بن أبي المعاطي المصري، دار العاصمة، ط: ١، ١٤٣٢ هـ.\n٤١١. العبودية، لابن تيمية، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٥، ١٣٥٩ هـ.\n٤١٢. العجزة والإعجاز في القرآن، د. سعد الدين السيد صالح، دار المعارف، ط: ٢، ١٩٩٣ م.\n٤١٣. العدة شرح العمدة، عبد الرحمن بن إبراهيم أبو محمد بهاء الدين المقدسي، تحقيق: أحمد بن علي، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢٤ هـ.\n٤١٤. عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، ابن قيم الجوزية، تحقيق: إسماعيل بن غازي مرحبا، مجمع الفقه الإسلامي بجدة، ط: ١، ١٤٢٩ هـ.\n٤١٥. العرش، للذهبي، تحقيق: محمد بن خليفة بن علي التميمي، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط: ٢، ١٤٢٤ هـ.","vol":"1","page":618},{"text":"٤١٦. عشرون حديثًا من صحيح مسلم (ضمن كتب ورسائل عبد المحسن بن حمد العباد البدر)، للشيخ عبد المحسن بن حمد العباد، دار التوحيد للنشر، ط: ١، ١٤٢٨ هـ.\n\n٤١٧. العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين الت<span data-type=\"title\" id=toc-646>غ</span>ريب، لمحمد الناصر، مكتبة الكوثر - الرياض، ط: ٢، ١٤٢٢ هـ.\n٤١٨. عقائد الثلاثة والسبعين فرقة، لأبي محمد اليمني، تحقيق: محمد عبد الله الغامدي، مكتبة العلوم والحكم -المدينة المنورة، ط: ٢، ١٤٢٢ هـ.\n٤١٩. العقائد الباطنية وحكم الإسلام فيها، لصابر طعيمة، مكتبة الثقافة، بيروت، ط: ٢، ١٤١١ هـ.\n٤٢٠. العقلانية هداية أم غواية، لعبد السلام البسيوني، دار الوفاء -مصر، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٤٢١. عقيدة السلف وأصحاب الحديث، لإسماعيل الصابوني، د. ناصر بن عبد الرحمن الجديع، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤٠٦ هـ.\n٤٢٢. العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها والدفاع عنها حتى نهاية العصر الأموي، لعطاء الله المعايطة، رسالة دكتوراه، جامعة أم القرى، دار الأفاق الفكرية، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.\n٤٢٣. عقيدة الدروز عرض ونقد، د. محمد أحمد الخطيب، دار علم الكتب-الرياض، ط: ٣، ١٤٠٩ هـ.\n٤٢٤. عقيدة السلف وأصحاب الحديث، لإسماعيل الصابوني، د. ناصر بن عبد الرحمن الجديع، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤٠٦ هـ.\n٤٢٥. عقيدة الصوفية ووحدة الوجود الخفية، لأحمد بن عبد العزيز القصير، مكتبة الرشد، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.\n٤٢٦. عقيدة المؤمن لأبي بكر الجزائري، مكتبة الكليات الأزهرية، ط: ٢، ١٣٩٨ هـ.\n٤٢٧. العقيدة الواسطية، لابن تيمية، تحقيق: علوي سقاف، الدرر السنية، ط: ١، ١٤٣٣ هـ.\n٤٢٨. عقيدة أهل السنة والجماعة، للعثيمين، الجامعة الإسلامية المدينة المنورة، ط: ٤، ١٤٢٢ هـ.\n٤٢٩. عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي، لصالح العبود، المجلس العلمي في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٤٣٠. علماء الدعوة، لعبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ، مطبعة المدني، مصر، ١٣٨٦ هـ.\n٤٣١. علماء نجد خلال ثمانية قرون، للشيخ عبد الله البسام، دار العاصمة، الرياض، ط: ٢، ١٤١٩ هـ.\n٤٣٢. العلو للعلي الغفار، للذهبي، اعتنى به: أشرف بن عبد المقصود، مكتبة أضواء السلف، الرياض، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٤٣٣. العواصم والقواصم في الذب عن السنة لأبي القاسم، لمحمد بن إبراهيم بن الوزير، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ٢، ١٤١٢ هـ.\nغ\n٤٣٤. غاية المرام في علم الكلام، لعلي بن أبي علي الآمدي، تحقيق: حسن محمد عبد اللطيف، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في جمهورية مصر العربية، ١٣٩١ هـ.\n٤٣٥. غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام، الشيخ الألباني، المكتب الإسلامي، ط: ١، ١٤٠٠ هـ.\n٤٣٦. غريب الحديث \" النهاية في غريب الحديث والأثر\"، لابن الأثير، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى - محمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية - بيروت، ١٣٩٩ هـ.\n٤٣٧. غريب الحديث، أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي، تحقيق: حسين محمد محمد شرف - عبد السلام هارون، المطابع الأميرية، ١٤٠٦ هـ.\n٤٣٨. غريب الحديث، للخطابي، تحقيق: عبد الكريم إبراهيم الغرباوي، طبعة جامعة أم القرى، ١٤٠٢ هـ.\n٤٣٩. الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة، د. عبدالرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط: ١، ١٤١٢ هـ.","vol":"1","page":619},{"text":"٤٤٠. الغلو<span data-type=\"title\" id=toc-647> ف</span>ي الدين: نشأته، موقف الإسلام منه مسائله، د. علي بن عبد العزيز الشبل، دار الشبل-الرياض، ١٤١٧ هـ.\nف\n٤٤١. فاء الضمانة بأداء الأمانة، لمحمد بن يوسف اطفيش، وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان، ١٩٨٧ م.\n٤٤٢. فتاوى ابن عثيمين، جمع وترتيب: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، دار الوطن، ط: الأخيرة، ١٤١٣ هـ.\n٤٤٣. الفتاوى السعدية، للشيخ عبد الرحمن السعدي، مكتبة المعارف، الطبعة الأخيرة، ١٤٠٢ هـ.\n٤٤٤. الفتاوى الكبرى، لابن تيمية، دار الكتب العلمية، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٤٤٥. فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب: محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرزاق الدويش، رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية، الرياض، ط: ٣، ١٤١٩.\n٤٤٦. فتاوى مهمة، لشيخ عبد العزيز بن باز ومحمد بن صالح العثيمين، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٤٤٧. فتاوى نور على الدرب، محمد بن صالح العثيمين، مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية، ط: ١.\n٤٤٨. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، تحقيق: عبد العزيز بن باز، وتصحيح: محب الدين الخطيب، وترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٨٠ هـ.\n٤٤٩. فتح البيان في مقاصد القرآن، صديق حسن خان القنوجي، تحقيق: عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، المكتبة العصرية، ١٤١٢ هـ.\n٤٥٠. فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، طبعة رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، ط: ٤، ١٤٢٢ هـ.\n٤٥١. فتح رب البرية بتلخيص الحموية، لابن عثيمين، مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ط: ٤، ١٤١٠ هـ.\n٤٥٢. الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية، ابن علان، تحقيق: عبد المنعم خليل إبراهيم، در الكتب العلمية، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.\n٤٥٣. الفتوحات المكية، لابن عربي الطائي، تحقيق: د. عثمان يحي، وزارة الثقافية والإعلام بمصر، ١٤٩٢ هـ.\n٤٥٤. الفتوى الحموية الكبرى، المحقق: د. حمد بن عبد المحسن التويجري، دار الصميعي، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٤٥٥. الفرق بين الفرق، لعبد القاهر البغدادي، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت.\n٤٥٦. فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها، غالب بن علي العواجي، المكتبة العصرية الذهبية، ط/٤، ١٤٢٢ هـ.\n٤٥٧. الفرقان بين الحق والباطل، لابن تيمية، ضمن مجموع الفتاوى.\n٤٥٨. الفرقان بين الحق والباطل، لابن تيمية، ضمن مجموع الفتاوى.\n٤٥٩. الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، لابن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن اليحيى، دار طويق للنشر والتوزيع، الرياض، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٤٦٠. الفروع، لمحمد بن مفلح المقدسي، راجعه: عبد الستار أحمد فراج، عالم الكتب، ط: ٤، ١٤٠٥ هـ.\n٤٦١. الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة وآخر، دار الجيل، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n٤٦٢. فصوص الحكم، لابن عربي، علق عليه: أبو العلا عفيفي، دار الكتاب العربي- بيروت.\n٤٦٣. فضائح الباطنية لأبي حامد الغزالي، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، مؤسسة دار الكتب الثقافية، الكويت.\n٤٦٤. الفضائل الأخلاقية، د. أحمد عبد الرحمن إبراهيم، دار الوفاء، القاهرة ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٤٦٥. فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، أبو القاسم البليخي، القاضي عبد الجبار، الحاكم الحشمي، تحقيق: فؤاد سيد، الدار التونسية لنشر-تونس، ١٩٨٦ م.\n٤٦٦. فضل علم السلف على علم الخلف، لابن رجب، تحقيق: محمد بن ناصر العجمي، دار الصميعي، ط: ٢، ١٤٠٦ هـ.\n٤٦٧. فقه السيرة، محمد الغزالي، تحقيق: الألباني، دار الكتب الحديثة، ط: ٦، ١٩٦٥ م.","vol":"1","page":620},{"text":"٤٦٨. الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، لعبد الرحمن عبد الخال<span data-type=\"title\" id=toc-648>ق</span>، مكتبة ابن تيمية، الكويت، ط: ٣، ١٤٠٦ هـ.\n٤٦٩. الفهرست، لابن النديم، تحقيق: إبراهيم رمضان، دار المعرفة بيروت - لبنان، ط: ٣، ١٤١٧ هـ.\n٤٧٠. الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، لأحمد النفراوي، دار الفكر، ١٤١٥ هـ.\n٤٧١. الفوائد، لابن القيم، دار الكتب العلمية - بيروت، ط: ٢، ١٣٩٣ هـ.\n٤٧٢. فيض القدير شرح الجامع الصغير، للعلامة محمد عبد الرؤوف المناوي، دار المعرفة، ط: ٢، ١٣٩١ هـ.\nق\n٤٧٣. القاديانية دراسات وتحليل، لإحسان إليهي ظهير، إدارة ترجمان السنة - باكستان، ط: ١٦، ١٤٠٤ هـ.\n٤٧٤. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، لابن تيمية، تحقيق: د. ربيع المدخلي، مكتبة لينة، مصر، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٤٧٥. قاموس البدع مستخرجات من كتب الإمام العلامة الألباني، صنعه مشهور آل سليمان، وأحمد الشكوكاني، دار الإمام البخاري-قطر، ط: ٦، ١٤٣٢ هـ.\n٤٧٦. القاموس المحيط، لمحمد بن يعقوب الفيروز آبادي، مؤسسة الرسالة بيروت، ط: ٢، ١٤٠٧ هـ. تحقيق: الشيخ يوسف البقاعي\n٤٧٧. القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذهب الناس فيه للدكتور عبد الرحمن المحمود، دار الوطن، الرياض، ط: ٢، ١٤١٨ هـ.\n٤٧٨. القرآن الكريم ومنزلته بين السلف ومخالفيهم دراسة عقدية، محمد هشام بن لعل طاهري البغلاني الأفغاني، تقديم: أ. د. محمد الخميس، دار التوحيد، ط: ١، ١٤٢٦ هـ.\n٤٧٩. القرآنيون وشبهاتهم حول السنة، لخادم حسين بخش، مكتبة الصديق- الطائف، ط: ٢، ٢٠٠٠ م.\n٤٨٠. قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين، عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، دار المغني، ط: ٣، ١٤٢٣ هـ.\n٤٨١. القصد والوسطية في ضوء السنة النبوية، لعبد الواحد الشبريني، مكتبة الرشد، ط: ١، ١٤٣١ هـ.\n٤٨٢. القضاء والقدر في الإسلام، د. فاروق الدسوقي، دار الاعتصام، ١٩٩٦ م.\n٤٨٣. القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذهب الناس فيه، عبد الرحمن بن صالح المحمود، دار الوطن، ط: ٢، ١٤١٨ هـ.\n٤٨٤. قلب الأدلة على الطوائف المضلة في توحيد الربوبية والأسماء والصفات، لتميم القاضي، مكتبة الرشد، ط: ٢، ١٤٣٥ هـ.\n٤٨٥. قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعز بن عبد السلام، راجعه وعلق عليه: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة، دار الكتب العلمية - بيروت، طبعة جديدة مضبوطة منقحة، ١٤١٤ هـ - ١٩٩١ م.\n٤٨٦. القواعد الحسان لتفسير القرآن، لابن سعدي، دار الرشد، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٤٨٧. القواعد الفقهية، د. يعقوب الباحسين، مكتبة الرشد، الرياض، ط ٣، ١٤٢٤ هـ.\n٤٨٨. القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، لابن عثيمين، تحقيق: أشرف بن عبد المقصود، أضواء السلف، الرياض، ١٤١٦ هـ.\n٤٨٩. قواعد في معرفة البدع، لمحمد بن حسين الجيزاني، دار ابن الجوزي، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٤٩٠. القول السديد شرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، دار الوطن، الرياض، ١٤١٢ هـ.\n٤٩١. القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل، للشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف - السعودية، ١٤١٦ هـ.\n٤٩٢. القول الفصل في حكم التوسل بخير الرسل، لإسماعيل الأنصاري، (ضمن رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوي لمجموعة من العلماء)، دار العاصمة، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٤٩٣. القول المقيد على كتاب التوحيد، شرح ابن عثيمين، تحقيق: سليمان بن عبد الله بن حمود أبا الخيل، خالد بن علي بن محمد المشيقح، دار العاصمة، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٤٩٤. القيامة الكبرى، لعمر الأشقر، دار النفائس، ط: ٦، ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":621},{"text":"٤٩٥. ا<span data-type=\"title\" id=toc-650>ل</span>قيروانية \"رسالة أبي زيد القيرواني تعرف بـ الرسالة الفقهية\"، لأبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، الم<span data-type=\"title\" id=toc-649>ك</span>تبة الثقافية-بيروت.\nك\n٤٩٦. الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، لمحمد بن أحمد أبي عبد الله الذهبي الدمشقي، دار الكتب العلمية، ط: ١، ١٤٠٣ هـ.\n٤٩٧. الكافي، للكليني، دار الكتب الإسلامية- طهران-إيران، تحقيق: علي أكبر الغفار، ط: ٥، ١٣٦٣ هـ.\n٤٩٨. الكامل في التاريخ، لابن الأثير، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: ٤، ١٤٠٣ هـ.\n٤٩٩. الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود-علي محمد معوض، وعبد الفتاح أبو سنة، الكتب العلمية - بيروت، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n٥٠٠. كشاف اصطلاح الفنون، لمحمد علي الفاروقي التهانوي، دار صادر، بيروت، لبنان.\n٥٠١. كشاف القناع على متن الإقناع، للبهوتي، مطبعة أنصار السنة المحمدية، القاهرة، ١٣٦٦ هـ.\n٥٠٢. كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة وكيفية مذهبهم وبيان اعتقادهم، لابن أبي الفضائل الحمادي اليمني، تحقيق: محمد عثمان الخشت، مكتبة الساعي.\n٥٠٣. الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث، لبرهان الدين الحلبي، تحقيق: صبحي السامرائي، عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية - بيروت، ط: ١، ١٤٠٧ هـ.\n٥٠٤. كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، لإسماعيل بن محمد العجلوني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: ٣، ١٣٥٢ هـ.\n٥٠٥. كشف الشبهات، لشيخ محمد بن عبد الوهاب، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n٥٠٦. كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس، عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي، تحقيق: عبدالعزيز بن عبدالله الزير آل حمد، دارا العاصمة للنشر والتوزيع.\n٥٠٧. الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي، تحقيق: أبو عبدالله السورقي، إبراهيم حمدي المدني، دار النشر: المكتبة العلمية، المدينة المنورة.\n٥٠٨. كلمة الإخلاص وتحقيق، معناها لابن رجب، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي - بيروت، ط: ٤، ١٣٩٧ هـ.\n٥٠٩. كلمة في تعليل التاريخ، لعمر فروخ، دار العلم للملايين-بيروت، ١٩٧٠ هـ.\n٥١٠. الكليات \"معجم في المصطلحات والفروق اللغوية\"، لأبي البقاء أيوب بن موسى الكفوي، تحقيق: عدنان درويش وآخر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ٢، ١٤١٩ هـ.\n٥١١. الكواشف الجلية عن معاني الواسطية لابن تيمية، لعبد العزيز السلمان، طبعة وقفية ١٧، ١٤١٠ هـ.\n٥١٢. كيف نتعامل مع السنة النبوية معالم وضوابط، يوسف القرضاوي، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، ط: ٥، ١٤١٣ هـ.\nل\n٥١٣. لسان العرب، لمحمد بن مكرم بن منظور، دار صادر، بيروت، ط: ٢، ١٤١٤ هـ.\n٥١٤. لسان الميزان، لابن حجر، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط: ٢، ١٣٩٠ هـ.\n٥١٥. اللطائف الندية في بيان توحيد الربوبية، أ. د. أحمد بن عبدالله الغنيمان، بحث منشور في العدد الثاني من مجلة الدراسات العقدية\n٥١٦. لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، لابن قدامة، شرح: الشيخ ابن عثيمين، مكتبة المعارف، الرياض، ط: ٣، ١٤٠٥ هـ.\n٥١٧. لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقدية الفرقة المرضية، لمحمد السفاريني الحنبلي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٣، ١٤١١ هـ.","vol":"1","page":622},{"text":"٥١٨. لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية في عقيدة أهل الآثار السلفية،<span data-type=\"title\" id=toc-651> م</span>حمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني، تحقيق: عبد الله بن محمد بن سليمان البصيري، دار الرشد، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\nم\n٥١٩. ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ ! لأبي الحسن على الحسني الندوي، دار القلم-دمشق، ط: ٤، ١٤٣١ هـ.\n٥٢٠. ماهية الحضارة وموقع الحضارة الإسلامية، للشيخ عثمان عبد القادر صافي، الندوة العالمية للشباب الإسلامي-الرياض، ط: ٣، ١٣٩٩ هـ.\n٥٢١. المباحث العقدية في حديث افتراق الأمم، لأحمد سردار، عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية- المدينة المنورة، ط: ١، ١٤٣٠ هـ.\n٥٢٢. مباحث العقيدة في سورة الزمر، لناصر علي حسن الشيخ، مكتبة الرشد، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٥٢٣. مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة وموقف الحركات الإسلامية المعاصرة منها، د. ناصر العقل، دار الوطن للنشر، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٥٢٤. المبتدعة وموقف أهل السنة والجماعة منهم لمحمد يسري، حقوق المؤلف، ط: ١، ١٤٢٦ هـ.\n٥٢٥. متشابه القرآن، للقاضي عبد الجبار، تحقيق: د. عدنان محمد زرزور، دار التراث-القاهرة.\n٥٢٦. المجروحين من المحدثين، لابن حبان، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد بن إسماعيل السلفى، دار الصميعي، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٥٢٧. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، لنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، طبعة دار الفكر، بيروت، ١٤١٢ هـ.\n٥٢٨. مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار، جمال الدين الكجراتي (المتوفى: ٩٨٦ هـ)، مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد - الهند، ١٣٨٧ هـ.\n٥٢٩. المجموع شرح المهذب، للنووي، حققه وأكمله: محمد نجيب المطيعي، مكتبة الإرشاد، جدة.\n٥٣٠. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن القاسم وابنه محمد، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، ١٤١٦ هـ.\n٥٣١. مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، جمع وترتيب: فهد السليمان، دار الثريا، الرياض، ط: ٢، ١٤١٤ هـ.\n٥٣٢. مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، عبد العزيز بن عبد الله بن باز، جمع وإشراف: محمد بن سعد الشويعر، دار القاسم للنشر، ١٤٢٠ هـ\n٥٣٣. مجموعة رسائل ابن رجب الحنبلي، جمع: أبو عادل العزازي، طبعة مكتبة التربية الإسلامية لإحياء التراث الإسلامي مصر، ط ١، ١٣١٢ هـ.\n٥٣٤. مجموعة ملفات الشيخ عبد الرزاق عفيفي، عبارة عن أوراق بعضها مخطوط والبعض الآخر مطبوع، قمت بترتيبها وترقيمها؛ لأنه كان موضوع رسالتي لمرحلة الماجستير.\n٥٣٥. محاسن التأويل، لجمال القاسمي، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، عيسى البابي الحلبي، مصر.\n٥٣٦. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز \"تفسير ابن عطية\"، لأبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية، دار ابن حزم، طبعة جديدة منقحة ومرتبة.\n٥٣٧. المحكم والمحيط الأعظم لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية - بيروت، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٥٣٨. مختار الصحاح، لمحمد بن أبي بكر الرازي، مكتبة لبنان، بيروت، ١٩٨٦ م.\n٥٣٩. مختصر الأسئلة والأجوبة على العقيدة الواسطية، لعبد العزيز السلمان، الناشر: غير معروف، الرياض، المملكة العربية السعودية، وقف لله تعالى، ط: ١٠، ١٤١٠ هـ.","vol":"1","page":623},{"text":"٥٤٠. مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم، اختصره: محمد ابن الموصلي، تحقيق: سيد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٥٤١. مختصر العلو للعلي الغفار، للذهبي، تحقيق واختصار، الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٢، ١٤١٣ هـ.\n٥٤٢. مختصر تاريخ الإباضية، لسليمان الباروني، مكتبة الاستقامة، تونس، ط: ٢.\n٥٤٣. مختصر عن إيثار الحق على الخلق، لابن الوزير، دار الكتب العلمية، ط: ٢، ١٤٠٧ هـ.\n٥٤٤. المختصر في أصول الدين (ضمن رسائل العدل والتوحيد)، للقاضي عبد الجبار، تحقيق: محمد عمارة، ط: ٢، دار الشروق-مصر، ١٩٨٨ م.\n٥٤٥. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الفكر، بيروت، ١٤١٢ هـ.\n٥٤٦. مدارك التنزيل وحقائق التأويل \"تفسير النسفي\"، عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي أبو البركات، تحقيق: يوسف علي بديوي - محي الدين ديب مستو، دار الكلم الطيب، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٥٤٧. المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية، د. إبراهيم البريكان، دار السنة في الخبر، ودار ابن عفان في القاهرة، ط: ٥، ١٤١٨ هـ.\n٥٤٨. مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية، د. عثمان جمعة ضميرية، مكتبة السوادي للتوزيع، ط: ٣، ١٤٢٠ هـ.\n٥٤٩. المدخل لدراسة القرآن الكريم، لمحمد أبو شيبة، القاهرة، الحديثة للطباعة، ١٣٩٣ هـ.\n٥٥٠. المدخل لدراسة القرآن الكريم، لمحمد أبو شيبة، القاهرة، الحديثة للطباعة، ١٣٩٣ هـ.\n٥٥١. المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها، د. غالب بن علي عواجي، المكتبة العصرية الذهبية، جدة، ط: ١، ١٤٢٧ هـ.\n٥٥٢. مروج الذهب ومعادن الجوهر في التاريخ، للمسعودي، المطبعة البهية المصرية، ١٣٤٦ هـ.\n٥٥٣. مسألة الإيمان، د. علي الشبل، دار إيلاف الدولية، ١٤٢٧ هـ / ٢٠٠٦ م.\n٥٥٤. مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة، د. ناصر القفاري، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط: ٢، ١٤١٣ هـ.\n٥٥٥. مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري، إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، ط: ١، ١٤٠٠ هـ.\n٥٥٦. المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع، عدد من الباحثين: خالد بن مسعود الجعيد، على جابر العلياني، ناصر حمدان الجهني، دار الهدى النبوي-مصر، دار الفضيلة-السعودية، ط: ١، ١٤٢٨ هـ.\n٥٥٧. المسائل العقدية المتعلقة بالتعظيم، عبد المجيد بن ابراهيم بن مويس بن هليل العوفي، رسالة دكتوراه الجامعة الإسلامية-المدينة المنورة.\n٥٥٨. المسائل العقدية المتعلقة بالحسنات والسيئات جمعا ودراسة، للدكتور صالح سندي، دار اللؤلؤة، ط: ١، ١٤٣٥ هـ.\n٥٥٩. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة، لعبد الإله بن سلمان الأحمدي، دار طيبة، الرياض، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٥٦٠. المستدرك على الصحيحين، للحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١١ هـ.\n٥٦١. مسند الإمام أحمد، تحقيق وشرح: أحمد شاكر، دار المعارف، مصر، ط: ٤، ١٣٧٣ هـ، وأخرى بتحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ٢، ١٤٢٠ هـ.\n٥٦٢. المسودة في أصول الفقه، لآل تيمية، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني، القاهرة.\n٥٦٣. مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي (المتوفى: ٥٤٤ هـ)، دار التراث، طباعة المكتبة العتيقة.","vol":"1","page":624},{"text":"٥٦٤. مشارق أنوار العقول، لعبد الحميد حميد السالمي، دار الجيل تحقيق عبد الرحمن عميرة، تعليق لأحمد الخليلي، دار الجيل ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٥٦٥. مشكاة الأنوار، لأبي حامد الغزالي، تحقيق: د. أبو العلا عفيفي، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة.\n٥٦٦. مشكاة المصابيح، الخطيب التبريزي، تحقيق: الألباني، المكتب الإسلامي، ط: ٢، ١٣٩٩ هـ.\n٥٦٧. مشكلة الغلو في الدين في العصر الحاضر: الأسباب -الآثار- العلاج، د. عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، لبنان، ط ٢، ١٤٢٠ هـ.\n٥٦٨. المصادر العامة للتلقي عند الصوفية عرضا ونقدا، لصادق سليم صادق، رسالة ماجستير من الجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n٥٦٩. مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام\n٥٧٠. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، لأحمد الفيُّومي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٥٧١. مصرع التصوف، لبرهان الدين البقاعي، تحقيق: عبد الرحمن الوكيل، عباس أحمد الباز، مكة المكرمة، ١٤٠٠ هـ.\n٥٧٢. المصنف، لعبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقديم وضبط: كمال يوسف الحوت، دار التاج بيروت، ط: ١، ١٤٠٩ هـ.\n٥٧٣. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، للحافظ بن أحمد حكمي، تحقيق: عمر بن محمود أبي عمر، دار ابن القيم، المملكة العربية السعودية، الدمام، ط: ٢، ١٤١٣ هـ.\n٥٧٤. معارج القدس في مدارج معرفه النفس، للغزالي، دار الآفاق الجديدة - بيروت، ط: ٢، ١٩٧٥ م.\n٥٧٥. المعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع لحامد بن محمد المصلح، مكتبة الضياء، ط ٣، ١٤١٢ هـ، ١٩٩٢ م.\n٥٧٦. معالم السنن شرح سنن أبي داود، لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، عناية: الأستاذ: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٦ هـ.\n٥٧٧. معاني القرآن وإعرابه، للزجاج، تحقيق: عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب - بيروت، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٥٧٨. معايير الوسطية وضوابطها بين الواقع والتطلعات، د. حامد محمد عثمان، طبعة موسوعة أبحاث الوسطية، كرسي الأمير سلطان بن عبد العزيز للدراسات الإسلامية المعاصرة، الرياض ١٤٣١ هـ.\n٥٧٩. معترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي، دار الكتب العلمية - بيروت، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٥٨٠. المعتزلة، وأصولهم الخمسة، وموقف أهل السنة منها د. عواد بن عبد الله المعتق، مكتبة الرشد، الرياض، ط: ٢، ١٤١٦ هـ.\n٥٨١. معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، د. محمد خليفة التميمي، أضواء السلف، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٥٨٢. معجم اصطلاحات الصوفية، عبد الرزاق الكاشاني، تحقيق: د. عبد العال شاهين، دار المنار، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٥٨٣. المعجم الأوسط، الطبراني، تحقق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين - القاهرة.\n٥٨٤. معجم ألفاظ العقيدة لأبي عبد الله عامر عبد الله فالح، مكتبة العبيكان، ط: ٢، ١٤٢٠ هـ.\n٥٨٥. المعجم الفلسفي، لجميل صليبا، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ١٩٧٨ م.\n٥٨٦. المعجم الكبير، لسليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: حمدي السلفي، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بالعراق، ط: ٢.\n٥٨٧. معجم المناهي اللفظية، لبكر بن عبد الله أبو زيد، دار العاصمة، الرياض، ط: ٢.\n٥٨٨. معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٥٨٩. المعجم الوسيط لعدة مؤلفين لإبراهيم مصطفى وآخرين، عن: مجمع اللغة العربية، المكتبة الإسلامية.\n٥٩٠. معجم ديوان الأدب، لأبي إبراهيم إسحاق الفارابي، تحقيق: دكتور أحمد مختار عمر، مؤسسة دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر، القاهرة، ١٤٢٤ هـ.\n٥٩١. معجم مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، دار القلم - الدار الشامية، ١٤٣٠ هـ.","vol":"1","page":625},{"text":"٥٩٢. معجم مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس، تحقيق: د. شهاب الدين أبي عمرو، دار الفكر، بيروت، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٥٩٣. معيد النعم ومبيد النقم، للسبكي، مؤسسة الكتب الثقافية، ط: ١، ١٤٠٧ هـ.\n٥٩٤. المغني في أبواب العدل والتوحيد والإنصاف، القاضي عبدالجبار بن أحمد، الشركة العربية -مصر، الطبعة: الأولى، ١٣٨٠ هـ.\n٥٩٥. مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير \"تفسير الرازي\"، فخر الدين الرازي، دار الكتب العلمية-ببيروت، ١٤٢٥ هـ.\n٥٩٦. مفاهيم القرآن، جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق ﵇، ط: ٥، ١٤٣٠ هـ.\n٥٩٧. مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، لابن القيم، تحقيق: علي بن حسن عبد الحميد الحلبي، دار ابن عفان الخبر، المملكة العربية السعودية، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٥٩٨. مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصبهاني، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٣٩٢ هـ.\n٥٩٩. المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دار القلم، الدار الشامية - دمشق بيروت، ط: ١، ١٤١٢ هـ.\n٦٠٠. المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات، د. محمد بن عبد الرحمن المغراوي، دار المنار، الخرج، المملكة العربية السعودية.\n٦٠١. مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الأول ٢٧٩ - ٣٢٩)، تحقيق: إسماعيل الأنصاري، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالرياض.\n٦٠٢. المفيد في مهمات التوحيد، أ. د. عبد القادر بن محمد عطا صوفي، دار الإعلام، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.\n٦٠٣. مقارنة الأديان، أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية، ط: ٨، ١٩٨٨ هـ.\n٦٠٤. مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، لأبي حسن الأشعري، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، ١٤١١ هـ.\n٦٠٥. مقالة التعطيل والجعد بن درهم، أ. د. محمد خليفة التميمي، أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n٦٠٦. مقدمة ابن خلدون، لعبد الرحمن بن خلدون، دار القلم، بيروت، ط: ٥، ١٩٨٤ م.\n٦٠٧. مقدمة الصحاح، لأحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين-بيروت، ١٤٠٤ هـ.\n٦٠٨. المقولات التي أبطلها القرآن ومنهجه في إبطالها دراسة تأصيلية موضوعية، د. وليد عبد المحسن العمري، كرسي القرآن الكريم وعلومه، جامعة الملك سعود، ط: ١، ١٤٣٦ هـ.\n٦٠٩. الملخص في شرح كتاب التوحيد، صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، دار العاصمة، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.\n٦١٠. الملل والنحل، لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق: محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، ط: ٣.\n٦١١. من قضايا التوراة دراسة وتحليل، للدكتور محمد شلبي شتوري، دار السحاب.\n٦١٢. منار السبيل في شرح الدليل، ابن ضويان، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، ط: ٧، ١٤٠٩ هـ.\n٦١٣. المنار المنيف في الصحيح والضعيف، لابن القيم، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط: ١، ١٣٩٠ هـ.\n٦١٤. المنار في علوم القرآن مع مدخل في أصول التفسير ومصادره، الدكتور محمد علي الحسن، مؤسسة الرسالة- بيروت، ط: ١، ١٤٢١ هـ.\n٦١٥. مناقب الإمام أحمد، لابن الجوزي، تحقيق: معالي د. عبد الله التركي، وعلي محمد عمر، مكتبة الخانجي بمصر، ط: ١، ١٣٩٩ هـ.\n٦١٦. المنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال وهو مختصر منهاج السنة لابن تيمية للذهبي، تحقيق: محب الدين الخطيب، الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - السعودية، ط: ٣، ١٤١٣ هـ.","vol":"1","page":626},{"text":"٦١٧. المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال، لأبي حامد الغزالي، تحقيق: جميل صليبا وكامل عياد، دار الأندلس - جدة.\n٦١٨. منهاج السنة النبوية لابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ط: ١، ١٤٠٦ هـ.\n٦١٩. المنهاج في شعب الإيمان، للحليمي، تحقيق: حلمي محمد فودة، دار الفكر، ط: ١، ١٣٩٩ هـ.\n٦٢٠. منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف، أ. د. علي الشهراني، بيت الأفكار الدولية، ٢٠٠٥ م.\n٦٢١. منهج الإمام ابن أبي العز الحنفي وآراؤه في العقيدة من خلال شرحه للطحاوية، لعبد الله الحافي، دار ابن الجوزي، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.\n٦٢٢. منهج الحافظ ابن حجر العسقلاني في العقيدة من خلال كتابه (فتح الباري)، لمحمد كندو، دار الرشد-الرياض، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٦٢٣. منهج الحافظ ابن رجب الحنبلي في العقيدة، د. علي الشبل، دار العاصمة، ط: ١، ١٤٢١ هـ.\n٦٢٤. منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة، لتامر محمد محمود متولي، ط: ١، ١٤٢٥ هـ.\n٦٢٥. منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام، د. حمود بن أحمد بن فرج الرحيلي، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.\n٦٢٦. منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير، لفهد بن عبد الرحمن الرومي، مؤسسة الرسالة، ط: ٢، ١٤٠٣ هـ.\n٦٢٧. منهج الوسطية في التشريع الإسلامي وأثره في الوقاية من ظاهرة الغلو والتكفير، د. نور الدين بو حمزة المنشور في السجل العلمي لمؤتمر ظاهرة التكفير المجلد التاسع.\n٦٢٨. منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير عقيدة التوحيد، للبريكان، دار ابن القيم-الرياض، دار ابن عفان-القاهرة، ط: ١، ١٤٢٥ هـ.\n٦٢٩. منهج علماء الحديث والسنة في أصول الدين، د. مصطفى محمد حلمي، دار الكتب العلمية، ط: ١، ١٤٢٦ هـ.\n٦٣٠. المنهج في استنباط النوازل د. وائل الهويريني، مكتبة الرشد، الرياض، ط ١، ١٤٣٠ هـ.\n٦٣١. الموافقات في أصول الفقه، لأبي إسحاق الشاطبي، شرحه الشيخ: عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١١ هـ.\n٦٣٢. المواقف في علم الكلام، لمفيد الدين عبدالرحمن بن أحمد الإيجي، عالم الكتب، بيروت.\n٦٣٣. الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة، للشيخين د. ناصر القفاري، أ. د. ناصر العقل، دار الصميعي للنشر والتوزيع، ط: ١، ١٤١٣ هـ.\n٦٣٤. الموحدون الدروز وأصولهم، لأمين محمد طليع، دار الأندلس-بيروت، ١٩٦١ م.\n٦٣٥. المورد في عمل المولد (مطبوع ضمن: رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوي)، للفاكهاني، تحقيق: علي بن حسن بن عبد الحميد، دار العاصمة - الرياض، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٦٣٦. الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت، (الأجزاء ١ - ٢٣: الطبعة الثانية، دار السلاسل - الكويت)، (الأجزاء ٢٤ - ٣٨: الطبعة الأولى، مطابع دار الصفوة - مصر)، (الأجزاء ٣٩ - ٤٥: الطبعة الثانية، طبع الوزارة).\n٦٣٧. الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، للدكتور مانع الجهني نشر الندوة العالمية، دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض، ط: ٥، ١٤٢٤ هـ.\n٦٣٨. موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية، محمد بن عبد الرحمن المغراوي، المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع، القاهرة - مصر، النبلاء للكتاب، مراكش - المغرب، ط: الأولى.\n٦٣٩. موسوعة نضرة النعيم، إعداد مجموعة من المتخصصين بإشراف: الشيخ صالح بن حميد، عبد الرحمن بن ملوح، دار الوسيلة للنشر والتوزيع، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n٦٤٠. الموطأ للإمام مالك، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، مصطفى، البابي الحلبي، القاهرة.","vol":"1","page":627},{"text":"٦٤١. موقف اب<span data-type=\"title\" id=toc-652>ن </span>تيمي<span data-type=\"title\" id=toc-653>ة </span>من الأشاعرة، للدكتور عبد الرحمن المحمود، مكتبة الرشد، الرياض، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٦٤٢. موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص الشرعي، سعد بن بجاد العتيبي، مركز الفكر المعاصر - الرياض، ط: ١، ١٤٣١ هـ.\n٦٤٣. موقف الاتجاه العقلي الإسلامي المعاصر من قضايا الولاء والبراء، لمضاوي البسام، دار الهدي النبوي-مصر، دار الفضيلة-السعودية، ط: ١، ١٤٣٢ هـ.\n٦٤٤. موقف العقل والعلم والعالم، مصطفى صبري، دار التربية، ط: ١، ١٤٢٧ هـ.\n٦٤٥. موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة عرضًا ونقدًا، د. سليمان الغصن، دار العاصمة، الرياض، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٦٤٦. موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع، أ. د. إبراهيم الرحيلي، مكتبة العلوم والحكم، ط: ١، ١٤٢٣ هـ.\n٦٤٧. موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من آراء الفلاسفة ومنهجه في عرضها، د. صالح الغامدي، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.\n٦٤٨. ميزان الاعتدال في نقد الرجال، للذهبي، تحقيق: علي محمد معوض وآخرين، دار الكتب العلمية، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\nن\n٦٤٩. النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن، د. عبد الله دراز، دار القلم، الكويت، ط: ٦، ١٤٠٥ هـ.\n٦٥٠. النبوات، لابن تيمية، تحقيق: د. عبد العزيز الطويان، أضواء السلف، الرياض، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\n٦٥١. نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ﷺ، إعداد مجموعة من المتخصصين بإشراف: الشيخ صالح بن حميد، عبد الرحمن بن ملوح، دار الوسيلة للنشر والتوزيع، ط: ١، ١٤١٨ هـ.\n٦٥٢. نظرات في القرآن، لمحمد الغزالي، دار نهضة مصر، ط: ١، ١٩٦٣ م.\n٦٥٣. النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها، د. حسن الأسمري، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، ط: ١، ١٤٣٣ هـ.\n٦٥٤. النفي في باب صفات الله - ﷿ -، أرزقي سعيداني، مكتبة دار المنهاج-الرياض، ط: ١، ١٤٢٦ هـ.\n٦٥٥. نقد المنطق، ابن تيمية، مطبعة السنة المحمدية، ط: ١، ١٣٧٠ هـ.\n٦٥٦. نكت القرآن الدالة على البيان، لمحمد على القصاب، دار ابن القيم - دار ابن عفان، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.\n٦٥٧. النكت والعيون \"تفسير الماوردي\"، أبو الحسن الماوردي، تحقيق: السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية - مؤسسة الكتب الثقافية.\n٦٥٨. النهاية في غريب الحديث والأثر، لمجد الدين المبارك بن محمد بن الأثير، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، وآخرين، دار الفكر، بيروت.\n٦٥٩. النهاية في الملاحم والفتن، لابن كثير، تحقيق: طه الزيني، دار الكتب الحديثة، مصر، ط: ١.\n٦٦٠. نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول، للحكيم الترمذي، تحقيق: إسماعيل إبراهيم متولي عوض، مكتبة الإمام البخاري، ط: ١.\n٦٦١. نواقض الإيمان الاعتقادية، للدكتور محمد الوهيبي، دار المسلم، الرياض، ط: ١، ١٤١٦ هـ.\n٦٦٢. نواقض الإيمان القولية والعملية، للدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف، دار الوطن، الرياض، ط: ١، ١٤١٤ هـ.\n٦٦٣. نور السنة وظلمات البدعة في ضوء الكتاب والسنة، د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني، ط: ١، ١٤٢٠ هـ.\nهـ\n٦٦٤. هذه مفاهيمنا، للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.","vol":"1","page":628},{"text":"٦٦٥. هذه ه<span data-type=\"title\" id=toc-655>ي </span>الص<span data-type=\"title\" id=toc-654>و</span>فية، لعبدالرحمن الوكيل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ٤.\n٦٦٦. هجر المبتدع، للشيخ بكر أبو زيد، دار ابن الجوزي.\nو٦٦٧. الواسطة بين الحق والخلق، لابن تيمية، تحقيق: محمد بن جميل زينو، مطابع الجامعة الإسلامية، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، ط: ١.\n٦٦٨. الوافي بالوفيات، للصفدي، عناية: رمزي بعلبكي، دار النشر فانز شتايز، شتوتغارت، ط: ٢، ١٤١١ هـ.\n٦٦٩. البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان، عباس بن منصور التريني السكسكي، تحقيق بسام سلامة علي العموش، مكتبة المنار -الأردن، الطبعة الثانية ١٤١٧ هـ.\n٦٧٠. الوحي المحمدي، محمد رشيد رضا، مؤسسة العز الدين، ط: ٣، ١٤٠٦ هـ.\n٦٧١. الوسطية العربية، مذاهب وتطبيق، د. عبد الحميد إبراهيم، دار المعارف، ط: ١، ١٤٩١ هـ.\n٦٧٢. الوسطية العربية، مذاهب وتطبيق، د. عبد الحميد إبراهيم، ط. دار المعارف، القاهرة ١٩٨٠ م.\n٦٧٣. وسطية أهل السنة بين الفرق، د. محمد باكريم محمد با عبد الله، دار الراية، ط: ١، ١٤١٥ هـ.\n٦٧٤. الوسطية في الإسلام تعريف وتطبيق لـ د. زيد بن عبد الكريم الزيد، دار العاصمة، ط ١، ١٤١٢ هـ.\n٦٧٥. الوسطية في الإسلام مفهومها وضوابطها وتطبيقاتها، لفريد محمد هادي عبد القادر، رسالة ماجستير ١٤١٠ هـ، غير مطبوعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n٦٧٦. الوسطية في الإسلام وأثرها في الوقاية من الجريمة، رسالة ماجستير لـ عبد العزيز عثمان شيخ محمد، رسالة ماجستير، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، ١٤٠٩ هـ.\n٦٧٧. الوسطية في القرآن الكريم، للصلابي، دار ابن كثير-دمشق، بيروت، ط: ١، ١٤٣١ هـ.\n٦٧٨. الوسطية والاعتدال من أجل استراتيجية لاستيعاب فكرة الغلو والتطرف، للدكتور محمد يتيم، بالاشتراك مع صناعة الفكر للدراسات والتدريب-شيكاغو، الناشر: مؤسسة الانتشار العربي، ط: ١، ٢٠١١ م.\n٦٧٩. الوصية الكبرى \"رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أتباع عدي بن مسافر الأموي\"، لابن تيمية، تحقيق: محمد عبد الله النمر - جمعة عثمان ضميرية، مكتبة الصديق - الطائف، ط: ١، ١٤٠٨ هـ.\n٦٨٠. وفاء الضمانة بأداء الأمانة، لمحمد بن يوسف أطفيش تـ (١٣٣٢ هـ)، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ١٩٨٦ م.\n٦٨١. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لأبي العباس أحمد بن خلكان، تحقيق: د. يوسف علي الطويل، ومريم قاسم الطويل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٩ هـ.\n٦٨٢. وكل بدعة ضلالة، لمحمد الريسوني تحقيق الجماز، مكتبة دار المنهاج-الرياض، ط: ١، ١٤٢٥ هـ.\nي\n٦٨٣. اليوم الآخر القيامة الكبرى لعمر الأشقر، دار النفائس، ط: ٦، ١٤١٥ هـ.\n٦٨٤. اليوم الآخر بين اليهودية والمسيحية والإسلام، لفرج الله عبد الباري، دار الآفاق العربية، ٢٠٠٤ م.\n٦٨٥. اليوم الآخر في ظلال القرآن، د. أحمد فايز الحمصي، الشركة المتحدة للنشر والتوزيع، ط: ٢، ٢٠٠٠ م.\n٦٨٦. اليهودية، للدكتور أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط: ٧، ١٩٨٤ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>المجلات والتسجيلات والمؤتمرات:</span>","vol":"1","page":629},{"text":"٦٨٧. مؤتمر ظاهرة التكفير المجلد التاسع، (منهج الوسطية في التشريع الإسلامي وأثره في الوقاية من ظاهرة الغلو والتكفير، د. نور الدين بو حمزة).\n٦٨٨. بحوث مؤتمر الإرهاب: بين تطرف الفكر وفكر التطرف، الجامعة الإسلامية - بالمدينة النبوية، ١٤٣١ هـ، (الغلو في الدين ومجاوزة الوسطية د. عبد القادر صوفي).\n٦٨٩. بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو، المحور الأول: الوسطية والاعتدال في القرآن والسنة، (مفهوم الوسطية والاعتدال، ومظاهر الوسطية في الإسلام د. سليمان بن إبراهيم العايد).\n٦٩٠. مجلة الأصول والنوازل العدد (١)، (طرق معرفة الوسطية الشرعية، د. غازي العتيبي مجلة الأصول والنوازل).\n٦٩١. مجلة البحوث الإسلامية الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض العدد (٨٠). (الفتوى وأثرها في حماية المعتقد وتحقيق الوسطية، د. فهد بن سعد الجهني).\n٦٩٢. مجلة البحوث الإسلامية العدد ٤١، (أصحاب الحقيقة من أنواع المتصوفة).\n٦٩٣. مجلة البحوث الإسلامية عدد (٩١)، (دراسة لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، أ. د. محمد عبد الرحمن أبو سيف الجهني).\n٦٩٤. مجلة البحوث الإسلامية: العدد (٧٩)، (العقل تعريفه، منزلته، مجالاته، ومداركه، أ. د. عبد القادر بن محمد عطا صوفي).\n٦٩٥. مجلة البحوث الفقهية المعاصرة العدد العشرون ١٤١٤ هـ.\n٦٩٦. مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (عدد ٤٩)، (البدع وأثرها في انحراف التصور الإسلامي، صالح سعد السحيمي).\n٦٩٧. مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، السنة الخامسة، العدد الرابع، ربيع ثاني ١٣٩٣ هـ. (الأسماء والصفات نقلًا وعقلًا، للشنقيطي)\n٦٩٨. مجلة الجامعة الإسلامية عدد (١٢٠)، (قول فلاسفة اليونان الوثنيين في توحيد الربوبية، أ. د. سعود الخلف).\n٦٩٩. مجلة الجامعة الإسلامية عدد (١٤٠)، (الوسط ومظاهر الوسطية في القرآن الكريم، د. الحسن بن خلوي الموكلي).\n٧٠٠. مجلة الحكمة، العدد الأول، رسالة في الكلام على الصفات (مسألة في الصفات، الخطيب البغدادي، تحقيق: عبدالله بن يوسف الجديع).\n٧٠١. مجلة الدراسات العقدية، العدد (٣)، (موقف فرق الباطنية من اليوم الآخر، أ. د. عبد القادر عطا).\n٧٠٢. مجلة العربي عدد: (٢٧٩)، (التطرف غير الجريمة، لكمال أبو المجد).\n٧٠٣. مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد ١٠، (العصرانية في حياتنا الاجتماعية، د. عبد الرحمن بن فريد الزنيدي).\n٧٠٤. مجلة كلية دار العلوم جامعة القاهرة، (التيار العقلي لدى المعتزلة، د. سهل بن رفاع العتيبي).\n٧٠٥. مؤتمر الإرهاب بين تطرف الفكر وفكر التطرف - الجامعة الإسلامية ١٤٣٠ هـ، (الافتراق بين وسطية الإسلام وظاهرة الغلو الديني، أ. د. فؤاد البعداني).\n٧٠٦. مؤتمر الإرهاب بين تطرف الفكر وفكر التطرف - الجامعة الإسلامية ١٤٣٠ هـ، (الغلو في الدين ومجاوزة الوسطية، أ. د. إبراهيم الهويمل).\n٧٠٧. مؤتمر الإرهاب والوسطية بالجامعة الإسلامية، (ظاهرة الإرهاب والتطرف، أ. د. بدر البدر).\n٧٠٨. مؤتمر الإرهاب، (الجهل بالدين وسوء الفهم للنصوص الشرعية واتباع المتشابه منها د. حصة الصغير، د. هناء الزمزمي).\n٧٠٩. مؤتمر الوسطية مختارات من فكر الوسطية، (الوسطية منهج استراتيجي للأمة، المهندس مروان الفاعوري).\n٧١٠. مؤتمر الوسطية، مختارات من فكر الوسطية، (تيار الوسطية للدكتور سعد الدين العثماني).\n٧١١. مؤتمر خطر الروايات الواهية على الإسلام، (جهود العلماء في الدفاع عن السنة والكشف عن الروايات الواهية أ. د. علي عبد الباسط مزيد).","vol":"1","page":630},{"text":"٧١٢. مؤتمر ظاهرة التكفير جامعة الإمام محمد بن سعود، (الغلو وأثره في ظاهرة التكفير، لجمال محمد السيد عبد الحميد).\n٧١٣. مؤتمر ظاهرة التكفير، (التحذير من الغلو في ضوء القرآن والسنة، أ. د. بدر بن ناصر البدر).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>مواقع الشبكة العنكبوتية:</span>\n٧١٤. موقع:\nhttp://longtweetsplitter.com/tweet/97467? mobileView=١ longtweetsplitter.com\n(مفهوم الفكر الإسلامي، بقلم د. إسحاق بن عبد الله السعدي، عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالرياض).\n٧١٥. موقع: www.assakina.com، (أسباب الانحراف في الولاء والبراء، للدكتور عصام السناني).\n٧١٦. موقع الألوكة: www.alukah.net، (تحمل المسؤولية سر الحياة وعنوان التقدم)، (الوسطية بين دلالات النصوص وغايات الوسطية في الوحيين، الشيخ فيصل قزاز الجاسم).\n٧١٧. موقع: www.al-shia.org، (السنة وكيفية الاستفادة منها).\n٧١٨. موقع: www.ikhwanwiki.com، www.habous.gov.ma، (مسؤولية الفردية في الإسلام).\n٧١٩. موقع: drsabrikhalil.wordpress.com، (مفهوم الوسطية: ضوابطه المنهجية وتطبيقاته العملية، د. صبري محمد خليل خيري).\n٧٢٠. موقع: uqu.edu.sa، (نبذة مختصرة عن بعض المؤلفات في البدعة ونقدها لفهد محمد القرشي).\n٧٢١. موقع: ijtehadat.com (طريق النجاة من شر الغلاة، لحيدر علي قملدران).\n٧٢٢. موقع إسلام ويب: articles.islamweb.net، (ومن يعمل من الصالحات).\n٧٢٣. موقع شبكة الإسلام: (بدع الاعتقاد النشأة والتاريخ).\n٧٢٤. موقع: www.alifta.net، (ثمرات الإيمان بالله واليوم الآخر، للشيخ الغزالي).\n٧٢٥. موقع: shiastudies.net، (أهمية العمل في الإسلام، لباقر شريف القرشي).\n٧٢٦. موقع: saaid.net، (حكم الاحتفال بالمولد النبوي والرد على من أجازه، لمحمد بن إبراهيم).\n٧٢٧. دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية: www.islamweb.net، (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، للغنيمان).\n٧٢٨. موقع ملتقى أهل الحديث: ahlalhadeeth.com، (طرق أهل الباطل في نشر الخرافة، د. إبراهيم بن محمد بن عبد الله البريكان).\n٧٢٩. موقع ابن باز www.binbaz.org.sa، (العقيدة الصحيحة وما يضادها لابن باز).\n٧٣٠. موقع صيد الفوائد: saaid.net، (الغلو مفهومة وحقيقته وصوره وأسبابه وعلاجه، لعبد الله بن محمد الغليفي).\n٧٣١. موقع ملتقى أهل التفسير: vb.tafsir.net، (نقد ما يسمى بالإعجاز العلمي للقرآن، د. مساعد الطيار).\n٧٣٢. موقع: islamhouse.com، (الهوى وأثره في الخلاف، محاضرة للشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان).\n٧٣٣. موقع: www.almoslim.net، (الوسطية في ضوء القرآن الكريم، د. ناصر العمر).\n\nبترقيم المكتبة الشاملة آليًا:\n٧٣٤. شرح التدمرية، أ. د. ناصر العقل.\n٧٣٥. شرح الطحاوية، أ. د. ناصر العقل \"مفرغ\".","vol":"1","page":631},{"text":"٧٣٦. شرح الواسطية، للشيخ يوسف الغفيص، دروس صوتية مفرغة على المكتبة الشاملة.\n٧٣٧. شرح كشف الشبهات للحازمي، درس مفرغ.\n٧٣٨. موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة.","vol":"1","page":632}]}