{"ً":{"ٌ":1474,"ٍ":"جمع السبائك لأحكام المناسك","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/drrmdn/gsahmnsk.pdf"]},"ّ":"الكتاب: جمع السبائك لأحكام المناسك\nالمؤلف: محمد بن على حلاوة\nتقديم: مصطفى بن العدوي\nالناشر: مكتبة مكة، طنطا - مصر\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٣ هـ - ٢٠٢١ م\nعدد الصفحات: ٦٦٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2725,"ٕ":19,"ٖ":1770156058,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم","level":1,"page":1},{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"الباب الأول مقدمة في الحج","level":1,"page":17},{"title":"المبحث الأول: تعريف الحج","level":2,"page":18},{"title":"شرح التعريف","level":3,"page":18},{"title":"المبحث الثاني: حكم الحج","level":2,"page":18},{"title":"المبحث الثالث: حكم جاحد الحج","level":2,"page":19},{"title":"المبحث الرابع: مرات الحج الواجبة","level":2,"page":19},{"title":"المبحث الخامس: فضل الحج","level":2,"page":21},{"title":"المبحث السادس: حكم تكرار الحج للنساء","level":2,"page":24},{"title":"المبحث السابع: من مقاصد الحج","level":2,"page":25},{"title":"المقصد الأول: تحقيق التوحيد وإخلاص العبادة لله","level":3,"page":25},{"title":"المقصد الثاني: تزكية النفس","level":3,"page":26},{"title":"المقصد الثالث: تحصيل تقوى الله","level":3,"page":27},{"title":"المقصد الرابع: ذكر الله تعالى والدعاء من أعظم مقاصد الحج","level":3,"page":29},{"title":"المقصد الخامس: تعظيم حرمات الله وشعائره","level":3,"page":31},{"title":"المقصد السادس: تحصيل المنافع","level":3,"page":32},{"title":"ومن المنافع الدنيوية","level":4,"page":32},{"title":"المقصد السابع: إشاعة الأمن بين المسلمين","level":3,"page":33},{"title":"المقصد الثامن: إظهار الافتقار إلى الله سبحانه","level":3,"page":34},{"title":"المقصد التاسع: في الحج تذكير بالآخرة، ووقوف العباد بين يدي الله تعالى","level":3,"page":34},{"title":"المقصد العاشر: أن أداء فريضة الحج فيه شكر لنعمة المال وسلامة البدن","level":3,"page":34},{"title":"المبحث الثامن: هل يجب الحج على الفور أم على التراخي؟","level":2,"page":35},{"title":"خلاصة الباب الأول: مقدمة في الحج","level":2,"page":39},{"title":"الباب الثاني: شروط الحج والنيابة فيه","level":1,"page":40},{"title":"تمهيد","level":2,"page":42},{"title":"الفصل الأول: شروط الحج","level":2,"page":43},{"title":"الشرط الأول: الإسلام","level":3,"page":43},{"title":"المبحث الأول: حكم حج الكافر","level":4,"page":43},{"title":"المبحث الثاني: \" من حج الفريضة، ثم ارتد ثم تاب وأسلم، فهل يجب عليه الحج من جديد؟","level":4,"page":43},{"title":"الشرط الثاني: العقل","level":3,"page":44},{"title":"المبحث الأول: لا يجب الحج على المجنون","level":4,"page":44},{"title":"المبحث الثاني: هل يصح الحج من المجنون؟","level":4,"page":45},{"title":"الشرط الثالث: البلوغ","level":3,"page":46},{"title":"المبحث الأول: حكم حج الصبي","level":4,"page":46},{"title":"المبحث الثاني: حج الصبي قبل البلوغ لا يجزئه عن حجة الإسلام","level":4,"page":47},{"title":"المبحث الثالث: ما يفعله الصبي بنفسه من أعمال الحج، وما يفعله عنه وليه","level":4,"page":47},{"title":"الشرط الرابع: الحرية","level":3,"page":48},{"title":"المبحث الأول: الحج لا يجب على العبد","level":4,"page":48},{"title":"المبحث الثاني: إذا حج العبد، لم يجزئه عن حج الفريضة","level":4,"page":48},{"title":"الشرط الخامس: الاستطاعة","level":3,"page":50},{"title":"المبحث الأول: اشتراط الاستطاعة في وجوب وإجزاء الحج، وفيه مطلبان","level":4,"page":50},{"title":"المطلب الأول: الاستطاعة شرط في وجوب الحج","level":5,"page":50},{"title":"المطلب الثاني: الاستطاعة ليست شرطا في إجزاء الحج","level":5,"page":50},{"title":"المبحث الثاني: أقسام الاستطاعة","level":4,"page":51},{"title":"المطلب الأول: المريض الذي لا يستطيع الحج بنفسه.","level":5,"page":51},{"title":"المطلب الثاني: هل يجب الحج على من كان قادرا بماله، عاجزا ببدنه؟","level":5,"page":52},{"title":"المبحث الثالث: شروط الاستطاعة، وفيه مطلبان","level":4,"page":53},{"title":"المطلب الأول: شروط الاستطاعة العامة للرجال والنساء.","level":5,"page":53},{"title":"الشرط الثالث: اشتراط أمن الطريق لتحقيق الاستطاعة","level":6,"page":55},{"title":"المطلب الأول: المراد بأمن الطريق، وهو متمثل الآن في (تصريح للحج)","level":7,"page":55},{"title":"المطلب الثاني: من قدم للحج ولم يحصل على تصريح، فهل يتعلق بذمته أم يسقط؟","level":7,"page":56},{"title":"المطلب الثاني: شروط الاستطاعة الخاصة بالنساء","level":5,"page":57},{"title":"الحاصل في شروط الحج","level":3,"page":64},{"title":"الفصل الثاني: النيابة","level":2,"page":66},{"title":"المبحث الأول: النيابة عن الحي","level":3,"page":67},{"title":"المطلب الأول: النيابة في الفرض عن القادر.","level":4,"page":67},{"title":"المطلب الثاني: النيابة في الفرض عن غير القادر (المعضوب)","level":4,"page":67},{"title":"المطلب الثالث: إذا استناب للفريضة ثم برئ، فهل يجب الحج عليه أو يسقط عنه؟","level":4,"page":67},{"title":"المبحث الثاني: النيابة في الحج عن الميت.","level":3,"page":68},{"title":"المطلب الأول: النيابة عن الميت في حج الفريضة.","level":4,"page":68},{"title":"المطلب الثاني: النيابة عن الميت في حج النفل","level":4,"page":70},{"title":"المبحث الثالث: الاستئجار على الحج","level":3,"page":71},{"title":"المبحث الرابع: هل يشترط أن يكون النائب قد حج عن نفسه حج الفريضة؟","level":3,"page":71},{"title":"مختصر النيابة في الحج","level":2,"page":74},{"title":"المبحث الأول: النيابة عن الحي. وفيه ثلاثة مطالب","level":3,"page":74},{"title":"المبحث الثاني: النيابة في الحج عن الميت. وفيه مطلبان","level":3,"page":74},{"title":"المبحث الثالث: الاستئجار على الحج","level":3,"page":74},{"title":"المبحث الرابع: يجوز للنائب أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه؛","level":3,"page":74},{"title":"الباب الثالث: آداب السفر","level":1,"page":75},{"title":"الفصل الأول: آداب ما قبل السفر للحج والعمرة","level":2,"page":75},{"title":"المبحث الأول: الإخلاص","level":3,"page":75},{"title":"المبحث الثاني: النفقة الحلال","level":3,"page":76},{"title":"المبحث الثالث: تعلم أحكام الحج حتى يكون على بصيرة من أمره","level":3,"page":77},{"title":"المبحث الرابع: التوبة من جميع المعاصي، والتحلل من مظالم الخلق","level":3,"page":77},{"title":"المبحث الخامس: أن يقضي ما أمكنه من ديونه، ويرد الودائع، وأن يوصي","level":3,"page":77},{"title":"المبحث السادس: أن يترك لأهله نفقتهم إلى حين رجوعه","level":3,"page":77},{"title":"المبحث السابع: يستحب للمسافر أن يودع أهله وأقاربه وجيرانه وأصحابه","level":3,"page":77},{"title":"المبحث الثامن: يوصي المسافر أهله بتقوى الله","level":3,"page":77},{"title":"المبحث التاسع: استئذان الوالدين. وفيه ثلاثة مطالب","level":3,"page":78},{"title":"المطلب الأول: إذن الوالدين في حج الفريضة","level":4,"page":78},{"title":"المطلب الثاني: إذن الوالدين في حج النافلة","level":4,"page":78},{"title":"المطلب الثالث: إذن صاحب العمل","level":4,"page":79},{"title":"المبحث العاشر: اختيار الرفيق الصالح","level":3,"page":79},{"title":"الفصل الثاني آداب السفر في الطريق للحج والعمرة،","level":2,"page":80},{"title":"المبحث الأول: استحباب السفر يوم الخميس، وفيه مطلبان","level":3,"page":80},{"title":"المبحث الثاني: استحباب دعاء السفر","level":3,"page":81},{"title":"المبحث الثالث: يستحب للمسافر أن يكثر من طاعة الله","level":3,"page":81},{"title":"المبحث الرابع: عليه أن يحفظ لسانه من اللغو والرفث والجدال والغيبة؛","level":3,"page":82},{"title":"المبحث الخامس: يتخلق بالرفق وحسن الخلق،","level":3,"page":82},{"title":"المبحث السادس: إذا نزل منزلا قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.","level":3,"page":82},{"title":"المبحث السابع: عليه أن يسرع عند المرور بديار الظالمين","level":3,"page":82},{"title":"المبحث الثامن: أن يحرص على أداء الصلاة","level":3,"page":82},{"title":"الفصل الثالث آداب عند الرجوع من السفر للحج والعمرة","level":2,"page":83},{"title":"المبحث الأول: السنة إذا قضى حاجته أن يعجل الرحلة إلى أهله؛","level":3,"page":83},{"title":"المبحث الثاني: يستحب للمسافر أن يخبر أهله بموعد قدومه","level":3,"page":83},{"title":"المبحث الثالث: إذا دخل البلد فالسنة أن يبدأ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتين","level":3,"page":83},{"title":"المبحث الرابع: يستحب لمن رجع من الحج وغيره أن يقول ما ثبت","level":3,"page":84},{"title":"المبحث الخامس: استحباب تقديم الطعام عند القدوم من السفر","level":3,"page":84},{"title":"الباب الرابع المواقيت","level":1,"page":85},{"title":"تمهيد: تعريف المواقيت","level":2,"page":86},{"title":"الفصل الأول: مواقيت الحج الزمانية","level":2,"page":86},{"title":"المبحث الأول: أشهر الحج","level":3,"page":86},{"title":"المبحث الثاني: حكم الإحرام قبل أشهر الحج","level":3,"page":90},{"title":"الفصل الثاني المواقيت المكانية","level":2,"page":92},{"title":"الصنف الأول: الآفاقي","level":3,"page":93},{"title":"المبحث الأول: مواقيت الآفاقي","level":4,"page":93},{"title":"الميقات الأول: ذو الحليفة","level":5,"page":93},{"title":"الميقات الثاني: الجحفة","level":5,"page":93},{"title":"الميقات الثالث: قرن المنازل","level":5,"page":94},{"title":"الميقات الرابع: يلملم","level":5,"page":94},{"title":"الميقات الخامس: ذات عرق","level":5,"page":95},{"title":"المطلب الأول: تعريف ذات عرق","level":6,"page":95},{"title":"المطلب الثاني: هل وقته رسول الله ﷺ؟ أم وقته عمر ﵁؟","level":6,"page":95},{"title":"المطلب الثالث: ميقات أهل العراق","level":6,"page":97},{"title":"المبحث الثاني: من مر بميقاتين هل يجوز له مجاوزة الميقات الأول إلى ميقات آخر؟","level":4,"page":98},{"title":"الصنف الثاني: الميقاتي","level":3,"page":100},{"title":"المطلب الأول: تعريف الميقاتي","level":4,"page":100},{"title":"المطلب الثاني: موضع إحرام الميقاتي","level":4,"page":100},{"title":"المطلب الثالث: مجاوزة إحرام الميقاتي","level":4,"page":100},{"title":"المطلب الرابع: من كان دون المواقيت كجدة، فذهب إلى مكة لقصد غير الحج، ثم طرأ له أن يحج، فإنه يحرم من المكان الذي طرأ له فيه قصد النسك","level":4,"page":100},{"title":"الصنف الثالث: المكي (أهل مكة أو أهل الحرم)","level":3,"page":101},{"title":"المطلب الأول، ميقات المكي للعمرة هو الحل","level":4,"page":101},{"title":"المطلب الثاني: اختلف العلماء في أي جهات الحل أفضل للمعتمرين من مكة","level":4,"page":102},{"title":"الفصل الثالث الإحرام من الميقات","level":2,"page":104},{"title":"المبحث الأول: حكم الإحرام من الميقات لمن مر به قاصدا النسك","level":3,"page":105},{"title":"المبحث الثاني: محاذاة الميقات، وفيه أربعة مطالب","level":3,"page":105},{"title":"المطلب الأول: الإحرام لركاب الأتوبيسات أو السفن أو الطائرات","level":4,"page":105},{"title":"المطلب الثاني: هل يمكن اعتبار جدة ميقاتا مكانيا للحجاج القادمين إليها عن طريق الجو أو البر أو البحر؟","level":4,"page":105},{"title":"المطلب الثالث: من لم يحمل معه ملابس الإحرام في الطائرة، فليس له أن يؤخر إحرامه إلى جدة،","level":4,"page":108},{"title":"المطلب الرابع: الحيض والنفاس لا يمنعان إحرام المرأة من الميقات","level":4,"page":108},{"title":"المبحث الثالث: حكم التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية،","level":3,"page":109},{"title":"المطلب الأول: التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية جائز بالإجماع.","level":4,"page":109},{"title":"المطلب الثاني: من سلك طريقا ليس فيه ميقات معين","level":4,"page":110},{"title":"المبحث الرابع: مجاوزة الميقات، وفيه أربعة مطالب","level":3,"page":110},{"title":"المطلب الأول: من تجاوز الميقات بغير إحرام، ولم يرجع للإحرام من الميقات","level":4,"page":110},{"title":"المطلب الثاني: من تجاوز الميقات بغير إحرام، ثم رجع إلى الميقات فأحرم منه","level":4,"page":112},{"title":"المطلب الثالث: من أحرم بعد الميقات، ثم رجع إلى الميقات، فهل يسقط عنه الدم؟","level":4,"page":112},{"title":"المطلب الرابع: من تجاوز الميقات وأحرم بعده، ولم يرجع لأنه لم يحمل تصريحا","level":4,"page":113},{"title":"المبحث الخامس: حكم الإحرام لمن جاوز الميقات إلى مكة لحاجة غير النسك","level":3,"page":113},{"title":"الحاصل في باب مواقيت الحج الزمانية والمكانية","level":2,"page":116},{"title":"الباب الخامس أنواع الأنساك الثلاثة","level":1,"page":120},{"title":"الفصل الأول الأنساك الثلاثة","level":2,"page":121},{"title":"المبحث الأول: أنساك الحج ثلاثة","level":3,"page":122},{"title":"المبحث الثاني: جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة","level":3,"page":122},{"title":"المبحث الثالث: ما نوع النسك الذي أهل به النبي ﷺ؟","level":3,"page":123},{"title":"المبحث الرابع: أفضل الأنساك","level":3,"page":126},{"title":"المبحث الخامس: تعيين أحد الأنساك","level":3,"page":126},{"title":"المبحث السادس: الإحرام المبهم","level":3,"page":127},{"title":"المبحث السابع: من لبى بغير ما نوى","level":3,"page":127},{"title":"المبحث الثامن: نسيان ما أحرم به","level":3,"page":127},{"title":"الفصل الثاني الإفراد والقران في الحج","level":2,"page":128},{"title":"المبحث الأول: الإفراد في الحج","level":3,"page":128},{"title":"المبحث الثاني: القران في الحج، وفيه ثلاثة مطالب","level":3,"page":128},{"title":"المطلب الأول: تعريف القران","level":4,"page":128},{"title":"المطلب الثاني: صور القران","level":4,"page":128},{"title":"المطلب الثالث: ما يجب على القارن من الطواف والسعي","level":4,"page":131},{"title":"الفصل الثالث التمتع في الحج","level":2,"page":133},{"title":"المبحث الأول: تعريف التمتع","level":3,"page":134},{"title":"المبحث الثاني: سبب تسمية هذا النسك بالتمتع","level":3,"page":134},{"title":"المبحث الثالث: صور التمتع","level":3,"page":134},{"title":"المبحث الرابع: شروط التمتع","level":3,"page":137},{"title":"الشرط الأول: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج","level":4,"page":137},{"title":"الشرط الثاني: تقديم العمرة على الحج","level":4,"page":137},{"title":"الشرط الثالث: يشترط للتمتع أن يحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج.","level":4,"page":137},{"title":"الشرط الرابع: يشترط في التمتع أن تؤدى العمرة والحج في عام واحد","level":4,"page":137},{"title":"الشرط الخامس: عدم السفر بين العمرة والحج","level":4,"page":138},{"title":"المبحث الخامس: ما لا يشترط للتمتع، وفيه ثلاثة مطالب","level":3,"page":140},{"title":"المطلب الأول: لا يشترط أن ينوي التمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها.","level":4,"page":140},{"title":"المطلب الثاني: لا يشترط كون الحج والعمرة عن شخص واحد","level":4,"page":141},{"title":"المطلب الثالث: لا يشترط أن يكون من أهل الحرم","level":4,"page":141},{"title":"المبحث السادس: أعمال التمتع","level":3,"page":144},{"title":"المطلب الأول: طواف المتمتع","level":4,"page":144},{"title":"المطلب الثاني: الهدي","level":4,"page":144},{"title":"المبحث السابع: إجزاء التمتع عن الحج والعمرة","level":3,"page":144},{"title":"الفصل الرابع: الاشتراط في الحج والعمرة","level":2,"page":145},{"title":"تمهيد","level":3,"page":145},{"title":"المبحث الأول: حكم الاشتراط في الحج والعمرة","level":3,"page":145},{"title":"المبحث الثاني: متى يشرع الاشتراط؟","level":3,"page":147},{"title":"المبحث الثالث: صيغة الاشتراط","level":3,"page":147},{"title":"الحاصل في الباب الخامس: أنواع الأنساك الثلاثة","level":2,"page":148},{"title":"الباب السادس الإحرام","level":1,"page":151},{"title":"تمهيد","level":2,"page":152},{"title":"المبحث الأول: تعريف الإحرام","level":3,"page":152},{"title":"المبحث الثاني: حكم الإحرام","level":3,"page":152},{"title":"المبحث الثالث: من حكم تشريع الإحرام","level":3,"page":153},{"title":"الفصل الأول: سنن الإحرام","level":2,"page":154},{"title":"السنة الأولى: النزول في المواقيت المكانية","level":3,"page":154},{"title":"السنة الثانية: الاغتسال","level":3,"page":154},{"title":"المطلب الأول: الاغتسال للمحرم","level":4,"page":154},{"title":"المطلب الثاني: يسن اغتسال الحائض والنفساء للإحرام","level":4,"page":155},{"title":"المطلب الثالث: استحباب تلبيد الرأس","level":4,"page":155},{"title":"السنة الثالثة: الإحرام في إزار ورداء ونعلين","level":3,"page":156},{"title":"المطلب الأول: يستحب الإحرام في إزار ورداء ونعلين.","level":4,"page":156},{"title":"المطلب الثاني: ويستحب أن يكون الإزار والرداء نظيفين.","level":4,"page":156},{"title":"المطلب الثالث: يستحب أن يكون الإزار والرداء أبيضين.","level":4,"page":156},{"title":"السنة الرابعة: التطيب","level":3,"page":157},{"title":"السنة الخامسة: الإحرام عقب صلاة","level":3,"page":157},{"title":"المطلب الأول: هل تسن صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام؟","level":4,"page":157},{"title":"السنة السادسة: أن يبتدئ بالإحرام والتلبية إذا ركب السيارة أو غيرها، وابتدأ المسير من الميقات","level":3,"page":158},{"title":"السنة السابعة: التلبية","level":3,"page":161},{"title":"المطلب الأول: تعريف التلبية","level":4,"page":161},{"title":"المطلب الثاني: حكم التلبية","level":4,"page":161},{"title":"المطلب الثالث: فضل التلبية","level":4,"page":162},{"title":"المطلب الرابع: لفظ التلبية","level":4,"page":163},{"title":"المطلب الخامس: وقت التلبية","level":4,"page":164},{"title":"المطلب السادس: رفع الصوت بالتلبية","level":4,"page":167},{"title":"الحاصل في سنن الإحرام بين يدي الإحرام","level":2,"page":168},{"title":"الفصل الثاني: محظورات الإحرام","level":2,"page":170},{"title":"تمهيد معنى محظورات الإحرام","level":3,"page":171},{"title":"الأصل الأول: ما يتعلق بترفيه البدن","level":3,"page":171},{"title":"المحظور الأول: حلق الشعر","level":4,"page":171},{"title":"المبحث الأول: حلق شعر الرأس أو تقصيره","level":5,"page":171},{"title":"المبحث الثاني: هل تجب الفدية بإزالة شعر بقية البدن؟","level":5,"page":172},{"title":"المبحث الثالث: مقدار الحلق الذي تجب به الفدية","level":5,"page":173},{"title":"المبحث الرابع: غسل رأس المحرم وتسريحه","level":5,"page":175},{"title":"المحظور الثاني: تقليم الأظفار","level":4,"page":175},{"title":"المبحث الأول: حكم إزالة الأظفار للمحرم","level":5,"page":175},{"title":"المبحث الثاني: ما يجب من الفدية في تقليم الأظفار","level":5,"page":175},{"title":"المبحث الثالث: قص ما انكسر من الظفر","level":5,"page":176},{"title":"المبحث الرابع: في كم ظفر يقلم تجب به الفدية؟","level":5,"page":176},{"title":"المحظور الثالث: الطيب للمحرم: وفيه عشرة مباحث","level":4,"page":176},{"title":"المبحث الأول: حكم الطيب للمحرم","level":5,"page":176},{"title":"المبحث الثاني: الحكم من تحريم الطيب على المحرم","level":5,"page":177},{"title":"المبحث الثالث: ضابط الطيب المحظور على المحرم. وفيه أربعة مطالب","level":5,"page":177},{"title":"المطلب الأول: الطيب المتفق على تحريمه على المحرم","level":6,"page":177},{"title":"المطلب الثاني: اتفق العلماء على جواز شم المحرم نبات الصحراء، مما له رائحة","level":6,"page":177},{"title":"المطلب الثالث: حكم شم الرياحين للمحرم","level":6,"page":178},{"title":"المطلب الرابع: حكم استعمال البخور للمحرم","level":6,"page":178},{"title":"المبحث الخامس: بقاء الطيب بعد الإحرام: وفيه مطلبان","level":5,"page":179},{"title":"المطلب الأول: حكم استدامة الطيب في البدن الذي كان قبل الإحرام","level":6,"page":179},{"title":"المطلب الثاني: حكم بقاء الطيب واستدامته بثوب الإحرام بعد الإحرام","level":6,"page":182},{"title":"المبحث السادس: إذا خلط الطيب بطعام، فهل تجب فيه الفدية؟","level":5,"page":184},{"title":"المبحث السابع: مس طيب الكعبة","level":5,"page":185},{"title":"المبحث الثامن: حكم شم الطيب للمحرم","level":5,"page":185},{"title":"المبحث التاسع: الصابون المطيب، وما في حكمه من المنظفات","level":5,"page":186},{"title":"المبحث العاشر: الفدية في الطيب","level":5,"page":187},{"title":"الأصل الثاني: ما يتعلق بالمخيط","level":3,"page":188},{"title":"القسم الأول: المحظورات التي تختص بالرجال","level":4,"page":188},{"title":"المحظور الأول المختص بالرجال: لبس المخيط","level":5,"page":188},{"title":"المبحث الأول: تعريف المخيط","level":6,"page":188},{"title":"المبحث الثاني: لبس المخيط للذكر المحرم: وهو ثلاثة أقسام","level":6,"page":188},{"title":"القسم الأول: يحظر لبس المخيط للمحرم","level":7,"page":188},{"title":"المطلب الأول: يحظر لبس المخيط للذكر المحرم","level":8,"page":188},{"title":"المطلب الثاني: من أحرم بالمخيط","level":8,"page":189},{"title":"المطلب الثالث: حكم لبس المحرم التبان (السروال القصير) لستر العورة","level":8,"page":189},{"title":"المطلب الرابع: مدة اللبس الموجبة للفدية","level":8,"page":190},{"title":"القسم الثاني: الحالات المستثناة من لبس المخيط","level":7,"page":190},{"title":"المطلب الأول: لبس السراويل لمن لم يجد الإزار","level":8,"page":190},{"title":"المطلب الثاني: عقد الإزار للمحرم","level":8,"page":191},{"title":"المطلب الثالث: حكم تشبيك الرداء بمشبك","level":8,"page":191},{"title":"المطلب الرابع: حكم لبس المحرم الإزار المخيط","level":8,"page":192},{"title":"المطلب الخامس: حكم لبس قطعة ثالثة مع الإحرام تستر العورة","level":8,"page":192},{"title":"المطلب السادس: حكم لبس المحرم الحزام ليضع فيه النفقة ونحوها","level":8,"page":193},{"title":"المطلب السابع: لبس المحرم للخاتم","level":8,"page":193},{"title":"المطلب الثامن: لبس المحرم للساعة أو النظارة أو سماعة الأذن أو تركيبة الأسنان","level":8,"page":193},{"title":"القسم الثالث: لبس النعلين للمحرم","level":7,"page":193},{"title":"المطلب الأول: لبس الخفين لمن لم يجد النعلين","level":8,"page":193},{"title":"المطلب الثاني: حكم قطع الخف أسفل من الكعبين لمن لم يجد النعلين","level":8,"page":194},{"title":"المطلب الثالث: حكم لبس الخفين المقطوعين","level":8,"page":195},{"title":"المطلب الرابع: حكم الفدية عند لبس السراويل والخفين","level":8,"page":196},{"title":"المحظور الرابع: تغطية الرأس للمحرم الذكر","level":5,"page":197},{"title":"المبحث الأول: حكم تغطية الرأس للمحرم الذكر","level":5,"page":197},{"title":"المبحث الثاني: أقسام ستر الرأس","level":5,"page":197},{"title":"المبحث الثالث: حكم تغطية الوجه للمحرم","level":5,"page":199},{"title":"القسم الثاني: المحظورات التي تختص بالنساء","level":3,"page":203},{"title":"المحظور الأول: ستر المحرمة وجهها بالنقاب","level":4,"page":203},{"title":"المبحث الأول: ستر المحرمة وجهها بالنقاب: وفيه أربعة مطالب","level":5,"page":203},{"title":"المطلب الأول: تعريف النقاب","level":6,"page":203},{"title":"المطلب الثاني: حكم النقاب للمحرمة","level":6,"page":203},{"title":"المطلب الثالث: ستر المحرمة وجهها بغير النقاب","level":6,"page":204},{"title":"المطلب الرابع: هل يشترط في تغطية المحرمة وجهها ألا يمس الوجه؟","level":6,"page":207},{"title":"المحظور الثاني المختص بالمحرمة","level":4,"page":208},{"title":"المبحث الأول: حكم لبس القفازين للمحرمة","level":5,"page":208},{"title":"المبحث الثاني: حكم لبس القفازين للمحرم","level":5,"page":208},{"title":"الأصل الثالث: ما يتعلق بنكاح المحرم.","level":3,"page":209},{"title":"المحظور الأول: الخطبة للمحرم","level":4,"page":209},{"title":"المحظور الثاني: حكم عقد النكاح للمحرم","level":4,"page":209},{"title":"المحظور الثالث: المباشرة فيما دون الفرج للمحرم","level":4,"page":213},{"title":"المبحث الأول: حكم مباشرة النساء في النسك","level":5,"page":213},{"title":"المبحث الثاني: المباشرة وفساد النسك","level":5,"page":213},{"title":"المحظور الرابع: الجماع في النسك","level":4,"page":214},{"title":"المبحث الأول: حكم الجماع للمحرم في النسك","level":5,"page":214},{"title":"المبحث الثاني: متى يفسد الحج بالجماع؟","level":5,"page":214},{"title":"المبحث الثالث: ما يترتب على الجماع في النسك","level":5,"page":217},{"title":"الأصل الرابع: قتل الصيد البري","level":3,"page":219},{"title":"المبحث الأول: حكم قتل الصيد للمحرم","level":4,"page":219},{"title":"المبحث الثاني: حكم قتل المحرم للحيوان غير مأكول اللحم","level":4,"page":220},{"title":"المبحث الثالث: صفات الصيد المحرم على المحرم","level":4,"page":221},{"title":"المبحث الرابع: أحكام الأكل من الصيد والدلالة عليه","level":4,"page":222},{"title":"المطلب الأول: من صيد لأجله","level":5,"page":222},{"title":"المطلب الثاني: إذا صاد المحل صيدا وأطعمه المحرم، فهل يكون حلالا للمحرم؟","level":5,"page":222},{"title":"المبحث الخامس: صيد الحرم","level":4,"page":223},{"title":"المبحث السادس: ما لا يدخل في الصيد: وفيه ثلاثة مطالب","level":4,"page":223},{"title":"المطلب الأول: الهوام والحشرات","level":5,"page":223},{"title":"المطلب الثاني: قتل الفواسق الخمس","level":5,"page":223},{"title":"المطلب الثالث: قتل المؤذيات","level":5,"page":224},{"title":"المبحث السابع: ما يباح للمحرم. وفيه مطلبان","level":4,"page":224},{"title":"المطلب الأول: ذبح وأكل بهيمة الأنعام ونحوها","level":5,"page":224},{"title":"المطلب الثاني: صيد البحر","level":5,"page":224},{"title":"الفصل الثالث: الفدية المتعلقة بمحظورات الإحرام","level":2,"page":232},{"title":"تمهيد: معنى الفدية","level":3,"page":233},{"title":"القسم الأول: ما فديته فدية أذى (هي الدم أو الإطعام أو الصيام) وهي محظورات الترفه","level":4,"page":233},{"title":"المبحث الأول: المحظورات التي يجب على من ارتكب شيئا منها تجب عليه فدية الأذى","level":5,"page":233},{"title":"المبحث الثاني: فدية الأذى على التخيير أم على الترتيب؟","level":5,"page":234},{"title":"المبحث الثالث: ما نوع الإطعام الذي أمر به النبي ﷺ كعب بن عجرة؟","level":5,"page":235},{"title":"المبحث الرابع: ما نوع النسك الذي أمر النبي ﷺ به كعب بن عجرة؟","level":5,"page":236},{"title":"القسم الثاني: ما لا فدية فيه، وهو عقد النكاح","level":4,"page":237},{"title":"القسم الثالث: ما فديته مغلظة وهو الجماع. وفيه مبحثان","level":4,"page":237},{"title":"المبحث الأول: تجب الفدية على من أفسد النسك بالجماع","level":5,"page":237},{"title":"المطلب الأول: تجب الفدية على المحرم المجامع قبل الوقوف بعرفة","level":6,"page":237},{"title":"المطلب الثاني: هل تجب على المرأة الفدية؟","level":6,"page":238},{"title":"المطلب الثالث: الكفارة على من جامع بعد التحلل الأول","level":6,"page":240},{"title":"المطلب الرابع: ما المراد بالبدنة الواجبة على من أفسد حجه؟","level":6,"page":240},{"title":"المبحث الثاني: فدية المباشرة. وفيه مطلبان","level":5,"page":241},{"title":"المطلب الأول: فدية من باشر فلم ينزل","level":6,"page":241},{"title":"المطلب الثاني: فدية المحرم إذا باشر فأنزل","level":6,"page":241},{"title":"القسم الرابع: ما فديته الجزاء بمثله: وهو الصيد. وفيه سبعة مباحث","level":4,"page":242},{"title":"المبحث الأول: كفارة قتل المحرم للصيد","level":5,"page":242},{"title":"المبحث الثاني: حكم أكل المحرم من الصيد","level":5,"page":243},{"title":"المبحث الثالث: الدلالة على الصيد. وفيه ثلاثة مطالب","level":5,"page":247},{"title":"المطلب الأول: إذا دل المحرم حلالا على صيد، فقتله","level":6,"page":247},{"title":"المطلب الثاني- إذا دل المحرم محرما على صيد، فقتله","level":6,"page":248},{"title":"المطلب الثالث: إذا اشترك جماعة محرمون في قتل صيد، فماذا عليهم؟","level":6,"page":248},{"title":"المبحث الرابع: الجزاء في الصيد. وفيه مطلبان","level":5,"page":249},{"title":"المطلب الأول: تعريف المثلي","level":6,"page":249},{"title":"المطلب الثاني: ما المعتبر في جزاء قتل الصيد؟ المثل أم القيمة؟","level":6,"page":249},{"title":"المبحث الخامس: قول عدلين في جزاء الصيد. وفيه مطلبان","level":5,"page":250},{"title":"المطلب الأول: المتلف من الصيد قسمان","level":6,"page":250},{"title":"المطلب الثاني: ما الشروط التي يجب توافرها في الحكمين؟","level":6,"page":250},{"title":"المبحث السادس: ما يجب في صيد الدواب والطيور من الجزاء","level":5,"page":251},{"title":"المطلب الأول: ما يجب في صيد الدواب","level":6,"page":251},{"title":"المطلب الثاني: ما يجب في صيد الطيور","level":6,"page":251},{"title":"المطلب الثالث: إذا صاد المحرم الجراد، فماذا يجب عليه؟","level":6,"page":251},{"title":"المبحث السابع: أمور عامة متعلقة بالفدية. وفيه مطالب","level":5,"page":252},{"title":"المطلب الأول: ارتكاب محظورات فدية الأذى عمدا","level":6,"page":252},{"title":"المطلب الثاني: حكم فعل المحظورات نسيانا أو جهلا","level":6,"page":252},{"title":"المطلب الثالث: حكم الفدية (الدم) بترك واجب من واجبات الحج","level":6,"page":254},{"title":"المطلب الرابع: مكان ذبح الدم بترك واجب أو فعل محظور","level":6,"page":256},{"title":"المطلب الخامس: زمان ذبح الدم بترك واجب أو فعل محظور","level":6,"page":258},{"title":"المطلب السادس: العجز عن الدم بترك واجب أو فعل محظور","level":6,"page":258},{"title":"المطلب السابع: من عجز عن الدم الواجب بالجماع، فماذا يجب عليه؟","level":6,"page":258},{"title":"المطلب الثامن: توزيع الصدقة على فقراء ومساكين الحرم","level":6,"page":258},{"title":"المطلب التاسع: موضع الصيام","level":6,"page":259},{"title":"المطلب العاشر: التتابع في الصيام","level":6,"page":259},{"title":"المطلب الحادي عشر: تكرار المحظور لا يخلو من ثلاث حالات","level":6,"page":259},{"title":"الحال الأولى: إذا كرر محظورا من جنس واحد في أوقات مختلفة","level":7,"page":259},{"title":"الحال الثانية: أن يكون المحظور من أجناس مختلفة","level":7,"page":260},{"title":"الحال الثالثة: أن يكون المحظور صيدا، فإن الفدية تتعدد بتعدد الصيد","level":7,"page":260},{"title":"الباب السابع: دخول مكة، وما يترتب على ذلك من أحكام","level":1,"page":264},{"title":"الفصل الأول: آداب دخول حرم مكة للحج والعمرة","level":2,"page":265},{"title":"المبحث الأول: الإمساك عن التلبية عند دخول حدود الحرم","level":3,"page":265},{"title":"المبحث الثاني: المبيت بذي طوى، وتسمى الآن ب (جرول)","level":3,"page":265},{"title":"المبحث الثالث: يستحب الاغتسال بذي طوى","level":3,"page":265},{"title":"المبحث الرابع: هل يستحب دخول مكة من أعلاها مقبرة المعلاة؟","level":3,"page":266},{"title":"المبحث الخامس: هل يستحب أن يدخل المسجد من باب بني شيبة؟","level":3,"page":266},{"title":"المبحث السادس: يستحب قول: (اللهم افتح لي أبواب رحمتك)","level":3,"page":267},{"title":"المبحث السابع: ما يفعل عند رؤية الكعبة. وفيه ثلاثة مطالب","level":3,"page":267},{"title":"المطلب الأول: يستحب إذا وصل الحرم أن يستحضر في قلبه الخشوع","level":4,"page":267},{"title":"المطلب الثاني: هل يستحب رفع اليدين والدعاء عند رؤية الكعبة؟","level":4,"page":267},{"title":"المطلب الثالث: يستحب أن يبتدئ بالطواف عند دخوله الحرم","level":4,"page":268},{"title":"الفصل الثاني: أهم الأحكام التي تتعلق بالحرم وتهم الحاج","level":2,"page":269},{"title":"التمهيد: الفرق بين المسجد الحرام والحرم","level":3,"page":269},{"title":"القسم الأول: أحكام تتعلق بمسجد الكعبة. وفيه خمسة مباحث","level":3,"page":269},{"title":"المبحث الأول: من فضائل مسجد الكعبة","level":4,"page":269},{"title":"المبحث الثاني: ما يتعلق بالصلاة في مسجد الكعبة","level":4,"page":272},{"title":"المطلب الأول: مضاعفة الصلاة","level":5,"page":272},{"title":"المطلب الثاني: ما تشمله المضاعفة من الصلوات","level":5,"page":277},{"title":"المطلب الثالث: حكم ما زيد على المسجد","level":5,"page":279},{"title":"المطلب الرابع: حكم الصلاة في الأبراج المجاورة للحرم بصلاة إمام الحرم","level":5,"page":279},{"title":"المطلب الخامس: حكم المرور بين يدي المصلي في حرم مكة","level":5,"page":279},{"title":"المبحث الثالث: ماء زمزم","level":4,"page":281},{"title":"المبحث الرابع: حكم النوم والأكل في المسجد","level":4,"page":283},{"title":"القسم الثاني: الأحكام المتعلقة بالحرم. وفيه مبحثان","level":3,"page":284},{"title":"المبحث الأول: حرمة مكة","level":4,"page":284},{"title":"المبحث الثاني: حكم بيع بيوت مكة وإجارتها","level":4,"page":285},{"title":"الباب الثامن: الطواف. وفيه تمهيد وخمسة فصول","level":1,"page":287},{"title":"التمهيد: بين يدي الطواف، تعريفه وفضله","level":2,"page":288},{"title":"المبحث الأول: تعريف الطواف","level":3,"page":288},{"title":"المبحث الثاني: فضل الطواف","level":3,"page":288},{"title":"الفصل الأول: أنواع الطواف","level":2,"page":289},{"title":"النوع الأول: طواف القدوم. وفيه تمهيد وأربعة مباحث","level":3,"page":290},{"title":"التمهيد: من أسماء طواف القدوم","level":4,"page":290},{"title":"المبحث الأول: حكم طواف القدوم","level":4,"page":290},{"title":"المبحث الثاني: وقت طواف القدوم","level":4,"page":292},{"title":"المبحث الثالث: هل يسقط طواف القدوم طواف الإفاضة؟","level":4,"page":292},{"title":"المبحث الرابع: من الذين يسقط عنهم طواف القدوم؟","level":4,"page":293},{"title":"النوع الثاني: طواف الإفاضة","level":3,"page":294},{"title":"النوع الثالث: طواف العمرة","level":3,"page":294},{"title":"النوع الرابع: طواف الوداع","level":3,"page":294},{"title":"النوع الخامس: طواف التطوع. فضله ووقته وإهداء ثوابه للغير","level":3,"page":294},{"title":"المبحث الأول: فضل طواف التطوع","level":4,"page":294},{"title":"المبحث الثاني: وقت طواف التطوع","level":4,"page":295},{"title":"المبحث الثالث: التطوع وإهداء ثوابه للغير","level":4,"page":295},{"title":"الفصل الثاني: شروط الطواف، تنقسم شروط الطواف إلى قسمين","level":2,"page":297},{"title":"القسم الأول: يتعلق بالطائف","level":3,"page":298},{"title":"الشرط الأول: الإسلام","level":4,"page":298},{"title":"الشرط الثاني: العقل","level":4,"page":298},{"title":"الشرط الثالث: النية","level":4,"page":298},{"title":"الشرط الرابع: الطهارة من الحدث","level":4,"page":300},{"title":"الشرط الخامس: إزالة الخبث","level":4,"page":306},{"title":"الشرط السادس: ستر العورة","level":4,"page":306},{"title":"القسم الثاني: يتعلق بالبيت (الكعبة)","level":3,"page":308},{"title":"الشرط الأول: كون الطواف داخل المسجد","level":4,"page":308},{"title":"الشرط الثاني: الابتداء من الحجر الأسود","level":4,"page":314},{"title":"الشرط الثالث: جعل البيت عن يساره","level":4,"page":315},{"title":"الشرط الرابع: أن يكون الطواف حول البيت","level":4,"page":316},{"title":"الشرط الخامس: كون الطواف سبعة أشواط","level":4,"page":317},{"title":"الشرط السادس: الموالاة بين أشواط الطواف","level":4,"page":321},{"title":"الفصل الثالث: سنن الطواف","level":2,"page":323},{"title":"السنة الأولى: الطواف ماشيا. وفيه ستة مطالب","level":3,"page":323},{"title":"المطلب الأول: طواف الماشي أفضل من طواف الراكب","level":4,"page":323},{"title":"المطلب الثاني: جواز طواف الراكب من عذر","level":4,"page":323},{"title":"المطلب الثالث: هل طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع راكبا أم راجلا؟","level":4,"page":323},{"title":"المطلب الرابع: حكم الطواف راكبا من غير عذر","level":4,"page":324},{"title":"المطلب الخامس: حكم الطواف على السير الكهربائي لو وجد","level":4,"page":326},{"title":"المطلب السادس: الطواف بالطائرة","level":4,"page":326},{"title":"السنة الثانية: الاضطباع. وفيه ثلاثة مطالب","level":3,"page":327},{"title":"المطلب الأول: صفة الاضطباع","level":4,"page":327},{"title":"المطلب الثاني: حكم الاضطباع","level":4,"page":327},{"title":"المطلب الثالث: من يسن له الاضطباع","level":4,"page":329},{"title":"السنة الثالثة: الرمل. وفيه خمسة مطالب","level":3,"page":329},{"title":"المطلب الأول: معنى الرمل","level":4,"page":329},{"title":"المطلب الثاني: حكم الرمل","level":4,"page":329},{"title":"المطلب الثالث: هل الرمل من الحجر إلى الحجر؟","level":4,"page":331},{"title":"المطلب الرابع: من لا يشرع له الرمل","level":4,"page":332},{"title":"المطلب الخامس: حكم الرمل مع الازدحام الشديد","level":4,"page":333},{"title":"السنة الرابعة: استلام الحجر الأسود في بداية الطواف. وفيه تسعة مطالب","level":3,"page":333},{"title":"المطلب الأول: فضل الحجر الأسود","level":4,"page":333},{"title":"المطلب الثاني: استحباب تقبيل الحجر الأسود","level":4,"page":334},{"title":"المطلب الثالث: استلام الحجر وتقبيله","level":4,"page":334},{"title":"المطلب الرابع: حكم استلام الحجر الأسود من غير طواف","level":4,"page":336},{"title":"المطلب الخامس: عدم الوقوف في محاذاة الحجر الأسود في كل شوط","level":4,"page":337},{"title":"المطلب السادس: استحباب استلام الحجر بعصا","level":4,"page":338},{"title":"المطلب السابع: استحباب الإشارة إلى الحجر","level":4,"page":338},{"title":"المطلب الثامن: حكم السجود على الحجر","level":4,"page":338},{"title":"المطلب التاسع: محاذاة الحجر الأسود بجميع البدن في ابتداء الطواف","level":4,"page":339},{"title":"السنة الخامسة: التكبير في بداية الطواف","level":3,"page":340},{"title":"السنة السادسة: استلام الركن اليماني. وفيه مطلبان","level":3,"page":341},{"title":"المطلب الأول: استحباب استلام الركن اليماني","level":4,"page":341},{"title":"المطلب الثاني: هل يشرع تقبيل الركن اليماني، أو تقبيل يده بعد استلامه؟","level":4,"page":341},{"title":"السنة السابعة: استحباب الإكثار من الذكر والدعاء وقراءة القرآن","level":3,"page":342},{"title":"السنة الثامنة: الدنو من البيت","level":3,"page":344},{"title":"السنة التاسعة: صلاة ركعتين خلف المقام بعد الطواف. وفيه ثلاثة مطالب","level":3,"page":344},{"title":"المطلب الأول: حكم ركعتي الطواف","level":4,"page":344},{"title":"المطلب الثاني: مكان أداء ركعتي الطواف","level":4,"page":346},{"title":"المطلب الثالث: وقت أداء ركعتي الطواف","level":4,"page":348},{"title":"السنة العاشرة: استحباب استلام الحجر الأسود بعد الصلاة خلف المقام","level":3,"page":350},{"title":"السنة الحادية عشرة: الشرب من ماء زمزم بعد الطواف","level":3,"page":351},{"title":"الفصل الرابع: ما يحرم علي الطائف","level":2,"page":352},{"title":"القسم الأول: ما يتعلق من البدع بالتمسح بجدران الكعبة","level":3,"page":352},{"title":"القسم الثاني من البدع: ما يتعلق بالدعاء، وفيه أربعة مطالب","level":3,"page":354},{"title":"المطلب الأول: يمنع الدعاء الجماعي","level":4,"page":354},{"title":"المطلب الثاني: تخصيص كل شوط بدعاء معين بدعة","level":4,"page":355},{"title":"المطلب الثالث: الدعاء عند الملتزم","level":4,"page":355},{"title":"المطلب الرابع: لا يستحب الدعاء تحت الميزاب بعد الطواف","level":4,"page":357},{"title":"القسم الثالث: ما يحرم في الطواف بسبب الاختلاط","level":3,"page":358},{"title":"المطلب الأول: يحرم الطواف بالبيت عريانا","level":4,"page":358},{"title":"المطلب الثاني: يحرم مخالطة الرجال للنساء في الطواف","level":4,"page":358},{"title":"الفصل الرابع: مكروهات الطواف","level":2,"page":360},{"title":"المطلب الأول: يكره للطائف أن يدافع البول والغائط، ويكره أن يطوف وهو شديد التوقان إلى الطعام أو النوم؛ حتى لا يحال بينه وبين الخشوع.","level":3,"page":360},{"title":"المطلب الثاني: يكره للطائف الإكثار من الكلام مع الأصحاب الذين يطوفون معه","level":3,"page":360},{"title":"المطلب الثالث: يكره القعود في الطواف ولا سيما في الزحام","level":3,"page":360},{"title":"الفصل الخامس نوازل الطواف","level":2,"page":361},{"title":"المبحث الأول: نقل مقام إبراهيم وتوسعة المطاف","level":3,"page":362},{"title":"المبحث الثاني: إنشاء وسائل آلية مساعدة في المطاف والمسعى","level":3,"page":364},{"title":"المبحث الثالث: تكرار الطواف في المواسم","level":3,"page":365},{"title":"المبحث الرابع: منع غير المحرمين من النزول إلى المطاف أوقات المواسم","level":3,"page":365},{"title":"المبحث الخامس: الإفادة من البناء المقبب في المطاف","level":3,"page":366},{"title":"المبحث السادس: استعمال العداد لضبط عدد أشواط الطواف","level":3,"page":366},{"title":"الباب التاسع: السعي بين الصفا والمروة. وفيه ستة فصول","level":1,"page":367},{"title":"الفصل الأول: تعريف وحكم السعي. وفيه سبعة مباحث","level":2,"page":368},{"title":"المبحث الأول: تعريف السعي بين الصفا والمروة","level":3,"page":368},{"title":"المبحث الثاني: أصل السعي","level":3,"page":368},{"title":"المبحث الثالث: حكمة السعي","level":3,"page":370},{"title":"المبحث الرابع: حكم السعي في الحج والعمرة","level":3,"page":370},{"title":"المبحث الخامس: فوات السعي بين الصفا والمروة","level":3,"page":373},{"title":"المبحث السادس: التطوع بالسعي بين الصفا والمروة","level":3,"page":373},{"title":"المبحث السابع: الموالاة بين الطواف والسعي","level":3,"page":373},{"title":"الفصل الثاني: ما يشترط في السعي","level":2,"page":374},{"title":"الشرط الأول: كون السعي بعد طواف","level":3,"page":375},{"title":"الشرط الثاني: استيعاب ما بين الصفا والمروة","level":3,"page":377},{"title":"حد المسعى العلوي","level":4,"page":378},{"title":"الشرط الثالث: الترتيب، بأن يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة","level":3,"page":378},{"title":"الشرط الرابع: أن يكون سبعة أشواط","level":3,"page":379},{"title":"الشرط الخامس: الموالاة بين أشواط السعي","level":3,"page":380},{"title":"لو أقيمت الصلاة أثناء السعي","level":4,"page":380},{"title":"الفصل الثالث: ما لا يشترط في السعي","level":2,"page":381},{"title":"المبحث الأول: النية","level":3,"page":381},{"title":"المبحث الثاني: لا تشترط الطهارة من الحدثين للسعي بين الصفا والمروة","level":3,"page":381},{"title":"المبحث الثالث: لا يشترط ستر العورة لصحة السعي","level":3,"page":382},{"title":"الفصل الرابع: سنن السعي، وفيه ست سنن","level":2,"page":383},{"title":"السنة الأولى: يشرع إذا دنا من الصفا أن يقرأ قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة﴾","level":3,"page":383},{"title":"السنة الثانية: يستحب أن يرتقي على الصفا حتى يرى الكعبة","level":3,"page":383},{"title":"السنة الثالثة: أن يوحد الله ويكبره","level":3,"page":383},{"title":"السنة الرابعة: أن يكثر من الدعاء","level":3,"page":383},{"title":"السنة الخامسة: السعي الشديد بين العلامتين الخضراوين للرجال","level":3,"page":384},{"title":"السنة السادسة: المشي بين الصفا والمروة أفضل من الركوب للقادر عليه","level":3,"page":385},{"title":"الفصل الخامس: أنواع السعي في الحج. وفيه مبحثان","level":2,"page":387},{"title":"المبحث الأول: سعي المفرد والقارن","level":3,"page":387},{"title":"المبحث الثاني: سعي المتمتع","level":3,"page":387},{"title":"الفصل السادس: حكم توسيع المسعى","level":2,"page":389},{"title":"الباب العاشر: يوم التروية","level":1,"page":390},{"title":"المبحث الأول: التعريف بيوم التروية","level":2,"page":390},{"title":"المبحث الثاني: الذهاب إلى منى في يوم الثامن، والمبيت بها.","level":2,"page":390},{"title":"الباب الحادي عشر: يوم عرفة. ويشتمل على ستة فصول","level":1,"page":391},{"title":"الفصل الأول: فضائل يوم عرفة، وحكم الوقوف بها. وفيه أربعة مباحث","level":2,"page":392},{"title":"المبحث الأول: التعريف بيوم عرفة","level":3,"page":392},{"title":"المبحث الثاني: فضائل يوم عرفة. وفيه ثلاثة مطالب","level":3,"page":392},{"title":"المطلب الأول: فضل يوم عرفة للحاج","level":4,"page":392},{"title":"المطلب الثاني: فضل يوم عرفة لغير الحاج","level":4,"page":393},{"title":"المطلب الثالث: أحاديث منكرة وضعيفة في فضل عرفة","level":4,"page":393},{"title":"المبحث الثالث: حكم الوقوف بعرفة","level":3,"page":394},{"title":"المبحث الرابع: ما المراد بالوقوف؟","level":3,"page":394},{"title":"الفصل الثاني: شروط الوقوف بعرفة. وفيه تمهيد وثلاثة أقسام","level":2,"page":395},{"title":"تمهيد: بين يدي الوقوف بعرفة","level":3,"page":395},{"title":"القسم الأول: شروط تتعلق بالمكان. وفيه سبعة مباحث","level":3,"page":395},{"title":"المبحث الأول: أن يكون الوقوف في أرض عرفات","level":4,"page":395},{"title":"المبحث الثاني: حكم الوقوف بوادي عرنة","level":4,"page":395},{"title":"المبحث الثالث: نمرة ليست من عرفة","level":4,"page":396},{"title":"المبحث الرابع: حكم الوقوف بمسجد نمرة","level":4,"page":397},{"title":"المبحث الخامس: حكم من وقف بعرفة، وهو لا يعلم أنه عرفة","level":4,"page":397},{"title":"المبحث السادس: حكم من وقف بغير أرض عرفات","level":4,"page":397},{"title":"المبحث السابع: وقوف المغمى عليه في سيارة الإسعاف في عرفة","level":4,"page":397},{"title":"القسم الثاني: شروط تتعلق بالزمان. وفيه ثلاثة مباحث","level":3,"page":399},{"title":"المبحث الأول: وقت يوم عرفة من الشهر","level":4,"page":399},{"title":"المبحث الثاني: وقت الوقوف في يوم عرفة. وفيه ستة مطالب","level":4,"page":399},{"title":"المطلب الأول: أول وقت الوقوف بعرفة","level":5,"page":399},{"title":"المطلب الثاني: آخر وقت الوقوف بعرفة","level":5,"page":401},{"title":"المطلب الثالث: حكم من دفع قبل الغروب","level":5,"page":401},{"title":"المطلب الرابع: حكم من دفع قبل غروب شمس التاسع، ثم عاد قبل الفجر","level":5,"page":404},{"title":"المطلب الخامس: قدر الوقوف المجزئ","level":5,"page":405},{"title":"المطلب السادس: الوقوف بعرفة ليلا","level":5,"page":405},{"title":"المبحث الثالث: الخطأ في زمن الوقوف. وفيه مطلبان","level":4,"page":406},{"title":"المطلب الأول: الخطأ في زمن الوقوف بالتقديم","level":5,"page":406},{"title":"المطلب الثاني: الخطأ في زمن الوقوف بالتأخير","level":5,"page":406},{"title":"القسم الثالث: شروط تتعلق بالواقف. وفيه مبحثان","level":3,"page":406},{"title":"المبحث الأول: ما يشترط في الواقف بعرفة. وفيه أربعة شروط","level":4,"page":407},{"title":"الشرط الأول: أن يكون مسلما","level":5,"page":407},{"title":"الشرط الثاني: النية","level":5,"page":407},{"title":"الشرط الثالث: أن يكون الواقف في حدود عرفة، وفي زمن الوقوف","level":5,"page":407},{"title":"الشرط الرابع: أن يكون عاقلا","level":5,"page":407},{"title":"المبحث الثاني: ما لا يشترط في الواقف بعرفة. وفيه أربعة مطالب","level":4,"page":407},{"title":"المطلب الأول: لا تشترط الطهارة لمن وقف بعرفة","level":5,"page":407},{"title":"المطلب الثاني: لا يشترط ستر العورة واستقبال القبلة","level":5,"page":407},{"title":"المطلب الثالث: حكم وقوف النائم","level":5,"page":407},{"title":"المطلب الرابع: حكم وقوف المغمى عليه","level":5,"page":409},{"title":"الفصل الثالث: سنن ومستحبات يوم عرفة. وفيه أربعة أقسام","level":2,"page":410},{"title":"القسم الأول: سنن السير من منى إلى عرفة. وفيه أربعة مباحث","level":3,"page":410},{"title":"المبحث الأول: يسن السير من منى إلى عرفة صباحا","level":4,"page":410},{"title":"المبحث الثاني: حكم ذهاب بعض الحجاج في اليوم الثامن إلى عرفات","level":4,"page":410},{"title":"المبحث الثالث: أن يسير إلى عرفة بسكينة ووقار","level":4,"page":411},{"title":"المبحث الرابع: يستحب أن يكثر من التلبية والتكبير","level":4,"page":411},{"title":"القسم الثاني: يسن نزول نمرة إن لم يكن فيه مشقة","level":3,"page":412},{"title":"القسم الثالث: سنن الوقوف بعرفة. وفيه ثمانية مباحث","level":3,"page":412},{"title":"المبحث الأول: الغسل للوقوف بعرفة","level":4,"page":412},{"title":"المبحث الثاني: تسن الخطبة يوم عرفة","level":4,"page":413},{"title":"المبحث الثالث: يسن الأذان بعد الفراغ من الخطبة. وفيه مطلبان","level":4,"page":416},{"title":"المطلب الأول: هل الأذان قبل الخطبة أو بعدها؟","level":5,"page":416},{"title":"المطلب الثاني: صفة الأذان والإقامة للصلاتين","level":5,"page":417},{"title":"المبحث الرابع: يستحب الجمع بين الظهر والعصر يوم عرفة","level":4,"page":418},{"title":"المطلب الأول: جمع الصلاتين في عرفة","level":5,"page":418},{"title":"المطلب الثاني: سبب الجمع بعرفة والمزدلفة","level":5,"page":418},{"title":"المطلب الثالث: قصر أهل مكة الصلاة في عرفة ومزدلفة","level":5,"page":419},{"title":"المطلب الرابع: هل يجمع ويقصر من صلى وحده؟","level":5,"page":421},{"title":"المطلب الخامس: هل يجهر بالقراءة أم يسر؟","level":5,"page":421},{"title":"المطلب السادس: حكم الصلاة فيما لو وافق يوم عرفة يوم الجمعة","level":5,"page":421},{"title":"المبحث الخامس: يسن للحاج بعد الانتهاء من صلاة الظهر والعصر بنمرة- التوجه إلى عرفات ليطول زمن وقوفه به","level":4,"page":422},{"title":"المبحث السادس: يسن للحاج أن يقف على عرفات مستقبل القبلة","level":4,"page":422},{"title":"المبحث السابع: الإكثار من الدعاء والذكر والتلبية يوم عرفة","level":4,"page":422},{"title":"المبحث الثامن: يستحب للحاج في يوم عرفة الإكثار من أعمال الخير","level":4,"page":423},{"title":"القسم الرابع: مستحبات الدفع من عرفة إلى مزدلفة. وفيه ستة مباحث","level":3,"page":423},{"title":"المبحث الأول: الدفع إلى مزدلفة بعد غروب الشمس، وعليه السكينة","level":4,"page":423},{"title":"المبحث الثاني: يستحب في الدفع من عرفة إلى مزدلفة أن يسير سيرا متوسطا","level":4,"page":423},{"title":"المبحث الثالث: أن يدفع ملبيا، ذاكرا لله ﷿","level":4,"page":424},{"title":"المبحث الرابع: يستحب للحاج أن يكثر من الاستغفار","level":4,"page":424},{"title":"المبحث الخامس: يستحب عند الدفع إلى مزدلفة ألا يقعد","level":4,"page":424},{"title":"المبحث السادس: حسن أخلاق النبي ﷺ حين الدفع من عرفة إلى مزدلفة","level":4,"page":424},{"title":"الفصل الرابع: ما يكره ويحرم على الحاج في يوم عرفة. وفيه ثلاثة مباحث","level":2,"page":426},{"title":"المبحث الأول: يكره صوم يوم عرفة للحاج","level":3,"page":427},{"title":"المبحث الثاني: يكره الإسراع في السير","level":3,"page":427},{"title":"المبحث الثالث: يكره التطوع بين صلاتي الظهر والعصر بعرفة","level":3,"page":427},{"title":"من محظورات الوقوف بعرفة","level":4,"page":428},{"title":"الصعود على جبل عرفة (الرحمة)","level":4,"page":428},{"title":"المطلب الأول: أسماء جبل عرفة","level":4,"page":428},{"title":"المطلب الثاني: مكان موقف النبي ﷺ في عرفة","level":4,"page":428},{"title":"المطلب الثالث: حكم صعود جبل عرفة","level":4,"page":429},{"title":"الفصل الخامس: الفوات","level":2,"page":430},{"title":"تمهيد: فوات الحج","level":3,"page":431},{"title":"ما يلزم من أحرم بالحج وفاته الوقوف بعرفة. وفيه أربعة مباحث","level":4,"page":431},{"title":"المبحث الأول: يلزم من فاته الحج أن يتحلل من إحرامه بعمل عمرة","level":4,"page":431},{"title":"المبحث الثاني: إتمام الحج الفاسد","level":4,"page":433},{"title":"المبحث الثالث: هل يلزم من فاته الحج القضاء؟","level":4,"page":433},{"title":"المبحث الرابع: الهدي. وفيه ثلاثة مطالب","level":4,"page":435},{"title":"المطلب الأول: هل يلزم من فاته الوقوف بعرفة- هدي؟","level":5,"page":435},{"title":"المطلب الثاني: زمان ذبح هدي الفوات","level":5,"page":436},{"title":"المطلب الثالث: العجز عن هدي الفوات","level":5,"page":436},{"title":"الفصل السادس: الإحصار. وفيه تمهيد وستة مباحث","level":2,"page":437},{"title":"التمهيد: معنى الإحصار","level":3,"page":439},{"title":"المبحث الأول: ما المانع الذي يتحقق به الإحصار؟","level":3,"page":439},{"title":"المطلب الأول: الإحصار بالعدو","level":4,"page":439},{"title":"المطلب الثاني: الإحصار بالمرض وغيره","level":4,"page":439},{"title":"المبحث الثاني: شروط وجوب دم الإحصار عن الوقوف بعرفة","level":3,"page":442},{"title":"الشرط الأول: ألا يكون محصورا عن الوقوف بعرفة أو الإفاضة","level":4,"page":442},{"title":"المطلب الأول: ألا يكون قد وقف بعرفة قبل حدوث المانع من المتابعة","level":5,"page":442},{"title":"المطلب الثاني: الإحصار عن طواف الإفاضة","level":5,"page":443},{"title":"المطلب الثالث: الإحصار عن واجب من واجبات الحج","level":5,"page":443},{"title":"المطلب الرابع: وقت الإحصار عن العمرة","level":5,"page":443},{"title":"الشرط الثاني: أن ييأس من زوال المانع","level":4,"page":444},{"title":"الشرط الثالث: أن يكون الإحصار بعد الإحرام، وقبل الوصول إلى البيت","level":4,"page":444},{"title":"المبحث الثالث: وقت إحلال المحصر","level":3,"page":444},{"title":"المبحث الرابع: حكمة مشروعية التحلل","level":3,"page":445},{"title":"المبحث الخامس: كيفية تحلل المحصر. وفيه ثلاثة مطالب","level":3,"page":446},{"title":"المطلب الأول: نية التحلل","level":4,"page":446},{"title":"المطلب الثاني: ذبح هدي الإحصار","level":4,"page":446},{"title":"الفرع الأول: مكان إجزاء ذبح هدي الإحصار","level":5,"page":447},{"title":"الفرع الثاني: زمان ذبح هدي الإحصار","level":5,"page":447},{"title":"الفرع الثالث: العجز عن دم الإحصار","level":5,"page":449},{"title":"الفرع الرابع: الأكل من هدي الإحصار","level":5,"page":450},{"title":"المطلب الثالث: الحلق أو التقصير","level":4,"page":450},{"title":"المبحث السادس: اشتراط التحلل من الإحصار. وفيه ثلاثة مطالب","level":3,"page":451},{"title":"المطلب الأول: ما يلزم المحصر إذا اشترط","level":4,"page":451},{"title":"المطلب الثاني: حكم المحصر إذا وقع في محظور قبل التحلل","level":4,"page":451},{"title":"المطلب الثالث: القضاء على من أحصر","level":4,"page":451},{"title":"الباب الثاني عشر: المبيت بمزدلفة. وفيه فصلان","level":1,"page":452},{"title":"الفصل الأول: المبيت بمزدلفة، تعريفه وحكمه. وفيه عشرة مباحث","level":2,"page":452},{"title":"المبحث الأول: التعريف بالمزدلفة","level":3,"page":453},{"title":"المبحث الثاني: حد المزدلفة","level":4,"page":453},{"title":"المبحث الثالث: حكم المبيت بمزدلفة","level":4,"page":454},{"title":"المبحث الرابع: مقدار المبيت الواجب في مزدلفة","level":4,"page":458},{"title":"المبحث الخامس: القدر المجزئ من نسك مزدلفة","level":4,"page":461},{"title":"المبحث السادس: وقت وجوب الوقوف بمزدلفة","level":4,"page":462},{"title":"المبحث السابع: حكم دفع غير الضعفة قبل الفجر من مزدلفة","level":4,"page":463},{"title":"المبحث الثامن: من ترك المبيت بمزدلفة خشية فوات الرفقة","level":4,"page":464},{"title":"المبحث التاسع: حكم المرور بالمزدلفة فقط دون توقف","level":4,"page":464},{"title":"المبحث العاشر: حكم من فاته الوقوف الواجب في مزدلفة","level":4,"page":464},{"title":"الفصل الثاني: سنن الوقوف بالمزدلفة. وفيه تمهيد وست سنن","level":2,"page":466},{"title":"التمهيد: السنة في المبيت بمزدلفة","level":3,"page":467},{"title":"السنة الأولى: أن يجمع في مزدلفة بين صلاتي المغرب والعشاء","level":3,"page":467},{"title":"السنة الثانية: تقديم النساء والضعفة من مزدلفة إلى منى","level":3,"page":473},{"title":"السنة الثالثة: صلاة الفجر بمزدلفة في أول وقتها","level":3,"page":473},{"title":"السنة الرابعة: الدعاء بعد الفجر في مزدلفة","level":3,"page":473},{"title":"السنة الخامسة: الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس","level":3,"page":474},{"title":"السنة السادسة: الإسراع في وادي محسر","level":3,"page":474},{"title":"الباب الثالث عشر: رمي جمرة العقبة يوم النحر","level":1,"page":476},{"title":"المبحث الأول: لا يرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة","level":2,"page":476},{"title":"المبحث الثاني: الوقت المستحب لرمي جمرة العقبة يوم النحر","level":2,"page":476},{"title":"المبحث الثالث: بيان أول وقت لرمي جمرة العقبة يوم النحر","level":2,"page":476},{"title":"المبحث الرابع: حكم من ترك جمرة العقبة","level":2,"page":481},{"title":"الباب الرابع عشر: الحلق والتقصير. وفيه تسعة مباحث","level":1,"page":482},{"title":"المبحث الأول: تعريف الحلق والتقصير","level":2,"page":483},{"title":"المبحث الثاني: حكم الحلق والتقصير","level":2,"page":483},{"title":"المبحث الثالث: القدر الواجب حلقه أو تقصيره","level":2,"page":485},{"title":"المبحث الرابع: هل يجزئ التقصير عن الحلق؟","level":2,"page":487},{"title":"المبحث الخامس: الأفضل في حلق الرأس الحلق أم التقصير؟","level":2,"page":487},{"title":"المبحث السادس: مقدار تقصير شعر المرأة","level":2,"page":489},{"title":"المبحث السابع: من تعذر عليه الحلق أو التقصير","level":2,"page":490},{"title":"المبحث الثامن: حكم التيمن في حلق الرأس","level":2,"page":491},{"title":"المبحث التاسع: ميقات الحلق والتقصير","level":2,"page":492},{"title":"الباب الخامس عشر طواف الإفاضة","level":1,"page":494},{"title":"التمهيد: من أسماء طواف الإفاضة","level":2,"page":495},{"title":"المبحث الأول: حكم طواف الإفاضة","level":2,"page":495},{"title":"المبحث الثاني: بداية وقت طواف الإفاضة","level":2,"page":496},{"title":"المبحث الثالث: نهاية وقت طواف الإفاضة","level":2,"page":498},{"title":"الباب السادس عشر: حكم ترتيب أعمال يوم النحر والتحلل","level":1,"page":501},{"title":"المبحث الأول: حكم ترتيب أعمال يوم النحر","level":2,"page":502},{"title":"المبحث الثاني: التحلل. وفيه خمسة مطالب","level":2,"page":504},{"title":"المطلب الأول: تعريف التحلل","level":3,"page":504},{"title":"المطلب الثاني: بم يحصل التحلل الأول؟","level":3,"page":504},{"title":"المطلب الثالث: ماذا يبيح التحلل الأول من المحظورات؟","level":3,"page":509},{"title":"المطلب الرابع: التحلل الأكبر","level":3,"page":510},{"title":"المطلب الخامس: بم يحصل التحلل من العمرة؟","level":3,"page":511},{"title":"المبحث الثالث: أكانت صلاة رسول الله ﷺ الظهر يوم النحر بمكة أم بمنى؟","level":2,"page":513},{"title":"الباب السابع عشر: الهدي. وفيه فصلان","level":1,"page":514},{"title":"الفصل الأول: الهدي وما يتعلق به. وفيه تسعة مباحث","level":2,"page":514},{"title":"المبحث الأول: تعريف الهدي وجنسه","level":3,"page":515},{"title":"المبحث الثاني: وجوب الهدي على المتمتع","level":3,"page":515},{"title":"المبحث الثالث: وجوب الهدي على القارن","level":3,"page":516},{"title":"المبحث الرابع: حكم الاشتراك في الهدي للمتمتع والقارن","level":3,"page":518},{"title":"المبحث الخامس: مكان ذبح الهدي","level":3,"page":519},{"title":"المبحث السادس: زمن ذبح الهدي. وفيه مطلبان","level":3,"page":520},{"title":"المطلب الأول: أول زمن ذبح الهدي","level":4,"page":520},{"title":"المطلب الثاني: آخر زمن ذبح الهدي","level":4,"page":522},{"title":"المبحث السابع: التطوع بالهدي","level":3,"page":524},{"title":"المبحث الثامن: الأكل من الهدي","level":3,"page":524},{"title":"المبحث التاسع: من لم يجد الهدي. وفيه سبعة مطالب","level":3,"page":526},{"title":"المطلب الأول: حكم من لم يقدر على الهدي","level":4,"page":526},{"title":"المطلب الثاني: وقت ابتداء صيام الثلاثة أيام في الحج لمن لم يجد الهدي","level":4,"page":526},{"title":"المطلب الثالث: الوقت المستحب لصيام الأيام الثلاثة في الحج","level":4,"page":528},{"title":"المطلب الرابع: صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهدي","level":4,"page":529},{"title":"المطلب الخامس: من لم يصم قبل عرفة، هل يسقط الهدي عنه؟","level":4,"page":529},{"title":"المطلب السادس: حكم صيام السبعة أيام بمكة بعد فراغه من الحج","level":4,"page":530},{"title":"المطلب السابع: هل يشترط أن يكون صيام الأيام العشرة متتا بعا؟","level":4,"page":530},{"title":"الفصل الثاني: النوازل في الهدي. وفيه سبعة مباحث","level":2,"page":531},{"title":"المبحث الأول: نقل الهدي إلى خارج الحرم. وفيه مطلبان","level":3,"page":532},{"title":"المطلب الأول: نقل الدم الواجب إذا عدم المساكين في الحرم","level":4,"page":532},{"title":"المطلب الثاني: ما يذبحه الحاج ثلاثة أنواع","level":4,"page":533},{"title":"المبحث الثاني: ما يتعلق بالنيابة في الهدي. وفيه مطلبان","level":3,"page":534},{"title":"المطلب الأول: جواز النيابة في نحر الهدي","level":4,"page":534},{"title":"المطلب الثاني: شراء كروت وبطاقات الهدي","level":4,"page":535},{"title":"المبحث الثالث: حكم ذبح الهدي وتركه","level":3,"page":537},{"title":"المبحث الرابع: ذبح الهدي خارج الحرم في فجاج مكة","level":3,"page":538},{"title":"المبحث الخامس: الأضحية أو الهدي بمبتور الذنب أو الألية","level":3,"page":539},{"title":"المبحث السادس: شراء الشركات جلود الهدي والأضاحي","level":3,"page":540},{"title":"المبحث السابع: الاستعاضة بثمن الهدي","level":3,"page":541},{"title":"الباب الثامن عشر: الأضحية. وفيه خمسة فصول","level":1,"page":544},{"title":"الفصل الأول: فضل وحكم الأضاحي. وفيه أربعة مباحث","level":2,"page":546},{"title":"المبحث الأول: تعريف الأضاحي","level":3,"page":546},{"title":"المبحث الثاني: حكمة مشروعية الأضحية","level":4,"page":546},{"title":"المبحث الثالث: فضل الأضحية","level":4,"page":547},{"title":"المبحث الرابع: حكم الأضحية","level":4,"page":548},{"title":"الفصل الثاني: شروط صحة الأضحية","level":2,"page":550},{"title":"الشرط الأول: يشترط أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام","level":3,"page":550},{"title":"الشرط الثاني: أن تكون قد بلغت السن المعتبرة شرعا","level":3,"page":551},{"title":"الشرط الثالث: السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء","level":3,"page":553},{"title":"الشرط الرابع: نية التضحية","level":3,"page":554},{"title":"الشرط الخامس: أن تكون التضحية في وقت الذبح. وفيه ثلاثة مباحث","level":3,"page":554},{"title":"المبحث الأول: أول وقت التضحية. وفيه ثلاثة مطالب","level":4,"page":554},{"title":"المطلب الأول: ذبح الأضحية قبل طلوع الفجر يوم النحر","level":5,"page":554},{"title":"المطلب الثاني: أول وقت التضحية لأهل الحضر","level":5,"page":554},{"title":"المطلب الثالث: وقت الأضحية في غير أهل الأمصار","level":5,"page":556},{"title":"المبحث الثاني: آخر وقت التضحية","level":4,"page":556},{"title":"المبحث الثالث: التضحية في ليالي أيام النحر","level":4,"page":560},{"title":"الفصل الثالث: من آداب التضحية وسننها. وفيه تمهيد وتسعة مباحث","level":2,"page":561},{"title":"تمهيد: يستحب التضحية بالأسمن والأكمل","level":3,"page":561},{"title":"المبحث الأول: إحداد الشفرة قبل إضجاع الذبيحة","level":3,"page":561},{"title":"المبحث الثاني: أن يذبح بنفسه إذا استطاع","level":3,"page":561},{"title":"المبحث الثالث: يستحب توجيه الذبيحة نحو القبلة","level":3,"page":561},{"title":"المبحث الرابع: استحباب التكبير بعد التسمية عند ذبح الأضحية","level":3,"page":562},{"title":"المبحث الخامس: يستحب بعد التسمية والتكبير قول: اللهم تقبله مني","level":3,"page":563},{"title":"المبحث السادس: يسن نحر البعير، وذبح الشاة والبقرة","level":3,"page":563},{"title":"المبحث السابع: استحباب الأكل من الأضحية، والتصدق منها","level":3,"page":564},{"title":"المبحث الثامن: هل يستحب للمضحي أن يقسم الأضحية إلى ثلاثة أقسام؟","level":3,"page":564},{"title":"المبحث التاسع: ذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها","level":3,"page":565},{"title":"الفصل الرابع: شروط الذكاة. وفيه ثلاثة مباحث","level":2,"page":566},{"title":"المبحث الأول: التسمية","level":3,"page":566},{"title":"المبحث الثاني: إنهار الدم","level":4,"page":568},{"title":"المبحث الثالث: القدر الواجب الذي يكتفى به في حصول التذكية","level":4,"page":569},{"title":"الفصل الخامس: ما يباح وينهى عنه في الأضحية. وفيه مبحثان","level":2,"page":571},{"title":"المبحث الأول: ما يباح في الأضحية. وفيه ثلاثة مطالب","level":3,"page":571},{"title":"المطلب الأول: جواز الاشتراك في البدنة والبقرة، وعن كم تجزئ؟","level":4,"page":571},{"title":"المطلب الثاني: الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وأهل بيته في الأضحية","level":4,"page":572},{"title":"المطلب الثالث: الاستنابة في ذبح الأضحية","level":4,"page":573},{"title":"المبحث الثاني: ما ينهى عنه في الأضحية. وفيه خمسة مطالب","level":3,"page":574},{"title":"المطلب الأول: حكم حلق الشعر وتقليم الأظفار لمن أراد أن يضحي","level":4,"page":574},{"title":"المطلب الثاني: حكم الفدية لمن أراد أن يضحي، فأخذ من شعره","level":4,"page":575},{"title":"المطلب الثالث: يحرم على المضحي أن يبيع شيئا من الأضحية","level":4,"page":575},{"title":"المطلب الرابع: إعطاء الجزار من الأضحية ثمنا لذبحه","level":4,"page":576},{"title":"المطلب الخامس: لا تشرع الأضحية استقلالا عن الميت","level":4,"page":576},{"title":"الباب التاسع عشر: المبيت بمنى. وفيه فصلان","level":1,"page":577},{"title":"الفصل الأول: أحكام المبيت بمنى. وفيه تسعة مباحث","level":2,"page":578},{"title":"المبحث الأول: سبب تسمية منى وأيام التشريق بهذين الاسمين","level":3,"page":578},{"title":"المبحث الثاني: مواقيت المبيت في منى ليالي أيام التشريق","level":4,"page":579},{"title":"المبحث الثالث: حكم المبيت بمنى ليالي أيام التشريق","level":4,"page":579},{"title":"المبحث الرابع: حكم المتعجل إذا غربت عليه شمس ثاني أيام التشريق","level":4,"page":582},{"title":"المبحث الخامس: إذا غربت الشمس قبل انفصاله من منى","level":4,"page":583},{"title":"المبحث السادس: القدر الذي يتحقق به الوجوب من المبيت في منى","level":4,"page":584},{"title":"المبحث السابع: حكم الدم لمن ترك المبيت بمنى ليلة من ليالي التشريق","level":4,"page":585},{"title":"المبحث الثامن: سقوط المبيت عن أصحاب سقاية الحجيج ورعاة الإبل","level":4,"page":585},{"title":"المبحث التاسع: هل يلحق سائر أهل الأعذار- كالمرضى ونحوهم- بأهل السقاية والرعاة، في عذرهم بالمبيت خارج منى؟","level":4,"page":586},{"title":"الفصل الثاني: نوازل منى. وفيه سبعة مباحث","level":2,"page":587},{"title":"المبحث الأول: حكم المبيت بجوار منى لمن لم يجد مكانا مناسبا","level":3,"page":588},{"title":"المبحث الثاني: من علم أن حملته لن تبيت بمنى","level":4,"page":590},{"title":"المبحث الثالث: المبيت في شوارع منى وأرصفتها","level":4,"page":590},{"title":"المبحث الرابع: البناء في منى وامتلاك مبانيها","level":4,"page":591},{"title":"المبحث الخامس: البناء على سفوح جبال منى مما لا يمكن استغلاله","level":4,"page":592},{"title":"المبحث السادس: تأجير الأراضي والخيام والمساكن بمنى","level":4,"page":592},{"title":"المبحث السابع: استغلال الأماكن الفارغة مما تم تأجيره","level":4,"page":593},{"title":"الباب العشرون: رمي الجمار. وفيه تمهيد وأربعة فصول","level":1,"page":594},{"title":"التمهيد: تعريف رمي الجمار، وحكمه. وفيه أربعة مباحث","level":2,"page":595},{"title":"المبحث الأول: تعريف رمي الجمار","level":3,"page":595},{"title":"المبحث الثاني: أنواع الجمرات","level":4,"page":595},{"title":"المبحث الثالث: حكم رمي الجمار","level":4,"page":595},{"title":"المبحث الرابع: الحكمة من رمي الجمار","level":4,"page":596},{"title":"الفصل الأول: شروط الرمي، للرمي ثمانية شروط، وهي","level":2,"page":597},{"title":"الأول: النية مع الرمي بالحصى","level":3,"page":598},{"title":"الثاني: أن يكون الرمي بحصيات","level":4,"page":598},{"title":"الثالث: العدد المخصوص","level":4,"page":599},{"title":"الرابع: أن يرمي الجمرة بالحصيات السبع متفرقات، واحدة فواحدة","level":4,"page":600},{"title":"الخامس: وقوع الحصى في الجمرة التي يجتمع فيها الحصى","level":4,"page":600},{"title":"السادس: ترتيب الجمرات في رمي أيام التشريق","level":4,"page":601},{"title":"السابع: الموالاة بين الرميات السبع للجمرة الواحدة","level":4,"page":601},{"title":"الثامن: أن يكون الرمي في زمن الرمي","level":4,"page":601},{"title":"الفصل الثاني: وقت رمي الجمار. وفيه تمهيد، وتسعة مباحث","level":2,"page":602},{"title":"التمهيد: الرمي أيام التشريق","level":3,"page":603},{"title":"المبحث الأول: الوقت المتفق على إجزاء الرمي فيه في أيام التشريق","level":4,"page":603},{"title":"المبحث الثاني: حكم رمي الجمار أيام التشريق قبل الزوال","level":4,"page":603},{"title":"المبحث الثالث: رمي الجمار في الليل","level":4,"page":610},{"title":"المبحث الرابع: حكم الرمي لليوم الثاني عشر من منتصف الليلة التي قبله","level":4,"page":612},{"title":"المبحث الخامس: نهاية وقت الرمي أيام التشريق","level":4,"page":614},{"title":"المبحث السادس: تأخير رمي الجمار إلى آخر أيام التشريق","level":4,"page":615},{"title":"المبحث السابع: النفر الأول إذا رمى الجمار ثاني أيام التشريق","level":4,"page":616},{"title":"المبحث الثامن: النفر الثاني إذا رمى الجمار ثالث أيام التشريق","level":4,"page":616},{"title":"المبحث التاسع: من ترك الرمي حتى انقضت أيام منى","level":4,"page":616},{"title":"الفصل الثالث: سنن رمي الجمار","level":2,"page":617},{"title":"السنة الأولى: التقاط الجمار، كما فعل النبي ﷺ","level":3,"page":618},{"title":"السنة الثانية: أن يكون الرمي بمثل حصى الخذف","level":4,"page":619},{"title":"السنة الثالثة: طهارة الحصيات","level":4,"page":620},{"title":"السنة الرابعة: المبادرة برمي الجمرة بعد وصوله إلى منى يوم النحر","level":4,"page":620},{"title":"السنة الخامسة: قطع التلبية مع أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة يوم النحر","level":4,"page":620},{"title":"السنة السادسة: التكبير مع كل حصاة","level":4,"page":620},{"title":"السنة السابعة: أن يرمي الجمرة الصغرى، جاعلا منى عن يساره","level":4,"page":621},{"title":"السنة الثامنة: الدعاء الطويل عقب رمي الجمرة الصغرى والوسطى","level":4,"page":622},{"title":"السنة التاسعة: الموالاة بين الجمرات الثلاث","level":4,"page":623},{"title":"السنة العاشرة: النزول بالأبطح بعد خروج الحاج من منى يوم النفر","level":4,"page":623},{"title":"الفصل الرابع: شروط الوكالة في الرمي","level":2,"page":624},{"title":"الشرط الأول: أن يكون الموكل عاجزا عن الرمي","level":3,"page":625},{"title":"الشرط الثاني: أن يكون الوكيل مسلما عاقلا بالغا","level":4,"page":626},{"title":"الشرط الثالث: أن يكون الوكيل حاجا","level":4,"page":626},{"title":"الشرط الرابع: هل يشترط أن يكون النائب (الوكيل) قد رمى عن نفسه","level":4,"page":627},{"title":"المطلب الثاني: حكم سفر المعذور قبل رمي وكيله","level":4,"page":627},{"title":"الباب الحادي والعشرون: طواف الوداع. وفيه تمهيد وثمانية مباحث","level":1,"page":628},{"title":"المبحث الأول: حكم طواف الوداع","level":2,"page":629},{"title":"المبحث الثاني: شروط طواف الوداع","level":2,"page":631},{"title":"الشرط الأول: أن يكون من أهل الآفاق","level":3,"page":631},{"title":"الشرط الثاني: الطهارة من الحيض والنفاس","level":3,"page":631},{"title":"الشرط الثالث: أن يكون طواف الوداع عند وداع الحرم","level":3,"page":633},{"title":"المبحث الثالث: دخول طواف الوداع في طواف الإفاضة","level":2,"page":634},{"title":"المبحث الرابع: حكم من خرج قبل طواف الوداع","level":2,"page":637},{"title":"المبحث الخامس: حكم طواف الوداع للعمرة","level":2,"page":637},{"title":"المبحث السادس: فيمن طاف للوداع أول أيام التشريق، ثم عاد إلى منى فبات، ورمى، وسافر لبلده من فوره ولم يرجع للحرم، فهل يجزئه ذلك؟","level":2,"page":639},{"title":"المبحث السابع: هل صح دعاء معين بعد طواف الوداع؟","level":2,"page":640},{"title":"الباب الثاني والعشرون: من نوازل الحج. وفيه ستة مباحث","level":1,"page":641},{"title":"المبحث الأول: الحج السريع","level":2,"page":641},{"title":"المبحث الثاني: حملات الحج. وفيه خمسة مطالب","level":3,"page":642},{"title":"المطلب الأول: تعريف حملات الحج","level":4,"page":642},{"title":"المطلب الثاني: مشروعية حملات الحج","level":4,"page":642},{"title":"المطلب الثالث: ضوابط الإعلان عن حملات الحج","level":4,"page":642},{"title":"المطلب الرابع: الحج مع الحملات الباهظة الثمن","level":4,"page":643},{"title":"المطلب الخامس: اشتراط الضمان البنكي للحملات والإيداع للأشخاص","level":4,"page":643},{"title":"المبحث الثالث: من حلول الزحام في المناسك","level":3,"page":644},{"title":"الأول: تنظيم وتفويج الحجيج بين المشاعر","level":4,"page":644},{"title":"الثاني: بناء الأبراج السكنية في منى","level":4,"page":644},{"title":"الثالث: استخدام التقنية الحديثة","level":4,"page":645},{"title":"الرابع: توعية الحجاج","level":4,"page":645},{"title":"المبحث الرابع: حكم زيارة المشاعر في غير النسك","level":3,"page":646},{"title":"المبحث الخامس: المفاضلة بين حج النافلة والتصدق بنفقته","level":3,"page":646},{"title":"المبحث السادس: تظليل المسجد الحرام","level":3,"page":647},{"title":"ملخص أعمال الحج","level":4,"page":647},{"title":"الباب الثالث والعشرون: أحكام تختص بالعمرة","level":1,"page":648},{"title":"تمهيد: تعريف العمرة","level":2,"page":649},{"title":"المبحث الأول: من فضائل العمرة","level":2,"page":649},{"title":"المبحث الثاني: حكم العمرة","level":2,"page":649},{"title":"المبحث الثالث: وقت العمرة","level":2,"page":654},{"title":"المبحث الرابع: عدد عمرات النبي ﷺ","level":2,"page":655},{"title":"المبحث الخامس: زمان عمرات النبي ﷺ","level":2,"page":655},{"title":"المبحث السادس: نوع النسك الذي أهلت به أم المؤمنين عائشة","level":2,"page":656},{"title":"المبحث السابع: تكرار العمرة، أو حكم عمرة التنعيم","level":2,"page":658},{"title":"المبحث الثامن: مشروعية العمرة لأهل حرم مكة","level":2,"page":663}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,63":61,"1,64":62,"1,65":63,"1,66":64,"1,67":65,"1,68":66,"1,69":67,"1,70":68,"1,71":69,"1,72":70,"1,73":71,"1,74":72,"1,75":73,"1,76":74,"1,77":75,"1,78":76,"1,79":77,"1,80":78,"1,81":79,"1,82":80,"1,83":81,"1,84":82,"1,85":83,"1,86":84,"1,87":85,"1,88":86,"1,89":87,"1,90":88,"1,91":89,"1,92":90,"1,93":91,"1,94":92,"1,95":93,"1,96":94,"1,97":95,"1,98":96,"1,99":97,"1,100":98,"1,101":99,"1,102":100,"1,103":101,"1,104":102,"1,105":103,"1,106":104,"1,107":105,"1,108":106,"1,109":107,"1,110":108,"1,111":109,"1,112":110,"1,113":111,"1,114":112,"1,115":113,"1,116":114,"1,117":115,"1,118":116,"1,119":117,"1,120":118,"1,121":119,"1,122":120,"1,123":121,"1,124":122,"1,125":123,"1,126":124,"1,127":125,"1,128":126,"1,129":127,"1,130":128,"1,131":129,"1,132":130,"1,133":131,"1,134":132,"1,135":133,"1,136":134,"1,137":135,"1,138":136,"1,139":137,"1,140":138,"1,141":139,"1,142":140,"1,143":141,"1,144":142,"1,145":143,"1,146":144,"1,147":145,"1,148":146,"1,149":147,"1,150":148,"1,151":149,"1,152":150,"1,153":151,"1,154":152,"1,155":153,"1,156":154,"1,157":155,"1,158":156,"1,159":157,"1,160":158,"1,161":159,"1,162":160,"1,163":161,"1,164":162,"1,165":163,"1,166":164,"1,167":165,"1,168":166,"1,169":167,"1,170":168,"1,171":169,"1,172":170,"1,173":171,"1,174":172,"1,175":173,"1,176":174,"1,177":175,"1,178":176,"1,179":177,"1,180":178,"1,181":179,"1,182":180,"1,183":181,"1,184":182,"1,185":183,"1,186":184,"1,187":185,"1,188":186,"1,189":187,"1,190":188,"1,191":189,"1,192":190,"1,193":191,"1,194":192,"1,195":193,"1,196":194,"1,197":195,"1,198":196,"1,199":197,"1,200":198,"1,201":199,"1,202":200,"1,203":201,"1,204":202,"1,205":203,"1,206":204,"1,207":205,"1,208":206,"1,209":207,"1,210":208,"1,211":209,"1,212":210,"1,213":211,"1,214":212,"1,215":213,"1,216":214,"1,217":215,"1,218":216,"1,219":217,"1,220":218,"1,221":219,"1,222":220,"1,223":221,"1,224":222,"1,225":223,"1,226":224,"1,227":225,"1,228":226,"1,229":227,"1,230":228,"1,231":229,"1,232":230,"1,233":231,"1,234":232,"1,235":233,"1,236":234,"1,237":235,"1,238":236,"1,239":237,"1,240":238,"1,241":239,"1,242":240,"1,243":241,"1,244":242,"1,245":243,"1,246":244,"1,247":245,"1,248":246,"1,249":247,"1,250":248,"1,251":249,"1,252":250,"1,253":251,"1,254":252,"1,255":253,"1,256":254,"1,257":255,"1,258":256,"1,259":257,"1,260":258,"1,261":259,"1,262":260,"1,263":261,"1,264":262,"1,265":263,"1,266":264,"1,267":265,"1,268":266,"1,269":267,"1,270":268,"1,271":269,"1,272":270,"1,273":271,"1,274":272,"1,275":273,"1,276":274,"1,277":275,"1,278":276,"1,279":277,"1,280":278,"1,281":279,"1,282":280,"1,283":281,"1,284":282,"1,285":283,"1,286":284,"1,287":285,"1,288":286,"1,289":287,"1,290":288,"1,291":289,"1,292":290,"1,293":291,"1,294":292,"1,295":293,"1,296":294,"1,297":295,"1,298":296,"1,299":297,"1,300":298,"1,301":299,"1,302":300,"1,303":301,"1,304":302,"1,305":303,"1,306":304,"1,307":305,"1,308":306,"1,309":307,"1,310":308,"1,311":309,"1,312":310,"1,313":311,"1,314":312,"1,315":313,"1,316":314,"1,317":315,"1,318":316,"1,319":317,"1,320":318,"1,321":319,"1,322":320,"1,323":321,"1,324":322,"1,325":323,"1,326":324,"1,327":325,"1,328":326,"1,329":327,"1,330":328,"1,331":329,"1,332":330,"1,333":331,"1,334":332,"1,335":333,"1,336":334,"1,337":335,"1,338":336,"1,339":337,"1,340":338,"1,341":339,"1,342":340,"1,343":341,"1,344":342,"1,345":343,"1,346":344,"1,347":345,"1,348":346,"1,349":347,"1,350":348,"1,351":349,"1,352":350,"1,353":351,"1,354":352,"1,355":353,"1,356":354,"1,357":355,"1,358":356,"1,359":357,"1,360":358,"1,361":359,"1,362":360,"1,363":361,"1,364":362,"1,365":363,"1,366":364,"1,367":365,"1,368":366,"1,369":367,"1,370":368,"1,371":369,"1,372":370,"1,373":371,"1,374":372,"1,375":373,"1,376":374,"1,377":375,"1,378":376,"1,379":377,"1,380":378,"1,381":379,"1,382":380,"1,383":381,"1,384":382,"1,385":383,"1,386":384,"1,387":385,"1,388":386,"1,389":387,"1,390":388,"1,391":389,"1,392":390,"1,393":391,"1,394":392,"1,395":393,"1,396":394,"1,397":395,"1,398":396,"1,399":397,"1,400":398,"1,401":399,"1,402":400,"1,403":401,"1,404":402,"1,405":403,"1,406":404,"1,407":405,"1,408":406,"1,409":407,"1,410":408,"1,411":409,"1,412":410,"1,413":411,"1,414":412,"1,415":413,"1,416":414,"1,417":415,"1,418":416,"1,419":417,"1,420":418,"1,421":419,"1,422":420,"1,423":421,"1,424":422,"1,425":423,"1,426":424,"1,427":425,"1,428":426,"1,429":427,"1,430":428,"1,431":429,"1,432":430,"1,433":431,"1,434":432,"1,435":433,"1,436":434,"1,437":435,"1,438":436,"1,439":437,"1,440":438,"1,441":439,"1,442":440,"1,443":441,"1,444":442,"1,445":443,"1,446":444,"1,447":445,"1,448":446,"1,449":447,"1,450":448,"1,451":449,"1,452":450,"1,453":451,"1,454":452,"1,455":453,"1,456":454,"1,457":455,"1,458":456,"1,459":457,"1,460":458,"1,461":459,"1,462":460,"1,463":461,"1,464":462,"1,465":463,"1,466":464,"1,467":465,"1,468":466,"1,469":467,"1,470":468,"1,471":469,"1,472":470,"1,473":471,"1,474":472,"1,475":473,"1,476":474,"1,477":475,"1,478":476,"1,479":477,"1,480":478,"1,481":479,"1,482":480,"1,483":481,"1,484":482,"1,485":483,"1,486":484,"1,487":485,"1,488":486,"1,489":487,"1,490":488,"1,491":489,"1,492":490,"1,493":491,"1,494":492,"1,495":493,"1,496":494,"1,497":495,"1,498":496,"1,499":497,"1,500":498,"1,501":499,"1,502":500,"1,503":501,"1,504":502,"1,505":503,"1,506":504,"1,507":505,"1,508":506,"1,509":507,"1,510":508,"1,511":509,"1,512":510,"1,513":511,"1,514":512,"1,515":513,"1,516":514,"1,517":515,"1,518":516,"1,519":517,"1,520":518,"1,521":519,"1,522":520,"1,523":521,"1,524":522,"1,525":523,"1,526":524,"1,527":525,"1,528":526,"1,529":527,"1,530":528,"1,531":529,"1,532":530,"1,533":531,"1,534":532,"1,535":533,"1,536":534,"1,537":535,"1,538":536,"1,539":537,"1,540":538,"1,541":539,"1,542":540,"1,543":541,"1,544":542,"1,545":543,"1,546":544,"1,547":545,"1,548":546,"1,549":547,"1,550":548,"1,551":549,"1,552":550,"1,553":551,"1,554":552,"1,555":553,"1,556":554,"1,557":555,"1,558":556,"1,559":557,"1,560":558,"1,561":559,"1,562":560,"1,563":561,"1,564":562,"1,565":563,"1,566":564,"1,567":565,"1,568":566,"1,569":567,"1,570":568,"1,571":569,"1,572":570,"1,573":571,"1,574":572,"1,575":573,"1,576":574,"1,577":575,"1,578":576,"1,579":577,"1,580":578,"1,581":579,"1,582":580,"1,583":581,"1,584":582,"1,585":583,"1,586":584,"1,587":585,"1,588":586,"1,589":587,"1,590":588,"1,591":589,"1,592":590,"1,593":591,"1,594":592,"1,595":593,"1,596":594,"1,597":595,"1,598":596,"1,599":597,"1,600":598,"1,601":599,"1,602":600,"1,603":601,"1,604":602,"1,605":603,"1,606":604,"1,607":605,"1,608":606,"1,609":607,"1,610":608,"1,611":609,"1,612":610,"1,613":611,"1,614":612,"1,615":613,"1,616":614,"1,617":615,"1,618":616,"1,619":617,"1,620":618,"1,621":619,"1,622":620,"1,623":621,"1,624":622,"1,625":623,"1,626":624,"1,627":625,"1,628":626,"1,629":627,"1,630":628,"1,631":629,"1,632":630,"1,633":631,"1,634":632,"1,635":633,"1,636":634,"1,637":635,"1,638":636,"1,639":637,"1,640":638,"1,641":639,"1,642":640,"1,643":641,"1,644":642,"1,645":643,"1,646":644,"1,647":645,"1,648":646,"1,649":647,"1,650":648,"1,651":649,"1,652":650,"1,653":651,"1,654":652,"1,655":653,"1,656":654,"1,657":655,"1,658":656,"1,659":657,"1,660":658,"1,661":659,"1,662":660,"1,663":661,"1,664":662,"1,665":663,"1,666":664},"ٜ":{"1":[3,666]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"17":[3],"18":[4,5,6],"19":[7,8],"21":[9],"24":[10],"25":[11,12],"26":[13],"27":[14],"29":[15],"31":[16],"32":[17,18],"33":[19],"34":[20,21,22],"35":[23],"39":[24],"40":[25],"42":[26],"43":[27,28,29,30],"44":[31,32],"45":[33],"46":[34,35],"47":[36,37],"48":[38,39,40],"50":[41,42,43,44],"51":[45,46],"52":[47],"53":[48,49],"55":[50,51],"56":[52],"57":[53],"64":[54],"66":[55],"67":[56,57,58,59],"68":[60,61],"70":[62],"71":[63,64],"74":[65,66,67,68,69],"75":[70,71,72],"76":[73],"77":[74,75,76,77,78,79],"78":[80,81,82],"79":[83,84],"80":[85,86],"81":[87,88],"82":[89,90,91,92,93],"83":[94,95,96,97],"84":[98,99],"85":[100],"86":[101,102,103],"90":[104],"92":[105],"93":[106,107,108,109],"94":[110,111],"95":[112,113,114],"97":[115],"98":[116],"100":[117,118,119,120,121],"101":[122,123],"102":[124],"104":[125],"105":[126,127,128,129],"108":[130,131],"109":[132,133],"110":[134,135,136],"112":[137,138],"113":[139,140],"116":[141],"120":[142],"121":[143],"122":[144,145],"123":[146],"126":[147,148],"127":[149,150,151],"128":[152,153,154,155,156],"131":[157],"133":[158],"134":[159,160,161],"137":[162,163,164,165,166],"138":[167],"140":[168,169],"141":[170,171],"144":[172,173,174,175],"145":[176,177,178],"147":[179,180],"148":[181],"151":[182],"152":[183,184,185],"153":[186],"154":[187,188,189,190],"155":[191,192],"156":[193,194,195,196],"157":[197,198,199],"158":[200],"161":[201,202,203],"162":[204],"163":[205],"164":[206],"167":[207],"168":[208],"170":[209],"171":[210,211,212,213],"172":[214],"173":[215],"175":[216,217,218,219],"176":[220,221,222,223],"177":[224,225,226,227],"178":[228,229],"179":[230,231],"182":[232],"184":[233],"185":[234,235],"186":[236],"187":[237],"188":[238,239,240,241,242,243,244],"189":[245,246],"190":[247,248,249],"191":[250,251],"192":[252,253],"193":[254,255,256,257,258],"194":[259],"195":[260],"196":[261],"197":[262,263,264],"199":[265],"203":[266,267,268,269,270],"204":[271],"207":[272],"208":[273,274,275],"209":[276,277,278],"213":[279,280,281],"214":[282,283,284],"217":[285],"219":[286,287],"220":[288],"221":[289],"222":[290,291,292],"223":[293,294,295,296],"224":[297,298,299,300],"232":[301],"233":[302,303,304],"234":[305],"235":[306],"236":[307],"237":[308,309,310,311],"238":[312],"240":[313,314],"241":[315,316,317],"242":[318,319],"243":[320],"247":[321,322],"248":[323,324],"249":[325,326,327],"250":[328,329,330],"251":[331,332,333,334],"252":[335,336,337],"254":[338],"256":[339],"258":[340,341,342,343],"259":[344,345,346,347],"260":[348,349],"264":[350],"265":[351,352,353,354],"266":[355,356],"267":[357,358,359,360],"268":[361],"269":[362,363,364,365],"272":[366,367],"277":[368],"279":[369,370,371],"281":[372],"283":[373],"284":[374,375],"285":[376],"287":[377],"288":[378,379,380],"289":[381],"290":[382,383,384],"292":[385,386],"293":[387],"294":[388,389,390,391,392],"295":[393,394],"297":[395],"298":[396,397,398,399],"300":[400],"306":[401,402],"308":[403,404],"314":[405],"315":[406],"316":[407],"317":[408],"321":[409],"323":[410,411,412,413,414],"324":[415],"326":[416,417],"327":[418,419,420],"329":[421,422,423,424],"331":[425],"332":[426],"333":[427,428,429],"334":[430,431],"336":[432],"337":[433],"338":[434,435,436],"339":[437],"340":[438],"341":[439,440,441],"342":[442],"344":[443,444,445],"346":[446],"348":[447],"350":[448],"351":[449],"352":[450,451],"354":[452,453],"355":[454,455],"357":[456],"358":[457,458,459],"360":[460,461,462,463],"361":[464],"362":[465],"364":[466],"365":[467,468],"366":[469,470],"367":[471],"368":[472,473,474],"370":[475,476],"373":[477,478,479],"374":[480],"375":[481],"377":[482],"378":[483,484],"379":[485],"380":[486,487],"381":[488,489,490],"382":[491],"383":[492,493,494,495,496],"384":[497],"385":[498],"387":[499,500,501],"389":[502],"390":[503,504,505],"391":[506],"392":[507,508,509,510],"393":[511,512],"394":[513,514],"395":[515,516,517,518,519],"396":[520],"397":[521,522,523,524],"399":[525,526,527,528],"401":[529,530],"404":[531],"405":[532,533],"406":[534,535,536,537],"407":[538,539,540,541,542,543,544,545,546],"409":[547],"410":[548,549,550,551],"411":[552,553],"412":[554,555,556],"413":[557],"416":[558,559],"417":[560],"418":[561,562,563],"419":[564],"421":[565,566,567],"422":[568,569,570],"423":[571,572,573,574],"424":[575,576,577,578],"426":[579],"427":[580,581,582],"428":[583,584,585,586],"429":[587],"430":[588],"431":[589,590,591],"433":[592,593],"435":[594,595],"436":[596,597],"437":[598],"439":[599,600,601,602],"442":[603,604,605],"443":[606,607,608],"444":[609,610,611],"445":[612],"446":[613,614,615],"447":[616,617],"449":[618],"450":[619,620],"451":[621,622,623,624],"452":[625,626],"453":[627,628],"454":[629],"458":[630],"461":[631],"462":[632],"463":[633],"464":[634,635,636],"466":[637],"467":[638,639],"473":[640,641,642],"474":[643,644],"476":[645,646,647,648],"481":[649],"482":[650],"483":[651,652],"485":[653],"487":[654,655],"489":[656],"490":[657],"491":[658],"492":[659],"494":[660],"495":[661,662],"496":[663],"498":[664],"501":[665],"502":[666],"504":[667,668,669],"509":[670],"510":[671],"511":[672],"513":[673],"514":[674,675],"515":[676,677],"516":[678],"518":[679],"519":[680],"520":[681,682],"522":[683],"524":[684,685],"526":[686,687,688],"528":[689],"529":[690,691],"530":[692,693],"531":[694],"532":[695,696],"533":[697],"534":[698,699],"535":[700],"537":[701],"538":[702],"539":[703],"540":[704],"541":[705],"544":[706],"546":[707,708,709],"547":[710],"548":[711],"550":[712,713],"551":[714],"553":[715],"554":[716,717,718,719,720],"556":[721,722],"560":[723],"561":[724,725,726,727,728],"562":[729],"563":[730,731],"564":[732,733],"565":[734],"566":[735,736],"568":[737],"569":[738],"571":[739,740,741],"572":[742],"573":[743],"574":[744,745],"575":[746,747],"576":[748,749],"577":[750],"578":[751,752],"579":[753,754],"582":[755],"583":[756],"584":[757],"585":[758,759],"586":[760],"587":[761],"588":[762],"590":[763,764],"591":[765],"592":[766,767],"593":[768],"594":[769],"595":[770,771,772,773],"596":[774],"597":[775],"598":[776,777],"599":[778],"600":[779,780],"601":[781,782,783],"602":[784],"603":[785,786,787],"610":[788],"612":[789],"614":[790],"615":[791],"616":[792,793,794],"617":[795],"618":[796],"619":[797],"620":[798,799,800,801],"621":[802],"622":[803],"623":[804,805],"624":[806],"625":[807],"626":[808,809],"627":[810,811],"628":[812],"629":[813],"631":[814,815,816],"633":[817],"634":[818],"637":[819,820],"639":[821],"640":[822],"641":[823,824],"642":[825,826,827,828],"643":[829,830],"644":[831,832,833],"645":[834,835],"646":[836,837],"647":[838,839],"648":[840],"649":[841,842,843],"654":[844],"655":[845,846],"656":[847],"658":[848],"663":[849]},"ٟ":[96,159,201]},"pages":[{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-1>تقديم</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.\nوبعد، فهذا بحث في الحج والعمرة وأعمالهما، وما يتعلق بهما من أحكام، أَعَدَّه أخي في الله، فضيلة الشيخ محمد حلاوة- حَفِظه الله- وقد اعتَنى فيه بصحة المادة الحديثية وسلامتها، فخَرَّج الأحاديث والآثار، وحَكَم عليها بما تستحقه صحة أو ضعفًا، وأورد أقوال أئمة الفقه من مصادرها، ورَجَّح ما يقتضي ما صححه من الدليل رجحانه.\nفجزاه الله خيرًا، ونَفَع به، ووَفَّقه لمزيد من العلم النافع والعمل الصالح.\nوهذا، ولأخي محمد- حَفِظه الله- عدد من المصنفات النافعة في الفقه، مثل «أحكام الطهارة» و«الصيام» و«الزكاة» فاللهَ أسأل أن ينفع به وبعلمه.\nوصلى الله على نبينا محمد وسلم.\nوالحمد لله رب العالمين.\n\nكتبه\nأبو عبد الله\nمصطفى بن العدوي\n(٢) رمضان (١٤٤٢ هـ)","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>المقدمة</span>\n﷽\nالحمد لله الذي شَرَع الحج إلى بيته الحرام، وجَعَله أحد أركان الإسلام، ونَهَى الحاج عن ارتكاب المعاصي والمخالفات والآثام، وغَفَر لمَن حج واعتمر ما اكتسب من الذنوب والآثام، أحمده حمدًا كثيرًا طيبًا على مر الليالي والأيام.\nوأشهد أَنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شَرَع الشرائع وأَحْكَم الأحكام، وجَعَل الحج سببًا لدخول الجنة دار السلام، ووسيلةً لتكفير الذنوب والآثام. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبد الله ورسوله، أفضل الخَلْق وصفوة الأنام، وأفضل مَنْ صلى وصام، وأدى مناسك الحج على الكمال والتمام.\nأنت الذي قَوَّمْتَ ميزان الورى … ومحوتَ ظُلْم العدل في الميزانِ\nآسيتَ أيتامًا كَفَلْتَ أراملًا … أَسْعَدْتَ محرومًا رَحِمْتَ العاني\nأَنْقَذْتَ مسكينًا حَمَيْتَ مُشَرَّدًا … أَسْعَدْتَ مكروبًا هَدَيْتَ الجاني\nصلى عليك الله وسَلَّمَا … يا رحمة بُعِثَتْ من الرحمنِ\nاللهم صَلِّ على صاحب النفس الرضية، والطَّلْعة البهية، والمُهجة التقية، واليد الوفية، وعلى آله وصحبه، تلك النخبة الأبية، الأئمة الأعلام، شموس الدُّجَى ومصابيح الظلام، وعلى التابعين ومَن تَبِعهم بإحسان ما تعاقبت الليالي والأيام.\nأما بعد:\nفإِنَّ مِنْ أعجب ما يدهش ألباب العقلاء، ويأخذ بقلوب الأصفياء، ويحار في ذكره المفكرون والعظماء، ويقف عن ترجمته الخبراء والعلماء، ويَعجز عن وصفه الفصحاء والبلغاء- جَذْب النفوس لبيت الله الحرام.\nإلى قِبلة الرُّوح رُوحي سَمَتْ … وطَرْفي إليها أطال النظَرْ\nأَحن إليها وأشتاقها … وكم من فؤاد إليها انفطَرْ","vol":"1","page":4},{"text":"هناك الهدى والمُنى والسَّنا … وطَيْف من الأمل المُنتظَرْ\nهناك بداياتنا أُمَّة … تسامت وميلاد خير البشَرْ\nوإِنَّ مِنْ أعظم علامات اليُمْن، وأمارات الخير، وتباشير النصر لهذه الأمة العظيمة العزيزة بدينها- حبها لبيت بارئها، ولَهْفها لِحَرَم خالقها، وتَحَقَّقَتْ دعوة الخليل: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧].\nهنا بمكة آي الله قد نَزَلَتْ … هنا تربى رسول الله خير نبي\nهنا الصحابة عاشوا يَصنعون لنا … مجدًا فريدًا على الأيام لم يشب\nهنا، مكة مهد الدين والإسلام، اصطفاها الرحمن، وتَنَزَّل في جنباتها القرآن، وفيها وُلد ونشأ وبُعث سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.\nبلدة ترنو إليها الأبصار، وتمتد إليها الأعناق، وتَعْلَق بها الخواطر، وتَلْهَج بها الأفكار.\nلا تُنكِروا شوقي إلى أُم القُرى … وتَهتُّكي بين الورى من ذكرها\nأبدًا بقلبي لا تَزال ربوعها … وبناظرَيَّ مَصِيفها وربيعها\nبلد تَطْرَب القلوب لذكره، وتشتاق الأفئدة لحُسْنه، إنه مكة، الاسم الخالد في قلب كل مؤمن، على ثراها نزلت الهداية، ومِن رُباها رُفعت للحق أعظم راية وكانت البداية.\nأُمَّ القرى يا جنة اليوم والغد … ويا زينة الماضي التليد المجدد\nأعز بلاد الله في الأرض موطنًا … ومولد خير الأنبياء محمد\nإن الله تعالى جَعَل الكعبة مَهْوَى أفئدة المسلمين، وقِبلة المصلين، ومَثابة للعَالَمين، وأَمْنًا للخائفين، ومأوى للمذنبين والمُقصِّرين، يَطلبون عنده العفو والمغفرة من رب العالمين، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦].\nكيف لا يكون هُدًى، ومنه انبثق فجر الإسلام ونور الإيمان؟!\nكيف لا، وقد جَعَلها الله قيامًا للناس أجمعين، وهي قِبلة للمسلمين، ومَهْبِط الوحي على النبي الأمين؟!\nكيف لا، وكم مِنْ نفوس دخلته فآبت وتابت واستقامت؟! وكم مِنْ قلوب دخلته فاطمأنت وسكنت؟! كيف لا والقلوب والأبدان تتوجه إليه كل يوم مرات ومرات، ولو","vol":"1","page":5},{"text":"كانت في قاع البحار أو فوق السحاب؟!\nيا مكة الخير يا أرض المَسَرَّاتِ … يا مَشْرِق النور يا مَهْد النُّبواتِ\nيا دُرَّة في جبين الكون ساطعة … يا عبيرًا لأرواح زكياتِ\nوكيف لا ننتشي شوقًا إلى بلد … نهفو له كل يوم خَمْس مراتِ\nبيتٌ سطع نوره، وأشرقت بهجته، وراقت نضارته، وتألق حُسنه!\nبيت تتحرك إليه النفوس، وتتلهف له القلوب، وتثور شجون الحب، وتُنْفَق فيه الأموال، وتُتْرَك من أجله الأوطان؛ طاعة واستجابة لنداء الواحد الديان؛ لترتوي النفوس وتطمئن القلوب وتزكو الجوارح؛ لتزداد من الحسنات وتتقرب من رب الأرض والسموات، ترجو الجنان والعتق من النيران.\nفي البيت الحرام تُسْكَب العَبَرات، وتُجَدَّد التوبات، وتَصعد الزَّفَرات، وتُسَح الدمعات، وتُسْمَع الآهات.\nفي البيت الحرام يكون الأُنس بالرحمن، ويتخلص القلب من الأحزان، وتنطلق الرُّوح من العصيان.\nفي البيت الحرام تُضاعَف الحسنات، وتُحَط الغَدَرات، وتُعَظَّم السيئات، وتُغْفَر الزلات.\nفالناظر حول الكعبة بيت الله الحرام يرى رجالًا أتقياء، ونساء خَيِّرات، وشبابًا أصفياء، بتلك النفوس المؤمنة الزمان يزدهر، والأيام تحتفل، والأرض في طرب.\nحَيِّ الشباب شباب أُمتنا الذي … هَجَر الرِّعاع وسار للرحمنِ\nمتوجهًا للبيت يَبغِي رحمة … متوثبًا بالنور والإيمانِ\nالعين تَفرح حين تُبْصِر ما تَرَى … من دعوة وإنابة الشُّبَّانِ\nعلماءنا ودُعاتَنا بُشْرَى لكم … يا مَنْ بَنيتم عاليَ البُنيانِ\nولتفرحي يا أمتي فلقد بدا … فجر الهداية واضحًا لعِيَانِ\nوالشِّيب قد خَفُّوا على عَجْز بهم … لِلِقاء خالقهم بغير هوانِ\nقَطَعُوا الفيافي والقفار لعلهم … يَحْظَوْنَ بالرحمات والغُفرانِ","vol":"1","page":6},{"text":"هَذِي سطور قد كَتَبْتُ حروفها … بالحُب والإشفاق للإخوانِ\nوالنصح منكم يا أَحبةُ مَطْلَبِي … ليَزول ما في القول من نقصانِ\nولتستروا خَلاتنا ولتصفحوا … فالصفح منكم غاية الإحسانِ\nواللهَ أسأل أن يُعمِّم نفعها … وتصير خير زاد للركبانِ\nثم الصلاة على النبي محمد … ما طاف معتمر على الأركانِ\nفالحج عبادة عظيمة، مِنْ أَجَلّ العبادات، وقربة من أعظم القربات، فيه الانطراح بين يدي الواحد العَلَّام، وتجديد العهد مع الله على الإسلام، وبه تُمْحَى الخطايا والآثام، ويُباهِي الله تعالى بعباده ملائكته الكرام، وقبل ذلك وبعده الركن الخامس من أركان الإسلام، وأحد مبانيه العظام، وشَهِد النص بأنه من أفضل الأعمال وأنه من الجهاد، ويَهدم ما كان قبله من الذنوب والآثام، وأن المتابعة بينه وبين والعمرة تَنفي الفقر والذنوب كما يَنفي الكِير خَبَث الحديد.\nفالحج عبادة تُفْضِي بالعبد إلى مغفرة الذنوب، وتُخَلِّصه من ماضٍ تراكمت فيه الأوزار، وتفاقمت فيه الشرور والآثام والخطايا، التي تنوء بها الجبال، فيرجع بذلك العبد إلى أهله بعد أداء حجه طاهر القلب، زكي النفس، مشرق الرُّوح، نقي الوجدان، نظيف الظاهر والباطن من الذنوب، مستقيمًا على هَدْي الفطرة، كما قال ﷺ: «مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».\nوإن مما يُفرح القلب، ويَشرح الصدر، ويُمتع الأرواح، ويبعث الأمل- ذلك الإقبال العالمي، ولا سيما في شهر الغفران وحج بيت الحرام.\nمُتدفِّقون كأنهم أنهارُ … أَنَّى اتجهتَ جلالةٌ ووقارُ\nفالناظر يرى تباشير النصر والتأييد والعز والتمكين لهذه الأمة.\nلَبَّيْكَ فاح الكون من نَفَحاتها … وتَعَطَّرَتْ منها ربوع الوادي\nهذا الرحيل إلي ربوع لم تَزَلْ … تُهْدِي إلى الدنيا براعة هادِ\nفهل رأيتَ لباسًا قَطُّ أَجَلَّ من لباس المُحْرِمين؟ وهل رأيتَ رُءوسًا أعز من رءوس المُحَلِّقين؟ وهل مَرَّ بك رَكْبٌ أشرف من ركب الطائفين؟ وهل مَرَّ بك مشهد كمشهد ليلة سبع وعشرين؟","vol":"1","page":7},{"text":"لله دَرُّ ركائب سارت بهم … تَطوي القفار الشاسعات عن الدجى\nرحلوا إلى البيت الحرام وقد شجا … قَلْبَ المُتيَّم منهم ما قد شجا\nنَزَلُوا بباب لا يَخيب نزيله … وقلوبهم بين المخافة والرجا\nجموع ملبية، وأعين باكية، وعَبَرات ساكبة، وألسنة ذاكرة، وقلوب خاشعة، ونفوس خاضعة، وأيدٍ داعية، وجِباه ساجدة.\nإليك إلهي قد أتيتُ ملبيًا … فبَارِك إلهي حجتي ودعائيا\nقصدتُك مضطرًّا وجئتك باكيًا … وحاشاك ربي أن تَرُد بكائيا\nأتيتُ بلا زاد وَجُودك مطمعي … وما خاب مَنْ يهفو لجودك ساعيا\nإليك إلهي قد حَضَرْتُ مُؤمِّلًا … خلاص فؤادي من ذنوبي ملبيا\nفها هي قوافل حُجاج بيت الله الحرام، وجموع ضيوف الرحمن، ووفود المَلِك العَلَّام، أتت من كل فَجٍّ عميق، أتوا عبر القارات والبحار، وقَطَعُوا الفيافي والأجواء والقفار؛ ليَشهدوا منافع لهم، يدفعهم الإيمان وتقودهم الرغبة، ويحدوهم الشوق، ويُحفزهم الأمل فيما عند الله ﷿؛ استجابة لأمر الله سبحانه لخليله ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].\nفيا ضيوف الرحمن، وفود المَلِك العَلَّام، يا مَنْ تجشمتم الصِّعاب، وركبتم المَشاقّ والأخطار، وقطعتم الفيافي والقِفار، والأجواء والبحار، وتركتم الأوطان والأموال والأولاد، لا لشيء إلا لأداء فريضة الحج على الوجه الأكمل والطريق الأمثل؛ هنيئًا لكم سلامة الوصول وحصول المأمول.\nأهلًا وسهلًا والسلام عليكمُ … وتحية منا تُزَفّ إليكمُ\nأحبابَنا ما أَجْمَلَ الدنيا بكم … لا تَقْبُح الدنيا وفيها أنتمُ\nفمرحبًا بوفد الرحمن وضيوف البيت الحرام، فلهم منا أجمل وأسمى تحية وإكبار.\nأهلًا وسهلًا بالحجيج ومرحبًا … تزهو بها الدنيا وتَخْضَرّ الرُّبا\nغنت طيور الشوق في إحساسه … فلكم أصاخ الكون منه وأطربا\nيا حُجاج بيت الله، اتقوا الله واشكروه على ما هيأ لكم من الوصول إلى بيته العتيق،","vol":"1","page":8},{"text":"والاجتماع حول هذه الكعبة المشرفة، حيث تُسْكَب العبرات، وتَتنزل الرحمات، وتُرْفَع الدرجات، وتقال العثرات، وتُكَفَّر السيئات، وتُغْفَر الذنوب والخطيئات.\nفيا لها من مواقف تُهَذَّب فيها النفوس، وتَصْقُل فيها القلوب، وتحيا فيها الضمائر، وتصفو فيها المشاعر، ويَفرح بها أهل الإيمان!\nعبدَ الله، إن من نعمة الله عليك زيارة البيت العتيق، يوم أن حُرِمه كثير من العالمين، فحالت بينهم وبينه المصائب والأقدار، ما بين مُقْعَد على الفراش، كانت زيارة البيت من أعظم مناه، فوافاه الأجل قبل رؤياه. وما بين فقير، ليس عنده من الزاد ما يُبلغه إياه. وما بين شارد تائه عن الله ورضاه. فاغتَنِم هذه الفرصة.\nحُجاجَ بيت الله الحرام، اعلموا إن من أهم مقاصد الحج تحقيق التوحيد، فلقد أَوْدَع الله تعالى في مناسك الحج أعظم مظاهر التوحيد! ففي الطواف حول البيت العتيق يتجلى معنى الالتفاف حول الكعبة، فيجتمع حولها المسلمون ليُعلنوا توحيدهم لله ونَبْذهم لكل صور الشرك ومظاهر الوثنية، قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥].\nيا نازلين بأرض مكة والحَرَمْ … والطائفين بركنه والمُلتزَمْ\nهذي نصيحة مشفق مُتوجِّل … أَرْعِ لها سمعًا وبالنصح التَزِمْ\nيا زائرًا للبيت تلك وصية … اشْدُد بها عضدًا وبالحق استَقِمْ\nتلك الوصايا قد حواها ديننا … لنُشيد رفعتنا ونَبني ما انهدمْ\nقد حاز هذا الدينُ كل فضيلة … شَهِدَتْ له حتى الفرنجة والعجمْ\nثم الصلاة على الذي بسماحة … مَلَك القلوب وقادها نحو القِممْ\nيا حُجاج بيت الله الحرام، هل تذكرتم - وأنتم تَحلّون في رحاب هذا البيت العتيق- أباكم إبراهيم ﵇، وابنه إسماعيل، وهما يَرفعان القواعد من البيت؟!\nوهل تذكرتم نبيكم المصطفى محمدًا ﷺ، وهو يقوم بالدعوة إلى الله من هذه البقاع المقدسة؟!\nهل تذكرتم كيف نَمَتْ دوحة الإيمان، وترعرعت دعوة الإسلام، التي حَمَلها رجال صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه؟!","vol":"1","page":9},{"text":"ثم هل تفكرتم فيما آل إليه أمركم في هذا الزمان، وعَرَفتم ما السبب في ذلك الخِذلان؟\nإنه-والله- التساهل في أمر هذا الدين، ووجود الخلاف والفُرقة بين أبناء المسلمين، هو الذي سبب تسلط أعداء الإسلام على أمة الإسلام، واحتلال مقدسات المسلمين وإحلال الفساد والدمار فيها.\nهل تذكرتم- يا إخوة الإسلام، ويا أيها الحُجاج الكرام- وأنتم تنعمون في ظل هذا البيت الآمن- أخاه المسجد الأقصى المبارك الذي يئن تحت وطأة الاحتلال الغاشم، من أعداء الله ورسوله والمؤمنين.\nحُجاج بيت الله، عَظِّموا شعائر ربكم وشرائعه ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] واعقدوا العزم الأكيد على العمل بدينكم، مصدر عزكم ونصركم وسعادتكم في الدنيا والآخرة، واعلموا أن في أيام الحج صورًا وعظات، وعبرًا وآيات، واكتساب علم وخبرات، وحصول منافع ودفع سيئات، ودوام ذكر وعبرات، قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨].\nعبادَ الله، إنَّ أَعْظَم أركان الحج: الوقوف بعرفة، فعن عَائِشَة: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟».\nأراد هؤلاء رضا الرحمن، إنهم جاءوا يرجون الجنان، إنهم جاءوا من أقاصي البلدان يرجون العتق من النيران، إنهم جاءوا وَكُلهم وجل وخوف من الديان، وكأن كل واحد منهم يقول بلسان حاله:\nإليك إلهي قد شددتُ رحاليا … وأقبلتُ في شوق أَبُثك ما بيا\nأتيتُك بعد اليأس أدنو ملبيًا … إلى العفو ظمآنًا إلى الصفح صاديا\nفلما استبد اليأس واستحكم الهوى … قصدتُك يا مولاي أطوي الفيافيا\nأتيتُ إلى أفياء بيتك عَلَّني … أُريح ضميري من عناء شقائيا\nفلَبَّيْكَ رَبَّ البيت لَبَّيْكَ ما سَرَى … إلى البيت عبد من عبيدك عانيا\nرَأَى كل باب غير بابك مُوصَدًا … فآب إلى أعتاب بابك ثاويا","vol":"1","page":10},{"text":"يقول ابن القيم في وصفِ يوم عرفة:\nفلله ذاك الموقف الأعظم الذي … كموقفِ يوم العَرْض بل ذاك أعظمُ\nويدنو به الجبارُ ﷻ … يُباهِي بهم أملاكَه فَهْو أَكْرَمُ\nيقول: عبادي قد أتَوْنيِ محبة … وإني بهم بَرٌّ أَجُودُ وأُكْرِمُ\nفأُشْهِدكم أني غفرتُ ذنوبهم … وأعطيتُهم ما أَمَّلُوه وأُنْعِمُ\nيسعى الحاج بين الصفا والمروة استذكارًا لسعيِ هاجر أُم إسماعيل؛ فإنها لَمَّا استسلمت لأمر اللهِ وانقادتْ لمشيئتِه، رَفَع اللهُ قَدْرها وأعلى شأنها، وأزال عنها البأساء والضراء، ومَنَحها وابنَها الخير والرخاء.\nأخرجَ البخاريُّ عن ابنِ عباسٍ ﵄، قال: «جَاءَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ بِهَاجَرَ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ ﵇، وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ البَيْتِ، عِنْدَ دَوْحَةٍ، فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى المَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الوَادِي، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا» ولم يضيعهما الله، حيث فَجَّر لهما زمزم، وأَسْبَغَ عليهما مِنْ بركاته وأَنْعَمَ، واجتمع الناس إليهم من كل سبيلٍ، فتحققت بذلك دعوة أبينا إبراهيم الخليل: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وما زالت زمزم- والحمد لله بَرَكة مِنْ إنعام الله عليهما، وأثرًا طيبًا مِنْ آثارهما.\nفتُذكِّرنا الصفا والمروة وزمزم بهاجر التي ضربت أروع الأمثلة في التوكل في الله، حينما قالت لزوجها: «آللهُ أمرَك بهذا؟ قال: نعمْ. قالت: إذنْ لا يُضَيِّعُنا» لم تَجعل عَقْدها مع إبراهيم، بل جَعَلَتْ عَقْدها مع الله، فلم تَشترط شروطًا؛ لعِلمها أن الله لا يضيعها، تَرَكها إبراهيم ﵇ في وادٍ غير ذي زرع، لا أُنس ولا أنيس؛ لأنه عَقَد عقدًا مع الله، ومَن تَوكَّل على الله، فإنه يَنال من فضائله وثمراته بحَسَب تحقيقه له، ما لا يَخطر له على بال ولا يدور في خيال، ولا يحيط به مقال.","vol":"1","page":11},{"text":"والتوكل هو جماع الإيمان، مَنْ سَرَّه أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله. لا تَدَعْ قلبك يتعلق بما عند الناس وبما في أيديهم، واجعل تعلقك بربك، وارمِ بهمومك وأسرارك وما عندك بين يدي الله ﷾، وأَقْبِل عليه بالدعاء في جوف الليل وهجير النهار، وبكثرة ترددك على أبوابه ستُفتح لك أبواب الرحمة.\nأيها المؤمن، تعالَ وانظر بقلبك وقالبك كيف شَكَر الله لأم إسماعيل؟! فإنها لَمَّا صَدَقَتْ في إيمانها خَلَّد الله ذكرها بزمزم، وجَعَل السعي عبادة من العبادات اقتداء بها، وجَعَل ببركتها مكة المباركة التي تهوي أفئدة الناس إليها.\nففي زمن يتكالب فيه أعداء الأمة على المرأة المسلمة، مستخدمين كل ما بوُسعهم من سبل وقوة، زاعمين أن الإسلام لم يُعْطِ المرأة حقها بل أهانها! انظر أيها المسلم المعتز بدينه، كيف مَجَّد الإسلام هذه المرأة، وجَعَلها بركة على العالمين؟!\nوقد أَكَّد النبي ﷺ في حجة الوداع حق المرأة، ووجوب رعايتها والتخويف من الاعتداء عليها، فقال ﷺ: «فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ».\nأين المتشدقون العابثون الكاذبون على الله ودينه، بأنه حقر المرأة وظَلَمها وأقصاها، ولم يَجعل لها وزنًا؟!\nأيتها المسلمة الحرة الأبية، كوني حرة بالإسلام والحجاب والعفاف والفضيلة.\nوالحج من أكثر العبادات ذِكرًا لله، بَدْءًا من التلبية إلى الختام، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠].\nلو يَعلم العبد ما في الذِّكر من شرف … أمضى الحياةَ بتسبيح وتهليل\nلو يَعلم الناس ما في الذِّكر من شرف … لم يُلهِهم عنه تجميع الدنانير\nتُعَلِّمنا مناسك الحج حُسْن الخُلق، وقد تجلى ذلك في تواضع النبي ﷺ في حجه في مواقف شتى، فليس من الآداب رفع الأصوات والقيل والقال، والحديث في الجَوَّال بصوت عالٍ مزعج لغير حاجة.\nتُعَلِّمنا مناسك الحج الدقة والتنظيم في المكان والزمان، فليس لأحد أن يقف بعرفة في يوم النحر. وفي ذلك رَدٌّ على الذين يظنون أن الإسلام دين فوضى ولا تنظيم فيه.","vol":"1","page":12},{"text":"حُجاج بيت الله الحرام، اعلموا أن من أهم مقاصد الحج تحقيق معاني الأخوة الإسلامية، ففي الحج تتساوى الرءوس، ولا تستطيع أن تُفَرِّق بين غني وفقير، أو بين شريف ووضيع، أو بين رئيس ومرءوس؛ فالكُل يَلبس البياض إشارة إلى فقره وحاجته إلى الله تعالى، وإلى أنه لن يَخرج من الدنيا إلا بهذا الإزار والرداء، لا فضل هنا لأحد على أحد بمال أو جاه أو لون أو نَسَب أو أي غرض من أغراض الدنيا، إنما يَشرف الإنسان في هذا الموضع بالتقوى.\nفتتجلى في الحج رُوح المساواة والوحدة، فالوحدة تَرى معناها في الحج واضحًا جليًّا! وحدة في المشاعر، وحدة في الشعائر، وحدة في الهدف، وحدة في العمل، وحدة في القول، لا عصبية ولا عنصرية لِلَون أو جنس أو طبقة، فالناس من آدم، وآدم من تراب، لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى. ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢].\nأرى الناس أصنافًا ومن كل بقعة … إليك انتهوا من غربة وشتات\nتَساوَوْا فلا أنساب فيها تَفاوُت … لديك ولا الأقدار مختلفات\nهنا تَظهر الرابطة الإسلامية، وتُدفَن العصبية والنعرات الجاهلية، هنا الأقرب لله أكثرهم تقوى، لا مال ولا نَسَب. هنا تَظهر صورة الإسلام بجماله وروعته وعظمته.\nهنا الأماني هنا الأمجاد قد رُفعت … هنا المعالي هنا القربى هنا الرحمُ\nهنا القلوب استفاقت من معاقلها … هنا النفوس أتت للحق تزدحمُ\nهنا رُوَاء هنا فجر هنا أمل … هنا كتاب هنا لوح هنا قَلَمُ\nفباجتماع المسلمين في بلادهم المقدسة وتعاونهم، تتقارب قلوبهم وإن تباعدت أجسادهم، وتجتمع كلمتهم وإن تَفَرَّقَ شملهم، وتنتظم صفوفهم وإن تبعثرت وجهاتهم، فيصبحون على كثرتهم وتَعَدُّد أوطانهم وتباعد بلادهم- جسدًا واحدًا، وإذا اشتكى عضوًا منه تداعى له سائره بالحُمى والسهر.\nفيجب علينا أن نَشعر بعمق تلك الوحدة في حياتنا، فنتحسس من خلالها آلام المضطهدين والمعذبين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، حيث يسامون على أيدي أعداء الله ألوان العذاب والتنكيل.","vol":"1","page":13},{"text":"إن أمة الإسلام اليوم بحاجة مَاسَّة إلى الاستفادة من مواسم الإسلام المباركة، وآثارها العظيمة ومنافعها الجمة؛ لتنطلق للإصلاح من هذه البقاع المباركة، فمتى تظل الأمة تراوح مكانها؟ وتأسى على أوضاعها؟ وتندب حظها؟ دون تحرك جاد في العمل للإسلام وبالإسلام.\nوبما تَقَدَّم من أهمية هذا الركن العظيم، وما يعتري المسلم فيه من عوارض تحتاج إلى أحكام وأجوبة، ولتفريط كثير من المسلمين - من أسف - فى تحصيل فقه الحج، وقصورِهم عن معرفة أحكامه وسُننه وآدابه؛ رَغِبتُ فى إعداد هذا الكتاب وتأليفه، وتَعنَّيتُ لتحبيره جهدي، مُستلهمًا من المولى عز شأنه التسديد والتوفيق، سائلًا إياه أن يكون لحُجاج بيت الله دليلًا ونبراسًا، ولطالب العلم أصلًا وأساسًا.\nعلى كف الندى أُهْدِي كتابي … وأُرخي في محبتكم رِكابي\nفإن كان الذي أُهْدي يسيرًا … ففيض الوُد أكمل في النِّصابِ\nوسَميتُه «جَمْع السبائك لأحكام المناسك».\nوكان عملي في هذا الكتاب هو جَمْع مسائل الحج:\nفإن كانت المسألة من مواضع الإجماع، حاولتُ قدر استطاعتي توثيق هذا الإجماع من مظانه المعتبرة، وبَينتُ هل هذا الإجماع منخرم أم لا؟\nوإذا كانت المسألة من مسائل الخلاف، قمتُ بعرض المسألة الخلافية بذكر كل قول، ثم القائل به، لا سيما المذاهب الأربعة، ثم الأدلة من القرآن والسُّنة.\nوقد التزمتُ فيه ما صَحَّ عن النبي العدنان، مع ذكر بعض الأحاديث الضعيفة لبيان ضعفها، أو للرد على مَنْ استَدل بها.\nوكذلك ذَكَرْتُ الآثار عن الصحابة الأبرار والتابعين الأخيار، ورجَّحتُ ما يقتضي الدليل رُجحانه.\nثم لما كانت هناك مسائل نازلة في الحج، لم أجد فيها أقوالًا للصحابة ولا التابعين، ذَكَرْتُ أقوال أهل العلم المعاصرين.\nوكم تمنيتُ أن يكون هذا الكتاب فريدًا في بابه، يجد فيه طالب العلم نَهْمته والناسك بُغيته.","vol":"1","page":14},{"text":"وقد قسمتُ هذا الكتاب إلى ثلاثة وعشرين بابًا:\nالباب الأول: مقدمة في الحج. والباب الثاني: شروط الحج.\nوالباب الثالث: آداب السفر. والباب الرابع: المواقيت.\nوالباب الخامس: الأنساك الثلاثة. والباب السادس: الإحرام.\nوالباب السابع: دخول مكة. والباب الثامن: الطواف.\nوالباب التاسع: السعي.\nوالباب العاشر والحادي عشر والثاني عشر: يوم التروية ويوم عرفة، والمزدلفة.\nمن الباب الثالث عشر حتى الباب الثامن عشر: أعمال يوم النحر، مِنْ رمي جمرة العقبة والحلق وطواف الإفاضة والهَدْي والتحلل.\nوالباب التاسع عشر، والعِشرون: أعمال أيام التشريق من مبيت بمنى ورمي الجمار.\nوالباب الحادي والعِشرون: طواف الوداع. والباب الثاني والعِشرون: نوازل الحج.\nوالباب الثالث والعِشرون: أحكام تختص بالعمرة.\nوهذا ترتيب منطقي، فأول ما يفعله مَنْ أراد الحج أن يَتعلم فضل الحج وحكمه وشروطه. ثم إذا أراد السفر للحج، تَعَلَّمَ آداب السفر. وفي طريقه يمر بالمواقيت ويُحْرِم منها. ثم دخول مكة والطواف والسعي، ثم يوم التروية ويوم عرفة، والوقوف بمُزدلِفة، وأعمال يوم النحر من رمي ونَحْر وحَلْق، وطواف وسعي. ثم أعمال أيام التشريق، من مبيت بمنى ورَمْي الجمار، ثم طواف الوداع لتوديع البيت ومفارقته.\nوبعد أن أضنيتُ نفسي في جمع هذا الكتاب، قمتُ بعرض ما جمعتُه على شيخنا المِفضال مصطفى بن العدوي- حَفِظه الله - فراجعه على دَيدنه في سماحة خلقه، وبِرِّه بطلاب العلم، فقَدَّم له، فأفدتُ من تسديد ألحاظه وتصويب ألفاظه.\nفله مني شكر لا ينقطع مداه، وثناء لا يُبلغ منتهاه، ودعاء مدى الحياة؛ فقد كان له فضل عليَّ في سلوك جادة العلم والتحصيل، وما كتبتُ في أبحاثي إلا زهرة من بستانه، فقد كان عونًا لي بعد الله على طلب العلم، وكيفية بحث المسائل، والحُكم على الأحاديث في ضوء قواعدِ الجَرْح والتعديل، وفي حل كل ما يشكل عليَّ.\nفكم أَذْكُره في خَلَواتي، وأدعو له في صلواتي، فجزاه الله خير الجزاء وأوفاه، وجَعَل ما قَدَّمه في ميزان حسناته يوم يلقى مولاه.","vol":"1","page":15},{"text":"وأسأله سبحانه أن يُسْعِده بجنته، ويشمله برحمته، وأن يُكْرِمه بمغفرته، وأن يمتعه بالصحة والعافية، وأن يُمِد في عمره على طاعته، وأن يرزقه مزيد العلم النافعِ والعمل الصالح، وأن ينفع بعلمه وسعيه الإسلام والمسلمين، وأن يبارك له في أزواجه وأهله وذريته أجمعين.\nكما أشكر لكل مَنْ شارك وساهم في إعداد الشاملة التي يَسَّرَتْ وسَهَّلَتْ على الباحثين طرق البحث، فشَكَر الله سعيهم وغَفَر ذنبهم، وجَعَل كل ذلك في ميزان حسناتهم.\nوإني لأعلم أن هناك مَنْ هو أكثر أهلية مني لهذا العمل الجلل، ولكني أذكر قول القائل:\nوما كنتُ أهلًا للذي قد كتبتُه … وإني لفي خوف من الله نادمُ\nولكنني أرجو من الله عفوه … وإني لأهل العلم لا شك خادمُ\nولِما آمُل من ثواب ونجاة في اليوم المشهود لمن خدم هذا الدين، تجرأتُ على الشأن الكئود، فأسأل الله أن يتقبله مني في اليوم الموعود.\nرب تَقَبَّلْ عملي … ولا تُخيِّب أملي\nأَصْلِح أموري كلها … قبل حلول أجلي\nولم أدخر جهدًا في هذا البحث إلا بذلتُه في تحريره وتنقيحه وتقريره، ولا أدعي الكمال والتمام والعصمة من الزلل والخطأ والنسيان؛ فقد قيل: أَبَى الله أن يصح إلا كتابه.\nوقال الشافعي: «لقد أَلَّفْتُ هذه الكتب ولم آلُ جهدًا فيها، ولا بد أن يوجد فيها الخطأ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فما وجدتم في كتبي هذه ما يخالف الكتاب والسُّنة، فقد رجعتُ عنه».\nولله دَرّ مَنْ قال:\nكم من كتاب قد تصفحتُه … وقلتُ في نفسي أصلحتُه\nحتى إذا طالعتُه ثانيًا … وجدتُ تصحيفًا فصححتُه\nوما أَحْسَنَ ما قاله العماد الأصفهاني: «إني رأيتُ أنه لا يَكتب إنسان كتابًا في يومه، إلا قال في غده: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زِيد هذا لكان يُستحسَن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِك هذا لكان أجمل! وهذا من أعظم العِبَر، وهذا دليل استيلاء النقص على جملة","vol":"1","page":16},{"text":"البشر، فسبحان مَنْ تَنزَّه عن النقص».\nفمَن وقف فيه على تقصير أو خلل، أو عَثَر فيه على تغيير أو زلل، فليَعذر أخاه في ذلك متطولًا، أو ليُصْلِح منه ما يَحتاج إلى إصلاح متفضلًا؛ فالتقصير من الأوصاف البشرية، فليست الإحاطة بالعلم إلا لبارئ البرية؛ فهو الذي وَسِع كل شيء علمًا، وأحصى مخلوقاته عينًا واسمًا.\nسَطَّره لنفسه … قائله وجامعه\nفليَعْفُ عن زلاته … ناقله وسامعه\nفألتمس من النبلاء الأماجد تقويم ما اعْوَجَّ ونَدَّ، والتنبيه إلى ما نَدَّ عنه القلم.\nوَإِنْ تَجِدْ عَيْبًا فَسُدَّ الخَلَلَا … فَجَلَّ مَنْ لَا عَيْبَ فِيهِ وَعَلَا\nفالمرجو ممن صَرَف وجهه إليه بعين الرضا والرغبة لديه- أن يُصْلِح خطأه وسقطته، ويزيل زلَله وهفوته بعد المراجعة والتأمل والإمعان، لا بمجرد النظر والعِيان (^١).\nوما مِنْ كاتب إلا سيَفنى … ويبقى الدهرَ ما كَتَبَتْ يداهُ\nفلا تَكتب بكفك غير شيء … يَسُرك في القيامة أن تراهُ\nوأسأل الله ﷿ أن يَجعل كتابي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينشره في العالمين، وأن ينفعني به والمسلمين، وأن يجعله في ميزان حسناتي يوم الدين.\nوأسأله أن يُعِزنا بالإسلام، وأن يجعلنا من أنصار هذا الدين.\nكما أسأله أن يَجزي عنى والديَّ أعم الجزاء والمثوبة، وأن يَرحم والداتي، وأن يُمتِّع والدي بالصحة والعافية، وأن يُنوِّرَ أوقاته بالهدى والتُّقى، وأن يرزقهما جنة الفردوس.\nيا رب ارحم مَنْ عَلَّمني ووالدي وكن بهم … بهم برًّا رحيمًا\n_________\n(^١) ولا أقصد هذا الصنف من الناس.\nوقد أَحْسَن مَنْ قال فيهم:\nإِنْ يَسْمَعُوا سُبَّةَ طَارُوا بِهَا فَرَحًا … مِنِّي وَمَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا\nصُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ … وَإِنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا\nوأَحْسَن مَنْ قال:\nإِنْ يَعْلَمُوا الْخَيْرَ أخْفَوْهُ وَإِنْ عَلِمُوا … شَرًّا أَذَاعُوا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا كَذَبُوا","vol":"1","page":17},{"text":"واكتب لهم أجر الذي سَطَّرتُه … واقبله واقبلنا فذاك رجانا\nاللهم كما مَنَنْتَ عليَّ بإكمال هذا السِّفر المبارك، وأعنتني على تحصيله، وتَفَضَّلْتَ عليَّ بالفراغ منه بعد مدة مديدة؛ امنن عليَّ بقَبوله، واجعله لي ذخيرةَ خير عندك بمنك وكرمك وَجُودك، وأَجْزِل لي المثوبة بما لاقيتُه في جمعه وكتابته من التعب والنَّصَب، وانفع به مَنْ تَلَقَّاه بالقَبول، وقَصَد الانتفاع به من عبادك؛ ليدوم لي الانتفاع به بعد موتي؛ فإن هذا هو المَقصِد المهم من تأليفه.\nواجعله خالصًا لوجهك الكريم، وتَجَاوَزْ عني ما خطر لي من خواطر السوء مما يخالف الإخلاص. واغفر لي ما لا يطابق مرادك؛ فإني لم أقصد في جمع أبحاثي فيه إلا إصابة الحق وموافقة ما ترضاه، فإن أخطأتُ فأنت غافر الخطيات، ومُسْبِل ذيل السَّتر على الهفوات.\nبِالذُّلِّ قَدْ وَافَيْتُ بَابَكَ عَالِمًا … أَنَّ التَّذَلُّلَ عِنْدَ بَابِكَ يَنْفَعُ\nاجْعَلْ لِيَ مِنْ كُل خَطْأٍ مَخْرَجًا … وَاسْمَحْهُ لِي يَا مَنْ إِلَيْهِ الْمَفْزَعُ\nمَا لِي سِوَى قَرْعِيْ لِبَابِكَ حِيلَةٌ … وَلَئِنْ رُدِدْتُ فَأَيَّ بَابٍ أَقْرَعُ\nواللهَ أسأل أن يُخْلِص نيتي ويُحْسِن طويتي، ويتقبل عملي ويُنْجِح أملي.\nهذا، وما كان من توفيق فمن الواحد المنان، وما كان من خطأ أو نسيانٍ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، والله المستعان.\nإذا لم يكن عَوْن من الله للفتى … فأَكْثَرُ ما يَجني عليه اجتِهادهْ\nوصَلِّ اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسَلِّم.\nكتبه\nمحمد بن علي حلاوة\n٠١٠١٠٦٣٧٤٦٦","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>الباب الأول مقدمة في الحج</span>\nوفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الحج.\nالمبحث الثاني: حُكْم الحج.\nالمبحث الثالث: حُكْم جاحد الحج.\nالمبحث الرابع: مرات الحج الواجبة.\nالمبحث الخامس: فَضْل الحج.\nالمبحث السادس: حُكْم تَكرار الحج للنساء.\nالمبحث السابع: من مقاصد الحج.\nالمبحث الثامن: هل يجب الحج على الفور أم على التراخي؟","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>المبحث الأول: تعريف الحج:</span>\nالحج لُغة: بفتح الحاء وكسرها لغتان، معناهما: القصد إلى الشيء المُعَظَّم (^١).\nوالحج شرعًا: هو قَصْد البيت الحرام والمشاعر المقدسة؛ تَعبُّدًا لله ﷿ لأداء المناسك، على وجه مخصوص، في زمن مخصوص.\n\n•<span data-type='title' id=toc-5> شرح التعريف:</span>\n«هو قَصْد البيت الحرام والمشاعر المقدسة» إخراج مَنْ قَصَد البيت فحَسْب لأداء العمرة؛ لأن المشاعر لا تُقصَد إلا في حال الحج، كعرفة ومُزدلِفة ومِنًى.\n«تَعبُّدًا لله ﷿» يَخرج به كل قصد ليس خالصًا لله.\n«لأداء المناسك» مِنْ إحرام وطواف وسعي ووقوف بعرفة … وغير ذلك من أعمال الحج. وَيخرج به مَنْ قَصَد مكة والمناسك لعمل أو تجارة، بدون أداء المناسك.\n«على وجه مخصوص» ويُقصَد به أداء المناسك على الكيفية الواردة في سُنة رسول الله ﷺ، وقد أَكَّد على ذلك بقوله ﷺ: «خذوا عني مناسككم».\n«في زمن مخصوص» أي: أَشْهُر الحج: شَوَّال، وذي القعدة، وذي الحجة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-6>المبحث الثاني: حُكْم الحج:</span>\nالحج أحد مباني الإسلام الخمسة، وهو فَرْضُ عَيْن على المُكلَّف المستطيع، مرة واحدة في العمر.\nوقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] (^٣).\nوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ\n_________\n(^١) «لسان العرب» (٢/ ٢٢٦)، و«أنيس الفقهاء» (ص: ٤٨).\n(^٢) «البناية» (٤/ ١٣٨)، و«حاشية الدسوقي» (٢/ ٢)، و«المغني» (٥/ ٥).\n(^٣) قال ابن العربي: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: هَذَا مِنْ أَوْكَدِ أَلْفَاظِ الْوُجُوبِ عِنْدَ الْعَرَبِ، إذَا قَالَ الْعَرَبِيُّ: (لِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا) فَقَدْ وَكَّدَهُ وَأَوْجَبَهُ. فَذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْحَجَّ بِأَبْلَغِ أَلْفَاظِ الْوُجُوبِ؛ تَأْكِيدًا لِحَقِّهِ، وَتَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ، وَتَقْوِيَةً لِفَرْضِهِ. «أحكام القرآن» (ص: ٣٨٥).","vol":"1","page":20},{"text":"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-7>المبحث الثالث: حُكْم جاحد الحج:</span>\nمَنْ أَنْكَر وجَحَد وجوب الحج فهو كافر بالنص والإجماع، إلا إذا كان حديث عهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة عن العلم وأهله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].\nقال ابن تيمية: فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَرَ حَجَّ الْبَيْتِ وَاجِبًا عَلَيْهِ، مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ، فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-8>المبحث الرابع: مرات الحج الواجبة:</span>\nيجب الحج مرة واحدة في العمر على المستطيع بالسُّنة والإجماع:\nأما السُّنة فما رواه مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا» فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» (^٣).\nوأَجْمَع العلماء على وجوب الحج على المستطيع، مَرَّةً واحدة في العُمْر (^٤).\nوقد وقع خلاف في المسألة، وحُكِم عليه بالشذوذ، وبأنه مُخالِف للإجماع.\nقال الحَطَّاب: وَقَالَ بَعْضُ مَنْ شَذَّ: إِنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ سَنَةٍ. وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: وَإِنَّ عَبْدًا أَصْحَحْتُ لَهُ جِسْمَهُ، وَأَوْسَعْتُ عَلَيْهِ فِي المَعِيشَةِ، تَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ لَا يَفِدُ إِلَيَّ، إِلَّا مَحْرُومٌ» (^٥).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦).\n(^٢) «شرح العمدة» (١/ ٧٦)، و«الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» (٢/ ١٢٦).\n(^٣) رواه مسلم (١٣٣٧).\n(^٤) وقد نَقَل الإجماع على ذلك: ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٥١)، والحَطَّاب في «مواهب الجليل» (٢/ ٤٦٥)، والنووي في «شرح مسلم» (٨/ ٧٢)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٦) وغيرهم كثير.\n(^٥) ضعيف: رواه جماعة عن العلاء بن المُسَيَّب، واختُلِف عنه:\nرواه خَلَف بن خليفة، عن العلاء، عن أَبيه، عن أَبي سعيد، مرفوعًا، به. عند أبي يعلى (١٠٣١).\nورواه الثوري عنه، عن أَبيه- أو: عن رَجُل- عن أبي سعيد، به موقوفًا، عند عبد الرزاق (٨٨٢٦).\nورواه الفاكهي (٩٥١) من طريق عبد الرزاق، ولكن حصل خلاف من وجهين: الأول: أنه أورده مرفوعًا. والثاني جَزَم برواية العلاء عن أبيه. وفي إسناده (محمد بن أبي عُمَر العَدَني) قال أبو حاتم: كان رجلًا صالحًا، وكان به غفلة. فأخشى أن يكون وهم في رفع هذه الرواية، وقد استَغرب ابن عَدي رواية الثوري لهذا الحديث عن العلاء، وذَكَر أن هذا حديث يُعْرَف بخَلَف. كما في «الكامل» (٣/ ٥١٣).\nورواه ابن فُضَيْل واختُلف عنه: فرواه مَرَّة عن العلاء، عن يونس بن خَبَّاب، عن أَبي سعيد. ورواه مَرَّة أخرى، فذَكَر بين يونس وأبي سعيد مجاهدًا. ذَكَرهما الدارقطني في «علله» (٥/ ٤٦٥) مع ذكر طرق أخرى، وعَقَّب بقوله: ولا يصح منها شيء.\nوقال أبو حاتم بعد ذكر طرقه: هو مضطرب. وقال أبو زُرْعَة: والصحيح: عن العلاء، عن أبيه، عن أبي سعيد، مرفوعًا. «العلل» (١/ ٢٩١).\nوالحاصل: أن أرجح الطرق: (المسيب عن أبي سعيد) والمسيب لم يَسمع منه، قال ابن مَعين: لم يَسمع المسيب بن رافع من أحد من أصحاب النبي ﷺ، إلا البراء. رواية الدُّوري (٤/ ١٩).\nوفي الباب عن أبي هريرة عند البيهقي (١٠٤٩١) وغيره من طرق، عن صَدقَة بن يزيد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أَبيه، عن أَبي هريرة، به. وهذا السند مُنْكَر، أخطأ فيه صدقة.\nقال ابن عَدي: فلعل صدقة هذا سَمِع بذكر العلاء، فظَن أنه العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة. وكان هذا الطريق أسهل عليه. وإنما هو العلاء بن المُسَيَّب، عن أبيه، عن أبي سعيد.\nقال البخاري: عن العلاء بن عبد الرحمن منكر، ولا أعلم يرويه عن العلاء غير صدقة، وإنما يَروي هذا خَلَف بن خليفة، وهو مشهور، ورُوي عن الثوري أَيضًا، عن العلاء بن المُسَيَّب، عن أبيه، عن أبي سعيد الخُدري. «الكامل» (٥/ ١٢٣).\nوقال أبو حاتم وأبو زُرْعَة: هذا عندنا مُنْكَر من حديث العلاء بن عبد الرحمن، وهو من حديث العلاء بن المسيب أشبه. «علل الحديث» (١/ ٢٩١).\nوأخرجه الخطيب في «المُوضح» (١/ ١٥٢) من طريق عَبَّاد بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nوفي إسناده: قيس بن الربيع، صدوق، تَغَيَّر لَمَّا كَبِر، وأَدْخَل عليه ابنه ما ليس من حديثه، فحَدَّث به. وعَبَّاد- واسمه عبد الله- لَيِّن.\nقال ابن العَرَبِيّ: رِوَايَةُ هَذَا الْحَدِيثِ حَرَامٌ، فَكَيْفَ إِثْبَاتُ حُكْمٍ بِهِ؟! يَعْنِي أَنَّهُ مَوْضُوعٌ، وَهَذَا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ لِشُذُوذِهِ. «عارضة الأحوذي» (٤/ ٢٨، ٢٩).","vol":"1","page":21},{"text":"ونوقش بأن هذا الحديث لا يصح. ولو صح فهو محمول على الاستحباب في هذه المدة.\n* * *","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>المبحث الخامس: فَضْل الحج:</span>\n١ - الحج المبرور من أفضل الأعمال عند الله تعالى، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» (^١).\n٢ - أفضل الجهاد حج مبرور، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ» (^٢).\n٣ - الحج من أسباب مغفرة الذنوب، فَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^٣).\n٤ - الحج يَهدم ما كان قبله، فَعَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ. قَالَ: فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي، أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ. فَبَسَطَ يَمِينَهُ. قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي. قَالَ: «مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟!» قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ. قَالَ: «تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟» قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي. قَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟» (^٤).\n٥ - الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ» (^٥).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٦)، ومسلم (٨٣).\n(^٢) رواه البخاري (١٥٢٠).\n(^٣) رواه البخاري (١٥٢١).\nو(الرَّفَثُ): الْجِمَاعُ، وَيُطْلَقُ عَلَى التَّعْرِيضِ بِهِ، وَعَلَى الْفُحْشِ فِي الْقَوْلِ.\nقَوْلُهُ: «وَلَمْ يَفْسُقْ» أَيْ: لَمْ يَأْتِ بِسَيِّئَةٍ.\nقَوْلُهُ: «رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» أَيْ: بِغَيْرِ ذَنْبٍ. «فتح الباري» (٣/ ٣٨٢).\n(^٤) رواه مسلم (١٢١)\n(^٥) رواه البخاري (١٧٧٣)، ومسلم (١٣٤٩).","vol":"1","page":23},{"text":"٦ - المتابعة بين الحج والعمرة تَنفي الفقر والذنوب، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» (^١).\n_________\n(^١) حَسَن، وله ثلاثة طرق عن ابن عباس:\nالطريق الأول: طريق عمرو بن دينار، وله إسنادان:\n- فرواه أبو عَتَّاب سهل بن حماد، عن عَزْرَة بن ثابت، عن عمرو، به. عند النَّسَائي (٢٦٥٠).\nوسهل بن حماد الدلال صدوق، ولكن قد نص على تفرده بذلك الدارقطني. كما في «أطراف الغرائب» (٢٤٧١). ومع ذلك فهذا الإسناد أحسن ما يُرْوَى به حديث ابن عباس، وقد حَسَّنه الذهبي كما في «السِّيَر» (١٣/ ١٤٨).\n- ورواه شُعَيْب، عن الربيع، عن عمرو، به، عند ابن عَدي (٤/ ٥)، وشُعَيْب بن صفوان الثقفي مقبول. «التقريب» (٢٨٠٣)، والربيع بن رُكَيْن الفَزَاري قد تَرجم له البخاري وابن أبي حاتم، ولم يَذكرا فيه جَرْحًًا ولا تعديلًا. انظر: «التاريخ الكبير» (٣/ ٢٧٤)، و«الجَرْح والتعديل» (٣/ ٤٦٠).\nالطريق الثاني: طريق عطاء: أخرجه الطبراني (١١٤٢٨) وعلته ما قاله العُقَيْلي: يحيى بن صالح الْأَيْلِي، رَوَى عنه يحيى بن بُكَيْر مناكير. «الضعفاء» (٤/ ٤٠٩)، وكذا ابن عَدي. «الكامل» (١٠/ ٦٣٥).\nوقد تَفَرَّدَ به يحيى بن صالح الأيلي، واضطرب فيه: فرواه مرة عن ابن جُريج، عن عطاء. ومَرَّة: عن إسماعيل بن أُمية، عن عطاء. وقد أشار إلى تفرده الدارقطني. انظر «أطراف الغرائب» (٢٦٢٨).\nالطريق الثالث: عن يوسف بن مِهْرَان: أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٣٨١٤) وفي إسناده علي بن زيد بن جُدْعَان، ضعيف. «التقريب» (٤٧٣٤).\nولهذا الحديث شواهد:\n١ - حديث ابن مسعود، أخرجه أحمد (٣٦٦٩)، والترمذي (٨١٧): عَنْ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، به.\nوقد أُعِل هذا السند بعلتين:\nإحداهما: أن في إسناده عاصم بن بَهْدَلة، وهو ابن أبي النَّجُود، وقد تُكُلِّم في حفظه، وأنه كان يخطئ.\nوقد قال ابن حجر: صدوق، له أوهام، فمِثله لا يتحمل التفرد.\nوقال المُعَلِّمي: له أوهام، ولم يُخَرَّج له في «الصحيحين» إلا مقرونًا. «الفوائد المجموعة» (٢/ ٢).\nوقد تَفَرَّد بهذا المتن عن شقيق، فأين أصحاب شقيق؟! ولذا استغربه غير واحد من أهل العلم.\nقال أبو نُعَيْم: غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمٍ، تَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ. «حِلية الأولياء» (٤/ ١١٠).\nوقال الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. «سُنن الترمذي» (٢/ ١٧٦).\nوقال البَزَّار: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. «مُسْنَد البزار» (٥/ ١٣٤).\nالعلة الثانية: أن أَبا خالدٍ الأحمر له أوهام، وقد قال فيه الحافظ: صدوق يخطئ، قد ذَكَره العُقَيْلي في ترجمته في الضعفاء، كالمُستنكِر له، وقد ذَكَر الدارقطني أنه تَفَرَّدَ به. كما في «أطراف الغرائب» (٣٩٢٦) فمِثله لا يتحمل مثل هذا التفرد.\nوأخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٥٦٦) وفي السند محمد بن حُمَيْد، ضعيف.\n٢ - حديث عمر: ومداره على عاصم بن عُبَيْد الله، وهو ضعيف، وقد اضطرب فيه، ورُوي مرة من مسند عمر بن الخطاب عند أحمد (١٦٧)، ومرة من مسند عامر بن ربيعة، عند أحمد (١٥٦٩٤) وقال الدارقطني: يرويه عاصم، ولم يكن بالحافظ … وكان يضطرب فيه. وقال يعقوب بن شيبة: ولا نَرى هذا الاضطراب إلا من عاصم، وقد بَيَّن ابن عُيينة ذلك. «تاريخ دمشق» (٢٥/ ٢٥٩).\n٣ - حديث ابن عمر، وله أربعة طرق عنه:\nالأول: أخرجه الفاكهي في «أخبار مكة» (٨٦٩، ٨٧٠)، وفي إسناده إبراهيم الخَوْزِيّ، متروك.\nالثاني: ورواه الحارث في «بغية الباحث» (٣٦٨) بسنده عن ابن عمر.\nوفي إسناده هَوْذَة بن خليفة، وهو وإن كان حَسَن الحديث إذا توبع، ولكن قد تَفَرَّدَ به. وقد قال ابن مَعين: هوذة لم يكن بالمحمود. قيل له: لِمَ؟ قال: لم يأتِ أحد بهذه الأحاديث كما جاء بها، وكان أُطْروشًا. انظر «تهذيب الكمال» (٣٠/ ٣٢٠).\nولم يخرجه غير الحارث بن أبي أسامة، ولو كان صحيحًا فأين أصحاب الصحاح والسُّنن؟\nالثالث: أخرجه الطبراني (١٣٦٥١) من طريق حَجاج بن نُصَيْر، وهو ضعيف.\nالرابع: أخرجه الطبراني في «الشاميين» (١٧٠) وفي إسناده عثمان بن سعيد الصيداوي وشيخه، ولم أقف لهما على ترجمة. وفيه انقطاع بين الشَّعْبي وابن عمر، قاله أبو حاتم. فهذا إسناد ساقط.\n٤ - حديث جابر بن عبد الله، وله ثلاثة طرق عنه:\nالأول: عن عمرو بن دينار: أخرجه البزار «كَشْف» (١١٤٧) وفي إسناده محمد بن مسلم الطائفي، قال الذهبي: فيه لِين وقد وُثِّق. وقال ابن حجر: صدوق يخطئ من حفظه، وبِشر بن المنذر الرملي، فإن كان قال فيه أبو حاتم: (كان صدوقًا) فقد ذَكَره العُقَيْلي في «الضعفاء» وقال: في حديثه وهم.\nالثاني: عن عبد الله بن عَقيل: عند الطبراني في «الأوسط» (٤٩٧٧)، وفيه ابن أبي زياد، ضعيف.\nأما الثالث، فهو رواية محمد بن المنكدر: أخرجه ابن عَدي في «الكامل» (٦/ ٢١٩) وفي إسناده محمد بن عبد الله العَمِّي، لَيِّن الحديث. «التقريب» (٦٠٥٨) وذَكَره ابن عَدي في ترجمته مُستنكِرًا له.\n٥ - حديث أبي هريرة: أخرجه الحارث في «بغية الباحث» (٣٦٦) وفيه داود بن المُحَبِّر، متروك.\nفهذه كل الأحاديث الواردة في هذا المعنى، وقد تبين أنه ليس فيها حديث ثابت بنفسه، ولكن فيها طرق يمكن أن يُعضِّد بعضها بعضًا، وهذا الحديث في الفضائل فقد يُحَسَّن الحديث بمجموع الطرق.","vol":"1","page":24},{"text":"٧ - الحاج في ضمان الله ﷿، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ فِي ضَمَانِ اللهِ ﷿: رَجُلٌ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ اللهِ ﷿، وَرَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿، وَرَجُلٌ خَرَجَ حَاجًّا» (^١).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه الحُمَيْدي (١١٢١) من طريق أبي الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>المبحث السادس: حُكْم تَكرار الحج للنساء:</span>\nيُستحَب تَكرار الحج للنساء لتضافر الأدلة على ذلك.\nفَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: «لَكِنَّ أَحْسَنَ الجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ» فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (^١).\nوَجْه الدلالة: أن رسول الله ﷺ نَدَب النساء إلى تَكرار الحج بقوله: «لَكِنَّ أَحْسَنَ الجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ» وذلك ظاهر من فَهْم عائشة إذ قالت: فَلَا أَدَعُ الحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nولكن يشكل عليه ما ورد عن أبي واقد الليثي قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِأَزْوَاجِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «هَذِهِ، ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصُرِ» (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (١٨٦١).\n(^٢) ضعيف، ومدار هذا الحديث على زيد بن أسلم، واختُلف عليه في الوصل والإرسال من وجهين:\nالأول: رواه الدَّرَاوَرْدِيّ، عن زيد، عن ابن لأَبي واقد الليثي، عن أبيه، به. أخرجه أبو داود (١٧٢٢).\nوابن أبي واقد قد سُمي ب (واقد) بن أبي واقد، عند أحمد (٢١٩٠٥).\nالثاني: رواه مَعْمَر عن زيد بن أَسْلَم، مرسلًا، أن النبي ﷺ، به. أخرجه عبد الرزاق (٨٨١٢).\nوقد أُعِل هذا الحديث بعلتين:\nالأولى: أن ابن أبي واقد- واسمه واقد- مُختلَف في صحبته، وقد تفرد بالرواية عنه زيد بن أَسْلَم.\nقال ابن حجر: واقد الليثي يقال: له صحبة. وقيل: بل هو من الثالثة.\nقال ابن القطان: إسناده فيه علة، وهي أن ابن أبي واقد هذا لا يُعْرَف له اسم ولا حال. «بيان الوهم والإيهام» (٥/ ٦١). وقال المنذري: وواقد هذا شبيه بالمجهول، كما في «تهذيب السُّنن» (٢/ ٢٧٦).\nالثانية: أنه أُعِل بالإرسال، فمدار الحديث على زيد بن أسلم، واختُلف عليه: فرواه الدَّرَاوَرْدِيّ على الرفع. وخالفه مَعْمَر، فرواه عن زيد مرسلًا، ومَعْمَر أوثق من الدَّراوَرْدِيّ.\nولهذا الحديث شواهد:\nالأول: عن أُم سلمة: أخرجه أبو يعلى (٦٨٨٥) عن المَخْرَمِيّ، عن عثمان الأخنسي، عن عبد الرحمن بن يربوع، عن أُمّ سلمة، به. ورواه ابن سعد في «الطبقات» (١٠/ ١٩٧) بإسقاط أُمّ سلمة.\nقال ابن حِبان: عُثْمَانُ الأخنسى يعْتَبر حَدِيثه من غير رِوَايَة المخرمي عَنهُ لِأَن المخرمي لَيْسَ بِشَيْء فِي الحَدِيث (٧/ ٢٠٣).\nالثاني: عن أبي هريرة: أخرجه أحمد (٩٧٦٥) وفي إسناده صالحٍ، مَوْلَى التَّوْأَمَة، وفيه ضعف.\nالثالث: عن ابن عمر: أخرجه ابن حِبان (٣٧٠٦) وفي إسناده عاصم بن عمر، وهو ضعيف.","vol":"1","page":26},{"text":"وَجْه الدلالة: هذه الحَجة ثم ظهورَ الحُصُر معناه: ثم لا تَخرجن من بيوتكن لحجة أخرى وتَلزمن الحُصُر. فظاهره يدل على منع نسائه بعد حجهن معه من الحج.\nونوقش هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: بأن هذا الحديث منكر؛ لأنه كيف يَنْهَى النبي نساءه عن تَكرار الحج، ثم يذهبن للحج ويخالفن أمره؟! (^١).\nفَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: «أَذِنَ عُمَرُ ﵁ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ» (^٢).\nالوجه الثاني: بحَمْل قوله ﷺ: «هَذِهِ، ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصُرِ» على أن المراد به أنه لا تجب عليكن، ولا يَلزمكن إلا هذه الحَجة.\n\n<span data-type='title' id=toc-11>المبحث السابع: من مقاصد الحج:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-12> المَقصِد الأول: تحقيق التوحيد وإخلاص العبادة لله:</span>\nلأن الله تعالى ما أَمَر ببناء البيت إلا لذلك، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] وتطهير البيت إنما يكون بتطهيره من الشرك والأوثان، وكذا من الأوساخ والأدران.\nفالعلاقة واضحة بين التوحيد والحج؛ ولذا فإن سائر المناسك مبنية على التوحيد.\nودل على ذلك أمور كثيرة، منها:\nالأول: أن النبي ﷺ لم يحج في السَّنة التاسعة حين فُرِض الحج؛ لأن الشرك كانت آثاره بادية في المسجد الحرام، حيث كان المشركون يطوفون بالبيت عراة، ويُحَوِّلون الحج إلى موسم ومِهرجان للوثنية، فبَعَث النبيُّ ﷺ أبا بكر الصِّديق أميرًا على الحج، وأَمَره أن يبين للناس أمرين: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» (^٣).\n_________\n(^١) قال الذهبي: وهذا منكر، فما زلن يَحججن. «ميزان الاعتدال» (٤/ ٣٣٠).\n(^٢) البخاري (١٨٦٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٦٩) (١٦٢٢)، ومسلم (١٣٤٧) عن أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":27},{"text":"الثاني: أن شعار الحاج منذ إحرامه هو التلبية، وهي لا تَخرج إلا عن إعلان توحيد الله ﷿، وإخلاص العبادة له وحده. فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ …» ولقد شاء الله أن يكون الإهلال بالحج بهذا الشعار ليعلم الحاج نبذ الشرك والأوثان، وإخلاص العبادة للواحد الديان.\nالثالث: روي بأن النبي ﷺ في ركعتي الطواف كان يَقرأ سورتي (الكافرون) و(الإخلاص)، فسورة (الكافرون) تُبيِّن البراءة من الشرك وأهله، وسورة (الإخلاص) فيها تقرير للتوحيد (^١).\nالرابع: أن النبي ﷺ بدأ بالتوحيد عندما صَعِد على الصفا.\nففي «مسلم» عن جابر- وفيه-: حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ …».\nولا يَبدأ أول شوط بالتوحيد فحَسْب، بل يقوله في كل شوط من أشواط السعي.\nالخامس: في يوم عرفة الذي فيه قال النبي: «الحَجُّ عَرَفَةُ» فالله يباهي بأهل عرفة الملائكة لتوحيدهم، بقوله: «مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» بحجهم ووقوفهم إلا وجه الله، فروى مسلم عن عائشة: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ- مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟».\nالسادس: أن الله أَمَر الحُجاج والمعتمرين بإخلاص حجهم وعمرتهم لربهم، بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وفي هذا إشعار بأن تحقيق التوحيد أهم مقاصد الحج.\n\n•<span data-type='title' id=toc-13> المقصد الثاني: تزكية النفس:</span>\nمن مقاصد الحج تطهير النفس من الأخلاق المذمومة، وتزكيتها للوصول إلى حقيقة التقوى التي هي مَقصِد كل عبادة، قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nمعنى (الرفث) في الآية شامل لأمرين:\n_________\n(^١) وهذا المعنى في حديث جابر عند مسلم، وهذه الفقرة انتُقدتْ على مسلم، وسيأتي تفصيل ذلك.","vol":"1","page":28},{"text":"أحدهما: مباشرة النساء بالجماع ومقدماته.\nوالثاني: الكلام بذلك، كأن يقول المُحْرِم لامرأته: إن أحللنا، فَعَلْنا كذا وكذا.\nوالمراد ب (الفسوق): المعاصي كلها؛ لأن الفاسق: الخارج من الطاعة إلى المعصية. ومنه قوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠].\nويَدخل فيها الذبح للأصنام؛ لعموم قوله: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].\nويَدخل فيها محظورات الإحرام.\nويَدخل فيها سِباب المسلم؛ لعموم قول النبي ﷺ: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ».\nويَدخل فيها التنابز بالألقاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١].\nويَدخل فيها الحج بالمال الحرام، فقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا».\nوقال الشاعر:\nإِذَا حَجَجْتَ بِمالٍ أَصْلُهُ دَنِسٌ … فَما حَجَجْتَ وَلَكِنْ حَجَّتِ العِيرُ\nلَا يَقْبَلُ اللَهُ إِلَّا كُلَّ طَيِّبَةٍ … مَا كُلُّ مَنْ حَجَّ بَيْتَ اللَهِ مَبرُورُ\nومِن الفسق المنهي عنه: إيذاء الحُجاج والتعدي عليهم، والاستهزاء والسخرية بهم.\nوالمراد بالجدال في الحج: هو مماراة الصاحب حتى يغضبه، والمنازعة والسِّباب والمِراء والخصومات … وغير ذلك مما ينبغي أن يَتنزه عنه الحاج.\nوالحج الذي لا رفث ولا فسوق فيه: هو الحج المبرور الذي يترتب عليه مغفرة الذنوب، لقوله ﷺ: «مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-14> المَقصِد الثالث: تحصيل تقوى الله:</span>\nمِنْ أهم مقاصد الحج تحصيل تقوى الله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] فلما نهاهم الله في الحج عن إتيان القبيح قولًا وفعلًا، مِنْ الرفث والفسوق والجدال، حثهم على فعل الجميل بقوله، وأخبرهم بأنه عالم به، فقال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨١٩).","vol":"1","page":29},{"text":"﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nوقوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ في سفركم إلى الحج، من الطعام وما يَحتاج إليه المسافر.\nورَوَى البخاري: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ. فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] (^١).\nوكثرة زاد الرجل في سفره من مكارم الأخلاق، فربما واسى إخوانه من هذا الزاد. وإطعام الطعام من أعظم أفعال البر، كما قال تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].\nوإذا كان الله أَمَرَنا بالتزود من الطعام والشراب للسفر في الدنيا، فقد أَرْشَدنا إلى التزود في سفر الآخرة بزاد التقوى؛ فزادُ التقوى خير زاد؛ لأنه الزاد الموصل إلى النعيم المقيم في الجنة يوم القيامة، وإلى رضوان الله.\nفقد نبهت الآية إلى العناية بزاد الآخرة وهو التقوى؛ لأن مدار النجاة عليه، ولأنه السبيل لاكتساب الفضائل، ولأنه يَعصم صاحبه من الندم يوم القيامة، كما قيل:\nإِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى … وَلَاقَيْتَ بَعْدَ المَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا\nنَدِمْتَ عَلَى أَنْ لَا تَكُونَ كَمِثْلِهِ … فَتَرَصَّدْ لِلْأَمْرِ الذِي كَانَ أَرْصَدَا\nوقد خَتَم الله الآية بالأمر بالتقوى، فقال: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] وخَصَّ أُولي الألباب بالخطاب؛ لأنهم المنتفعون بخطاب الله على الحقيقة.\nوقد تَكرر ذكر التقوى في آيات الحج؛ لأنها المقصودة من الحج (^٢) وقد بَيَّن الله\n_________\n(^١) ومدار هذا الحديث على عمرو بن دينار، عن عكرمة، واختُلف عليه في الوصل والإرسال:\nفرواه ورقاء، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، به، أخرجه البخاري (١٥٢٣).\nورواه ابن عُيينة، عن عمرو، عن عكرمة مرسلًا. أخرجه سعيد بن منصور في «تفسيره» (٣٤٧)، وابن أبي حاتم (١٨٣٩) وقال: والمرسل أَصح.\n(^٢) وكذا عند قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] خَتَم الآية بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وكذا في رمي الجمرات، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ وخَتَم الآية بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وتقوى الله بامتثال أوامره واجتناب معاصيه.","vol":"1","page":30},{"text":"﵎ أنه لا يَرضى شيئًا من أفعال الحج إلا ما كان مصاحبًا للتقوى، فقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].\nفلن تقع هذه اللحوم ولا الدماء المهراقة بالنحر موضع القَبول، إلا إذا كان الباعث عليها هو تقوى قلوبكم التي تدعوكم إلى تعظيم أمره والتقرب إليه والإخلاص له.\nقال السعدي: ليس المقصود منها ذبحها فقط، ولا يَنال اللهَ من لحومها ولا دمائها شيء؛ لكَوْنه الغني الحميد، وإنما يناله الإخلاص فيها، والاحتساب والنية الصالحة؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].\nففي هذا حث وترغيب على الإخلاص في النحر، وأن يكون القصد وجه الله وحده، لا فخرًا ولا رياء ولا سمعة، ولا مجرد عادة، وهكذا سائر العبادات، إن لم يَقترن بها الإخلاص وتقوى الله، كانت كالقشر الذي لا لب فيه، والجسد الذي لا رُوح فيه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-15> المَقصِد الرابع: ذِكر الله تعالى والدعاء من أعظم مقاصد الحج:</span>\nولذا فالذِّكر والدعاء ملازمان للحج قبل وأثناء وبعد أداء نسكه؛ ولذا لا يخلو نسك من أنساك الحج من الذِّكر والدعاء.\nفالإحرام الذي فيه نية الدخول في النسك ذِكر بالقلب.\nوالتلبية بعد الإحرام ذِكر باللسان، ويُستحب لزوم التلبية ولا يَنقطع الحاج عنها إلا عند رمي جمرة العقبة.\nثم الطواف يَبدأ بالتكبير وهو ذِكر. وكلما حاذى الحَجَر الأسود كَبَّر.\nثم يَتوجه الحاج إلى مَقام إبراهيم، ويصلي ركعتين خلف المَقام، يَذكر فيهما ربه.\nثم يتجه الحاج إلى الصفا، فيصعد عليها ويَذكر الله ويدعوه، فعن جابر قال: فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ». فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ.\nوفي يوم عرفة يُكْثِر من الذِّكر والتلبية والتكبير والدعاء. وفي حديث جابر الطويل: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ … وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا ﷺ بعد الزوال","vol":"1","page":31},{"text":"يدعو الله) حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ.\nوفي مزدلفة يُستحَب له الوقوف عند المَشْعَر الحرام، ويَستقبل القبلة ويَذكر الله ﷿ ويدعوه، قال الله: ﷿ ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨] أي: إذا دفعتم من عرفات بعد تمام وقوفكم فيها، ووصلتم إلى مزدلفة، فاذكروا الله عِنْدَ المَشْعَر الحرام- بالتلبية والتكبير، وصلاة العِشاءين والفجر، وذِكر الله ودعائه بعد الفجر.\nوفي حديث جابرالطويل: «حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ».\nثم يَذهب إلى مِنًى ليَرمي جمرة العقبة بسَبْع حصيات، يُكَبِّر مع كل حصاة، وهذا ذِكر، ثم يقف طويلًا يدعو الله عند الجمرة الصغرى والوسطى.\nوعند النحر يَذكر الله، قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] والمراد بالذِّكر هنا هو التسمية على الذبيحة.\nوعَنْ عَائِشَةَ … وَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» ثُمَّ ضَحَّى بِهِ. وهذا ذِكر ودعاء.\nوفي أيام التشريق، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللهِ ﷿».\nوقد أَمَر الله تعالى بالإكثار من ذكره بعد قضاء المناسك، فقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] لأن أهل الجاهلية كانوا إذا فرغوا من حجهم يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم، فأَمَر الله أهل الإسلام إذا قَضَوْا مناسكهم أن يُكْثِروا من ذكر الله أكثر من ذكر هؤلاء. فسبحانه له النعمة.\nوفي ختام الآيات يُرشِد الله عباده إلى الدعاء بعد كثرة ذكره؛ لأنه أدعى للقَبول، وذَمَّ الله مَنْ يَقصر دعواته في الحج على طلب متاع الدنيا وملذاتها الفانية، ومَدَح مَنْ يسأله خيرَي الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠٠، ٢٠١].\nفالذِّكر مُلازِم للحج، فبعد كل عمل من أعمال الحج اذكروا الله، فبعد الإحرام اذكروه","vol":"1","page":32},{"text":"بالتلبية، وعند الطواف ورَمْي الجمار كَبِّروه، واذكروا اسم الله على الذبيحة يوم النحر، وبعد الفراغ من نسككم وفي سائر أوقاتكم (^١).\nوكذا الدعاء، فالحج سفرة تعبدية معمورة بالذِّكر والدعاء، من أول ما يضع رجله في الغرز مسافرًا، ثم الدعاء يكون في كل مَنْسَك من مناسك الحج، في الطواف والسعي والوقوف بعرفة ومزدلفة، وبعد رمي الجمرة الصغرى والوسطى، وعند ختام المناسك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-16> المَقصِد الخامس: تعظيم حرمات الله وشعائره:</span>\nفي سياق الحديث عن الحج ومناسكه قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠].\nقال السعدي: وحرمات الله: كل ما له حرمة وأَمَر باحترامه، بعبادة أو غيرها، كالمناسك كلها، وكالحَرَم والإحرام، وكالهدايا، وكالعبادات التي أَمَر الله العباد بالقيام بها، فتعظيمها إجلالها بالقلب ومحبتها، وتكميل العبودية فيها، غير متهاون، ولا متكاسل ولا متثاقل … وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].\nوالمراد بالشعائر: أعلام الدين الظاهرة، ومنها المناسك كلها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] ومنها الهدايا والقربان للبيت، وتَقَدَّمَ أن معنى تعظيمها: إجلالها، والقيام بها، وتكميلها على أكمل ما يَقدر عليه العبد.\nوابن كَثير يَرَى أن تعظيم الحرمات يكون باجتناب المحرمات، وتعظيم الشعائر يكون بفعل الأوامر مع الإجلال والمحبة والقيام بها وتكميل العبودية على خير وجه.\nومِن تعظيم شعائر الله وحرماته: إكرام الوافدين من الحُجاج والعُمَّار، والتيسير عليهم، وتوفير سُبُل الراحة لهم، وإرشاد ضالهم، وإقالة عثراتهم، والتعاون معهم، والحذر من ظلمهم وإيقاعهم في الحرج والضيق باستغلالهم، وزيادة الأسعار عليهم دون سبب.\nومِن أعظم ما ينبغي تعظيمه من محارم الله وشعائره: المسجد الحرام، وهو موضع الهُدَى والبركة. ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] وهو البيت الذي دعا الله عباده إلى زيارته، وفَرَض عليهم ذلك مرة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ\n_________\n(^١) «التسهيل لتأويل التنزيل» (٣/ ٢٣٩) بتصرف، لفضيلة الشيخ مصطفى بن العدوي.","vol":"1","page":33},{"text":"حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فينبغي لكل مسلم تعظيم هذا البيت، والتأدب عند زيارته، واغتنام الأوقات فيه بالعبادة والصلاة والذِّكر وتلاوة القرآن، والحرص على نظافته وطهارته، والحذر من الإخلال بحرمته وانتهاك قدسيته، وإرادة السوء فيه.\nوالحاصل أن تعظيم حرمات الله يكون بما يلي:\nأولًا- تعظيم الله تعالى الذي له الخَلْق والأمر، وهو المعبود المطاع وحده.\nثانيًا- تعظيم الأمر والنهي، وهو مقتضى الخضوع لحكمه تعالى، وتحكيم شرعه في جميع شئون الحياة (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-17> المَقصِد السادس: تحصيل المنافع:</span>\nإن شهود المنافع وتحصيلها من أهم مقاصد الحج، قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٧، ٢٨] وهذه المنافع دينية ودنيوية.\n• ومن المنافع الدينية للحج:\n١ - مغفرة الذنوب وتكفير ما سَبَق من الخطايا والسيئات؛ لقوله ﷺ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^٢).\n٢ - دخول الجنة؛ لعموم قوله ﷺ: «الحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ» (^٣).\n٣ - حصول التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].\n\n•<span data-type='title' id=toc-18> ومن المنافع الدنيوية:</span>\n١ - الإصابة من لحوم الهَدْي والذبائح؛ لقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ\n_________\n(^١) «مقاصد الحج» (ص: ٥٨) د. عادل الشدي، وهي رسالة صغيرة الحجم، لكنها كبيرة النفع، أسأل الله أن يجازي مؤلفها خير الجزاء.\n(^٢) رواه البخاري (١٥٢١).\n(^٣) رواه البخاري (١٧٧٣).","vol":"1","page":34},{"text":"مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣].\n٢ - المكاسب في التجارة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] (^١).\n٣ - تحقيق التكافل الاجتماعي، والعطف على الفقراء المساكين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] وتحقيق التعارف بين أهل الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣].\nقال الشنقيطي: وَمِنْ تِلْكَ الْمَنَافِعِ تَيَسُّرُ اجْتِمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَقْطَارِ الدُّنْيَا، فِي أَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، فِي أَمَاكِنَ مُعَيَّنَةٍ؛ لِيَشْعُرُوا بِالْوَحْدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَلِتُمْكِنَ اسْتِفَادَةُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ فِيمَا يَهُمُّ الْجَمِيعَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، فَهُوَ تَشْرِيعٌ عَظِيمٌ مِنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ.\n٤ - تحقيق معاني الوحدة والأخوة الإسلامية، ففي الحج تختفي الفوارق بين الناس من الغِنى والفقر، والجنس واللون … وغير ذلك، وتتوحد وجهتهم نحو خالق واحد، وبلباس واحد، يؤدون نفس الأعمال في زمن واحد ومكان واحد. بالإضافة إلى ما يكون بين الحجيج من مظاهر التعاون على البِر والتقوى، والتواصي بالحق (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-19> المَقصِد السابع: إشاعة الأمن بين المسلمين:</span>\nفمِن مقاصد الحج إشاعة الأمن بين المسلمين، ولقد دعا إبراهيم ربه بأن يَسُود الأمن البلد الحرام، فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] وقد استجاب الله دعاءه فلم يَصِل\n_________\n(^١) روى البخاري (٢٠٥٠): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو المَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ، فَكَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا فِيهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ.\nقال ابن قُدامة: أَمَّا التِّجَارَةُ وَالصِّنَاعَةُ، فَلَا نَعْلَمُ فِي إِبَاحَتِهِمَا اخْتِلَافًا. «المغني» (٥/ ١٧٤).\nوقال الجَصَّاص: وَعَلَى هَذَا أَمْرُ النَّاسِ مِنْ عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، فِي مَوَاسِمِ مِنًى وَمَكَّةَ، فِي أَيَّام الْحَجِّ. وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ، إِلَّا شَيْئًا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ فقال: إِنِّى أُكْرِي إِبِلِي، وَأَنَا أُرِيدُ الْحَجَّ، أَفَيُجْزِينِي؟ قَالَ: لَا وَلَا كَرَامَةَ. وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ، خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. «أحكام القرآن» (١/ ٣٨٦).\n(^٢) «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٢/ ٣٤).","vol":"1","page":35},{"text":"إليها جبار إلا قَصَمه الله، كما فَعَل بأصحاب الفيل.\nووَصَف الله مكة بأنها البلد الأمين، فقال: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ٣] وامْتَنَّ على أهل مكة بنعمة الأمن، فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣، ٤] وإذا كان ذلك كذلك، فهل يليق بمسلم أن يُخيف الحُجاج، ويَنشر الرعب بين ضيوف الرحمن وفي بلد الله الحرام؟!\nقال ابن كَثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]: يَعْنِي: حَرَمُ مَكَّةَ إِذَا دَخَلَهُ الْخَائِفُ يَأْمَنُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَكَذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ فِي حَالِ الْجَاهِلِيَّةِ (^١).\nفإذا كان هذا فِعل أهل الجاهلية بالحَرَم، فكيف يكون فِعل أهل الإسلام؟! وإذا كان الأمن في مكة يَعُم الشجر والحيوان، فكيف بمن يُرَوِّع حُجاج بيت الله الحرام؟!\n\n•<span data-type='title' id=toc-20> المَقصِد الثامن: إظهار الافتقار إلى الله سبحانه:</span>\nفالحاج يبتعد عن الترفه والتزين، ويَلبس ثياب الإحرام، مُتجرِّدًا عن الدنيا وزينتها، فيُظْهِر عجزه ومسكنته، ويكون في أثناء المناسك ضارعًا لربه ﷿، مفتقرًا إليه، ذليلًا بين يديه، منقادًا بطواعية لأوامره، مجتنبًا لنواهيه سبحانه، سواء عَلِم حكمتها أم لم يَعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-21> المَقصِد التاسع: في الحج تذكير بالآخرة، ووقوف العباد بين يدي الله تعالى:</span>\nفالمشاعر تَجمع الناس من مختلف الأجناس في زي واحد، مكشوفي الرءوس، يُلَبُّون دعوة الخالق ﷿، وهذا المشهد يُشْبِه وقوفهم بين يديه سبحانه يوم القيامة في صعيد واحد، حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا خائفين وجلين مشفقين! وذلك مما يَبعث في نفس الحاج خوف الله ومراقبته والإخلاص له في العمل.\n\n•<span data-type='title' id=toc-22> المَقصِد العاشر: أن أداء فريضة الحج فيه شُكْر لنعمة المال وسلامة البدن:</span>\nففي الحج شُكْر هاتين النعمتين العظيمتين، حيث يُجْهِد الإنسان نفسه، ويُنْفِق ماله في التقرب إلى الله ﵎ (^٢).\n_________\n(^١) ومِن العَجَب أن أهل الجاهلية كان لهم نصيب من تعظيم البلد الحرام ومراعاة حرمته! فكان أحدهم يَلْقَى قاتل أبيه أو أخيه في البلد الحرام، فلا يَعْرِض له حتى يَخرج من البلد الحرام. وإِذا أصابتهم غارة أو اعتداء، لجئوا إِلى الحرم للاحتماء به. «صحيح الأثر» (ص: ٥٨).\n(^٢) «الموسوعة الكويتية» (١٧/ ٢٦، ٢٧).","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type='title' id=toc-23>المبحث الثامن: هل يجب الحج على الفور أم على التراخي؟</span>\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أن الحج واجب على الفور عند تحقق شروطه، ويأثم المرء بتأخيره. وهو أصح الروايتين عن أبي حنيفة، ومنقول عن مالك، وهو قول أحمد (^١).\nواستدلوا بالقرآن والسُّنة:\nأما القرآن، فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\nوَجْه الدلالة: أن مَنْ استطاع الحج، فقد وَجَبَ عليه أن يبادر به على الفور إذا كان فرضه؛ إذ لا يَدري ماذا يَعْرِض له، فربما يموت أو يفتقر أو يَمرض.\nوأما السُّنة، فما رَوَى مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا» فهذا أَمْر، والأمر يكون على الفور؛ ولهذا غَضِب النبي ﷺ في غزوة الحُديبية، حين أَمَرهم بالإحلال وتباطئوا.\nوقد ورد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ - يَعْنِي: الْفَرِيضَةَ - فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ» (^٢).\nوَجْه الدلالة: أن النبي أَمَر بتعجيل الحج، وهذا يقتضي أن الحج على الفور، وأن\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١١٩)، و«حاشية الدسوقي» (٢/ ٣)، و«الإنصاف» (٣/ ٢٨٧).\n(^٢) ضعيف: ومداره على أبي إسرائيل، عن فُضَيْل بن عمرو، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، فرواه الثوري، به، عند أحمد (٢٨٦٧).\nوَرَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنْ أَبِي إِسْرَائِيلَ، بِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ، أَوْ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ، وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ» أخرجه أحمد (١٨٣٤) وأبو إسرائيل المُلائِيّ سيئ الحفظ.\nوقد وردت متابعة عند الطبراني (٧٣٨) من طريق عبد الكريم- وهو ابن مالك الجَزَري، عن سعيد، به.\nرجال هذا السند ثقات غير فُرَات بن سلمان، فله ترجمة في «الميزان» (٣/ ٣٤٢)، ووثقه أحمد. وقال ابن عَدي: أرجو أنه لا بأس به.\nوهذا السند وإن كان ظاهره الصحة، إلا أنه مُعَل؛ لأن هذا حديث أَبي إسرائيل؛ ولذا أَعْرَضَ عن ذكر سند الطبراني أصحاب السُّنن والمسانيد، وقد استَنكر الإمام أحمد هذا الحديث على أبي إسرائيل المُلائِيّ، فقد سأله عبد الله عنه في «العلل» (٢٥٣٩) فقال: خَالَفَ النَّاسَ فِي أَحَادِيثَ. وذَكَر هذا الحديث منها: «مَنْ أراد الحج، فليتعجل …».","vol":"1","page":37},{"text":"الإنسان لا يَدري ما يَعرض له، فقد يَطرأ عليه العجز عن القيام بأوامر الله، ولو أَخَّر الحج عن السَّنة الأولى فقد يموت فيَفوت الفرض، وتفويت الفرض حرام (^١).\nوَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» (^٢).\nقال ابن تيمية: فَإِذَا كَانَ الْقَضَاءُ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ، فَأَنْ تَجِبَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ الْأَدَاءَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى (^٣).\nوَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللهِ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (^٤).\n_________\n(^١) «شرح العمدة» (١/ ٢٠٨).\n(^٢) إسناده صحيح، ومدار هذا الحديث على يحيى بن أبي كَثير عن عكرمة. واختُلف عنه على وجهين:\nالأول: رواه حَجَّاج بن الصَّوَّاف، عن يحيى بن أبي كَثير، عن عكرمة، عن الحَجَّاج بن عمرو، به. أخرجه أحمد (١٨٣٣) وقد صَرَّح عكرمة بسماعه من الحَجَّاج.\nوذهب الترمذي إلى صحة هذا الطريق بقوله: وَحَجَّاجٌ الصَّوَّافُ لَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ عَبدَ اللهِ بْنَ رَافِعٍ، وَحَجَّاجٌ ثِقَةٌ حَافِظٌ. وقَالَ ابْنُ المَدِينِيِّ: الحَجَّاجُ عَنْ يَحيَى أَثْبَتُ. «السُّنن الكبرى» (١٠/ ٤١٨)\nالثاني: رواه مَعْمَر عند أبي داود (١٨٥٤)، ومعاوية بن سَلَّام عند الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٦١٧)، وسعيد بن يوسف عند الطبراني (٣٢١٤) فجعلوا بين عكرمة والحَجاج عبدَ الله بن رافع، قال البخاري: رِوَايَةُ مَعْمَرٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ أَصَحُّ.\nوالحاصل: أن عكرمة سَمِعه من الحَجَّاج مَرَّة، وسَمِعه من عبد الله بن رافع عن الحَجَّاج مَرَّة، فحَدَّث به على الوجهين، قال ابن حجر: فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ عِكْرِمَةُ سَمِعَهُ مِنَ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو فَذَاكَ، وَإِلَّا فَالْوَاسِطَةُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَافِعٍ، ثِقَةٌ. «فتح الباري» (٤/ ٧).\nقلت: وهذا من المزيد في متصل الأسانيد؛ لأن عكرمة قد صَرَّح بسماعه من الحَجَّاج.\n(^٣) «شرح العمدة» (١/ ٢٠٨).\n(^٤) منكر: أخرجه الترمذي (٨١٩)، وفي إسناده الحارث الأعور وهلال بن عبد الله، وضَعْفهما شديد. وقال البخاري: حديث هلال في الحج منكر. قال ابن عَدي: وغير محفوظ. «ذخيرة الحُفاظ» (٤/ ٢٤١٩).\nوله شواهد:\n١ - حديث أبي أُمَامَةَ: ومداره على ليث عن ابن سابط، واختُلف عليه في الوصل والإرسال:\nفرواه شَريك، عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أُمَامَة، به. أخرجه الدارمي (١٨١١).\nورواه الثوري وأبو الأحوص كلاهما، عن ليث، عن ابن سابط، مرسلًا. عند ابن أبي شيبة (١٥٠٥٤).\nوقد رَجَّح المرسل البيهقي وابن عبد الهادي في «نَصْب الراية» (٤/ ٤١٢)، و«التلخيص» (٢/ ٢٢٣).\nوعلى كل حال، فمداره على ليث بن أبي سُلَيْم، وهو ضعيف.\n٢ - حديث أبي هريرة، أخرجه ابن عَدي (١١٠٨٨)، وفي إسناده يزيد بن سفيان، وهو متروك.\nوفي الباب عن ابن مسعود، وهو حديث موضوع. ولا يصح في الباب حديث. والله أعلم.","vol":"1","page":38},{"text":"وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَنْ مَاتَ وَهُوَ مُوسِرٌ لَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالٍ شَاءَ: يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا (^١).\nوَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ السَّبِيلَ، حِينَ سُئِلَ: مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» (^٢).\nوَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الحَجَّ أَحَدُ الأَرْكَانِ، فَكَانَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ. وَلِأَنَّ وُجُوبَهُ بِصِفَةِ التَّوَسُّعِ يُخْرِجُهُ عَنْ رُتْبَةِ الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَخَّرُ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ، وَلَا يَأْثَمُ بِالْمَوْتِ قَبْلَ فِعْلِهِ (^٣).\nالقول الآخَر: أن الحج يجب على التراخي. وهو قول الشافعي (^٤).\nواستدلوا لهذا القول بالقرآن والسُّنة والمعقول:\nأما القرآن، فاستدلوا بأن الحج فُرِض سَنة ست من الهجرة بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والنبي لم يحج إلا في السَّنة العاشرة، فدل ذلك على التراخي.\nواعتُرض عليه بما قاله ابن القيم: وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فَإِنَّهَا وَإِنْ نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَيْسَ فِيهَا فَرْضِيَّةُ الْحَجِّ، وَإِنَّمَا فِيهَا الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الِابْتِدَاءِ (^٥).\nوأما السُّنة، فَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ، فَيَسْأَلَهُ، وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ … فَقَالَ: زَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: «صَدَقَ» (^٦).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٥٠٦١) عن الحَكَم، عن عَدِيّ بن عَدِيّ، عن أبيه، به.\n(^٢) ضعيف جدًّا: أخرجه الترمذي (٨٢٤). وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخُوزِي، وهو متروك.\n(^٣) «المغني» (٥/ ٣٧).\n(^٤) «المجموع» (٧/ ١٠٣). وهوقول محمد بن الحسن، كما في «بدائع الصنائع» (٢/ ١١٩)\n(^٥) «زاد المعاد» (٢/ ٩٦)، و«الذخيرة» (٣/ ١٨١).\n(^٦) أخرجه مسلم (١٢).","vol":"1","page":39},{"text":"وَجْه الدلالة: هذا الحديث صريح في وجوب الحج، والرجل هو ضِمَام بن ثَعْلَبَة، وقدومه على النبي ﷺ كان سَنة خَمْس من الهجرة، وقد أَخَّر النبي ﷺ الحج إلى سَنة عَشْر، فدل ذلك على أن الحج على التراخي.\nونوقش بأن قدوم ضِمَام كان سَنة تِسع؛ لأن آية وجوب الحج كانت في العام التاسع ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].\nولِأَنَّ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ نَزَلَ عَامَ الْوُفُودِ، وَفِيهِ قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَالْجِزْيَةُ إِنَّمَا نَزَلَتْ عَامَ تَبُوكَ سَنَةَ تِسْعٍ.\nوأما المعقول، فما قاله النووي: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا أَيْضًا بِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَفَعَلَهُ، يُسَمَّى مُؤَدِّيًا لِلْحَجِّ لَا قَاضِيًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ (^١).\nوالراجح: أن الحج يجب على الفور؛ لأن آية وجوب الحج كانت في العام التاسع.\nوقد أَخَّر النبي ﷺ الحج إلى السَّنة العاشرة لأسباب ذَكَرها ابن قدامة، فقال: وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ سَنَةَ تِسْعٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، مِنْ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ، أَوْ كَرِهَ رُؤْيَةَ الْمُشْرِكِينَ عُرَاةً حَوْلَ الْبَيْتِ، فَأَخَّرَ الْحَجَّ حَتَّى بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ يُنَادِي: أَنْ «لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ». وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَخَّرَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِتَكُونَ حَجَّتُهُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فِي السَّنَةِ الَّتِي اسْتَدَارَ فِيهَا الزَّمَانُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَيُصَادِفَ وَقْفَةَ الْجُمُعَةِ، وَيُكْمِلَ اللَّهُ دِينَهُ (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) «المجموع» (٧/ ١٠٦).\n(^٢) «المغني» (٥/ ٣٧). وسُئِل ابن تيمية: عَنْ رَجُلٍ خَرَجَ حَاجًّا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فِي الطَّرِيقِ، فَهَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ أَمْ لَا؟\nفَأَجَابَ: لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ إنْ كَانَ خَرَجَ إلَى الْحَجِّ حِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، مَاتَ غَيْرَ عَاصٍ. وَإِنْ فَرَّطَ بَعْدَ الْوُجُوبِ مَاتَ عَاصِيًا، وَيُحَجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ. وَإِنْ كَانَ قَدْ خَلَّفَ مَالًا، فَالنَّفَقَةُ مِنْ ذَلِكَ وَاجِبَةٌ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ. «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢١).","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-24>خلاصة الباب الأول: مقدمة في الحج</span>\nتعريف الحج شرعًا: هو قَصْد البيت الحرام والمشاعر المقدسة؛ تَعبُّدًا لله ﷿ لأداء المناسك، على وجه مخصوص، في زمن مخصوص.\nحُكْم الحج، هو أحد مباني الإسلام الخمسة، وهو فَرْضُ عَيْن على المُكلَّف المستطيع، مَرَّة واحدة في العُمر.\nحُكْم جاحد الحج، قد اتَّفَق المسلمون على أن مَنْ جَحَدَ وجوب الحج فإنه كافر.\nمرات الحج الواجبة، يجب الحج مرة واحدة في العُمر، بالإجماع.\nفَضْل الحج: الحاصل أن الحج له من الفضل ما ثبتت به الأدلة، من أنه أحد أركان الإسلام وأهم دعائمه العظام، وأنه من أفضل الأعمال الجسام، وأنه يَهدم ما كان قبله من الذنوب والآثام، وأن مَنْ حج فلم يَرفث ولم يَفسق فإنه يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأن النص قد شَهِد أنه من الجهاد، وأن المتابعة بين الحج والعمرة تَنفي الفقر والذنوب كما يَنفي الكِير خَبَث الحديد.\nحُكْم تَكرار الحج للنساء، يُستحَب تَكرار الحج للنساء؛ لتضافر الأدلة على ذلك.\nوأما ما ورد عن أبي واقد الليثي قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِأَزْوَاجِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «هَذِهِ، ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصُرِ» أي: لا تَخرجن من بيوتكن لحَجة أخرى وتَلزمن الحُصُر، فظاهره يدل على منع نسائه بعد حجهن معه من الحج، فهو حديث منكر.\nمن مقاصد الحج: تحقيق التوحيد وإخلاص العبادة لله، وتزكية النفس، وإقامة ذكر الله، وتحصيل تقوى الله … وغير ذلك من المقاصد.\nالحج واجب على الفور عند تحقق شروطه، ويأثم المرء بتأخيره.\n* * *","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-25>الباب الثاني: شروط الحج والنيابة فيه</span>\nوفيه تمهيد وفصلان:\nالفصل الأول: شروط الحج.\nالشرط الأول: الإسلام، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: حُكْم حج الكافر.\nالمبحث الثاني: مَنْ حج الفريضة، ثم ارتد ثم تاب وأسلم، فهل يجب عليه الحج من\nجديد؟\nالشرط الثاني: العقل، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: لا يجب الحج على المجنون.\nالمبحث الثاني: هل يصح الحج من المجنون؟\nالشرط الثالث: البلوغ، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: حُكْم حج الصبي.\nالمبحث الثاني: حج الصبي قبل البلوغِ لا يجزئه عن حَجة الإسلام.\nالمبحث الثالث: ما يفعله الصبي من أعمال الحج بنفسه، وما يفعله عنه وليه.\nالشرط الرابع: الحرية، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: لا يجب الحج على العبد.\nالمبحث الثاني: إذا حج العبد لم يجزئه عن حج الفريضة.\nالشرط الخامس: الاستطاعة، وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:\nتمهيد: تعريف الاستطاعة.\nالمبحث الأول: اشتراط الاستطاعة في وجوب وإجزاء الحج، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: الاستطاعة شرط في وجوب الحج.\nالمطلب الثاني: الاستطاعة ليست شرطًا في إجزاء الحج.","vol":"1","page":42},{"text":"المبحث الثاني: أقسام الاستطاعة في الحج أربعة:\nالقسم الأول: أن يكون قادرًا ببدنه وماله، فهذا يَلزمه الحج بنفسه بالإجماع.\nالقسم الثاني: أن يكون عاجزًا بماله وبدنه، فهذا يَسقط عنه الحج بالإجماع.\nالقسم الثالث: أن يكون قادرًا ببدنه عاجزًا بماله، فلا يَلزمه الحج بلا خلاف، إلا أهل مكة.\nالقسم الرابع: أن يكون قادرًا بماله، عاجزًا ببدنه عجزًا لا يُرجَى زواله، فهل يجب عليه الحج بالإنابة؟ وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: المريض الذي لا يستطيع الحج بنفسه.\nالمطلب الثاني: هل يجب الحج على مَنْ كان قادرًا بماله، عاجزًا ببدنه؟\nالمبحث الثالث- شروط الاستطاعة:\nالمطلب الأول: شروط الاستطاعة العامة للرجال والنساء:\nالشرط الأول: الاستطاعة البدنية، وتشمل صحة البدن، والقدرة على السير والركوب.\nالشرط الثاني: الاستطاعة المالية، وتشمل الزاد والراحلة، والنفقة فاضلًا عن دَينه ونفقته، وحاجاته الأصلية.\nالشرط الثالث: الاستطاعة الأمنية، والمراد بها أمن الطريق.\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: المراد بأمن الطريق، وهو متمثل الآن في (تصريح للحج).\nالمطلب الثاني: مَنْ قَدَّم للحج ولم يَحصل على تصريح للحج، فهل يتعلق الحج بذمته أم يَسقط؟\nالمطلب الثالث: شروط الاستطاعة الخاصة بالنساء:\nالشرط الأول: المَحْرَم.\nالشرط الثاني: عدم العِدَّة.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>تمهيد</span>\nيجب الحج على كل مسلم، عاقل، بالغ، حُر، مُستطِيع، بالإجماع (^١).\nفشروط الحج خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة.\nقال ابن قُدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ إِنَّمَا يَجِبُ بِخَمْسِ شَرَائِطَ: الْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالِاسْتِطَاعَةُ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ اخْتِلَافًا.\nتنقسم شروط الحج إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: شروط وجوب وصحة (وهي الإسلام والعقل). (فشروط وجوب) فلا تجب على كافر ولا مجنون، (وصحة) فلا تصح منهما; لأنهما ليسا من أهل العبادات.\nالقسم الثاني: شروط للوجوب والإجزاء، وهو البلوغ والحرية، وليسا بشرط للصحة، فلو حَجَّ الصبي والعبد صح حجهما، ولم يُجزئهما عن حَجة الإسلام.\nالقسم الثالث: شرط للوجوب فقط، وهو الاستطاعة، فلو تَجَشَّمَ غيرُ المُستطِيع المَشَقة، وسار بغير زاد وراحلة فحَجَّ، كان حَجُّه صحيحًا مُجْزِئًا، كما لو تَكَلَّفَ القيام في الصلاة والصيام- مَنْ يَسقط عنه، أجزأه (^٢).\n_________\n(^١) قال ابن حزم: اتفقوا أَنْ الحُر المُسْلِم العاقل البالغ، الصحيح الجسم، الذي يجد زادًا وراحلة، فإن الحج عليه فَرْض. «مراتب الإجماع» (ص: ٤١).\nوقد نَقَل الإجماع على ذلك: النووي في «المجموع» (٧/ ١٩)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٧)، وابن رُشْد في «بداية المجتهد» (٢/ ٨٤)، والقرطبي في «تفسيره» (٤/ ١٥٠)، والشربيني في «مغني المحتاج» (١/ ٤٦٢) وغيرهم كثير.\n(^٢) «المغني» (٥/ ٧).","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>الفصل الأول: شروط الحج</span>\n<span data-type='title' id=toc-28>الشرط الأول: الإسلام،</span> وفيه مبحثان:\n<span data-type='title' id=toc-29>المبحث الأول: حُكْم حج الكافر:</span>\nلا يجب الحج على الكافر، ولا يصح منه، ولا يجزئ عنه إن وقع منه.\nودل على ذلك النص والإجماع:\nأما النص، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤].\nوَجْه الدلالة: أنه إذا كانت النفقات لا تُقْبَل منهم لكفرهم، مع أن نفعها مُتَعَدٍّ، فالعبادات الخاصة أَوْلَى ألا تُقْبَل منهم، والحج من العبادات الخاصة، فلا يُقْبَل من كافر.\nوأما الإجماع، فلا خلاف أنه لا يصح حجُّ مَنْ ليس بمسلم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-30>المبحث الثاني: \" مَنْ حج الفريضة، ثم ارتد ثم تاب وأسلم، فهل يجب عليه الحج من جديد؟</span>\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: لا تجب عليه حجة الإسلام مُجدَّدًا بعد التوبة عن الردة. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (^٢).\nالقول الآخَر: مَنْ حج الفريضة، ثم ارتد ثم تاب وأسلم، عليه أن يُعِيد الحج والعُمرة. وهو قول الحنفية والمالكية.\nواحتجوا بقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (٢/ ٨٣).\nوقال النووي: فَالْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ لَا يُطَالَبُ بِالحَجِّ فِي الدُّنْيَا، بِلَا خِلَافٍ، فَإِذَا اسْتَطَاعَ فِي حَالِ كُفْرِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَهُوَ مُعْسِرٌ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ، إِلَّا أَنْ يَسْتَطِيعَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ فِي الْكُفْرِ لَا أَثَرَ لَهَا. وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ. «المجموع» (٧/ ١٩).\n(^٢) «المجموع» (٧/ ٩)، و«الإنصاف» (٣/ ٢٧٥)، و«كَشَّاف القناع» (٢/ ٣٧٨).","vol":"1","page":45},{"text":"وَجْه الدلالة: أن الآية دلت على أن إحباط الردة للعمل، فيجب عليه حجة جديدة.\nونوقش هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: بأن قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] هذا دليل مُطْلَق يدل على أن الردة تُحْبِط الأعمال، وهو مُقَيَّد بمن ارتد، فلم يَزَل مُرتدًّا حتى مات على الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] فلو ارتد ثم عاد للإسلام، فإن أعماله الصالحة السابقة للردة لا تَبطل.\nالثاني: ما قاله ابن حزم: وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ فِيهَا: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك الَّذِي عَمِلْت قَبْلَ أَنْ تُشْرِكَ) وَهَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا تَجُوزُ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ يَحْبَطُ عَمَلُهُ بَعْدَ الشِّرْكِ إِذَا مَاتَ عَلَى شِرْكِهِ، لَا إِذَا أَسْلَمَ (^١).\nوقد أفتت اللجنة الدائمة بأن مَنْ كان مسلمًا فحج، ثم ارتد بارتكابه ما يُخرجه من ملة الإسلام، ثم تاب وعاد إلى الإسلام، أجزأته حجته تلك عن حجة الإسلام؛ لكونه أدى الحج وهو مسلم. وقد دل القرآن على أن عمل المرتد قبل ردته إنما يَحبط بموته على الكفر؛ لقوله ﷿: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-31>الشرط الثاني: العقل،</span> وفيه مبحثان:\n<span data-type='title' id=toc-32>المبحث الأول: لا يجب الحج على المجنون:</span>\nفلا يجب الحج على المجنون، ولا تجزئ عن حجة الإسلام إن وقعت منه.\nودل على ذلك النصُّ والإجماع:\nأما النص، فعموم قول النبي ﷺ: «رُفِعَ الْقَلَمُ … وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ».\nوأما الإجماع، فقد أَجْمَع العلماء على أنه لا يجب الحج على المجنون (^٣).\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» (٥/ ٣٢٢).\n(^٢) «فتاوى اللجنة الدائمة» (١١/ ٢٧).\n(^٣) قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن المجنون إذا حُج به ثم صح، أن ذلك لا يُجْزِئه عن حَجة الإسلام. (ص: ٧٣)، وكذا نَقَل الإجماع: النووي في «المجموع» (٧/ ٢٠)، والمَرْداوي في «الإنصاف» (٨/ ١٢).","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>المبحث الثاني: هل يصح الحج من المجنون؟</span>\nاختَلف أهل العلم في صحة حج المجنون على قولين:\nالقول الأول: لا يصح الحج من المجنون، ولو أَحْرَم عنه وليه.\nوهو قول للحنفية، وقول للمالكية، ووَجْه للشافعية، وهو مذهب الحنابلة (^١).\nواستدلوا بالسُّنة والمعقول:\nأما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ: «رُفِعَ الْقَلَمُ … وعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ».\nوَجْه الدلالة: أن المراد برفع القلم عدم تكليفهم، فدل ذلك على أن المجنون ليس من أهل التكليف، وعلى عدم صحة العبادة منه.\nوأما المعقول، فاستدلوا بأن العقل مَناط التكليف، وبه تَحصل أهلية العبادة، والمجنون ليس أهلًا لذلك، فلا معنى لنُسُكه، أَشْبَهَ العجماوات. وإذا كانت الأعمال بالنيات، فالمجنون لا نية له ولا قَصْد، فكيف يصح حجه؟!\nالقول الآخَر: يصح الحج من المجنون بإحرام وليه عنه.\nوهو قول أكثر الحنفية، والمالكية في المشهور، والشافعية، ورواية للحنابلة (^٢).\nواستدلوا لذلك بالقياس، فإذا كان يَجوز حج الصبي غير المُميِّز، مع أنه لا نية له، فكذا يَجوز حج المجنون.\nواعتُرض عليه بأن الصبي لا يقاس على المجنون؛ لأن الصبي يؤمر بالصلاة والصوم للتمرين على الطاعات وتعويده العبادات، بخلاف المجنون. وإذا كان التكليف مرفوعًا عن المجنون والصبي، فقد استُثني الصبي بالنص، فقد رَفَعَتِ امرأة صبيًّا لرسول الله ﷺ فقالت: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» وبقي المجنون على الأصل.\nوالراجح: أنه لا يصح حج المجنون؛ لأنه لا نية له، والأعمال بالنيات. والله أعلم.\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٢١)، و«مواهب الجليل» (٣/ ٤٢٦)، و«المبدع» (٣/ ٢٦).\n(^٢) «المُدوَّنة» (١/ ٢٩٩)، و«المجموع» (٧/ ٢٠)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٨٨).","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>الشرط الثالث: البلوغ،</span> وفيه ثلاثة مباحث:\n<span data-type='title' id=toc-35>المبحث الأول: حُكْم حج الصبي:</span>\nالبلوغ ليس شرطًا لصحة الحج، وقد أجمعوا على صحة حج الصبي المُميِّز (^١).\nواختلفوا في حج الصبي غير المُميِّز على قولين:\nالقول الأول: يصح حجه. وهو مذهب المالكية في المشهور، والشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور:\nأما السُّنة، فما رواه مسلم: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» (^٣).\nوَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ (^٤).\nفَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ حَجُّ الصَّبِيِّ وَيَنْعَقِدُ، سَوَاءٌ كَانَ مُمَيِّزًا أَمْ لَا.\nقال الطحاوي: الْحَدِيثُ إِنَّمَا فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ لِلصَّبِيِّ حَجًّا، وَهَذَا مِمَّا قَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ جَمِيعًا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ لِلصَّبِيِّ حَجًّا، كَمَا أَنَّ لَهُ صَلَاةً.\nالقول الآخَر: لا يصح حج الصبي غير المُميِّز. وبه قال أبو حنيفة، ومالك في رواية (^٥).\nواستدلوا بأن الأصل هو أن العبادة لا تصح من غير عاقل، وإذا كان القلم رُفِع عن الصبي فكيف يُقْبَل حجه؟!\n_________\n(^١) الصبي المُميِّز: (هو الذي يَفهم الخطاب ويُحْسِن رد الجواب ومقاصد الكلام. ولا يُضْبَط بسن مخصوصة، بل يختلف باختلاف الأفهام. وقيل: هو الذي عَقَل الصلاة والصيام). «مواهب الجليل» (٣/ ٤٣٥)، و«المجموع» (٧/ ٢٩).\nفقد نَقَل غير واحد الإجماع على صحة وقوع الحج من الصبي قبل البلوغ. فقَالَ الْقَاضِي: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ الْحَجِّ بِالصِّبْيَانِ. وَإِنَّمَا مَنَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِهِمْ، بَلْ هُوَ مَرْدُودٌ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ. «شرح مسلم» (٩/ ٩٩)، وكذا نَقَله الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٢٥٧).\n(^٢) «المدونة» (١/ ٢٩٨)، و«مغني المحتاج» (١/ ٤٦١)، و«المغني» (٣/ ٧. ٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٣٣٦).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٨٥٨).\n(^٥) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٤٥٨)، و«بداية المجتهد» (٢/ ٨٣).","vol":"1","page":48},{"text":"ونوقش بأن المراد برفع القلم رَفْع الإثم، وليس إبطال ما يفعله من خير، فقد يُؤْجَر على الصدقة والحج. وبأنه إذا كان لا يُكْتَب عليه سيئات، فلا مانع أن يُكْتَب له حسنات.\nواستدلوا بأن الصبي غير المُميِّز لا نية له، فكيف ينعقد إحرامه؟!\nونوقش بأن النية لا تَلزمه، بل تَسقط عنه لعدم الاستطاعة، ويَنوي عنه الولي، كالزكاة.\nوالراجح: أنه يصح حج الصبي المُميِّز وغير المُميِّز؛ لِما صح أن امرأة رَفَعَتْ صبيًّا لرسول الله ﷺ فقالت: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-36>المبحث الثاني: حج الصبي قبل البلوغ لا يجزئه عن حَجة الإسلام:</span>\nأَجْمَع أهل العلم على سقوط فرض الحج عن الصبي حتى يَبلغ؛ فإِنْ حَجَّ الصبي قبل البلوغ لم يجزئه عن حجة الإسلام، وتجب عليه حجة أخرى إذا بَلَغ (^٢).\nوَفِي قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ حَجَّ الصَّبِيِّ تَطَوُّعٌ، وَلَمْ يُؤَدِّ بِهِ فَرْضًا؛ لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يُؤَدِّيَ فَرْضًا مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْفَرْضُ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-37>المبحث الثالث: ما يفعله الصبي بنفسه من أعمال الحج، وما يفعله عنه وليه:</span>\nما يفعله الصبي من أعمال الحج على قسمين:\nالقسم الأول: ما يَقدر عليه الصبي بنفسه، كالوقوف بعرفة والمبيت بمُزدلِفة ومِنًى، فإنه يَلزمه فعله، ولا تَجوز فيه النيابة. ومعنى لزوم فعله أنه لا يصح أن يُفْعَل عنه لعدم الحاجة إليه، لا بمعنى أنه يأثم بتركه لأنه غير مكلف.\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُحَجُّ بِالصِّبْيَانِ. وَهُوَ قَوْلٌ لَا يُشْتَغَلُ بِهِ وَلَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَّ بِأُغَيْلِمَةِ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَحَجَّ السَّلَفُ بِصِبْيَانِهِمْ. وَقَالَ ﷺ فِي الصَّبِيِّ: «لَهُ حَجٌّ» وَلِلَّذِي يَحُجُّهُ أَجْرٌ، يَعْنِي بِمَعُونَتِهِ لَهُ وَقِيَامِهِ فِي ذَلِكَ بِهِ، فَسَقَطَ كُلُّ مَا خَالَفَ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ. «التمهيد» (١/ ١٠٣).\n(^٢) نَقَل الإجماع على عدم إجزاء الحج إلا بالبلوغ: ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٧٣)، والترمذي في «السُّنن» (٢/ ٢٣٣). وقال ابن عبد البر: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ حَجَّ صَغِيرًا قَبْلَ الْبُلُوغِ، أَوْ حُجَّ بِهِ طِفْلًا، ثُمَّ بَلَغَ، لَمْ يُجِزْهُ ذَلِكَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. «الاستذكار» (٤/ ٣٩٨).\nوقد حُكي في هذه المسألة خلاف شاذ عن فِرقة لم يَلتفت العلماء إلى قولها، قال القاضي عياض: وأجمعوا أنه لا يجزئه إذا بَلَغ من الفريضة، إلا فِرقة شذت، فقالت: إنه يجزئه. ولم يَلتفت العلماء إلى قولها. «إكمال المُعْلِم» (٤/ ٤٤٢)، ويُنظَر «الاستذكار» (٤/ ٣٩٩).\n(^٣) «التمهيد» (١/ ١٠٨).","vol":"1","page":49},{"text":"القسم الثاني: ما لا يَقدر عليه، فإنه يفعله عنه وليه (^١).\nعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ طَافَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فِي خِرْقَةٍ (^٢).\nوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحُجُّ بِصِبْيَانِهِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَرْمِيَ رَمَى، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ رَمَى عَنْهُ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-38>الشرط الرابع: الحرية،</span> وفيه مبحثان:\n<span data-type='title' id=toc-39>المبحث الأول: الحج لا يجب على العبد:</span>\nأَجْمَع العلماء على أن الحرية شرط في وجوب الحج، فلا يجب على العبد (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-40>المبحث الثاني: إذا حَجَّ العبد، لم يجزئه عن حج الفريضة:</span>\nإذا حَجَّ العبد لم يجزئه عن حج الفريضة، ولزمه الحج إذا أُعْتِق (^٥).\nودل على ذلك القرآن والسُّنة:\nأما القرآن، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ الِاسْتِطَاعَةَ لِوُجُوبِ الْحَجِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَلَا اسْتِطَاعَةَ بِدُونِ مِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَلَا مِلْكَ لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ فَلَا يَكُونُ مَالِكًا بِالْإِذْنِ، فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْوُجُوبِ، فالْمَمْلُوكُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ خَارِجٌ مِنَ الْخِطَابِ الْعَامِّ، بِدَلِيلِ عَدَمِ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ لِسَيِّدِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُجَّ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ (^٦).\n_________\n(^١) قال ابن قُدامة: إنَّ كُلَّ مَا أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ، لَزِمَهُ فِعْلُهُ، وَلَا يَنُوبُ غَيْرُهُ عَنْهُ فِيهِ، كَالْوُقُوفِ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَنَحْوِهِمَا، وَمَا عَجَزَ عَنْهُ عَمِلَهُ الْوَلِيُّ عَنْهُ. «المغني» (٥/ ٥٢). وقال ابن المنذر: فأما الصبي الذي لا يَقدر على الرمي، فكل مَنْ حَفِظتُ عنه من أهل العلم يَرى الرمي عنه. «الإشراف» (٣/ ٣٢٩).\n(^٢) ضعيف لانقطاعه، وفيه نكارة؛ لأن ابن الزبير وُلِد في السَّنة الأولى من الهجرة، وحَجَّ أبو بكر في العام التاسع والعاشر. رواه عبد الرزاق (٩٢٣٩)، وابن أبي شيبة (١٤٨٨٢).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٨٤٣): حدثنا عبد الأعلى، عن عُبَيْد الله بن عمر، عن نافع، به.\n(^٤) وحَكَى الإجماع على ذلك: ابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٧)، والنووي في «المجموع» (٧/ ١٩)، وابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ٤١)، والشربيني في «مغني المحتاج» (١/ ٤٦٢) وغيرهم كثير.\n(^٥) قال ابن المنذر: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ، إلَّا مَنْ شَذَّ عَنْهُمْ مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ خِلَافًا، عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا حَجَّ فِي حَالِ صِغَرِهِ، وَالْعَبْدَ إِذَا حَجَّ فِي حَالِ رِقِّهِ، ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَعَتَقَ الْعَبْدُ، أَنَّ عَلَيْهِمَا حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، إِذَا وَجَدَا إِلَيْهِمَا سَبِيلًا. «المغني» (٥/ ٤٤).\n(^٦) «التمهيد» (١/ ١٠٨).","vol":"1","page":50},{"text":"وأما السُّنة، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ، فعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ عُتِقَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى» (^١).\nوَجْه الدلالة: أن الحج لا يجزئه، وأنه إذا أُعْتِقَ بعد ذلك لزمته حجة الإسلام.\nوقد ذهب القاسم بن محمد ومجاهد والظاهرية إلى أن العبد إذا حج ثم أُعْتِقَ، تُجْزئ\n_________\n(^١) ضعيف، أُعِلَّ بالوقف، ورُوي عن ابن عباس من طريقين:\nالأول: طريق أبي ظَبْيَان:\nومدار هذا الطريق على شُعبة، عن الأعمش، عن أبي ظَبْيَان، عن ابن عباس.\nواختُلف عن شُعبة في الرفع والوقف: فرواه محمد بن المِنهال عن يزيد بن زُرَيْع- عن شُعبة، به- مرفوعًا. أخرجه ابن خُزيمة (٣٠٥٠)، والطبراني في «الأوسط» (٢٧٣١) واللفظ له.\nورواه الحارث بن سُريج عن يزيد، به. أخرجه ابن عَدي (٤٠٨٦) وقال: وهذا الحديث معروف ب (محمد بن المنهال، عن يزيد بن زُرَيْع) وأظن أن الحارث بن سُرَيْج هذا سرقه منه، وهذا الحديث لا أعلم يرويه عن يزيد بن زُرَيْع غيرهما. ورواه ابن أبي عَدي وجماعة معه عن شُعبة موقوفًا.\nورواه ابن أبي عَدي عند ابن خُزيمة (٣٠٥٠)، وعبد الوهاب عند البيهقي (٨٦٨٨) عن شُعبة موقوفًا.\nوأخطأ الحاكم حين أخرجه (١٧٩٢) من طريق أبي الوليد، ومحمد بن كَثير، قالا: ثنا شُعبة، به مرفوعًا وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nولذا تَعَقَّبه البيهقي بقوله: تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ مُحَمَّدُ بْنُ المِنْهَالِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ شُعْبَةَ مَوْقُوفًا. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الأَعْمَشِ مَوْقُوفًا، وَهُوَ الصَّوَابُ. «السُّنن» (١٠/ ٢٧٤).\nوصَحَّح ابن خُزيمة الموقوف، إذ قال: هَذَا، عِلْمِي، هُوَ الصَّحِيحُ بِلَا شَكٍّ. (٣/ ٤٩٠)\nوقال الخطيب: لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَّا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ غَرِيبٌ. «تاريخ بغداد» (٩/ ١٠١).\nالطريق الثاني: طريق أبي السَّفَر: فرواه مالك بن مِغْوَل، عن أبي السَّفَر قال: قال ابن عباس، به موقوفًا بلفظ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَسْمِعُونِي مَا تَقُولُونَ، وَافْهَمُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ …» فذَكَره، أخرجه الشافعي (٩٤٠).\nولكن يُشْكِل عليه ما رواه ابن أبي شيبة (١٥١٠٥) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظَبيان، عن ابن عباس قال: «احفظوا عني ولا تقولوا: قال ابن عباس، أيما عبدٍ حَجَّ …» به.\nقال ابن المُلَقِّن: وهذا ظاهر في رفعه، بل قطعي. وكذا قال في «البدر المنير» (٦/ ١٨).\nوهذا اللفظ وهم، والصواب قوله: «أَسْمِعُونِي مَا تَقُولُونَ، وَافْهَمُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ» فقَصَد ابن عباس أن يُفْهَم كلامه، ولا يزاد فيه ما ليس منه.\nومما يؤكد صحة الرواية الموقوفة: ما قاله البخاري: وقال أَبو ظَبيان وأبو السَّفَر، عن ابن عباس: «أَيُّما صَبِيٍّ حَجَّ …» وهذا المعروف عن ابن عباس. «التاريخ الكبير» (١/ ١٩٨).\nوفي الباب: مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي «الْمَرَاسِيلِ» (١٣٤) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُرْسَلًا، وَفِيهِ رَاوٍ مُبْهَمٌ.\nوله شاهد عن جابر، أخرجه ابن عَدِيّ (٥٨٩٤) وفي إسناده حَرَام بن عثمان، قال الشافعي: الرِّوَايَةُ عَنْ حَرَامِ حَرَامٌ.","vol":"1","page":51},{"text":"عن حَجة الإسلام (^١).\nواستدلوا بأن العبد إذا حج بإذن سيده ونواه عن الفريضة، فإنه يجزئه؛ لأننا نقول: لا يجب عليه الحج لأنه كالفقير، والفقير لو حج حال فقره وتَكلَّف المشقة، يَسقط عنه الفرض. فكذلك العبد إذا حج بإذن سيده، فإنه يَسقط عنه الفرض.\n\n<span data-type='title' id=toc-41>الشرط الخامس: الاستطاعة:</span>\nوفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:\nتمهيد: تعريف الاستطاعة:\nلغة: هي الطاقة والقُدرة على الشيء.\nوالمستطيع هو القادر في ماله وبدنه، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس، وضابطه: أن يَحصل على التأشيرة والتذكرة، بعد قضاء الواجبات والنفقات والحاجات الأصلية (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-42>المبحث الأول: اشتراط الاستطاعة في وجوب وإجزاء الحج، وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-43>المطلب الأول: الاستطاعة شَرْط في وجوب الحج:</span>\nلا خلاف في اشتراط الاستطاعة في وجوب الحج (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-44>المطلب الثاني: الاستطاعة ليست شرطًا في إجزاء الحج:</span>\nفَلَوْ تَجَشَّمَ غَيْرُ الْمُسْتَطِيعِ الْمَشَقَّةَ، وَسَارَ بِغَيْرِ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ فَحَجَّ، كَانَ حَجُّهُ صَحِيحًا مُجْزِئًا، كَمَا لَوْ تَكَلَّفَ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ المَذَاهَبِ الأَرْبَعَةِ (^٤).\nقال ابن مفلح: الاسْتِطَاعَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي إِجْزَاءِ الحَجِّ؛ لأِنَّ خَلْقًا مِنَ الصَّحَابَةِ حَجُّوا، وَلَا شَيْءَ لَهُمْ، وَلَمْ يُؤْمَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْإِعَادَةِ. وَلِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ إِنَّمَا شُرِطَتْ\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» (٥/ ١٤).\n(^٢) «المصباح المنير» (٢/ ٣٨٠)، و«فتح القدير» (٢/ ٤١٧)، و«القوانين الفقهية» (ص: ٨٦).\n(^٣) نَقَل الإجماع: ابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ٤١)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٧)، والقرطبي في «تفسيره» (٤/ ١٥٠)، والنووي في «المجموع» (٧/ ١٩) وغيرهم كثير.\n(^٤) «البحر الرائق» (٢/ ٣٣٥)، و«مواهب الجليل» (٣/ ٤٤٧)، و«المجموع» (٧/ ٢٠).","vol":"1","page":52},{"text":"لِلْوُصُولِ، فَإِذَا وَصَلَ وَفَعَلَ أَجْزَأَهُ، كَالْمَرِيضِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-45>المبحث الثاني: أقسام الاستطاعة:</span>\nأقسام الاستطاعة في الحج أربعة:\nالقسم الأول: أن يكون قادرًا ببدنه وماله، فهذا يَلزمه الحج بنفسه بالإجماع (^٢).\nالقسم الثاني: أن يكون عاجزًا بماله وبدنه، فهذا يَسقط عنه الحج بالإجماع (^٣).\nالقسم الثالث: أن يكون قادرًا ببدنه عاجزًا بماله، فلا يَلزمه الحج بلا خلاف (^٤).\nالقسم الرابع: أن يكون قادرًا بماله، عاجزًا ببدنه عجزًا لا يُرجَى زواله، فهل يجب عليه الحج بالإنابة؟ وفيه مطلبان:\n\n<span data-type='title' id=toc-46>المطلب الأول: المريض الذي لا يستطيع الحج بنفسه.</span>\nمَنْ لا يَثبت على الراحلة غير مستطيع، فلا يجب عليه الحج؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» (^٥).\nوقد نُقِل الإجماع بعدم وجوب الحج على مَنْ لم يستطع أن يَثبت على الراحلة (^٦).\nوالحاصل أن المريض لا يخلو من حالين:\nالأول: أن مِنْ المرضى مَنْ يستطيع الحج فيجب عليه، ولا سيما في وقتنا الحاضر، مع التقدم العلمي وتطور وسائل المواصلات، فقد يحج رَجُل على كرسي.\n_________\n(^١) «المبدع في شرح المقنع» (٣/ ٨٧)، وانظر «المغني» (٥/ ٧).\n(^٢) وقد نَقَل الإجماع على ذلك: النووي في «المجموع» (٧/ ١٩)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٧)، وابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ٤١).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٨/ ٤٣٩). قال ابن العربي: إنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ مَغْصُوبًا، لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ الْمَسِيرُ إِلَى الْحَجِّ بِإِجْمَاعٍ الْأُمَّةِ؛ فَإِنَّ الْحَجَّ إِنَّمَا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ إِجْمَاعًا. «أحكام القرآن» (ص: ٣٨٩).\n(^٤) قال ابن قُدامة: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَالًا يَسْتَنِيبُ بِهِ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ. «المغني» (٥/ ٢١).\n(^٥) رواه البخاري (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤).\n(^٦) «تفسير القرطبي» (٤/ ١٥٠).","vol":"1","page":53},{"text":"الثاني: أن مِنْ المرضى مَنْ لا يستطيع أن يقوم مِنْ على سريره، فمِثل هذا لا يجب عليه الحج؛ لأن الحج إنما فَرَضه الله على المستطيع إجماعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-47>المطلب الثاني: هل يجب الحج على مَنْ كان قادرًا بماله، عاجزًا ببدنه؟</span>\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أنه يجب على مَنْ أَعْجَزه كِبَر أو مرض لا يُرجَى برؤه- أن يقيم مَنْ يحج عنه إن كان له مال. وهو المشهور عن الحنفية، ومذهب الشافعية، والحنابلة (^١).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\nوَجْه الدلالة: فمَن استطاع الحج ببدنه وماله، فقد وجب الحج في حقه. فإن كان عاجزًا عن الحج ببدنه، مستطيعًا بماله، فإنه يَلزمه أن يقيم غيره مُقامه (^٢).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» (^٣).\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ أَقَرَّ المرأة على وصف الحج على أبيها بأنه فريضة، مع عجزه عنه ببدنه، ولو لم يجب عليه لم يُقِرها الرسول ﷺ؛ لأنه لا يمكن أن يُقِر على خطأ، فدل على أن العاجز ببدنه القادر بماله يجب عليه أن ينيب.\nالقول الآخَر: أن مَنْ كان قادرًا بماله عاجزًا ببدنه، فإنه لا يجب عليه الحج، ولا يجب عليه إرسال مَنْ ينوب عنه. وهو قول للحنفية، ومذهب المالكية (^٤).\nواستدلوا بأن مَنْ كان عاجزًا ببدنه فهو غير مستطيع بنفسه، فلا يجب عليه.\nونوقش بأنه إن كان عاجزًا عن الحج ببدنه، لزمه أن يقيم غيره بماله مُقامه.\nوالراجح: أن مَنْ كان قادرًا على الحج بماله عاجزًا ببدنه، فإنه يجب عليه الحج،\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ٢٧٥)، و«المجموع» (٧/ ٩٤)، و«المغني» (٥/ ٢٢).\n(^٢) «المُحَلَّى» (٧/ ٥٦).\n(^٣) رواه البخاري (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤).\n(^٤) «بداية المجتهد» (٢/ ٨٥)، و«أحكام القرآن» (١/ ٣٧٨).","vol":"1","page":54},{"text":"بإرسال مَنْ ينوب عنه؛ نظرًا إلى أنه مستطيع بغيره، فيَدخل في قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. ولذا يقال: (الخليفة مستطيع لِفتح بلد كذا) وإن كان مريضًا؛ لأنه مستطيع لذلك بأمره وطاعة الناس له. ويقال في العُرْف: (فلان مستطيع لبناء دار) وإن كان لا يفعله بنفسه، وإنما يفعله بماله أو بأعوانه. ولأن النبي ﷺ أَقَرَّ المرأة على وصف الحج على أبيها بأنه فريضة، مع عجزه عنه ببدنه، فدل ذلك على أن مَنْ كان قادرًا بماله دون بدنه، فإنه يجب عليه أن يقيم مَنْ يحج عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-48>المبحث الثالث: شروط الاستطاعة، وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-49>المطلب الأول: شروط الاستطاعة العامة للرجال والنساء.</span>\nالشرط الأول: الاستطاعة البدنية، وتشمل صحة البدن والقدرة على السير والركوب.\nالشرط الثاني: الاستطاعة المالية، وتشمل الزاد والراحلة، والنفقة فاضلًا عن دَينه ونفقته وحاجاته الأصلية.\nوفيه ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: اشتراط الزاد والراحلة (التأشيرة والتذكرة والنفقة):\nقال ابن تيمية: إِذَا اسْتَطَاعَ الْحَجَّ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِالْإِجْمَاعِ (^١).\nوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» (^٢).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ! فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧].\nوَجْه الدلالة: و(تزودوا) يا مَعْشَر الحجيج من الطعام والشراب والزاد، ما تَبلغون به حجكم، وتَرجعون به إلى دياركم، (واتقوا) أي: اجتَنِبوا أذى الناس بسؤالكم إياهم (^٣).\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢١). وقد نَقَل الإجماع الجَصَّاص في «أحكام القرآن» (٢/ ٣٥).\nوقال ابن الهُمَام: الْقُدْرَةَ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ شَرْطُ الْوُجُوبِ، لَا نَعْلَمُ خِلَافَهُ. «فتح القدير» (٢/ ٤١٩).\n(^٢) ضعيف جدًّا: أخرجه ابن ماجه (٢٨٩٦)، وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخُوزِيّ، وهو متروك.\n(^٣) «التسهيل لتأويل التنزيل» (٣/ ٢٢٦) للشيخ مصطفى بن العدوي، حَفِظه الله.","vol":"1","page":55},{"text":"فالحاصل: يُشترط في وجوب الحج الاستطاعة المالية، وتشمل أربعة أمور:\nالأول: أن يَملك من المال ما يصل به إلى مكة، من تأشيرة وتذكرة ذَهابًا وإيابًا.\nالثاني: أن يكون معه من النقود في سفره ما يكفي حوائجه الأصلية، مَطْعمًا وملبسًا وغيرهما، مما لا بد منه على ما يليق بحاله، من غير إسراف ولا تقتير.\nالثالث: أن يَترك نفقة عياله ومَن تَلزمه نفقتهم من مطعم وملبس ومسكن، وكل ما يليق بهم عادة، من غير إسراف ولا تقتير، مدة ذَهابه وإيابه.\nالرابع: أن يَقضي دَيْنه قبل سفره؛ لأن الدَّيْن من حقوق العباد، وهو من حوائجه الأصلية، فهو آكد، وسواء كان الدَّين لآدمي أو لِحَقّ الله تعالى كزكاة في ذمته (^٢).\nالمسألة الثانية: مَنْ وجب عليه الحج، وأراد أن يتزوج، وليس عنده من المال إلا ما يَكفي لأحدهما. فهذا لا يخلو من حالين:\nالحال الأولى: مَنْ اشتدت حاجته إلى الزواج، مثل أن يكون شابًّا شديد الشهوة، ويَخشى على نفسه من الوقوع في الزنا. فهذا يكون الزواج في حقه مُقَدَّمًا على الحج. نُقِل الاتفاق على ذلك (^٣).\nودل على ذلك الكتاب والسُّنة والمعقول:\nأما الكتاب، فقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فمَن اشتدت حاجته إلى الزواج ويشق عليه تركه، وليس عنده من النفقة إلا ما يكفي للزواج أو الحج- ليس مستطيعًا إلى البيت سبيلًا؛ لأن الزواج يكون بمنزلة الطعام الذي من حوائجه الأصلية، فيُقَدَّم على الحج. وهذا من تيسير الله ﷿ على عباده، أنه لا يكلفهم من العبادة ما يَشُق عليهم، حتى وإن كان من أركان الإسلام كالحج.\n_________\n(^٢) «العناية» (٢/ ٤١٧، ٤١٨)، و«مغني المحتاج» (١/ ٤٦٤)، و«الشرح الممتع» (٧/ ٢٥).\n(^٣) نُقِل الإجماع في «مَجْمَع الأنهر» (١/ ٣٨٣)، و«حاشية ابن عابدين» (٢/ ٤٦٢) لكن نوزع في ادعاء الإجماع، كما في «الإنصاف» (٣/ ٢٨٦).","vol":"1","page":56},{"text":"وأما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ» فمَن اشتدت حاجته إلى الزواج إذا كان لا يستطيع نفقة الزواج والحج جميعًا، فإنه يَبدأ بالزواج حتى يُعِفّ نفسه.\nوأما المعقول، فإن في تركه النكاح تَرْك أمرين: تَرْك الفرض وهو النكاح الواجب، والوقوع في المُحَرَّم وهو الزنا (^١).\nالحال الثانية: أن يكون في حال اعتدال الشهوة، فإنه يُقَدِّم الحج على الزواج؛ لأن الزواج في حقه سُنة، والحج واجب على الفور، فيُقَدَّم على المسنون؛ لأنه لا تَعارُض بين واجب ومسنون. وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (^٢).\nفالحاصل: أن مَنْ اشتدت حاجته إلى الزواج، وليس عنده من المال إلا ما يكفي لأحدهما، وجبت عليه المبادرة بالزواج قبل الحج؛ لأنه في هذه الحال لا يُسَمَّى مُستطيعًا.\nأما إذا كان معتدل الشهوة ولا يَشُق عليه الصبر، فإنه يُقَدِّم الحج على الزواج؛ لأن الحج واجب على الفور، فيُقَدَّم على المسنون؛ لأن الزواج في حقه سُنة.\nأما إذا كان حج تطوع، فإنه يُقَدِّم النكاح؛ لأن الزواج أفضل من نوافل العبادات (^٣).\nالمسألة الثالثة: مَنْ كان عنده من المال ما يكفي لحجه، فهل يُعْذَر بترك الحج لِعَجْزه عن شراء الهدايا؟\nلَيْسَ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْمُحْدَثَةُ بِرَسْمِ الْهَدِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ وَالْأَصْحَابِ، فَلَا يُعْذَرُ بِتَرْكِ الْحَجِّ لِعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ خِلَافٌ. وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى إِثْمِ مَنْ أَخَّرَ الْحَجَّ بِسَبَبِ هَذِهِ التَّقَالِيدِ الْفَاسِدَةِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-50>الشرط الثالث: اشتراط أمن الطريق لتحقيق الاستطاعة:</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-51>المطلب الأول: المراد بأمن الطريق، وهو متمثل الآن في (تصريح للحج):</span>\nالمقصود بأمن الطريق: أن يكون الغالب في طريقه السلامة، آمنًا على نفسه وماله، من\n_________\n(^١) «مَجْمَع الأنهر» (١/ ٢٦٠).\n(^٢) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٤٦٢)، و«مواهب الجليل» (٣/ ٤٦٥)، و«المغني» (٣/ ٢١٧).\n(^٣) قال ابن تيمية: إن احتاج الإنسان إلى النكاح وخَشِي العنت بتركه، قَدَّمه على الحج الواجب. وإن لم يَخَفْ قَدَّم الحج. «الاختيارات الفقهية» (ص: ٥٢٨).\n(^٤) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٤٦١)، و«الموسوعة الفقهية الكويتية» (١٧/ ٣٣).","vol":"1","page":57},{"text":"وقت خروج الناس للحج، إلى رجوعه إلى بلده؛ لأن الاستطاعة لا تَثبت دونه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-52>المطلب الثاني: مَنْ قَدَّم للحج ولم يَحصل على تصريح، فهل يتعلق بذمته أم يَسقط؟</span>\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أن تخلية الطريق شرط من شروط وجوب الحج، فمَن استَوفى شروط الحج وخاف الطريق، فإنه لا يجب عليه الحج، ولا يتعلق بذمته. وهذا مذهب المالكية والشافعية، وهو رواية عن أبي حنيفة وأحمد (^٢).\nواستدلوا بأن مَنْ لم يَحصل على تصريح بالحج، فلم يَخْلُ له الطريق، فهو غير مستطيع، والاستطاعة من شرائط الوجوب.\nوَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْوُصُولَ إِلَى الْبَيْتِ بِدُونِ خُلُوِّ الطَّرِيقِ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ الِاسْتِطَاعَةِ (^٣).\nوَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ قَدْ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ، وَلَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَصُدُّونَهُمْ عَنِ الْبَيْتِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ فِعْلِهِ قَبْلَ الْفَتْحِ، مَعَ قُدْرَةِ أَكْثَرِهِمْ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ. فَلَوْ كَانَ الْوُجُوبُ ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ، لَوَجَبَ أَنْ يُحَجَّ عَمَّنْ مَاتَ فِي تِلْكَ السِّنِينَ مِنْهُمْ، وَلَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ وُجُوبَ ذَلِكَ فِي تَرِكَاتِهِمْ (^٤).\nالقول الآخَر: أن مَنْ استَوفى شروط الحج وخاف الطريق، فإن الحج يتعلق بذمته ويَسقط عنه الأداء. وهذا مذهب الحنفية في الأصح، والحنابلة (^٥).\nواستدلوا بأن مَنْ استطاع الحج فإنه يجب عليه، فإن كان الطريق مَخُوفًا فإن ذلك\n_________\n(^١) أَمْنُ الطَّرِيقِ يَشْمَل الأْمْنَ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ وَقْتَ خُرُوجِ النَّاسِ لِلْحَجِّ؛ لأِنَّ الاِسْتِطَاعَةَ لَا تَثْبُتُ دُونَهُ. «الموسوعة الفقهية الكويتية» (١٧/ ٣٤).\n(^٢) «الذخيرة» (٣/ ١٧٦)، و«الحاوي» (٤/ ١٣)، و«المبسوط» (٤/ ١٦٣)، و«المغني» (٥/ ٧).\n(^٣) «تبيين الحقائق وحاشية الشلبي» (٢/ ٤).\n(^٤) «شرح العمدة» (١/ ١٦٨).\n(^٥) «المبسوط» (٤/ ١٦٣)، و«فتح القدير» (٢/ ٤١٨)، و«المغني» (٥/ ٧)، و«الفروع» (٥/ ٢٤٠).","vol":"1","page":58},{"text":"يُسْقِط عنه الأداء حالًا، مع تعلق وجوب الحج في ذمته لاستيفائه شروط وجوبه.\nودل على ذلك ما رواه ابن عُمَر قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يُوجِبُ الحَجَّ؟ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» (^١).\nوَجْه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يَذكر من الاستطاعة إلا الزاد والراحلة، ولم يَذكر تخلية الطريق، فهذا شَرْطٌ زائد، ولا يَجوز الزيادة في شروط العبادة بالرأي.\nوالراجح: أنه لا بد من التفريق بين أمرين:\nالأول: أن على الحاج عند الاستطاعة طلب التأشيرة في كل عام، فحصول التأشيرة والتصريح للحج في هذه الحالة- شَرْطُ وجوب وليس شرط لزوم أداء؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وتحصيل التصريح والتأشيرة ليسا في مقدور مَنْ مُنِع منهما، فإذا مات فيُستحَب لورثته أن يَحجوا عنه من ماله.\nالأمر الثاني: أن مَنْ حَصَلَتْ له الاستطاعة وطَلَب تأشيرة للحج مرة، وقَصَّر أخرى فمات، فيجب على ورثته أن يَحجوا عنه من ماله. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-53>المطلب الثاني: شروط الاستطاعة الخاصة بالنساء،</span> وفيه شرطان:\nالشرط الأول: المَحْرَم. الشرط الثاني: عدم العِدة.\nالشرط الأول: اشتراط المَحْرَم. وفيه أربع مسائل:\nالمسألة الأولى: مَنْ المَحْرَم؟\nالْمَحْرَمُ الْمَشْرُوطُ فِي اسْتِطَاعَةِ الْمَرْأَةِ لِلْحَجِّ: هُوَ زَوْجُهَا أَوْ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالتَّأْبِيدِ التَّزَوُّجُ مِنْهَا، سَوَاءٌ كَانَ التَّحْرِيمُ بِالْقَرَابَةِ أَوِ الرَّضَاعَةِ أَوِ الْمُصَاهَرَةِ، وَيَكُونُ مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا ثِقَةً مَأْمُونًا؛ فَإِنَّ المَقْصُودَ مِنَ المَحْرَمِ حِمَايَةُ المَرْأَةِ وَصِيَانَتُهَا وَالقِيَامُ بِشَأْنِهَا (^٢).\nالمسألة الثانية: اشتراط المَحْرَم للمرأة في حج النافلة:\nقَالَ الْبَغَوِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ السَّفَرُ فِي غَيْرِ الْفَرْضِ إِلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ، إِلَّا كَافِرَةً أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَسِيرَةً تَخَلَّصَتْ. وَزَادَ غَيْرُهُ: أَوِ امْرَأَةً انْقَطَعَتْ\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا: أخرجه الترمذي (٨٢٤) وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخُوزِيّ، وهو متروك.\n(^٢) «فتح الباري» (٤/ ٧٧)، و«المغني» (٩/ ٤٩٣)، و«الموسوعة الفقهية الكويتية» (١٧/ ٣٧).","vol":"1","page":59},{"text":"مِنَ الرُّفْقَةِ، فَوَجَدَهَا رَجُلٌ مَأْمُونٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْحَبَهَا حَتَّى يُبَلِّغَهَا الرُّفْقَةَ (^١).\nالمسألة الثالثة: اشتراط المَحْرَم في سفر المرأة للحج الواجب:\nاختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه لا يَجوز للمرأة أن تسافر لحج الفريضة بغير مَحْرَم. وهو مذهب الحنفية، وقول عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (^٢).\nواستدلوا لهذا القول بالكتاب والسُّنة والمعقول:\nأما الكتاب، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.\nوَجْه الدلالة: أن المرأة التي لا مَحْرَم لها لا يجب عليها الحج؛ لأن المَحْرَم بالنسبة لها من السبيل، واستطاعة السبيل شَرْط في وجوب الحج، ولا يَجوز لها أن تسافر للحج أو غيره إلا ومعها زَوْج أو مَحْرَم لها.\nوأما السُّنة، ففي «الصحيحين»: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا» (^٣).\nقال ابن تيمية: فَهَذِهِ نُصُوصٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَحْرِيمِ سَفَرِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَلَمْ يُخَصِّصْ سَفَرًا مِنْ سَفَرٍ، مَعَ أَنَّ سَفَرَ الْحَجِّ مِنْ أَشْهَرِهَا وَأَكْثَرِهَا (^٤).\nوفي «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً. قَالَ: «اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» (^٥).\nوفي رواية: «لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» (^٦).\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٤/ ٧٦).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٢٣)، و«البيان» (٤/ ٣٥)، و«مسائل ابن هانئ» (١/ ١٣٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٠٨٨)، ومسلم (١٣٥٩) واللفظ له.\n(^٤) «شرح العمدة» (١/ ١٧٤).\n(^٥) أخرجه البخاري (٣٠٠٦)، ومسلم (١٣٤١).\n(^٦) شاذ بهذا اللفظ، ومدار هذا الحديث على عمرو بن دينار، عن أبي مَعْبَد، عن ابن عباس، واختُلف عليه:\nفرواه أبو عاصم عند البزار في «مُسْنَده» كما في «نَصْب الراية» (٣/ ١٠) وحَجاج بن أرطأة عند الدارقطني (٢٤٤٠) كلاهما عن ابن جُرَيْج، عن عمرو، به، بلفظ: «لَا تَحُجَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ».\nوخالفهما الثقات الأثبات عن ابن جُريج، ولم يَذكروا هذه اللفظة في حديثهم، وهم: ابن عُيينة عند البخاري (٣٠٦١)، وهشام بن سليمان، عند مسلم (١٣٤١)، والقطان ورَوْح بن عُبَادة، كلاهما عند أحمد (٣٢٣١، ٣٢٣٢)، والحسين بن سعيد، عند أبي نُعَيْم في «المستخرج» (٣١٢٥)، وشُعَيْب بن إسحاق، عند ابن ماجه (٢٩٠٠). فهؤلاء ستة من الرواة لم يَذكروا الزيادة، فالثابت عن ابن جُريج ما رواه الجماعة عنه، ليس فيه: «لَا تَحُجَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ».\nوقد رواه الثقات عن عمرو بن دينار، بدون هذه اللفظة، وهم: ابن عُيينة، عند البخاري (٣٠٠٦) ومسلم (١٣٤١)، وحماد بن زيد، عند البخاري (١٨٦٢) ومسلم (١٣٤١)، ورَوْح بن القاسم ومحمد بن مسلم، كلاهما عند الطبراني في «الكبير» (١١/ ٤٢٤، ٤٢٥).\nفالمحفوظ الثابت من حديث ابن عباس هو لفظ «الصحيحين».","vol":"1","page":60},{"text":"قول الرجل: «اكْتُتِبْتُ» يدل على أنه قد وجب عليه الجهاد، ولا يأمره النبي ﷺ بترك الجهاد الواجب إلا بفعل واجب أعظم منه، وهو السفر مع امرأته ليحج معها؛ لأنه لا يَجوز لها السفر بغير مَحْرَم.\nوأما المعقول، فالْمَرْأَةَ مُعَرَّضَةٌ فِي السَّفَرِ لِلصُّعُودِ وَالنُّزُولِ، وَتَحْتَاجُ إِلَى قَيِّمٍ يَقُومُ عَلَيْهِا، وَغَيْرُ الْمَحْرَمِ لَا يُؤْمَنُ وَلَوْ كَانَ أَتْقَى النَّاسِ؛ فَإِنَّ الْقُلُوبَ سَرِيعَةُ التَّقَلُّبِ، وَالشَّيْطَانَ بِالْمِرْصَادِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا خَلَا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا» (^١).\nالقول الثاني: جواز سفر المرأة في حج الفريضة بغير مَحْرَم، إذا وَجَدَتْ رُفقة مأمونة. وهو مذهب المالكية، والشافعي في الصحيح عنه، ورواية عن أحمد (^٢).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة والمأثور والمعقول:\nأما الكتاب، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.\nوَجْه الدلالة ما قاله الشافعي: وَإِذَا كَانَ فِيمَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّبِيلَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَجِدُهُمَا، وَكَانَتْ مَعَ ثِقَةٍ مِنَ النِّسَاءِ فِي طَرِيقٍ مَأْهُولَةٍ آمِنَةٍ، فَهِيَ مِمَّنْ عَلَيْهِ الْحَجُّ عِنْدِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ (^٣).\nونوقش بأن الحديث الذي يُحَدِّد الاستطاعة بالزاد والراحلة- ضعيف. ولو صح\n_________\n(^١) «شرح العمدة» (١/ ١٧٤ - ١٧٧).\n(^٢) «موطأ مالك» (١/ ٥٦٩)، و«الإيضاح» (ص: ٩٧)، و«المغني» (٥/ ٣١).\n(^٣) «الأم» (٣/ ٢٩١).","vol":"1","page":61},{"text":"فهناك شروط أخرى، كأمن الطريق وقضاء الدَّين، وهي مُجْمَع عليها وليست في الحديث.\nوأما السُّنة، فما رواه البخاري: عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ، فَشَكَا إِلَيْهِ الفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ، فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ، هَلْ رَأَيْتَ الحِيرَةَ؟» قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا. قَالَ: «فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ، لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللهَ» (^١).\nوَجْه الدلالة: أن خروج الظعينة- أي: المرأة في الهودج- مع امتداد الإسلام وانتشار الأمن، من عدم تعرض الفساق لها أثناء سفرها، فخروج المرأة في السفر على هذا الوجه جائز، ولو كان حرامًا لبَيَّنه النبي ﷺ لأمته؛ لأنه لا يَجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nونوقش بأن الحديث جاء لبيان الواقع مع انتشار الأمن، لا لبيان حِل خروج المرأة دون مَحْرَم، وقد أَخْبَر النبي ﷺ عن كَذابِين ودَجالِين يَخرجون، ولا قائل بجوازه.\nوأجيب بأن حديث عَدي جاء على صفة المدح، فهذا يدل على الجواز، بخلاف غيره مما جاء على صفة الذم.\nوأما دليلهم من المأثور، فروى البخاري: عَنْ عُمَرَ ﵁ أنه أَذِنَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ (^٢).\nفدل هذا على جواز سفر المرأة مع النسوة الثقات، وقد اتَّفَق على هذا عمر وعثمان وابن عوف، ونساء النبي ﷺ على ذلك، وعدم نكير غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك.\nونوقش هذا الاستدلال بأن المَحْرَم مَنْ تَحْرُم عليه المرأة على التأبيد، وأمهات المؤمنين يَحرمن تأبيدًا على جميع المؤمنين؛ إذ جميع المؤمنين أبناء لهن.\nوأجيب عنه بأن زوجات النبي ﷺ في مقام أمهات المؤمنين في تحريم النكاح، وليس في المَحْرَمية، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣].\nوَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ يُسَافِرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ مَوْلَيَاتٌ لَهُ، لَيْسَ مَعَهُنَّ مَحْرَم (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٣٥٩٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٦٠).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه سعيد بن منصور كما في «المُحَلَّى» (٧/ ٤٨).","vol":"1","page":62},{"text":"وَأُخْبِرَتْ عَائِشَةُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ يُفْتِي أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُسَافِرُ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ، فَقَالَتْ: مَا كُلُّهُنَّ مِنْ ذَوَاتِ مَحْرَمٍ (^١).\nوأما دليلهم من المعقول، فإنه إذا كانت العلة من سفر المرأة بغير مَحْرَم- هي الخوف على المرأة من تعرضها للفتن، فمع وجود الرفقة الأمنة يَجوز لها السفر بغير مَحْرَم؛ لأن المقصود هو صيانة المرأة، وذلك متحقق بأمن الطريق ووجود الثقات من النساء.\nالقول الثالث: أنه لا يُشترَط المَحْرَم ولا الرفقة الآمنة، ويَجوز للمرأة أن تَخرج للحج وحدها إذا أَمِنَتِ الفتنة؛ لحديث عَدي. وهو قول عند الشافعية، والظاهرية وابن تيمية (^٢).\nوالراجح: عدم جواز سفر المرأة لحج الفريضة بغير مَحْرَم؛ لعموم نهي النبي ﷺ عن سفر المرأة دون مَحْرَم. وصح أن رجلًا قال: يَا رَسُولَ اللهِ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً. قَالَ: «اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» فالرَّجُل وجب عليه الجهاد، ولا يأمره النبي ﷺ بترك الواجب إلا بفعل واجب أعظم منه، وهو السفر مع امرأته ليحج معها.\nأما مَنْ قال بأنه يَجوز سفر المرأة في حج الفريضة بغير مَحْرَم إذا وَجَدَتْ رفقة مأمونة، فهذا القول له وجهته أيضًا. واستدلوا بأن المرأة مع انتشار الأمن تسافر من الحِيرة إلى مكة بغير مَحْرَم، ولا تَخاف أحدًا إلا الله، وقد أنبأ رسول الله ﷺ أن هذا سيَحدث، ولو كان حرامًا لبَيَّنه؛ إذ لا يَجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. ولأن عُمَرَ ﵁ أَذِنَ لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ.\nوإذا كان المقصود هو صيانة المرأة، فذلك متحقق بوجود الثقات من النساء.\nوالذي يَظهر: أن منع سفر المرأة بلا مَحْرَم هو مما حُرِّم سدًّا للذريعة، والقاعدة فيما حُرِّم سدًّا للذريعة أنه يباح للحاجة والمصلحة الراجحة.\nقال مالك: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذُو مَحْرَمٍ يَخْرُجُ مَعَهَا، أَوْ كَانَ لَهَا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا- أَنَّهَا لَا تَتْرُكُ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَيْهَا فِي الْحَجِّ، وَلْتَخْرُجْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النِّسَاءِ (^٣).\nوقال ابن تيمية: سفر المرأة مع ذي مَحْرَم منهي عنه، ويَجوز لرجحان المصلحة،\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه البيهقي (١٠٢٢٧) من طرق عن يونس، عن الزُّهْري، عن عَمْرة، به.\n(^٢) «المجموع» (٨/ ٣٤٣)، و«المُحَلَّى» (٧/ ٥٠)، و«اختيارات ابن تيمية» للبعلي (ص: ١١٥).\n(^٣) «موطأ مالك» (١/ ٥٦٩).","vol":"1","page":63},{"text":"والأقوى أنه إذا تَعَذَّر حجها مع المَحْرَم أن تحج إذا أَمِنَتِ الفتنة؛ لأن حجها مع مَنْ تأمنه أرجح من تفويت الحج؛ لأنه إذا دار الأمر بين تفويت حج الفريضة على المرأة، وبين سفرها بلا مَحْرَم سفرًا آمنًا، كان حصول الحج أصلح لها (^١).\nالمسألة الرابعة: سفر المرأة لحج الفريضة بالطائرة مع وجود الرفقة الآمنة:\nسفر المرأة بالطائرة يُنظر فيه من جهتين:\nالأولى: أن سفر المرأة بالطائرة يَدخل في عموم النهي عن سفر المرأة بغير مَحْرَم.\nالثانية: هل الطائرة تقاس في حقيقتها على القافلة العظيمة؛ لأنه قد ورد عند بعض أهل العلم اشتراط المَحْرَم في حالة الانفراد إذ العدد يسير. أما القوافل العظيمة فهي كالبلاد، يصح فيها سفر المرأة بغير مَحْرَم، فاشتراط المَحْرَم لا يكون إلا في العدد القليل.\nقال الباجي: يُشترط المَحْرَم في الانفراد والعدد اليسير، فأما في القوافل العظيمة فهي عندي كالبلاد، يصح فيها سفرها دون نساء وذوي محارم (^٢).\nونوقش بأنه لا يَجوز سفر المرأة دون مَحْرَم حتى في القوافل العظيمة؛ لإمكان استمالتها. وأحيانًا يتأخر إقلاع الطائرة، أو يتأخر مَنْ يستقبلها؛ مما يجعلها عُرضة للأخطار، أو احتمال جلوسها بجانب رجل، وقد يكون ممن لا تقوى في قلبه فيستدرجها.\nوذهب بعض أهل العلم إلى جواز سفر المرأة بالطائرة بدون مَحْرَم؛ لأن مع تطور وسائل المواصلات، فإن أغلب السفر بالطائرة لا يستغرق وقتًا، وليس كالسفر في الأزمنة الماضية، وفي الطائرة يَجتمع الناس، وتمتنع فيها الوحدة والانفراد بالمرأة (^٣).\nونوقش بأن العلة في وجود المَحْرَم هي السفر وليس المشقة، وبهذه الطريقة فقد يُمْنَع المسافر في الطائرة مِنْ قَصْر الصلاة؛ لأن المشقة لا تنضبط. والمرأة تَحتاج المَحْرَم في الركوب والنزول وإنهاء إجراء الجوازات، والتنقل بين المشاعر … وغير ذلك.\n_________\n(^١) «تفسير آيات أشكلت» (٢/ ٦٨٢ - ٦٨٦).\n(^٢) وقال أيضًا: إِذَا كَانَتْ فِي رُفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ ذَاتِ عَدَدٍ وَعُدَدٍ، أَوْ جَيْشٍ مَأْمُونٍ مِنَ الْغَلَبَةِ، وَالْمَحَلَّةُ الْعَظِيمَةِ، فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ سَفَرِهَا مِنْ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ فِي جَمِيعِ الْأَسْفَارِ، الْوَاجِبِ مِنْهَا وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ، مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ. «مواهب الجليل» (٢/ ٥٢٤).\n(^٣) يُنظر موقع ابن جبرين (ص: ٤٦): ما حُكم سفر المرأة؟ و«النوازل في الحج» (ص: ١١٠).","vol":"1","page":64},{"text":"الشرط الثاني الخاص بالمرأة: عدم العِدة:\nاختلف العلماء في اشتراط ألا تكون المرأة معتدة علي قولين:\nالقول الأول: يُشترط لوجوب الحج على المرأة ألا تكون معتدة في مدة الذَّهاب للحج. وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nواستدلوا بأن المُتوفَّى عنها زوجها لا يَجوز لها أن تَخرج من بيتها وتسافر للحج حتى تنقضي عدتها؛ لأنها في هذه الحال غير مستطيعة، فيجب عليها أن تتربص في البيت؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وكذا نهى المعتدات بقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١].\nوَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرُدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ مِنَ الْبَيْدَاءِ، يَمْنَعُهُنَّ الْحَجَّ (^٢).\nواستدلوا بأن العدة في المنزل تَفُوت، ولا بدل لها، والحج يمكن الإتيان به بعد العدة.\nالقول الأخر: يجوز للمطلقة والمُتوفَّى عنها زوجها أن تَخرج من بيتها وتسافر للحج أثناء العدة، وهو قول عائشة وعطاء والحسن وابن حزم. (^٣)\nوالراجح: أنه يُشترط لوجوب الحج على المرأة ألا تكون معتدة في مدة الذَّهاب للحج إذا كان يسهل عليها الحج بعد ذلك، ولا بأس بحج المرأة في عدتها إذا كان يتعذر أو يشق عليها الحج بعد ذلك مع المحرم أو الرفقة الآمنة، ولاسيما مع المشقة الحادثة الآن.\n_________\n(^١) «المبسوط» (٦/ ٣٦)، و«المدونة» (٢/ ٤٢)، و«الأم» (٥/ ٥٧٩).\nوخَصَّ الحنابلة العِدة المانعة من وجوب الحج على المرأة بعدة الوفاة، دون عِدة الطلاق. ولا فَرْق عند الجمهور بين عِدة الوفاة أو الطلاق. «المغني» (٨/ ١٦٧).\n(^٢) ضعيف لانقطاعه؛ لأن ابن المسيب لم يَسمع من عمر. أخرجه مالك (١٧٣٠)، وله طرق أخرى كثيرة عن عمر عند سعيد بن منصور (١٣٤٣) (١٣٤٤) وغيره، إلا أنها مراسيل فقد تصح بمجموع الطرق.\nوقد ورد عن عثمان وابن مسعود وابن عمر منع المعتدة من الحج أثناء عدتهن، عند ابن أبي شيبة (١٤٨٥٦) (١٩١٨٠) (١٩١٨٢) ولا يصح عنهم.\n(^٣) صح عند ابن أبي شيبة (١٤٨٥١) عَنْ عَطَاءٍ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أَحَجَّتْ أُمَّ كُلْثُومٍ فِي عِدَّتِهَا.\nوعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالْمُطَلَّقَاتِ ثَلَاثًا وَالْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ أَنْ يَحْجُجْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ. أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٨٥٠)، وعلته ما قاله ابن نمير: «كان أبو معاوية يضطرب فيما كان عن غير الأعمش». وصح عند ابن أبي شيبة (١٤٨٥٣) عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً عَنِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا، تَحُجَّانِ فِي عِدَّتِهِمَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ حَبِيبٌ: وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ ذَلِكَ. وانظر المحلى (١٠/ ٧٣).","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-54>الحاصل في شروط الحج</span>\nيجب الحج على كل مسلم، عاقل، بالغ، حُر، مستطيع، بالإجماع.\nفشروط الحج خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة.\nالشرط الأول: الإسلام، فلا يجب الحج على الكافر، ولا يصح ولا يجزئ إن وقع.\nومَن كان مسلمًا فحج، ثم ارتد بارتكابه ما يُخرجه من ملة الإسلام، ثم تاب وعاد إلى الإسلام، أجزأته حجته تلك عن حجة الإسلام؛ لكونه أدى الحج وهو مسلم.\nالشرط الثاني: العقل، فلا يجب الحج على المجنون ولا يصح؛ لأنه لا نية له والأعمال بالنيات. واستُثني الصبي بالنص، ولا تجزئ عن حجة الإسلام إن وقعت منه.\nالشرط الثالث: البلوغ، فلا يجب الحج عن الصبي حتى يَبلغ؛ ويصح الحج منه.\nفإن حج الصبي قبل البلوغ لم تجزئه عن حَجة الإسلام، وتجب عليه أخرى إذا بَلَغ.\nالشرط الرابع: الحرية، فلا يجب الحج على العبد.\nالشرط الخامس: الاستطاعة، فلا خلاف في اشتراط الاستطاعة في وجوب الحج.\nالاستطاعة ليست شرطًا في إجزاء الحج، فلو تَجَشَّمَ غيرُ المستطيع المشقة، وسار بغير زاد وراحلة فحَجَّ، كان حَجه صحيحًا مُجْزِئًا.\n• شروط الاستطاعة:\nالشرط الأول: الاستطاعة البدنية، فيَخرج العاجز بنفسه كالمريض الذي لا يستطيع أن يقوم مِنْ على سريره، فلا يجب عليه الحج بنفسه؛ لأن الحج إنما فَرْضه على المستطيع.\nوقد يوجد من المرضى مَنْ يستطيع الحج فيجب عليه، ولا سيما في وقتنا الحاضر مع التقدم العلمي وتطور وسائل المواصلات، فقد يَحج رجل على كرسي بلا مشقة.\nمَنْ كان قادرًا على الحج بماله عاجزًا ببدنه، فإنه يجب عليه الحج بإرسال مَنْ ينوب عنه؛ نظرًا إلى أنه مستطيع بغيره، فيَدخل في قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ولأن النبي ﷺ أَقَرَّ المرأة على وصف الحج على أبيها بأنه فريضة، مع عجز أبيها عنه ببدنه.\nالشرط الثاني: الاستطاعة المالية، وتشتمل على أربعة أمور:\nالأول: أن يَملك من المال ما يصل به إلى بيت الله الحرام، من تأشيرة وتذكرة.\nالثاني: أن يكون معه من النقود في سفره ما يكفي لحوائجه الأصلية مَطْعمًا وملبسًا وغيرهما، مما لا بد منه على ما يليق بحاله، من غير إسراف ولا تقتير.\nالثالث: أن يَترك نفقة عياله ومَن تَلزمه نفقتهم، مِنْ مَطعم وملبس ومسكن، وكل ما","vol":"1","page":66},{"text":"يليق بهم عادة، من غير إسراف ولا تقتير، مدة ذَهابه وإيابه.\nالرابع: أن يَقضي دَينه قبل سفره، لأن الدَّين من حقوق العباد.\nمَنْ وجب عليه الحج وأراد أن يتزوج، وليس عنده من المال إلا ما يكفي لأحدهما، فهذا على حالين:\nالحال الأولى: أن يكون في حالة توقان نفسه والخوف من الزنا، فهذا يكون الزواج في حقه مُقَدَّمًا على الحج بالاتفاق.\nالحال الثانية: أن يكون في حال اعتدال الشهوة؛ فإنه يُقَدِّم الحج على الزواج.\nأما إذا كان حج تطوع، فإنه يُقَدِّم النكاح؛ لأن الزواج أفضل من نوافل العبادات.\nمَنْ كان عنده من المال ما يكفي لحجه، فلا يُعْذَر بترك الحج لِعَجْزه عن شراء الهدايا للأقارب؛ لأن بعض الحُجاج يُكلِّف نفسه ما لا يطيق. وهذا لا يُتصوَّر فيه خلاف.\nالشرط الثالث: أَمْن الطريق، وهو متمثل في (تصريح للحج).\nمَنْ قَدَّم للحج ولم يَحصل على تصريح للحج فمات، فهل يتعلق الحج بذمته؟\nلا بد من التفريق بين أمرين:\nالأول: أن على الحاج عند الاستطاعة طلب التأشيرة في كل عام، فإذا لم تأتِ فلا إثم عليه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وتحصيل التصريح والتأشيرة ليسا في مقدور مَنْ مُنِع منهما، فإذا مات فيُستحَب لورثته أن يَحجوا عنه من ماله.\nالأمر الثاني: أن مَنْ حَصَلت له الاستطاعة، وطَلَب تأشيرة للحج مرة وقَصَّر أخرى فمات، فيجب على ورثته أن يحجوا عنه من ماله.\nالشرط الرابع: شروط الاستطاعة الخاصة بالنساء:\nالشرط الأول: المَحْرَم، إن المرأة لا تسافر لحج الفريضة بغير مَحْرَم؛ لعموم نهي النبي ﷺ عن سفر المرأة دون مَحْرَم. ولكن إذا تَعَذَّر حجها مع المَحْرَم، فالراجح أنها تحج إذا أَمنت الفتنة؛ لأن حجها مع مَنْ تأمنه أرجح من تفويت الحج؛ لأنه إذا دار الأمر بين تفويت حج الفريضة، وبين سفرها بلا مَحْرَم سفرًا آمنًا، كان حصول الحج أصلح لها.\nالشرط الثاني: عدم العِدة، يُشترط لوجوب الحج على المرأة ألا تكون معتدة في مدة الذَّهاب للحج إذا كان يسهل عليها الحج بعد ذلك، ولا بأس بحجها في عدتها إذا كان يشق عليها الحج بعد ذلك مع المحرم أو الرفقة الآمنة، ولاسيما مع المشقة الحادثة الآن.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-55>الفصل الثاني: النيابة</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: النيابة عن الحي. وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: النيابة في الفرض عن القادر.\nالمطلب الثاني: النيابة في الفرض عن غير القادر (المعضوب).\nالمطلب الثالث: إذا استناب للفريضة ثم برئ، فهل يجب الحج عليه؟ أو يَسقط عنه؟\nالمبحث الثاني: النيابة في الحج عن الميت. وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: النيابة عن الميت في حج الفريضة.\nالمطلب الثاني: النيابة عن الميت في حج النفل.\nالمبحث الثالث: الاستئجار على الحج.\nالمبحث الرابع: هل يُشترَط أن يكون النائب قد حج عن نفسه حج الفريضة؟","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type='title' id=toc-56>المبحث الأول: النيابة عن الحي:</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-57>المطلب الأول: النيابة في الفرض عن القادر.</span>\nالقادر على الحج لا يَجوز أن يستنيب مَنْ يحج عنه للفريضة، بالإجماع (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-58>المطلب الثاني: النيابة في الفرض عن غير القادر (المعضوب):</span>\nفالنيابة لا تَجوز إلا لمن أعجزه كِبَر، أو أعجزه مرض لا يُرجَى بُرؤه. ولا يجزئ الحج عن المعضوب بغير إذنه؛ لأن حج الحي يَفتقر إلى نية، بخلاف الميت.\n\n<span data-type='title' id=toc-59>المطلب الثالث: إذا استناب للفريضة ثم برئ، فهل يجب الحج عليه أو يَسقط عنه؟</span>\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أن مَنْ استناب للحج ثم برئ، فلا يجب عليه الإعادة. وهذا مذهب الحنابلة والظاهرية (^٢).\nقال ابن قُدامة: وَلَنَا: أَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنَ الْعُهْدَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَبْرَأْ، أَوْ نَقُولُ: أَدَّى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بِأَمْرِ الشَّارِعِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ حَجٌّ ثَانٍ، كَمَا لَوْ حَجَّ بِنَفْسِهِ. وَلِأَنَّ هَذَا يُفْضِي إِلَى إيجَابِ حَجَّتَيْنِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجِبِ اللَّهُ عَلَيْهِ إِلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً (^٣).\nالقول الآخَر: أن مَنْ استناب للحج ثم برئ قبل الموت لا يجزئه عن حج الفريضة، وعليه الحج بنفسه. وهذا مذهب الحنفية، والشافعية في الأصح (^٤).\nواستدلوا بالقياس على الآيسة إذا اعْتَدَّتْ بالشهور ثم حاضت، لا تُجْزِئها تلك العِدَّة.\nونوقش بأن الآيسة إذا اعْتَدَّتْ بالشهور، فلا يُتصَوَّر عَوْد حيضها، فإن رأت دمًا فليس بحيض، ولا يَبطل به اعتدادها. ولكن مَنْ ارتفع حيضها، إذا اعْتَدَّتْ سَنة، ثم عاد حيضها، لم يَبطل اعتدادها.\n_________\n(^١) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَحُجَّ، لَا يُجْزِئُ عَنْهُ أَنْ يَحُجَّ غَيْرُهُ عَنْهُ. (ص: ٧٣). ونَقَل الإجماع ابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٢٢)، و«الفتح» (٤/ ٧٠).\n(^٢) «الإنصاف» (٣/ ٢٨٧)، و«المُحَلَّى» (٧/ ٥٦).\n(^٣) «المغني» (٥/ ٢١).\n(^٤) «فتح القدير» (٣/ ١٤٦)، و«المجموع» (٧/ ١٠٢).","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>المبحث الثاني: النيابة في الحج عن الميت.</span>\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type='title' id=toc-61>المطلب الأول: النيابة عن الميت في حج الفريضة.</span>\nاختَلف أهل العلم في ذلك على أقوال، أشهرها ثلاثة:\nالقول الأول: أن الحج عن الميت مجزئ ويَنتفع به الميت، سواء أكان نفلًا أم فرضًا، أوصى به أم لم يُوصِ. وبه قال الحنفية والحنابلة والظاهرية (^١).\nواستدلوا بالسُّنة: فَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ. قَالَ: فَقَالَ: «وَجَبَ أَجْرُكِ» قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «حُجِّي عَنْهَا» (^٢).\nوَجْه الاستدلال: أن قوله ﷺ: «حُجِّي عَنْهَا» صريح في مشروعية الحج عن الميت.\nالقول الثاني: أن مَنْ مات وعليه حجٌّ واجب، بقي الحج في ذمته، ووجب الإحجاج عنه من رأس ماله، سواء أوصى به أم لا؛ لأنه دَين عليه، يجب قضاؤه عنه من ماله قبل قسمة التركة؛ لعموم قوله تعالى في المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]. وبه قال الشافعية في رواية، والحنابلة في رواية (^٣).\nواستدلوا بما ورد: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ، أَفَأَحُجَّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟» قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ: «اقْضُوا اللَّهَ الَّذِي لَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» (^٤).\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢١٢)، و«الإنصاف» (٣/ ٤٠٩)، و«المُحَلَّى» (٧/ ٥٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٤٩).\n(^٣) «الأُم» (٢/ ١١٥)، و«الفروع» (٥/ ٢٩٤)، و«فتاوى ابن باز» (١٦/ ١٢٢).\n(^٤) البخاري (٧٣١٥).","vol":"1","page":70},{"text":"وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ شَبَّه وجوب قضاء الحج بدَين الآدمي، والدَّين لا يَسقط بالموت، فوجب أن يتساويا في الحُكم.\nالقول الثالث: أن الحج لا يجزئ عن الميت. وبه قال ابن عمر، والقاسم (^١).\nواستدلوا بالقرآن والسُّنة والمأثور:\nأما القرآن، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩].\nوَجْه الدلالة: أن الحج ليس من سعي الإنسان، وإنما مِنْ سعي مَنْ حج عنه، فيكون القول بإجزاء الحج عن الميت مُخالِفًا للآية.\nونوقش بأن ظاهر الآية غير مراد؛ لأنه ثَبَت انتفاع الإنسان بسعي غيره، فثَبَتَ انتفاع الإنسان بدعاء غيره، مثل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] وشُرعت الصلاة على الميت للدعاء، وكذا الصدقة، والنبي ﷺ سيشفع للعصاة من أمته … إلى غير ذلك. وكل ما ذُكِر ليس من سعي الإنسان. وإنما المراد أنه ليس له من سعي غيره نصيب، إلا إذا وهبه له، فحينئذٍ يكون له.\nوأما السُّنة، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ، إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (^٢).\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ بَيَّن أن عمل الإنسان ينقطع بموته، إلا ما ذُكِر في الحديث، وليس منها الحج، فلا يجزئ فعله عن الميت.\nونوقش بأن النبي ﷺ بَيَّن أن عمله انقطع بموته، لكنه لم يَنْفِ انتفاعه بعمل غيره.\nوأما دليلهم من المأثور، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ» (^٣).\n_________\n(^١) ثَبَت هذا عن ابن عمر والنَّخَعي والقاسم، عند ابن أبي شيبة (١٥٨٠٥) (١٥٨٠٦) (١٥٨٠٧).\n(^٢) «صحيح مسلم» (١٦٣١).\n(^٣) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (١٥٨٠٥).","vol":"1","page":71},{"text":"والراجح: أن مَنْ مات وعليه حجٌّ واجب، بقي الحج في ذمته، ووجب الإحجاج عنه من رأس ماله؛ لأنه دَين عليه، يجب قضاؤه عنه من ماله قبل قسمة التركة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] ولأن النبي ﷺ شَبَّه وجوب قضاء الحج بدَين الآدمي، والدَّين لا يَسقط بالموت، فوجب أن يتساويا في الحُكْم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-62>المطلب الثاني: النيابة عن الميت في حج النفل:</span>\nاختَلف العلماء في ذلك على قولين:\nالقول الأول: تَجوز الاستنابة في حج النفل عن الميت والحي المعضوب. وهذا مذهب الحنفية، والشافعية على الأصح، وهو رواية عن أحمد (^٢).\nالقول الثاني: عدم الجواز مطلقًا. وهذا قول للمالكية، وقول للشافعية (^٣).\nواستدلوا بأن النيابة في الحج إنما شُرعت للميت أو العاجز عن الحج في الفرض فقط، فيُقتصَر عليه، وأنه إنما جازت الاستنابة في الفرض للضرورة.\nونوقش بأن ما ثَبَت في الفرض ثَبَت في النفل، إلا إذا دل دليل على التخصيص.\nوالراجح: مَنْ مات ولم يكن له تركة، لم يُلْزَم أحد أن يحج عنه، لكن يُستحب لوارثه أن يحج عنه، ويَجوز التبرع بالحج عن الميت، سواء من الوارث أو من الأجنبي.\n_________\n(^١) قالت اللجنة الدائمة (١١/ ٥١): يَجوز للمسلم الذي قد أدى حج الفريضة عن نفسه- أن يحج عن غيره، إذا كان ذلك الغير لا يستطيع الحج بنفسه؛ لكِبَر سنه أو مَرَض لا يُرْجَى برؤه، أو لكَوْنه ميتًا؛ للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك.\n(^٢) «فتح القدير» (٣/ ١٤٦)، و«المجموع» (٧/ ١١٤).\nلكن الشافعية قيدوا الحج عن الميت بأن يكون قد أوصى بذلك. «الإنصاف» (٣/ ٢٩٦).\n(^٣) «مواهب الجليل» للحَطَّاب (٤/ ٣)، وهناك قول للمالكية بالكراهة. «المجموع» (٧/ ١١٤).","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>المبحث الثالث: الاستئجار على الحج</span>\nيَجوز الاستئجار على الحج. وهو مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (^١).\nواستدلوا بأنه إذا كان أَخَذ أصحابُ النبي ﷺ الجُعْل على الرُّقْية بكتاب الله، فأَخْذ الجُعْل على القُرَب التي تَدخلها النيابة أَوْلَى، كالحج والعمرة (^٢).\nواستدلوا بأن الاستئجار على الحج عليه عمل الناس، ولا يسعهم إلا القول به؛ لأن القول بمنعه يُفضِي إلى سد باب النيابة نهائيًّا؛ لندور النيابة على سبيل التبرع (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-64>المبحث الرابع: هل يُشترَط أن يكون النائب قد حج عن نفسه حج الفريضة؟</span>\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: يُشترَط في النائب أن يكون قد حج حجة الإسلام عن نفسه أولًا، وإلا كانت الحَجة عن نفسه. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (^٤).\nواستدلوا بما رواه ابن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ! قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» (^٥).\n_________\n(^١) يَجوز عند المالكية مع الكراهة؛ ولهذا فالمنصوص عن مالك كراهة إجارة الإنسان نفسه في عمل لله تعالى، حجًّا كان أو غيره، ويقول في ذلك: «لأَنْ يُؤاجِر الرجلُ نفسه في عمل اللبن وقَطْع الحطب وسَوْق الإبل- أَحَبُّ إليَّ من أن يَعمل عملًا لله بأجرة». «مواهب الجليل» (٤/ ٤)، و«الحاوي» (٤/ ٢٥٧)، و«المغني» (٥/ ٢٣) و«الفتاوى» (٢٦/ ١٨).\n(^٢) روى البخاري (٥٧٣٧) من حديث ابن عباس أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرُّوا بِمَاءٍ، فِيهِمْ لَدِيغٌ- أَوْ: سَلِيمٌ- فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ المَاءِ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ إِنَّ فِي المَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا- أَوْ: سَلِيمًا-! فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ عَلَى شَاءٍ فَبَرَأَ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا؟! حَتَّى قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ».\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٤)، و«الشرح الممتع» (١٠/ ٥٧، ٥٨).\n(^٤) «الحاوي» (٤/ ٢١)، و«المغني» (٥/ ٤٢).\n(^٥) ضعيف، أُعِل بالوقف، وله ثلاثة طرق عن ابن عباس، واختُلف في رفعه ووقفه:\nالأول: مداره على ابن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن عَزْرَة، عن ابن جُبَيْر، عن ابن عباس.=","vol":"1","page":73},{"text":"وفيه دليل على أن النائب في الحج لا بد أن يكون قد حج عن نفسه، ولكنه ضعيف.\nالقول الآخَر: أنه يَجوز للنائب أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه. وهو مذهب\n_________\n=فرواه عَبْدَة بن سليمان عند أبي داود (١٨١١)، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وأَبو يوسف القاضي، ومحمد بن بِشْر، والراوي عنه حُمَيْد بن الربِيعِ وهو كذاب، عند الدارقطني (٢٦٦١، ٢٦٦٢، ٢٦٦٣).\nأربعتهم عن سعيد بن أبي عَرُوبة، به مرفوعًا.\nوخالفهم محمد بن جعفر والحسن بن صالحٍ، عند الدارقطني (٢٦٦٤، ٢٦٦٥) عن سعيد، به موقوفًا.\nوخولف ابن أبي عَرُوبَة، خالفه عمرو بن الحارث عن قتادة، أن ابن جُبَيْر حَدَّثَه، بإسقاط عَزْرَة عن ابن عباس، موقوفًا، عند ابن وهب في «الموطأ» (١٥٩) في روايته: (عن قتادة أن ابن جُبير حَدَّثه)، وذلك معدود في أوهامه؛ فإن قتادة لم يَلْقَ سعيد بن جُبير، فيما قاله ابن مَعين. «تنقيح التحقيق» (٣/ ٣٩٧).\nوقد أُعِل هذا السند بثلاث علل:\nالأولى: اختُلف في رفعه ووقفه، وإن كان صَحَّح البيهقي (٩/ ٢٣٣) رفعه فقال: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، لَيْسَ فِي هَذَا البَابِ أَصَحُّ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: أَثْبَتُ النَّاسِ فِي سَعِيدٍ عَبْدَةُ. وَكَذَا رَجَّحَ عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ الْقَطَّانِ رَفْعَهُ؛ فَقَدْ رَجَّحَ وَقْفَهُ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: رَفْعُهُ خَطَأٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ رَفْعُهُ. «التلخيص» (٢/ ٤٢٧).\nوقال ابن كَثير بعد ذكر طرق هذا الحديث: ولهذا الاضطراب قال ابن المنذر: لا يَثبت حديث شُبْرُمَة، الصحيح أنه موقوف على ابن عباس، كما رواه الحُفاظ. «إرشاد الفقيه» (١/ ٣٠٨).\nالثانية: اختُلف في عَزْرَة هل هو ابن يحيى، أم هو ابن عبد الرحمن، أم هو ابن تميم؟ قال ابن التركماني:\nعَزْرة الذي رَوَى عن ابن جُبَيْر، ورَوَى عنه قتادة- هو عَزْرَة بن عبد الرحمن الخُزَاعي.\nالثالثة: قال ابن حجر: وَتَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ عَلَى تَصْحِيحِهِ بِأَنَّ قَتَادَةَ لَمْ يُصَرِّحْ بِسَمَاعِهِ مِنْ عُزْرَةَ. «التلخيص» (٢/ ٤٢٧)، و«نَصْب الراية» (٣/ ١٥٥).\nالطريق الثاني: رواه أبو قِلابة عن ابن عباس موقوفًا، ولكنه لم يَسمع منه. رواه الشافعي (٩٢٥).\nالطريق الثالث: رواه عطاء، واختُلف عليه: فرواه ابن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ: فرواه مرة عن عطاء مرسلًا عند ابن أبي شيبة (١٣٣٦٨)، ورواه مرة أخرى عن عطاء عن عائشة، عند أبي يعلى (٤٦١١). ورواه حماد، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا عند الطبراني في «الأوسط» (٤٤٩٥).\nوقد أُعِلَّ هذا السند بعلتين:\nالأولى: ما قاله مسلم: وَحَمَّاد بن سلمة اذا حدث عَنْ غير ثَابت كحديثه عَنْ عَمْرو بن دِينَار فإنه يخطئ كثيرًا. «التمييز» (ص: ١٥٣)\nالثانية: ما قاله أحمد بأن رفعه خطأ، وقال: رَوَاهُ عِدَّةٌ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مَشْهُورٌ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ عَزْرَةَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ.\nوللحديث طرق وشواهد أخرى، كلها ضعيفة، والصحيح فيه الوقف.","vol":"1","page":74},{"text":"الحنفية والمالكية (^١).\nفَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَقَالَتْ: إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ.\nوَجْه الدلالة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَوَّزَ للْخَثْعَمِيَّةِ أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا، وَلَمْ يَسْتَفْسِرْ أَنَّهَا حَجَّتْ عَنْ نَفْسِهَا أَوْ لَا. فدل ذلك على أنه لا يُشترَط تقدم حجها عن نفسها.\n• ثلاث فوائد في باب الإنابة:\nالفائدة الأولى: ينبغي لمن أراد أن ينيب في الحج أن يتحرى فيمَن يستنيبه- أن يكون من أهل الدِّين والأمانة؛ حتى يَطمئن إلى قيامه بالواجب.\nالفائدة الثانية: الأفضل أن يحج عن نفسه؛ لأنه الأصل، ويدعو لنفسه ولغيره من الأقارب وسائر المسلمين، إلا إذا كان أحد والديه أو كلاهما لم يحج الفريضة، فله أن يحج عنهما بعد حجه عن نفسه؛ بِرًّا بهما وإحسانًا إليهما عند العجز أو الموت.\nالفائدة الثالثة: إذا كان مُستحسنًا أن يحج الإنسان عن أقاربه الأموات، فإنه يَبدأ بأمه ثم أبيه، وإن كان أحدهما حج الفريضة، فليَبدأ بمن لم يحج منهما، ثم الأقرب فالأقرب (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ١٥١). وقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَيِّتِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ. «الاستذكار» (٤/ ١٦٨). وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ جَازَ. «الحاوي» (٤/ ٢١).\n(^٢) رَوَى البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ».","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-65>مختصر النيابة في الحج</span>\n<span data-type='title' id=toc-66>المبحث الأول: النيابة عن الحي. وفيه ثلاثة مطالب:</span>\nالمطلب الأول: القادر على الحج لا يَجوز أن يستنيب مَنْ يحج عنه حجة الفريضة.\nالمطلب الثاني: النيابة لا تَجوز عن الحي إلا لمن أعجزه كِبَر، أو مرض لا يُرْجَى برؤه، ولا يجزئ الحج عن المعضوب بغير إذنه؛ لأن الحج يَفتقر إلى نية، بخلاف الميت.\nالمطلب الثالث: مَنْ استناب للحج ثم برئ، لا يجب عليه الإعادة؛ لأنه أَدى حَجة الإسلام بأمر الشارع، فلم يَلزمه حجٌّ ثانٍ. ولأن هذا يُفضِي إلى إيجاب حَجتين عليه، ولم يوجب الله عليه إلا حَجة واحدة.\n\n<span data-type='title' id=toc-67>المبحث الثاني: النيابة في الحج عن الميت. وفيه مطلبان:</span>\nالمطلب الأول: النيابة عن الميت في حج الفريضة.\nمَنْ مات وله مال ولم يحج، حُج عنه من رأس ماله؛ لأنه دَين عليه، يجب قضاؤه عنه من ماله قبل قسمة التركة؛ لعموم قوله تعالى في المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] ولأن النبي ﷺ شَبَّه وجوب قضاء الحج بدَين الآدمي، والدَّين لا يَسقط بالموت، فوجب أن يتساويا في الحُكْم.\nالثاني: أن الحج عن الميت مجزئ ويَنتفع به الميت، سواء أكان نفلًا أم فرضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-68>المبحث الثالث: الاستئجار على الحج:</span>\nيَجوز الاستئجار على الحج. والدليل أنه إذا كان أَخَذَ أصحابُ النبي ﷺ الجُعْل على الرُّقْية بكتاب الله، فأَخْذ الجُعل على القُرَب التي تَدخلها النيابة أَوْلى، كالحج والعمرة. ولأن القول بمنع الاستئجار على الحج يُفضِي إلى سد باب النيابة نهائيًّا؛ لندور النيابة على سبيل التبرع.\n\n<span data-type='title' id=toc-69>المبحث الرابع: يَجوز للنائب أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه</span>؛\nلأن رسول الله ﷺ جَوَّز للخَثْعَمية أن تحج عن أبيها، ولم يَستفسر أنها حَجَّتْ عن نفسها أو لا.\nوأما حديث ابن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ. قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» فهو ضعيف.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>الباب الثالث: آداب السفر</span>\nللسفر آداب ينبغي للمسلم أن يتحلى بها، سواء كان هذا السفر للحج والعمرة أو غير ذلك من الأسفار المباحة.\nوفيه ثلاثة فصول:\n\n<span data-type='title' id=toc-71>الفصل الأول: آداب ما قبل السفر للحج والعمرة:</span>\nوفيه عَشَرة مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-72>المبحث الأول: الإخلاص:</span>\nعلى الحاج أن يَقصد بحجه وجه الله والدار الآخرة، ويَحذر قصد الدنيا وحُطامها، فلا يَقصد بحجه رياء ولا سُمعة، ولا مباهاة ولا فخرًا ولا خُيَلاء؛ ولذا فقد أَمَر الله بإخلاص الحج والعمرة له بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وذلك بأن يكون الباعث على الحج هو طاعة الله ﷿ ومحبته ورجاء ثوابه (^١).\nفالإخلاص أن تكونَ نيتك لله، لا تريد غيرَ الله، لا سُمعة ولا رياء، ولا تترقب من الناس مدحًا، ولا تخشى منهم قَدْحًا، والله سبحانه غني حميد، فالله ﷿ لا يَقبل عملًا- حجًّا كان ولا غيره- أُشْرِكَ معه فيه غيره، قال الله في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (^٢).\n_________\n(^١) قال ابن القيم: الإخلاص أن لا تَطلب على عملك شاهدًا غير الله، ولا مجازيًا سواه. وقال أيضًا: وَأَمَّا الشَّرَكُ فِي الْإِرَادَاتِ وَالنِّيَّاتِ، فَقَلَّ مَنْ يَنْجُو مِنْهُ، مَنْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ غَيْرَ وَجْهِ اللَّهِ، وَنَوَى شَيْئًا غَيْرَ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، وَطَلَبَ الْجَزَاءَ مِنْهُ؛ فَقَدْ أَشْرَكَ فِي نِيَّتِهِ وَإِرَادَتِهِ. «الداء والدواء» (ص: ١٣٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٨٥).\nوفي الباب: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَرَادَ الحَجَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةَ».\nوله ثلاثة طرق عن أنس:\nالأول: عن يزيد الرَّقَاشي، أخرجه ابن أبي شيبة (١٦٠٥٣)، وفي إسناده يزيد بن أبان، وهو ضعيف.\nالثاني: عن أبي الضحى، عند العُقَيْلي (١٦٢٨) وفي إسناده خالد بن عبد الرحمن، وهو متروك.\nالثالث: عن ثابت عند الأصبهاني في «الترغيب» ١٠٥٦) وفيه أحمد بن يزيد، ولم أقف له على ترجمة.","vol":"1","page":77},{"text":"والرياء مشتق من الرؤية، وهو إظهار العبادة بقصد رؤية الناس لها؛ ليَحمد الناس صاحبها على ذلك. وأي مراءاة أشد من تصوير الحاج نفسه وهو مُحْرِم، وهو يطوف ويسعى، ويقف بعرفة؟! فهو يُصَوِّر نفسه ويَنقل مناسك الحج خطوة خطوة لأقاربه وأصحابه، وكأنه يقول لهم: (انظروا إليَّ وأنا أحج!) فأي مراءاة أشد من ذلك، فلو رأى رسول الله ﷺ هؤلاء الذين يُصوِّرون أنفسهم في كل مَنْسَك، فماذا كان يقول لهم؟\n\n<span data-type='title' id=toc-73>المبحث الثاني: النفقة الحلال:</span>\nروى مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]» ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟! (^١).\n_________\n(^١) مسلم (١٠١٥). وفي إسناده: فُضَيْل بن مرزوق، وقد وثقه ابن عُيينة والثوري وأحمد والفسوي وابن خراش والعجلي، واختَلف قول ابن مَعِين فيه، وقال البخاري: مقارب الحديث، وضَعَّفه النَّسَائي وأبو حاتم وابن حِبان، وقد استغرب هذا الحديثٌ الترمذي فقال: حسنٌ غَرِيبٌ، وَإِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ فُضَيْلِ. وقال الحاكم: فُضَيْل ليس هو من شرط الصحيح، وقد عِيب على مسلم إخراجه لحديثه.\nفالحاصل: أن فضيلًا لايتحمل التفرد، ولكن عمومات الشريعة تشهد لمعناه، وبالله تعالى التوفيق.\nوفي الباب عن عُمَر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا حَجَّ الرَجُلٌ بِمَالٍ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ! قَالَ اللَّهُ ﷿: لَا لَبَّيْكَ وَلَا سَعْدَيْكَ، هَذَا مَرْدُودٌ عَلَيْكَ». أخرجه ابن عَدي (٦٦٦٥) وفي إسناده: الدُّجَيْن بن ثابت، ضعيف جدًّا.\nورَوَى الطبراني في «الأوسط» (٥٢٢٨): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًّا بِنَفَقَةٍ طَيِّبَةٍ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ! نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَلَالٌ، وَرَاحِلَتُكَ حَلَالٌ، وَحَجُّكُ مَبْرُورٌ غَيْرُ مَأْزُورٍ. وَإِذَا خَرَجَ بِالنَّفَقَةِ الْخَبِيثَةِ، فَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ! نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لَا لَبَّيْكَ وَلَا سَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَرَامٌ وَنَفَقَتُكَ حَرَامٌ، وَحَجُّكَ غَيْرُ مَبْرُورٍ» وَفِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْيَمَامِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. «مَجْمَع الزوائد» (٢/ ٢٤٥).","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-74>المبحث الثالث: تَعَلُّم أحكام الحج حتى يكون على بصيرة من أمره:</span>\nفإن لم يتيسر له ذلك، حَرَص على مرافقة طالب علم. فإِنْ عَجَز استَصحب كتابًا واضحًا في المناسك، ويديم مطالعته.\n\n<span data-type='title' id=toc-75>المبحث الرابع: التوبة من جميع المعاصي، والتحلل من مظالم الخَلْق:</span>\nفإِنْ ظَلَم شخصًا في مال، رَدَّه إليه قبل سفره. فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا، أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-76>المبحث الخامس: أن يَقضي ما أمكنه من ديونه، ويَرُد الودائع، وأن يوصي:</span>\nفَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-77>المبحث السادس: أن يَترك لأهله نفقتهم إلى حين رجوعه:</span>\nلعموم قول رسول اللهِ ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-78>المبحث السابع: يُستحب للمسافر أن يودع أهله وأقاربه وجيرانه وأصحابه:</span>\nعَنْ مُوسَى يَقُولُ: أَتَيْتُ أَبَا هُرَيرَةَ أُوَدِّعُهُ، فَقَالَ: أَلا أُعَلِّمُكَ شَيْئًا عَلَّمَنِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَقَوْلُهُ عِنْدَ الوَدَاعِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: قُلْ: «أَسْتَوْدِعُكَ اللهَ الَّذِي لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-79>المبحث الثامن: يُوصي المسافر أهله بتقوى الله:</span>\nفَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ سَفَرًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: «أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ» فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ ازْوِ لَهُ الْأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٤٠).\n(^٢) قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ، إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي. أخرجه البخاري (٢٧٣٨)، ومسلم (١٦٢٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٩٩٦).\n(^٤) إسناده حسن: أخرجه النَّسَائي في «الكبرى» (١٠٤٥٠)، وفي إسناده موسى بن وَرْدَان، يُحَسَّن حديثه.\n(^٥) إسناده حسن: أخرجه أحمد (٩٧٢٤) وغيره، من طرق عن أُسامة، عن سعيدٍ المَقْبُرِيّ، به.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type='title' id=toc-80>المبحث التاسع: استئذان الوالدين. وفيه ثلاثة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-81>المطلب الأول: إِذْن الوالدين في حج الفريضة:</span>\nيجتهد المرء في إرضاء والديه عند إرادة السفر، وليس للوالدين منع الولد المكلف من الحج الواجب، وليس للولد طاعتهما في تركه. وبه قال الحنفية، وهو قول للمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nواستدلوا بالسُّنة والقياس:\nأما السُّنة، فروى الشيخان: عن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» (^٢).\nوَجْه الدلالة: أن طاعة الوالدين إنما تَلزم في غير المعصية، وتَرْك ركن كالحج كبيرة.\nوأما القياس، فقاسوا الحج على الصلاة المكتوبة، بجامع الفرضية في كل منهما، فكما أن الوالدين لا يحق لهما أن يَمنعا الولد من الصلاة المكتوبة، فكذلك حج الفريضة.\n\n<span data-type='title' id=toc-82>المطلب الثاني: إِذْن الوالدين في حج النافلة:</span>\nللأبوين منع ولدهما من الحج التطوع؛ لأن طاعة الوالدين واجبة، والحج نافلة، فيُقَدَّم الواجب. ولأنه يَلزم طاعة الوالدين في غير معصية، ولو كانا فاسقين لعموم الأوامر ببِرهما والإحسان إليهما.\nفالحاصل: يجتهد المرء في إرضاء والديه عند إرادة السفر، فإن كان الحج فرضًا فلا يُشترط إذنهما، لكن يسعى لتطييب قلبيهما. وإن كان الحج نفلًا، فيجب أن يَستأذنهما.\nوليس للزوج منع امرأته من حج الفرض، كصوم رمضان والصلوات الخَمْس.\nوقد أَجْمَع أهل العلم على اشتراط إِذْن الزوج في جواز إحرام المرأة في النفل. وللرجل منع زوجته من الخروج إلى حج التطوع بالاتفاق (^٣).\n_________\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٤٥٦). واشترطوا عدم حاجة أحد الوالدين إلى خدمة الولد. «القوانين الفقهية» (ص: ٩٤)، و«المجموع» (٨/ ٣٤٩)، و«المغني» (٣/ ٤٥٩).\n(^٢) البخاري (٧٢٥٧)، ومسلم (١٨٤٠).\n(^٣) وقد نَقَل الإجماع: ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٦٤)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٣٥)، وابن حجر في «فتح الباري» (٤/ ٧٦) وغيرهم، على أن للرجل منع زوجته من حج النافلة؛ وذلك لأن حق الزوج واجب، وحج النافلة تطوع، فيُقَدَّم حق الزوج الواجب على حج التطوع.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-83>المطلب الثالث: إِذْن صاحب العمل:</span>\nالعامل لا يخلو أثناء الحج من خَمْس حالات:\nالأولى: إذا كان العُرف جاريًا بأن وقت الحج إجازة، فللعامل أن يحج بلا استئذان.\nالثانية: للعامل أن يحج في وقت العمل إذا أَذِن له صاحب العمل.\nالثالثة: إذا كان العمل مطلوبًا وقت الحج، ولا يمكن تركه لِما يترتب عليه من الإضرار بمصلحة المسلمين أو الإخلال بالأمن، فإنه لا يَجوز له الحج في هذه الحال.\nالرابعة: مَنْ أراد حج الفريضة وكان بينهما عقد يُلزِمه بالعمل في أيام الحج، ويَحصل بذَهابه ضرر كبير، فإنه يَستأذن منه، فإِنْ أَذِن له وإلا وجب عليه الوفاء بالعقد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].\nالخامسة: أن لا يأذن صاحب العمل له بحج الفريضة، ولا يوجد ضرر من تركه العمل، فلا يُشترَط إذنه؛ لأنه إذا كان الوالدان ليس لهما منع الولد المُكلَّف من الحج الواجب، وليس للولد طاعتهما في تركه، فصاحب العمل أَوْلى، ولا سيما والحج من مقاصد العامل في بلد الحرمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-84>المبحث العاشر: اختيار الرفيق الصالح:</span>\nيُستحب للمرء أن يَطلب رفيقًا نقيًّا تقيًّا، راغبًا في الخير كارهًا للشر، وأن يكون على علم شرعي، وعلى تقوى لله ﷿ لأن مِثل هذا يُعِينه على طاعة الله سبحانه.\nوالله أوصى بالإحسان إلى الرفيق في السفر، فقال: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]. وروى البخاري: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ» (^١).\nومِن حُسن المُرافَقة: المُوافَقة فيما لا يُخالِف الشرع، فإذا رأى ما يَكره فلا يَنشره (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٢٩٩٨).\n(^٢) قال مالك: كان يقال في الزمان الأول إذا أثنى الرجل على الرجل: أَصِحَبْتَه في سفر؟ أشاركتَه في مال؟ قال: فإن قال: لا. قيل له: فلا تُثْنِ عليه. «البيان والتحصيل» (١٨/ ٣٤٢).","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-85>الفصل الثاني آداب السفر في الطريق للحج والعمرة،</span>\nوفيه ثمانية مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-86>المبحث الأول: استحباب السفر يوم الخميس، وفيه مطلبان:</span>\nالمطلب الأول: يُستحَب للمرء أن يكون سفره يوم الخميس، فعن كعب ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَقَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ، إِذَا خَرَجَ فِي سَفَرٍ، إِلَّا يَوْمَ الخَمِيسِ (^١).\nالمطلب الثاني: توقيت مَخرج النبي ﷺ من المدينة لحجته:\nعَنْ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ (^٢).\nفخرج رسول الله ﷺ، لخَمْس بَقِينَ مِنْ ذي القَعْدَة، وأولُ ذي الحجة بلا شك يوم الخميس؛ وذلك لأن الوقوف بعرفة كان يوم الجمعة بلا خلاف.\nوقد حَدَث إشكال هنا، ووَجْه الإشكال: أنه لو كان خروجه ﷺ لحجته لخَمْس بَقِينَ مِنْ ذي القَعْدة، لكان خروجه بلا شك يوم الجمعة، وهذا خطأ؛ لأن الجمعة لا تُصَلَّى أربعًا، ففي «الصحيحين»: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ.\nوقد ذَكَر أنس أنهم صَلَّوُا الظُّهر معه ﷺ بالمدينة أربعًا (^٣).\nولذا رَجَّح ابن حزم أن مَخرج النبي ﷺ لحجته يوم الخميس. واستَدل بحديث كعب ابن مالك … وَبَطَلَ خُرُوجُهُ ﵇ يَوْمَ السَّبْتِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ حِينَئِذٍ خَارِجًا مِنَ\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» (٢٩٤٩).\n(^٢) رواه البخاري (١٧٠٩)، ومسلم (١٢١١). ورواه البخاري (١٥٤٥) عن ابن عباس.\n(^٣) وأُشيرُ إلى أن هناك كتابًا، وهو «مُشكل أحاديث المناسك» للشيخ خالد بن سليمان آل مهنا. وهو بحث جيد ونافع وماتع في بابه! فقد جَمَع بين بعض الأحاديث في المناسك التي ظاهرها التعارض، ورَجَّح ما يقتضي الدليل رجحانه، وقد استفدتُ من هذا البحث كثيرًا، فاللهَ أسأل أن ينفع به وببحثه الإسلام والمسلمين، وأن يجمعني وإياه مع سيد الأنبياء والمرسلين.","vol":"1","page":82},{"text":"الْمَدِينَةِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ لِذِي الْقَعْدَةِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ (^١).\nونوقش بِأَنَّ خُرُوجَهُ ﷺ لِحَجَّتِهِ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ؛ لأَنَّ الْحَدِيثَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ خَرَجَ لِخَمْسٍ بَقِينَ، وَهِيَ: يَوْمُ السَّبْتِ، وَالْأَحَدِ، وَالِاثْنَيْنِ، وَالثُّلَاثَاءِ، وَالْأَرْبِعَاءِ، فَهَذِهِ خَمْسٌ. وَعَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ خُرُوجُهُ لِسَبْعٍ بَقِينَ. فَإِنْ لَمْ يُعَدَّ يَوْمُ الْخُرُوجِ كَانَ لِسِتٍّ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَهُوَ خِلَافُ الْحَدِيثِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-87>المبحث الثاني: استحباب دعاء السفر:</span>\nفعن ابن عُمَر، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-88>المبحث الثالث: يُستحب للمسافر أن يُكثر من طاعة الله:</span>\nكالدعاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحافظ على الأذكار، ويُكبِّر إذا صَعِد مُرتفَعًا، ويُسبِّح إذا نَزَل مُنخفَضًا، روى البخاري: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا (^٤).\n_________\n(^١) «حجة الوداع» لابن حزم (ص: ٢٣٢).\n(^٢) «زاد المعاد» (٢/ ٩٨).\n(^٣) رواه مسلم (١٣٤٢).\n(مُقْرِنين): مطيقين، أي: ما كنا نُطيق قهره واستعماله لولا تسخير الله تعالى إياه لنا.\n(وعثاء): الوعثاء: المشقة والشدة.\n(وكآبة): الكآبة هي تغبر النفس من حزن ونحوه.\n(المنقلب): المرجع.\n(^٤) رواه البخاري (٢٩٩٣).\nقَالَ الْمُهَلَّبُ: تَكْبِيرُهُ ﷺ عِنْدَ الِارْتِفَاعِ اسْتِشْعَارً لِكِبْرِيَاءِ اللَّهِ ﷿، وَعِنْدَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْعَيْنُ مِنْ عَظِيمِ خَلْقِهِ أَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.\nوَتَسْبِيحُهُ فِي بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ قِصَّةِ يُونُسَ، فَإِنَّ بِتَسْبِيحِهِ فِي بَطْنِ الْحُوتِ نَجَّاهُ اللَّهُ مِنَ الظُّلُمَاتِ، فَسَبَّحَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ لِيُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْهَا.\nوَقِيلَ: مُنَاسَبَةُ التَّسْبِيحِ فِي الْأَمَاكِنِ الْمُنْخَفِضَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّسْبِيحَ هُوَ التَّنْزِيهُ، فَنَاسَبَ تَنْزِيهَ اللَّهِ عَنْ صِفَاتِ الِانْخِفَاضِ، كَمَا نَاسَبَ تَكْبِيرَهُ عِنْدَ الْأَمَاكِنِ الْمُرْتَفِعَةِ. «فتح الباري» (٦/ ١٣٦).","vol":"1","page":83},{"text":"وعلى المرأة في السفر أن تَخفض صوتها؛ لئلا تَفتن مَنْ حولها من الرجال، وتَلتزم السَّتر والعفاف، وتتجنب مخالطة الرجال، وتَحرص على حجابها وسترها.\n\n<span data-type='title' id=toc-89>المبحث الرابع: عليه أن يَحفظ لسانه من اللغو والرفث والجدال والغِيبة</span>؛\nلعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] ويَستحضر عظمة هذا النسك وما فيه من حِكم وأحكام، ويقوم بشعائر الحج على سبيل التعظيم، فيؤديها بسكينة ووقار، واتباع لرسول الله ﷺ، محتسبًا في ذلك ما يناله من جَهد ومشقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-90>المبحث الخامس: يتخلق بالرفق وحُسْن الخُلُق،</span>\nويَحرص على نفع المسلمين والإحسان إليهم، بالإرشاد والمعونة عند الحاجة، ويَحرص على اغتنام وقته.\n\n<span data-type='title' id=toc-91>المبحث السادس:\nإذا نزل منزلًا قال: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ </span>(^١).\n<span data-type='title' id=toc-92>المبحث السابع: عليه أن يُسْرِع عند المرور بديار الظالمين:</span>\nفَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالحِجْرِ، قَالَ: «لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ» ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الوَادِيَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-93>المبحث الثامن: أن يَحرص على أداء الصلاة:</span>\nويُستحَب قَصْر الرباعية، وأن يَجمع إذا احتاج إلى ذلك. ويجب على المسلم أن يبتعد عن المعاصي في سفره وحضره، كسماع الأغاني والتدخين … وغير ذلك من المنكرات.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٠٨) من حديث خَوْلَة بنت حَكيم، وفيه: «فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ».\n(^٢) رواه البخاري (٤٤١٩) واللفظ له، ومسلم (٢٩٨٠).\nقال النووي: وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْمُرَاقَبَةِ عِنْدَ الْمُرُورِ بِدِيَارِ الظَّالِمِينَ وَمَوَاضِعِ الْعَذَابِ. وَمِثْلُهُ الْإِسْرَاعُ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْفِيلِ هَلَكُوا هُنَاكَ.\nفَيَنْبَغِي لِلْمَارِّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الْمُرَاقَبَةُ وَالْخَوْفُ، وَالْبُكَاءُ وَالِاعْتِبَارُ بِهِمْ وَبِمَصَارِعِهِمْ، وَأَنْ يَسْتَعِيذَ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. «شرح مسلم» (١٨/ ١١١).","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-94>الفصل الثالث آداب عند الرجوع من السفر للحج والعمرة</span>\nوفيه خمسة مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-95>المبحث الأول: السُّنة إذا قضى حاجته أن يُعجِّل الرحلة إلى أهله</span>؛\nلعموم قول النبي ﷺ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-96>المبحث الثاني: يُستحب للمسافر أن يُخْبِر أهله بموعد قدومه:</span>\nلِما ورد في «الصحيحين»: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَطَالَ الرَّجُلُ الْغَيْبَةَ، أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ طُرُوقًا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-97>المبحث الثالث: إذا دخل البلد فالسُّنة أن يَبدأ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتين:</span>\nلحديث كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ (^٣).\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧) عن أبي هريرة.\nقال ابن بَطَّال: فيه حض وندب على سرعة رجوع المسافر إلى أهله عند انقضاء حاجته، وقد بَيَّن ﵇ المعنى في ذلك بقوله: «يَمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه» فامتناع هذه الثلاثة التي هي أركان الحياة، مع ما ينضاف إليها من شُقة السفر وتعبه- هو العذاب. «شرح البخاري» (٤/ ٤٥٤).\n(^٢) رواه البخاري (٥٢٤٣)، ومسلم (٧١٥) واللفظ له.\nقال ابن بَطَّال: وفيه النهي عن التجسس على أهله، ولا تَحمله غَيرته على تهمتها إذا لم يأنس منها إلا الخير. «شرح البخاري» (٧/ ٣٦٩).\n(^٣) رواه البخاري (٣٠٨٨)، ومسلم (٧١٦) واللفظ له.\nقال المُهَلَّب: الصلاة عند القدوم سُنة فيها معنى الحمد لله على السلامة، والتبرك بالصلاة أول ما يَبدأ به في حَضَره، ونِعم المفتاح هي إلى كل خير، وفيها يناجي العبد ربه تعالى، وذلك هَدْي رسول الله وسُنته. «شرح البخاري» (٥/ ٢٤٣).","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>المبحث الرابع: يُستحَب لمن رجع من الحج وغيره أن يقول ما ثَبَتَ:</span>\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ (^١).\nفينبغي له أن يَشكر الله تعالى على توفيقه لهذه العبادة، وأن يَسأل الله قَبولها، ويَحرص أن يكون بعيدًا عن الأعمال السيئة بعد أن مَنَّ الله عليه بأداء هذا الركن العظيم.\nوقد ورد في الباب عن ابن عمر قال: جَاءَ غُلَامٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ. قَالَ: فَمَشَى مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: «يَا غُلَامُ، زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى، وَوَجَّهَكَ الْخَيْرَ، وَكَفَاكَ الْهَمَّ» فَلَمَّا رَجَعَ الْغُلَامُ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: «يَا غُلَامُ، قَبِلَ اللَّهُ حَجَّكَ، وَكَفَّرَ ذَنْبَكَ، وَأَخْلَفَ نَفَقَتَكَ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-99>المبحث الخامس: استحباب تقديم الطعام عند القدوم من السفر:</span>\nروى البخاري: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ، نَحَرَ جَزُورًا أَوْ بَقَرَةً (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٠٨٥).\nقال ابن بَطَّال: وفيه حمد الله للمسافر عند إتيانه سالمًا إلى أهله، وسؤاله الله التوبة والعبادة. وتقدير الكلام: نحن آيبون عابدون حامدون، لربنا ساجدون إن شاء الله، على ما رَزَقَنَا من السلامة والنصر وصِدق الوعد. «شرح صحيح البخاري» (٥/ ٢٤٢).\n(^٢) ضعيف: أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٤٥٤٨) لتفرد مَسْلَمَة بن سالم، وهو ضعيف.\n(^٣) رواه البخاري (٣٠٨٩).","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-100>الباب الرابع المواقيت</span>\nوفيه تمهيد وثلاثة فصول\nتمهيد: تعريف المواقيت.\nالفصل الأول: مواقيت الحج الزمانية.\nالفصل الثاني: المواقيت المكانية.\nالفصل الثالث: حُكْم التقدم بالإحرام أو مجاوزته بلا إحرام.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>تمهيد: تعريف المواقيت</span>\nالمواقيت: هي مواضع وأزمنة مُعيَّنة لعبادة مخصوصة (^١).\nومواضع الإحرام: المواقيت المكانية.\nوأزمنة النسك: المواقيت الزمانية (أَشْهُر الحج).\n\n<span data-type='title' id=toc-102>الفصل الأول: مواقيت الحج الزمانية</span>\nوفيه مبحثان:\n\n<span data-type='title' id=toc-103>المبحث الأول: أَشْهُر الحج:</span>\nأَجْمَع العلماء على أن شَوَّالًا وذا القعدة وتِسعًا من ذي الحجة وَقْت للإحرام بالحج (^٢).\nواختلفوا في تمام ذي الحجة، هل هو مِنْ أشهر الحج أم لا؟ على أربعة أقوال:\nالقول الأول: أن أَشْهُر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله. وهو مذهب المالكية والشافعي في القديم (^٣).\nواستدلوا بعموم القرآن والسُّنة والمأثور والمعقول:\nأما القرآن، فعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nوَجْه الدلالة: أن الآية عَبَّرَتْ بالجَمْع (أَشْهُر) وأقل الجَمْع ثلاث، فلا بد من دخول ذي\n_________\n(^١) «مغني المحتاج» (١/ ٤٧١)، و«الإقناع» (١/ ٣٤٥)، و«كشاف القناع» (٢/ ٣٩٩).\n(^٢) «مراتب الإجماع» (ص: ٤٥).\nوكذا نَقَل الإجماع: ابن رُشْد في «بداية المُجتهِد» (٢/ ٩٠)، والنووي في «المجموع» (٧/ ١٤٦)، وابن حجر في «الفتح» (٣/ ٤٢٠) وغيرهم كثير.\n(^٣) «التفريع» لابن الجلاب (١/ ٣٥٤)، و«فتح الباري» (٣/ ٤٢٠).","vol":"1","page":88},{"text":"الحجة بكماله (^١).\nواعتُرض عليه بأن العرب تُعَبِّر عن اثنين وبعض الثالث بلفظ الجَمْع ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] والمراد به الطُّهر، فإذا طَلَّقَها في بقية طُهر، حُسِبَتْ تلك البقية قُرْءًا (^٢).\nوأما السُّنة، فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]: «شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ» (^٣).\nوأما المأثور، فَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] قَالَ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ (^٤).\nوأما المعقول، فقالوا: إِنَّ طَوَافَ الإِفَاضَةِ- وَهُوَ مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ- يُعْمَلُ فِي ذِي الْحِجَّةِ كُلِّهِ، بِلَا خِلَافٍ مِنْهُمْ؛ فَصَحَّ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ (^٥).\nالقول الثاني: أن أَشْهُر الحج: شَوَّال وذو القعدة وعَشْر من ذي الحجة. وهو مذهب الحنفية والحنابلة (^٦).\n_________\n(^١) «بداية المُجتهِد» (١/ ٢٣٨).\n(^٢) «المجموع» (٧/ ١٤٦).\n(^٣) موضوع: أخرجه الطبراني في «الأوسط» (١٥٨٤) وغيره، وفي إسناده حَصِين بن مُخَارِق، وهو متروك.\n(^٤) صحيح: أخرجه سعيد بن منصور في «السُّنن» (٣/ ٧٩١) ورجاله ثقات، لكنه ضعيف للانقطاع بين عروة وعمر، فعروة لم يَسمع من عمر. قاله أبو حاتم وأبو زُرْعَة. «جامع التحصيل» (ص: ٢٣٦).\nوقد رواه البيهقي (٨٩٤٣) من طريق ابن بُكَيْر، عن الليث، عَنْ عُقَيْل، عن الزُّهْري، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر، به. وهذا إسناد صحيح.\nوورد عن ابن عمر قولان:\nالأول: ما أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٤٤٧) بسند صحيح: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: أَسَمِعْتَ ابْنَ عُمَرَ يُسَمِّي أَشْهُرَ الْحَجِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ يُسَمِّي شَوَّالًا، وَذَا الْقَعْدَةِ، وَذَا الْحِجَّةِ.\nالثاني: ما أخرجه الطبري أيضًا (٣/ ٤٤٦) بسند صحيح: عن ابن عمر أنه قال: أَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.\n(^٥) «المُحَلّى» (٧/ ٦٩).\n(^٦) «الهداية» (٣/ ٢٢٧)، و«المغني» (٣/ ٢٦٨).","vol":"1","page":89},{"text":"واستدلوا بالسُّنة والمأثور والمعقول:\nأما السُّنة، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الجَمَرَاتِ، فِي الحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ، وَقَالَ: «هَذَا يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ» (^١).\nوَجْه الدلالة: أنه كيف يكون يوم النحر هو يوم الحج الأكبر، وليس من أشهر الحج؟!\nوأما المأثور، فعن ابن مسعود ﵁ قال عن قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (^٢).\nوعن ابن عباس قال: أَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (^٣).\n_________\n(^١) رواه ابن عمر، واختُلف عنه:\nفرواه هشام بن الغاز عند البخاري معلقًا (١٧٤٢)، ويعقوب بن عطاء- وهو ضعيف- عند الطبراني في «الأوسط» (٩٢٠٨)، وسعيد بن عبد العزيز- وفيه ضعف- عند تَمَّام في «فوائده» (٤٤٣) ثلاثتهم عن نافع، به، بزيادة: «هَذَا يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ».\nورواه محمد بن زيد عن ابن عمر، به مرفوعًا: «فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ» وليس في حديثه: (هَذَا يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ) عند البخاري (١٧٤٢).\nوكذا رواه صدقة بن يسار- وفيه ضعف- عند ابن أبي شيبة (٣٥٩٧٢) ومجاهد عند الطبراني (١٢/ ٤١٦)، وفي السند أشرس بن حسان، لم أقف له على ترجمة.\nفالحاصل: أن هذه الزيادة من طريق هشام بن الغاز، عن نافع، عن ابن عمر. وهشام وإن كان ثقة، إلا أنه ليس من أصحاب نافع المشاهير، وقد استغربه الدارقطني في «أطراف الغرائب» (٣/ ٥١٥) فقال: غريب من حديث نافع عنه، تَفَرَّدَ به هشام عنه بهذه الألفاظ.\nورواه محمد بن زيد عن ابن عمر، بدون هذه اللفظة.\nورواه الزُّهْري، عن حُمَيْد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. وفيه: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ …».\nفرواه شُعيب فزاد فيه: «وَيَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ».\nوخالف شُعيبًا: يونس عند البخاري (١٦٢٢)، ومسلم (١٣٤٧)، وفُلَيْح وصالح بن كَيسان وعَقيل وابن أخي الزُّهْري. أربعتهم عند البخاري (٣٦٩، ٤٣٦٣، ٤٦٥٥، ٤٦٥٦) كلهم عن الزُّهْرِيّ، بدون ذكر هذه الزيادة.\nوفي بعض الطرق عند البخاري (٤٦٥٧) ومسلم (١٣٤٧): فَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ.\nفتَبَيَّنَ أن هذا القَدْر مدرج من قول حُمَيْد، وليس مما نودي به.\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه الطبري (٣/ ٤٤٤) وفي إسناده شَرِيكٌ النَّخَعي، وفيه ضعف، وقد تَفَرَّدَ به.\n(^٣) أسانيده ضعيفة: وله طرق عن ابن عباس، من أشهرها:\nالأول: عن مِقْسَم: أخرجه الثوري في «تفسيره» (ص: ٦٢) وفي إسناده خُصَيْف، سيئ الحفظ.\nالثاني: عن عكرمة: أخرجه الطبري (٣/ ٤٤٤) وفي إسناده إسماعيل بن أبي حَبيبة، ضعيف. وداود بن حُصَيْن، وهو ضعيف في عكرمة.\nالثالث: عن علي بن أبي طلحة: أخرجه الطبري (٣/ ٤٤٤) وإسناده ضعيف؛ من أجل معاوية وعبد الله ابنَي] صالح.\nالرابع: عن عطاء: عند الدارقطني (٢٤٥٨) وفي إسناده مقاتل بن سليمان، كذاب.","vol":"1","page":90},{"text":"وأما المعقول، فاستدلوا بأن يوم النحر هو منتهى أشهر الحج، حيث إن يوم النحر هو يوم الحج الأكبر، وفيه يُؤدَّى ركن الحج وهو طواف الإفاضة، وكثير من أفعال الحج.\nونوقش بأن رمي الجمرات والمبيت بمِنًى يكونان في أيام التشريق، فكيف تكون أعمال الحج في غير أشهر الحج؟!\nالقول الثالث: ذهب الشافعية في المشهور إلى أن أشهر الحج تَبدأ بشوال، وتنتهي بفجر يوم النحر، فلا يَدخل نهار العاشر من ذي الحجة في أشهر الحج (^١).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] ولا يمكن الإحرام بالحج بعد طلوع فجر يوم النحر.\nالقول الرابع: أن أَشْهُر الحج تَبدأ بشوال، وتنتهي بغروب شمس يوم عرفة. ومعناه عدم مشروعية الإحرام بالحج ليلة يوم النحر. وهو قول للشافعية (^٢).\nونوقش بأنه قول شاذ لا يُلتفت إليه، وقد أَجْمَع أهل العلم على أن مَنْ أَحْرَم ليلة العيد ووقف بعرفة قبل فجر يوم العيد، فقد تم حجه.\nوالحاصل: أنه لا بد أن يُفَرَّق بين أمرين:\nالأول: أنه لا يمكن الإحرام بالحج بعد فجر يوم النحر، بالنص والإجماع.\nالثاني: أن أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله؛ لعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فعموم هذا اللفظ يشمل الأشهر الثلاثة، ولم يقل: (في أَشْهُر معلومات).\n_________\n(^١) «المجموع» (٧/ ١٤٦).\n(^٢) وَقَالَ بَعْضُ أَتْبَاعِ الشَّافِعِيِّ: وَلَا يَصِحُّ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَلَا فِي لَيْلَتِهِ. وَهُوَ شَاذٌّ. «فتح الباري» (٣/ ٤٢٠).","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-104>المبحث الثاني: حُكْم الإحرام قبل أشهر الحج:</span>\nاختَلف العلماء فيمن مر بميقاته وأحرم في آخِر يوم من رمضان، وطاف وسَعَى في أول ليلة من شَوَّال، فأدى بعض عمرته في رمضان، والبعض الآخَر في شَوَّال، ثم أقام في مكة ثم حج من عامه، هل يصير متمتعًا أم مُفرِدًا؟\nاختَلف أهل العلم في الإحرام بالحج قبل أشهره على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يصير مُفرِدًا؛ لأنه لا يَنعقد الإحرام بالحج قبل أشهره، فإِنْ أَحْرَم بالحج مُفرِدًا انعَقَد إحرامه عُمْرة. وهذا قول للمالكية ومذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (^١).\nواستدلوا بالكتاب والمأثور والقياس:\nأما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nوأما المأثور، فعَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَا يُحْرَمُ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (^٢).\nوأما القياس، فقاسوا وقت الحج على وقت الصلاة، فكما أنها لا تجزئ قبل وقتها فكذا الحج؛ لأن الإحرام نُسُك من مناسك الحج، فكان موقتًا كالوقوف والطواف (^٣).\nالقول الثاني: أن مَنْ مر بميقاته، وأَحْرَم بعمرة في آخِر يوم من رمضان، وطاف وسَعَى في أول ليلة من شَوَّال، ثم أقام في مكة ثم حج من عامه، صار متمتعًا؛ لأن عمرته معتبرة في الشهر الذي حل فيه، فيصح الإحرام بالحج، وينعقد قبل أشهر الحج، إذا كان التحلل في أشهر الحج. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية في المشهور، والحنابلة (^٤).\nواستدلوا بالمأثور والقياس:\nأما المأثور، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَا يُحْرَمُ بِالحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ؛ فَإِنَّ مِنْ\n_________\n(^١) «مواهب الجليل» (٤/ ٢٥)، و«الحاوي» (٤/ ٢٨)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٠٥).\n(^٢) إسناده صحيح: رواه ابن أبي شيبة (١٥٢٤٤).\n(^٣) «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» (٢/ ٩٠).\n(^٤) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٥٣١)، و«مواهب الجليل» (٤/ ٢٤)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٠٥).","vol":"1","page":92},{"text":"سُنَّةِ الحَجِّ أَنْ يُحْرَمَ بِالحَجِّ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ (^١).\nواعتُرض عليه بأنه ليس المراد بالسُّنة هنا السُّنة الاصطلاحية.\nوأما القياس، فهو أن التوقيت ضربان: توقيت مكان وزمان، وقد ثَبَتَ أنه لو تَقَدَّم إحرامه على ميقات المكان صح، فكذا لو تَقَدَّم على ميقات الزمان. وأَن الإحرام شَرْط، فيَجوز قبل الوقت، كالطهارة وسَتْر العورة للصلاة (^٢).\nواعتُرض عليه بأنه لا قياس مع النص.\nالقول الثالث: أنه يُنْظَر في اعتبار العمرة، وهو الإتيان بالطواف، فإذا طاف المُعتمِر أربعة أشواط في أَشهُر الحج، وحَجَّ مِنْ عامه ذلك، كان مُتمتِّعًا؛ لأن الأكثر يقوم مَقام الكُل (^٣)\nوالراجح: أنه لا يَنعقد الإحرام بالحج قبل أشهره، فإِنْ أَحْرَم بالحج انعقد إحرامه عُمْرَة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قالوا: وتقديره: (وَقْتُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) لأنه لا يَجوز حَمْل الآية على أن المراد أفعال الحج؛ لأن الأفعال لا تكون في أَشهُر، وإنما تَكُون في أيام معدودة. ولو كان يَجوز الإحرام للحج في سائر شهور السَّنة، لم يكن للآية فائدة. وقياس وقت الحج على وقت الصلاة، فكما أنها لا تجزئ قبل وقتها، فكذا الحج. ولأن الإحرام نسك من مناسك الحج، فكان موقتًا كالوقوف والطواف (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (١٥٢٤٣) وعِلته أن الحَكَم لم يَسمع من مِقسم إلا أربعة أَحادِيث، قاله شُعبة. «شرح علل الترمذي» (٢/ ٨٤٩) وقوله: (مِنْ السُّنة) يأخذ حُكم الرفع.\n(^٢) «الذخيرة» للقرافي (٣/ ٢٠٤).\n(^٣) «المبسوط» للسرخسي (٤/ ٤٥).\n(^٤) وفي «فتاوى اللجنة الدائمة» (١١/ ٣٢٩): مَنْ أَحْرَم بالعمرة مِنْ آخِر رمضان، ولم يَطُف ولم يَسْعَ لها إلا أول ليلة من شَوَّال، ثم تَحَلل منها، ثم حج من عامه؛ لم يُعتبَر مُتمتِّعًا بالعمرة إلى الحج؛ لأن إحرامه بالعمرة كان في غير أشهر الحج.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-105>الفصل الثاني المواقيت المكانية</span>\nأصناف الناس باعتبار موضع الإحرام ثلاثة:\nالصنف الأول: الآفاقي.\nالصنف الثاني: الميقاتي.\nالصنف الثالث: المكي.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>الصنف الأول: الآفاقي</span>\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد: تعريف الآفاقي: هو مَنْ كان منزله خارج منطقة المواقيت.\n\n<span data-type='title' id=toc-107>المبحث الأول: مواقيت الآفاقي:</span>\nتتنوع مواقيت الآفاق باعتبار جهتها من الحرم؛ فلكل جهة ميقات مُعيَّن. ويَرجع كلام أهل العلم في المواقيت إلى خمسة مواقيت:\n\n<span data-type='title' id=toc-108>الميقات الأول: ذو الحُلَيْفة:</span> تصغير الحلفاء، نَبْت معروف يَنبت بتلك المنطقة، وسُمي هذا المكان بهذا الاسم لكثرته فيه. وهو ميقات أهل المدينة ومَن مر بها.\nوهو موضع معروف جنوب غرب المدينة، في أول طريق المدينة إلى مكة، بينه وبين المسجد النبوي نحو (١٣) كيلو مترًا، وبينه بين مكة (٤٢٠) كيلو مترًا تقريبًا، فهو أبعد المواقيت عن مكة. وتُسَمَّى الآن (أبيار علي) (^١) ومنها أَحْرَم رسول الله ﷺ لحجة الوداع.\n\n<span data-type='title' id=toc-109>الميقات الثاني: الجُحْفة:</span> سُمِّي بها لأن قومًا نزلوا فيها، فأَجْحَفَهم السَّيْل، أي: استأصلهم، فلما جَحَفها السيل سُميت الجُحفة.\nوهي قرية كبيرة بين مكة والمدينة، تُعْرَف ب (المقابر)، وبها (مسجد ميقات الجُحفة)، ويَبعد عن المسجد الحرام (١٨٧) كيلو مترًا تقريبًا، وهي التي دعا النبي ﷺ أن يُنْقَل إليها حُمَّى المدينة، وكانت ميقاتًا لأهل مصر والمغرب، من طريق البَر عَبْر قناة السويس، والآن\n_________\n(^١) قال ابن جماعة: وَبِهَا الْبِئْرُ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْعَوَامُّ (بِئْرَ عَلِيٍّ) يَنْسُبُونَهَا إِلَى عَلِيٍّ ﵁ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ قَاتَلَ الْجِنَّ بِهَا. وَنِسْبَتُهَا إِلَيْهِ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. «مواهب الجليل» (٤/ ٤١).\nقال الشيخ بكر أبو زيد عن هذه التسمية: وهذا من وضع الرافضة، فلنهجر التسمية المكذوبة، ولنستعمل ما خَرَج التلفظ به بين شفتي النبي ﷺ ولنَقُل: (ذو الحُليفة). «المناهي اللفظية» (ص: ٦٤).\nومِن الجهل كذلك مَنْ ينسبها إلى علي بن دينار (سلطان دارفور سابقًا) ويقول: إن هذه الآبار بناها هذا السلطان لَمَّا مر بالميقات عام (١٣١٧ هجرية) تقريبًا! لأن هذا الاسم معروف ومنثور في بطون الكتب قبل ولادة علي بن دينار بمئات السنين.","vol":"1","page":95},{"text":"أصبح الحج غالبه عن طريق الطائرات.\nوقد عادت الجُحفة في الوقت الحاضر ميقاتًا، وهُيئت للإحرام منها، ويمر بها الطريق الساحلي الغربي السريع، وبها (مسجد ميقات الجُحفة) بَنَتْه السعودية عام (١٤٠٦) ويقع بين مدينتي ينبع وجدة. وأما الإحرام من (رابغ) فيكاد أن يكون اندرس الآن (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-110>الميقات الثالث: قَرْن المنازل </span>(^٢) وهو أقرب المواقيت إلى مكة، ويُسَمَّى الآن ب (السيل الكبير) ويُحْرِم الناس من مسجد ميقات السيل، وبينه وبين مكة (٧٨) كيلو مترًا تقريبًا، وهو ميقات لأهل نجد والطائف، وحُجاج الشرق من أهل الخليج وإيران.\n<span data-type='title' id=toc-111>الميقات الرابع: يَلَمْلَمُ،</span> وهناك مسجدان لميقات يلملم:\nالأول: مسجد للميقات بالسَّعدية، يُنسَب إلى معاذ بن جبل، وقد كان الطريق القديم يمر بها، وهي قرية فيها بئر السَّعْدية، وتَبعد عن مكة المكرمة (٩٢) كيلو مترًا.\nالثاني: لما سَفلتت الحكومة الطريق الجديد بين مكة وجازان، مرورًا بالليث، انحرف الطريق عن موقع الميقات القديم، فوَضَعَتْ مكانًا للإحرام من الطريق الجديد، ويمر بوادي يلملم. وبين مسجد يلملم الآن والمسجد الحرام (١٣٠) كيلو مترًا تقريبًا.\nويُحْرِم من يلملم: حُجاج اليمن، وإندونيسيا وماليزيا والصين والهند … وغيرهم من حُجاج جنوب آسيا. والآن أصبح الحج غالبه عن طريق الطائرات (^٣).\nهذه الأربعة مُجْمَع على أن رسول الله ﷺ وَقَّتها، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ (^٤).\n_________\n(^١) «الموسوعة المُيسَّرة لقاصد مكة المكرمة» (ص ١١٣ - ١١٦).\n(^٢) وأصل القرن: الجبل الصغير المستطيل، المنقطع عن الجبل الكبير. «لسان العرب» (مادة: قرن)، و«مواهب الجليل» (٤/ ٤٣).\n(^٣) «تيسير العَلَّام شرح عمدة الأحكام» (ص: ٣٥٩، ٣٦٠).\n(^٤) رواه البخاري (١٥٢٤)، ومسلم (١١٨١).","vol":"1","page":96},{"text":"قال ابن المنذر: وأَجْمَعوا على ما ثَبَتَ به الخبر عن النبي ﷺ في المواقيت (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-112>الميقات الخامس: ذات عِرق،</span> وفيه ثلاثة مطالب:\n<span data-type='title' id=toc-113>المطلب الأول: تعريف ذات عِرق:</span>\nهو وادٍ بين جبال، في وَسَطه جبل صغير، وسُمي ذات عِرق لأجله، وهو المسمى الآن: (الضريبة) وهي ميقات أهل العراق وسائر أهل المشرق، ويَبعد عن مكة المكرمة نحو (١٠٠) كيلو متر، وقد خربت.\n\n<span data-type='title' id=toc-114>المطلب الثاني: هل وَقَّته رسول الله ﷺ؟ أم وَقَّته عمر ﵁</span>-؟\nروى البخاري: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ، أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا! قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ (^٢).\nفظاهر حديث ابن عمر ﵄: أن عمر هو الذي وَقَّت ذات عِرق باجتهاد منه.\nولكن يُشكل على حديث ابن عمر أنه ورد في حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ هو الذي وَقَّت ذات عِرق لأهل العراق، كباقي المواقيت الأربعة.\nفقد رَوَى مسلم: عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا ﵄ يُسْأَلُ عَنِ الْمُهَلِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ- أَحْسَبُهُ رَفَعه إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ-: «… وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ …» (^٣).\n_________\n(^١) «الإجماع» (ص: ٦٤) وكذا نَقَل الإجماع ابن رُشْد في «بداية المجتهد» (٢/ ٨٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٣١).\n(^٣) ورواه أبو الزبير وعطاء، عن جابر.\nورواه عن أبي الزبير جماعة:\nالأول: ابن جُريج، قال: أخبرني أبو الزبير، به. أخرجه مسلم (١١٨٣).\nوقد اختُلف في صحة هذا الحديث:\nفضَعَّفه طائفة من الحفاظ من أجل أن أبا الزبير لم يَجزم برفعه، فقال: (أحسبه رَفَعه إلى النبي ﷺ.\nوبالرغم من أن مسلمًا أخرجه في «صحيحه» إلا أنه أخرجه في آخِر الباب إشارة إلى إعلاله.\nوقد نص مسلم على إعلاله بقوله: فأما الأحاديث أن النبي ﷺ وَقَّت لأهل العراق (ذات عِرق) فليس منها واحد يَثبت. «التمييز» (ص: ٢١٤).\nوقال المُعَلِّمي اليماني: عادة مسلم أن يُرتِّب روايات الحديث بحَسَب قوتها، يُقَدِّم الأصح فالأصح. =","vol":"1","page":97},{"text":"\n_________\n= «الأنوار الكاشفة» (ص: ٢٩).\nوقد رُوي الحديث من طرق عن أبي الزبير عن جابر، برفعه غير مشكوك فيه.\nفرواه ابن لَهيعة قال: ثنا أبو الزبير، به. عند أحمد (١٤٦١٥) وابن لَهيعة مع ضعفه، فروايته عن أبي الزبير عن جابر ضَعَّفها ابن مَعِين. في «تاريخ ابن مَعِين» رواية الدارمي (ص: ١٤١).\nورواه إبراهيم الخُوزِي- وهو متروك- عن أبي الزبير، مجزومًا برفعه عند ابن ماجه (٢٩٢٧).\nورُوي الحديث عن جابر من غير طريق أبي الزبير مجزومًا برفعه، ومدار هذه الروايات على حَجَّاج بن أرطأة، واختُلف عليه من وجوه:\nفرواه مرة عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِر. أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٦٢٦).\nورواه مرة ثانية: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. أخرجه أحمد (٦٦٩٧).\nورواه مرة ثالثة: عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَرِيرٍ البَجَلِيِّ. ذَكَره ابن حجر في «الدراية» (٢/ ٥).\nفالحاصل: أن مدار هذا الطريق على حَجاج، ومع ضعفه اضطرب فيه. «نَصْب الراية» (٣/ ١٤).\nوالصحيح: هو رواية ابن جُريج عن أبي الزبير عن جابر، التي وقع الشك في رفعها.\nولهذا الحديث شواهد:\n١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ العِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. أخرجه النَّسَائي (٢٦٧٣) من طرق عن هشام بن بَهْرَام قال: حدثنا المُعَافَى، عن أَفْلَحَ بن حُمَيد، عن القاسم، عن عائشة، به.\nوظاهر هذا الإسناد الصحة، ولكن جملة (وَلِأَهْلِ العِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ) منكرة، أَنْكَرها الإمام أحمد على أفلح بن حُميد، وهو وإن كان ثقة لكنه انفرد بهذه الزيادة المنكرة (ذات عِرق) والتي خالف فيها الثقات. «الكامل» (٢/ ٣٤٦) وأَنْكَرها الإمام مسلم على هشام بن بَهْرَام، فقال: وهو شيخ، ولا يُقَرّ الحديث بمِثله إذا تفرد. «التمييز» لمسلم (ص: ٢١٥).\n٢ - شاهد الحارث بن عمرو، عند أبي داود (١٧٣٦) وفي إسناده عُتْبَة بن عبد الملك، مجهول.\n٣ - شاهد ابن عباس عند البزار (٥١٨١) وفي إسناده مُسْلِم بن خالد. وقد أنكره البزار بتفرده به.\n٤ - شاهد أنس عند الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣٥٢٨) وفيه هلال بن زيد، وهو منكر الحديث.\n٥، ٦ - وله شاهد عن ابن عمر وابن عمرو، وكلاهما ضعيف.\nوقد وردت مراسيل تَشهد لهذا المعنى عن عروة وعطاء ومكحول وقتادة.\nفالحاصل: أن كل هذه الأحاديث فيها ضعف بَيِّن، ولا تتقوى ببعضها، ولا سيما وأحاديث المواقيت مشهورة عن عدد من الصحابة،، وليس فيها مُهَلّ أهل العراق، وإن كان صححه: البغوي في «شرح السُّنة» (٧/ ٣٨)، والعراقي في «طرح التثريب» (٥/ ١١)، وابن الطبري في «القرى» (ص: ١٠١)، وابن تيمية في «شرح العمدة» (١/ ٣٠٥)، والحافظ في «فتح الباري» (٣/ ٣٩٠).\nولكن هذا مُتعقَّب بمن ضعفوه من النقاد: كالإمام مسلم، كما في «التمييز» (ص: ٢١٤)، والشافعي في «الأم» (٣/ ٣٤١)، وأبي داود في «مثير العزم الساكن» (١/ ١٩٦)، والدارقطني في «الإلزامات» (٣٢٢).\nوقال ابن خُزيمة: رُوِيَتْ فِي ذَاتِ عِرْقٍ أَخْبَارٌ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا.\nوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَمْ نَجِدْ فِي ذَاتِ عِرْقٍ حَدِيثًا ثَابِتًا. «فتح الباري» (٣/ ٣٩٠).\nوقال البغوي: وَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُوَقِّتْ لَهُمْ شَيْئًا. «شرح السُّنة» (٧/ ٣٩).\nوقال النووي: حديث جابر غير ثابت لعدم جزمه برفعه. «شرح مسلم» (٨/ ٨١).\nوكذا ضَعَّفه البيهقي في «السُّنن» (٩/ ٣٧٢)، وابن الجوزي في «كشف المُشْكِل» (١/ ١٠٥)، والخَطَّابي في «معالم السُّنن» (٢/ ١٥٩)، وابن العربي في «القبس» (٢/ ٥٥٥).","vol":"1","page":98},{"text":"والراجح: أن عمر ﵁ هو الذي وَقَّت (ذات عِرق) لأهل العراق. ولم يصح أن رسول الله ﷺ هو الذي وَقَّت (ذات عِرق) لأهل العراق.\n\n<span data-type='title' id=toc-115>المطلب الثالث: ميقات أهل العراق:</span>\nأَجْمَعَ العلماء على أن (ذات عِرق) ميقات أهل العراق (^١).\nواختلفوا في المكان الذي يُستحب أن يُحْرِم منه مَنْ أتى العراق على قولين:\nالقول الأول: أن مِيقات العراق (ذات عِرق). وبه قال الحنفية والمالكية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور والإجماع والمعقول:\nأما السُّنة، فعن جابر مرفوعًا: «وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ».\nوأما المأثور، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ، أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا. قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ.\nوأما الإجماع، فقال الحَطَّاب: وَإِجْمَاعِ النَّاسِ عَلَى مَا فَعَلَهُ عُمَرُ ﵁.\nوأما المعقول، فَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُمْ إذَا جَاوَزُوا الْعَقِيقَ وَأَحْرَمُوا مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، فَإِنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ كَانَ الْعَقِيقُ مِيقَاتًا لَهُمْ لَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الدَّمُ بِتَرْكِهِ (^٣).\nالقول الثاني: استحباب الإحرام من العقيق لأهل المشرق. وهذا مذهب الشافعية، وبعض الحنفية، وبعض المالكية (^٤).\n_________\n(^١) «التمهيد» (١٥/ ١٤٣)، و«المغني» (٥/ ٥٧).\n(^٢) «البناية» (٤/ ١٥٨)، و«الاستذكار» (٤/ ٣٧)، و«مواهب الجليل» (٤/ ٤٥)، و«المغني» (٥/ ٥٧).\n(^٣) «مواهب الجليل» (٣/ ٣٣).\n(^٤) العقيق: وادٍ وراء ذات عِرق مما يلي المشرق، عن يسار الذاهب من ناحية العراق إلى مكة، ويُشْرِف عليها جبل عِرق. والعقيق: كلّ وادٍ نَسَفَتْهُ السُّيول، يقال لكل مسيل ماء شقه السيل، فأَنْهَره ووَسَّعه: عقيق. «معجم البلدان» (٤/ ١٣٨).\nوقال الشافعي: (لو أهلوا من العقيق كان أحب إليَّ) «الأم» (٣/ ٣٤٣)، و«حاشية ابن عابدين» (٢/ ٤٧٥)، و«الاستذكار» (٤/ ٣٧).","vol":"1","page":99},{"text":"واستدلوا بالسُّنة والمأثور:\nأما السُّنة، فعن ابن عباس قال: وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ (^١).\nوأما المأثور، فعن أنس ﵁ أنه كان يُحْرِم من العقيق (^٢).\nقال ابن عبد البر: الْعَقِيقُ أَوْلَى وَأَحْوَطُ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَذَاتُ عِرْقٍ مِيقَاتُهُمْ بِإِجْمَاعٍ.\nوالراجح: أن ميقات مَنْ أتى العراق هو (ذات عِرق) لصحة الأدلة.\nوقيل: إن الإحرام من العقيق فيه الاحتياط والسلامة من الالتباس ب (ذات عِرق).\n\n<span data-type='title' id=toc-116>المبحث الثاني: مَنْ مر بميقاتين هل يَجُوز له مجاوزة الميقات الأول إلى ميقاتٍ آخَر؟</span>\nاتَّفَق العلماء على أن الأصل فيمن يمر بميقاتين أن يُحْرِم من الأول، واختلفوا هل يَجوز له مجاوزة الميقات الأول إلى ميقات آخَر، على أربعة أقوال:\nالقول الأول: لا يَجوز لمريد النُّسك أن يتجاوز أول ميقات يمر به إلى ميقات آخَر. مِثل أن يَترك أهلُ المدينة الإحرام من ذي الحُليفة حتى يُحْرِموا من الجُحفة. وهذا مذهب أبي حنيفة في رواية، والشافعية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ في شأن المواقيت: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ».\nوَجْه الدلالة: أن الحديث يدل بعمومه على أن مَنْ مَر بميقات فهو ميقاته، فالشامي مثلًا إذا أتى ذا الحُليفة فهو ميقاته، ويجب عليه أن يُحْرِم منه.\nواستدلوا بِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ مُحِيطَةٌ بِالْبَيْتِ كَإِحَاطَةِ جَوَانِبِ الْحَرَمِ، فَكُلُّ مَنْ مَرَّ\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أحمد (٣٢٠٦) ومن طريقه أبو داود (١٧٣٤). وإسناده ضعيف؛ لضعف يزيد بن أبي زياد، وقد تَفَرَّد به. وللانقطاع بين محمد بن علي وابن عباس. قال الإمام مسلم: ومحمد بن علي لا يُعْلَم له سماع من ابن عباس، ولا أَنه لَقِيه أَوْ رآه. كما في «التمييز» (ص: ٢١٥).\n(^٢) إسناده صحيح: رواه مُسَدَّد في «المسند» كما في «إتحاف الخِيَرة المهرة» (٣/ ١٧٧).\n(^٣) «فتح القدير» (٢/ ٣٣٤)، و«المجموع» (٧/ ١٩٨)، و«المغني» (٥/ ٦٤).","vol":"1","page":100},{"text":"بِجَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِهِ لَزِمَهُ تَعْظِيمُ حُرْمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ جَوَانِبِهِ أَبْعَدَ مِنْ بَعْضٍ.\nالقول الثاني: لا يَجوز تجاوز أول ميقات مر به إلى ميقات آخَر، إلا أهل مصر والشام إذا مروا بذي الحُليفة، فيَجوز أن يُؤخِّروا الإحرام إلى الجُحفة؛ لأنهم يؤخرون الإحرام إلى ميقاتهم الأصلي، بخلاف غيرهم. وهو مذهب المالكية، ووَجْه عند الحنابلة (^١).\nالقول الثالث: يَجوز تَجاوُز أول ميقات مر به إلى ميقات آخَر. وهو قول الحنفية (^٢).\nوالراجح: أنه لا يَجوز لمريد النُّسُك أن يتجاوز أول ميقات يمر به إلى ميقات آخَر؛ لعموم قول النبي ﷺ في شأن المواقيت: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ».\nفمَن مر بميقات فهو ميقاته، فالشامي مثلًا إذا أتى ذا الحُليفة فهو ميقاته، ويجب عليه أن يُحْرِم منه لأنه ميقاته في هذه الحالة.\n* * *\n_________\n(^١) «التاج والإكليل» (٣/ ٣٦)، و«مختصر خليل» (٢/ ٣٠٣)، و«المغني» (٥/ ٦٤).\n(^٢) «المبسوط» (٤/ ١٧٣)، وهو قول ابن المنذر من الشافعية. «الاستذكار» (٤/ ٤١).","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type='title' id=toc-117>الصنف الثاني: الميقاتي</span>\nوفيه أربعة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-118>المطلب الأول: تعريف الميقاتي:</span> هو مَنْ كان يَسكن بين المواقيت والحَرَم. فإنهم خارج حدود الحرم ودون الميقات، كأهل جدة وعُسْفان وبحرة.\n<span data-type='title' id=toc-119>المطلب الثاني: موضع إحرام الميقاتي:</span> مَنْ كان ساكنًا أو نازلًا بين المواقيت والحَرَم، فإن ميقاته موضعه، أي: مَنْ كان دون المواقيت كأهل جدة، وقَصَد النُّسك، فيجب عليه الإحرام من منزله، عند عامة أهل العلم.\nوذلك لحديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ في حديث المواقيت: «ومَن كان دون ذلك، فمِن حيث أَنْشَأَ» وفي رواية: «فمَن كان دونهن فمِن أهله» فهذا صريح في أن مَنْ كان مسكنه بين مكة والميقات كأهل جدة، فميقاته مسكنه، ولا يَجوز له مجاوزة مسكنه بغير إحرام (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-120>المطلب الثالث: مجاوزة إحرام الميقاتي:</span> مَنْ كان ساكنًا أو نازلًا بين المواقيت والحَرَم، فإن ميقاته موضعه، فإِنْ جاوزه أَثِم ووجب عليه الدم، فإن عاد إليه سقط الدم. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة.\n<span data-type='title' id=toc-121>المطلب الرابع: مَنْ كان دون المواقيت كجدة، فذهب إلى مكة لقصد غير الحج، ثم طرأ له أن يحج، فإنه يُحْرِم من المكان الذي طرأ له فيه قصد النُّسك</span>؛ لعموم قول النبي ﷺ: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ» أي: مِنْ حيث أنشأ السفر مريدًا للنُّسُك. وهذا مذهب الحنفية والمالكية، والمشهور عن الشافعية، ورواية عند الحنابلة (^٢).\nوذهب الشافعية في رواية، والحنابلة في رواية إلى أنه يَلزمه الرجوع إلى منزله.\nوالراجح: أنه يُحْرِم من حيث طرأت له نية الإحرام، ولا يَلزمه الخروج إلى الحِل.\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر: فَأَجْمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ أَهْلُهُ دُونَ الْمَوَاقِيتِ إِلَى مَكَّةَ أَنَّ مِيقَاتَهُ مِنْ أَهْلِهِ. «الاستذكار» (٤/ ٤٣).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٦٦)، و«مواهب الجليل» (٣/ ٤٢)، و«المجموع» (٧/ ٢٠٣)، و«المغني» (٥/ ٧١).","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-122>الصنف الثالث: المكي (أهل مكة أو أهل الحَرَم)</span>\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type='title' id=toc-123>المطلب الأول، ميقات المكي للعمرة هو الحِل:</span>\nاتَّفق أهل العلم على أن مَنْ أراد أن يعتمر من مكة، فإنه يُحْرِم من الحِل؛ وذلك لِما ورد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ، وَيُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ (^١).\nولو كان الإهلال من مكة بالعمرة سائغًا، لأَمَرها ﷺ بالإهلال من مكة.\nولكن يُشْكِل عليه حديث ابن عباس قال: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ … وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ (^٢). فظاهره يدل على أن أهل مكة يُهِلون من مكة للحج والعمرة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٨٤)، ومسلم (١٢١٢).\nفالحديث صريح في أن خروج عائشة إلى التنعيم لعمرتها بأمر رسول الله ﷺ.\nولكن يُشْكِل عليه أنه قد وردت رواية مضادة! قَالَتْ عَائِشَةُ: فَوَاللَّهِ مَا قَالَ: فَتُخْرِجُهَا إِلَى الْجِعِرَّانَةِ، وَلَا إِلَى التَّنْعِيم. أخرجها أحمد (٢٦٠٨٥). وفيه أن عائشة أقسمت أن النبي ﷺ لم يأمر بإخراجها إلى التنعيم. وهذه الرواية منكرة لمخالفتها رواية الأثبات الثقات، أن عائشة أحرمت لعمرتها من التنعيم بأمر رسول الله ﷺ، كما في «الصحيحين» وغيرهما.\nقال ابن حجر: فهذه رواية ضعيفة؛ لضَعْف أبي عامر الخراز. «فتح الباري» (٣/ ٦٠٧).\nو(الجِعرانة): موضع كان بئرًا، وبه اليوم بساتين، ومسجد يقع على بُعد ستة وعشرين كيلو تقريبًا، شمال شرقي مكة، وقَسَّم به الرسول الغنائم في غزوة حُنَيْن. «معجم الأمكنة» (ص: ١٤٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٢٤)، ومسلم (٢٧٧٤).\n(^٣) وظاهر صنيع البخاري أنه يَرى أن أهل مكة يُهِلون من مكة للعمرة، ولا يَخرجون للحِل؛ ولذا قال: (بَابُ مُهَلِّ أَهْلِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالعُمْرَةِ) ثم ساق بسنده الحديث، وفيه: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ».\nوأَجيبَ عن الاستدلال بحديث عبد الرحمن، بأن النبي ﷺ أَمَر عائشة أن تَخرج إلى الحِل للإهلال بالعمرة؛ لأنها آفاقية، وليست من أهل مكة.\nونوقش هذا الجواب: بأن حديث ابن عباس- وفيه: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ» - يدل على أن مَنْ مَر بميقات لغيره، كان ميقاتًا له، فيَكُون ميقاتُ أهل مكة في عُمرتهم هو ميقاتَ عائشة في عُمْرتها; لأنها صارت معهم عند ميقاتهم.","vol":"1","page":103},{"text":"واعتُرض على هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: أن حديث ابن عباس الذي فيه: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» أي: في الحج. وحديث عائشة أن النبي ﷺ أَمَر عبد الرحمن أن يُعْمِرها من التنعيم، أي: مِنْ أدنى الحِل- خاص بالعمرة.\nوقد نَقَل ابن قُدامة الإجماع على ذلك، فقال: مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَهِيَ مِيقَاتُهُ لِلْحَجِّ، وَإِنْ أَرَادَ الْعُمْرَةَ فَمِنَ الْحِلِّ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا (^١).\nالوجه الثاني للتفريق بين الحج والعمرة: ما ذَكَره ابن عبد البر: وَلَيْسَ الحَاجُّ كَالْمُعْتَمِرِ عِنْدَ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ فِي الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، فَأَمَرُوا الْمُعْتَمِرَ الْمَكِّيَّ أَوْ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ؛ لِأَنَّ عُمْرَتَهُ تَنْقَضِي بِطَوَافِهِ بِالْبَيْتِ وَسَعْيِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَالْحَاجُّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَرَفَةَ وَهِيَ حِلٌّ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الْخُرُوجُ إِلَى الْحِلِّ لِيُهِلَّ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمُعْتَمِرِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-124>المطلب الثاني: اختَلف العلماء في أي جهات الحِل أفضل للمعتمرين من مكة،</span> على أربعة أقوال:\nالقول الأول: أن جهات الحِل مستوية في الفضل. وهو قول للحنفية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بما رواه البخاري عن عائشة ﵂: فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الحَرَمِ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ» (^٤).\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ أَمَر عبدَ الرحمن أن يَخرج بعائشة من الحرم إلى الحِل حتى تُهِل بالعمرة، فدل على أن التنعيم غير مقصود.\nالقول الثاني: أن الاعتمار من التنعيم أفضل من سائر الحِل. وهو مذهب الحنفية،\n_________\n(^١) «المغني» (٥/ ٥٩)، و(التنعيم): موضع بمكة في الحِل، يَبعد عن الحرم ستة أميال على طريق المدينة.\n(^٢) «الاستذكار» (٤/ ٧٨).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٦٧)، و«المغني» (٥/ ٦٠).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٥٦٠).","vol":"1","page":104},{"text":"والصحيح عند الحنابلة (^١).\nفَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ، وَيُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ (^٢). فالنبي ﷺ اختار التنعيم لإهلال عائشة، ولو كان غيره أفضل منه لأَمَرها أن تُهِل منه.\nونوقش بأنه يحتمل أن النبي ﷺ أَمَر عائشة بذلك؛ لأنه أقرب الحِل إليها.\nالقول الثالث: قَالَ مَالِكٌ: لَا بُدَّ مِنْ إِحْرَامِهِ مِنَ التَّنْعِيمِ خَاصَّةً. وهذا القول شاذ (^٣).\nالقول الرابع: أن الأفضل الإحرام من الجِعْرَانة، ثم يليها في الفضل التنعيم. وهو قول للمالكية، وقول للشافعية، ورواية عند الحنابلة (^٤).\nفعن أنس قال: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الجِعْرَانَةِ، حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ (^٥).\nقال الحَطَّاب: وَأَفْضَلُ جِهَاتِ الْحِلِّ الْجِعْرَانَةُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ مِنْهَا وَلِبُعْدِهَا، ثُمَّ يَلِيهَا فِي الْفَضْلِ التَّنْعِيمُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ أَنْ تَعْتَمِرَ مِنْهَا (^٦).\nوالراجح: أن جهات الحِل كلها سواء. وأما إحرام النبي ﷺ من الجِعْرَانة، وأَمْره ﷺ لعائشة أن تَعْتَمِر من التنعيم؛ فلأنه أقرب الحِل إليها. فالأفضل للمُحْرِم هو الأيسر.\n* * *\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٦٧)، و«الإنصاف» (٤/ ٥٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٧٨٤)، ومسلم (٢٩٠٨).\n(^٣) «شرح النووي على مسلم» (٨/ ١٥٢).\n(^٤) «المجموع» (٧/ ٢٠٥)، و«الإنصاف» (٤/ ٥٤).\n(^٥) «صحيح البخاري» (٣٠٦٦).\n(^٦) «مواهب الجليل في شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٨).","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-125>الفصل الثالث الإحرام من الميقات:</span>\nوفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: حُكم الإحرام من الميقات لمَن مَرَّ به قاصدًا النُّسك:\nالمبحث الثاني: محاذاة الميقات. وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: الإحرام لركاب الأتوبيسات أو السفن أو الطائرات.\nالمطلب الثاني: هل يمكن اعتبار جدة ميقاتًا مكانيًّا للحُجاج القادمين إليها عن طريق\nالجو أو البر أو البحر؟\nالمطلب الثالث: مَنْ لم يَحمل معه ملابس الإحرام في الطائرة، فماذا يَفعل؟\nالمطلب الرابع: الحيض والنفاس لا يَمنعان إحرام المرأة من الميقات.\nالمبحث الثالث- حُكْم التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية. وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية- جائز\nالمطلب الثاني: مَنْ سَلَك طريقًا ليس فيه ميقات مُعَيَّن، برًّا كان أو بحرًا أو جوًّا،\nفاشتبه عليه ما يحاذي المواقيت، ولم يجد مَنْ يرشده إلى المحاذاة.\nالمبحث الرابع: مجاوزة الميقات. وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: مَنْ تَجاوَز الميقات بغير إحرام، ولم يَرجع للإحرام من الميقات.\nالمطلب الثاني: مَنْ تجاوز الميقات بغير إحرام، ثم رجع إلى الميقات فأحرم منه.\nالمطلب الثالث: مَنْ أَحْرَم بعد الميقات، ثم رجع إلى الميقات، فهل يَسقط عنه الدم؟\nالمطلب الرابع: مَنْ تجاوز الميقات وأَحْرَم بعده، ولم يَرجع لأنه لم يَحمل تصريحًا؟\nالمبحث الخامس: حُكْم الإحرام لمن جاوز الميقات إلى مكة؛ لحاجة غير النسك.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type='title' id=toc-126>المبحث الأول: حُكم الإحرام من الميقات لمَن مَرَّ به قاصدًا النُّسك:</span>\nيجب الإحرام من الميقات لمن مر به قاصدًا النُّسُك، بالسُّنة والإجماع.\nأما السُّنة، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ …».\nوقد وَقَّتَ النبي ﷺ المواقيت، فقال: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ».\nوفائدة التأقيت: المنع من تأخير الإحرام عنها.\nوأما الإجماع، فقد نُقِل الإجماع على تحريم مجاوزة الميقات دون إحرام، إذا كان قاصدًا النُّسك (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-127>المبحث الثاني: محاذاة الميقات، وفيه أربعة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-128>المطلب الأول: الإحرام لركاب الأتوبيسات أو السفن أو الطائرات:</span>\nفمَن سَلَك طريقًا ليس فيه ميقات مُعَيَّن، بَرًّا كان أو بحرًا أو جوًّا، اجتَهد وأحرم إذا حاذى ميقاتًا من المواقيت. وذلك باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-129>المطلب الثاني: هل يمكن اعتبار جدة ميقاتًا مكانيًّا للحُجاج القادمين إليها عن طريق الجو أو البر أو البحر؟</span>\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على أربعة أقوال:\nالقول الأول: أن جدة ليست ميقاتًا مكانيًّا، ولا يَجوز لأحد أن يتجاوز ميقاته ويُحْرِم من جدة. وبه صَدَرَتْ فتوى اللجنة الدائمة، وقرار هيئة كبار العلماء، والمَجْمَع الفقهي (^٣).\n_________\n(^١) «بداية المُجتهِد» (٢/ ٩٠). وقال ابن تيمية: اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْإِحْرَامُ عِنْدَ الْمِيقَاتِ. «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٤٦٠)، وهذا الإجماع منخرم، قال ابن حجر: وَذَهَبَ عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ إِلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ. «فتح الباري» (٣/ ٣٨٧).\n(^٢) «فتح القدير» (٢/ ٤٢٦)، و«مواهب الجليل» (٤/ ٤٦)، و«المجموع» (٧/ ١٩٩)، و«الفروع» (٥/ ٣٠٢).\n(^٣) «فتاوى اللجنة الدائمة» (١١/ ١٢٦)، و«مجلة البحوث الإسلامية» (٣٢/ ٣٢٨).","vol":"1","page":107},{"text":"واستدلوا بدليلين من السُّنة:\nالدليل الأول: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ … وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ».\nدل الحديث على وجوب إحرام مَنْ مَرَّ بهذه المواقيت.\nوعدم جواز تأخير الإحرام إلى جدة من أربعة أوجه:\nالأول: قوله: «وَقَّتَ» معناه أنه لا يَجوز لمن مر بميقات من المواقيت المكانية أو حاذى واحدًا منها، جوًّا كان أو برًّا أو بحرًا- أن يتجاوزها من غير إحرام.\nالثاني: في قوله: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ» أن مَنْ كان دون المواقيت لا يَجوز أن يجاوز مكانه دون إحرام، فكيف بمن هو قبل المواقيت؟!\nالثالث: أن هذه المواقيت محيطة بالحَرَم من جميع الجهات، فدل على أن ذلك يشمل كل مَنْ مر عليها أو حاذاها بَرًّا أو بحرًا أو جوًّا. ولو كان هناك ميقات آخَر لبَيَّنه النبي ﷺ؛ إذ لم يَمُتْ حتى اكتمل الدين وتَمَّتِ النعمة.\nالرابع: أن اللغة والعُرْف يُقِران أن مَنْ مَر بطائرة أو سفينة فهو قد مر بالميقات؛ لأنه لا يخلو أن يُسامته ويحاذيه من الأعلى أو يمر فوقه، ومن المعلوم أن الهواء تابع للقرار.\nالدليل الثاني: ما رواه ابن عُمَر ﵄ قال: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ، أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا. قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ.\nوَجْه الدلالة: «فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ» فهذا يدل على أن المار بالطائرة والسفينة يُحْرِم إذا حاذى الميقات، وجدة ليست ميقاتًا، وليست محاذية لأحد المواقيت (^١).\nالقول الثاني: تُعَد جدة ميقاتًا مكانيًّا لمن وصل إليها بطريق الجو أو البحر، من طريق اليمن خاصة، كأهل الهند وباكستان، فيَجوز لهم تأخير الإحرام حتى يصلوا إليها. وبه قال\n_________\n(^١) ولذا قَرَّر المَجْمَع الفقهي الإسلامي بمكة (ص: ١٨) أن المواقيت التي وَقَّتها النبي ﷺ وأوجب الإحرام منها على أهلها، وعلى مَنْ مر بها من غيرهم، ممن يريد الحج والعمرة- ليس للحُجاج والعُمار الوافدين من طريق الجو والبحر ولا غيرهم أن يُؤخِّروا الإحرام إلى وصولهم إلى جدة؛ لأن جدة ليست من المواقيت التي وَقَّتها رسول الله ﷺ.","vol":"1","page":108},{"text":"ابن حجر الهيتمي، وبعض أهل العلم (^١).\nواستدلوا بالقياس، فالمسافة بين يَلَمْلَم ومكة تساوي المسافة من جدة إلى مكة.\nواعتُرض عليه بأن هذا القياس لا يصح؛ لأن المسافة من مكة إلى يَلَمْلَم أبعد من المسافة التي بين جدة ومكة. ولو صح فليس بدليل؛ لأنه ليس بُعد مسافات جميع المواقيت واحدًا. ولو صح هذا القياس، فلا قياس مع النص، والمواقيت توقيفية (^٢).\nالقول الثالث: أن جدة ميقات مكاني لمن وصل إليها بطريق الجو أو البحر (^٣).\nواستدلوا بأن النبي ﷺ عَيَّن المواقيت المذكورة؛ لأنها كانت طريق الحُجاج القادمين من جهات شتى، ولو كان الرسول ﷺ حيًّا لجَعَل جدة ميقاتًا لكثرة القادمين إليها.\nونوقش بأن هذه المواقيت محيطة بالحَرَم، وكان الناس في عهده ﷺ يَسلكون طريق البحر بالسفن، فدل على أن ذلك يشمل كل مَنْ مر بها أو حاذاها، بَرًّا كان أو بحرًا أو جوًّا. ولو كان هناك ميقات آخَر كجدة، لبَيَّنه النبي ﷺ إذ لم يَمُت حتى اكتمل الدين.\nواستدلوا بأن عمر ﵁ لما رأى مشقة ذَهاب أهل العراق إلى قَرْن المنازل، حَدَّد (ذات عِرق) وكذلك الآن، لو رأى عمر جدة وقد صارت طريقًا لركاب الجو والبحر، لجَعَلها ميقاتًا مكانيًّا.\nواعتُرض عليه بأن عمر ﵁ لم يُحْدِث ميقاتًا جديدًا، بل إن قوله بيان للمحاذاة ولذا قال: «انظروا حذوها من طريقكم. فحَدَّ لهم ذات عِرق» وهذا يدل على أنه لا يَجوز لمن حاذى ميقاتًا - جوًّا أو برًّا أو بحرًا- أن يتجاوزه من غير إحرام.\nثم ما المشقة في الاستعداد للإحرام قبل الإقلاع، بلُبس الإحرام قبل ركوب الطائرة في المطار، مع ما حصل في عصرنا من ضبط دقيق لأماكن المواقيت ومواضع محاذاتها،\n_________\n(^١) «تحفة المحتاج» (٤/ ٤٥)، و«إعانة الطالبين» (٢/ ٥٠٥).\n(^٢) وجاء في «فتاوى اللجنة الدائمة» (١١/ ١٢٦): أما جدة فهي ميقات لأهل جدة وللمقيمين بها، إذا أرادوا حجًّا أو عمرة. وأما جَعْل جدة ميقاتًا بدلًا من يَلَمْلَم، فلا أصل له، فمَن مر على يلملم وتَرَك الإحرام منه، وأَحْرَم من جدة، وجب عليه دم.\n(^٣) ومِن أَشْهَر مَنْ قال بهذا القول: ابن عاشور من تونس، ومصطفى الزرقا، وعبد الله بن زيد آل محمود، وعبد الله الأنصاري، وعدنان عرعور. «النوازل في الحج» (ص: ١٢٤).","vol":"1","page":109},{"text":"والإعلان عنها بمكبرات الصوت، فيَسمعها كل حاج، فيقول عند ذلك: لبيك حجًّا.\nالقول الرابع: إن كان القادم إلى جدة جوًّا أو بحرًا لا يمر بميقات قبلها ولا يحاذيه، جاز له أن يُحْرِم من جدة، كالقادم من سواكن وبُور سودان من بلاد السودان. وهو قول بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وابن باز (^١).\nوالراجح: هو ما ذهب إليه جماهير العلماء، من أن جدة ليست ميقاتًا مكانيًّا، ولا يَجوز لمن مر بميقات من المواقيت المكانية أو حاذى واحدًا منها، جوًّا أو برًّا أو بحرًا- أن يتجاوزه من غير إحرام، كما تَشهد لذلك الأدلة، وكما قرره أهل العلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-130>المطلب الثالث: مَنْ لم يَحمل معه ملابس الإحرام في الطائرة، فليس له أن يؤخر إحرامه إلى جدة،</span> بل الواجب عليه أن يُحْرِم من الميقات في قميصه الذي عليه، أو يُحْرِم في السراويل، وعليه كشف رأسه. فإذا وصل إلى جدة اشترى إحرامًا ولَبِسه، وعليه بسبب لُبسه القميص كفارة، وهي إطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام أو ذَبْح شاة. وهذا قرار المَجْمَع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي (^٢).\n<span data-type='title' id=toc-131>المطلب الرابع: الحيض والنفاس لا يَمنعان إحرام المرأة من الميقات:</span>\nلا يَجوز للنُّفَسَاء التي تريد الحج أو العمرة مجاوزة الميقات بلا إحرام، فتُحْرِم بالحج والعمرة من الميقات، وتَفعل ما تفعله الطاهرات، سوى الطواف. وذلك بالسُّنة والإجماع.\nقال جابر: «فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي» (^٣).\nقال ابن رجب: وَفِيهِ صِحَّةُ إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ وَالْحَائِضِ، وَاسْتِحْبَابُ اغْتِسَالِهِمَا لِلْإِحْرَامِ،\n_________\n(^١) «حاشية ابن حجر على الإيضاح» (ص: ١٤١)، و«إعانة الطالبين» (٢/ ٢٠٤)، و«شرح منتهى الإرادات» (٢/ ٩)، و«فتاوى ابن باز» (١٧/ ٣٥). وفي «فتاوى ابن عثيمين» (٢١/ ٢٨٢) وقال: … ولكن في بعض الجهات السودانية إذا اتجهوا إلى الحجاز لا يحاذون المواقيت، إلا بعد نزولهم في جدة، بمعنى أنهم يَدخلون إلى جدة قبل محاذاة المواقيت، مثل أهل سواكن، فهؤلاء يُحْرِمون من جدة.\n(^٢) «مجلة البحوث الإسلامية» (٣٢/ ٣٣٢).\n(^٣) رواه مسلم (١٢١٨).\nو(الاستثفار): معناه أنها تَشُد على فرجها خرقة وتربطها. وهي ما يطلق عليه (حافظة) في الصيدلية.","vol":"1","page":110},{"text":"وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-132>المبحث الثالث: حُكْم التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية،</span>\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type='title' id=toc-133>المطلب الأول: التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية جائز بالإجماع </span>(^٢).\nوذهب المالكية والحنابلة إلى أنه جائز مع الكراهة (^٣).\nواستدلوا للكراهة بالسُّنة والمأثور والمعقول:\nأما السُّنة، فإن النبي ﷺ أحرم من الميقات، ولم يُحْرِم من دويرة أهله، وقد تَرَك النبي ﷺ الإحرام من مسجده، مع كمال شرفه ومضاعفة الصلاة فيه، ولا يَفعل ﷺ إلا الأفضل (^٤).\nوأما المأثور، فإنكار عمر وعثمان ﵄ الإحرام قبل المواقيت.\nفَعَنِ الحَسَنِ، أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَحْرَمَ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَقَدِمَ عَلَى عُمَرَ، فَأَغْلَظَ لَهُ وَقَالَ: يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ؟! (^٥).\nوَعَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ ابْنَ عَامِرٍ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيهِ عُثْمَانُ (^٦).\nوأما المعقول، فلعدم أمنه من محظور، وأن يَتعرض لِما لا يُؤْمَن أن يَحْدُث في إحرامه.\n_________\n(^١) «فتح الباري» (١/ ٤٩٠).\nنَقَل الإجماع على ذلك: ابن عبد البر في «التمهيد» (١٩/ ٣١٥)، والنووي كما في «شرح مسلم» (٨/ ١٣٣).\n(^٢) قال ابن المنذر: أجمعوا على أن مَنْ أَحْرَم قبل الميقات أنه مُحْرِم. (ص: ٥١)، ونَقَله المرغيناني في «الهداية» (١/ ١٣٦).\nوقد ورد عن داود أنه قال: لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ المِيقَاتِ، لَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَرْجِعَ وَيُحْرِمَ مِنَ الْمِيقَاتِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ. «المجموع» (٧/ ٢٠٠).\n(^٣) «التمهيد» (١٥/ ١٤٣)، و«الفروع» (٥/ ٣١٤).\n(^٤) «شرح النووي على مسلم» (٨/ ٩٢).\n(^٥) ضعيف لانقطاعه بين الحسن وعمران: رواه ابن أبي شيبة (١٣١٢٤).\n(^٦) ضعيف: رواه ابن أبي شيبة (١٣١٢٠) وهذا الإسناد ضعيف للانقطاع بين الحسن وعثمان. وفي «مصباح الزجاجة» (٤/ ١٢٤): هذا إسنادٌ رجاله ثقات، وهو منقطع؛ الحَسَن لم يَسمع من عثمان شيئًا.","vol":"1","page":111},{"text":"وفيه مشقة، كوصال الصوم، ويُكْرَه أن يُضَيِّق المرءُ على نفسه ما قد وَسَّع الله عليه.\nفالحاصل: أن التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية لا يخلو من حالين:\nالأول: إن لم يَعْرِف حَذْو الميقات المُقارِب لطريقه احتاط، فأَحْرَم مِنْ بُعْد، بحيث يَتيقن أنه لم يُجاوِز الميقات إلا مُحْرِمًا؛ لأن الإحرام قبل الميقات جائز، وتأخيره عنه لا يَجوز، فالاحتياط فِعْلُ ما لا شك فيه. فإن كان في الطائرة ويَعسر عليه محاذاة الميقات، فيَجوز له التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية.\nالثاني: إن كان لا يَعسر عليه محاذاة الميقات، ويستطيع أن يَنزل فيُحْرِم من مسجد الميقات، أو يُحْرِم في محاذاة الميقات؛ كُرِه له التقدم بالإحرام قبل الميقات.\n\n<span data-type='title' id=toc-134>المطلب الثاني: مَنْ سَلَك طريقًا ليس فيه ميقات مُعيَّن،</span> برًّا كان أو بحرًا أو جوًّا، فاشتبه عليه ما يحاذي المواقيت، ولم يجد مَنْ يرشده إلى المحاذاة؛ وجب عليه أن يحتاط ويُحْرِم قبل ذلك بوقت يَغلب على ظنه أنه أَحْرَم فيه قبل المحاذاة. وليس له أن يؤخر الإحرام؛ فالإحرام قبل الميقات جائز ومنعقد، ولا سيما إذا خاف مِنْ تجاوز الميقات. وبهذا صَدَر قرار مَجْمَع الفقه الإسلامي (^١).\n<span data-type='title' id=toc-135>المبحث الرابع: مجاوزة الميقات، وفيه أربعة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-136>المطلب الأول: مَنْ تَجاوَز الميقات بغير إحرام، ولم يرجع للإحرام من الميقات:</span>\nاتفقت المذاهب الفقهية الأربعة على أن مَنْ كان مريدًا لنسك الحج أو العمرة، وتَجاوَز الميقات بغير إحرام، فإنه يجب العَوْد إليه والإحرام منه، فإن لم يرجع أَثِم ووجب عليه الدم، وحجه صحيح (^٢).\nواستدلوا لوجوب الإحرام من الميقات، والإثم بتعمد تركه بما رواه ابن عباس قال: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ … هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ».\nوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟\n_________\n(^١) «مجلة مَجْمَع الفقه الإسلامي» (العدد الثالث) و«مجموع فتاوى ابن باز» (١٧/ ٢٤).\n(^٢) «الحاوي» (٤/ ٧٣)، و«شرح مسلم» (٨/ ٨٢).","vol":"1","page":112},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ» (^١).\nفهذه الألفاظ تفيد وجوب الإحرام من هذه المواقيت، لمن مر عليها مريدًا النسك.\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ تَرَكَهُ، فَلْيُهْرِقْ دَمًا (^٢).\nوأن مَنْ ترك الإحرام من الميقات، فقد تَرَك شيئًا مِنْ نُسكه، فيَلزمه دم.\nقال ابن عبد البر: في هذه المسألة أقاويل:\nأَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْمِيقَاتَ. هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ.\nوَقَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمِيقَاتِ إِذَا تَرَكَهُ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، فَلَا حَجَّ لَهُ. هَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.\nوَقَوْلٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمِيقَاتِ كُلُّ مَنْ تَرَكَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى تَمَّ حَجُّهُ، رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ وَأَهَلَّ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ. رُوِيَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.\nفَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ الثَّلَاثَةُ شُذُوذٌ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ؛ لِأَنَّهَا لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْآثَارِ، وَلَا تَصِحُّ فِي النَّظَرِ (^٣).\nوالراجح: ما اتَّفق الأئمة الأربعة عليه، أن مَنْ تجاوز الميقات دون إحرام، ممن يريد النسك، فأَحْرَم من موضعه، ولم يَرجع إلى الميقات، أن حجه صحيح، وعليه دم.\nوبه قال ابن عباس ﵄، ولا يُعْلَم له مُخالِف من الصحابة. وقد تَلَقَّى الأئمة قول ابن عباس بالقَبول، وله أصل في الشريعة، حيث أُلْزِمَ المُحصَر بالدم، وأُلْزِمَ مرتكب المحظور بالفدية، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].\n_________\n(^١) البخاري (١٣٣) واللفظ له، ومسلم (١١٨٢).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه مالك (١٢٥٧) عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّ ابْنِ عَبَّاسٍ، به.\n(^٣) «التمهيد» (١٥/ ١٤٩). وقال ابن حجر: وَذَهَبَ عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ إِلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ. وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ: لَا يَصِحُّ حَجُّهُ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَوْ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالنُّسُكِ، سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ. «فتح الباري» (٣/ ٣٨٧).","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-137>المطلب الثاني: مَنْ تجاوز الميقات بغير إحرام، ثم رجع إلى الميقات فأحرم منه:</span>\nأجمعوا على أن مَنْ تجاوز الميقات بغير إحرام، ثم رجع إلى الميقات فأَحْرَم منه، فحجه صحيح ولا دم عليه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-138>المطلب الثالث: مَنْ أَحْرَم بعد الميقات، ثم رجع إلى الميقات، فهل يَسقط عنه الدم؟</span>\nإِنْ تَجاوَز الميقات ثم عَقَد النية والإحرام بعد مجاوزته، فهل رجوعه للميقات بعد ذلك يُسْقِط عنه الفدية أم لا؟\nاختلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أن مَنْ أَحْرَم بعد الميقات، ثم رجع إليه؛ فإنه لا يَسقط عنه الدم، وأن الفدية تَلزمه؛ لأنه رجع بعدما استقر الدم في ذمته. وبه قال زُفَر من الحنفية، والمالكية، وهو وجه عند الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بحديث ابن عباس قال: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ» فهذا يدل على أنه يجب ابتداء الإحرام من الميقات، فإذا تجاوزه وأَحْرَم بعده فقد هَتَك حرمة الميقات، فوجب عليه الدم.\nالقول الثاني: أن مَنْ تجاوز الميقات وأَحْرَم بعده، ثم رجع إلى الميقات بعد الإحرام، سقط عنه الدم؛ لأنه رجع إلى الميقات وأَحْرَم منه وهو الواجب، قبل التلبس بأفعال الحج، فلا يَلزمه دم. وبه قال صاحبا أبي حنيفة، وهو الصحيح عند الشافعية، ورواية عن أحمد (^٣).\n_________\n(^١) وقد نَقَل الإجماع على ذلك: الكاساني في «بدائع الصنائع» (٢/ ١٦٥)، والماوردي في «الحاوي» (٤/ ٧٢)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٦٩).\n(^٢) «فتح القدير» (٣/ ٣٩)، و«مواهب الجليل» (٤/ ٥٨)، و«الوسيط» (٢/ ٦١٠)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٨٧).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٦٥)، و«المجموع» (٧/ ١٨٢)، و«الإنصاف» (٣/ ٤٢٩).\nوذهب أبو حنيفة إلى أن مَنْ رجع إلى الميقات فأَحْرَم ولبى، سَقَط عنه الدم، وإلا فلا.\nواستَدل الحنفية لذلك بأنه: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي جَاوَزْتُ الْمِيقَاتَ مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ! فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى الْمِيقَاتِ وَلَبِّ، وَإِلَّا فَلَا حَجَّ لَكَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ أَحَدٌ إِلَّا مُحْرِمًا» فأوجب عليه الرجوع للإحرام مع التلبية من الميقات.\nولكنه حديث منكر، ولم أقف على لفظة: (ارْجِعْ إِلَى الْمِيقَاتِ وَلَبِّ، وَإِلَّا فَلَا حَجَّ لَكَ) مُسنَدة، فقد ذَكَره السرخسي في «المبسوط» (٤/ ١٦٧)، والكاساني في بدائع الصنائع» (٢/ ١٦٥).\nوقد ورد عن سعيد بن جُبَيْر مرسلًا، عن رسول الله ﷺ. أخرجه ابن أبي شيبة (١٥٧٠٢) بلفظ: «لَا يُجَاوِزُ أَحَدٌ الْوَقْتَ إِلَّا مُحْرِمٌ». وفي إسناده خُصَيْف الجَزَري، وهو ضعيف.","vol":"1","page":114},{"text":"والراجح: أن مَنْ أَحْرَم بعد الميقات، ثم رجع إلاه؛ فإنه لا يَسقط عنه الدم، وأن الفدية تَلزمه؛ لأنه رجع بعدما استقر الدم في ذمته؛ لأنه يجب ابتداء الإحرام من الميقات، فإذا تجاوزه وأَحْرَم بعده فقد هَتَك حرمة الميقات، فوجب عليه الدم. وهذا لا يمكنه تداركه بالرجوع؛ لأنه قد حَصَل الإحرام، فلا يَقدر على حَله بعد عَقْده، وأن الدم ثَبَت عليه وإن رجع إلى الميقات، كمَن لَبِس المَخيط وهو مُحْرِم، فلا تَسقط عنه الفدية بنزعه.\n\n<span data-type='title' id=toc-139>المطلب الرابع: مَنْ تجاوز الميقات وأَحْرَم بعده، ولم يَرجع لأنه لم يَحمل تصريحًا:</span>\nذهب جماهير العلماء إلى أن مَنْ تجاوز الميقات وأَحْرَم بعده، فإن إحرامه صحيح ويَلزمه دم.\nيَعْمِد بعض الحُجاج إلى لُبس المَخيط عند إحرامهم من الميقات؛ لعدم حَمْلهم التصريح الخاص بالحج، ويَظن بعضهم أن الإحرام هو لباس الإحرام؛ لعدم تفريقهم بين لبس ملابس الإحرام وعَقْد النية بالإحرام.\nفإذا تَجاوَز الميقات وأَحْرَم بعده، فإن إحرامه صحيح ويَلزمه دم؛ لأنه تَرَك واجبًا من واجبات الحج، وهو الإحرام من الميقات. والصحيح أن يَنوي عند محاذاة الميقات، ولو كان لابسًا المَخيط، فإذا قال في الميقات: (لبيك حجًّا، وإِنْ حَبَسني حابس فمَحِلي حيث حَبَسْتَني) فقد أَحْرَم من الميقات، ويُخيَّر بين ثلاثة أمور: إطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام، أو ذَبْح نَسيكة. لأنه تَلبَّس بارتكاب محظور، وهو لُبس المَخيط.\n\n<span data-type='title' id=toc-140>المبحث الخامس: حُكْم الإحرام لمن جاوز الميقات إلى مكة لحاجة غير النسك:</span>\nإذا جاوز الميقاتَ غير مريد للنسك، فله ثلاث حالات:\nالأولى: إذا جاوز الميقات غير مريد نسكًا ثم أراده:\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أن مَنْ جاوز الميقاتَ غير مريد للنسك، ثم أراده، فإنه يُحْرِم من موضعه.","vol":"1","page":115},{"text":"وبه قال الحنفية والمالكية، والمشهور عن الشافعية، ورواية عند الحنابلة (^١).\nواستدلوا بأن الإحرام يكون من المكان الذي طرأ له فيه قصد النسك؛ لقول النبي ﷺ في حديث المواقيت: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ» وهذا أنشأ النية من دون المواقيت، فميقاته من حيث أنشأ (^٢).\nوَعَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَحْرَمَ مِنَ الْفُرُعِ (^٣) و(الفُرُع) بلد بين ذي الحُليفة وبين مكة، فتكون دون ميقات المدني، وابن عمر ﵄ مدني. وتأويله أنه خرج من المدينة إلى الفُرُع لحاجة، ولم يَقصد مكة، ثم أراد النسك، فكان ميقاته مكانه.\nالقول الآخَر: أنه يَلزمه الرجوع إلى منزله. وهو قول للشافعية ورواية عند الحنابلة.\nوالراجح: أنه يُحْرِم من حيث طرأت له نية الإحرام، ولا يَلزمه الرجوع إلى محله.\nالحالة الثانية: المرور بالميقات لدخول مكة لحاجة متكررة غير النسك، فلا يَلزمه الإحرام بالإجماع (^٤).\nالحالة الثالثة: المرور من الميقات لدخول مكة من غير قصد النسك، وليس ممن يتكرر دخوله:\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: مَنْ جاوز الميقات ممن لا يجب عليه النسك بقصد دخول مكة لحاجة لا تتكرر، فإنه لا يجب عليه الإحرام. وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (^٥).\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٦٦)، و«مواهب الجليل» (٣/ ٤٢)، و«المجموع» (٧/ ٢٠٣)، و«المغني» (٥/ ٧١).\n(^٢) وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ سَافَرَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلنُّسُكِ، فَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ النُّسُكُ- أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ حَيْثُ تَجَدَّدَ لَهُ الْقَصْدُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ للْمِيقَاتِ؛ لِقَوْلِهِ: «فَمِنْ حَيْثُ أنشأ» «الفتح» (٣/ ٣٨٦).\n(^٣) إسناده صحيح: رواه مالك في «الموطأ» (٣٨٢)، (١١٨٨) عن نافع، به.\n(^٤) قال ابن عبد البر: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي الْحَطَّابِينَ، وَمَنْ يُدْمِنُ الِاخْتِلَافَ إِلَى مَكَّةَ وَيُكْثِرُهُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ- أَنَّهُمْ لَا يُؤْمَرُونَ بِذَلِكَ؛ لِمَا عَلَيْهِمْ فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ. وَلَوْ أُلْزِمُوا الْإِحْرَامَ لَكَانَ عَلَيْهِمْ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ رُبَّمَا عُمَرٌ كَثِيرَةٌ. «التمهيد» (٦/ ١٦٤).\n(^٥) «المجموع» (٧/ ١١)، و«المغني» (٥/ ٧٢)، و«المُحَلَّى» (٧/ ٦٤).","vol":"1","page":116},{"text":"واستدلوا بالسُّنة والمأثور:\nأما السُّنة، فاستدلوا بما رواه ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال في شأن المواقيت: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ».\nقوله ﷺ: «مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ» مفهومه يدل على أن مَنْ لم يُرِد الحج أو العمرة يَجوز له أن يتجاوز الميقات بغير إحرام، ولو وجب بمجرد الدخول لَمَا عَلَّقه على الإرادة.\nوَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ (^١).\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح حلالًا غير مُحْرِم، وكذا أصحابه؛ لأنه لم يُرِد النسك، فدل على عدم لزوم الإحرام لمن دخل مكة.\nوأما المأثور، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِقَدِيدٍ بَلَغَهُ أَنَّ جَيْشًا مِنْ جُيُوشِ الْفِتْنَةِ دَخَلُوا الْمَدِينَةَ، فَكَرِهَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ، فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فَدَخَلَهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ (^٢).\nالقول الثاني: عدم جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لا يَقصد النسك، وليس ممن يتكرر دخوله. وبه قال المالكية، والحنابلة في المشهور عنهم (^٣).\nالقول الثالث: أنه لا يَجوز للآفاقي دخول مكة بلا إحرام، ويَجوز لمن كان دون المواقيت. وبه قال الحنفية (^٤).\nوالراجح: جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لا يَقصد النسك؛ لعموم قول النبي ﷺ: «مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ» مِمَّا يَدُلُّ على أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْإِحْرَامُ إلَّا مَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ لِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ. وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالِاتِّفَاقِ أَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إنَّمَا تَجِب مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَى كُلِّ مَنْ دَخَلَهَا أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ، لَوَجَبَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٥٨).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٥٢٦) من طريق عُبَيْد الله بن عُمَر، عن نافعٍ، عن ابن عمر.\n(^٣) «التمهيد» (٦/ ١٦٣)، و«المغني» (٥/ ٧١).\n(^٤) «المبسوط» (٤/ ٥١٨)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ١٦٤).\n(^٥) «سُبُل السلام» (١/ ٦١٢).","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-141>الحاصل في باب مواقيت الحج الزمانية والمكانية</span>\nالفصل الأول: مواقيت الحج الزمانية، وفيه تمهيد ومبحثان.\nالتمهيد: تعريف المواقيت، هي مواضع وأزمنة مُعيَّنة لعبادة مخصوصة.\nالمبحث الأول:. لابد أن يُفَرَّق بين أمرين في أشهر الحج:\nالأول: أنه لا يمكن الإحرام بالحج بعد فجر يوم النحر، بالإجماع.\nالثاني: أن أشهر الحج هي شَوَّال وذو القعدة وذو الحجة بكماله؛ لعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] فعموم هذا اللفظ يَشمل الأشهر الثلاثة.\nالمبحث الثاني: حُكْم الإحرام قبل أشهر الحج:\nلا يَنعقد الإحرام بالحج قبل أَشهُره. فإِنْ أَحْرَم بالحج انعقد إحرامه عُمْرَة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وقياس وقت الحج على وقت الصلاة، فكما أنها لا تجزئ قبل وقتها، فكذا الحج.\nالفصل الثاني: المواقيت المكانية:\nأصناف الناس باعتبار موضع الإحرام ثلاثة:\nالصنف الأول: مواقيت الآفاقي. والآفاقي: هو مَنْ كان منزله خارج منطقة المواقيت.\nالميقات الأول: ذو الحُليفة، ويُسَمَّى الآن (أبيار علي) وهو ميقات أهل المدينة ومَن مر بها من غير أهلها. وبينه وبين مكة (٤٢٠) كيلو مترًا تقريبًا.\nالميقات الثاني: الجُحْفة، وبها مسجد (ميقات الجُحفة) بَنَتْه الحكومة السعودية عام (١٤٠٦ هـ) ويقع بين مدينتي ينبع وجدة. ويَبعد عن المسجد الحرام (١٨٧) كيلو مترًا.\nالميقات الثالث: قَرْن المنازل، وهو أقرب المواقيت إلى مكة، ويُحْرِم الناس من مسجد ميقات السيل، وبينه وبين مكة (٧٨) كيلو مترًا تقريبًا، وهو ميقات لأهل الطائف.\nالميقات الرابع: وهناك مسجدان لميقات يلملم:\nالأول: مسجد للميقات بالسعدية، وتَبعد عن مكة المكرمة (٩٢) كيلو مترًا.\nالثاني: لما سَفلتت الحكومة الطريق الجديد بين مكة وجازان، وَضَعَتْ مكانًا للإحرام","vol":"1","page":118},{"text":"من الطريق الجديد. وبينه وبين المسجد الحرام (١٣٠) كيلو مترًا تقريبًا.\nالميقات الخامس: ذات عِرْق، وهو المُسَمَّى الآن (الضريبة) وهو ميقات أهل العراق وسائر أهل المشرق. ويَبعد عن مكة المكرمة نحو (١٠٠) كيلو متر تقريبًا. وقد خربت.\nوعُمَر ﵁ هو الذي وَقَّت ذات عِرْق لأهل العراق.\nالمرور بميقاتين، لا يَجوز لمريد النسك أن يتجاوز أول ميقات يمر به إلى ميقات آخَر؛ لعموم قول النبي ﷺ: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ».\nالصنف الثاني: الميقاتي، وهو مَنْ كان بين المواقيت والحَرَم من أهل الحِل، كأهل جَدة، فإن ميقاته من منزله، عند عامة أهل العلم، فإن جاوزه أَثِم ووجب عليه الدم.\nالصنف الثالث: المكي: ميقات المكي للعمرة هو الحِل.\nالفصل الثالث: الإحرام من الميقات، وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: يجب الإحرام من الميقات لمن مر منه قاصدًا أحد النُّسكين.\nالمبحث الثاني: محاذاة الميقات، وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: الإحرام لركاب الأتوبيسات أو السفن أو الطائرات، فمَن سَلَك طريقًا ليس فيه ميقات مُعيَّن، بَرًّا كان أو جوًّا، اجتهد وأَحْرَم إذا حاذى ميقاتًا من المواقيت.\nالمطلب الثاني: جدة ليست ميقاتًا مكانيًّا، ولا يَجوز لمن مر بميقات من المواقيت أو حاذى واحدًا منها، جوًّا كان أو برًّا أو بحرًا- أن يتجاوزها من غير إحرام، ويُحْرِم من جدة.\nالمطلب الثالث: مَنْ لم يَحمل معه ملابس الإحرام في الطائرة، فالواجب عليه أن يُحْرِم من الميقات في قميصه الذي عليه، أو يُحْرِم في السراويل، وعليه كشف رأسه. فإذا وصل إلى جدة اشترى إحرامًا ولَبِسه. وعليه عن لبسه القميص كفارة، وهي إطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام، أو ذَبْح شاة.\nالمطلب الرابع: لا يَجوز للمرأة الحائض أو النُّفَسَاء مجاوزة الميقات بلا إحرام،","vol":"1","page":119},{"text":"فتُحْرِم بالحج أو العمرة من الميقات، وتفعل ما تفعله الطاهرات سوى الطواف.\nالمبحث الثالث: التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية\nلا يخلو من حالين:\nالأول: إن لم يَعْرِف حَذْو الميقات المُقارِب لطريقه، احتاط. فإن كان في الطائرة ويَعسر عليه محاذاة الميقات، فيَجوز له التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية.\nالثاني: إن كان لا يَعسر عليه محاذاة الميقات، ويستطيع أن يَنزل فيُحْرِم من مسجد الميقات، أو يُحْرِم في محاذاة الميقات؛ يُكْرَه له التقدم بالإحرام قبل الميقات.\nالمبحث الرابع: مجاوزة الميقات، وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: مَنْ كان مريدًا لنسك الحج، وتَجاوَز الميقات بغير إحرام، فإنه يجب عليه العَوْد إليه والإحرام منه، فإن لم يرجع أَثِم ووجب عليه الدم، وحَجُّه صحيح.\nالمطلب الثاني: أجمعوا على أن مَنْ تجاوز الميقات بغير إحرام، ثم رجع إلى الميقات فأَحْرَم منه، أن حجه صحيح ولا دم عليه.\nالمطلب الثالث: مَنْ أَحْرَم بعد الميقات، ثم رجع إليه، لا يَسقط عنه الدم؛ لأنه رجع بعدما استقر الدم في ذمته. كمَن لَبِس المَخيط وهو مُحْرِم، فلا تَسقط عنه الفدية بنزعه.\nالمطلب الرابع: مَنْ تجاوز الميقات وأحرم بعده ولم يرجع؛ لأنه لم يَحمل تصريحًا: الصحيح أنه يَنوي عند محاذاة الميقات، ولو كان لابسًا المَخيط، فإذا قال في الميقات: (لبيك حجًّا، وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستَني) فقد أَحْرَم من الميقات، ويُخَيَّر بين ثلاثة أمور: الإطعام أو الصيام أو ذَبْح نَسيكة؛ لأنه تَلبَّس بارتكاب محظور، وهو لُبس المَخيط.\nفإذا تَجاوَز الميقات وأَحْرَم بعده، فإن إحرامه صحيح ويَلزمه دم؛ لأنه تَرَك واجبًا من واجبات الحج، وهو الإحرام من الميقات.","vol":"1","page":120},{"text":"المبحث الخامس: حُكْم الإحرام لمن جاوز الميقات إلى مكة لحاجة غير النسك:\nإذا جاوز الميقات غير مريد للنسك، فله ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: إذا جاوز الميقات غير مريدٍ نسكًا ثم أراده، فإنه يُحْرِم من موضعه.\nالحالة الثانية: المرور بالميقات لدخول مكة لحاجة متكررة غير النسك، فلا يَلزمه الإحرام بالإجماع.\nالحالة الثالثة: المرور من الميقات لدخول مكة لحاجة غير النسك، وليس ممن يتكرر دخوله، فلا يَلزمه الإحرام.\n* * *","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-142>الباب الخامس أنواع الأنساك الثلاثة</span>\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: الأنساك الثلاثة.\nالفصل الثاني: الإفراد والقِران في الحج.\nالفصل الثالث: التمتع في الحج.\nالفصل الرابع: الاشتراط في الحج والعمرة.","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-143>الفصل الأول الأنساك الثلاثة</span>\nوفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: أنواع الأنساك الثلاثة.\nالمبحث الثاني: جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة.\nالمبحث الثالث: ما نوع النسك الذي أَهَل به النبي ﷺ؟\nالمبحث الرابع: أفضل الأنساك.\nالمبحث الخامس: تعيين أحد الأنساك.\nالمبحث السادس: الإحرام المُبْهَم.\nالمبحث السابع: مَنْ لَبَّى بغير ما نوى.\nالمبحث الثامن: نسيان ما أَحْرَم به.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-144>المبحث الأول: أنساك الحج ثلاثة:</span>\nالأول: الإفراد: وهو أن يُحْرِم بالحج مُفْرَدًا وحده، بأن يقول: (لبيك حجًّا).\nالثاني: القِران: وهو أن يُحْرِم بالعمرة والحج معًا في نسك واحد، فيقول: (لبيك عمرة وحجًّا)، أو يُحْرِم بالعمرة ثم يُدْخِل عليها الحج قبل الطواف.\nالثالث: التمتع: وهو أن يُحْرِم بالعمرة مُفْرَدة في أَشْهُر الحج، أي: في شَوَّال، وذي القعدة، وذي الحجة، فيقول: (لبيك عُمْرة) ثم يحل منها، ثم يُحْرِم بالحج من عامه.\n\n<span data-type='title' id=toc-145>المبحث الثاني: جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة:</span>\nنُقِل الإجماع على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة (^١).\nولكن هذا الإجماع منخرم، فقد اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: جواز الأنساك الثلاثة: الإفراد، والقِران، والتمتع.\nواستدلوا بالسُّنة: فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ» (^٢).\nفهذا صريح في جواز الأنساك الثلاثة: الإفراد، والقِران، والتمتع.\nالقول الثاني: أن مَنْ لم يَسُق الهَدْي فليس بمُخيَّر بين الأنساك الثلاثة، بل يتعين عليه أن يحج متمتعًا. وقد ورد هذا القول عن ابن عباس، وأهل الظاهر، وابن القيم.\nالقول الثالث: جواز الإفراد والقِران دون التمتع. وبه قال أبو بكر وعمر وعثمان.\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور:\nأما السُّنة، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «كَانَتِ الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَاصَّةً» (^٣).\n_________\n(^١) قال الماوردي: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ مِنْ ذَلِكَ. «الحاوي» (٤/ ٤٤). ونَقَل أيضًا الإجماع: النووي في «شرح مسلم» (٨/ ١٣٤)، والبغوي في «شرح السُّنة» (٧/ ٧٤)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٨٢)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٨/ ٢٠٥).\n(^٢) رواه البخاري (٤٤٠٨)، ومسلم (١٢١١). وفي رواية عند مسلم: «قَالَتْ: مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، وَمِنَّا مَنْ قَرَنَ، وَمِنَّا مَنْ تَمَتَّعَ».\n(^٣) مسلم (١٢٢٤).","vol":"1","page":124},{"text":"ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: ما ورد عن عِمران قال: «أُنْزِلَتْ آيَةُ المُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يُنْزَلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ» (^١).\nوالثاني: ما قاله ابن قُدامة: وَقَدْ خَالَفَ أَبَا ذَرٍّ: عَلِيٌّ، وَسَعْدٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ (^٢).\nوأما المأثور، فقد ورد النهي عن متعة الحج عن أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية (^٣).\nونوقش هذا من وجهين:\nأَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا نَهَيَا عَنْهُ تَنْزِيهًا، وَحَمْلًا لِلنَّاسِ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَهُمَا.\nوَالثَّانِي: أَنَّهُمَا كَانَا يَنْهَيَانِ عَنِ التَّمَتُّعِ الَّذِي فَعَلَتْهُ الصَّحَابَةُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ فَسْخُ الحَجِّ إِلَى العُمْرَةِ (^٤).\nوالراجح: جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة؛ لدلالة السُّنة على ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-146>المبحث الثالث: ما نوع النسك الذي أَهَل به النبي ﷺ</span>-؟\nاختَلف أهل العلم في نوع النُّسك الذي أَهَل به النبي ﷺ، على أربعة أقوال:\nالقول الأول: النُّسك الذي أَحْرَم به النبي ﷺ هو القِران. وبه قال الحنفية وأحمد (^٥).\nروى مسلم عَنْ أَنَسٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» (^٦).\nورَوَى البخاري: عن عُمَر ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِوَادِي العَقِيقِ يَقُولُ: «أَتَانِي\n_________\n(^١) البخاري (٤٥١٨)، ومسلم (١٢٢٦).\n(^٢) «المغني» (٥/ ٨٩).\n(^٣) فقد ورد النهي عن متعة الحج عن أبي بكر، كما عند أحمد (٢٢٧٧) وعن عمر عند البخاري (١٧٢٤)، ومسلم (٣٠٢٥)، وعن عثمان عند البخاري (١٥٦٣)، ومسلم (٢٩٦٢) وعن عبد الله بن الزبير عند مسلم (٣٠٠٥)، وعن معاوية عند النَّسَائي (٢٧٣٨).\n(^٤) «المجموع» (٧/ ١٥١).\n(^٥) «شرح معاني الآثار» (٢/ ١٦٠)، و«المغني» (٥/ ٨٦). قال أحمد: لا أشك أن النبي ﷺ كان قارنًا.\n(^٦) مسلم (١٢٤٦، ١٢٤٧).","vol":"1","page":125},{"text":"اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» (^١).\nوالأحاديث التي تدل على أن رسول الله ﷺ حج قارنًا- متوافرة.\nالقول الثاني: ذهب مالك والشافعي في أحد قوليه إلى أن النبي ﷺ حج مُفْرِدًا (^٢).\nففي «الصحيحين»: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالحَجِّ (^٣).\nوروى مسلم: عَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ (^٤).\nونوقش هذا الاستدلال بأن الصحابة الذين رَوَوْا أن النبي ﷺ حج مُفْرِدًا- وهم أربعة: عائشة وابن عمر وابن عباس وجابر- قد اختُلف عليهم، فهؤلاء الأربعة رَوَوْا أن النبي ﷺ حج قارنًا، فإذا أسقطنا روايتهم فقد رَوَى غيرهم من الصحابة كعمر وأنس وعمران وغيرهم أن رسول الله ﷺ حج قارنًا.\nوقولهم: «أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالحَجِّ» لا يَمنع أن يكون أَهَل معه بعمرة، فإنه لا يَلزم من إهلاله بالحج أَلَّا يكون أَدْخَل عليه العمرة.\nأو المراد من الإفراد بالحج: أنه ﷺ اقتَصر على أعمال الحج، ودخلت عمرته في حجه؛ لأن القارن يَكتفي بطواف وسَعْي وحَلْق.\nالقول الثالث: أن النبي ﷺ كان متمتعًا. وهو قول للشافعي وبعض الحنابلة (^٥).\nفَعَنْ عِمْرَانَ ﵁ قَالَ: تَمَتَّعَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ، وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ (^٦).\nوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٣٤).\n(^٢) «التمهيد» (١٠/ ١٩٦)، (١٩/ ٢٥٩)، و«الأُم» (٣/ ٥٢٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٥٦٢)، ومسلم (١٢١١).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٢٤٠).\n(^٥) «الحاوي» (٢/ ٤٣)، و«مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٦٣).\n(^٦) أخرجه مسلم (١٢٤٠).\n(^٧) أخرجه البخاري (١٦٩١)، ومسلم (١٢٤١).","vol":"1","page":126},{"text":"ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: قال ابن عبد البر: وَإِنَّمَا جُعِلَ الْقِرَانُ مِنْ بَابِ التَّمَتُّعِ؛ لِأَنَّ الْقَارِنَ مُتَمَتِّعٌ بِتَرْكِ النَّصَبِ فِي السَّفَرِ إِلَى الْعُمْرَةِ مَرَّةً وَإِلَى الْحَجِّ أُخْرَى، وَتَمَتَّعَ بِجَمْعِهِمَا فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يُحْرِمْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ مِيقَاتِهِ (^١).\nالثاني: أن القارن يتمتع بالجَمْع بين النُّسكين في نُسك واحد؛ لأن الحج والعمرة كلاهما يَحتاج إلى طواف وسَعْي وحَلْق. فالقارن يكفيه طواف واحد وهو طواف الإفاضة، وسعي واحد وحَلْق واحد، كالمُفرِد.\nالقول الرابع: أن النبي ﷺ أَحْرَم إحرامًا مطلقًا، ثم عَيَّنه بالإفراد (^٢).\nواستدل بقول عائشة: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُلَبِّي، لَا نَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً (^٣).\nوالراجح: هو القول الأول، أي أن النبي ﷺ حج قارنًا.\nقال الطبري: إن جملة الحال أنه لم يكن متمتعًا؛ لأنه قال: «لو استقبلتُ من أمري ما\n_________\n(^١) «التمهيد» (٨/ ٣٥٤).\n(^٢) وهو قول للشافعي «الأم» (٣/ ٣١٥).\n(^٣) شاذ بهذا اللفظ، ومدار الحديث على إبراهيم، عن الأَسود، عن عائشة، فرواه الأعمش واختُلف عليه:\nفرواه عليّ بن مُسْهِر، عن الأعمش، به. أخرجه مسلم (١٢١١) وفيه: «لَا نَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً».\nوخالفه شُعبة عند النَّسَائي (٢٧١٨) وقال البخاري: وَزَادَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ، كلاهما عن الأعمش، به، بلفظ: «لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ» أخرجه البخاري (١٧٧٢).\nوأخرجه البيهقي (٨٨٩٢) من طريق مُحاضِر، وفيه: «لَا نَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً».\nوتابع الأعمشَ منصور، فرواه عن إبراهيم بلفظ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا نُرَى إِلَّا أَنَّهُ الحَجُّ» أخرجه البخاري (١٥٦١)، ومسلم (١٥٦١) واللفظ له.\nوورواه القاسِم، عند البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١) وعمرة عند البخاري (١٧٢٠)، ومسلم (١٢١١) كلاهما عن عائشة، وفيه: «لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ».\nفالأقرب: أن رواية: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُلَبِّي، لَا نَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً» شاذة، وهي من غرائب عليّ بن مُسْهِر! وقد قال فيه ابن رجب: له مفاريد، وذَكَر الأثرم عن أحمد أنه أَنْكَر حديثًا، فقيل له: رواه علي بن مُسْهِر! فقال: إن علي بن مُسْهِر كانت كتبه قد ذهبت، فكَتَب بعد، فإن كان رَوَى هذا غيره، وإلا فليس بشيء يُعتمد. «شرح علل الترمذي» (٢/ ٧٥٥). واللفظ الصحيح: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ».\nوَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَا سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي تَلْبِيَتِهِ حَجًّا قَطُّ وَلَا عُمْرَةً. أخرجه الشافعي في «الأم» (٣/ ٣٨٩)، وفي إسناده: إبراهيم بن أبي يحيى، شيخ الشافعي، وهو متروك.","vol":"1","page":127},{"text":"استدبرتُ، ما سُقْتُ الهَدْي، ولجَعلتُها عُمرة» ولا كان مُفرِدًا؛ لأن الهَدْي كان معه واجبًا، وذلك لا يكون إلا للقارن، ولأن الروايات الصحيحة تواترت بأنه قد قَرَنهما جميعًا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-147>المبحث الرابع: أفضل الأنساك:</span>\nالتمتع أفضل الأنساك لمَن لم يَسُق الهَدْي. وهو قول للشافعي، وبه قال الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوَجْه الدلالة: أن التمتع منصوص عليه في كتاب الله تعالى دون سائر الأنساك.\nواستدلوا بأن التمتع أفضل لكَوْنه ﷺ تَمَنَّاهُ.\nعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتُ الهَدْيَ، وَلَحَلَلْتُ مَعَ النَّاسِ حِينَ حَلُّوا» (^٣).\nواستدلوا بأن المتمتع يَجتمع له الحج والعمرة، على وجه اليسر والسهولة، فهو أفضل من الإفراد، وأن التمتع أسهل من القِران لِما فيه من التحلل بين العمرة والحج.\nوقد تضافرت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه أَمَر أصحابه في حجة الوداع، لما طافوا بالبيت وبالصفا، أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة، إلا مَنْ ساق الهَدْي. وهو ﷺ لا يَنقلهم إلا لِما هو أفضل لهم، ولولا أن التمتع هو الأفضل لَمَا تَأسَّف عليه النبي ﷺ، ولَمَا تمنى أنه لم يَسُق الهدي حتى يحل مع الناس متمتعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-148>المبحث الخامس: تعيين أحد الأنساك:</span>\nيُستحَب أن يُعيِّن ما يُحْرِم به من الأنساك عند أول إهلاله؛ لأن الحج عبادة، والتعيين هو الأصل في العبادات. وبه قال المالكية، والشافعية في الصحيح عنهم، والحنابلة (^٤).\nواستدلوا بأن النبي ﷺ أُمِرَ أن يُعيِّن نُسكه، فقال النبي ﷺ بوادي العقيق: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ» (^٥).\n_________\n(^١) «التوضيح لشرح الجامع الصحيح» (١١/ ١٧١).\n(^٢) «الحاوي» (٤/ ٤٤)، و«المجموع» (٧/ ١٥٠)، و«المُحَلَّى» (٧/ ١٠١)، و«المغني» (٥/ ٨٢).\n(^٣) رواه البخاري (١٧٨٥)، ومسلم (١٢١٨).\n(^٤) «الذخيرة» (٣/ ٢٢١)، و«المجموع» (٧/ ٢٢٧)، و«الفروع» (٥/ ٣٢٨).\n(^٥) رواه البخاري (١٥٣٤).","vol":"1","page":128},{"text":"والنبي ﷺ أَمَرَ أصحابه بالإحرام بنُسك مُعيَّن، فقال: «مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالحَجِّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ؛ فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-149>المبحث السادس: الإحرام المُبْهَم:</span>\nإذا أَحْرَم ولم يُعيِّن نُسكه، فإنه ينعقد إحرامه، ويصرفه إلى ما شاء من أنواع النُّسك قبل شروعه في أفعال النُّسك. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^٢).\nوذلك لِما رَوَى جابر ﵄ قال: فَقَدِمَ عَلِيٌّ ﵁، بِسِعَايَتِهِ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «بِمَ أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ؟» قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ. قَالَ: «فَأَهْدِ، وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-150>المبحث السابع: مَنْ لَبَّى بغير ما نوى:</span>\nمَنْ لَبَّى بغير ما نوى، كأن يَنوي التمتع، ويَجري على لسانه الإفراد، فإنه يكون مُحْرِمًا بما نوى، لا بما جرى على لسانه؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».\nوقال ابن المنذر: أجمعوا على أنه إذا أراد أن يُهِلّ بحج، فأَهَلّ بعمرة، أو أراد أن يُهِلّ بعمرة فلَبَّى بحج، أن اللازم ما عَقَد عليه قلبه، لا ما نَطَق به لسانه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-151>المبحث الثامن: نسيان ما أَحْرَم به:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن مَنْ أَحْرَم بشيء مُعيَّن، ثم نسي ما أَحْرَم به، فإنه يَلزمه حج وعمرة، ويَعمل عمل القارن. وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية (^٥).\nواستدلوا بأنه تَلبَّس بالإحرام يقينًا بأحد الأنساك بالإفراد بالحج أو القِران بين الحج والعمرة؛ ولذا فإنه يَلزمه حج وعمرة، ويَعمل عمل القارن؛ فهذا أحوط لاشتماله على النُّسكين، فتَبْرأ ذمته (^٦).\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٧٨٣).\n(^٢) «فتح القدير» (٢/ ٤٣٨)، و«مواهب الجليل» (٤/ ٦٣)، و«مغني المحتاج» (١/ ٤٧٧)، و«المغني» (٣/ ٢٦٧).\n(^٣) رواه البخاري (٤٣٥٢)، ومسلم (١٢٢١).\n(^٤) «الإجماع» لابن المنذر (ص: ٥١)، ويُنظَر «المغني» (٣/ ٢٦٥).\n(^٥) «فتح القدير» (٢/ ٤٣٨)، و«مواهب الجليل» (٤/ ٦٥)، و«نهاية المحتاج» (٣/ ٢٦٧).\n(^٦) «مغني المحتاج» (١/ ٤٧٨).","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type='title' id=toc-152>الفصل الثاني\nالإفراد والقِران في الحج،</span> وفيه مبحثان:\n<span data-type='title' id=toc-153>المبحث الأول: الإفراد في الحج:</span>\nالإفراد بالحج: أن يُحْرِم بالحج مُفْرَدًا، فيقول: (لبيك اللهم حجًّا) فليس عليه إلا طواف واحد للإفاضة، وسَعْي واحد للحج، ولا يحل إلا يوم النحر، وليس عليه دم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-154>المبحث الثاني: القِران في الحج، وفيه ثلاثة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-155>المطلب الأول: تعريف القِران:</span>\nأن يُحْرِم بالعمرة والحج معًا في نُسك واحد، فيقول: (لبيك عمرة وحجًّا).\n\n<span data-type='title' id=toc-156>المطلب الثاني: صور القِران:</span> للقِران ثلاث صور:\nالصورة الأولى: صورة القِران الأصلية: أن يُحْرِم بالعمرة والحج معًا، فيقول: (لبيك عمرة وحجًّا) فيَجمع بينهما في إحرامه؛ لعموم قول النبي ﷺ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، وَهُوَ بِالعَقِيقِ، أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» (^٢).\nأو يقول: (لبيك حجًّا وعمرة) لِما روت عائشة ﵂ قالت: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ» (^٣).\nقال المباركفوري: الإهلال بالحج والعمرة معًا متفق على جوازه (^٤).\nالصورة الثانية: إدخال الحج على العمرة، وفيها مطلبان:\nالمطلب الأول: لو نَوَى الحاج التمتع، فأَحْرَم بعمرة مُفْرَدة، فهل يَجوز له إدخال الحج على العمرة، فيَصير قارنًا؟\n_________\n(^١) قال النووي: الْإِفْرَادُ لَا يَجِبُ فِيهِ دَمٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ وَذَلِكَ لِكَمَالِهِ. وَيَجِبُ الدَّمُ فِي التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَهُوَ دَمُ جُبْرَانٍ لِفَوَاتِ الْمِيقَاتِ وَغَيْرِهِ، فَكَانَ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى جَبْرٍ. «شرح مسلم» (٨/ ١٣٦).\n(^٢) رواه البخاري (٧٣٤٣).\n(^٣) رواه البخاري (٤٤٠٨)، ومسلم (١٢١١).\n(^٤) «مرعاة المفاتيح» (٨/ ٤٥٩)، و«التمهيد» (٨/ ٣٥٤).","vol":"1","page":130},{"text":"لو نَوَى الحاج التمتع، فأَحْرَم بعمرة مُفرَدة، فيَجوز له أن يُدخِل عليها الحج قبل الشروع في الطواف. وهذا جائز مطلقًا، وقد يُضطر إلى ذلك، مِثل مَنْ خَرَجَتْ متمتعة من الميقات، فقالت: (لبيك عمرة) فأتاها الحيض قبل أن تطوف، فلها أن تَقرن. أو بسبب عدم قدرة الحاج على إتمام نسك العمرة قبل دخول الحج، فحينئذٍ يَقرن بين الحج والعمرة.\nودل على جواز ذلك السُّنة والإجماع:\nأما السُّنة، ففي «الصحيحين»: عن ابن عمر قال: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي، كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (^١).\nولأن النبي ﷺ جَوَّز لعائشة ﵂ إدخال الحج على العمرة، لَمَّا أتاها الحيض.\nوأما الإجماع، فنَقَل غير واحدٍ الإجماع على جواز إدخال الحج على العمرة (^٢).\nالمطلب الثاني: متى يَجوز إدخال الحج على العمرة؟\nنُقِل الإجماع على جواز إدخال الحج على العمرة، ما لم يُفتتح الطواف (^٣).\nواختَلف العلماء في جواز إدخال الحج على العمرة أثناء الطواف، على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يُشترَط في إدخال الحج على العمرة أن يكون قبل الطواف. وهو رواية عند المالكية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^٤).\nواستدلوا بالسُّنة: فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ،\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٦٤٠)، ومسلم (١٢٣٠).\n(^٢) وممن نَقَل الإجماع على ذلك: ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٥٧)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٣٦٩)، وابن عبد البر في «التمهيد» (١٥/ ٢١٥)، وابن القيم في «زاد المعاد» (٢/ ١٤٤) وغيرهم كثير. وقد شذ أبو ثور فقال: لا يَجوز للمُحْرِم بالعمرة إدخال الحج عليها.\nقال ابن عبد البر: قَوْل أَبِي ثَوْرٍ: (لَا يُدْخِلُ إِحْرَامًا عَلَى إِحْرَامٍ، كَمَا لَا تَدْخُلُ صَلَاةٌ عَلَى صَلَاةٍ) يَنْفِي دُخُولَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَهَذَا شُذُوذٌ.\nوَفِعْلُ ابْنِ عُمَرَ فِي إِدْخَالِهِ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَمَعَهُ عَلَى ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ- خَيْرٌ مِنْ قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ الَّذِي لَا أَصْلَ لَهُ إِلَّا الْقِيَاسُ الْفَاسِدُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. «التمهيد» (١٥/ ٢١٩).\n(^٣) قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنه مَنْ دخل مكة بعمرة في أشهر الحج- أنه يُدْخِل عليها الحج، ما لم يَفتتح الطواف بالبيت. «الإجماع» (ص: ٥٧).\n(^٤) «مواهب الجليل» (٣/ ٥٠)، و«المجموع» (٧/ ١٧٢)، و«الإنصاف» (٣/ ٣١٠).","vol":"1","page":131},{"text":"فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ …» (^١).\nوقال ابن عمر: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي، كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.\nالقول الثاني: له أن يُدخِل الحج على العمرة وإن كان قد طاف، ما لم يركع ركعتي الطواف؛ لأن طواف القدوم سُنة، والسعي ركن، فإذا أَدْخَل الحج على العمرة قبل التلبس بالسعي، لم يَفُته شيء من الأركان، فجاز إدخال الحج عليها. وهو مذهب المالكية (^٢).\nونوقش بأنه إذا ابتدأ طواف العمرة، لم يَجُز له إدخال الحج عليها؛ لأن الطواف الذي نواه ينصرف إلى العمرة التي ابتدأها، وهو ركن من أركانها، ومَن أَحْرَم بعمرة فليس له أن يرفضها؛ لقوله ﷿: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nالقول الثالث: له أن يُدخِل الحج على العمرة ما لم يَطُف أربعة أشواط،؛ لأن الطواف سبعة أشواط، وأكثره أربعة، والعبرة بالغالب، فإذا أَدْخَل الحج على العمرة قبل ذلك صار قارنًا. وهو مذهب الحنفية (^٣).\nوالراجح: القول الأول، أي: جواز إدخال الحج على العمرة ما لم يُفتتح الطواف.\nالصورة الثالثة: إدخال العمرة على الحج:\nاختَلف العلماء فيمن أَحْرَم من الميقات بالحج مُفْرَدًا، فهل يَجوز له إدخال العمرة على الحج ليكون قارنًا؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: يَجوز إدخال العمرة على الحج، ويكون قارنًا. وهذا مذهب الحنفية، واللَّخْمي من المالكية، والشافعي في القديم (^٤).\nواستدلوا بما ورد عن ابن عمر قال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا (^٥)\nوعن عمر ﵁ قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي- وَهُوَ\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١).\n(^٢) «المدونة» (١/ ٦٦٥)، و«التمهيد» (١٥/ ٢١٦، ٢١٧).\n(^٣) «المبسوط» (٤/ ١٨٢)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ١٦٧)، و«البحر الرائق» (٣/ ٥٤).\n(^٤) «فتح القدير» (٣/ ١٢٠)، و«الذخيرة» (٣/ ٢٨٩)، و«الحاوي» (٤/ ٣٨).\n(^٥) رواه مسلم (١٢٤٥).","vol":"1","page":132},{"text":"بِالعَقِيقِ- أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ».\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ أَهَلَّ بالحج مُفْردًا أولًا، ثم أُمِرَ أن يُدخِل العمرة على الحج، فصار قارنًا، وهذا يدل على جواز إدخال العمرة على الحج (^١).\nواستدلوا بأنه إذا كان يَجوز إدخال الحج على العمرة، فيَجوز إدخال العمرة على الحج؛ لأنه أحد النُّسكين.\nالقول الآخَر: لا يصح إدخال العمرة على الحج، فإِنْ فَعَل لم يَلزمه، ويتمادى على حجه مُفرَدًا. وبه قال المالكية، والشافعي في الجديد، والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بما ورد عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُمْ: «أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ البَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً» (^٣).\nفَفِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَفْسَخُوا حَجَّهُمْ فِي عُمْرَةٍ- أَوْضَحُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ يُؤْمَرُوا بِفَسْخِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ (^٤).\nواستدلوا بأن العُمْرة أَضْعَفُ مِنْ الحج، ولا يصح إدخال الأصغر على الأكبر (^٥).\nواعتُرض عليه بأن قولهم: (لا يصح إدخال الأصغر على الأكبر) مجرد قياس، وفيه نظر؛ فإن النبي ﷺ قال «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» فلا مانع من ذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-157>المطلب الثالث: ما يجب على القارن من الطواف والسعي:</span>\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أن عَمَل القارن والمُفرِد واحد، والفارق بينهما أن القارن يَلزمه الهَدْي مع نية القِران، فالقارن يكفيه طواف واحد، وهو طواف الإفاضة، وسَعْي واحد لعمرته\n_________\n(^١) «مرعاة المفاتيح» (٨/ ٤٥٩).\n(^٢) «التمهيد» (٨/ ٢٣٠)، و«المجموع» (٧/ ١٧٣)، و«المغني» (٣/ ٤٢٣).\n(^٣) رواه البخاري (١٥٦٨)، ومسلم (١٢١٦).\n(^٤) «التمهيد» (٢٣/ ٣٦٥).\n(^٥) «الحاوي» (٤/ ٣٨).","vol":"1","page":133},{"text":"وحجته كالمُفرِد، ولا يَحل إلا يوم النحر، ويَقتصر على أفعال الحج، وتندرج أفعال العمرة كلها في أفعال الحج. وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة في الصحيح عنهم (^١).\nواستدلوا بأن القارن يكفيه طواف واحد بعموم قول النبي ﷺ لعائشة يوم النَّفْر: «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (^٢).\nواستدلوا بأن القارن يكفيه سعي واحد بما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ يقول: «لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا» (^٣).\nالقول الآخَر: أنه يَلزم القارن طوافان وسعيان: طواف وسعي للحج، وطواف وسعي للعمرة. وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في رواية (^٤).\nواستدلوا بما ورد عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ حَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ مَعًا، وَقَالَ: «سَبِيلُهُمَا وَاحِدٌ» قَالَ: فَطَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَسَعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ (^٥).\nوالراجح: أنه لا يَلزم القارن بين الحج والعمرة إلا طواف واحد وسَعْي واحد لحجه وعمرته؛ لعموم قول النبي ﷺ لعائشة: «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ». ولِما رواه جابر ﵁: «لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا».\n_________\n(^١) «المدونة» (١/ ٣١٤)، و«الذخيرة» (٣/ ٢٧٣)، و«المجموع» (٧/ ١٧١)، و«الفروع» (٥/ ٣٤٤).\n(^٢) مسلم (١٢١١).\n(^٣) مسلم (١٢١٥).\nوفي الباب: ما أخرجه الترمذي (٩٦٩): عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَحْرَمَ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ، أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ، وَسَعْيٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا». وعلة هذا الخبر ما قاله النَّسَائي: الدَّراوردي حديثه عن عُبَيْد الله بن عُمَر منكر. «تهذيب الكمال» (١٨/ ١٩٤).\nورَوى ابن أبي شيبة (١٤٥٣٠) بسند صحيح: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: حَلَفَ لِي طَاوُسٌ أَنَّهُ لَمْ يَطُفْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا. والمراد بالطواف هنا السعي.\n(^٤) «المبسوط» (٤/ ٢٧)، و«المغني» (٥/ ٣٤٧).\n(^٥) منكر: أخرجه الدارقطني (٢٥٩٧) وفي إسناده: الحسن بن عُمَارَة، وهو متروك.\nوله شاهد عن عليّ، أخرجه الدارقطني (٢٦٢٩، ٢٦٣٠، ٢٦٣١) وهو خبر منكر.\nورُوي عَنْ عليّ وابن مسعود من قولهما عند ابن أبي شيبة (١٤٥٢٢) عن الحَكَم، عن زياد بن مالك، به. قال البخاري: ولا يُعْرَف لزياد سماع من عليّ وعبد الله. «التاريخ الكبير» (٣/ ٣٧٢).","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-158>الفصل الثالث التمتع في الحج</span>\nوفيه سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف التمتع.\nالمبحث الثاني: سبب تسمية هذا النسك بالتمتع.\nالمبحث الثالث: صور التمتع.\nالمبحث الرابع: شروط المتمتع.\nالمبحث الخامس: ما لا يُشترَط للتمتع.\nالمبحث السادس: أعمال المتمتع.\nالمبحث السابع: إجزاء التمتع عن الحج والعمرة.","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-159>المبحث الأول: تعريف التمتع:</span>\nالتَّمَتُّعُ: هُوَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ مِنَ الْمِيقَاتِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-160>المبحث الثاني: سبب تسمية هذا النسك بالتمتع:</span>\nورد في ذلك سببان:\nالأول: أن المتمتع يتمتع بإسقاط أحد السفرين عنه، فهو مُتمتِّع بترك النَّصَب في السَّفَر إلى العُمرة مَرَّة وإلى الحج أخرى، وتَمَتَّعَ بجمعهما في سَفْرة واحدة، لم يُحْرِم لكل واحدة من ميقاته، وضَمَّ العُمرة إلى الحج، فجَعَل الشرعُ الدم جابرًا لِما فاته، فدَخَل تحت قول الله ﷿: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (^٢).\nالثاني: سُمي متمتعًا لاستمتاعه بين الحج والعمرة بمحظورات الإحرام، كالنساء والطِّيب ولُبْس المَخيط … وغير ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-161>المبحث الثالث: صور التمتع:</span>\nللتمتع صورتان:\nالأولى: أن يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج، فإذا فَرَغ منها أَحْرَم بالحج مِنْ عامه.\nقال ابن المنذر: أجمعوا على أن مَنْ أَهَلّ بعمرة في أشهر الحج من أهل الآفاق من الميقات، وقَدِم مكة، ففَرَغ منها وأقام بها، وحج مِنْ عامه- أنه متمتع (^٣).\nالصورة الثانية: فَسْخ الحج إلى عمرة:\nأَجْمَع العلماء على أنه لا يَجوز فسخ الحج إلى عمرة مُفرَدة لا يأتي بعدها بالحج (^٤).\n_________\n(^١) «المغني» (٥/ ٨٢)، و«بداية المجتهد» (٢/ ٩٧)، و«المجموع» (٧/ ١٧٠).\n(^٢) «التمهيد» (٨/ ٣٥٤)، و«مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٨٢)، و«المغني» (٥/ ٨٥).\n(^٣) «الإجماع» (ص: ٥٦).\nونَقَل الإجماع: ابن عبد البر في «التمهيد» (٨/ ٣٤٢)، والقرطبي في «تفسيره» (٢/ ٣٩١).\n(^٤) قال ابن تيمية: فأما الفسخ بعمرة مجردة، فلا يُجَوِّزه أحد من العلماء. «الفتاوى» (٢٦/ ٢٨٠) وكذا نَقَله ابن القيم في «زاد المعاد» (٢/ ٢١٩).","vol":"1","page":136},{"text":"واختلفوا في جواز فسخ الحج إلى عمرة التمتع لمن كان مُفْرِدًا أو قارنًا لمن لم يَسُق الهَدْي، على ثلاثة أقوال (^١):\nالقول الأول: يُستحب فسخ إحرام الحج إلى عمرة التمتع لمن لم يَسُق الهدي، فإذا فَرَغ من العمرة وحَل منها، أَحْرَم بالحج من مكة، فيصير متمتعًا. وهذا مذهب الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بالسُّنة: فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً» (^٣).\nقال ابن عبد البر: تَوَاتَرَتِ الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فِي حَجَّتِهِ، مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْهُمْ هَدْيٌ وَلَمْ يَسُقْهُ، وَكَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً (^٤).\nالقول الثاني: يجب فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يَسُق الهَدْي؛ لأن الرَّسُولَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «اجْعَلُوهَا عُمْرَةً» والأمر للوجوب (^٥).\nونوقش بأن هذا الأمر للاستحباب، والقول بالوجوب قول شاذ.\nالقول الثالث: يَحرم فسخ وتحويلُ النية من الإحرام بالحج إلى العمرة لمن لم يَسُق الهَدْي. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية (^٦).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة والمأثور:\nأما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوأما السُّنة، فاستدلوا بعموم قول الرسول ﷺ: «وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ» (^٧) فهذا الحديث يُحَرِّم فسخ وتحويل النية من الإحرام بالحج إلى العمرة.\n_________\n(^١) قال ابن قُدامة: أَمَّا إذَا كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحِلَّ مِنْ إحْرَامِ الْحَجِّ، وَيَجْعَلَهُ عُمْرَةً، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. «المغني» (٥/ ٢٥١).\n(^٢) «المغني» (٥/ ٢٥١)، و«شرح العمدة» (١/ ٤٥٧)، و«زاد المعاد» (٢/ ١٨٤).\n(^٣) رواه البخاري (١٥٦٤)، ومسلم (١٢٤٠).\n(^٤) «التمهيد» (٨/ ٣٥٥، ٣٥٦).\n(^٥) وهو قول الظاهرية، كما في «المُحَلَّى» لابن حزم (٧/ ٩٩)، و«زاد المعاد» (٢/ ١٧٠).\n(^٦) «المبسوط» (٤/ ١٨٣)، و«المُنتقَى» (٢/ ٢١٤)، و«بداية المجتهد» (٢/ ٩٨)، و«الحاوي» (٤/ ٢١).\n(^٧) أخرجه البخاري (٣١٩)، ومسلم (١٢١١).","vol":"1","page":137},{"text":"ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: بِأَنَّ مَنِ اسْتَمَرَّ إِهْلَالُهُ بِالْحَجِّ، وَلَمْ يُحَوِّلْهُ إِلَى عُمْرَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ، وَكَانَ هَذَا فِي حَقِّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِمَّنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ.\nالثاني: بما قاله ابن القيم: بِأَنَّ هَذَا الحَدِيثَ غَلِطَ فِيهِ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ، أَوْ أَبُوهُ شُعَيْبٌ، أَوْ جَدُّهُ اللَّيْثُ أَوْ شَيْخُهُ عَقِيلٌ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ رَوَاهُ مالك ومعمر وَالنَّاسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عروة عَنْهَا، وَبَيَّنُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ وَسَعَى أَنْ يَحِلَّ.\nوأما المأثور، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالحَجِّ، أَوْ جَمَعَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فلم يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ (^١). ونوقش: بأن هذا اللفظ مُعَلّ.\nوالراجح: استحباب فسخ الحج إلى عمرة التمتع لمن كان مُفْرِدًا أو قارنًا، ولا هَدْي معه؛ لأن رسول الله ﷺ أَمَر أصحابه عَامَ حَجَّ بِفسخ الحج إلى العُمرة، وقال ﷺ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً».\n_________\n(^١) مدار الحديث على عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂. واختُلف عليه:\nفرواه أبو الأَسْود محمد بن عبد الرحمن عن عروة، باللفظ المذكور. رواه مسلم (١٥٦٢).\nلكن خولف أبو الأَسْود فى ذلك، فرواه الثقات كالزُّهْري عن عروة بلفظ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» أخرجه البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١).\nوَعَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ» أخرجه البخاري (١٧٨٣)، ومسلم (١٢١١) واللفظ له.\nوقد أَنْكَر أحمد رواية أبي الأسود فقال: أيش في هذا الحديث من العجب؟! هذا خطأ. قال الأثرم: فقلت له: الزُّهْري عن عروة عن عائشة بخلافه؟ قال أحمد: نعم، وهشام.\nوقد رواه القاسم عن عائشة قالت: خَرَجْنَا لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ. قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «اجْعَلُوهَا عُمْرَةً» فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ. رواه مسلم (١٢١١).\nوَعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا نُرَى إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ- أَنْ يَحِلَّ. أخرجه البخاري (٢٩٥٢)، ومسلم (١٢١١).\nوقالَ ابن القيم: كُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي «الصَّحِيحِ» وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا رَوَاهُ جَابِرٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ، وَأَبُو مُوسَى، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ وَأَسْمَاءُ، وَالبَرَاءُ، وَحَفْصَةُ … وَغَيْرُهُمْ. وَفِي اتِّفَاقِ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ أَمَرَ أَصْحَابَهُ كُلَّهُمْ أَنْ يَحِلُّوا، وَأَنْ يَجْعَلُوا الَّذِي قَدِمُوا بِهِ مُتْعَةً، إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ- دَلِيلٌ عَلَى غَلَطِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَوَهْمٍ وَقَعَ فِيهَا. «زاد المعاد» (٢/ ١٨٦).","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-162>المبحث الرابع: شروط التمتع:</span> وهي قسمان:\nالقسم الأول: ما يُشترط للتمتع: للتمتع خمسة شروط:\n\n<span data-type='title' id=toc-163>الشرط الأول: أن يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج:</span>\nأَجْمَع العلماء على أن مَنْ اعتمر في غير أشهر الحج، وحَلَّ منها قبل أَشْهُر الحج ثم حج من عامه، فليس بمتمتع (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-164>الشرط الثاني: تقديم العمرة على الحج:</span>\nيُشترط تقديم العُمرة على الحج؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] فيجب أن يَكُون ما بعدها مُتأخِّرًا عما قبلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-165>الشرط الثالث: يُشترَط للتمتع أن يحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج.</span>\nفمَن خَرَجَتْ متمتعة من الميقات، فقالت: (لبيك عُمرة) فأتاها الحيض قبل أن تطوف، وجاء يوم عرفة، فليس لها أن تتمتع بسبب المشقة وعدم القدرة على إتمام نسك العمرة قبل دخول الحج، فحينئذٍ تَقرن بين الحج والعمرة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-166>الشرط الرابع: يُشترَط في التمتع أن تؤدى العمرة والحج في عام واحد:</span>\nفإن اعتمر في أشهر الحج فلم يحج ذلك العام، بل حج في القابل، فليس بمتمتع (^٣).\n_________\n(^١) نَقَله ابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ٤٩)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٨/ ٣٤٧)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٣٥٣). وهذا الإجماع منخرم؛ فقد ورد عن الحسن أن مَنْ حج مُفرِدًا ثم اعتمر بعد يوم النحر، وجب عليه الهَدْي؛ لأنه صار متمتعًا. وهذا قول شاذ؛ لأن تأخير العُمْرة عن الحج داخل في التمتع، خلاف ما دلت عليه الآية: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوعن طاوس، أنه قال: إن مَنْ فرغ من عمرته قبل أشهر الحج، ثم أقام حتى دخل وقت الحج، ثم حج من عامه، فهو متمتع. ونوقش بأن هذا قول شاذ، يخالف الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة.\n(^٢) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٥٣٦)، و«مواهب الجليل» (٣/ ٦٠)، و«الحاوي» (٤/ ٤٠).\n(^٣) نَقَل الإجماع على ذلك ابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ٤٩).\nوهذا الإجماع منخرم، فقد ورد عن الحسن البصري وطاوس أن مَنْ اعتَمَر في أَشْهُر الحج، فعليه الهَدْي، وإن لم يحج من عامه. وهذا قول شاذ، يخالف الكتاب والسُّنة، فلا يُلتفت إليه. «المغني» (٥/ ٣٥٤).","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-167>الشرط الخامس: عدم السفر بين العمرة والحج:</span>\nيُشترَط للتمتع أن لا يسافر بين العمرة والحج. وهو قول عامة أهل العلم (^١).\nواختَلف العلماء على أربعة أقوال في قَدْر المسافة، الذي يَحصل به انقطاع التمتع:\nالقول الأول: إن عاد إلى بلده بعد أن حل من عمرته في أشهر الحج، قبل الإحرام بالحج، انقطع التمتع، ويكون مُفرِدًا بالحج. وهو مذهب الحنفية والمالكية (^٢).\nواستدلوا بالكتاب والمأثور والمعقول:\nأما الكتاب، فاستدلوا بأن المتمتع يَتمتع بإسقاط أحد السفرين عنه، فهو مُتمتِّع بترك النَّصَب في السَّفَر إلى العُمْرة مَرَّة وإلى الحج أخرى، وتَمَتَّعَ بجَمْعهما، ولم يُحْرِم لكل واحدة من ميقاته، فَدَخَل تحت قول الله ﷿: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ فإذا أَنْشَأَ سفرًا لحجه بعد سفره لعمرته، ورَجَع إلى الميقات ولَزِمه الإحرام منه، فلم يتمتع بإسقاط أحد السفرين، فزال عنه اسم التمتع وسببه، فلم يَلزمه دم (^٣).\nوأما المأثور، فقال عُمَر: «إِذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، فَإِنْ رَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ» (^٤).\nوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى يُدْرِكَهُ الْحَجُّ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، إِنْ حَجَّ، وَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» (^٥).\nوَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: «مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ،\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر: فَإِنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ وَمَنْزِلِهِ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَلَا صِيَامَ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ، إِلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ. «التمهيد» (٨/ ٣٤٥).\n(^٢) «فتح القدير» (٣/ ١٥). وَقَالَ مَالِكٌ: مَنِ اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ، إِنَّمَا الْهَدْيُ عَلَى مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ. «المُنتقَى» (٢/ ٢٣٢)، و«مواهب الجليل» (٤/ ٨٢).\n(^٣) «أضواء البيان» (٥/ ١٢٤)، و«المغني» (٥/ ٣٥٥).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٠٠٦): عَنِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، به.\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه مالك (٩٨٠). قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ إِذَا أَقَامَ حَتَّى الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ.","vol":"1","page":140},{"text":"فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، إِنَّمَا الْمُتَمَتِّعُ مَنْ أَقَامَ وَلَمْ يَرْجِعْ» (^١).\nوأما المعقول، فاستدلوا بأمرين:\nالأول: ما قاله ابن المنذر: إذا رجع إلى بلده أو إلى مثله في البُعد، فليس بمتمتع إن حج من عامه. خلافًا لما يُحكى عن الحسن. ولأن ما قلنا مروي عن ابن عمر، ولا مُخالِف له. ولأن المتمتع مَنْ تَمتَّع بإسقاط أحد السفرين وجَمَع بين الحج والعمرة في سفر واحد، وهذا لم يَفعل ذلك، بل أتى بالسفرين على ما كان عليه في الأصل (^٢).\nالثاني: ما قاله ابن قُدامة: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ دَمَ الْمُتْعَةِ لَا يَجِبُ عَلَى حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ إذْ قَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَلِأَنَّ حَاضِرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِيقَاتُهُ مَكَّةُ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ التَّرَفُّهُ بِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُفْرِدَ (^٣).\nالقول الثاني: إن سافر وتجاوز الميقات بعد أن حل من عمرته في أشهر الحج، قبل الإحرام بالحج، انقطع التمتع، وهذا قول عند الشافعية، ورواية للحنابلة (^٤).\nالقول الثالث: إن سافر بين العمرة والحج سفرًا بعيدًا تُقْصَر في مثله الصلاة، انقطع التمتع. وهذا قول عند الحنابلة في الراجح عنهم (^٥).\nالقول الرابع: إن اعتَمَر في أَشْهُر الحج، ثم رَجَع إلى بلده ومنزله، ثم حج مِنْ عامه ذلك، قال الحسن البصري: فإنه مُتَمَتِّع.\nوالحاصل: أن الأئمة الأربعة متفقون على أن السفر بَعْد العُمرة، وقَبْل الإحرام بالحج- مُسْقِط لدم التمتعِ. إلا أنهم مختلفون في قَدْر المسافة: فمنهم مَنْ يقول: لا بد أن يَرجع بعد العمرة في أشهر الحج إلى المَحَل الذي جاء منه، ثم يُنشِئ سفرًا لِلحج ويُحْرِم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٠٠٨): ثَنَا حَفْصٌ، عَنْ أَشْعَثَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، بِهِ.\n(^٢) «الإشراف» (١/ ٤٦٦).\n(^٣) «المغني» (٥/ ٣٥٥).\n(^٤) «المجموع» (٧/ ١٧٤)، و«الإنصاف» (٣/ ٣١٣).\n(^٥) «المغني» (٥/ ٣٥٥). قال عبد الله: سأَلتُ أبي، قلت: إذا اعتَمَر في أشهر الحج، ثم رَجَع إلى أهله، ثم حج؟ قال: إذا سافر سفرًا يَقصر فيه الصلاة، فليس بمتمتع. «مسائل أحمد» (ص: ٢١٩).","vol":"1","page":141},{"text":"مِنْ الميقات. وقيل: إن سافر وتجاوز الميقات بين العمرة والحج، انقطع التمتع. وقيل: إن سافر بين العمرة والحج سفرًا تُقْصَر في مثله الصلاة.\nوالراجح: يُشترَط للتمتع أن لا يسافر إلى بلده بين العمرة والحج، فمَن اعتمر في أشهر الحج ورجع لأهله، ثم إذا أَحْرَم بالحج مُفردًا فقد انقطع التمتع، ولا يجب عليه الهَدْي، ويكون مُفرِدًا بالحج؛ لأن الأصل في السفر مفارقة الوطن، فمَن اعتمر في أشهر الحج ورجع لأهله فقد انقطع التمتع.\nأما مَنْ اعتَمر في أشهر الحج، ثم سافر إلى غير بلده، كالمدينة أو جدة أو الطائف، ثم رجع مُحْرِمًا بالحج، فإن ذلك لا يُخرجه عن كونه متمتعًا؛ لأن سفره إلى البلد الآخَر استمرار لسفره الأول، وليس قاطعًا للسفر (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-168>المبحث الخامس: ما لا يُشترَط للتمتع، وفيه ثلاثة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-169>المطلب الأول: لا يُشترَط أن ينوي التمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها.</span>\nاختَلف أهل العلم في اشتراط نية التمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها على قولين:\nالقول الأول: لا تُشترَط نية التمتع. وبه قال الحنفية والمالكية، وهو قول للشافعية (^٢).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nقال الشنقيطي: الظاهر سقوط هذا الشرط، وأنه متى حج بعد أن اعتمر في أشهر الحج من تلك السَّنة، فعليه الهَدْي؛ لظاهر الآية فتخصيصه بالنية تخصيص للقرآن، بل دليل (^٣).\nالقول الثاني: يُشترَط نية التمتع. وهذا مذهب الشافعية في وجه، والحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) قال ابن باز: مَنْ اعتَمَر في أشهر الحج، ورجع لأهله، ثم أَحْرَم بالحج مُفرِدًا، فليس عليه دم التمتع؛ لأنه في حُكم مَنْ أَفْرَد الحج، وهو قول عمر وابنه عبد الله ﵄، وغيرهما من أهل العلم.\nأما إن سافر إلى غير بلده، كالمدينة أو جدة أو غيرهما، ثم رجع مُحْرِمًا بالحج، فإن ذلك لا يُخْرِجه عن كونه متمتعًا في أصح قولَي العلماء، وعليه هَدْي التمتع. «مجموع فتاوى ابن باز» (١٦/ ١٣٠).\n(^٢) «فتح القدير» (٣/ ٤)، و«الذخيرة» (٣/ ٢٩٣)، و«المجموع» (٧/ ١٧٨).\n(^٣) أضواء البيان» (٥/ ١٢٥).\n(^٤) «المجموع» (٧/ ١٧٤)، و«الإنصاف» (٣/ ٣١٣).","vol":"1","page":142},{"text":"قال النووي: يَحتاج إلى نية التمتع؛ لأنه جَمَع بين العبادتين في وقت إحداهما، فافتقر إلى نية الجَمْع، كالجَمْع بين الصلاتين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-170>المطلب الثاني: لا يُشترَط كون الحج والعمرة عن شخص واحد:</span>\nفلو اعتَمَر لنفسه، ثم حج من عامه لغَيْره، أو فَعَل ذلك عن اثنين، فاعتَمر لشخص، ثم حَجّ مِنْ عامه عن آخَر، كان عليه دم التمتع. وهذا باتفاق المذاهب الأربعة (^٢).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوَجْه الدلالة: أن مُؤدِّي النُّسكين شخص واحد في سفرة واحدة، فتَمتَّع بإسقاط أحد السفرين، فدَخَل في عموم الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-171>المطلب الثالث: لا يُشترط أن يكون من أهل الحَرَم:</span> وفيه مسألتان:\nالأولى: اختَلف العلماء في مشروعية القِران والتمتع للمقيم في حرم مكة، على قولين:\nالقول الأول: جواز التمتع والقِران لحاضري المسجد الحرام (للمقيمين في حرم مكة) إلا أنه لا هَدْي عليهم. وهو مذهب المالكية والشافعية، والمشهور عن الحنابلة (^٣).\nواستدلوا بالكتاب والمعقول:\nأما الكتاب، فبعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوَجْه الدلالة: أن قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ فعليه الهَدْي إذا لم يكن مِنْ حاضري المسجد. فإن كان من حاضري المسجد الحرام فلا دم، فهذا ظاهر الآية، فلا يُعْدَل عنه، فدلت الآية على\n_________\n(^١) «المجموع» (٧/ ١٧٤).\n(^٢) «حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٠)، و«المجموع» (٧/ ١٧٧)، و«الإنصاف» (٣/ ٣١٣).\n(^٣) «مواهب الجليل» (٣/ ٥٦)، و«المجموع» (٧/ ١٦٩)، و«الإنصاف» (٣/ ٤٤٣).","vol":"1","page":143},{"text":"أن التمتع والقِران مشروعان لأهل حرم مكة كغيرهم، إلا أنهم لا هَدْي عليهم، ولا صوم.\nواعتُرض عليه بأنه لو كان المراد إسقاط الدم عن أهل مكة، لقال: (ذلك على مَنْ لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) لأن الدم عليهم لا لهم.\nوأجيب عنه من وجهين:\nالأول: بأن (اللام) بمعنى (عَلَى) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أي: فعليها. وقولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥] أي: عليهم؛ لأن حروف الجر تتناوب (^١).\nالثاني: ما قاله ابن حزم: إِنَّ الْهَدْيَ أَوِ الصَّوْمَ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ- تَعَالَى- فِي التَّمَتُّعِ إنَّمَا هُوَ نُسُكٌ زَائِدٌ وَفَضِيلَةٌ، وَلَيْسَ جَبْرًا لِنَقْصٍ كَمَا ظَنَّ مَنْ لَا يُحَقِّقُ؛ فَهُوَ لَهُمْ لَا عَلَيْهِمْ (^٢).\nوأما المعقول، فإن ما كان مِنْ النُّسك قُرْبة وطاعة في حق غَيْر المكي، كان قُرْبة وطاعة في حق المكي، كالإفراد (^٣).\nالقول الثاني: أن المكي الذي يريد الحج ممنوع من العمرة في أشهر الحج؛ لأنه ممنوع من التمتع والقِران. وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد (^٤).\nواستدلوا بأن الله تعالى أباح التمتع إلا لمن كان أهله حاضري المسجد الحرام خاصة؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ومفهوم الآية أن مَنْ كان أهله حاضري المسجد الحرام، فالتمتع والقِران منفيان في حقه، والأصل في النفي أن يكون للوجود، ونَفْي الوجود نفي للصحة، فالتمتع والقِران لا يصحان من أهل الحرم (^٥).\n_________\n(^١) «المجموع» (٧/ ١٧٠).\n(^٢) «المُحَلَّى بالآثار» (٥/ ١٦٠).\n(^٣) «المجموع» (٧/ ١٦٩).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٦٩)، و«الفروع» (٣/ ٣١٤)، و«الإنصاف» (٣/ ٤٤٣).\n(^٥) «شرح فتح القدير» (٣/ ١٠، ١١).","vol":"1","page":144},{"text":"ونوقش بأن الإشارة في الآية (ذلك) ترجع إلى أقرب مذكور، وهو الصوم والهَدْي. وقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ [البقرة: ١٩٦] هذا عامّ في أهل مكة وغيرهم ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالهَدْي يجب على كل متمتع، إلا مَنْ تمتع أو قَرَن من أهل مكة.\nواستدلوا بما رُوي عن ابن عباس، أنه سُئِلَ عن متعة الحج، فقال: أَبَاحَ الله مُتْعَةَ الحَجِّ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ اللَّهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (^١).\nوقد سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ امْرَأَةٍ: أَتَعْتَمِرُ فِي حَجَّتِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ اللَّهَ جَعَلَهَا رُخْصَةً لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (^٢).\nوالراجح: هو جواز التمتع والقِران لأهل مكة إلا أنهم لا هَدْي عليهم؛ لعموم الآية. ولأن حقيقة التمتع والقِران موجودة في حاضري المسجد الحرام، كالآفاقيين، ولا فرق. وإنما يقع الخلاف بينهم في وجوب الدم على الآفاقيين دون حاضري المسجد الحرام؛ بسبب ما حصل للآفاقيين من الترفه بسقوط أحد السفرين عنهم، والله أعلم.\nالمسألة الثانية: مَنْ هم حاضرو المسجد الحرام؟\nاختَلف الفقهاء على أربعة أقوال في المراد بحاضري المسجد الحرام:\nالقول الأول: هم أهل الحَرَم. وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وطاوس (^٣).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] فلم يختلفوا في أنه تعالى أراد الحَرَم كله (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (١٥٧٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٨١٠)، وفي إسناده عُبَيْد الله بن الحارث، قال فيه أبو حاتم: صدوق. وفي إسناده أيضًا عبد المؤمن بن أبي شُرَاعَة، قال فيه ابن مَعِينٍ: ثقة. وقال يحيى بن سعيد: لم يكن به بأس إذا جاءك بشيء تَعرفه. قلت: فهل يُقْبَل تَفَرُّدُ مَنْ هذا حاله؟!\n(^٣) يُنظَر «تفسير الطبري» (٣/ ١١٠)، و«المغني» (٥/ ٣٥٦)، وبه قال ابن حزم «المُحَلَّى» (٥/ ١٤٩).\n(^٤) «المُحَلَّى بالآثار» (٥/ ١٤٩).","vol":"1","page":145},{"text":"القول الثاني: حاضرو المسجد الحرام هم أهل مكة. وبه قال المالكية (^١).\nالقول الثالث: ما كان دون مسافة القَصْر. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^٢).\nالقول الرابع: أنهم أهل المواقيت ومَن بينها وبين مكة. وهو مذهب الحنفية، وقول للشافعية، ورواية عن أحمد (^٣).\nوالراجح: أن حاضري المسجد الحرام هم أهل الحَرَم (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-172>المبحث السادس: أعمال التمتع:</span> وفيه مطلبان:\n<span data-type='title' id=toc-173>المطلب الأول: طواف المتمتع:</span>\nحُكي الإجماع على أن المتمتع عليه طوافان: طواف لعمرته، وطواف لحجه (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-174>المطلب الثاني: الهَدْي:</span> يجب على المتمتع دم نسك إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\n<span data-type='title' id=toc-175>المبحث السابع: إجزاء التمتع عن الحج والعمرة:</span>\nقال ابن قُدامة: وَتُجْزِئُ عُمْرَةُ الْمُتَمَتِّعِ وَعُمْرَةُ الْقَارِنِ، وَالْعُمْرَةُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ- عَنِ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي إجْزَاءِ عُمْرَةِ التَّمَتُّعِ خِلَافًا (^٦).\n_________\n(^١) «المُنتقَى شرح الموطإ» (٢/ ٢٢٩).\n(^٢) «المجموع» (٧/ ١٧٤)، و«المغني» (٥/ ٣٥٦)، و«جامع البيان» (٣/ ١١٢).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٦٩)، و«المجموع» (٧/ ١٧٥)، و«شرح العمدة» (٢/ ٣٦٥).\n(^٤) «فتاوى اللجنة الدائمة» (١١/ ٣٩٠).\n(^٥) قال ابن رُشْد: وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أَنَّ عَلَيْهِ طَوَافَيْنِ: طَوَافًا لِلْعُمْرَةِ لِحِلِّهِ مِنْهَا، وَطَوَافًا لِلْحَجِّ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَشْهُورِ. «بداية المجتهد» (٢/ ١٠٩).\nقلت: ولكن هذا الإجماع منخرم؛ فقد وردت رواية عن أحمد أن المتمتع يكفيه طواف واحد لحجه وعمرته. «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٣٩) وهو قول شاذ لمخالفته صريح السُّنة.\n(^٦) «المغني» (٥/ ١٥). وتجزئ عمرة القارن والعمرة من التنعيم عن عمرة الإسلام في أصح الروايتين. أما عمرة المتمتع، فتجزئ عنها بغير خلاف نَعلمه. «المبدع» (٣/ ١٨٦).","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-176>الفصل الرابع: الاشتراط في الحج والعمرة:</span>\nوفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-177>تمهيد:</span> تعريف الاشتراط وفائدته:\nقال ابن قُدامة: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ أَنْ يَشْتَرِطَ عِنْدَ إحْرَامِهِ، فَيَقُولَ: (إنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ، فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي).\nوَيُفِيدُ هَذَا الشَّرْطُ شَيْئَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا عَاقَهُ عَائِقٌ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ، أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، أَنَّ لَهُ التَّحَلُّلَ.\nوَالثَّانِي: أَنَّهُ مَتَى حَلَّ بِذَلِكَ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا صَوْمَ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-178>المبحث الأول: حُكْم الاشتراط في الحج والعمرة:</span>\nاختَلف أهل العلم على قولين في صحة الاشتراط في الحج والعمرة:\nالقول الأول: يصح الاشتراط. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور:\nأما السُّنة، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: «لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الحَجَّ؟» قَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً! فَقَالَ لَهَا: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» (^٣).\nوأما المأثور، فعن سُوَيْد بن غَفَلة قال: قال لي عمر بن الخطاب: يا أبا أُمية، حُج واشتَرِط؛ فإن لك ما اشترطتَ، ولله عليك ما اشترطتَ (^٤).\n_________\n(^١) «المغني» (٥/ ٩٣).\n(^٢) «الأم» (٣/ ٣٩٧)، و«المجموع» (٨/ ٣١٠)، و«المغني» (٥/ ٩٣).\n(^٣) رواه البخاري (٥٠٨٩)، ومسلم (١٢٠٧).\n(^٤) إسناده صحيح: رواه الشافعي في «الأم» (٨/ ٥٠٩) ومن طريقه البيهقي في «السُّنن الكبرى» (١٠٢١١).","vol":"1","page":147},{"text":"وعن ابن مسعود ﵁ قال: إِذَا حَجَجْتَ فَاشْتَرِطْ (^١).\nوعن عائشة ﵂ أنها قالت لعروة: هَلْ تَسْتَثْنِي إِذَا حَجَجْتَ؟ فَقُلْتُ لَهَا: مَاذَا أَقُولُ؟ فَقَالَتْ: قُلْ: اللَّهُمَّ الْحَجَّ أَرَدْتُ وَلَهُ عَمَدْتُ، فَإِنْ يَسَّرْتَهُ فَهُوَ الْحَجُّ، وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَهِيَ عُمْرَةٌ (^٢).\nالقول الثاني: لا يصح الاشتراط. وهذا مذهب الحنفية والمالكية (^٣).\nواستدلوا بالقرآن والمأثور:\nأما القرآن، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالاشتراط يخالف هذه الآية، فيَجوز عدم الإتمام فهو باطل.\nوأما المأثور، فاستدلوا بما ورد عن ابن عمر، أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الاِشْتِرَاطَ فِي الحَجِّ، وَيَقُولُ: حَسْبُكُمْ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ، إِنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ، فَإِنْ حَبَسَ أَحَدَكُمْ حَابِسٌ، فَلْيَأْتِ البَيْتَ فَلْيَطُفْ بِهِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ لِيَحْلِقْ أَوْ ليُقَصِّرْ، ثُمَّ لِيُحْلِلْ، وَعَلَيهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ (^٤).\nونوقش هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: ما قاله ابن قُدامة: وَلَا قَوْلَ لِأَحَدٍ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَيْفَ يُعَارَضُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ؟! وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَدِيثٌ لَكَانَ قَوْلُ الْخَلِيفَتَيْنِ الرَّاشِدَيْنِ مَعَ مَنْ قَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ- أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ (^٥).\nالثاني: ما قاله البيهقي: عِنْدِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَوْ بَلَغَهُ حَدِيثُ ضُبَاعَةَ فِي الِاشْتِرَاطِ، لَمْ يُنْكِرْهُ كَمَا لَمْ يُنْكِرْهُ أَبُوهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ السُّنَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ (^٦).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: رواه ابن أبي شيبة (١٤٩٦٨). وفي إسناده عَمِيرة بن زياد، وهو مجهول، لم يوثقه سوى العِجْلي، وذَكَره ابن حِبان في «الثقات» وهما متساهلان في توثيق المجاهيل.\n(^٢) إسناده صحيح: رواه الشافعي في «مسنده» (٨١٣) من طريق ابن عُيَيْنة، عن هشام بن عُروة، به.\n(^٣) قَالَ مَالِكٌ: الِاشْتِرَاطُ فِي الْحَجِّ بَاطِلٌ، وَيَمْضِي عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يُتِمَّهُ عَلَى سُنَّتِهِ، وَلَا يَنْفَعُهُ قَوْلُهُ: (مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسَتْنِي) وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ. «الاستذكار» (١٣/ ٣٦٢).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه النَّسَائي (٢٧٧٠) من طريق مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن سالم، عن أبيه، به.\n(^٥) «المغني» (٥/ ٩٣).\n(^٦) «المجموع» (٨/ ٣٠٩).","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-179>المبحث الثاني: متى يُشْرَع الاشتراط؟</span>\nيُستحَب الاشتراط إذا خاف المانعَ من إتمام النسك.\nفإن خاف المُحْرِم ألا يتمكن من أداء نسكه؛ لكونه مريضًا أو خائفًا من عدو ونحوه، استُحب له أن يقول عند إحرامه: (فإن حبسني حابس، فمَحِلي حيث حبستَني) لِما ورد عن عائشة ﵂ قالت: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حُجِّي، وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» (^١).\nقال ابن عثيمين: فالاشتراط سُنة لمَن كان يَخاف المانع من إتمام النسك، غير سُنة لمَن لم يَخَفْ. وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي تجتمع به الأدلة؛ فإن الرسول ﷺ أَحْرَم بعُمَره كلها، ولم يقل: (إِنْ حَبَسني حابس)، بل أَمَر به مَنْ جاءت تستفتي؛ لأنها مريضة، وتَخشى أن يشتد بها المرض فلا تُكمل النُّسك (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-180>المبحث الثالث: صيغة الاشتراط:</span>\nصيغة الاشتراط أن يُهِل بالنسك الذي يريده من عمرة أو حجة، فيقول: (لبيك اللهم عمرة، أو حجة)، ثم يقول: (إِنْ حَبَسني حابس، فمَحِلي حيث حبستَني) (^٣).\nقال ابن قُدامة: وَغَيْرُ هَذَا اللَّفْظِ مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ يَقُومُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْنَى، وَالْعِبَارَةُ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ لِتَأْدِيَةِ الْمَعْنَى (^٤).\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٢٠٧).\n(^٢) «الشرح الممتع» (٧/ ٧٢)، و«مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٠٦)، و«إعلام المُوقِّعين» (٣/ ٤٢٦).\n(^٣) «مغني المحتاج» (٢/ ٣١٥)، و«كشاف القناع» (٢/ ٤٠٩).\n(^٤) «المغني» (٥/ ٩٤).","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type='title' id=toc-181>الحاصل في الباب الخامس: أنواع الأنساك الثلاثة،</span> وفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول، وفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: أنساك الحج ثلاثة:\nالأول: الإفراد، وهو أن يُحْرِم بالحج مُفرِدًا وحده، بأن يقول: (لبيك حجًّا).\nالثاني: القِران، وهو أن يُحْرِم بالعمرة والحج معًا في نُسك واحد، فيقول: (لبيك عمرة وحجًّا) أو يُحْرِم بالعمرة، ثم يُدْخِل عليها الحج قبل الطواف.\nالثالث: التمتع، وهو أن يُحْرِم بالعمرة مُفرَدة في أشهر الحج، أي: في شَوَّال، وذي القعدة، وذي الحجة، ويقول: (لبيك عمرة)، ثم يحل منها، ثم يُحْرِم بالحج من عامه.\nالمبحث الثاني: نُقِل الإجماع على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة.\nالمبحث الثالث: الراجح أنه ﷺ حج قارنًا.\nالمبحث الرابع: التمتع أفضل الأنساك الثلاثة لمَن لم يَسُق الهَدْي.\nالمبحث الخامس: يُستحب أن يُعيِّن ما يُحْرِم به من الأنساك عند أول إهلاله.\nالمبحث السادس: الإحرام المُبْهَم فإذا أَحْرَم ولم يُعيِّن نسكه، فإنه ينعقد إحرامه، ويصرفه إلى ما شاء من أنواع النسك قبل شروعه في أفعال النسك.\nالمبحث السابع: مَنْ لَبَّى بغير ما نوى، كأن يَنوي التمتع، ويَجري على لسانه الإفراد، ونحو ذلك، فإنه يكون مُحْرِمًا بما نوى، لا بما جرى على لسانه.\nالمبحث الثامن: نسيان ما أَحْرَم به، ذهب جمهور العلماء إلى مَنْ أَحْرَم بشيء معين، ثم نسي ما أَحْرَم به، فإنه يَلزمه حج وعمرة، ويَعمل عمل القارن.\nالفصل الثاني: الإفراد والقِران في الحج، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الإفراد في الحج: أن يُحْرِم بالحج مُفْرَدًا، فيقول: (لبيك اللهم حجًّا)\nالمبحث الثاني: القِران في الحج، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: تعريف القِران:\nالمطلب الثاني: صور القران: للقِران ثلاث صور:","vol":"1","page":150},{"text":"الصورة الأولى: صورة القِران الأصلية: أن يُحْرِم في الميقات بالعمرة والحج معًا، فيقول: (لبيك عمرة وحجًّا).\nالصورة الثانية: إدخال الحج على العمرة، وفيها مطلبان:\nالمطلب الأول: لو نَوَى الحاج التمتع، فأَحْرَم بعمرة مُفرَدة، فيَجوز له أن يُدخِل عليها الحج قبل الشروع في الطواف. وهذا جائز مطلقًا. وقد يُضطر إلى ذلك، مِثل مَنْ خَرَجَتْ متمتعة من الميقات فقالت: (لبيك عمرة) فأتاها الحيض قبل أن تطوف، فلها أن تَقرن.\nالمطلب الثاني: متى يَجوز إدخال الحج على العمرة؟\nنُقل الإجماع على جواز إدخال الحج على العمرة، ما لم يَفتتح الطواف.\nالصورة الثالثة: إدخال العمرة على الحج، أن يُحْرِم بالحج مُفرِدًا، ثم يُدخِل عليه العمرة، فيكون قارنًا.\nالفصل الثالث: التمتع في الحج، وفيه سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف التمتع:\nالتَّمَتُّعُ: هُوَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ مِنَ الْمِيقَاتِ، فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ.\nالمبحث الثاني: سبب تسمية هذا النسك بالتمتع:\nورد في ذلك سببان:\nالأول: أن المتمتع يتمتع بإسقاط أحد السفرين عنه، فهو مُتمتع بترك النَّصَب في السفر إلى العُمْرة مَرَّة وإلى الحج أُخرى، وتَمَتَّعَ بجَمْعهما في سَفْرة واحدة.\nالثاني: أن المتمتع يتمتع بين العمرة والحج بمحظورات الإحرام.\nالمبحث الثالث: صور التمتع.\nللتمتع صورتان:\nالأولى: أن يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج، فإذا فَرَغ منها أَحْرَمَ بالحج مِنْ عامه.\nالثانية: يُستحب فسخ إحرام الحج إلى عمرة التمتع لمن لم يَسُق الهَدْي، فإذا فَرَغ من العمرة وحَلّ منها، أَحْرَم بالحج من مكة فيصير متمتعًا.","vol":"1","page":151},{"text":"المبحث الرابع: شروط المتمتع:\nللتمتع خمسة شروط:\nالأول: أن يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج.\nالثاني: أن يُقَدِّم العُمْرة على الحج.\nالثالث: أن يَحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج.\nالرابع: أن يُؤدِّي العمرة والحج في عام واحد.\nالخامس: أن لا يسافر إلى بلده بين العمرة والحج، فمَن اعتمر في أشهر الحج ورجع لأهله، ثم إذا أَحْرَم بالحج مُفرِدًا؛ فقد انقطع التمتع، ولا يجب عليه الهَدْي، ويكون مُفرِدًا بالحج؛ لأن الأصل في السفر مفارقة الوطن.\nالمبحث الخامس: ما لا يُشترَط للتمتع: وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: لا يُشترَط أن يَنوي التمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها، فمَن اعتَمر في أشهر الحج ثم حل، ثم أقام بمكة ثم حج من عامه، فعليه الهَدْي.\nالمطلب الثاني: لا يُشترَط كون الحج والعمرة عن شخص واحد، فلو اعتَمَر لنفسه، ثم حج مِنْ عامه لغيره، كان عليه دم التمتع لعموم الآية.\nالمطلب الثالث: لا يُشترَط ألا يكون من حاضري المسجد الحرام، فيَجوز التمتع والقِران لأهل مكة إلا أنهم لا هَدْي عليهم.\nالفصل الرابع: الاشتراط في الحج والعمرة:\nيُستحَب الاشتراط إذا خاف المانعَ من إتمام النسك.\nفالحاصل في هذا الفصل: أن المُحْرِم إذا خاف ألا يتمكن من أداء نسكه لكَوْنه مريضًا أو خائفًا من عدو ونحوه- استُحب له أن يقول عند إحرامه بعد قوله: (لبيك اللهم عمرة، أو حجًّا، مُفرِدًا أو قارنًا أو متمتعًا): (فإِنْ حَبَسني حابس، فمَحِلي حيث حبستَني).\nفائدة الاشتراط: أنه إذا حُبِس عن النسك بعذر، فإنه يَحل منه، وليس عليه هَدْي ولا صوم ولا قضاء ولا غيره.\n* * *","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type='title' id=toc-182>الباب السادس الإحرام</span>\nوفيه تمهيد وثلاثة فصول:\nالتمهيد، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الإحرام.\nالمبحث الثاني: حُكْم الإحرام.\nالمبحث الثالث: مِنْ حِكَم تشريع الإحرام.\nالفصل الأول: سُنن الإحرام.\nالفصل الثاني: محظورات الإحرام.\nالفصل الثالث: الفدية المتعلقة بمحظورات الإحرام.","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type='title' id=toc-183>تمهيد،</span> بين يدي الإحرام،\nوفيه ثلاثة مباحث\n\n<span data-type='title' id=toc-184>المبحث الأول: تعريف الإحرام:</span>\nالإحرام في اللغة: الدخول في الحرمة، وأَحْرَم بالحج والعمرة لأنه يَحرم عليه ما كان حلالًا من قبل، كالصيد والنِّساء، كتكبيرة الإحرام للمصلي (^١).\nوالإحرام في الشرع: هو نية الدخول في نسك الحج أو العمرة أو كليهما (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-185>المبحث الثاني: حُكْم الإحرام:</span>\nانعقد الاجماع على فرضية الإحرام (^٣).\nواختَلف العلماء على قولين في حُكم الإحرام، هل هو ركن أم شرط؟\nالقول الأول: أن الإحرام ركن، ولا يَتم الحج إلا به؛ لعموم قول رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». وبه قال المالكية والشافعية، وهو المشهور عند الحنابلة (^٤).\nالقول الآخَر: أن الإحرام شرط من شروط الحج وليس ركنًا، وأن الإحرام لا يَتم إلا بالتلبية. وهو مذهب الحنفية، ورواية عند الحنابلة (^٥).\nوالراجح: أن الإحرام أول ركن من أركان الحج، كتكبيرة الإحرام أول ركن من أركان الصلاة؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات» فلا يصح حج إلا بنية، والإحرام هو نية الدخول في النسك.\n_________\n(^١) «المصباح المنير»، و«لسان العرب» (مادة: حرم)، و«الصحاح» (٥/ ١٨٩٧).\n(^٢) «مواهب الجليل» (٣/ ١٥)، و«نهاية المحتاج» (٣/ ٢٦٤)، و«الفروع» (٥/ ٢٨٦).\n(^٣) قال ابن تيمية: أَمَّا النِّيَّةُ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَصِحُّ إلَّا بِهَا، كَمَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ. «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٢). ونَقَل الإجماع ابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ٤٢).\n(^٤) «حاشية الدسوقي» (٢/ ٢١)، و«نهاية المحتاج» (٣/ ٢٦٤)، و«كشاف القناع» (٢/ ٥٢١).\n(^٥) «حاشية رد المحتار» (٢/ ٤٦٧)، و«شرح فتح القدير» (٢/ ٤٣٦)، و«الإنصاف» (٣/ ٤٣٠).","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type='title' id=toc-186>المبحث الثالث: مِنْ حِكَم تشريع الإحرام:</span>\nالأولى: إِنَّ مِنْ أعظم فوائد العبادات التي شَرَعها الله لعباده- أنها تَغرس في نفوسهم الطاعة والاستسلام لله، واستشعار تعظيم الله ﷿، والنظام وحُسْن الترتيب في شئون الحياة، والمحافظة على الوقت وعلى المواعيد والدقة في الوفاء بها.\nيَظهر ذلك واضحًا في توقيت الصلاة، والصيام إمساكًا وإفطارًا، وكذا جَعَل الله ﷿ للحج والعمرة والإحرام بهما أوقاتًا موقوتة وأماكن مُعيَّنة، يجب ألا يتعداها المسلم، ومَن تعداها كان مُخالِفًا ومتعديًا، وتَلزمه كفارة تذكيرًا له لئلا يتكرر ذلك منه.\nالثانية: قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْحِكْمَةُ فِي مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنَ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ: الْبُعْدُ عَنِ التَّرَفُّهِ، وَالِاتِّصَافُ بِصِفَةِ الْخَاشِعِ، وَلِيَتَذَكَّرَ بِالتَّجَرُّدِ الْقُدُومَ عَلَى رَبِّهِ، فَيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى مُرَاقَبَتِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنَ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ (^١).\nالثالثة: مِنْ حِكَم عدم حصر الإحرام في مكان واحدٍ رَفْع الحرج عن المكلفين، فقد جَعَل الله ﷿ للحج خمسة أماكن متفرقة من كل جهات الحَرَم، ولم يَحصرها في مكان واحد؛ إذ لو حَصَرها في مكان واحد لوقع الناس في حرج عند الاجتماع إلى هذا الميقات وفي تَحَمُّل المشاق، والله قد رفع عن عباده الضِّيق والحرج.\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٣/ ٤٠٤)، و«مغني المحتاج» (١/ ٥١٩)، و«الموسوعة الكويتية» (٢/ ١٢٩).\nوأيضًا مِنْ حِكم الإحرام ما قاله الكاساني: وَفِي الْحَجِّ إظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ، وَشُكْرُ النِّعْمَةِ:\nأَمَّا إظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ؛ فَلِأَنَّ إِظْهَارَ الْعُبُودِيَّةِ هُوَ إِظْهَارُ التَّذَلُّلِ لِلْمَعْبُودِ. وَفِي الْحَجِّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَّ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ يُظْهِرُ الشَّعَثَ، وَيَرْفُضُ أَسْبَابَ التَّزَيُّنِ، وَالِارْتِفَاقِ، وَيَتَصَوَّرُ بِصُورَةِ عَبْدٍ سَخِطَ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ، فَيَتَعَرَّضُ بِسُوءِ حَالِهِ لِعَطْفِ مَوْلَاهُ، وَمَرْحَمَتِهِ إِيَّاهُ. وَفِي حَالِ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ عَصَى مَوْلَاهُ، فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَضَرِّعًا حَامِدًا لَهُ مُثْنِيًا عَلَيْهِ، مُسْتَغْفِرًا لِزَلَّاتِهِ مُسْتَقِيلًا لِعَثَرَاتِهِ. وَبِالطَّوَافِ حَوْلَ الْبَيْتِ يُلَازِمُ الْمَكَانَ الْمَنْسُوبَ إِلَى رَبِّهِ، بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ مُعْتَكِفٍ عَلَى بَابِ مَوْلَاهُ لَائِذٍ بِجَنَابِهِ.\nوَأَمَّا شُكْرُ النِّعْمَةِ، فَلِأَنَّ الْعِبَادَاتِ بَعْضُهَا بَدَنِيَّةٌ وَبَعْضُهَا مَالِيَّةٌ، وَالْحَجُّ عِبَادَةٌ لَا تَقُومُ إِلَّا بِالْبَدَنِ وَالْمَالِ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ إِلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْمَالِ وَصِحَّةِ الْبَدَنِ، فَكَانَ فِيهِ شُكْرُ النِّعْمَتَيْنِ، وَشُكْرُ النِّعْمَةِ لَيْسَ إِلَّا اسْتِعْمَالُهَا. «بدائع الصنائع» (٢/ ١١٨).","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-187>الفصل الأول: سُنن الإحرام:</span>\nالأولى: النزول في المواقيت المكانية.\nالثانية: الاغتسال.\nالثالثة: الإحرام في إزار ورداء ونعلين.\nالرابعة: التطيب في البدن.\nالخامسة: الإحرام عقب صلاة.\nالسادسة: يبتدئ بالإحرام والتلبية إذا ركب السيارة وابتدأ المسير من الميقات.\nالسابعة: الإكثار من التلبية.\n\n<span data-type='title' id=toc-188>السُّنة الأولى: النزول في المواقيت المكانية:</span>\nيُستحَب النزول في المواقيت المكانية للإحرام منها؛ فعن ابن عمر ﵄ قال: «مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ» يَعْنِي مَسْجِدَ ذِي الحُلَيْفَةِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-189>السُّنة الثانية: الاغتسال:</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-190>المطلب الأول: الاغتسال للمُحْرِم:</span>\nيُستحب الاغتسال عند إرادة الإحرام بحج أو عمرة من الميقات، ولا يجب هذا الاغتسال، وإنما هو سُنة مُتأكَّدة بالإجماع (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٤٢)، ومسلم (١١٨٦).\n(^٢) قال النووي: اتَّفق العلماء على أنه يُستحب الغُسل عند إرادة الإحرام بحج أو عمرة أو بهما. «المجموع» (٧/ ٢١٢). وكذا نَقَله ابن المُنْذِر «المغني» (٥/ ٧٥).","vol":"1","page":156},{"text":"وعن ابن عمر ﵄ قال: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ (^١).\nواستدل بأن النبي ﷺ أَمَر أسماء بنت عُمَيْس بالاغتسال لما وَلَدَتْ، وإذا كانت النُّفَساء لا تنتفع من غسلها في استباحة العبادة كالصلاة، ومع ذلك أَمَرها النبي ﷺ بالاغتسال؛ فاغتسال المُحْرِم الطاهر من باب أَوْلَى.\nويُستحب للمُحْرِم حَلْق العانة ونَتْف الإبط وقص الشارب وتقليم الأظفار؛ لأنه إذا كان يُستحب الغُسل للتنظف فهذا يَدخل في عموم التنظف للإحرام. ولأن الإحرام يَمنع قص الشَّعر وقَلْم الأظفار، فاستُحب فعله قبله؛ لئلا يَحتاج إليه في إحرامه فلا يتمكن منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-191>المطلب الثاني: يُسَن اغتسال الحائض والنُّفَساء للإحرام:</span>\nيُسَن بالإجماع للحائض والنُّفَساء الغُسل للإحرام (^٢).\nوعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «… فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي».\n\n<span data-type='title' id=toc-192>المطلب الثالث: استحباب تلبيد الرأس:</span>\nيُستحَب للمُحْرِم بعد غُسْل الإحرام أن يُلبِّد رأسه (^٣).\n_________\n(^١) رجاله ثقات: أخرجه ابن أبي شيبة (١٥٨٤٧)، والبَزَّار (٦١٥٨): عن حُمَيْد، عن بكر بن عبد الله، به.\nقال ابن حجر: هو إسناد صحيح. انظر «إتحاف المَهَرة» (٩٣٧١).\nوقد رود عن ابْنَ عُمَرَ من فعله أنه كَانَ يَغْتَسِلُ لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، عند مَالِكٍ (٩٠٠)، عَنْ نَافِعٍ، به.\nوله شواهد، منها: عن زيد بن ثابت، عند الترمذي (٨٤٥) وفي إسناده عبد الله بن يعقوب، ولا يُعْرَف حاله. وقد تابعه أبو غَزِيَّةَ محمد بن موسى عند الدارقطني (٢٤٣٥) ولكنه ضعيف، والْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ شَاذَانُ، عند البيهقي (٨٩٤٤) ولكن في السند إليه ضعف، ومدار الحديث علي عَبْد الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ وفيه مقال ولا يتحمل مثل هذا المتن.\nوفي الباب: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: «اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ لَبِسَ ثِيَابَهُ، فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ …» أخرجه الدارقطني (٢٤٣٢) وفي إسناده يعقوب بن عطاء، وهو ضعيف.\nوعَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ اغْتَسَلَ حِينَ يُرِيدُ أَنْ يُحَرِمَ»\nأخرجه الطبراني «الأوسط» (٤٨٨٩). وفي إسناده: خَالِدُ بْنُ إِلْيَاسَ، وهو متروك الحديث.\n(^٢) «التمهيد» (١٩/ ٣١٥)، و«شرح النووي» (٨/ ١٣٣).\n(^٣) التَّلْبِيدُ: أَنْ يَجْعَلَ فِي رَأْسِهِ شَيْئًا مِنَ الصَّمْغِ أَوْ نَحْوِهِ؛ حَتَّى يَجْتَمِعَ شَعْرُهُ وَيَتَلَبَّدَ، فَلَا يَتَخَلَّلَهُ الْغُبَارُ، وَلَا يَقَعَ فِيهِ الدَّبِيبُ وَلَا يَتَشَعَّثُ فِي مُدَّةِ الْإِحْرَامِ. «شرح السُّنة» (٧/ ٧٩)، و«المجموع» (٧/ ٢٢٠).","vol":"1","page":157},{"text":"ودل على ذلك السُّنة والإجماع والمعقول:\nأما السُّنة، فَعَنْ حَفْصَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يَحْلِلْنَ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ- يَعْنِي لِلنَّبِيِّ ﷺ: فَمَا يَمْنَعُكَ؟ فَقَالَ: «لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَسْتُ أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ هَدْيِي» (^١).\nوأما الإجماع فقال النووي: في الحديث استحباب التلبيد وتقليد الهَدْي، وهما سُنتان بالاتفاق (^٢).\nوأما المعقول، فلأن ذلك أرفق به؛ لكَوْنه يُسَكِّن شعره ويَجمعه، فلا يتولد فيه القمل، ولا يتخلله الغبار، ولا يتشعث، ولا ينتفش في مدة الإحرام.\n\n<span data-type='title' id=toc-193>السُّنة الثالثة: الإحرام في إزار ورداء ونعلين:</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-194>المطلب الأول: يُستحب الإحرام في إزار ورداء ونعلين.</span>\nلِما رَوَى البخاري: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ، بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ، وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ (^٣).\nقال النووي: السُّنَّةُ أَنْ يُحْرِمَ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ، هَذَا مُجْمَعٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-195>المطلب الثاني: ويُستحب أن يكون الإزار والرداء نظيفين.</span>\nفإذا كان يُستحب للمُحْرِم أن يتنظف في بدنه بالاغتسال، فكذا في ثياب إحرامه.\n\n<span data-type='title' id=toc-196>المطلب الثالث: يُستحب أن يكون الإزار والرداء أبيضين.</span>\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ؛ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٣٩٨)، ومسلم (١٢٢٩).\n(^٢) «شرح مسلم» (٨/ ٢١٢)، و«شرح السُّنة» (٧/ ٧٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٥٤٥).\n(^٤) «المجموع» (٧/ ٢١٧)، و«مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٠٩).","vol":"1","page":158},{"text":"ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-197>السُّنة الرابعة: التطيب:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب التطيب في البدن لا في الثياب، قبل الدخول في الإحرام؛ استعدادًا له، ولو بقي جِرمه بعد الإحرام؛ لقول عائشة ﵂، زَوْج النبي ﷺ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ».\n\n<span data-type='title' id=toc-198>السُّنة الخامسة: الإحرام عقب صلاة:</span>\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type='title' id=toc-199>المطلب الأول: هل تُسن صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام؟</span>\nقال النووي: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ، بِالإِجْمَاعِ (^٢).\nوهذا الإجماع منخرم؛ فقد اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالقول الأول: يُسن صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام، باتفاق المذاهب الأربعة (^٣).\nروى البخاري: عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِوَادِي العَقِيقِ يَقُولُ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ» (^٤).\nالقول الآخَر: ليس للإحرام صلاة تخصه، فإن كان في وقتِ فريضة استُحب أن يُحْرِم عقيب الصلاة المكتوبة. وهو رواية عن أحمد، واختيار ابن تيمية (^٥).\nوالراجح: أنه يُستحَب أن يُحْرِم عقيب صلاة: إما بعد صلاة فرض؛ لِما رَوَى ابن عباس ﵄ قال: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ».\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه أحمد (٢٢١٩)، وفي إسناده عبد الله بن خُثَيْم، وهو يُحَسَّن حديثه إذا لم يخالف.\n(^٢) «المجموع» (٧/ ٢٢١).\n(^٣) «البحر الرائق» (٢/ ٣٤٥)، و«الفواكه الدواني» (٢/ ٧٩٥)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٠٧).\n(^٤) رواه البخاري (١٥٣٤).\n(^٥) «الإنصاف» (٣/ ٣٠٧). وقال ابن تيمية: ليس للإحرام صلاة تخصه. «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٠٨).","vol":"1","page":159},{"text":"وإن كان وقت تطوع، فإن كان في الميقات مسجد استُحب أن يصليهما فيه؛ لِما رَوَى البخاري: عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ ذِي الحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْكَبُ، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-200>السُّنة السادسة: أن يبتدئ بالإحرام والتلبية إذا ركب السيارة أو غيرها، وابتدأ المسير من الميقات:</span>\nاختَلف أهل العلم على قولين في تحديد الموضع الذي يبتدئ بالإحرام منه:\nالقول الأول: يُستحب أن يبتدئ بالإحرام أو بالإهلال (لبيك حجًّا) والتلبية (لبيك اللهم لبيك) إذا رَكِب الدابة أو السيارة أو غيرهما، في ابتداء سيره من الميقات.\nوهو مذهب المالكية، والشافعية في الصحيح عنهم، ورواية عند الحنابلة (^٢).\nفعن أنس ﵁ قال: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ» (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (١٥٥٤).\n(^٢) «حاشية العدوي» (١/ ٥٢٢)، و«الحاوي» (٤/ ٨١)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٢٠).\n(^٣) هذا الحديث رُوي عن أنس من طرق، وقد اختُلف فيه ألوانًا:\nالطريق الأول: أيوب، عن أبي قِلابة، عن أنس، واختُلف في متنه على ثلاثة ألفاظ:\nاللفظ الأول: رواه حماد بن زيد عند البخاري (١٥٤٨)، ومسلم (٦٩٠)، وابن عُيينة عند أحمد (١٢٠٨٣)، ومَعْمَر بن راشد عند عبد الرزاق (٤٣١٥) ثلاثتهم عن أيوب بلفظ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ».\nاللفظ الثاني: رواه عبد الوهاب الثقفي عند البخاري (١٥٤٧) وزاد فيه: قَالَ: وَأَحْسِبُهُ - بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ. وإسماعيل بن عُلَيَّة عند البخاري (١٧١٥) ومسلم (٦٩٠)، وزاد فيه عند البخاري: عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: «ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ، فَصَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ البَيْدَاءَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ».\nاللفظ الثالث: رواه وُهَيْب بن خالد مطولًا عند البخاري (١٥٥١)، ومسلم (٦٩٠). وزاد فيه: «ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ، حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ، فَحَلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالحَجِّ. قَالَ: وَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا، وَذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسٍ. قلتُ (محمد): لم يُصَرِّح أيوب باسم شيخه. =","vol":"1","page":160},{"text":"\n_________\n=\nالطريق الثاني: رواه إبراهيم بن ميسرة، ومحمد بن المُنكدِر- جميعًا- عن أنس بن مالك بهذا الحديث دون آخره، ولفظه: «صليتُ مع النبي ﷺ الظُّهر بالمدينة أربعًا، وبذي الحُليفة العصر ركعتين» فرواه الثوري عند البخاري (١٠٨٩)، وابن عُيينة عند مسلم (٦٩٠).\nالطريق الثالث: عن محمد بن المُنكدِر وحده، عن أنس به مختصرًا، بنحو الرواية السابقة. فرواه ابن إسحاق عند أحمد (١٣٤٨٨)، وعبد العزيز الماجشون عند أبي يعلى (٣٦٣٤)، وعمرو بن الحارث، وأسامة بن زيد، كلاهما عند الطبري في «تهذيب الآثار» (مسند عمر ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٤)، ومرزوق مولى طلحة الباهلي، وشُعبة، وعبد الحميد بن جعفر، والمنكدر بن محمد، كلهم عند الدارقطني في «العلل» جميعًا- عن ابن المُنكدِر وحده، عن أنس به مختصرًا.\nالطريق الرابع: عن الزُّهْري، عن أنس، وذِكْر الزُّهْري في هذا الحديث وهم.\nومدار هذا الطريق على ابن جُريج، واختُلف عليه من وجهين:\nالوجه الأول: عن ابن جُريج، عن الزُّهْري، عن أنس، من طريق عيسى بن يونس عند الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣٥٤٧)، وتابع ابنَ جُريج أسامة بن زيد الليثي، عند الطبري في «تهذيب الآثار» (مسند عمر، ح ٣٤٨) وقد اقتَصر على أول الحديث. وأسامة بن زيد صدوق يهم، وقد تركه القطان، وذَكَر أحمد أن في أحاديثه نكارة، ومحمد بن عجلان عند ابن عَدِيّ (٦/ ٤٤٠)، وقد اقتَصر على آخره. وابن عجلان روايته منكرة؛ حيث تَفَرَّد عنه المُؤمَّل. وقد ساق ابن عَدي هذه الرواية في ترجمته، واستنكرها عليه بقوله: لا أعلم روى عن ابن عجلان غير مؤمل. ثم ذَكَر أن عامة أحاديثه غير محفوظة.\nالوجه الثاني: عن ابن جُريج، عن محمد بن المُنكدِر، عن أنس بن مالك. وهذه رواية الجماعة، وهم: هشام بن يوسف عند البخاري (١٥٤٦)، ومحمد بن بكرٍ البُرْسَانِيّ عند أحمد (١٥٠٤٠)، كلاهما، وفيه زيادة وهي قوله: «ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ».\nورواه عبد الرزاق (٤٣٢٠)، وعبد الله بن وهب عند الطبري في «تهذيب الآثار» (مسند عمر، ح ٣٤٣)، ووُهَيْب، ومكي بن إبراهيم، عند الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢٤٠٣) (٣٥٤٦) بدون الزيادة.\nوقد أشار الدارقطني إلى هذا الاختلاف على ابن جُريج، فسُئِل الدارقطني عن حديث محمد بن المُنكدِر، عن أَنس: صليتُ مع النبي ﷺ بالمدينة الظُّهْر أَربعًا، وبِذي الحُلَيْفة ركعتين.\nفقال: اختُلف فيه على ابن المُنكدِر، فرواه الثوري، وابن عُيينة، ومحمد بن إسحاق، وعبد العزيز الماجِشُون، ومرزوق مَوْلَى طَلحة بن عبد الرحمن الباهلي، وشُعبة، وعبد الحميد بن جعفر، والمُنكدِر بن محمد، وأُسامة بن زيد، وعمرو بن الحارث.\nواختُلف عن ابن جُرَيجٍ، فرواه عثمان بن الهيثم المُؤذِّن، عن ابن جُريج قال: حُدِّثْتُ عن أَنس.\nورواه هِشام بن سليمان بن عِكرمة بن خالد المَخزومي، وعبد المجيد، ومَكِّي بن إبراهيم، عن ابن جُريجٍ، وزادوا فيه أَلفاظًا، ذَكَرَها ابن جُريج، في كتاب «المناسك» عنه، وهي قوله: (ثم بات بِذي الحُلَيْفة، فأَصْبَح، فلما أَصْبَح رَكَب راحلته، فلما استوت به أَهَلَّ) وهذه الزيادة ليست بمحفوظة عن ابن المُنكدِر، ولم يَذكرها غير ابن جُريج، وقال يحيى القطان: إنه وهم.\nورواه أَبو عاصم، عن ابن جُريج، بهذا الإسناد، مِثل ما رواه الثوري، ولم يأت بهذه الزيادة.\nورواه عيسى بن يونس، عن ابن جُريج، عن الزُّهْري، عن أَنس، ووَهِم في ذكر الزُّهْري، وإِنما رواه ابن","vol":"1","page":161},{"text":"وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ، ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ قَائِمَةً» (^١).\nقال النووي: فَهَذِهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ قَاطِعَةٌ بِتَرَجُّحِ الْإِحْرَامِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّيْرِ (^٢).\nالقول الآخَر: أن النبي ﷺ كان إحرامه في دُبُر صلاته، وأنه أَهَلَّ في مجلسه بعد فراغه من الركعتين، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في القديم، وهو رواية عن الحنابلة (^٣).\nواستدلوا بما رواه ابن عباس، أن النبي ﷺ أَهَلَّ في دُبُر الصلاة (^٤).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي ﷿ فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ».\nوَجْه الدلالة: أنه ﷺ لم يَجعل بين الصلاة والإحرام فَصْلًا، فدل ذلك على أن النبي ﷺ كان إحرامه في دُبُر صلاته.\nونوقش بأن معنى (وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ): بعد الانتهاء من الصلاة وركوب الراحلة يُحْرِم في بداية سيره. ودل على ذلك أن جماعة الصحابة حَكَوْا ذلك عن رسول الله ﷺ (^٥).\n_________\n= جُريج عن ابن المُنكدِرِ. والصحيح رواية الثوري وابن عُيينة، ومَن تابعهما. «العلل» (٦/ ٢١٢).\nوفي «علل ابن أبي حاتم»: سألتُ أبي عن حديث رواه عيسى بن يونس، عن ابن جُريج، عن الزُّهْري، عن أنس … فسمعتُ أبي يقول: لا أعلم روى هذا الحديث غير عيسى بن يونس، وشُعيب بن إسحاق، ولا أدري ابن جُريج مِنْ أين جاء به؟ والناس يروونه عن إبراهيم بن ميسرة عن أنس.\nوالحاصل: أن هذا الحديث لا يَثبت عن الزُّهْري عن أنس، وإنما هو من حديث إبراهيم بن ميسرة، ومحمد بن المنكدر، وأبي قِلابة، عن أنس.\nوالراجح من الألفاظ عن أنس: (صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ).\n(^١) أخرجه البخاري (١٥١٤)، ومسلم (١١٨٧).\n(^٢) «المجموع» (٧/ ٢١٧)، و«شرح مسلم» (٨/ ٩٤).\n(^٣) «الحاوي» (١/ ٣٩٢، ٤٩٣)، و«المجموع» (٧/ ٢٢٣).\n(^٤) ضعيف، رواه عبد السلام بن حرب عند الترمذي (٨١٩)، وابن إسحاق عند أحمد (١٧٦٤)، كلاهما عن خُصَيْف، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، به. ومدار الحديث على خُصَيْف بن عبد الرحمن الجَزَري، وهو مُختلَف في حاله، وهو إلى الضعف أقرب، ولا يَتحمل مثل هذا المتن.\nوله شاهد عند الدارمي (١٨٣٣): عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَحْرَمَ وَأَهَلَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ. وهذا المتن منكر؛ لأن المحفوظ عن أنس: أن الرسول ﷺ صَعِد جبل البَيْدَاء، وأَهَلَّ بالحج والعُمْرة.\n(^٥) قال ابن كَثير: فَهَذِهِ الطُّرُقُ كُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى الْقَطْعِ أَوِ الظَّنِّ الْغَالِبِ، أَنَّهُ ﷺ أَحْرَمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَعْدَمَا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَابْتَدَأَتْ بِهِ السَّيْرَ. «البداية والنهاية» (٧/ ٤٣٩).","vol":"1","page":162},{"text":"والراجح: أنه يبتدئ بالإحرام (لبيك حجًّا) والتلبية (لبيك اللهم لبيك) بعد ركوبه، في ابتداء سيره من الميقات بعد خروجه من المسجد؛ لتضافر الأحاديث على ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-201>السُّنة السابعة: التلبية،</span> وفيها تمهيد وسبعة مطالب:\nتمهيد: يجب على مريد الإحرام في الميقات أن ينويه بقلبه، ويُستحب له أن يُلبِّي بلسانه، فيقول: (لبيك حجًّا). (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك …).\n\n<span data-type='title' id=toc-202>المطلب الأول: تعريف التلبية:</span>\nقال ابن تيمية: التَّلْبِيَةُ هِيَ إجَابَةُ دَعْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِخَلْقِهِ، حِينَ دَعَاهُمْ إلَى حَجِّ بَيْتِهِ، عَلَى لِسَانِ خَلِيلِهِ إبْرَاهِيمَ ﷺ. وَالْمُلَبِّي هُوَ الْمُسْتَسْلِمُ الْمُنْقَادُ لِغَيْرِهِ، كَمَا يَنْقَادُ الَّذِي لُبِّبَ وَأُخِذَ بِلَبَّتِهِ. وَالْمَعْنَى: إنَّا مُجِيبُوكَ لِدَعْوَتِكَ، مُسْتَسْلِمُونَ لِحِكْمَتِكَ، مُطِيعُونَ لِأَمْرِكَ (^١).\nوالتلبية: هي قول المُحْرِم: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك …).\n\n<span data-type='title' id=toc-203>المطلب الثاني: حُكْم التلبية:</span>\nقال ابن حزم: وأَجْمَعُوا على استحسان التلبية إلى دخول الحَرَم (^٢).\nوقد اختَلف أهل العلم في وجوب التلبية على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: التلبية سُنة في الإحرام. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بأنها ذِكر، فلم تجب كسائر الأذكار (^٤).\nالقول الثاني: أن التلبية واجبة في الإحرام. وهو مذهب المالكية (^٥).\nواستدلوا بأن النبي ﷺ سُئِل: أَيُّ الحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «العَجُّ وَالثَّجُّ» (^٦).\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١١٥)، و«معجم مقاييس اللغة»، و«لسان العرب» (مادة: ل ب ب).\n(^٢) «مراتب الإجماع» (ص: ٤٤). واتَّفَق العلماء على استحباب التلبية. «المجموع» (٧/ ٢٤٥).\n(^٣) «المجموع» (٧/ ٢٤٦)، و«الحاوي» (٤/ ٨٨)، و«المغني» (٣/ ٢٥٦)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٢٠).\n(^٤) «كشاف القناع» (٢/ ٤١٩).\n(^٥) «المعونة» (١/ ٥٢٢)، و«حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٩).\n(^٦) ضعيف، أعِل بالانقطاع: أخرجه الترمذي (٨٣٧)، وابن ماجه (٢٣٦)، وغيرهما. وعِلته أن محمد بن المنكدر لم يَسمع من عبد الرحمن بن يربوع. قاله الترمذي في «السُّنن» (٢/ ١٨٦).","vol":"1","page":163},{"text":"والعج: هو رفع الصوت بالتلبية، وهو شعار الحج، فكيف لا يكون واجبًا؟!\nالقول الثالث: أن التلبية ركن في الإحرام، فلا يصح الإحرام بالنية فقط، بل لا بد مع النية من التلبية. وهو قول الحنفية، وابن حبيب من المالكية (^١).\nواستدلوا بما رَوَى ابن عباس: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال: التلبية (^٢).\nونوقش بأن المعنى: (فمَن فَرَض) الإحرام، وهو نية الدخول في النسك (^٣).\nواستدلوا بقياس الحج على الصلاة، فستُفتح الصلاة بتكبيرة الإحرام فلا تكفي النية وحدها، فكذا الحج، لا تَكفي النية وحدها في الإحرام، ولا بد من التلبية معها.\nوأجيب بأن العبادات لا تقاس على بعضها، فقد صح أن النبي ﷺ جَهَر بالنية في بداية الحج، ولم يصح ذلك عنه في الصلاة (^٤).\nوالراجح: أن التلبية سُنة؛ لأن التلبية ذِكر فتُسَن ولا تجب كسائر الأذكار.\n\n<span data-type='title' id=toc-204>المطلب الثالث: فَضْل التلبية:</span>\nعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلاَّ لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا» (^٥).\nوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَهَلَّ مُهِلٌّ قَطُّ إِلَّا بُشِّرَ، وَلَا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ قَطُّ إِلَّا بُشِّرَ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» (^٦).\n_________\n(^١) «شرح فتح القدير» (٢/ ٤٤٦)، و«إرشاد السالك إلى أفعال المناسك» (١/ ١٨٦).\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٨١٦). وفي إسناده شَريك، وهو سيئ الحفظ.\n(^٣) «تفسير الطبري» (١/ ٥٤٠).\n(^٤) «المغني» (٣/ ٢٥٦).\n(^٥) إسناده حسن: فرواه إسماعيل بن عَيَّاش عند الترمذي (٨٢٨)، وعَبِيدة بن حُمَيْد، عند ابن خُزيمة (٢٦٣٤)، ومعاوية بن صالحٍ عند الطبراني في «الكبير» (٥٧٤١) ثلاثتهم عَنْ عُمَارة بن غَزِيَّة، عن أبي حازم، عن سَهْل به. وعُمارة بن غَزِيَّة لا بأس به.\n(^٦) ضعيف: رواه سُهَيْل عن أبيه، واختُلف عليه في الرفع والوقف:\nفرواه زيد بن عُمَر عن سُهيل به مرفوعًا. أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٧٧٧٩).\nوقد استَنكر الذهبي في «الميزان» هذا الخبر على زيد بن عمر بن عاصم، عن سُهيل بن أبي صالح.\nوخالفه وُهَيْب بن خالد عند البيهقي (١٠٤٨٥)، وسليمان بن حرب ذَكَره الدارقطني معلقًا في «العلل» (١٠/ ٢٠٩) كلاهما عن سُهَيْل، عن أبيه، عن مِرْدَاس، عن كعب، موقوفًا به.\nقال الدارقطني: الموقوف هو الصحيح. «العلل» (٥/ ١٤٣).\nوَعَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا سَبَّحَ الْحَاجُّ مِنْ تَسْبِيحَةٍ وَلَا كَبَّرَ مِنْ تَكْبِيرَةٍ، إِلَّا بُشِّرَ بِهَا بُشْرَى». أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٥٤٥٥) ليس فيه ذِكر الجنة.\nوفي إسناده محمد بن عثمان بن أبي شَيْبَة، وفيه مقال.\nوعن مُحَرَّر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أَهَل مُهِلّ قط، إلا آبت الشمس بذنوبه». أخرجه البيهقي في «شُعَب الإيمان» (٥/ ٤٧٥)، ومُحَرَّر بن أبي هريرة لَيِّن الحديث.","vol":"1","page":164},{"text":"وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَضْحَى يَوْمًا مُحْرِمًا مُلَبِّيًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، غَرَبَتْ بِذُنُوبِهِ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-205>المطلب الرابع: لفظ التلبية:</span>\nفي «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ مُلَبِّدًا، يَقُولُ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» لَا يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ (^٢).\nففي حديث ابن عمر وجابر، أن رسول الله ﷺ لم يَزد على تلبيته المشهورة، وأنه لزمها. قال ابن عمر: لَا يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ.\nولكن يُشكل على هذا ما رُوي: كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ» (^٣).\nورُوي عن ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا قَالَ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ»\n_________\n(^١) ضعيف: رواه أحمد (١٥٠٠٨). وإسناده ضعيف؛ لضَعْف عاصم بن عمر وعاصم بن عُبَيْد الله، وقد اضطربا في إسناده.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٩١٥)، ومسلم (١١٨٤). ورَوَى مسلم عن جابر في حديثه الطويل، وفيه: «فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ … وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ».\n(^٣) ضعيف؛ أُعِل بالإرسال: فمدار الحديث على عبد الله بن الفضل عن الأعرج، واختُلف عليه: فوَصَله عبد العزيز بن أَبي سلمة، عن عبد الله، به. أخرجه أحمد (٨٤٩٧)، والنَّسَائي (٢٧٧٢).\nوقد خولف عبد العزيز في وصله، فرواه إسماعيل بن أمية عن عبد الله عن الأعرج، مرسلًا.\nقَالَ النَّسَائي: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الفَضْلِ، إِلَّا عَبْدَ العَزِيزِ، رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْهُ مُرْسَلًا. «سُنن النَّسَائي» (٥/ ٩٧)، قال ابن حجر: فهذه علته. «إتحاف المهرة» (١٥/ ٢٢١).\nويؤيد ذلك أن عبد العزيز سَلَك الجادة، فجَعَله عن الأعرج عن أبي هريرة. وإسماعيل سَلَك غير الجادة، فجَعَله عن الأعرج مرسلًا. وعند الاختلاف نُقَدِّم غير الجادة لأنها تدل على الضبط، بينما تقع الأوهام في الجادة؛ فالمرسل أصح، والله أعلم.","vol":"1","page":165},{"text":"قَالَ: «إِنَّمَا الخَيْرُ خَيْرُ الآخِرَةِ» (^١).\nوفي الباب: عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ تَلْبِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ: «لَبَّيْكَ حَجًّا حَقًّا، تَعَبُّدًا وَرِقًّا» (^٢).\nفالحاصل: أن تلبية رسول الله ﷺ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ». ولم أقف على حديث يصح بغير هذه الصفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-206>المطلب الخامس: وقت التلبية:</span> وفيه أربع مسائل:\nالمسألة الأولى: ابتداء وقت التلبية:\nيُستحب أن يبتدئ المُحْرِم بالتلبية إذا ركب، وابتدأ السير من الميقات.\nالمسألة الثانية: متى يَقطع المُعتمِر التلبية؟\nاختَلف العلماء على قولين في وقت قطع المُعتمِر التلبية:\nالقول الأول: يَقطع المُعتمِر التلبية ببلوغه أول حدود الحَرَم (^٣).\nواستدلوا بما رُوي عن ابن عمر ﵄ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ … وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ (^٤).\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه ابن الجارود (٤٧٠)، وابن خُزيمة (٢٩١٢)، والحاكم (١٧٠٧) وغيرهم. وهذا الإسناد فيه ضعف؛ لحال محبوب بن الحسن، وجميل بن الحسن. قال ابن جماعة: رواه الحاكم وصححه، وليس بصحيح. «هداية السالك» (٢/ ٥١٠). وقال ابن حجر: وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ، مُرْسَلًا. «التلخيص الحبير» (٢/ ٤٥٩).\nفالحاصل: أن كل طرق هذا الحديث ضعيفة، مع شهود خلائق كثيرة في حجة الوداع مع رسول الله ﷺ. قال ابن كثير: هذا إسناد غريب. واستَشهد على ذلك بأن السند على شرط أصحاب السُّنن، وإعراضُهم عن إخراجه دليل على إعلاله. «البداية والنهاية» (٥/ ١٦٢).\n(^٢) ضعيف، أُعِل بالوقف: مدار الحديث على هشام بن حسان، واختُلف عليه: فرواه النَّضْر، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أخيه يحيى، عن أنس، به. أخرجه البزار (٦٨٠٣).\nورواه حماد بن زيد، عن هشام، عن حفصة، عن يحيى، أنه حج مع أنس، موقوفًا. وقد أخرجه مُسَدَّد في «المطالب العالية» (٧/ ٦٨). وقد رَجَّح الدارقطني الوقف. «العلل» (٦/ ٣).\nوله طرق أخرى كلها ضعيفة، انظر «نتائج الأفكار» (٥/ ٢٥٣)، و«التلخيص الحبير» (٢/ ٥٢٤).\n(^٣) وهو قول ابن عمر، وعروة بن الزُّبَيْر، وهو مذهب المالكية. «الاستذكار» (١١/ ٢٠٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٥٧٣).","vol":"1","page":166},{"text":"القول الآخَر: أن المعتمر لا يَقطع التلبية إلا في بَدْء الطواف. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ» (^٢).\nوالراجح: أن المعتمر يَقطع التلبية ببلوغه أول حدود الحَرَم؛ لحديث ابن عمر الدالّ على أن رسول الله ﷺ كان يُمسِك عن التلبية إذا دخل أدنى الحَرَم.\nالمسألة الثالثة: وقت التلبية للحاج:\nلا بد أن نُفرِّق بين حالين للحاج في أمر التلبية:\nالأول: أن الحاج إذا أَحْرَم لَبَّى، فلا يَزال يلبي حتى يَدخل أول الحَرَم، فيَقطع التلبية ببلوغه أول حدود الحَرَم.\nالثاني: ثم يَعود الحاج إلى التلبية من خروجه من مكة إلى مِنًى في اليوم الثامن، ثم إلى عرفة في اليوم التاسع ثم مزدلفة، ولا ينقطع عن التلبية إلا في يوم النحر عند جمرة العقبة؛ لحديث الفضل، أن رسول الله ﷺ لم يَزَل يُلبِّي حتى بَلَغ الجمرة (^٣).\n_________\n(^١) «الاستذكار» (١١/ ٢٠٣).\n(^٢) ضعيف: فمدار الحديث على عطاء، عن ابن عباس، واختُلف عليه:\nفرواه ابن أبي ليلى، عن عطاء، به مرفوعًا. أخرجه أبو داود (١٨١٠) وقال: ورَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَهَمَّامٌ، كِلَاهُمَا عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَوْقُوفًا.\nوقد أُعِل هذا الحديث بعلتين:\nالأولى: ما قاله الشافعي: وَجَدْنَا حُفَّاظَ الْمَكِّيِّينَ يَقِفُونَهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. «معرفة السُّنن» (٧/ ٢٦٨).\nالثانية: ما قاله البيهقي: رَفْعُهُ خَطَأٌ، وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى هَذَا كَثِيرَ الوَهْمِ، وَخَاصَّةً إِذَا رَوَى عَنْ عَطَاءٍ، فَيُخْطِئُ كَثِيرًا. «السُّنن» (١٠/ ٣٧).\nولهذا الحديث شواهد، منها:\n١ - شاهد عبد الله بن عمرو عند أحمد (٦٦٨٥) وفي إسناده: الحَجَّاج بن أرطاة، لا يُحتج به.\n٢ - شاهد أبي بَكْرة، أَخْرَجه البيهقي (٩٤٨٨) وقال: هذا إسنادٌ غير قوي.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٦٧٠)، ومسلم (١٢٨١).","vol":"1","page":167},{"text":"المسألة الرابعة: انتهاء وقت التلبية في الحج:\nاختَلف العلماء على قولين في ذلك:\nالقول الأول: تنتهي التلبية في الحج عند ابتداء رمي جمرة العقبة يوم النحر. وهذا مذهب الحنفية والشافعية، والحنابلة في رواية (^١).\nواستدلوا بحديث الفضل، أن رسول الله ﷺ لم يَزَل يُلبِّي حتى بَلَغَ الجمرَة (^٢). فالحديث نص في انتهاء التلبية عند ابتداء رمي جمرة العقبة، وقد جاء من رواية الفضل بن العباس ﵄، وقد كان رديفَه ﷺ يومئذٍ، وهو أعلم بحاله من غيره.\nالقول الآخَر: لا يَقطع التلبية حتى يَرمي جَمْرة العَقَبة بأَسْرها. وهو قول لأحمد.\nواستَدل بظاهر حديث أن رسول الله ﷺ لم يَزَل يُلَبِّي حتى رَمى جَمْرة العَقَبة.\nونوقش هذا الاستدلال بأن قوله: (لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) مُفسَّر برواية أخرى عن الفضل، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الجَمْرَةَ (^٣).\nويؤيد ذلك ما رواه ابن مسعود قال: رَمَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ بِأَوَّلِ حَصَاةٍ (^٤).\nوالراجح: أن التلبية تنتهي عند ابتداء رمي جمرة العقبة يوم النحر.\nوَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: (حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) فمفهومه أن النبي ﷺ لم يكن يلبي أثناء الرمي، بل كان يُكبِّر؛ لأن ظَرْف الرميِ\n_________\n(^١) «البحر الرائق» (٢/ ٣٧١)، و«المجموع» (٨/ ١٥٤)، و«الفروع» (٥/ ٣٩٥)، و«المغني» (٥/ ٢٩٧).\n(^٢) رواه البخاري (١٦٧٠)، ومسلم (١٢٨١).\n(^٣) «صحيح البخاري» (١٦٧٠).\n(^٤) ضعيف: أخرجه ابن خُزيمة (٢٨٨٦) من طريق شَريك، عن عامر، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، به.\nوفي إسناده: شَريك النَّخَعي، سيئ الحفظ كثير الوهم. وعامر بن شقيق لَيِّن الحديث.\nوقال الدارقطني: يرويه عامر، وغيره لا يرفعه، والموقوف أصح. «العلل» (١٣/ ٢٧٠).","vol":"1","page":168},{"text":"لا يَستغرق غير التكبير؛ لِتتابُع رَمْي الحصيات.\n\n<span data-type='title' id=toc-207>المطلب السادس: رَفْع الصوت بالتلبية:</span>\nيُسَن للرجل أن يَرفع صوته بالتلبية.\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا» (^١).\nوعن السائب بن خَلَّاد ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي- أَوْ: مَنْ مَعِيَ- أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ- أَوْ: بِالإِهْلَالِ، يُرِيدُ أَحَدَهُمَا-» (^٢).\nأما المرأة، فتُكْثِر من التلبية، ولا تَرفع صوتها، وإنما تُلبي سرًّا بالقَدْر الذي تُسمِع به نفسها؛ وذلك لِما يُخشَى من رفع صوتها من الفتنة. وقد أَجْمَعَ العلماء على ذلك (^٣).\nالمطلب السابع: حُكم التلبية بغير اللغة العربية:\nلا تَجوز التلبية بغير العربية لمن يُحْسِنها؛ لأن التلبية ذِكر كالأذكار المشروعة للصلاة والنوم والأذان. أما إذا كان الملبي لا يُحْسِن اللغة العربية، فله أن يلبي بلغته، على قول جماهير العلماء (^٤).\nوأما الصبي والأخرس فيُلبَّى عنهما؛ لحديث جابر قال: حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمَعَنَا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَلَبَّيْنَا عَنِ الصِّبْيَانِ، وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ.\n* * *\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٢٤٧). وقال النووي: فِيهِ اسْتِحْبَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ رَفْعًا مُقْتَصَدًا، بِحَيْثُ لَا يُؤْذِي نَفْسَهُ. «شرح مسلم» (٨/ ٢٣٢).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه مالك (٩٣٨)، وأحمد (١٦٥٦٧).\n(^٣) «التمهيد» (١٧/ ٢٤٢)، وحكاه عنه ابن رُشْد في «بداية المجتهد» (١/ ٣٣٧).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٦١)، و«نهاية المحتاج» (٣/ ٢٧٤)، و«مسائل أحمد» رواية ابن هانئ (ص: ١٩٤).","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type='title' id=toc-208>الحاصل في سُنن الإحرام بين يدي الإحرام</span>\nالمبحث الأول: تعريف الإحرام:\nالإحرام في الشرع: هو نية الدخول في نسك الحج أو العمرة أو كليهما.\nالمبحث الثاني: حُكْم الإحرام:\nالإحرام ركن من أركان الحج، كتكبيرة الإحرام. ولعموم قول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات» فلا يصح حج إلا بنية، والإحرام هو نية الدخول في النسك.\nالمبحث الثالث: الحكمة من مواقيت الإحرام:\nالأولى: أنها تَغرس في نفس المُحْرِم الطاعة والاستسلام لله.\nالثانية: أن المُحْرِم يتذكر بالتجرد من ملابسه ولُبس الإحرام الكفن والقدوم على ربه.\nالثالثة: في عدم حصر الإحرام بمكان واحد رَفْع الحرج عن المُكلَّفين.\nالفصل الأول: سُنن الإحرام:\nالسُّنة الأولى: يُستحب النزول في المواقيت المكانية؛ لفِعل الرسول ﷺ.\nالسُّنة الثانية: يُستحب الاغتسال للمُحْرِم عند إرادة الإحرام بحج أو عمرة، بالإجماع. وكذا الحائض والنُّفَساء. ويُستحَب له حلق العانة ونتف الإبط وقص الشارب وتقليم الأظفار؛ لأنه إذا كان يُستحب الغسل للتنظف، فهذا يَدخل في عموم التنظف للإحرام.\nالسُّنة الثالثة: الإحرام في إزار ورداء ونعلين؛ لِما رَوَى ابن عباس قال: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ، بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ، وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ.\nالسُّنة الرابعة: يُستحب التطيب في البدن لا في الثياب، قبل الدخول في الإحرام.\nالسُّنة الخامسة: يُستحب أن يُحْرِم عَقيب صلاةِ فرض أو تطوع إن كان وقت تطوع. فإن كان في الميقات مسجد، استُحب أن يصليهما فيه.\nالسُّنة السادسة: يُستحب أن يبتدئ بالإحرام: (لبيك حجًّا) والتلبية: (لبيك اللهم لبيك) بعد ركوبه السيارة، في ابتداء سيره من الميقات، بعد خروجه من المسجد.","vol":"1","page":170},{"text":"السُّنة السابعة: التلبية، وفيها سبعة مطالب:\nالمطلب الأول: التلبية في الشرع هي قول المُحْرِم: (لبيك اللهم لبيك …).\nالمطلب الثاني: التلبية سُنة؛ لأنها ذِكر فتُسَن ولا تجب كسائر الأذكار.\nالمطلب الثالث: فَضْل التلبية: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي، إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا».\nالمطلب الرابع: لفظ التلبية: الصحيح أن تلبية رسول الله ﷺ هي: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ) من حديث ابن عمر في «الصحيحين»، وحديث جابر عند مسلم، ولم أقف على حديث يصح بغير هذه الصفة.\nالمطلب الخامس: وقت انقطاع التلبية: يَقطع المعتمر التلبية ببلوغه أول حدود الحرم؛ لحديث ابن عمر الدالّ على أن رسول الله ﷺ كان يُمسِك عن التلبية إذا دخل أدنى الحرم. وحديث ابن عباس: «يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ» حديث ضعيف، والصحيح فيه الوقف.\nوأما التلبية فتنتهي في الحج عند ابتداء رمي جمرة العقبة يوم النحر، فَعَنِ الفَضْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الجَمْرَةَ.\nالمطلب السادس: رَفْع الصوت بالتلبية:\nيُسَن للرجل أن يَرفع صوته بالتلبية؛ لِما رَوَى مسلم: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا».\nوأما المرأة فتُكْثِر من التلبية، ولكنها لا تَرفع صوتها، وإنما تلبي سرًّا بالقَدْر الذي تُسْمِع به نفسها؛ وذلك لِما يُخشَى من رفع صوتها من الفتنة.\nالمطلب السابع: حُكْم التلبية بغير اللغة العربية:\nلا تَجوز التلبية بغير العربية لمن يُحْسِنها؛ لأن التلبية ذِكر كالأذكار المشروعة للصلاة والنوم والأذان، وأما إذا كان الملبي لا يُحْسِن اللغة العربية، فله أن يلبي بِلُغته، على قول جماهير العلماء. وأما الصبي والأخرس فيُلبَّى عنهما.","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type='title' id=toc-209>الفصل الثاني: محظورات الإحرام:</span>\nوهذه المحظورات ترجع إلى أربعة أصول:\nالأصل الأول: ما يتعلق بترفيه البدن. وفيه ثلاثة محظورات:\nالمحظور الأول: حَلْق الشَّعْر أو تقصيره.\nالمحظور الثاني: تقليم الأظفار.\nالمحظور الثالث: الطِّيب.\nالأصل الثاني: ما يتعلق بالمَخيط. وهو قسمان:\nالقسم الأول: المحظورات التي تختص بالرجال اثنتان:\nالمحظور الأول: لُبس المَخيط.\nالمحظور الثاني: تغطية الرأس.\nالقسم الثاني: المحظورات التي تختص بالنساء اثنتان:\nالمحظور الأول: النقاب.\nالمحظور الثاني: القُفازان.\nالأصل الثالث: ما يتعلق بنكاح المُحْرِم. ويشتمل على أربعة محظورات:\nالمحظور الأول: الخِطبة للمُحْرِم.\nالمحظور الثاني: عَقْد النكاح.\nالمحظور الثالث: مباشرة النساء.\nالمحظور الرابع: الجماع.\nالأصل الرابع: قتل الصيد البري.","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-210>تمهيد\nمعنى محظورات الإحرام</span>\nالمحظورات: جَمْع محظور، وهو الممنوع، وهو من مرادفات الحرام، وهو ما يُمْنَع منه المُحْرِم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠].\nومحظورات الإحرام: هي الممنوعات التي يجب على المُحْرِم اجتنابها؛ بسبب إحرامه ودخوله في النسك (^١).\nوالمحظورات ترجع إلى أربعة أصول:\n\n<span data-type='title' id=toc-211>الأصل الأول: ما يتعلق بترفيه البدن.</span> وفيه ثلاثة محظورات،\nوهي: حَلْق الشَّعْر، وتقليم الأظفار، والطِّيب.\n\n<span data-type='title' id=toc-212>المحظور الأول: حَلْق الشَّعْر:</span> وفيه أربعة مباحث:\n<span data-type='title' id=toc-213>المبحث الأول: حَلْق شَعْر الرأس أو تقصيره:</span>\nحَلْق شَعر الرأس أو تقصيره من محظورات الإحرام، بالكتاب والسُّنة والإجماع.\nأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوتجب الفدية بحلق الرأس؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوأما السُّنة، فَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ! قَالَ: «فَاحْلِقْ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوْ انْسُكْ نَسِيكَةً» (^٢).\n_________\n(^١) «النهاية» لابن الأثير (مادة: حظر)، و«الحدود الأنيقة» لزكريا الأنصاري (ص: ٧٦).\n(^٢) رواه البخاري (٤١٩٠)، ومسلم (١٢٠١).","vol":"1","page":173},{"text":"وأما الإجماع، فنُقِل الإجماع على أن حلق شعر الرأس أو تقصيره من محظورات الإحرام، وتجب به الفدية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-214>المبحث الثاني: هل تجب الفدية بإزالة شَعر بقية البدن؟</span>\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالأول: تجب، وهو مذهب الأئمة الأربعة.\nقال ابن عبد البر: لا خلاف أنه لا يَجوز للمُحْرِم أَخْذ شيء من شَعْر رأسه وجسده لضرورة ما دام مُحْرِمًا. ولكن هذا الإجماع منخرم؛ فقد خالف الظاهرية فقالوا: لا يُحْظَر حلق شعر غير شعر الرأس للمُحْرِم (^٢).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة القياس:\nأما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩].\nوَجْه الدلالة ما قاله البغوي: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ التَّفَثُ: الْوَسَخُ وَالقَذَارَةُ مِنْ طُولِ الشَّعْرِ وَالأَظْفَارِ وَالشَّعَثِ. تَقُولُ الْعَرَبُ لِمَنْ تَسْتَقْذِرُهُ: مَا أَتْفَثَكَ! أَيْ: مَا أوْسَخَكَ! وَالحَاجُّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ، أيْ: لَمْ يَحْلِقْ شَعْرَهُ وَلَمْ يُقَلِّمْ ظُفْرَهُ، فَقَضَاءُ التَّفَثِ إِزَالَةُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ أَيْ: لِيُزِيلُوا أَدْرَانَهُمْ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْخُرُوجُ عَنِ الْإِحْرَامِ بِالْحَلْقِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَالِاسْتِحْدَادِ وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ وَلُبْسِ الثِّيَابِ (^٣).\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «التَّفَثُ: الرَّمْيُ، وَالذَّبْحُ، وَالْحَلْقُ، وَالتَّقْصِيرُ، وَالْأَخْذُ مِنَ الشَّارِبِ وَالْأَظْفَارِ وَاللِّحْيَةِ» (^٤).\nوأما السُّنة، فَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا» (^٥).\n_________\n(^١) ونَقَل الإجماع: ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٥٢)، والنووي في «المجموع» (٧/ ٢٤٧)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ٣٨٥).\n(^٢) «الاستذكار» (٤/ ١٦٠).\n(^٣) «تفسير البغوي» (٣/ ٣٣٦).\n(^٤) إسناده صحيح: رواه ابن أبي شيبة (١٥٦٧٣) عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس، به.\n(^٥) مسلم (١٩٧٧).","vol":"1","page":174},{"text":"وَجْه الدلالة: أن المضحي لم يُمْنَع من الأخذ من شعر رأسه فقط، بل مُنِع من الأخذ من شعر الشارب والإبط والعانة، فالمُحْرِم أَوْلَى بذلك منه.\nوأما القياس، فقاسوا شعر الجسد على شعر الرأس؛ بجامع أن الكل يَحصل بحلقه الترفه والتنظف، وهو ينافي الإحرام؛ لكَوْن المُحْرِم أشعث أغبر (^١).\nالقول الثاني: أنه لا فدية بإزالة شعر بقية البدن غير شعر الرأس. وبه قال الظاهرية (^٢).\nواستدلوا بأن النص جاء بتحريم حلق الرأس فقط، ولا يصح قياسُ غيره عليه.\nونوقش: فَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ؛ لأَنَّهُ الغَالِبُ، ولِيُنَبِّهَ بِهِ عَلَى شَعْرِ الْجَسَدِ؛ لِوُجُودِ مَعْنَى الرَّأْسِ فِيهِ وَزِيَادَةٍ (^٣).\nوالراجح: أنه لا يَجوز للمُحْرِم أَخْذ شيء مِنْ شعر رأسه وجسده، كقص شاربه ونَتْف إبْطه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. وللقياس على شعر الرأس. وتجب الفدية بالأخذ من شعر الرأس أو الجسد.\n\n<span data-type='title' id=toc-215>المبحث الثالث: مقدار الحلق الذي تجب به الفدية:</span>\nاتَّفَق العلماء على أنه إذا سقط شعر المُحْرِم بنفسه، فلا فدية فيه. أما إذا كان بفعله، فقد اختلفوا في مقدار الحلق الذي تجب به الفدية على أربعة أقوال:\nالقول الأول: تجب الفدية في حلق الشَّعر حلقًا يكاد أن يكون كاملًا. أما إذا أَخَذ شعرات فإنه يَحرم عليه، لكن الفدية لا تجب. وهو قول المالكية وابن حزم (^٤).\nواستدلوا لهذا القول بالكتاب والسُّنة:\nأما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوَجْه الدلالة: أن مَنْ أَخَذ شعرات من رأسه لا يقال: إن هذا حالق الرأس.\nوأما السُّنة، فَعَنْ كَعْبِ قَالَ: أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى\n_________\n(^١) «الذخيرة» (٣/ ٣٠٨)، و«المجموع» (٧/ ٢٤٧).\n(^٢) «المُحَلَّى» (٥/ ٢٧٨).\n(^٣) «الحاوي» (٤/ ١١٦).\n(^٤) «الذخيرة» (٣/ ٣٠٨، ٣٠٩)، و«المُحَلَّى» (٥/ ٢٢٨).","vol":"1","page":175},{"text":"وَجْهِي، فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ! قَالَ: «فَاحْلِقْ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ …».\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ- وَهُوَ مُحْرِمٌ- فِي رَأْسِهِ» (^١).\nوَجْه الدلالة: أن الحجامة في الرأس من ضرورتها أن يُحلَق الشَّعر من مكان المَحاجم، ولم يُنقَل عن النبي ﷺ أنه افتدى؛ لأن الشَّعر الذي يُزال من أجل المَحاجم لا يماط به الأذى، فهو قليل بالنسبة لبقية الشَّعر.\nالقول الثاني: تجب الفدية بحلق أكثر من عَشْر شعرات، وإِنْ أَخَذ عَشْرًا فأقل ولم يَقصد به إماطة الأذى، فيجب عليه أن يتصدق بحفنة من طعام. وهو قول للمالكية (^٢).\nالقول الثالث: تجب الفدية بحلق ثلاث شعرات فأكثر. وهو قول للشافعية، والمذهب عند الحنابلة (^٣).\nالقول الرابع: تجب الفدية بحلق ربع الرأس. وهو قول الحنفية (^٤).\nفالحاصل: أن حلق رأس المُحْرِم لا يخلو من أربع حالات:\nالأولى: إِنْ أَخَذ شعرات، فلا يُعَد حلقًا، وليس عليه شيء (^٥).\nالثانية: إذا حَلَق بعض الرأس لعذر كالحجامة أو مداواة جرح، فإنه لا شيء عليه؛ لأن رسول الله ﷺ احتجم- وهو مُحْرِم- في رأسه، ولم يُنْقَل أنه فدى.\nالثالثة: تجب الفدية في حلق أكثر شَعْر المُحْرِم.\nالرابعة: إِذَا خَرَجَ في عَيْنَيْهِ شَعَرٌ، أَوِ اسْتَرْسَلَ شَعَرُ حَاجِبَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ، فَغَطَّاهُمَا، فَلَهُ إِزَالَتُهُ (^٦).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٧٠١).\n(^٢) «شرح خليل» (٢/ ٣٥٥)، و«حاشية الدسوقي» (٢/ ٦٠).\n(^٣) «المهذب» (١/ ٣٩٢)، و«الإنصاف» (٣/ ٤٥٦).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٩٢)، و«فتح القدير» (٣/ ٣١)، و«حاشية ابن عابدين» (٢/ ٥٤٩).\n(^٥) يَحرم أَخْذ شعرات من رأس المُحْرِم؛ لأنه نُهي عن حلق شعر رأسه، وهذا يَشمل القليل والكثير، والقاعدة أن امتثال الأمر لا يَتم إلا بفعل جميعه، وامتثال النهي لا يَتم إلا بترك جميعه، لكن الفدية لا تجب إلا بحلق ما يَحصل به الترفه وزوال الأذى.\n(^٦) «الشرح الكبير على المُقْنِع» (٨/ ٢٣٢).","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type='title' id=toc-216>المبحث الرابع: غَسْل رأس المُحْرِم وتسريحه:</span>\nذهب جماهير العلماء إلى أنه لا بأس بَغسل المُحْرِم رأسه، وتسريحه (^١).\nواستدلوا بأن أبا أيوب اغتسل وهو مُحْرِم، وقال: هكذا رأيتُه ﷺ يَفعل (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-217>المحظور الثاني: تقليم الأظفار:</span> وفيه أربعة مباحث:\n<span data-type='title' id=toc-218>المبحث الأول: حُكْم إزالة الأظفار للمُحْرِم:</span>\nقال ابن قُدامة: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ قَلْمِ أَظْفَارِهِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الْأَظْفَارِ إزَالَةُ جُزْءٍ يَتَرَفَّهُ بِهِ فَحُرِّمَ، كَإِزَالَةِ الشَّعْرِ (^٣).\nوهذا الإجماع منخرم؛ فقد خالف الظاهرية فقالوا: إن المُحْرِم غير ممنوع من أخذ أظفاره، والصحيح: أن هذا قول جماهير العلماء (^٤).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] أَيْ: لِيُزِيلُوا أَدْرَانَهُمْ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْخُرُوجُ عَنِ الْإِحْرَامِ بِالْحَلْقِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَالِاسْتِحْدَادِ وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ. وَلِأَنَّ فِي قَصِّهِ لِلَأَظْفَارِ إِزَالَةَ جُزْءٍ يَنْمُو مِنْ بَدَنِهِ، يَقْضِي بِهِ تَفَثَهُ، وَيَتَرَفَّهُ بِإِزَالَتِهِ، أَشْبَهَ الشَّعْرَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-219>المبحث الثاني: ما يجب من الفدية في تقليم الأظفار:</span>\nيجب في تقليم الأظفار فدية: ذَبْح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين (^٥).\nقال ابن قُدامة: فدَلَّتِ الآيَةُ والخَبَرُ على وُجُوبِ الفِدْيَةِ في حَلْقِ الشَّعَرِ، وَقِسْنَا عَلَيْهِ تَقْلِيمَ الأظْفارِ؛ لأنَّه حُرِّمَ في الإِحْرامِ لأجْلِ التَّرَفُّهِ، فَأَشْبَهَ حَلْقَ الشَّعَرِ (^٦).\n_________\n(^١) قال النووي: وَأَمَّا حَكُّ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ، فَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي إبَاحَتِهِ. «المجموع» (٧/ ٢٤٨).\nنَقَل الإجماع على ذلك ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ١٦٠) وهذا الإجماع منخرم؛ فهناك قول للمالكية بعدم جواز ذلك. «الكافي» (١/ ٣٨٧).\n(^٢) رواه البخاري (١٨٤٠)، ومسلم (١٢٠٥).\n(^٣) «الإجماع» (ص: ٥٢)، و«المغني» (٥/ ١٤٦).\n(^٤) قال النووي: وَقَالَ دَاوُدُ: يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَلْمُ أَظْفَارِهِ كُلِّهَا، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَحْرِيمِ قَلْمِ الظُّفْرِ فِي الْإِحْرَامِ. فَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَعْتَدُّوا بِدَاوُدَ. «المجموع» (٧/ ٢٤٨).\n(^٥) «البحر الرائق» (٣/ ١٢)، و«الكافي» (١/ ٣٨٩)، و«المجموع» (٧/ ٢٤٧).\n(^٦) «الشرح الكبير على المقنع» (٨/ ٢٢٦) وعَدَمُ النص لا يَمنع قياسه على المنصوص.","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type='title' id=toc-220>المبحث الثالث: قص ما انكسر من الظفر:</span>\nإِنِ انكسر ظفره فله قص ما انكسر منه، ولا شيء عليه.\nقال ابن المُنذِر: أجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى أنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُزِيلَ ظُفْرَهُ بِنَفْسِهِ إِذَا انْكَسَرَ؛ لأَنَّ بَقَاءَهُ يُؤْلِمُهُ، أَشْبَهَ الشَّعَرَ النّابِتَ فِي عَيْنِهِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-221>المبحث الرابع: في كَمْ ظفر يُقَلَّم تجب به الفدية؟</span>\nاختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالأول: مَنْ قَلَّم ظفرًا لإماطة الأذى، فعليه الفدية. وهذا مذهب المالكية (^٢).\nالثاني: أن مَنْ قَلَّم ثلاثة أظفار فعليه دم. وبه قال الشافعية والحنابلة (^٣).\nالثالث: أن مَنْ قَلَّم خمسة أظفار فعليه دم. وهو مذهب الحنفية (^٤).\nوالراجح: أن مَنْ قَلَّم ظفرًا لإماطة الأذى فعليه الفدية، فالمُحْرِم ممنوع من الأخذ من الأظفار؛ لأن هذا ينافي الإحرام لكون المُحْرِم أشعث؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] ولأنه إزالة جزء ينمو من بدنه، يَقضي به تفثه، ويترفه بإزالته، أَشْبَه الشَّعر.\n\n<span data-type='title' id=toc-222>المحظور الثالث: الطِّيب للمُحْرِم: وفيه عَشَرة مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-223>المبحث الأول: حُكْم الطِّيب للمُحْرِم:</span>\nالطِّيب من محظورات الإحرام في البدن والثوب، بالسُّنة والإجماع.\nأما السُّنة، فعن يعلى بن أُمية ﵁ قال: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ (^٥) وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ؟ (^٦) فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الوَحْيُ، فَقَالَ: «أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنِ العُمْرَةِ؟»\n_________\n(^١) «الإجماع» (ص: ٥٢)، و«الشرح الكبير على المقنع» (٨/ ٢٢٢).\n(^٢) «الشرح الكبير» للدردير (٢/ ٥٦)، و«حاشية الصاوي» (٢/ ٨٥).\n(^٣) «الحاوي» (٤/ ١١٧)، و«الإنصاف» (٣/ ٤٥٥).\n(^٤) «المبسوط» (٤/ ٧٧)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ١٩٤)، و«حاشية ابن عابدين» (٢/ ٥٥٦).\n(^٥) الجِعرانة: موضع قريب من مكة، وهي في الحِل، وميقات للإحرام. «النهاية» (مادة: جعر).\n(^٦) التضمخ: التلطخ بالطِّيب وغيره، والإكثار منه، حتى كأنما يَقطر. «لسان العرب» (مادة: ضمخ).","vol":"1","page":178},{"text":"فَأُتِيَ بِرَجُلٍ فَقَالَ: «اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ» (^١).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ، وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ … وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا» (^٢).\nوَجْه الدلالة: ما قاله ابن قُدامة: فَلَمَّا مُنِعَ الْمَيِّتُ مِنَ الطِّيبِ لِإِحْرَامِهِ، فَالْحَيُّ أَوْلَى (^٣).\nوأما الإجماع، فنَقَل غير واحد الإجماع على أن المُحْرِم ممنوع من الطِّيب (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-224>المبحث الثاني: الحِكَم من تحريم الطِّيب على المُحْرِم:</span>\nالحكمة الأولى: كَوْنه من أسباب دواعي الوَطْء، فتحريمه مِنْ سد باب الذريعة، فإن الطِّيب يُعطِي الإنسان نشوة، وربما يُحَرِّك شهوته ويُلهِب غريزته، ويَحصل بذلك فتنة له، والله تعالى يقول: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] (^٥).\nالحكمة الثانية: أنه يُنَافِي تَذَلُّل الحاج، فإن الحاج أشعث أَغْبَر. وقد ينسيه ما هو فيه من العبادة؛ لِما فيه من الترفه، وهذا يخالف مقصود الحج من التجرد عن زينة الدنيا ومَلاذها، ويَجتمع همه للآخرة؛ فلذلك نُهِيَ عنه المُحْرِم.\n\n<span data-type='title' id=toc-225>المبحث الثالث: ضابط الطِّيب المحظور على المُحْرِم. وفيه أربعة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-226>المطلب الأول: الطِّيب المتفق على تحريمه على المُحْرِم:</span>\nاتَّفَق العلماء على أن كل ما كان معروفًا عند الناس بأنه طِيب لطِيب رائحته ويُتَّخَذ للشَّم، فهو محظور على المُحْرِم، مِثل المِسك والكافور والزعفران والعُود والعنبر (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-227>المطلب الثاني: اتَّفَق العلماء على جواز شم المُحْرِم نبات الصحراء، مما له رائحة</span>\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٥٣٦)، ومسلم (١١٨٠).\n(^٢) رواه البخاري (١٢٦٧)، ومسلم (١٢٠٦).\n(^٣) «المغني» (٥/ ١٤٠).\n(^٤) نَقَل الإجماع: ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٥٢)، وابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ٤٢)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ١٩)، و«التمهيد» (١٥/ ١٢٢)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ١٤٢).\n(^٥) «إعلام المُوقِّعين» (٣/ ١٤١)، و«الشرح الممتع» (٧/ ١٣٨).\n(^٦) «التمهيد» (٢/ ٢٦٢). وقال ابن قُدامة: وَمَعْنَى الطِّيبِ: مَا تَطِيبُ رَائِحَتُهُ وَيُتَّخَذُ لِلشَّمِّ، كَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَالْكَافُورِ، وَالْغَالِيَةِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَمَاءِ الْوَرْدِ. «المغني» (٥/ ١٤٠).","vol":"1","page":179},{"text":"زكية، كالإِذْخِر والفواكه طيبة الرائحة.\n\n<span data-type='title' id=toc-228>المطلب الثالث: حُكم شم الرياحين للمُحْرِم:</span>\nاختَلف العلماء على قولين فيما يُنبته الآدميون للطِّيب ولا يُتخَذ منه الطِّيب، كالرياحين والنرجس، فهل يَجوز للمُحْرِم شمها؟ وهل هو موجب للفدية؟\nالقول الأول: أنه لا فدية على المُحْرِم إذا شم الرياحين. وهو مذهب الحنفية والمالكية، وقول الشافعية والحنابلة (^١).\nفَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي الْمُحْرِمِ يَدْخُلُ الْبُسْتَانَ، قَالَ: «نَعَمْ، وَيَشُمُّ الرَّيْحَانَ» (^٢).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَا بَأْسَ أَنْ يَشُمَّ الْمُحْرِمُ الرَّيْحَانَ» (^٣).\nالقول الآخَر: أن الفدية تجب على المُحْرِم بشم الرياحين. وهو الصحيح عند الشافعية، ورواية عن أحمد (^٤).\nوالراجح: أنه لا فدية على المُحْرِم إذا شم الرياحين؛ لأن المحظور على المُحْرِم هو وضع الطِّيب على الثوب أو البدن، وليس مجرد الشم، والأحوط للدِّين والأبرأ للذمة ألا يتقصد شم الرياحين.\n\n<span data-type='title' id=toc-229>المطلب الرابع: حُكْم استعمال البخور للمُحْرِم:</span>\nيَحرم استعمال البخور على المُحْرِم. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ١٢٣)، و«المدونة» (١/ ٣٤٣)، و«الحاوي» (٤/ ١٠٨)، و«المغني» (٥/ ١٤١).\n(^٢) أخرجه ابن المقرئ في «معجمه» (١١٠٨). قال ابن عبد الهادي: هذا حديث موضوع، وإسناده مصنوع، عند أدنى مَنْ له بصيرة في هذا الشأن، وَضَعه بعض المجاهيل. «تنقيح التحقيق» (٣/ ٤٧١). وقال المُنذرِي: هو أثر غريب. «البدر المنير» (٦/ ٣٨٢).\n(^٣) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٨١٩)، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.\nوتابع هشامًا أيوب عند الدارقطني (٢٤٨٠) من طريق أبي معاوية، عن ابن جُرَيْجٍ، به.\n(^٤) «الأم» (٢/ ١٥٢)، و«كشاف القناع» (٢/ ٤٣٠).\nورَوَى ابن أبي شيبة (١٤٨٢٧) بسند صحيح: عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ شَمَّ الرَّيْحَانِ لِلْمُحْرِمِ.\nوَصَحَّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يُسْأَلُ عَنِ الرَّيْحَانِ: أَيَشُمُّهُ الْمُحْرِمُ، وَالطِّيبِ وَالدُّهْنِ؟ فَقَالَ لَا. أخرجه الشافعي في «مسنده» (٨٦٥)، وابن الجعد في «مسنده» (٢٦٢٣).\n(^٥) «مواهب الجليل» (٤/ ٢٢٠)، و«المجموع» (٧/ ٢٨١)، و«كشاف القناع» (٢/ ٤٢٩).","vol":"1","page":180},{"text":"واستدلوا بعمومات الأدلة من السُّنة والإجماع على منع المُحْرِم من الطِّيب، والبخور من جملة أنواع الطِّيب الذي حُظر على المُحْرِم استعماله، وأنه يَصدق على مَنْ تَبَخَّر أنه تَطيَّب. وإذا كان المقصود من الطِّيب هو الاستمتاع برائحته، فالبخور أَوْلَى بالتحريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-230>المبحث الخامس: بقاء الطِّيب بعد الإحرام: وفيه مطلبان:</span>\nأَجْمَع العلماء على تحريم وضع الطِّيب في الثوب والبدن بعد الإحرام، وتجب به الفدية، واختلفوا فيمن تَطَيَّب قبل إحرامه ثم بقي الطِّيب واستدام، ولا يخلو من أن يكون بالبدن أو الثوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-231>المطلب الأول: حُكْم استدامة الطِّيب في البدن الذي كان قبل الإحرام:</span>\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالقول الأول: استحباب التطيب في البدن لا في الثياب، قبل الدخول في الإحرام؛ استعدادًا له، ولو بقي جِرمه بعد الإحرام. وهذا مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا لذلك بالسُّنة والمعقول:\nأما السُّنة، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ» (^٢).\nوَجْه الدلالة: (كُنْتُ أُطَيِّبُ .... لِإِحْرَامِهِ) أي: بعد اغتسال النبي ﷺ تضع الطِّيب على بدنه، قبل أن يَلبس ملابس الإحرام.\nوَعَنْها أَيْضًا قَالَتْ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ مُحْرِمٌ» (^٣).\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ كان يضع الطِّيب في مَفْرِق رأسه قبل الإحرام، وعائشة كانت تَرى بريق الطِّيب في مَفْرِق رأسه وهو مُحْرِم ﷺ. فهذا دليل على جواز استدامة الطِّيب في البدن إذا كان قبل الإحرام.\n_________\n(^١) «تبيين الحقائق» (٢/ ٩)، و«الحاوي» (٤/ ١٧٧)، و«المجموع» (٧/ ٢٢١)، و«المغني» (٥/ ٧٧).\n(^٢) رواه البخاري (١٥٣٩)، ومسلم (١١٨٩).\n(^٣) رواه البخاري (٢٧١)، ومسلم (١١٩٠). (وبيص الطِّيب): أي بَريقه. و(مَفْرِق): حيث يُفْرَق فيه الشَّعر.\nوقد تفرد الْحَسَن بْن عُبَيْدِ اللهِ: فقال «وَبِيصِ الْمِسْكِ» وقد خولف من الثقات الأثبات فقالوا،: «وَبِيصِ الطِّيبِ» وليس المسك، منهم الحَكَمُ عند البخاري (٢٧١)، ومسلم (١١٩٠) ومنصور، والأعمش كلاهما عند مسلم، وغيرهم كثير عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ به.","vol":"1","page":181},{"text":"واعتُرض على هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: حَمْل تَطَيُّبِ النَّبِيِّ لِإِحْرَامِهِ عَلَى الخُصُوصِ لَهُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَمْلَكَ النَّاسِ لِإِرْبِهِ. وَلِأَنَّ مَا يُخَافُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ تَذَكُّرِ الْجِمَاعِ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ فِي الْإِحْرَامِ- مَأْمُونٌ مِنْهُ ﷺ (^١).\nونوقش بقول عائشة: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ …» أي: بيدها، ولم يُحْفَظ عنه أنه أَمَرها بغسلها. والخصوصية لا تَثبت إلا بدليل.\nوقالت عائشة: «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مَكَّةَ، فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالسُّكِّ الْمُطَيَّبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَا يَنْهَاهَا» (^٢).\nالوجه الثاني: حَمْل الطِّيب الذي تَطَيَّبَ به النبي ﷺ على نوع لا لون ولا ريح له، فَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «طَيَّبْتُ النَّبيَّ ﷺ لإِحْلَالِهِ، وَطَيَّبْتُهُ لإِحْرَامِهِ، طِيبًا لَا يُشْبِهُ طِيبَكُمْ هَذَا» (^٣) تَعْنِي: لَيْسَ لَهُ بَقَاءٌ.\nونوقش بأن لفظة (لَا يُشْبِهُ طِيبَكُمْ هَذَا) ضعيفة، ولو صحت فمعناها أنه أطيب من طِيبكم، فعن عُروة قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: بِأَيِّ شَيْءٍ طَيَّبْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ\n_________\n(^١) «التمهيد» (١٩/ ٣٠٥).\n(^٢) صحيح: رواه أبو داود (١٨٣٠) وإسحاق (١٧٧٢) من طريق عمر بن سُوَيْد، عن عائشة بنت طلحة، به.\n(^٣) شاذ بهذا اللفظ: ومدار هذا الحديث على الزُّهْري عن عروة، عن عائشة، به. واختُلف عنه في لفظه: فرواه ابن عُيينة، عن الزُّهْري، به، قالت «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» أخرجه مسلم (١١٨٩)، وذَكَر الدارقطني في «العلل» (٩/ ٥٣) أن يونس والزبيدي وإسحاق بن راشد- رَوَوْه عن الزُّهْري عن عروة عن عائشة، مِثل لفظ ابن عُيينة.\nوخالفهم في لفظه ضَمْرة بن ربيعة، فرواه عن الأوزاعي، عن الزُّهْري، به. وزاد فيه: «وَطَيَّبْتُهُ لِإِحْرَامِهِ طِيبًا لَا يُشْبِهُ طِيبَكُمْ هَذَا» تَعْنِي: لَيْسَ لَهُ بَقَاءٌ. أخرجه النَّسَائي (٢٧٠٨).\nوضَمْرة صدوق يهم قليلًا، وهذه اللفظة: (لَيْسَ لَهُ بَقَاءٌ) من أوهامه.\nقال الدارقطني: تَفَرَّد بهذه الأَلفاظ ضَمْرة، وليست بمحفوظة. «العلل» (٩/ ٥٣).\nوقد توبع الزهري من عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ عند البخاري (٥٩٢٨) واللفظ له، ومسلم (١١٨٩) قَالَتْ عائشة: «كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ».\nوقد رواه جماعة عن عائشة بدون هذه الزيادة. منهم القاسم عند البخاري (١٧٥٤) ومسلم (١١٨٩)، والأسود عند البخاري (٢٦٧) ومسلم (١١٩٠)، ومُحَمَّد بْنِ الْمُنْتَشِرِ عند البخاري (٢٧١) ومسلم (١١٩٢)، وعمرة ومسروق كلاهما عند مسلم (١١٨٩) (١١٩٠) وغيرهم كثير بدون الزيادة.","vol":"1","page":182},{"text":"حُرْمِهِ؟ قَالَتْ: بِأَطْيَبِ الطِّيبِ. وفي رواية: بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ (^١). والمسك له رائحة تفوح.\nالوجه الثالث: أن تَطيُّب النبي ﷺ أعقبه اغتسال؛ لقول عائشة: «أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا» (^٢).\nوَإِنَّ الْمُرَادَ بِالطَّوَافِ الْجِمَاعُ، وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ أَنْ لَا يَبْقَى لِلطِّيبِ أَثَرٌ.\nونوقش بقول عائشة: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَحُ طِيبًا» فهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ نَضْحَ الطِّيبِ وَظُهُورَ رَائِحَتِهِ كَانَ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ.\nوأما استدلالهم بالمعقول، فهو أن الطِّيب معنى يراد للاستدامة، فلم يَمنع الإحرام من استدامته كالنكاحِ (^٣).\nالقول الآخَر: خَالَف المالكيةُ الجمهور، فمنعوا من استدامة الطِّيب في البدن، ولكن دون لزوم الفدية (^٤).\nواستدلوا بحديث يعلى بن أُمية، وفيه قول النبي ﷺ للرجل: «اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ …» (^٥).\nوَجْه الدلالة: في أمر النبي ﷺ للرجل بغَسْل أثر الطِّيب الذي ببدنه، وبنزع الجبة التي عليها الطِّيب- دليل على منع المُحْرِم من استدامة الطِّيب بعد الإحرام في بدنه وثوبه، ولم يُلزِمه بالفدية.\nونوقش هذا الاستدلال من أربعة أوجه:\nالوجه الأول: حَمْل الأمر بغَسْل الطِّيب في حديث يعلى على نوع مخصوص من الطِّيب، وهو الخَلوق، كما صَرَّحَتْ به بعض روايات الحديث (^٦).\n_________\n(^١) مسلم (١١٩١).\n(^٢) مسلم (١١٩٢).\n(^٣) «المجموع» (٧/ ٢٢٢)، و«فتح الباري» (٣/ ٣٩٨).\n(^٤) «الذخيرة» (٣/ ٢٢٥).\n(^٥) البخاري (١٥٣٦). وفي رواية: «اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ»، ومسلم (١٢٠٣).\n(^٦) فروى مسلم (١١٨٠) عن يعلى بن أمية، وفيه قول النبي ﷺ للرجل: «انْزِعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الْخَلُوقِ الَّذِي بِكَ».","vol":"1","page":183},{"text":"ونوقش بأن الخَلوق طِيب فيه زعفران، وقد نُهي عنه الرجال مطلقًا، مُحْرِمين وغير مُحْرِمين؛ لأجل التزعفر لا لأجل الإحرام. ولا يَخْفَى تكلفه (^١).\nالوجه الثاني: أن هذا الخَلوق كان في الجُبة لا في البدن.\nونوقش بأنه لو كان الطِّيب في الثياب دون البدن، لكان في الأمر بنزع الجبة كفاية، ولم يكن لقول النبي ﷺ: «اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ» فائدة.\nالوجه الثالث: ما قاله النووي: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الطِّيبَ بَعْدَ إحْرَامِهِ فَأَمَرَ بِإِزَالَتِهِ. وَفِي هَذَا الْجَوَابِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ (^٢).\nونوقش بأن لفظ الحديث يُفْهَم منه أن الرجل استَعمل الطِّيب قبل إحرامه، ولفظ مسلم: قَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي أَحْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ وَعَلَيَّ هَذَا، وَأَنَا مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ (^٣).\nالوجه الرابع: أن حديث عائشة في تطيبب النبي ﷺ في حجة الوداعِ- ناسخ لحديث يعلى بن أُمية المتضمن أمره ﷺ بغَسْل الطِّيب من بدن الرجل وثيابه؛ لأنه كان عَقِب فتح مكة سَنة ثمانٍ، بالإجماع (^٤).\nفحاصل هذا الوجه أن حديث يعلى بن أُمية منسوخ بحديث عائشة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-232>المطلب الثاني: حُكْم بقاء الطِّيب واستدامته بثوب الإحرام بعد الإحرام:</span>\nأَجْمَع العلماء على تحريم لُبس ما مسه الطِّيب حال الإحرام (^٥).\nواختلفوا في جواز وضع الطِّيب على الرداء قبل الإحرام واستدامته، على قولين:\nالقول الأول: يُمنَع الحاج من تطييب ثوب الإحرام قبل إحرامه؛ لعدم جواز استدامة\n_________\n(^١) «الدراية» (٢/ ٨)، و«الأم» (٣/ ٣٨٤)، و«المُحَلَّى» (٧/ ٤٨)، و«زاد المعاد» (٢/ ٢٢٣).\n(^٢) «المجموع» (٧/ ٢٢٢).\n(^٣) البخاري (٤٩٨٥)، ومسلم (١١٨٠) واللفظ له.\n(^٤) قال ابن عبد البر: لَا خِلَافَ أَنَّ قِصَّةَ صَاحِبِ الْجُبَّةِ كَانَتْ عَامَ حُنَيْنٍ، بِالْجِعْرَانَةِ، سَنَةَ ثَمَانٍ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ، وَذَلِكَ سَنَةَ عَشْر. «التمهيد» (١٩/ ٣٠٦). وقال الشافعي: فَكَانَ تَطَيُّبُهُ لِإِحْرَامِهِ وَلِحِلِّهِ نَاسِخًا لِأَمْرِهِ الْأَعْرَابِيَّ بِغَسْلِ الصُّفْرَةِ. «اختلاف الحديث» (٨/ ٦٥٥).\n(^٥) «الإجماع» لابن المنذر (ص: ٥٣)، و«التمهيد» (١٥/ ١٢٢)، و«المغني» (٥/ ١٤٢)، وغيرها.","vol":"1","page":184},{"text":"اللُّبس المُطيَّب بعد الإحرام. وهو مذهب الحنفية والمالكية، وقول عند الشافعية (^١).\nواستدلوا بالسُّنة:\nواستدلوا بأنه لا يَجوز للمُحْرِم أن يضع الطِّيب على ملابس الإحرام قبل أن يُحْرِم فيه؛ لنهي النبي ﷺ عن لُبس المُحْرِم الثوب المُطيَّب، وإذا طَيَّبها لا يلبسها حتى يغسلها أو يُغيِّرها؛ لعموم قول النبي ﷺ: «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ» (^٢).\nواستدلوا بأمر النبي ﷺ للرجل بنزع الجُبة التي فيها طِيب، بقوله: «اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ، وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ».\nالقول الآخَر: جواز استدامة اللُّبس المُطيَّب ولا فدية عليه، ولكن بشرط ألا ينزعه ثم يعود للبسه مرة أخرى، وإلا لزمت الفدية. وهو المشهور عند الشافعية (^٣).\nواستدلوا بحديث عائشة: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ».\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ كان يتطيب قبل الإحرام، واستدامة الطِّيب بعد إحرامه دليل على أن الممنوع هو ابتداء التطيب بعد لبس الإحرام وليس استدامته.\nواعتُرض عليه من وجهين:\nالأول: أن الرخصة إنما جاءت في البدن وليس الثياب؛ لأن الطِّيب في الثوب يبقى لا يُستهلك، بخلاف البدن فإن الطِّيب يُستهلك سريعًا ولا يبقى؛ فلا يصح القياس.\nالثاني: أن أَمْر النبي ﷺ للرجل بنزع الجُبة دليل على تحريم استدامته.\nوالراجح: أنه لا يَجوز للمُحْرِم أن يضع الطِّيب على ملابس الإحرام (الإزار والرداء) وإذا طَيَّبها لا يلبسها حتى يغسلها أو يغيرها؛ لنَهْي النبي ﷺ المُحْرِم عن لُبس الثوب المُطيَّب بقوله: «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ» وإنما السُّنة تطييب البدن، كرأسه ولحيته وإبطيه وجسده قبل الإحرام، والله أعلم.\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ١٢٢)، و«المدونة» (٢/ ٤٥٦)، و«الذخيرة» (٣/ ٢٢٧)، و«المجموع» (٧/ ٢٤٠).\n(^٢) البخاري (١٥٤٣)، ومسلم (١١٧٧) واللفظ له.\n(^٣) «المجموع» (٧/ ٢١٨). وذهب الحنابلة إلى الكراهة. «الإنصاف» (٣/ ٤٣٢)، و«المغني» (٥/ ٨٠).","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type='title' id=toc-233>المبحث السادس: إذا خُلِط الطِّيب بطعام، فهل تجب فيه الفدية؟</span>\nاتفق عامة أهل العلم على أن الزعفران وغيره من الطِّيب إذا خُلط بطعام، ثم طُبخ على النار، فذهب طعمه ولونه وريحه، فإنه يَجوز للمُحْرِم أكله، ولا فدية في ذلك (^١).\nواختلفوا على ثلاثة أقوال في الطعام إذا خُلط بطِيب، ثم طُبخ على النار، وبقيت صفاته أو شيء منها، فهل يَجوز للمُحْرِم تناوله أم لا؟\nالأول: إذا خُلط الطِّيب بطعام، فظهرت الرائحة، فإن عليه الفدية. بخلاف ما لو ذهبت الرائحة بالطبخ، فيَجوز أكله ولا فدية عليه؛ لأن الحُكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^٢).\nالثاني: أن خلط الطِّيب بطعام له حالتان:\nالأولى: أن يُخلَط الطِّيب بطعام مطبوخ، فلا شيء عليه؛ لأن الطِّيب صار مستهلكًا في الطعام بالطبخ.\nالثانية: أن يُخلَط الطِّيب بطعام غير مطبوخ، فإن كان الطعام أكثر فلا شيء عليه، وإن كان الطِّيب أكثر وجب في أكله الدمُ. وهذا مذهب الحنفية (^٣).\nالقول الثالث: أن كل طعام خُلط بطِيب من غير أن يُطبَخ فيه، فهو محظور وتجب فيه الفدية. وبه قال المالكية (^٤).\nوالراجح: أنه إذا خُلط الطِّيب كالزعفران بطعام، فذهبت الرائحة بالطبخ، جاز أكله ولا فدية عليه؛ لأن الطِّيب صار مستهلكًا في الطعام بالطبخ. وكذا ملونات الطعام ومنكهاته، لا فدية على المُحْرِم في استعمالها.\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ١٢٤)، و«المدونة» (١/ ٣٤٢)، و«الأُم» (٢/ ١٥٢)، و«المغني» (٥/ ١٤٧).\n(^٢) «المجموع» (٧/ ٢٧٣)، و«المبدع» (٣/ ١٧١).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٩١).\n(^٤) «الشرح الكبير» للدردير (٢/ ٢١)، و«حاشية الصاوي» (٢/ ٨٦).","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-234>المبحث السابع: مس طِيب الكعبة:</span>\nمَسُّ طِيب الكعبة لا يخلو من حالين:\nالأول: أن المُحْرِم إذا مس طِيب الكعبة قاصدًا التلذذ به، فتجب عليه الفدية؛ لقوله ﷺ: «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ» فالمُحْرِم ممنوع من مس الطِّيب.\nالثاني: أن المُحْرِم إذا مس طِيب الكعبة من غير قصد، فهذا لا شيء عليه.\nتنبيه: إن من الإساءة العظيمة وَضْع الطِّيب على الحَجَر الأسود؛ لأنه سوف يَحْرِم المُحْرِمَ من استلام الحجر الأسود؛ لوجود الطِّيب. ولأنه لو استلمه لوقع في محظور من محظورات الإحرام، وهو مس الطِّيب. وكلاهما عُدْوان على الطائفين المُحْرِمين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-235>المبحث الثامن: حُكم شم الطِّيب للمُحْرِم:</span>\nذهب جماهير العلماء إلى أن شم الطِّيب كالمسك والكافور والعنبر والعود، بغير قصد- لا يوجب الفدية.\nواختلفوا على قولين في شم المسك والعود قصدًا دون استعماله:\nالأول: أنه يُكْرَه تَعمُّد شم الطِّيب، كالمسك والكافور والعنبر والعود؛ لأن الأدلة مَنَعَتْ المُحْرِم من استعمال الطِّيب في البدن والثوب، وليس مجرد الشم. وهو مذهب الحنفية، وظاهر مذهب المالكية، وقول للشافعية، وقول ابن حامد من الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ للصحابة عند تغسيل مُحْرِم: «… وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا» فالمراد بالمنع عدم وضع الطِّيب في الثوب والبدن وليس الشم؛ إذ الميت لن يشم الطِّيب.\nالقول الآخَر: أنه يَحرم تَعمُّد شم الطِّيب، وتجب فيه الفدية. وهو قول للمالكية، وقول للشافعية، ومذهب الحنابلة (^٣).\nواستدلوا بأن القصد من منع المُحْرِم من الطِّيب هو ترك الترفه والتلذذ، والتلذذ يكون\n_________\n(^١) «الشرح الممتع» (٧/ ١٤٠).\n(^٢) «المبسوط» (٤/ ١٢٣)، و«المدونة» (١/ ٣٤١)، و«المجموع» (٧/ ٢٧١)، و«الإنصاف» (٣/ ٤٧٣).\n(^٣) «حاشية الدسوقي» (٢/ ٥٩)، و«الأم» (٢/ ١٥٢)، و«المغني» (٥/ ١٥٠).","vol":"1","page":187},{"text":"بالشم كما يكون بالاستعمال، بل إن المراد من الاستعمال هو الشم.\nواعتُرض عليه بأن قياس الاستعمال على الشم قياس مع الفارق؛ لأن الشم عارض والامتناع عنه فيه مشقة، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، والاستعمال يكون فيه استدامة؛ ولذا مُنِع المُحْرِم من استعمال الطِّيب وليس الشم.\nالراجح: أن شم الطِّيب كالمسك والكافور والعود مكروه، ولا يوجب الفدية.\nوالحاصل أن شم الطِّيب على قسمين:\nالأول: أن يَشم المُحْرِم الطِّيب من غير قصد، كَمَنْ مر بالكعبة وهي تُطيَّب فوَجَد رائحة الطِّيب، أو مر بعطار فوَجَد الرائحة. فهذا لا شيء عليه.\nالثاني: أن يَشم المُحْرِم الطِّيب بقصد التلذذ به؛ فهذا مكروه لأن شمه يترفه به كما يترفه بوضعه، ولا يوجب الفدية.\n\n<span data-type='title' id=toc-236>المبحث التاسع: الصابون المُطيَّب، وما في حكمه من المُنظِّفات:</span>\nاختَلف العلماء على ثلاثة أقوال في ذلك:\nالأول: لا يَجوز استعماله. وهو قول أبي حنيفة، وبه قال الشافعية والحنابلة (^١).\nالثاني- أن الصابون المُطيَّب يَجوز استعماله. وهو مذهب الحنفية (^٢).\nواستدلوا بأن الصابون هو الغالب، والعبرة بالغالب، والمقصود منه التنظيف، ولا يُسمَّى مَنْ اغتَسل بالصابون مُتطيِّبًا.\nالقول الثالث: التفصيل: فيَجوز استعمال الصابون المُطيَّب بالرياحين؛ لأنه إذا كان شم المُحْرِم للرياحين لا يوجب الفدية، فمِن باب أَوْلَى المخلوط بغيره.\nوأما إذا كان مُطيَّبًا بما يُتخذ للتطيب كالمسك ونحوه، فلا يَجوز استعماله لعموم الأدلة التي تَنهى المُحْرِم عن استعمال الطِّيب. وهذا مذهب المالكية (^٣).\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ١٢٢)، و«الأم» (٢/ ١٥٢)، و«الحاوي» (٤/ ١١٠)، و«المغني» (٥/ ١٤٩).\n(^٢) «فتح القدير» (٢/ ٤٤١)، و«تبيين الحقائق» (٢/ ٥٣).\n(^٣) «المُدوَّنة» (١/ ٣٠٨)، و«الذخيرة» (٣/ ٣١١)، و«مواهب الجليل» (٤/ ٢٢٥).","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-237>المبحث العاشر: الفدية في الطِّيب:</span>\nإذا تَطَيَّب المُحْرِم عمدًا فعليه الفدية. وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة؛ قياسًا على الفدية في حلق الرأس، بجامع أنه تَرفُّه باستعمال محظور (^١).\n* * *\n_________\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٥٤٤)، و«مغني المحتاج» (١/ ٥٣٢)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٣٢).","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-238>الأصل الثاني: ما يتعلق بالمَخيط</span>\nوهو قسمان:\n\n<span data-type='title' id=toc-239>القسم الأول: المحظورات التي تختص بالرجال </span>اثنتان:\n<span data-type='title' id=toc-240>المحظور الأول المختص بالرجال: لبس المَخيط:</span> وفيه مبحثان:\n<span data-type='title' id=toc-241>المبحث الأول: تعريف المَخيط</span>\nالمَخيط: هو المُفصَّل على قدر البدن أو العضو، بحيث يحيط به، ويَستمسك عليه بنفسه، سواء كان بخياطة أو غيرها، مثل: القميص، والسراويل، ونحو ذلك (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-242>المبحث الثاني: لُبْس المَخيط للذَّكَر المُحْرِم: وهو ثلاثة أقسام:</span>\n<span data-type='title' id=toc-243>القسم الأول: يُحْظَر لُبْس المَخيط للمُحْرِم:</span> وفيه أربعة مطالب:\n<span data-type='title' id=toc-244>المطلب الأول: يُحْظَر لبس المَخيط للذَّكَر المُحْرِم:</span>\nلُبس المَخيط للذَّكَر من محظورات الإحرام بالسُّنة والإجماع.\nأما السُّنة، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَلْبَسُ القُمُصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا البَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ» (^٢).\nقال ابن تيمية: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ اللِّبَاسِ تَشْمَلُ جَمِيعَ مَا يَحْرُمُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللِّبَاسَ إِمَّا أَنْ يُصْنَعَ لِلْبَدَنِ فَقَطْ فَهُوَ الْقَمِيصُ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْجُبَّةِ وَالْفَرُّوجِ وَنَحْوِهِمَا. أَوْ لِلرَّأْسِ فَقَطْ، وَهُوَ الْعِمَامَةُ وَمَا فِي مَعْنَاها. أَوْ لَهُمَا وَهُوَ الْبُرْنُسُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ. أَوْ لِلْفَخِذَيْنِ وَالسَّاقِ وَهُوَ السَّرَاوِيلُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ تُبَّانٍ\n_________\n(^١) «مختصر فقه الحج» (ص: ١٢٧). والمَخيط: هو اللباس المصنوع على قدر البدن، كالسراويل.\n(^٢) رواه البخاري (١٥٤٣) (٥٨٠٣)، ومسلم (١١٧٧).","vol":"1","page":190},{"text":"وَنَحْوِهِ. أَوْ لِلرِّجْلَيْنِ وَهُوَ الْخُفُّ وَنَحْوُهُ (^١).\nوأما الإجماع، فقد نَقَل غير واحد الإجماع على عدم جواز لُبس المُحْرِم للمَخيط (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-245>المطلب الثاني: مَنْ أَحْرَم بالمَخيط</span>؛ لعَدَم حمله التصريح بالحج، فحجه صحيح لكنه يأثم بارتدائه المَخيط إن كان من غير عذر، وتجب عليه الفدية.\n<span data-type='title' id=toc-246>المطلب الثالث: حُكْم لبس المُحْرِم التُّبَّان (السروال القصير) لسَتْر العورة:</span>\nفإذا كان المُحْرِم يَعمل ويُكْثِر من التنقل ويَخشى من انكشاف عورته، فهل يَجوز له أن يَستر عورته بسروال قصير تحت الإزار أم لا؟ في هذا قولان للعلماء:\nالقول الأول: ذهب جماهير العلماء إلى أنه لا يَجوز لبس التُّبَّان تحت الإزار (^٣).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «لَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ القَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ».\nالقول الآخَر: ذهب المالكية في رواية إلى جواز لبس السروال القصير إذا احتيج إليه.\nواستدلوا بما ورد: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا حَجَّتْ وَمَعَهَا غِلْمَانٌ لَهَا، وَكَانُوا إِذَا شَدُّوا رَحْلَهَا يَبْدُو مِنْهُمُ الشَّيْءُ، فَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا التَّبَابِينَ فَيَلْبَسُونَهَا، وَهُمْ مُحْرِمُونَ (^٤).\nوَجْه الدلالة: أن عائشة ترى جواز لباس سروال قصير تحت الإزار عند الحاجة.\n_________\n(^١) «شرح العمدة، كتاب الحج» (٢/ ٢١).\nقال النووي: فَإِنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَمَّا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ، فَهو غَيْرُ مُنْحَصِرٍ، فَضُبِطَ الْجَمِيعُ بِقَوْلِهِ ﷺ: لَا يَلْبَسُ كَذَا وَكَذَا. يَعْنِي وَيَلْبَسُ مَا سِوَاهُ. «شرح مسلم» (٨/ ٧٣).\n(^٢) نَقَل الإجماع على ذلك: ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٥٣)، وابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ٤٢)، وابن رُشْد في «بداية المجتهد» (١/ ٣٢٦، ٣٢٧)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ١١٩) وغيرهم.\nوقد أَغْرَبَ الشوكاني فقال بجواز لُبس المَخيط الذي لم يَنص عليه الرسول ﷺ في الأحاديث، فقال: والحاصل أن الصادق المصدوق ﷺ قد بَيَّن أكمل بيان ما لا يَجوز للمُحْرِم لُبسه، فما عدا ذلك جاز له لُبسه، سواء كان مَخيطًا أو غير مَخيط. «السيل الجَرَّار» (ص: ٣١٥).\nونوقش بأن هذا القول ظاهر البطلان! وقد أَجْمَع العلماء على أن النبي ﷺ نَصَّ على هذه الأشياء، وأَلْحِقَ بها ما في معناها.\n(^٣) «الدر المختار» (٢/ ١٦٣)، و«التاج والإكليل» (٣/ ١٤٢)، و«الحاوي» (٤/ ٩٧)، و«المغني» (٥/ ١١٩).\n(^٤) صحيح: أخرجه سعيد بن منصور كما في «تغليق التعليق» (٣/ ٥٠) من طريق القاسم عن عائشة، به.","vol":"1","page":191},{"text":"واعتُرض عليه بأنه إذا تعارض الموقوف والمرفوع، قُدِّم المرفوع، الذي فيه نهي المُحْرِم عن لُبس السراويلات. والتُّبَّان سروال قصير، فيَدخل في عموم النهي.\nوالراجح: أنه لا يَجوز لُبس السروال القصير تحت الإزار، وقد يكون ظهور العورة بسبب عدم تعلم كيفية إحكام لباس الإحرام، فينبغي تعليم الحُجاج كيفية إحكام لباس الإحرام حتى لا تظهر العورة؛ لأن ما لا يَتم الواجب إلا به فهو واجب.\n\n<span data-type='title' id=toc-247>المطلب الرابع: مدة اللبس الموجبة للفدية:</span>\nاختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالأول: أن قليل اللبس وكثيره سواء في إيجاب الفدية؛ لأن ظواهر النصوص مَنَعَتِ المُحْرِم من لبس المَخيط دون تقييد. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (^١).\nالثاني: أن المُحْرِم إذا لبس المَخيط، ثم نزعه في الحال، فلا فدية عليه؛ لعموم قول النبي ﷺ لمُحْرِم: «اخلع عنك هذه الجُبة» ولم يأمره بالفدية. وهو قول للمالكية (^٢).\nالثالث: أن الفدية لا تجب إلا بلباس يوم كامل. وهو مذهب الحنفية (^٣).\nونوقش بأنه قد تُؤدَّى العمرة في أقل من يوم، ومعنى ذلك أن المعتمر قد يؤدي عمرته ولا فدية عليه؛ لأن التأقيت بيوم لا يَثبت إلا بدليل.\nوالراجح: أن ظواهر نصوص الكتاب والسُّنة مَنَعَتِ المُحْرِم من لبس المَخيط دون تقييد، فدل ذلك على أن مطلق اللبس يوجب الفدية، وأن قليله وكثيره سواء. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-248>القسم الثاني: الحالات المستثناة من لُبس المَخيط:</span> وفيه ثمانية مطالب:\n<span data-type='title' id=toc-249>المطلب الأول: لُبس السراويل لمن لم يجد الإزار:</span>\nإن لم يجد المُحْرِم إزارًا، لبس السراويل، دل على ذلك السُّنة والإجماع.\nأما السُّنة، فما ورد عن ابن عباس ﵄ قال: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ: «مَنْ\n_________\n(^١) «الأم» (٢/ ١٤٩)، و«الحاوي» (٤/ ١٠٧)، و«المبدع» (٣/ ١٤١).\n(^٢) «المدونة» (١/ ٣٤٤)، و«الذخيرة» (٣/ ٣٠٤).\n(^٣) «المبسوط» (٤/ ١٢٦)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ١٨٣).","vol":"1","page":192},{"text":"لَمْ يَجِدْ إِزَارًا، فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ» (^١).\nوأَجْمَع العلماء على أن للمُحْرِم أن يَلبس السراويل إذا لم يجد الإزار (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-250>المطلب الثاني: عَقْد الإزار للمُحْرِم:</span>\nاختَلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالأول: يَجوز عقد الإزار للمُحْرِم إذا لم يَثبت ويَستمسك إلا بذلك. وهو مذهب الشافعية، والحنابلة في المشهور عنهم، والظاهرية (^٣).\nقال طاوس: رأيتُ ابن عمر يَطوف بالبيت، وعليه عمامة قد شَدَّها على وَسَطه (^٤).\nالثاني: يُكْرَه للمُحْرِم عقد الإزار. وهو مذهب الحنفية (^٥).\nالثالث: يَحرم عقد الإزار؛ لأنه في معنى المَخيط. وهو مذهب المالكية (^٦).\nوالراجح: أن عقد الإزار يُفْعَل إذا احتيج إليه؛ لأن فيه مصلحة، وهو أن يَثبت به، وقد تنكشف العورة بدون عقده، ويُحتاج إليه لسَترها.\n\n<span data-type='title' id=toc-251>المطلب الثالث: حُكْم تشبيك الرداء بمشبك:</span>\nيَجوز للمُحْرِم تشبيك ردائه بمشبك ونحوه؛ لأنه لا يُعَد لُبسًا.\nقال ابن عثيمين: لو شَبَّك رداءه بمشبك فإنه لا يُعَد لُبسًا، بل هو رداءٌ مُشَبَّك، لكن بعض الناس توسعوا في هذه المسألة، وصار الرجل يشبك رداءه من رقبته إلى عانته، فيبقى كأنه قميص ليس له أكمام، وهذا لا ينبغي (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٤٣)، ومسلم (١١٧٨).\n(^٢) «المغني» (٥/ ١٢٠) ونَقَل الإجماع ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٢٢٢).\n(^٣) «الأم» (٢/ ١٤٩)، و«الحاوي» (٤/ ٩٩)، و«المغني» (٥/ ١٢٤)، و«المُحَلَّى» (٧/ ٢٥٨).\n(^٤) حسن: رواه أحمد في «مسائل أبي داود» (٧١٧). وفيه (هشام بن حُجَيْر) وهو حسن الحديث.\n(^٥) «المبسوط» (٤/ ١٢٧)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ١٨٥).\n(^٦) «المدونة» (١/ ٤٦١)، و«مواهب الجليل» (٣/ ١٤١).\n(^٧) «الشرح الممتع» (٧/ ١٣٠، ١٣١).","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-252>المطلب الرابع: حُكْم لُبس المُحْرِم الإزار المَخيط:</span>\nذهب جماهير العلماء إلى عدم جواز لبس الإزار المَخيط؛ لأنه يحيط بالبدن بخياطة، فهو لباس مصنوع على قدر البدن، كالسراويل (^١).\nوذهب الشيخ ابن عثيمين إلى أن الإحرام بالإزار المَخيط جائز، ولا يوجب الفدية (^٢).\nواستَدل بظاهر قول النبي ﷺ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا، فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ».\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ أطلق لفظ الإزار، ولم يقل: (إزارًا لم يُخَط أو ليس فيه خياطة) فدل على أن المَخيط داخل في عموم النص، ومَن أخرجه فعليه الدليل.\nواعتُرض على هذا الاستدلال بأن الإزار في اللغة والشرع غير مَخيط، وأما الإزار المَخيط فيُسمَّى نُقْبَة، وعلى هذا فالإزار المَخيط لا يَدخل في مُسمَّى الإزار، وقد بَوَّب البخاري: بَابُ عَقْدِ الإِزَارِ عَلَى القَفَا فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: «صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ» (^٣). فهذا يدل على أن الإزار غير مَخيط؛ لأن الإزار المَخيط لا يُعْقَد على العاتق.\nواستَدل بأن كلمة (مَخيط) لم تَرِد في السُّنة، بينما الذي ورد: «لا يَلبس المُحْرِم …».\nونوقش بأن الفقهاء يقولون: (يَحرم على المُحْرِم المَخيط) بِناء على الغالب؛ ولذا فقد اتفقوا على أن ما وُضِع على قدر البدن أو جزء منه بدون خياطة- داخل في التحريم، سواء كان ذلك بنسج أو بلصق أو غير ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-253>المطلب الخامس: حُكْم لبس قطعة ثالثة مع الإحرام تَستر العورة:</span>\nلا يجوز للمُحْرِم لبس قطعة ثالثة على الفرج لتَستر العورة؛ لأمرين:\nالأول: أنها تحيط بالبدن بكبسات معدنية، فتَدخل في معنى المنصوص، كالسروال.\n_________\n(^١) «البحر الرائق» (٣/ ١١)، و«الاستذكار» (١/ ٣٤)، و«المجموع» (٧/ ٢٣٦)، و«المغني» (٥/ ١١).\n(^٢) «فتاوى ابن عثيمين» (٢٢/ ١٣٤).\n(^٣) «صحيح البخاري» (١/ ٨٠). وقال أَبو عُبَيْد: والنُّقْبةُ أَنْ تُؤْخذَ القِطْعَةُ مِنَ الثَّوْبِ قَدْرَ السَّرَاوِيلِ، فتُجْعَلَ لَهَا حُجْزةٌ مَخِيطَةٌ مِنْ غَيْرِ نَيْفَقٍ، وَتُشَدُّ كَمَا تُشَدُّ حُجْزةُ السَّرَاوِيلِ، فَإِذَا كَانَ لَهَا نَيْفَقٌ وَسَاقَانِ فَهِيَ سَرَاوِيلُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نَيْفَقٌ وَلَا سَاقَانِ وَلَا حُجْزَةٌ، فَهُوَ النِّطاقُ. «لسان العرب» (٦/ ٤٥١٣).","vol":"1","page":194},{"text":"الثاني: أن هَدْي النبي ﷺ أن الإحرام في إزار ورداء، ولو كانت هذه الصفة جائزة لكان رسول الله ﷺ أول المسارعين إليها، وكيف لا، وهو الذي أُنْزِل عليه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] وهو الذي نَهَى عن بعض الجلسات خَشية ظهور العورة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-254>المطلب السادس: حُكم لبس المُحْرِم الحزام ليضع فيه النفقة ونحوها:</span>\nيَجوز لبس الحزام الذي يُشَد على وسط المحرم الآن، ويوضع فيه المال والمحمول والجواز؛ لأن الحاجة داعية إلى لبسه؛ إذ إن ترك لبسه مع وجود النفقة فيه مما يُعَرِّض النفقة للسرقة والضياع. وهذا قول جماهير العلماء قديمًا وحديثًا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-255>المطلب السابع: لُبْس المُحْرِم للخاتم:</span>\nنُقِل الإجماع على جواز لبس الخاتم للمُحْرِم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-256>المطلب الثامن: لُبْس المُحْرِم للساعة أو النظارة أو سماعة الأذن أو تركيبة الأسنان:</span>\nيَجوز للمُحْرِم لبس الساعة، أو النظارة؛ وذلك لأنها كلها ليست في معنى ما نهى النبي ﷺ المُحْرِم عن لبسه من أنواع الألبسة (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-257>القسم الثالث: لُبْس النعلين للمُحْرِم:</span> وفيه أربعة مطالب:\n<span data-type='title' id=toc-258>المطلب الأول: لُبْس الخفين لمن لم يجد النعلين:</span>\nإن لم يجد المُحْرِم نعلين لبس الخفين بالإجماع (^٥).\n_________\n(^١) فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَحْتَبِيَ بِالثَّوْبِ الوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ.\n(^٢) «التمهيد» (١٥/ ١١٨).\nوقد صح جواز لبس الهِمْيان (الحِزام) عن عائشة وابن عباس- عند ابن أبي شيبة (١٥٤٤٨) (١٥٦٩٦).\n(^٣) قال النووي: وَلَهُ أَنْ يَلْبَسَ الْخَاتَمَ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ هَذَا. «المجموع» (٧/ ٢٥٥). وهذا الإجماع منخرم، فالصحيح من مذهب المالكية عدم جواز لبس الخاتم للمُحْرِم. «مواهب الجليل» (٣/ ١٤١).\n(^٤) «الشرح الممتع» (٧/ ١٣٢).\n(^٥) نَقَل ابن المنذر الإجماع في «الإشراف» (٣/ ٢٢٢). وقال ابن قُدامة: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّيْنِ إِذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ. «المغني» (٥/ ١٢٠).","vol":"1","page":195},{"text":"وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-259>المطلب الثاني: حُكْم قَطْع الخف أسفل من الكعبين لمن لم يجد النعلين:</span>\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالأول: أن مَنْ لم يجد نعلين فليلبس خفين، ويقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، ورواية عن الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بما ورد عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: «… فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ» (^٣).\nالقول الآخَر: أن مَنْ لم يجد النعلين فليَلبس الخفين من غير قطعهما. وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (^٤).\nواستدلوا بما ورد عن ابن عباس ﵄ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: «مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ» (^٥).\n_________\n(^١) رواه مسلم (١١٧٩).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٨٤)، و«التاج والإكليل» (٣/ ١٤٢)، و«الحاوي» (٤/ ٩٧)، و«المغني» (٥/ ١٢١).\n(^٣) رواه البخاري (٣٦٦)، ومسلم (١١٧٧).\nقد قيل: إن لفظة «وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ» مُدرَجة من كلام نافع. قال ابن قُدامة: إنَّ قَوْلَهُ: (وَلْيَقْطَعْهُمَا) مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ. كَذَلِكَ رَوَيْنَاهُ فِي «أَمَالِي أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ بَشْرَانَ» بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، أَنَّ نَافِعًا قَالَ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لِلْحَدِيثِ: وَلْيَقْطَعِ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ. «المغني» (٥/ ١٢١).\nوقد رَجَّح ابن حجر أن هذه الرواية شاذة، فقال: لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فِي رَفْعِ الْأَمْرِ بِالْقَطْعِ، إِلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ. «فتح الباري» (٣/ ٤٠٣).\n(^٤) «المغني» (٥/ ١٢٠)، و«الإنصاف» (٣/ ٤٦٤).\n(^٥) مدار الحديث على عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، به.\nفرواه شُعْبة عن عمرو، به، فزاد فيه: (يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ). رواه البخاري (١٨٤١)، ومسلم (١١٧٨).\nرواه جماعة من الثقات (سفيان الثوري، وابن عُيَيْنة، وابن جُرَيْجٍ، وأيوب، وحَمَّاد بن زيد، وهُشَيْم) عن عمرو بن دينار. ولم يقل أحد منهم: (يَخطب بعرفات) غير شُعبة. خَرَّج رواياتهم مسلم (١١٧٨) وقال: كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ عَمْرِو، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: (يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ) غَيْرُ شُعْبَةَ وَحْدَهُ.\nفهل تُقَدَّم رواية الجَمْع على رواية الواحد، فتكون لفظة (يَخطب بعرفات) شاذة، أم زيادة ثقة؟\nالأظهر: أن تَفرُّد شُعبة بزيادة: (يَخطب بعرفات) لا يَضر؛ لأنه إمام مُبَرَّز في الحفظ والإتقان، فمِثله يُعتمد على حفظه، فتُقْبَل زيادته إذا لم تكن مُخالِفة، ودل على صحتها إخراج البخاري ومسلم لها.\nوقد وردت زيادة شاذة ضعيفة من طريق إسماعيل الجَحْدَرِيّ عن يزيد بْن زُرَيْعٍ، عن أيوب، عن عمرو، به. وزاد فيه: (وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ).\nولعل هذه الزيادة غلط من النُّسَّاخ؛ لأن النَّسَائي خَرَّج هذه الرواية في «الكبرى» (٣٦٤٥) بنفس السند الذي في «الصغرى» وليست الزيادة فيه، أو أن هذا شذوذ من إسماعيل الجَحْدَريّ بلا ريب؛ إذ قد رواه الثقات الأثبات (سُفيان الثوري، وابن عُيَيْنة، وابن جُرَيْجٍ، وحَمَّاد بن زيد، وهُشَيْم، وأَيوب) عن عمرو بن دينار) فلم يَذكروا هذه الزيادة.\nقال الدارقطني: وكُل مَنْ ذَكَر قَطْع الخُفين في حديث ابن عباس، فقد وَهِم. «العلل» (٧/ ١٧١).","vol":"1","page":196},{"text":"وَجْه الدلالة: أن هذا الحديث كان متأخرًا في حجة الوداع بعرفة، والنبي ﷺ أطلق أن مَنْ لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ولو كان قَطْع الخفين شرطًا لبَيَّنه النبي ﷺ.\nوالراجح: أن لم يجد النعلين فليلبس الخفين من غير قطعهما؛ لأسباب أربعة:\nالأول: أن حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ» منسوخ بحديث ابن عباس ﵄ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: «مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ».\nالثاني: موافقة حديث جابر لحديث ابن عباس.\nالثالث: عَمَل الصحابة بمقتضى حديث ابن عباس، فقد ذَكَر ابن تيمية: أَنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ، مِثْلَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ- رَخَّصُوا فِي لُبْسِ الْخُفَّيْنِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ، وَتَرْكِ قَطْعِهِمَا (^١).\nالرابع: موافقة القياس الصحيح لحديث ابن عباس، فكما أن مَنْ لم يجد إزارًا فليَلبس السروال بغير قطع، فكذا مَنْ لم يجد النعلين فليلبس الخفين من غير قطع. ولأن الخف متى قُطِع حتى يكون أسفل من الكعبين ويصير كالحذاء- لا يسمى خفًّا ولا يُمسَح عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-260>المطلب الثالث: حُكْم لبس الخفين المقطوعين،</span> مع وجود النعلين:\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين (^٢):\nالأول: يَجوز لبس الخفين المقطوعين، مع وجود النعلين؛ لأن الخف المقطوع\n_________\n(^١) «شرح العمدة» (٢/ ٣٨).\n(^٢) وسبب اختلافهم هو: هل الخُف المقطوع أصل كالنعل، أو أنه بدل عن الخف الصحيح؟ فمَن يقول: (إنه أصل) فإنه يُجَوِّز لبسه مع وجود النعل. ومَن يقول: (إنه بدل) فإنه لا يُجَوِّز لبسه إلا عند فقد النعل.","vol":"1","page":197},{"text":"كالنعل. وبه قال الحنفية، وهو قول للشافعية ورواية للحنابلة (^١).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «… فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ».\nالقول الآخَر: أنه لا يَجوز لبس الخفين إذا قُطِعا من الأسفل، إلا إذا عدم النعلين. وبه قال المالكية، وهو قول عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بعموم قول الرسول ﷺ: «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ … وَلَا الْخُفَّيْنِ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ».\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يُرخِّص في لبس الخف المقطوع إلا إذا عدم النعل.\nواعتُرض عليه بأن قطع الخف أسفل من الكعب دليل على قطع الخف ليشبه النعل؛ ولذا ما الفارق بين الخف والنعل؟ ولذا لا يَجوز المسح على الخف وهو على هذا الحال.\nوالراجح: أن الخف إذا قُطِع أسفل من الكعبين، جاز لبسه للمُحْرِم لأنه كالنعل.\n\n<span data-type='title' id=toc-261>المطلب الرابع: حُكم الفدية عند لبس السراويل والخفين:</span>\nمع اتفاق العلماء على جواز لبس السراويل لمن لم يجد الإزار، ولبس الخفين لمن لم يجد النعلين، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الفدية لذلك على قولين:\nالأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن مَنْ لم يجد الإزار، فله أن يَلبس السراويل، ولا فدية عليه. وبه قال الشافعية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بأن النبي ﷺ أَمَر مَنْ لم يجد الإزار بلبس السراويل، ولم يَذكر فدية. ولو كانت الفدية تجب مع لبس السراويل عند فقد الإزار، لبَيَّن ذلك النبي ﷺ، لاسيما وقد جاء التصريح في حديث ابن عباس بأنه قد قال ذلك بعرفات، والناس محتاجون إلى البيان في ذلك الموضع أكثر من غيره؛ لأنه قد اجتمع بعرفات في ذلك الوقت خَلْق عظيم؛ ليقتدوا\n_________\n(^١) «المبسوط» (٢/ ١٢٧)، و«الحاوي الكبير» (٤/ ٩٧)، و«شرح العمدة» (٢/ ٤٥).\n(^٢) «حاشية الخرشي» (١/ ٣٤٦)، و«المجموع» (٧/ ٢٥٠)، و«المغني» (٥/ ١٢٢).\n(^٣) «الحاوي الكبير» (٤/ ٩٨)، و«المغني» (٥/ ١٢٠).","vol":"1","page":198},{"text":"بالنبي ﷺ ويتعلموا منه أمور حجهم. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يَجوز (^١).\nالقول الآخَر: ذهب الحنفية إلى أن مَنْ لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومَن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل، وعليه الفدية (^٢).\nواستدلوا بالقياس، فكما أن مَنْ لم يجد رداء فلبس بدله قميصًا، فتجب عليه الفدية، فكذا مَنْ لم يجد إزارًا فلبس سراويل فعليه فدية.\nونوقش بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الإزار يَستر العورة بخلاف الرداء.\nفالراجح: عدم وجوب الفدية على مَنْ لم يجد نعلين فلبس خفين، أو لم يجد إزارًا فلبس سراويل. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-262>المحظور الرابع: تغطية الرأس للمُحْرِم الذَّكَر:</span> وفيه ثلاثة مباحث:\n<span data-type='title' id=toc-263>المبحث الأول: حُكم تغطية الرأس للمُحْرِم الذَّكَر:</span>\nتغطية الرأس للذَّكَر من محظورات الإحرام، مثل الطاقية والعمامة، بالإجماع (^٣) ولعموم قول النبي ﷺ: «لَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ العِمَامَةَ وَلَا البُرْنُسَ» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-264>المبحث الثاني: أقسام سَتر الرأس:</span>\nأقسام سَتر الرأس أربعة، وهي:\nالقسم الأول: ما كان متصلًا وقُصِد به تغطية الرأس بمُلاصِق، كالطاقية والعمامة والقبعة. فهذا مُحَرَّم؛ لعموم نهي النبي ﷺ بقوله: «لَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ العِمَامَةَ، وَلَا البُرْنُسَ …» ولقوله ﷺ عند تغسيل مُحْرِم: «لا تُخمِّروا رأسه».\nوقد نَقَل الإجماع على ذلك: ابن حزم، والنووي، وابن القيم … وغيرهم (^٥).\n_________\n(^١) «المغني» (٥/ ١٢٠).\n(^٢) «المبسوط» (٣/ ١٢٦)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ١٨٣، ١٨٤).\n(^٣) قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المُحْرِم ممنوع من تخمير رأسه. «الإجماع» (ص: ٥٣).\nوانظر: «الاستذكار» (٤/ ١٤ - ١٦)، و«بداية المجتهد» (١/ ٣٢٧)، و«الشرح الكبير» (٣/ ٢٦٨)، و«شرح العمدة» (٢/ ٥١)، و«زاد المعاد» (٢/ ٢٢٥، ٢٤٣)، و«شرح مسلم» (٣/ ٧٣).\n(^٤) رواه البخاري (٥٨٠٦)، ومسلم (١١٧٧).\n(^٥) «مراتب الإجماع» (ص: ٤٢)، و«شرح النووي على مسلم» (٨/ ١٢٨) و«زاد المعاد» (٢/ ٢).","vol":"1","page":199},{"text":"القسم الثاني: ما كان متصلًا ولم يُقصَد به الاستظلال، مثل أن يغطي المُحْرِم رأسه بما يَحمله عليها، كحَمْل الطعام والعفش والمتاع على الرأس، لا يُعَد من التغطية الممنوعة إذا لم يَفعل ذلك حيلة؛ وذلك لأنه لا يُقصَد به السَّتر، على قول جماهير العلماء (^١).\nالقسم الثالث: أن يَستظل بمنفصل عنه غير تابع، كالاستظلال بالخيمة، والبيت والمسجد والحائط والشجرة والسيارة، فهذا جائز بالسُّنة والإجماع.\nفعن جابر ﵁ في حديثه الطويل: «وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا …» (^٢).\nقال النووي: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَعَدَ تَحْتَ خَيْمَةٍ أَوْ سَقْفٍ، جَازَ (^٣).\nالقسم الرابع: أن يُظلِّل رأسه بتابع له منفصل، كالشمسية، ومَحْمَل البعير والهودج، مما هو ساتر بغير ملاصق.\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالأول: جواز الاستظلال بما ليس بملاصق، كالمَحْمَل والهودج. وهو مذهب الحنفية والشافعية، ورواية عن أحمد (^٤).\nواستدلوا بما روى مسلم: عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلَالًا، وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (^٥).\nوفي هذا دليل على جواز استظلال المُحْرِم بالمَحْمَل ونحوه، إن كانت قصة هذا الإظلال يوم النحر ثابتة. وإن كانت بعده في أيام مِنًى، فلا حُجة فيها، وليس في الحديث\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٨٥)، و«مغني المحتاج» (١/ ٥١٨)، و«الشرح الكبير» (٣/ ٢٧٠).\nواستثنى المالكية ما لو حَمَله لغيره، فإن فيه الفدية. «الذخيرة» (٣/ ٣٠٨).\n(^٢) رواه مسلم (١٢١٨).\n(^٣) «المجموع» (٧/ ٢٦٧) فقد نَقَل الإجماع على ذلك ابن عبد البر في «التمهيد» (١٥/ ١١١). وقال ابن قُدامة: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَظِلَّ بِالسَّقْفِ وَالْحَائِطِ وَالشَّجَرَةِ وَالْخِبَاءِ. وَإِنْ نَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطْرَحَ عَلَيْهَا ثَوْبًا يَسْتَظِلُّ بِهِ، عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ. «المغني» (٥/ ١٣١).\n(^٤) «البحر الرائق» (٢/ ٣٤٩)، و«الأم» (٢/ ٢٠٣)، و«المجموع» (٧/ ٢٦٧)، و«زاد المعاد» (٢/ ٢٤٤).\n(^٥) أخرجه مسلم (١٢٩٨).","vol":"1","page":200},{"text":"بيان في أي زمن كانت.\nالقول الآخَر: عدم جواز أن يُظلِّل المُحْرِم رأسه بتابع له منفصل، كالمَحْمَل والهودج. وهو مذهب المالكية، ورواية عند الحنابلة (^١).\nوالراجح: جواز استظلال المُحْرِم بسقف السيارة أو الشمسية أو نحوهما؛ لِما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ ظُلل عليه بثوب. وصح عنه ﷺ أنه ضُرِبَتْ له قُبة بنَمِرة، فنَزَل تحتها حتى زالت الشمس يوم عرفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-265>المبحث الثالث: حُكْم تغطية الوجه للمُحْرِم:</span>\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالأول: أن المُحْرِم يَجوز له أن يغطي وجهه. وهو مذهب الشافعية، والصحيح عند الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور والمعقول:\nأما السُّنة: فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ، وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ … وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ».\nوَجْه الدلالة: أن النص خص الرأس بالنهي عن التغطية بقوله: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» فمفهومه يقتضي جواز تغطية الوجه وغيره للمُحْرِم.\nوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ» (^٣).\nفالمُحْرِم لا يغطي رأسه، فمفهومه يقتضي جواز تغطية الوجه للمُحْرِم.\n_________\n(^١) «مواهب الجليل» (٣/ ١٤٤)، و«المغني» (٥/ ١٢٩)، و«شرح العمدة» (٢/ ٦٩).\n(^٢) «الأم» (٢/ ١٤٩)، و«الحاوي» (٤/ ١٠١)، و«المغني» (٥/ ١٥٣)، و«الإنصاف» (٣/ ٤٦٣).\n(^٣) الصحيح فيه الوقف، ومدار الحديث على عُبَيْد الله بن عُمَر، عن نافع، عن ابن عمر، واختُلِف عنه:\nفرواه أيوب بن محمد أبو الجَمَل، عن عُبَيْد الله، به مرفوعًا. أخرجه الدارقطني (٢٧٦٠).\nوخالف أيوبَ ابنُ عُيَينة، عند العُقَيْلي في «الضعفاء» (٥٣٤)، وهشام بن حَسَّان عند الدارقطني (٢٧٦١) وذَكَر الدارقطني في «علله»: علي بن مُسْهِر، ومحمد بن بِشر، وعبد الرحمن بن سليمان، وابن نُمَير، وإِسحاق الأَزرق … وغيرهم، رَوَوْه عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عُمر، موقوفًا، وهو الصواب. «علل الدارقطني» (٧/ ٤٨). وكذا قال ابن عَدِيّ والعُقَيْلي. «الدراية» (٢/ ٣٢) وقال البيهقي: أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو الجَمَلِ ضَعِيفٌ، وَالْمَحْفُوظُ مَوْقُوفٌ.","vol":"1","page":201},{"text":"وأما المأثور، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: «رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ أُرْجُوَانٍ» (^١).\nوأما المعقول، فقد يَصعب على أكثر الناس أن ينام ولا يغطي وجهه للبرد أو الذباب، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].\nالقول الآخَر: يَحرم على المُحْرِم تغطية وجهه، وإذا غطاه وجبت عليه الفدية. وبه قال الحنفية والمالكية، وهو رواية عند الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بالسُّنة والمعقول:\nأما السُّنة، فروى ابن عباس ﵄ قال: كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اغْسِلُوهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ» (^٣).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: رواه مالك (١٠١٦). وَعَنِ القَاسِمِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَزَيْدًا، وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ- كَانُوا يُخَمِّرُونُ وُجُوهَهُمْ، وَهُمْ حُرُمٌ. وهو منقطع، رواه الشافعي في «الأم» (٧/ ٢٤١)، قال النووي: الْقَاسِمُ لَمْ يُدْرِكْ عُثْمَانَ، وَأَدْرَكَ مَرْوَانَ، وَاخْتَلَفُوا فِي إِمْكَانِ إِدْرَاكِهِ زَيْدًا. «المجموع» (٧/ ٢٦٨).\nورواه ابن أبي شيبة (١٤٤٥٤) فأَدْخَل بين القاسم وعثمان محمدَ بن الفُرافِصَة، وهو ثقة.\n(^٢) «المبسوط» (٢/ ١٢٧)، و«المدونة» (١/ ٢٩٦)، و«المغني» (٥/ ١٥٣)، و«الإنصاف» (٣/ ٤٦٣).\n(^٣) مدار هذا الحديث على سعيد بن جُبَيْر عن ابن عباس. ويرويه عن سعيد بن جُبَيْر جماعة:\nالطريق الأول: طريق عمرو بن دينار، واختُلف عنه: فرواه سفيان الثوري، عن عمرو، به: «ولا تُخَمِّروا رأسه ولا وجهه» أخرجه مسلم (١٢٠٦).\nوتابعه عمر بن عامر، عند أبي عَوَانة (٣١١٢)، وابن أبي ليلى، عند الطبراني في «الأوسط» (٤٢٧٧) وعبد الله بن علي الأزرق، عند الطبراني في «الكبير» (١٢/ ٧٦) ونَصْر بن طَرِيف عند الحاكم في «معرفة علوم الحديث» (١٤٨). جميعًا عن عمرو بن دينار، وفي حديثهم: «ولا تغطوا وجهه» وهؤلاء الأربعة الذين تابعوا الثوري ضعفاء.\nوخالف الثوريَّ جماعة من الثقات الأثبات فرووه بدون ذكر لفظة: «وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ» منهم: حماد بن زيد، عند البخاري (١٢٦٨، ١٨٤٩)، ومسلم (١٢٠٦)، وابن عُيينة وابن جُريج، كلاهما عند مسلم (١٢٠٦)، وعمرو بن الحارث، عند ابن حِبان (٣٩٥٨)، ويونس بن نافع، عند النَّسَائي (١٩٠٤)، وقيس بن سعد، عند الدارقطني (٢٧٧٠)، وسُليم بن حَيَّان، عند الطبراني في «الصغير» (١٠٠٤)، وغيرهم، جميعًا عن عمرو بن دينار، ولم يَذكروا الوجه في حديثهم.\nورواية الثوري بذكر الوجه شاذة لأمرين:\nالأول: أن ابن عُيينة وابن جُريج وحماد بن زيد أثبتُ في عمرو بن دينار، وأعلم الناس بحديثه من الثوري. قاله ابن المديني وابن مَعين وأبو حاتم والدارقطني. «شرح علل الترمذي» (٢/ ٦٨٤). =","vol":"1","page":202},{"text":"\n_________\n= الثاني: ما قاله الحاكم: ذِكْرُ الْوَجْهِ تَصْحِيفٌ مِنَ الرُّوَاةِ؛ لِإِجْمَاعِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ مِنْ أَصْحَابِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْهُ: «وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ» وَهُوَ الْمَحْفُوظُ. «معرفة علوم الحديث» (ص: ١٤٨).\nالطريق الثاني: طريق أبي بِشر عن سعيد بن جُبير، واختُلف عنه:\nفرواه غُنْدَر، عند مسلم (١٢٠٦)، وأبو أسامة، عند ابن حِبان (٣٩٦٠)، عن شُعبة به، بذكر الوجه.\nوخالفهم: الطيالسي، في «مسنده» (٢٧٤٥)، ووَهْب بن جرير، ومسلم بن إبراهيم، كلاهما عند أبي عَوَانة (٣١٠٦، ٣١٠٨، ٣١١٠). وأبو نُعَيْم، عند أبي بكر الشافعي في «الغيلانيات» (٢٤٩) أربعتهم عن شُعبة، ولم يَذكروا الوجه في حديثهم.\nورواه خَلَف بذكر الوجه، عند النَّسَائي (٢٨٥٧) وخَلَف قد اختلط بأخرة، فلا يُعَوَّل عليه.\nوذِكر الوجه شاذ من طريق شُعبة لأمرين:\nالأول: أن شُعبة اختُلف عليه في ذكر الوجه، والحديث أورده ابن المظفر في «غرائب شُعبة»، وذَكَر تضعيف البخاري لذكر الوجه في رواية شُعبة، بقوله: والصحيح: «لا تُخَمِّروا رأسه» (ورقة/ ١٦).\nالثاني: قد خالف شُعبةَ: هُشَيْم بن بَشير، عند البخاري (١٨٥١)، ومسلم (١٢٠٦)، وأبو عَوَانة، عند البخاري (١٢٦٧)، ومسلم (١٢٠٦) فروياه عن أبي بِشر دون ذكر الوجه.\nورواية هُشَيْم وأبي عَوَانة أصح من رواية شُعبة لأمور ثلاثة: فقد اتَّفَق عليها الشيخان، ولم يُختلَف عليهما، وشُعبة اختُلف عليه في ذكر الوجه، وهُشيم مِنْ أثبت الناس في حديث أبي بِشر. «تهذيب الكمال» (٣٠/ ٢٨٢).\nالطريق الثالث: طريق منصور بن المُعتمِر، واختُلف عليه في ذكر الوجه: فرواه عنه بلفظة: «ولا تُغَطُّوا وجهه» ثلاثة: عُبيدة بن حُميد، عند الدارقطني (٢٧٦٥)، وزائدة بن قُدامة عند الطبراني في «الأوسط» (٧٥٢٧)، وفي السند: إسماعيل بن عمرو البَجَلي، وهو ضعيف.\nوإسرائيل، واختُلف عنه: فرواه عُبيد الله، عن إسرائيل، عن منصور: «ولا تُغَطِّوا وجهه» فلم يَذكر الحَكَم في حديثه، أخرجه مسلم (١٢٠٦) وخالفه الأسود عنه عن منصور عن الحَكَم، عند أحمد (٢٣٩٥).\nوهذا الحديث انتَقده الدارقطني على مسلم، فقال: وإنما سَمِعه منصور من الحَكَم، وأخرجه البخاري عن قُتيبة عن جرير عن منصور عن الحَكَم عن سعيد. وهو الصواب. «التتبع» (ص: ٣٣٨).\nوقال البيهقي: رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ هَكَذَا، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ فِي الإِسْنَادِ وَالمَتْنِ جَمِيعًا. وَرِوَايَةُ الجَمَاعَةِ فِي الرَّأْسِ وَحْدَهُ، وَذِكْرُ الوَجْهِ فِيهِ غَرِيبٌ. «السُّنن» (٦٧٢٤).\nوخالفهم: جرير بن عبد الحميد، عند البخاري (١٨٣٩)، وعمرو بن أبي قيس، وشيبان بن عبد الرحمن النَّحْوي، عند أبي عَوَانة (٣١١٧) ثلاثتهم عن منصور، ولم يَذكروا الوجه في حديثهم.\nالطريق الرابع: رواه أبو الزبير المكي، عن سعيد بن جُبَيْر، وقال: فأَمَرهم رسول الله أن يَكشفوا وجهه - حَسِبتُه قال -: ورأسه. هكذا على الشك، كما عند مسلم (١٢٠٦).\nقال البيهقي: ورواه أبو الزبير عن سعيد بن جُبير، فذَكَر الوجه على شك منه في متنه، ورواية الجماعة الذين لم يَشُكوا وساقوا المتن أحسن سياقة- أَوْلَى بأن تكون محفوظة. «السُّنن الكبرى» (٧/ ٢٢٠).\nأَخْرَج أبو عَوَانة (٣١١٧) عن أبي الزبير، وفيه: فأَمَرهم رسول الله بأن يكشفوا وجهه.=","vol":"1","page":203},{"text":"واعتُرض عليه بأن لفظة: «وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ» شاذة، ولا تصح عن رسول الله ﷺ.\nوأما المعقول، فَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُغَطِّي وَجْهَهَا بِالْإِجْمَاعِ، مَعَ أَنَّهَا عَوْرَةٌ مَسْتُورَةٌ؛ فَإِنَّ فِي كَشْفِ الْوَجْهِ مِنْهَا خَوْفَ الْفِتْنَةِ، فَلَأَنْ لَا يُغَطِّيَ الرَّجُلُ وَجْهَهُ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ أَوْلَى.\nواعتُرض عليه بأن هذا القياس مع الفارق؛ لأن الرجل مأمور بكشف رأسه، والمرأة مأمورة بتغطيته. والرجل مأمور بالتجرد من المَخيط، وهي لا تتجرد منه.\nوالراجح: أنه يَجوز للمُحْرِم تغطية وجهه، ويَحرم عليه تغطية رأسه؛ لعموم قول النبي ﷺ: «ولا تُخَمِّروا رأسه» أما رواية «ولا تغطوا وجهه» فهي شاذة.\nوعلى هذا، فلُبْس المُحْرِم للكمامات الطبية للوقاية من العدوى والغبار- لا بأس به؛ لجواز تغطية وجه المُحْرِم. وكذا يَجوز للمُحْرِمة لبس الكمامات الطبية؛ فالمرأة منهية عن تغطية وجهها بالنقاب، ويَجوز تغطيته بغير النقاب، كالسدل والكمامة الطبية، والله أعلم.\n* * *\n_________\n=ورواه مطر الوراق، وهو كثير الخطأ، وقال: «ولا تُخَمِّروا وجهه»، كما عند أبي عَوَانة (٣١١٣)\nوخالف أبا الزبير ومطرًا الوراق جماعة، وهم: أيوب، عند البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦)، وعبد الكريم الجَزَري، عند الطبراني في «الكبير» (١٢/ ٨٠)، وسالم الأفطس، عند الطبراني في «الأوسط» (٤٣٤١)، وغيرهم عن سعيد بن جُبير، ولم يَذكروا الوجه في حديثهم.\nوالحاصل: أن ذكر الوجه غير محفوظ من هذه الوجوه، وأن رواية سفيان الثوري عن عمرو: «ولا تُخمروا رأسه ولا وجهه» شاذة؛ لأنه قد خالف الثقات الأثبات من أصحاب عمرو بن دينار (ابن عُيينة وابن جُريج وحماد بن زيد) وغيرهم: «ولا تغطوا رأسه» وهو المحفوظ.\nأما طريق أبي بِشر، فرواه عنه شُعبة بذكر الوجه وهو شاذ؛ لأن شُعبة اختُلف عليه في ذكر الوجه، وأورده ابن المظفر في «غرائب شُعبة»، وضَعَّفه البخاري بقوله: والصحيح: «لا تُخَمِّروا رأسه».\nوقد خالف شُعبةَ: هُشيم وأبو عَوَانة، فروياه عن أبي بِشر دون ذكر الوجه، وهي أصح من رواية شُعبة؛ لأنه قد اتَّفق عليها الشيخان، ولم يُختلَف عليهما، وشُعبة اختُلف عليه في ذكر الوجه.\nورواه أبو الزبير عن سعيد بن جُبير، فذَكَر الوجه على شك منه في متنه، ورواية الجماعة الذين لم يَشُكوا وساقوا المتن أحسن سياقة- أَوْلَى بأن تكون محفوظة. وذكر الوجه مطر الوراق، فيه مقال.\nوورد من حديث منصور عن الحَكَم عن سعيد بن جُبير، واختُلف عليه. والذين لم يَذكروا الوجه أكثر، وروايتهم أَوْلَى. قال البيهقي: ورواية الجماعة في الرأس وحده، وذِكر الوجه فيه غريب.","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-266>القسم الثاني:\nالمحظورات التي تختص بالنساء </span>اثنتان:\n١ - النقاب.\n٢ - القُفازان.\n\n<span data-type='title' id=toc-267>المحظور الأول: سَتْر المُحْرِمة وجهها بالنقاب:</span> وفيه تمهيد ومباحث:\nتمهيد: لُبْس المرأة المَخيط لغير الوجه والكفين.\nيَجوز للمُحْرِمة أن تَلبس المَخيط لغير الوجه والكفين بالإجماع.\nنَقَل ابن المنذر وابن عبد البر وابن رُشْد الإجماع على ذلك (^١).\nفمحظورات الإحرام من اللبس في حق النساء أمران، هما الوجه واليدان.\n\n<span data-type='title' id=toc-268>المبحث الأول: سَتْر المحرمة وجهها بالنقاب: وفيه أربعة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-269>المطلب الأول: تعريف النقاب:</span>\nالنقاب: هو لباس الوجه، وهو ما فُصِّل وقُطِّع وخِيط لأجل الوجه، فتَستر المرأة وجهها، وتَفتح لعينيها بقدر ما تَنظر منه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-270>المطلب الثاني: حُكم النقاب للمُحْرِمة:</span>\nالنقاب من محظورات الإحرام على المرأة، بالسُّنة والإجماع.\nأما السُّنة، فعن ابن عمر ﵄ قال: قال النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ» (^٣).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الفَضْلُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ،\n_________\n(^١) «الإشراف» (٣/ ٢٢١)، و«الاستذكار» (٤/ ١٤)، و«بداية المجتهد» (٢/ ٩١).\n(^٢) «الشرح الممتع» (٧/ ١٣٤).\n(^٣) البخاري (١٨٣٨).","vol":"1","page":205},{"text":"فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ … وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ (^١). وفيه دليل على أن إحرام المرأة في وجهها، وهذا ما لم يَختلف فيه الفقهاء (^٢).\nوأما الإجماع، فقد نَقَل غير واحد الإجماع على أنه يَحرم على المرأة المُحْرِمة أن تغطي وجهها بما يُعْمَل للوجه خاصة، كالنقاب والبرقع ونحوهما (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-271>المطلب الثالث: سَتْر المُحْرِمة وجهها بغير النقاب:</span>\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالأول: لا يَجوز تغطية المُحْرِمة وجهها إلا لحاجة، كمرور الأجانب. وهذا مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، والحنابلة في المشهور عنهم (^٤).\nواستدلوا بالسُّنة والإجماع والمأثور والقياس:\nأما السُّنة، فما رواه البخاري: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ» (^٥).\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٨٥٥)، ومسلم (١٣٣٤).\n(^٢) «التمهيد» (٩/ ١٢٤).\n(^٣) قال ابن قُدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا تَغْطِيَةُ وَجْهِهَا فِي إِحْرَامِهَا، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ، أَنَّهَا كَانَتْ تُغَطِّي وَجْهَهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ تُغَطِّيهِ بِالسَّدْلِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَلَا يَكُونُ اخْتِلَافًا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَكَرَاهِيَةُ الْبُرْقُعِ ثَابِتَةٌ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ. «المغني» (٥/ ١٥٤)، وقال ابن عبد البر: وَأَجْمَعُوا أَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا. «الاستذكار» (٤/ ١٤).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٤)، و«التاج والإكليل» (٣/ ١٤١)، و«المجموع» (٧/ ٢٥٠).\n(^٥) مدار الحديث على نافع عن ابن عمر، واختُلف عنه في الرفع والوقف على ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: رواه اللَّيْث بن سعد عند البخاري (١٨٣٨)، وإسماعيل بن عُقبة عند ابن بَشْران كما في «فتح الباري» (٤/ ٥٣)، والبيهقي (٩١١٥)، وجُوَيْرِيَة بن أسماء، عند البيهقي (٩١١٥)، وموسى بن عُقبة عند النَّسَائي (٢٦٨٠)، وإبراهيم بن سعيد المَدِيني، وهو منكر الحديث عند أبي داود (١٨٢٦)، وابن إسحاق، وهو ضعيف في روايته عن نافع، عند أحمد (٦٠٠٣) سِتتهم عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، بذِكر هذه الجملة: (وَلَا تَنْتَقِبِ …).\nالوجه الثاني: ذِكر الحديث بدون «لَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ …» رواه أيوب السَّخْتياني عند البخاري (٥٧٩٤)، ومالك عند البخاري (١٥٤٢) ومسلم (١١٧٧) ورواه ابن أبي ذئب عند البخاري (١٣٤)، وجَرير بن حازم عند أحمد (٤٨٥٦)، وعبد الله بن عَوْن عند أحمد (٤٤٥٤)، وعمر بن نافعٍ، عند أحمد (٥٤٧٢) وغيرهم، عن نافعٍ، عن ابن عمر، به، فذكروا الحديث بدون: «لَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ …». =","vol":"1","page":206},{"text":"وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا، سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ (^١).\nوأما الإجماع، فقد قال ابن عبد البر: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمَةِ أَنْ تَسْدِلَ ثَوْبَهَا عَلَى وَجْهِهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا، سَدْلًا خَفِيفًا تُسْتَرُ بِهِ عَنْ نَظَرِ الرِّجَالِ إِلَيْهَا (^٢).\nوأما المأثور، فعن ابن عمر قال: «إحرام المرأة في وجهها» (^٣).\nوأما القياس، فالوجه من المرأة يجب كشفه، كالرأس من الرَّجُل.\nونوقش بأن القياس الصحيح أن وجه المرأة كبدن الرجل، يَجوز تغطيته، ولا يَجوز\n_________\n=\nورواه عُبيد الله بن عمر، واختُلف عليه: فرواه يحيى القَطَّان وحفص بن غِيَاث، عن عُبيد الله به، فاقتصروا على المتفق على رفعه بدون «لَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ».\nالوجه الثالث: فَصَلُوا المرفوع عن الموقوف: رواه محمد بن بِشر وحماد بن مَسْعَدة، عند ابن رَاهَوَيْهِ، كما في «فتح الباري» (٤/ ٥٣)، وبِشر بن المُفضَّل عند ابن خُزيمة (٢٥٩٧) ثلاثتهم عن عُبيد الله بن عمر، به، ففَصَلُوا المرفوع عن الموقوف.\nالوجه الرابع: ذِكر الموقوف فقط: رواه عَبْدَة بن سليمان، عند ابن أبي شيبة (١٤٥٤٣): عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمَةِ النِّقَابَ وَالْقُفَّازَيْنِ.\nورواه مَالِكٍ في «الموطأ» (٩١٨) في رواية أخرى: عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ.\nورواه سالم، عند البخاري (٣٦٦)، ومسلم (١١٧٧)، وعبد الله بن دينار، عند البخاري (٥٨٤٧)، ومسلم (١١٧٧) كلاهما عن ابن عمر مرفوعًا، بدون: «لَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ …».\nوقد تضافرت أقوال أهل العلم على أن جملة (لَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ …) من قول ابن عمر.\nقال أبو داود: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عُبَيدُ اللهِ وَمَالِكٌ وَأَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَوْقُوفًا. «السُّنن».\nوقال ابن عَدِيّ: وهذا الحديث لا يُتابَع إبراهيم بن سعيد هذا على رفعه، ورواه جماعة عن نافعٍ، من قول ابن عمر. «الكامل» (٢/ ١٤).\nوَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: (وَلَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ) مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَأُدْرِجَ فِي الْحَدِيثِ. وأَقَره البيهقي عليه. «البدر المنير» (٦/ ٣٢٢).\nوقال الدارقطني: رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر، موقوفًا، وهو الصحيح. «العلل» (٧/ ٤٢).\nوقال ابن حجر: فَإِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فِي نَافِعٍ أَحْفَظُ مِنْ جَمِيعِ مَنْ خَالَفَهُ، وَقَدْ فَصَلَ الْمَرْفُوعَ مِنَ الْمَوْقُوفِ. «فتح الباري» (٤/ ٥٣)، وكذا ابن القيم في «عون المعبود» (٥/ ١٩٠).\n\n(^١) ضعيف: أخرجه أحمد (٢٤٠٢١)، وفي إسناده: يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف.\n(^٢) «الاستذكار» (٤/ ١٤)، ونَقَل الإجماع أيضًا ابن رُشْد في «بداية المجتهد» (٢/ ٩٢).\n(^٣) إسناده صحيح: وقد سبق تخريجه.","vol":"1","page":207},{"text":"لبس شيء مُفَصَّل عليه؛ لأن المرأة كلها عورة، فلها أن تغطي وجهها ويديها، لكن بغير اللباس المصنوع بقدر العضو، كما أن الرَّجُل لا يَلبس السراويل ويَلبس الإزار.\nالقول الثاني: يَجوز للمُحْرِمة تغطية وجهها بغير النقاب لغير حاجة. وهو قول في مذهب الحنابلة، واختاره ابن حزم (^١).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور:\nأما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ: «لَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ».\nوَجْه الدلالة: أن النهي إنما جاء عن النقاب فقط؛ لأنه لُبس مُفصَّل على العضو، صُنِع لسَتْر الوجه، كالقفاز المصنوع لسَتر اليد، وكما يَجوز تغطية الكف من غير لبس القفازين، فيَجوز كذلك تغطية الوجه من غير لبس النقاب.\nقال صاحب «عون المعبود»: وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَوَّى بَيْنَ وَجْهِهَا وَيَدَيْهَا، وَمَنَعَهَا مِنَ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا سَتْرُ يَدَيْهَا، وَأَنَّهُمَا كَبَدَنِ الْمُحْرِمِ، يَحْرُمُ سَتْرُهُمَا بِالْمُفَصَّلِ عَلَى قَدْرِهِمَا، فَهَكَذَا الْوَجْهُ إِنَّمَا يَحْرُمُ سَتْرُهُ بِالنِّقَابِ (^٢).\nوأما المأثور، فَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «الْمُحْرِمَةُ تَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ مَا شَاءَتْ، إِلَّا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ، وَلَا تَتَبَرْقَعُ وَلَا تَلَثَّمُ، وَتَسْدُلُ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ شَاءَتْ» (^٣).\nوَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: «كُنَّا نُغَطِّي وُجُوهَنَا مِنَ الرِّجَالِ، وَكُنَّا نَتَمَشَّطُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْإِحْرَامِ» (^٤).\nوَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، أَنَّهَا قَالَتْ: «كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ، وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ» (^٥).\nوالراجح: أنه كما يَجوز تغطية الكف من غير لبس القفازين، فيجوز كذلك تغطية الوجه من غير لبس النقاب، وقد قَرَن النبي ﷺ بينهما، وهما كبدن الرجل، يجوز تغطيته،\n_________\n(^١) «الشرح الكبير على المقنع» (٣/ ٣٢٤)، و«الفروع» (٥/ ٥٢٧)، و«المُحَلَّى» (٥/ ٧٨).\n(^٢) «عون المعبود» (٥/ ١٩٨).\n(^٣) إسناده صحيح: رواه البيهقي (٩١٢٢).\n(^٤) إسناده صحيح: رواه ابن خُزيمة (٢٦٩٠)، والحاكم (١٦٦٨) واللفظ له.\n(^٥) إسناده صحيح: رواه مالك في «الموطأ» (٩١٩) عن هشام بن عروة، عن فاطمة، به.","vol":"1","page":208},{"text":"ولا يَجوز لبس شيء مُفصَّل عليه؛ لأن المرأة في حاجة إلى سَتر وجهها، فلم يَحرم عليها ستره على الإطلاق كالعورة، فلها أن تغطي وجهها ويديها، لكن بغير اللباس المصنوع بقدر العضو، كما أن الرجل لا يَلبس السراويل ويَلبس الإزار.\n\n<span data-type='title' id=toc-272>المطلب الرابع: هل يُشترَط في تغطية المُحْرِمة وجهها ألا يمس الوجه؟</span>\nاختَلف العلماء في هذه المسألة على قولين:\nالأول: أنه لا يُشترَط مباعدة الساتر المسدل عن وجه المرأة المُحْرَمة، فلا تُكلَّف المُحْرِمة أن تجافي سترتها عن الوجه، لا بعُود ولا بغيره. وهذا مذهب المالكية، والحنابلة في الصحيح عنهم (^١).\nواستدلوا بأن أزواج النبي ﷺ ونساء الصحابة كُنَّ يَسدلن على وجوههن، ولا شك أن الثوب المسدول لا يَسْلَم من إصابة البشرة، فلو كان هذا شرطًا لبَيَّن، وإنما مُنعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما مما يُعَد لسَتْر الوجه (^٢).\nالقول الثاني: اشتراط مجافاة الساتر المسدول عن وجه المرأة بخشبة ونحوها، وتجب الفدية بملامسة الوجه لذلك الساتر. وبه قال الحنفية والشافعية، وقول للحنابلة (^٣).\nواستدلوا بما رواه ابن عمر، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا».\nوَجْه الدلالة: أنه إذا كان لا يَجوز للرَّجُل المُحْرِم أن يضع على رأسه شيئًا ملاصقًا للرأس كالطاقية، ويَجوز له أن يستظل بالشمسية لأنها غير مُلاصِقة، فكذا يَجوز للمرأة ستر وجهها مع مجافاة الساتر المسدل عن وجهها بخشبة ونحوها؛ لتَستتر به عن نظر الرجال إليها كالشمسية.\nونوقش بأن هذا الحديث لا يصح.\nوَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: رَأَى ابْنُ عُمَرَ امْرَأَةً قَدْ سَدَلَتْ ثَوْبَهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَهِيَ مُحْرِمَةٌ، فَقَالَ لَهَا: اكْشِفِي وَجْهَكِ؛ فَإِنَّمَا حُرْمَةُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا (^٤).\nونوقش بأنه ثَبَت أن نساءه ﷺ ونساء الصحابة كن يَسدلن على وجوههن، وهن أعلم\n_________\n(^١) «الاستذكار» (٤/ ١٤)، و«التفريع» (١/ ٣٢٣)، و«المغني» (٥/ ١٥٥)، و«الفروع» (٥/ ٥٢٩).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١١٢)، و«الشرح الكبير على المقنع» (٣/ ٣٢٤).\n(^٣) «المبسوط» (٤/ ١٢٨)، و«الأم» (٢/ ١٤٩)، و«الحاوي» (٤/ ١٤٩)، و«المغني» (٥/ ١٥٥).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه الطحاوي في «أحكام القرآن» (١٢١٣).","vol":"1","page":209},{"text":"الأمة بهذه المسألة.\nوقد قال ابن عبد البر: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمَةِ أَنْ تَسْدِلَ ثَوْبَهَا عَلَى وَجْهِهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا، سَدْلًا خَفِيفًا تُسْتَرُ بِهِ عَنْ نَظَرِ الرِّجَالِ إِلَيْهَا.\nوالراجح: أَنَّ وَجْهَ الْمَرْأَةِ لَا يُغَطَّى بِالنِّقَابِ وَالْبُرْقُعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا صُنِعَ عَلَى قَدْرِهِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ إلَّا عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ، وَكُنَّ النِّسَاءُ يُدْنِينَ عَلَى وُجُوهِهِنَّ مَا يَسْتُرُهَا مِنَ الرِّجَالِ مِنْ غَيْرِ وَضْعِ مَا يُجَافِيهَا عَنِ الْوَجْهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-273>المحظور الثاني المختص بالمُحْرِمة:</span> القُفازان: وفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد: تعريف القُفازين:\nالقُفازان: شيء يُعْمَل لليدين يُغطِّي الأصابع مع الكف (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-274>المبحث الأول: حُكْم لبس القُفازين للمُحْرِمة:</span>\nاختَلف العلماء في ذلك على قولين:\nالأول: يَحرم على المُحْرِمة لبس القُفازين. وهو مذهب المالكية، والشافعية في الصحيح، والحنابلة (^٢).\nالقول الآخَر: يَجوز للمُحْرِمة لبس القُفازين. وهو مذهب الحنفية وقول للشافعية (^٣).\nوهذا القول هو الراجح، أما حديث «لا تَنتقب المرأة المحرمة، ولا تَلبس القفازين» فالصحيح فيه الوقف عن ابن عمر، وقد سبق بيانه، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-275>المبحث الثاني: حُكم لبس القفازين للمُحْرِم:</span>\nنَقَل النووي وابن قُدامة الإجماع على منع المُحْرِم من لبس القفازين (^٤).\n_________\n(^١) قال ابن منظور: والقُفَّازُ: لِبَاسُ الْكَفِّ، وَهُوَ شَيْءٌ يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ. «لسان العرب» (مادة: قفز).\n(^٢) «مواهب الجليل» (٣/ ١٤٠)، و«الحاوي» (٤/ ٩٣)، و«المغني» (٥/ ١٥٨).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٨٦)، و«الحاوي» (٤/ ٩٣)، و«المجموع» (٧/ ٩٣).\n(^٤) قال النووي: يَحرم على الرجل لبس القفازين بلا خلاف. «المجموع» (٧/ ٢٥٧)، وكذا نَقَله ابن قُدامة في «المغني» (٥/ ١١٩).","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type='title' id=toc-276>الأصل الثالث: ما يتعلق بنكاح المُحْرِم.</span>\nويشتمل على أربعة محظورات:\n\n<span data-type='title' id=toc-277>المحظور الأول: الخِطبة للمُحْرِم:</span>\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالأول: تُكره الخِطبة للمُحْرِم والمُحْرِمة. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ».\nالقول الثاني: تَحرم خِطبة المُحْرِم. وهو مذهب المالكية، وابن حزم، وابن تيمية (^٢).\nواستدلوا بأن النهي للتحريم. ولأن الخِطبة مُقدِّمة للنكاح وسبب إليه، فمُنعت لأن المُحْرِم قد يتعلق قلبه بالمخطوبة، ويَحصل فيه من الكلام في النكاح الذي يُمنع منه المُحْرِم، وقد قال تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-278>المحظور الثاني: حُكْم عقد النكاح للمُحْرِم:</span>\nاختَلف العلماء في ذلك على قولين:\nالأول: أنه لا يَحِل للمُحْرِم أن يتزوج، ولا أن يُزوِّج غيره، فإن فَعَل فالنكاح باطل، ولا فدية فيه. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور، والمعقول:\nأما السُّنة: فعموم قول النبي ﷺ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ …» (^٤).\n_________\n(^١) «المجموع» (٧/ ٢٨٣، ٢٨٤)، و«الشرح الكبير على المقنع» (٣/ ٣١٤).\n(^٢) «القوانين الفقهية» لابن جُزَيّ (١/ ١٤٧)، و«المُحَلَّى» (٥/ ٢١١)، و«شرح العمدة» (٢/ ٢١٦).\n(^٣) «الاستذكار» (٤/ ١١٨). وقال النووي: لا يصح تزوج المُحْرِم ولا تزويجه. وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمَن بعدهم. وهو مذهب عمر بن الخطاب وعثمان وعلي، وزيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس، وابن المسيب والزُّهْري. «المجموع» (٧/ ٢٨٧)، و«الشرح الكبير» (٣/ ٣١١).\n(^٤) رواه مسلم (١٤٠٩).","vol":"1","page":211},{"text":"قال الباجي: وَهَذَا يَقْتَضِي مَنْعَ عَقْدِ النِّكَاحِ لِلْمُحْرِمِ، وَيَقْتَضِي مَنْعَ الْمُحْرِمِ مِنْ عَقْدِهِ لِغَيْرِهِ، وَإِذَا اقْتَضَى النَّهْيُ الْمَنْعَ مِنْ عَقْدِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ، اقْتَضَى فَسَادَهُ إنْ عَقَدَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ (^١).\nونوقش بأن المقصود بالنكاح في الحديث هو الوَطْء، ودل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وكذا قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣].\nوأجيب عنه من وجهين:\nالأول: أن المراد بالنكاح عند الإطلاق العقد، وقد دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥].\nالثاني: أن قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا﴾ حُمل على الوطء، بدليل قوله ﷺ: «حتى تَذوقي عُسَيْلته»، وكذا سياق قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ على الوطء.\nوعن أبي غَطَفان: أَنَّ أَبَاهُ طَرِيفًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَرَدَّ عُمَرُ نِكَاحَهُ (^٢).\nوعن سعيد، أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ وَهُوُ مُحْرِمٌ، فَأَجْمَعَ أَهْلُ المَدِينَةِ عَلَى أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا (^٣).\nوأما المعقول: فإن الإحرام مَعْنًى يَمنع من الوطء ودواعيه، فوجب أن يُمنع من النكاح، كالطِّيب (^٤).\nالقول الآخَر: أنه يَجوز للمُحْرِم أن يتزوج، وأن يُزوِّج غيره، والمحظور على المُحْرِم هو الوطء ودواعيه. وهو مذهب الحنفية (^٥).\n_________\n(^١) «المنتقى شرح الموطإ» (٢/ ٢٣٨).\n(^٢) إسناده صحيح: رواه مالك في «الموطأ» (٩٩٨) عن داود بن الحُصَيْن، عن أبي غَطَفان، به.\n(^٣) أخرجه البيهقي (٩٢٤٠) عن سعيد بن المسيب.\n(^٤) «الحاوي» (٤/ ١٢٤)، و«المجموع» (٧/ ٢٨٣، ٢٨٩)، و«الشرح الكبير» (٣/ ٣١٢).\n(^٥) «الهداية» (٣/ ٢٣٢).","vol":"1","page":212},{"text":"واستدلوا بما رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ (^١).\nونوقش هذا الاستدلال بأنه قد اختَلفت الروايات في نكاح ميمونة، فقد رَوى مسلم: عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ. قَالَ: وَكَانَتْ خَالَتِي وَخَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ (^٢).\nوَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولَ فِيمَا بَيْنَهُمَا (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (١٨٣٧)، ومسلم (١٤١٠).\nوقد رُوي ما يدل على أن الرسول ﷺ تزوج ميمونة في عمرة القضاء، في العام السابع، فقد روى البخاري (٤٢٥٩) معلقًا بصيغة الجزم، قال: وَزَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ وَأَبَانُ، عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ فِي عُمْرَةِ القَضَاءِ» وقد وَصَله ابن حِبان (٤١٣٣).\nوعلته ابن إسحاق، فهو وإن كان صَرَّح بالتحديث، ولكن لا تُقبل منه زيادة «فِي عُمْرَةِ القَضَاءِ».\n(^٢) ضعيف، أُعِلَّ بالإرسال، ومداره على يزيد بن الأصم، واختُلف عليه، ويرويه عن يزيد أربعة:\nالأول: أبو فَزَارة، واختُلف عليه: فرواه جَرير بن حازم، به موصولًا عند مسلم (١٤٣٠).\nوخالف جريرًا حمادُ بن زيد، فرواه عن أبي فَزَارة، عن يزيد مرسلًا. أخرجه الدارقطني (٣٦٥٥).\nوحماد بن زيد أوثق من جرير، فهو وإن كان ثقة فله أوهام. قال أحمد: جرير بن حازم عنده عجائب.\nوقد رَجَّح البخاري الطريق المرسل كما في «العلل الكبير» للترمذي (ص: ١٣١).\nوقال الترمذي عقب حديث جرير: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ مُرْسَلًا. «السُّنن» (٢/ ٣٦٦). وقال الدارقطني: والمُرسَل أَشبَهُ. «علل الدارقطني» (٩/ ٢٦٤).\nالثاني: رواه ميمون بن مِهْران عن يزيد الأصم، واختُلف عليه:\nفرواه حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون، موصولًا به. أخرجه أحمد (٢٦٨٤١).\nورواه سفيان بن حبيب، عن حبيب، عن ميمون، عن يزيد، مرسلًا. عند النَّسَائي في «الكبرى» (٣٢١٩).\nالثالث والرابع: روى عنه ثقتان ثبتان، لم يُختلَف عليهما على الإرسال، وهما الزُّهْري عند مسلم (١٤١١) والحَكَم بن عُتيبة، بسند صحيح عند النَّسَائي في «الكبرى» (٥٣٨٤) كلاهما عن يزيد بن الأصم مرسلًا، أن رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو حلال.\n(^٣) ضعيف، أُعِلَّ بالإرسال، ومدار الحديث على ربيعة بن أبي عبد الرحمن، واختُلف عنه على وجهين:\nالوجه الأول: مَنْ رواه موصولًا: فرواه مطر الوراق عند الترمذي (٨٤١) وبِشر بن السَّرِي عن ربيعة، ذَكَر روايته الدارقطني في «العلل» (٧/ ١٣) كلاهما عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع، به.\nالوجه الثاني: مَنْ رواه مرسلًا: رواه مالك في «الموطأ» (١/ ٢٨٢)، وسليمان بن بلال، ذَكَره الترمذي (٢/ ١٩٠)، وأنس بن عِيَاض عند ابن سعد (٨/ ١٣٣) ثلاثتهم عن ربيعة عن سليمان مرسلًا.\nوالوجه المرسل أصح؛ لأن مالكًا وأنس بن عِيَاض وسليمان بن بلال- ثلاثة من الثقات الأثبات رَوَوُا الحديث مرسلًا، وخالفهم مطر الوراق وفيه ضعف، وإن كان تابعه بِشر، وإن كان ثقة إلا أني لم أقف =","vol":"1","page":213},{"text":"الحاصل: أن أصح ما ورد في هذا الباب حديثان:\nالأول: في مَعْرِض النهي، وهو حديث عثمان: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ …».\nالثاني: في مَعْرِض الإباحة، وهو حديث ابن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ.\nورَجَّح الجمهور حديث عثمان لستة أمور:\nالأول: أن حديث عثمان ناقل عن الأصل الذي هو الإباحة؛ فيُقَدَّم على حديث ابن عباس؛ لأنه مُبْقٍ على الأصل.\nالثاني: أَنَّ تَزَوُّجَهُ ﷺ فِعْلٌ مِنْهُ، وَالْفِعْلُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِهِ، وَحَدِيثُ عُثْمَانَ نَهْيٌ لِأُمَّتِهِ، وَالْمَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ، وَمَنْ رَدَّ نَصَّ قَوْلِهِ وَعَارَضَهُ بِفَعْلِهِ، فَقَدْ أَخْطَأَ.\nالثالث: أَنَّ حَدِيثَ عُثْمَانَ حَاظِرٌ، وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مُبِيحٌ، وَالْأَخْذُ بِالْحَاظِرِ أَحْوَطُ مِنَ الْأَخْذِ بِالْمُبِيحِ.\nالرابع: أَنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ قَدْ عَمِلُوا بِمُوجِبِ حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، نَظَرْنَا إِلَى مَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ. وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيمَا بَلَغَنَا إِلَّا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَدْ عُلِمَ مُسْتَنَدُ فَتْوَاهُ (^١).\nالخامس: أن حديث عثمان تقعيدُ قاعدة، وحديث ابن عباس واقعةُ عَيْن تحتمل أنواعًا من الاحتمالات، فكان حديث عثمان أَوْلَى.\nالسادس: أن العمل بحديث عثمان هو الأحوط للدين. وبه قال جماهير العلماء.\n_________\n=على إسناد لطريق بِشر، إلا أنه ذَكَره الدارقطني معلقًا؛ ولذا لم يَعْتَدّ كثير من العلماء بطريق بِشر؛ ولذا فقد أشار البخاري والترمذي والطحاوي وابن عبد البر إلى تفرد مطر برفعه، ومطر فيه ضعف.\nقال الترمذي: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ رَفَعَهُ غَيْرَ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ. «العلل الكبير» (ص: ١٣٠).\nوقال الترمذي أيضًا: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ غَيْرَ مَطَرٍ الوَرَّاقِ، رَوَاهُ مَالِكٌ وسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ مُرْسَلًا.\nوقال الطحاوي: رَفَعَهُ مَطَرٌ، ولَيْسَ هُوَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ، وَهُوَ أَضْبَطُ مِنْهُ وَأَحْفَظُ، فَقَطَعَهُ. «شرح معاني الآثار» (٢/ ٢٧٠). وكذا ابن عبد البر في «التمهيد» (٣/ ١٥١).\nوإن كان يُفْهَم من كلام الدارقطني في «العلل» (٧/ ١٣)، والبيهقي في «معرفة السُّنن» (٧/ ١٨٥)، وابن القيم في «زاد المعاد» (٣/ ٣٢٩) أن المتصل صحيح، ولكن الصحيح في هذا الحديث هو الإرسال.\n(^١) «شرح العمدة» لابن تيمية، كتاب الحج (٢/ ٢٠٥).","vol":"1","page":214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-279>المحظور الثالث: المباشرة فيما دون الفَرْج للمُحْرِم:</span>\nوفيه مبحثان:\n\n<span data-type='title' id=toc-280>المبحث الأول: حُكم مباشرة النساء في النسك:</span>\nتَحرم مباشرة النساء في النسك. وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nوالرفث يراد به الجماع ومقدماته. ولأنه إذا حَرُم عليه عقد النكاح فلأن تَحرم المباشرة- وهي أدعى إلى الوَطْء- أَوْلَى (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-281>المبحث الثاني: المباشرة وفساد النسك:</span>\nاتَّفق العلماء على أن مَنْ باشر فيما دون الفَرْج، فلم يُنْزِل، لا يَفسد حجه (^٣).\nوحَكى النووي الإجماع على أن المُحْرِم إذا باشر فأَنْزَل، لم يَفسد نسكه (^٤).\nوهذا الإجماع منخرم؛ فقد خالف المالكية فقالوا: إن المُحْرِم إذا باشر فأَنْزَل، فَسَد نسكه كالجماع؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nونوقش بأن المراد بالرفث الذي يَفسد به الحج هو الجماع.\n_________\n(^١) «البحر الرائق» (٣/ ١٦)، و«الكافي» (١/ ٣٩٦)، و«المجموع» (٧/ ٢٩١)، و«كشاف القناع» (٢/ ٤٤٩).\n(^٢) قال الشنقيطي: اعلم أنهم متفقون على مقدمات الجماع، كالقُبْلة والمُفاخَذة واللمس بقصد اللذة- حرام على المُحْرِم. «أضواء البيان» (٥/ ٣٠). وانظر «البحر الرائق» (٣/ ١٦).\n(^٣) قال ابن قُدامة فيمن باشر فيما دون الفرج، فلم يُنْزِل، لم يَفسد حجه: لا نَعلم أحدًا قال بخلاف ذلك؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، أَشْبَهَ الفِكر. «الشرح الكبير» (٣/ ٣٢٣).\n(^٤) قال النووي: لا يَفسد نسكه بالمباشرة بشهوة، بلا خلاف، سواء أَنْزَل أم لا. «المجموع» (٧/ ٢٩١).","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-282>المحظور الرابع: الجماع في النسك:</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-283>المبحث الأول: حُكم الجماع للمُحْرِم في النسك:</span>\nالوَطْء في الفرج حرام على المُحْرِم، ومُفسِد لنسكه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. والرفث المنهي عنه الحاج يَدخل فيه الجماع. فقد نَقَل غير واحدٍ الإجماع على تحريم الوطء حال الإحرام وفساد النسك بالوطء (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-284>المبحث الثاني: متى يَفسد الحج بالجماع؟</span>\nلا يخلو الجماع في الحج من ثلاث أحوال:\nالأولى- إذا جامع المُحْرِم امرأته قبل الوقوف بعرفة، فَسَد حجه.\nنَقَل ابن المنذر وابن حزم وابن عبد البر وغيرهم الإجماع على ذلك (^٢).\nالثانية: إذا جامع المُحْرِم امرأته بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول.\n_________\n(^١) قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن المُحْرِم ممنوع من الجماع في حالة الإحرام. «الإجماع» (ص: ٥٢).\nوقال ابن عبد البر: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ وَطْءَ النِّسَاءِ عَلَى الْحَاجِّ- حَرَامٌ، مِنْ حِينِ يُحْرِمُ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧]. «الاستذكار» (٤/ ٢٥٧).\nونَقَل الإجماع: ابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ٤٢)، وابن رشد في «بداية المجتهد» (٢/ ٩٤)، والنووي في «المجموع» (٧/ ٢٩٠)، وابن مفلح في «الفروع» (٥/ ٤٤٣) وغيرهم كثير.\n(^٢) قال ابن عبد البر: أَجْمَعُوا على أن مَنْ وَطِئ قبل الوقوف بعرفة، فقد أَفْسَد حجه. «الاستذكار» (٤/ ٢٥٨). ونَقَل الإجماع على ذلك أيضًا: ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٥٢)، وابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ٤٢)، وابن رُشْد في «بداية المجتهد» (٢/ ١٣٣).\nوقد أَغْرَب الشوكاني فقال بعدم فساد مَنْ جامع امرأته قبل الوقوف بعرفة. «السيل الجَرَّار» (ص: ٣٤٢).\nوهذا القول شاذ لا يُلتفت إليه، وقد أَجْمَع العلماء على أن المُحْرِم إذا جامع قبل الوقوف بعرفة، فَسَد حجه، وقد قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وأن الرَّفَث المنهي عنه الحاج يَدخل فيه الجماع بالإجماع.","vol":"1","page":216},{"text":"اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالأول: إذا جامع المُحْرِم امرأته بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول، فسد حجه. وهو المشهور عند المالكية، ومذهب الشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بالمأثور والقياس:\nأما المأثور، فَعَنْ شُعَيْبٍ قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عَمْرِو، فَسَأَلَهُ عَنْ مُحْرِمٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ، فَأَشَارَ لَهُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: بَطَلَ حَجُّهُ. قَالَ: فَيَقْعُدُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ يَخْرُجُ مَعَ النَّاسِ فَيَصْنَعُ مَا يَصْنَعُونَ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ قَابِلٌ حَجَّ وَأَهْدَى. فَرَجَعَا إِلَى ابْنِ عَمْرِو فَأَخْبَرَاهُ، فَأَرْسَلَنَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ ابنُ عُمْر، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: مَا تَقُولُ أَنْتَ؟ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَا» (^٢).\nوَجْه الدلالة: أنهم لم يستفصلوا السائل، ولم يُفرقوا بين ما قبل الوقوف وبعده.\nوأما القياس، فإذا جامع المُحْرِم قبل الوقوف فسد حجه، فكذا بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول؛ لأنه جماع صَادَف إحرامًا تامًّا، فأَفْسَدَه، كما قَبْل الوقوف (^٣).\nالقول الآخَر: لا يَفسد حجه. وهو مذهب الحنفية (^٤).\nقال الماوردي: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ جَامَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَسَدَ حَجُّهُ، وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَهُ لَمْ يَفْسُدْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «الحَجُّ عَرَفَةُ» وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَأْمَنُ بِهِ الْفَوَاتَ، فَأَمِنَ بِهِ الْفَسَادَ.\nفَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ ﷺ: «الحَجُّ عَرَفَةُ» فَلِأَنَّ بِإِدْرَاكِ عَرَفَةَ يَكُونُ مُدْرِكًا لِرُكْنٍ يَأْمَنُ بِهِ فَوَاتَ الْحَجِّ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُرُودِ الْفَسَادِ (^٥).\n_________\n(^١) «التاج والإكليل» (٣/ ١٦٧)، و«المجموع» (٧/ ٣٨٤)، و«المغني» (٥/ ٣٧٢)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٥٠).\n(^٢) إسناده حسن: رواه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٣٩)، والدارقطني (٣٠٠٠)، والحاكم (٢٤١٠).\n(^٣) «المغني» (٥/ ١٦٦، ١٦٧).\n(^٤) «المبسوط» (٤/ ٥٧)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ٢١٧).\n(^٥) «الحاوي» (٤/ ٢١٨).","vol":"1","page":217},{"text":"الراجح: أنه إذا جامع المُحْرِم بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول، فَسَد حجه.\nالحال الثالثة: إذا جامع المُحْرِم امرأته بعد التحلل الأول:\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالأول: أن مَنْ جامع بعد التحلل الأول لا يَفسد نسكه. وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور والمعقول:\nأما السُّنة، فعن عروة بن مُضَرِّس الطائي قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ».\nوَجْه الدلالة: أنه إذا تم حجه يوم النحر، فلا وجه لإبطاله بعد ذلك.\nوأما المأثور، فعن ابن عباس ﵄، أن رجلًا أصاب من أهله قبل أن يطوف بالبيت يوم النحر، فقال: «يَنحران جَزورًا بينهما، وليس عليهما الحج من قابل» (^٢).\nوأما المعقول، فَلِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ لَهَا تَحَلُّلَانِ، فَوُجُودُ الْمُفْسِدِ بَعْدَ تَحَلُّلِهَا الْأَوَّلِ لَا يُفْسِدُهَا، كَوُجُودِ المُفْسِدِ بَعْدَ التَّسْلِيمَةِ الْأَوْلَى فِي الصَّلَاةِ (^٣).\nالقول الآخَر: أن مَنْ جامع بعد الرمي والحلق وقبل طواف الإفاضة، فحجه فاسد وعليه الحج من قابل؛ لأن الوَطء صادف إحرامًا من الحج فأَفْسَده، كالوَطء قَبْل الرميِ. وهو مروي عن ابن عمر والنَّخَعي، وهو قول الظاهرية (^٤).\n_________\n(^١) «البحر الرائق» (٣/ ١٨)، و«الاستذكار» (١٢/ ٧٠٤)، و«الحاوي» (٤/ ٢١٩).\nقال ابن قُدامة: الْوَطْءُ بَعْدَ الْجَمْرَةِ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. «المغني» (٥/ ٣٧٥)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٥٣).\n(^٢) رواه الدارقطني في «السُّنن» (٢/ ٢٧٢)، والبيهقي (١٠٠٨٣).\n(^٣) «المغني» (٥/ ٣٧٥).\n(^٤) «الاستذكار» (١٢/ ٣٠٧)، و«المغني» (٥/ ٣٧٥)، و«المُحَلَّى» (٥/ ٢٠٠).","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type='title' id=toc-285>المبحث الثالث: ما يترتب على الجماع في النسك:</span>\nيترتب على الجماع في الحج خمسة أشياء:\nالأول: الإثم لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nقال ابن عبد البر: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ وَطْءَ النِّسَاءِ عَلَى الْحَاجِّ حَرَامٌ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ.\nالثاني: فساد النسك. فلا خلاف بين أهل العلم أن المُحْرِم إذا جامع امرأته قبل الوقوف بعرفات- أن حجه يَفسد بذلك (^١).\nالثالث: وجوب المضي في الحج، وعلى ذلك جماهير العلماء (^٢).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوَجْه الدلالة: أَمَر الله تعالى بإتمام الحج والعمرة، والأمر يقتضي الوجوب، وهو أَمْر عام، لم يُفرِّق بين الصحيح والفاسد. وقد أفتى بذلك جَمْع من الصحابة ﵃، ولا يُعْرَف لهم مُخالِف.\nالرابع: وجوب القضاء، نُقِل الإجماع على وجوب القضاء للمُحْرِم إذا جامع امرأته قبل الوقوف بعرفة (^٣).\nواختَلف العلماء على قولين في حكم افتراق الزوجين في حجة القضاء، ومعناه ألا يَنزل\n_________\n(^١) قال النووي: إذا جامع القارن قبل التحلل الأول، فَسَد حَجُّه بلا خلاف. «المجموع» (٧/ ٣٩٢).\n(^٢) قال النووي: قال الشافعي والأصحاب: ويَلزم مَنْ أَفْسَد حجًّا أو عمرة- أن يَمضي في فاسدهما، وهو أن يُتِم ما كان يعمله لولا الإفساد. ونَقَل أصحابنا اتفاق العلماء على هذا، وأنه لم يُخالِف فيه إلا داود الظاهري، فإنه قال: يَخرج منه بالإفساد. «المجموع» (٧/ ٣٨٨)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٥١).\n(^٣) قال ابن المنذر: أَجْمَعُوا على أن مَنْ جامع عامدًا في حجه، قبل وقوفه بعرفة، أن عليه حجًّا قابلًا. (ص: ٥٢). وقال النووي: يجب على مُفسِد الحج أو العمرة القضاء بلا خلاف، سواء كان الحج أو العمرة فرضًا أو نفلًا. «المجموع» (٧/ ٣٨٩)، وكذا الشربيني في «مغني المحتاج» (١/ ٥٢٣).","vol":"1","page":219},{"text":"معها في بيت أو خيمة، ولكن يكون قريبًا منها ليرعى حالها:\nالأول: أنه يُستحب أن يفترق الزوجان في الموضع الذي أصابها فيه، إلى أن يَحِلا من حجة القضاء. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (^١).\nالقول الآخَر: أنه يجب الافتراق عليهما من وقت الإحرام. وبه قال زُفَر من الحنفية، وهو مذهب المالكية، وقول عند الشافعية (^٢).\nفعن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة، أنهم سُئلوا عن رجل أصاب أهله وهو مُحْرِم في الحج، فقالوا: «يَنفذان لوجههما حتى يقضيا حجهما، وعليهما الحج من قابل والهَدْي!». وقال علي: «إذا أَهَلَّا قابلًا، تَفَرَّقا حتى يقضيا حجهما!» (^٣).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، قَالَ: اقْضِيَا نُسُكَكُمَا، وَارْجِعَا إِلَى بَلَدِكُمَا، فَإِذَا كَانَ عَامُ قَابِلٍ فَاخْرُجَا حَاجَّيْنِ، فَإِذَا أَحْرَمْتُمَا فَتَفَرَّقَا، وَلَا تَلْتَقِيَا حَتَّى تَقْضِيَا نُسُكَكُمَا، وَأَهْدِيَا هَدْيًا (^٤).\nواستدلوا بكون التفرق صيانة للمُحْرِم من معاودة الوقاع عند تذكره برؤية مكانه.\nالراجح: أن الافتراق ليس بواجب، وأكثر رحلات الحج لكثرة العدد قد لا يخلو الرجل بزوجته لوجود النساء في مكان، وكذا الرجال، ويُندَب الافتراق إن خافا على أنفسهما الفتنة.\nالخامس: الفدية أو ذَبْح الهَدْي. وسيأتي تفصيل ذلك في فصل الفدية.\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢١٨)، و«المجموع» (٧/ ٣٩٩)، و«المبدع» (٣/ ١٥٠).\n(^٢) «المبسوط» (٤/ ١١٨)، و«الذخيرة» (٣/ ٣٣٩)، و«المجموع» (٧/ ٣٨٥).\n(^٣) مرسل: أخرجه مالك في «الموطأ» (٥٢٩) قال: بَلَغني أن عمر، به.\n(^٤) صحيح: أخرجه علي بن حُجْر في «أحاديث إسماعيل بن جعفر» (١١٤) عن حُميد عن أبي الطُّفَيْل.","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type='title' id=toc-286>الأصل الرابع: قَتْل الصيد البري</span>\nوفيه سبعة مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-287>المبحث الأول: حُكْم قتل الصيد للمُحْرِم:</span>\nقَتْل الصيد من محظورات الإحرام بالكتاب والسُّنة والإجماع.\nأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥].\nوأما السُّنة: فعَنِ الصَّعْبِ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (^١).\n_________\n(^١) هذا حديث الصعب بن جَثَّامة، وقد اختُلف فيه ألوانًا، وقد رُوي عن ابن عباس عن الصعب من أربعة طرق: (عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، وسعيد بن جُبَيْر، وعمرو بن أمية الضَّمْري، وطاوس).\nالطريق الأول: مداره على الزُّهْري، عن عُبَيْد الله، عن ابن عباس، عن الصَّعْب، واختُلف عليه: هل أَهْدَى الصعب لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًّا حيًّا، أو هو لحم حمار وحش؟\nفرواه أصحاب الزُّهْري كمالك عند البخاري (١٨٢٥)، ومسلم (١١٩٣)، وشُعيب بن أبي حمزة عند البخاري (٢٥٩٦)، والليث بن سعد، وصالح بن كَيْسَان، ومَعْمَر بن راشد، ثلاثتهم عند مسلم (١١٩٣)، وابن جُريج، وابن أبي ذئب، كلاهما عند أحمد (١٦٤٢٨، ١٦٤٢٩)، ويونس بن يزيد عند الروياني في «مسنده» (١٠٠٠)، وابن أخي الزُّهْري، ومحمد بن عمرو، كلاهما عند عبد الله بن أحمد في زوائده على «المُسنَد» (١٦٦٧٣) (١٦٦٨٠) وغيرهم كثير، فرووه عن الزُّهْري به، فقالوا: أَهْدَى الصعب لرسول اللَّه ﷺ حمارًا وحشيًّا، أي: (حيًّا).\nوخالف أصحابَ الزُّهْري الثقات الحُفاظ سفيانُ بن عُيينة من الوجه الراجح عنه، فرواه عن الزُّهْري به بلفظ: أَهْدَيْتُ لَهُ مِنْ لَحْمِ حِمَارِ وَحْشٍ. أخرجه مسلم (١١٩٣) وغيره، وهناك وجه آخَر عن ابن عُيينة، رواه عن الزُّهْري مثل أقرانه وهو: (حمار وحش) كما عند الحُميدي (٨٠١) وغيره.\nوهذا الخلاف عن ابن عُيينة ليس من الرواة عنه، بل هو منه. قال يعقوب بن سفيان: وكان سفيان فيما خلا ربما قال: (حمار) ثم صار إلى (لحم) حتى مات. «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٧٢٧).\nوالحاصل: أن رواية ابن عُيينة عن الزُّهْري: (لَحْم حمار) شاذة من هذا الوجه؛ لمخالفته أصحاب الزُّهْري الثقات الحُفاظ، كمالك وشُعيب، والليث، وصالح، ومَعْمَر … وغيرهم، عن الزُّهْري أنه أَهْدَى لرسول اللَّه ﷺ حمارًا وحشيًّا. أي: (حَيَّا)، وليس (لَحْم حمار).\nوقد أَعَل رواية ابن عُيينة: (لَحْم حمار): الشافعي عند البيهقي في «الكبرى» (١٠/ ٣٢٦)، وقال الترمذي: وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. «السُّنن» (٢/ ١٩٨)، وكذا ابن حَجَر في «فتح الباري» (٤/ ٣٢).=","vol":"1","page":221},{"text":"وأما الإجماع، فنَقَل الإجماع على ذلك: ابن المنذر، وابن رُشْد … وغيرهما (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-288>المبحث الثاني: حُكْم قتل المحرم للحيوان غير مأكول اللحم:</span>\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: يَجوز للمُحْرِم قتل الحيوان غير مأكول اللحم، ولا جزاء عليه. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (^٢).\nالقول الآخَر: لا يَقتل المُحْرِم شيئًا من صيد البر، سواء ما يُؤكَل لحمه أم لا يؤكل، إلا الفواسق الخمس التي أباح رسول الله ﷺ قَتْلها. وهو مذهب الحنفية والمالكية (^٣).\n_________\n= وقد توبع ابن عُيينة عن الزُّهْري: (لَحْم حمار):\n١ - فقد تابعه عمرو بن دينار عند عبد الله في «زوائده» (١٦٦٥٧)، وفيه محمد العبدي، وفيه ضعف.\n٢ - ابن إسحاق عند الطبراني في «الكبير» (٧٤٤٢) بلفظ: (رِجل حمار وحش). وابن إسحاق حَسَنُ الحديث، إلا أنه لا يُحْتَجّ به إذا خولف.\n٣ - إسحاق بن راشد في «شرح معاني الآثار» (٣٧٩٣) ورواية إسحاق عن الزُّهْري ضَعَّفها ابن مَعين.\nالطريق الثاني: حَبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، واختُلف عليه:\n١ - فرواه الأعمش قال: حِمَارَ وَحْشٍ. وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: شِقُّ حِمَارِ. وَفِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكَمِ: رِجْلَ حِمَارِ وَحْشٍ. وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ: عَجُزَ حِمَارِ. خَرَّج رواياتهم مسلم (١١٩٤).\nالطريق الثالث: ما رواه مسلم (١١٩٥): عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَذْكِرُهُ: كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ أُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ حَرَامٌ؟ قَالَ: أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ، فَقَالَ: «إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ، إِنَّا حُرُمٌ».\nالطريق الرابع: طريق عمرو بن أُمية، فرَوى ابن وهب كما في «فتح الباري» (٤/ ٣٢) ومِن طريقه البيهقي في «السُّنن الكبرى» (١٠٠٢٩) عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ الصَّعْبَ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ، وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ، فَأَكَلَ مِنْهُ وَأَكَلَ الْقَوْمُ.\nوهذا المتن منكر؛ لأنه مخالف لما اتَّفَق عليه الرواة عن ابن عباس، من أن النبي رَدَّ صيد الصَّعْب، فلم يأكل منه هو ولا أصحابه. كما في «سِيَر أعلام النبلاء» (٨/ ٦).\nقال ابن القيم: أَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، فَغَلَطٌ بِلَا شَكٍّ! فَإِنَّ الْوَاقِعَةَ وَاحِدَةٌ، وَقَدِ اتَّفَقَ الرُّوَاةُ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، إِلَّا هَذِهِ الرِّوَايَةَ الشَّاذَّةَ الْمُنْكَرَةَ. «زاد المعاد» (٢/ ١٥٣)، و«فتح الباري» (٤/ ٣٢).\n(^١) قال ابن قُدامة: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ وَاصْطِيَادِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ. «المغني» (٥/ ١٣٢). ونَقَل الإجماع: ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٥٢)، وابن رُشْد في «بداية المجتهد» (٢/ ٩٥)، والنووي في «المجموع» (٧/ ٢٩٦)، و«الفروع» لابن مفلح (٥/ ٤٦٧).\n(^٢) «المجموع» (٧/ ٣١٦)، و«المبدع» (٣/ ١٣٩).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٩٧)، و«بداية المجتهد» (٢/ ٩٥).","vol":"1","page":222},{"text":"والحاصل: أن الحيوان غير مأكول اللحم على ثلاثة أضرب:\nالأول: الحيوان الوحشي كالحية والعقرب، والحشرات كالدود، فيَجوز للمُحْرِم قتله، ولا جزاء عليه (^١).\nالثاني: سباع البهائم وجوارح الطير، إِنْ قَتَلها المُحْرِم، فلا جزاء فيه.\nالثالث: المتولد بين مأكول وغير مأكول، كالمتولد بين حمار وحشي وحمار أهلي، فهذا فيه الجزاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-289>المبحث الثالث: صفات الصيد المُحرَّم على المُحْرِم:</span>\nيَحرم على المُحْرِم أن يصيد ما جَمَع ثلاث صفات:\nالأول: أن يكون صيد بَر؛ لأن صيد البحر حلال لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦].\nالثاني: أن يكون وحشيًّا، كالظباء والأرانب والحَمَام. أما ما ليس وحشيًّا فلا يَحرم على المُحْرِم أكله، كبهيمة الأنعام والدجاج ونحوها، بالإجماع.\nواستدل على أن المحظور على المُحْرِم من الصيد- هو ما كان وحشيًّا مأكولًا- بعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]. ومَعْنَى ذَلِكَ: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ الْوَحْشِيَّةِ مِنَ الظِّبَاءِ وَالْبَقَرِ وَالْحُمُرِ، غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ: غَيْرَ مُسْتَحِلِّي اصْطِيَادِهَا، وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) (^٢)\nفدل على أن المحظور على المُحْرِم من الصيد هو ما كان وحشيًّا مأكولًا.\nالثالث: أن يكون مأكولًا، باتفاق المذاهب الأربعة (^٣).\nفالحاصل: أن الصيد الذي يُحْظَر على المُحْرِم هو الحيوان البري المتوحش المأكول اللحم، كالظباء والأرانب والحَمَام. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) نَقَل الإجماع على ذلك ابن المنذر في «المغني» (٥/ ١٧٦).\n(^٢) تفسير الطبري = جامع البيان، ط/ هَجَر (٨/ ١٨).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٩٦)، و«تحفة المحتاج» (٤/ ١٧٨)، و«المغني» (٣/ ٤٤٠).\n(^٤) «مغني المحتاج» (١/ ٥٢٤)، و«الفروع» (٥/ ٤٦٧).","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-290>المبحث الرابع: أحكام الأكل من الصيد والدلالة عليه:</span> وفيه مطلبان:\n<span data-type='title' id=toc-291>المطلب الأول: مَنْ صِيد لأجله:</span>\nمَنْ صِيد لأجله فإنه يَحرم عليه أكله. وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (^١).\nعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ، أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (^٢).\nوَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: «رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ أُرْجُوَانٍ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا. فَقَالُوا: أَوَلَا تَأْكُلُ أَنْتَ؟! فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-292>المطلب الثاني: إذا صاد المُحِل صيدًا وأطعمه المُحْرِم، فهل يكون حلالًا للمُحْرِم؟</span>\nإذا صاد المُحِل صيدًا، وأطعمه المُحْرِم دون أن يُعِينه بشيء على صيده، فإنه يَحِل للمُحْرِم أكله. وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة (^٤).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦].\nفكلمة: (صَيْد) مَصْدَر، أي: حُرِّم عليكم أن تصيدوا صيد البر. وليس بمعنى مَصِيد.\nواستدلوا بما رُوي: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالقَاحَةِ، وَمِنَّا المُحْرِمُ، وَمِنَّا غَيْرُ المُحْرِمِ، فَرَأَيْتُ أَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ، يَعْنِي وَقَعَ سَوْطُهُ، فَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، إِنَّا مُحْرِمُونَ. فَتَنَاوَلْتُهُ، فَأَخَذْتُهُ ثُمَّ أَتَيْتُ الحِمَارَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ، فَعَقَرْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَأْكُلُوا. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ أَمَامَنَا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: «كُلُوهُ، حَلَالٌ» (^٥).\n_________\n(^١) «حاشية الدسوقي» (٢/ ٧٨، ٧٩)، و«المجموع» (٧/ ٣٢٤)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٣٨).\n(^٢) رواه البخاري (١٨٢٥)، ومسلم (١١٩٣).\n(^٣) إسناده صحيح: رواه مالك (١٠١٦) عن عبد الله بن أبي بكر، به.\n(^٤) قال الكاساني: وَيَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُ صَيْدٍ اصْطَادَهُ الْحَلَالُ لِنَفْسِهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٠٥)، و«شرح مختصر خليل» (٢/ ٣٧٢)، و«الحاوي» (٤/ ٧٧٩)، و«المغني» (٣/ ٢٩١).\n(^٥) رواه البخاري (١٨٢٣)، ومسلم (١١٩٦).","vol":"1","page":224},{"text":"وَجْه الدلالة: أن المُحْرِم ليس له أثر في هذا الصيد، لا دلالة ولا إعانة، ولا مشاركة ولا استقلالًا، ولا صِيد من أجله؛ فلم يُمنع منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-293>المبحث الخامس: صيد الحَرَم:</span>\nيَحرم الصيد في الحَرَم على المُحْرِم وعلى الحلال، بالسُّنة والإجماع.\nأما السُّنة، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَ ٠ اتِ وَالأَرْضَ … لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ» (^١).\nوأما الإجماع، فنُقِل الإجماع على أن صيد الحرم حرام على الحلال والمُحْرِم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-294>المبحث السادس: ما لا يَدخل في الصيد: وفيه ثلاثة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-295>المطلب الأول: الهوام والحشرات:</span>\nلا تَدخل الهوام والحشرات في تحريم الصيد عند الحنفية والشافعية والحنابلة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-296>المطلب الثاني: قَتْل الفواسق الخمس:</span>\nللمُحْرِم قتل الفواسق الخمس: الفأرة، والعقرب، والكلب العَقور، والغراب، والحِدَأة، في الحِل والحَرَم، بالسُّنة والإجماع.\nأما السُّنة، فَعَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ» (^٤).\nوأما الإجماع، فنُقل الإجماع على أنه يَجوز للمُحْرِم قتل الفواسق الخمس (^٥).\nونُقل الإجماع على جواز قتل المُحْرِم للحية (^٦).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣١٨٩)، ومسلم (١٣٥٣).\n(^٢) نَقَله ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٦٠)، والنووي في «شرح مسلم» (٩/ ١٢٥).\n(^٣) «البحر الرائق» (٨/ ٢٥١)، و«الحاوي» (٤/ ٣٤١)، و«كشاف القناع» (٢/ ٤٣٩).\n(^٤) رواه البخاري (١٨٢٨)، ومسلم (١٢٠٠).\n(^٥) نَقَل الإجماع: ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٥٤)، والبغوي في «شرح السُّنة» (٧/ ٢٦٧، ٢٦٨).\nوقال ابن عبد البر: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الْفَأْرَةِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ. «الاستذكار» (٤/ ١٥٦).\nوقد ورد عن النَّخَعي أنه مَنَع المُحْرِم من قتل الفأرة. وهذا قول شاذ، يُخالِف صريح الأدلة.\n(^٦) قال ابن عبد البر: الْعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى قَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، لِلْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ. «الاستذكار» (٤/ ١٥٥). وهذا الإجماع منخرم؛ فهناك قول لحماد بن أبي سليمان بعدم جواز قتل الحيات. وهناك قول ثالث بعدم جواز قتل صغار الحيات للمُحْرِم. وهو قول مالك في رواية. «فتح الباري» (٤/ ٤١) وهو قول شاذ لمخالفته للسُّنة، وقد روى مسلم أنه ﷺ كان يأمر بقتل الحية.","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-297>المطلب الثالث: قتل المؤذيات:</span>\nللمُحْرِم قتل كل ما آذاه، سواء كان من طبعه الأذى أو لم يكن، بالإجماع (^١).\nوَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالحُدَيَّا، وَالغُرَابُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ».\n\n<span data-type='title' id=toc-298>المبحث السابع: ما يباح للمُحْرِم: وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-299>المطلب الأول: ذَبْح وأكل بهيمة الأنعام ونحوها:</span>\nيَجوز للمُحْرِم بالإجماع ذبح وأكل بهيمة الأنعام والدجاج ونحوها.\nقال ابن حزم: اتفقوا أن له أن يَذبح من الأنعام والدجاج الإنسي ما أَحَب، مما يَملك، أو يأمر مالكه، وهو مُحْرِم في الحَرَم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-300>المطلب الثاني: صيد البحر:</span>\nيَجُوز للمُحْرِم اصطياد الحيوان البحري وأَكْله، بالإجماع (^٣).\nوقد قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦].\n_________\n(^١) نَقَله ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٥٤)، وابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ٤٣) أن الخبر نَصَّ مِنْ كل جنس على صورة مِنْ أدناه؛ تنبيهًا على ما هو أعلى منها، ودلالة على ما كان في معناها، فنَصُّه على الغراب والحِدَأة تنبيه على البازِي ونحوه، وعلى الفأرة تنبيه على الحشرات، وعلى العقرب تنبيه على الحية. وعلى الكلب العَقُور تنبيه على السِّباعِ التي هي أعلى منه، ولأن ما لا يُضمَن بقيمته ولا مِثله لا يُضمَن بشيء، كالحشرات. «الشرح الكبير على المقنع» (٨/ ٣٠٧).\n(^٢) «مراتب الإجماع» (ص: ٤٤)، ونَقَل الإجماع على ذلك ابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٣٩٩).\n(^٣) نَقَل الإجماع على ذلك: ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٥٤)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ١٧٨).","vol":"1","page":226},{"text":"الحاصل في محظورات الإحرام:\nمحظورات الإحرام: هي الممنوعات التي يجب على المُحْرِم اجتنابها؛ بسبب إحرامه ودخوله في النسك.\nوالمحظورات ترجع إلى أربعة أصول:\nالأصل الأول: ما يتعلق بترفيه البدن.\nوفيه ثلاثة محظورات: (حَلْق الشَّعْر، وتقليم الأظفار، والطِّيب).\nالمحظور الأول: حَلْق الشَّعْر: وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: حَلْق شَعْر الرأس من محظورات الإحرام، وتجب به الفدية.\nالمبحث الثاني: هل تجب الفدية بإزالة شعر بقية البدن؟\nلا يَجوز للمُحْرِم أَخْذ شيء مِنْ شَعْر رأسه وجسده، كقص شاربه، ونَتْف إبطه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] وللقياس على شعر الرأس.\nالمبحث الثالث: مقدار الحَلْق الذي تجب به الفدية لا يخلو من ثلاث حالات:\nالأولى: أن يأخذ شعرات، فلا يُعَد حلقًا، فليس عليه شيء.\nالثانية: إذا حَلَق بعض الرأس لعُذر، كالحجامة أو مداواة جرح، فإنه يَحلق ما يَحتاج إليه، ولا شيء عليه؛ لأن رسول الله ﷺ احتجم وهو مُحْرِم، في رأسه. ولم يُنقَل أنه فدى.\nالثالثة: أنه تجب الفدية في حلق أكثر شعر المُحْرِم، أما إذا أَخَذ شعرات من رأسه فإنه يَحرم عليه؛ لأن المُحْرِم نُهي عن حلق شعر رأسه، وهو يشمل القليل والكثير، والقاعدة أن امتثال الأمر لا يَتم إلا بفعل جميعه، وامتثال النهي لا يَتم إلا بترك جميعه، لكن الفدية لا تجب إلا بحلق ما يَحصل به الترفه وزوال الأذى.\nالمبحث الرابع: لا بأس بغَسْل المُحْرِم رأسه وتسريحه؛ لأن أبا أيوب اغتسل وهو مُحْرِم، وقال: هكذا رأيته ﷺ يَفعل.\nالمحظور الثاني: تقليم الأظفار: وفيه مباحث:\nالمبحث الأول: أَجْمَع أهل العلم على أن المُحْرِم ممنوع من قَلْم أظفاره.","vol":"1","page":227},{"text":"المبحث الثاني: إن انكسر ظفره، فله قص ما انكسر منه، ولا شيء عليه.\nالمبحث الثالث: مَنْ قلم ظفرًا لإماطة الأذى، فعليه الفدية؛ فالمُحْرِم ممنوع من الأخذ من الأظفار؛ لأن هذا ينافي الإحرام لكَوْن المُحْرِم أشعث أغبر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] لأنه إزالة جزء يَقضي به تَفَثه ويترفه بإزالته، كالشَّعْر.\nالمحظور الثالث: الطِّيب: وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: الطِّيب من محظورات الإحرام.\nالمبحث الثاني: الحِكْمَةُ مِنْ تَحْرِيمِ الطِّيبِ أَنَّهُ دَاعِيَةٌ إِلَى الْجِمَاعِ، وَلِأَنَّهُ يُنَافِي تَذَلُّلَ الْحَاجِّ؛ فَإِنَّ الْحَاجَّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ.\nالمبحث الثالث: ضابط الطِّيب المحظور على المُحْرِم: وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: الطِّيب المتفق على تحريمه للمُحْرِم:\nهُوَ كُلُّ مَا كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ النَّاسِ بِأَنَّهُ طِيبٌ لِطِيبِ رَائِحَتِهِ، وَيُتَّخَذُ لِلشَّمِّ، فَهُوَ مَحْظُورٌ عَلَى المُحْرِمِ، مِثْلُ الْمِسْكِ وَالْكَافُورِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَالعُودِ وَالعَنْبَرِ.\nالمطلب الثاني: جواز شم المُحْرِم النبات ذي الرائحة الزكية، والفواكه طيبة الرائحة.\nالمطلب الثالث: لا فدية على المُحْرِم إذا شم الرياحين؛ لأن المحظور على المُحْرِم هو وَضْع الطِّيب على الثوب أو البدن، وليس مجرد الشم.\nالمطلب الرابع: حُكْم البخور هو حُكم استعمال الطِّيب؛ لأنه من جملة أنواع الطِّيب الذي حُظِر على المُحْرِم استعماله، وأنه يَصْدُق على مَنْ تَبَخَّر أنه تَطيَّب، وإذا كان المقصود من الطِّيب هو الاستمتاع برائحة الطِّيب، فالبخور أَوْلَى بالتحريم.\nالمبحث الرابع: بقاء الطِّيب بعد الإحرام: وفيه ستة مطالب:\nالمطلب الأول: يُستحَب التطيب في البدن لا في الثياب، قبل الدخول في الإحرام؛ استعدادًا له، ولو بقي جِرمه بعد الإحرام.\nالمطلب الثاني: لا يَجوز للمُحْرِم أن يضع الطِّيب على ملابس الإحرام (الإزار والرداء) وإذا طَيَّبها لا يلبسها حتى يغسلها أو يغيرها؛ لنَهْي النبي ﷺ المُحْرِمَ عن لبس الثوب المُطيَّب بقوله: «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ» وإنما السُّنة تطييب","vol":"1","page":228},{"text":"البدن، كرأسه ولحيته وإبطيه وجسده قبل الإحرام، والله أعلم.\nالمطلب الثالث: أنه إذا خلط الطِّيب كالزعفران بطعام، فذهبت الرائحة بالطبخ، فيَجوز أكله ولا فدية؛ لأن الطِّيب صار مستهلكًا في الطعام بالطبخ.\nالمطلب الرابع: مس طِيب الكعبة:\nمس طِيب الكعبة لا يخلو من حالين:\nالأول: أن المُحْرِم إذا مس طِيب الكعبة قاصدًا التلذذ به، فتجب عليه الفدية.\nالثاني: أن المُحْرِم إذا مس طِيب الكعبة من غير قصد، فلا شيء عليه.\nالمطلب الخامس: شم الطِّيب كالمِسك والكافور والعنبر والعود- لا يوجب الفدية.\nالمطلب السادس: الصابون المُطيَّب، وما في حكمه من المنظفات:\nيَجوز استعمال الصابون المُطيَّب بالرياحين ونحوها مما لم يُتخذ للتطيب؛ لأنه إذا كان شم المُحْرِم للرياحين لا يوجب الفدية، فمن باب أَوْلَى المخلوط بغيره. وأما إذا كان مُطيَّبًا بما يُتخذ للتطيب كالمسك ونحوه، فلا يَجوز استعماله؛ لعموم الأدلة التي تَنهى المُحْرِم عن استعمال الطِّيب.\nالأصل الثاني- ما يتعلق بالمَخيط، وهو قسمان:\nالقسم الأول: المحظورات التي تختص بالرجال اثنتان: المَخيط، وتغطية الرأس.\nالقسم الثاني: المحظورات التي تختص بالنساء اثنتان: النقاب والقُفازان.\nالقسم الأول: يُحْظَر لبس المَخيط على المُحْرِم: وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: يُحْظَر لبس المَخيط على الذَّكَر المُحْرِم.\nوالمَخيط: هو اللباس المصنوع على قدر البدن، كالسراويل أو الخُف.\nالمطلب الثاني: مَنْ أَحْرَم بالمَخيط أو لَبِسه بعد إحرامه؛ ليَدخل به مكة لعدم حمله التصريح، فحجه صحيح، لكنه يأثم بارتدائه إن كان من غير عذر، وتجب عليه الفدية.\nالمطلب الثالث: لا يَجوز لبس السروال القصير تحت الإزار، وقد يكون ظهور العورة بسبب عدم تَعَلُّم كيفية إحكام لباس الإحرام، فينبغي تعليم الحُجاج كيفية إحكام لباس الإحرام حتى لا تَظهر العورة، وهذا يجب تعلمه؛ لأن ما لا يَتم الواجب إلا به فهو واجب.","vol":"1","page":229},{"text":"المطلب الرابع: مدة اللبس الموجبة للفدية: ظواهر النصوص مَنعت المُحْرِم من لبس المَخيط دون تقييد، فمطلق اللُّبس يوجب الفدية، وقليله وكثيره سواء، فلُبْس بعض الحُجاج من الجنود والأطباء زيهم موجب للفدية بكل حال، طال زمن اللُّبس أم قَصُر.\nالقسم الثاني: الحالات المستثناة من لبس المَخيط: وفيه ستة مطالب:\nالمطلب الأول: جواز لبس السراويل لمن لم يجد الإزار.\nالمطلب الثاني: يَجوز للمُحْرِم تشبيك ردائه بمشبك ونحوه؛ لأنه لا يُعَد لُبسًا.\nالمطلب الثالث: حُكْم لبس المُحْرِم الحزام ليضع فيه النفقة ونحوها:\nالحزام الذي يُشَد على وسط المُحْرِم الآن ويوضع فيه المال والجواز والمحمول- يَجوز لبسه؛ لأن الحاجة داعية إليه؛ إذ إن ترك لبسه مما يُعَرِّض النفقة للسرقة والضياع.\nالمطلب الرابع: حُكْم لبس قطعة ثالثة مع الإحرام تَستر العورة.\nلُبْس قطعة ثالثة تحت الفرج لتَستر العورة، وتُربَط بالإحرام بكبسات معدنية- مُحَرَّم.\nالمطلب الخامس: نُقل الإجماع على جواز لبس الخاتم للمُحْرِم.\nالمطلب السادس: يَجوز للمُحْرِم لبس الساعة، أو النظارة، أو سماعة الأذن، أو تركيبة الأسنان؛ وذلك لأنها كلها ليست في معنى ما نَهَى النبي ﷺ المُحْرِم عن لبسه.\nالقسم الثالث: لُبْس النعلين للمُحْرِم: وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: يَجوز لُبْس الخفين لمن لم يجد النعلين.\nالمطلب الثاني: مَنْ لم يجد النعلين فليَلبس الخفين من غير قطعهما؛ لأن الخف متى قُطِع حتى يَكُون أسفل من الكعبين فهو كالحذاء- لا يسمى خفًّا ولا يُمسَح عليه.\nالمطلب الثالث: يَجوز لبس الخفين المقطوعين مع وجود النعلين؛ لأن الخف إذا قُطِع أسفل من الكعبين يَجوز لبسه للمُحْرِم؛ لأنه كالنعل.\nالمطلب الرابع: الراجح عدم وجوب الفدية على مَنْ لم يجد خفين فلبس نعلين، أو لم يجد إزارًا فلبس سراويل.","vol":"1","page":230},{"text":"الحاصل في تغطية الرأس:\nسَتْر الرأس على أربعة أقسام:\nالقسم الأول: ما كان متصلًا وقُصِد به سَتْر الرأس، كالطاقية والعمامة والقبعة والخوذة، هذا مُحَرَّم بالسُّنة والإجماع.\nالقسم الثاني: ما كان متصلًا ولم يُقصَد به الاستظلال، مِثل أن يُغطِّي المُحْرِم رأسه بما يَحمله عليها، كحَمْل الطعام والعفش والمتاع على الرأس، لا يُعَد من التغطية الممنوعة.\nالقسم الثالث: أن يَستظل بمنفصل عنه، غير تابع، كالاستظلال بالخيمة، والبيت والمسجد والحائط والشجرة والسيارة، فهذا جائز بالسُّنة والإجماع.\nالقسم الرابع: أن يُظلِّل رأسه بمنفصل عنه تابع له، كالشمسية والسيارة، ومَحْمَل البعير، وما أشبهها، فهذا جائز على قول جمهور العلماء.\nيَجوز للمُحْرِم تغطية وجهه، ويَحرم عليه تغطية رأسه؛ لعموم قول النبي ﷺ: «لا تُخَمِّروا رأسه» أما زيادة «ولا وجهه» فهي شاذة ولا تصح عن رسول الله ﷺ.\nوعلى هذا، فلُبْس المُحْرِم للكمامات الطبية للوقاية من العدوى والغبار- لا بأس به؛ لجواز تغطية وجه المُحْرِم، وكذا يَجوز للمُحْرِمة لبس الكمامات الطبية؛ فالمرأة منهية عن تغطية وجهها بالنقاب، ويجوز تغطيته بغير النقاب، كالسدل والكمامة الطبية.\nالقسم الثاني: المحظورات التي تختص بالنساء اثنتان:\nفالمرأة لا يَحرم عليها من لبس المخيط إلا النقاب والقفازان.\nالمحظور الأول: لبس النقاب: وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: تعريف النقاب:\nالنقاب هو: لباس الوجه، وهو ما فُصِّل وقُطِّع وخِيط لأجل الوجه. فتَستر المرأة وجهها، وتَفتح لعينيها بقدر ما تَنظر منه.\nالمطلب الثاني: النقاب من محظورات الإحرام على المرأة، بالسُّنة والإجماع.\nالمطلب الثالث: يَجوز للمُحْرِمة سَتْر وجهها بغير النقاب؛ لأن النهي إنما جاء عن النقاب؛ لأنه لبس مُفصَّلًا على العضو، صُنع لسَتْر الوجه، كالقفاز المصنوع لسَتر اليد،","vol":"1","page":231},{"text":"والقميص المصنوع لسَتر البدن، وقد اتَّفق الأئمة على أن للمُحْرِم أن يَستر يديه ورجليه مع أنه نُهي عن لبس القميص والخف.\nالمطلب الرابع: يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُغَطِّيَ وَجْهَهَا وَيَدَيْهَا، لَكِنْ بِغَيْرِ اللِّبَاسِ الْمَصْنُوعِ بِقَدْرِ الْعُضْوِ، كَالنِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ، كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ وَيَلْبَسُ الْإِزَارَ، مَعَ عَدَمِ اشْتِرَاطِ مُجَافَاةِ السَّاتِرِ المُسْدَلِ عَنْ وَجْهِ المَرْأَةِ المُحْرِمَةِ.\nالمحظور الثاني المختص بالمحرمة: لُبْس القفازين:\nالقفازان: شيء يُعْمَل لليدين يُغطِّي الأصابع مع الكف.\nيَجوز للمحرمة لبس القفازين.\nالأصل الثالث: ما يتعلق بنكاح المُحْرِم. ويشتمل على أربعة محظورات:\nالمحظور الأول: تحرم الخِطبة للمُحْرِم، فَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ».\nالمحظور الثاني: لا يحل للمُحْرِم أن يتزوج، ولا أن يُزوِّج غيره، ولا فدية فيه.\nالمحظور الثالث: مَنْ باشر فيما دون الفرج، فلم يُنْزِل، لا يَفسد حجه بالإجماع.\nالمحظور الرابع: الجماع. وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الوَطْء في الفرج حرام على المُحْرِم، ومُفسِد لنسكه.\nالمبحث الثاني: متى يَفسد الحج بالجماع؟\nلا يخلو الجماع في الحج من ثلاث أحوال:\nالحال الأولى: إذا جامع المُحْرِم امرأته قبل الوقوف بعرفة، فَسَد حجه بالإجماع.\nالحال الثانية: إذا جامع امرأته بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول، فَسَد حجه.\nالحال الثالثة: إذا جامع المُحْرِم امرأته بعد التحلل الأول، لا يَفسد نسكه.\nيترتب على الجماع في الحج خمسة أشياء:\nالأول: الإثم، بالكتاب والسُّنة والإجماع.\nالثاني: لا خلاف أن المُحْرِم إذا جامع امرأته قبل الوقوف بعرفة، فسد حجه.","vol":"1","page":232},{"text":"الثالث: وجوب المُضي في الحج؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nالرابع: لا يجب القضاء للمُحْرِم إذا جامع امرأته قبل الوقوف بعرفة، بالإجماع.\nالخامس: الفدية أو ذَبْح الهَدْي.\nالأصل الرابع: قَتْل الصيد البري، وفيه مباحث:\nالمبحث الأول: قَتْل الصيد من محظورات الإحرام، بالكتاب والسُّنة والإجماع.\nالمبحث الثاني: يَحرم على المُحْرِم أن يصيد ما جَمَع ثلاث صفات:\nفالصيد الذي يُحظر على المُحرِم هو الحيوان البري المتوحش المأكول اللحم، كالظباء والأرانب والحَمَام.\nالمبحث الثالث: أحكام الأكل من الصيد، والدلالة عليه. وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: مَنْ صِيد لأجله، فإنه يَحرم عليه أكله.\nالمطلب الثاني: إذا صاد المُحِل صيدًا، وأطعمه المُحْرِمَ دون أن يُعِينه بشيء على صيده، فإنه يَحِل للمُحْرِم أكله.\nالمبحث الرابع: يَحرم الصيد في الحرم على المُحْرِم والحلال.\nالمبحث الخامس: ما لا يَدخل في الصيد: وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: الهوام والحشرات، لا تَدخل الهوام والحشرات في تحريم الصيد.\nالمطلب الثاني: للمُحْرِم قتل الفواسق الخمس: الفأرة، والعقرب، والكلب العَقور، والغراب، والحِدَأة، في الحِل والحَرَم، بالسُّنة والإجماع.\nالمطلب الثالث: يَجوز للمُحْرِم قتل المؤذيات.\nالمبحث السادس: ما يباح للمُحْرِم: وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: يَجوز للمُحْرِم ذبح وأكل بهيمة الأنعام والدجاج ونحوها، بالإجماع.\nالمطلب الثاني: يَجوز للمُحْرِم اصطياد الحيوان البحري وأَكْله.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-301>الفصل الثالث\nالفدية المتعلقة بمحظورات الإحرام</span>\nأقسام محظورات الإحرام باعتبار الفدية- أربعة:\nالقسم الأول: ما فِديته فدية أذى.\n(فدية الأذى هي الدم أو الإطعام أو الصيام).\nالقسم الثاني: ما لا فدية فيه، وهو عَقْد النكاح.\nالقسم الثالث: ما فِديته مُغلَّظة، وهو الجماع.\nالقسم الرابع: ما فديته الجزاء بمثله، وهو الصيد.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type='title' id=toc-302>تمهيد: معنى الفدية</span>\nالفدية لغة: تُطْلَق على الجزاء والبدل، أن يُجْعَل شيء مكان شيء حِمًى له، ومنه فدية الأسير واستنقاذه بمال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] أي: جزيناه بأن جعلنا مكان ذبحه ذبح كبش عظيم، وأنقذناه من الذبح (^١).\nوشرعًا: هي ما وجب بسبب فعل محظور كلُبس المَخيط، أو تَرْك واجب كَمَنْ جَاوَز الميقات بغير نية إحرام، مع أنه ينوي الحج. وسُميت فدية لقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-303>القسم الأول: ما فِديته فدية أذى (هي الدم أو الإطعام أو الصيام) وهي محظورات الترفه</span>\nوفيه أربعة مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-304>المبحث الأول: المحظورات التي يجب على مَنْ ارتَكب شيئًا منها تجب عليه فدية الأذى:</span>\nالمحظور الأول: حَلْق الشَّعْر أو تقصيره.\nالثاني: تقليم الأظفار.\nالثالث: الطِّيب.\nالرابع: تغطية الرأس.\nالخامس: لُبس المَخيط.\nمَنْ فعل شيئًا مما سبق، فإنه يجب عليه في كل ذلك فدية الأذى، فيُخيَّر بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة.\n_________\n(^١) «معجم مقاييس اللغة» لابن فارس (مادة: ف د ي)، و«المصباح المنير» للفيومي (مادة: ف د ي).","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type='title' id=toc-305>المبحث الثاني: فدية الأذى على التخيير أم على الترتيب؟</span>\nفدية الأذى على التخيير، فيُخيَّر بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وبهذا قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nوفي «الصحيحين»: عَنْ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ» قَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ» (^٢).\nفهذه الرواية صريحة في التخيير بين أنواع الفدية الثلاثة.\nويُشْكِل على الآية والحديث ما ورد في «الصحيحين»: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ، وَفِيهِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁: «تَجِدُ شَاةً؟» فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ» (^٣).\nفظاهر هذه الرواية أن مَنْ وَجَد النسك، فلا يَجوز له الإطعام أو الصيام، وأن التخيير إنما هو بين الإطعام والصيام لمن لم يجد النسك، وهذا يخالف ظاهر الآية، ورواية ابن أبي ليلى عن كعب أن التخيير بين أنواع الفدية الثلاثة.\nوأقوى أوجه الجَمْع: أن الأفضل للفدية أن يَذبح نسيكة إن وَجَد سَعة، وإِنْ أَطْعَم أو صام وهو يجد الهَدْي فلا إثم عليه.\nوأما الترجيح، فتُرجَّح الرواية المُصرِّحة بالتخيير بين أنواع الفدية الثلاثة؛ وذلك لأمور:\nالأول: أن رواية التخيير مُوافِقة للقرآن.\nالثاني: أن أكثر الروايات عن كعب بن عُجْرة على التخيير.\nالثالث: أن جماهير العلماء على أن الفدية على التخيير (^٤).\n_________\n(^١) «تبيين الحقائق» (٢/ ٥٦)، و«الكافي» (١/ ٣٨٩)، و«الحاوي» (٤/ ٢٢٧)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٦٠).\n(^٢) رواه البخاري (١٨١٤)، ومسلم (١٢٠١).\n(^٣) رواه البخاري (١٨١٦)، ومسلم (١٢٠١).\n(^٤) قال ابن عبد البر: وعامة الآثار عن كعب وردت بلفظ التخيير، وهو نص القرآن، وعليه مضى عمل العلماء. «التمهيد» (٢/ ٢٣٨).","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type='title' id=toc-306>المبحث الثالث: ما نوع الإطعام الذي أَمَر به النبي ﷺ كعب بن عُجْرة؟</span>\nقد صح عن رسول الله ﷺ أنه خَيَّر كعبًا بين الذبح أو الصيام أو الإطعام. والإشكال هو في اختلاف الروايات في نوع الإطعام الذي خَيَّر فيه النبي ﷺ رجلًا واحدًا، هو كعب.\nففي رواية: «أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ».\nوفي ثانية: «أَوْ إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ نِصْفَ صَاعٍ، طَعَامًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ».\nوفي ثالثة: «نصف صاع من حنطة» (^١).\nوفي رابعة: «أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ زَبِيبٍ» (^٢) وفَرَقًا، أي: اثْنَا عَشَرَ مُدًّا.\nولا بد من الترجيح؛ لأن الروايات كلها في قضية واحدة، وفي رجل واحد.\nوالراجح: أن رواية التمر هي المحفوظة، وهي التي رواها مسلم من طريق أبي قِلابة عن ابن أبي ليلى، ولم يقع اختلاف فيها على ابن أبي ليلى في تحديد نوع الإطعام.\n_________\n(^١) ومدار هذا الحديث على شُعبة، عن عبد الرحمن الأصبهاني، عن عبد الله بن مغفل، واختُلف عنه:\nفرواه محمد بن جعفر عند مسلم (١٢٠١) وبَهْز بن أسد عند أحمد (١٨١١١)، وعفان بن مسلم عند أحمد أيضًا (١٨١٠٨) ثلاثتهم عن شُعبة بلفظ: نِصْف صاعٍ من طعام.\nوخالفهم في هذا اللفظ: سليمان بن حرب، والطيالسي، وعاصم بن علي، وحفص بن عمر الحَوْضي، كلهم عن شُعبة بلفظ: نصف صاع من حنطة. عند الطبراني (١٩/ ١٣٦).\nوالراجح: أن المحفوظ عن شُعبة رواية (نصف صاع) لثلاثة أمور:\nالأول: محمد هو ابن جعفر، المعروف ب (غُنْدَر) وهو أثبت الناس في شُعبة. «فتح الباري» (١/ ٨٧).\nالثاني: اعتَمد مسلم على محمد بن جعفر روايته في صحيحه، وأَعْرَض عما سواها.\nالثالث: أنه تابعه على هذه اللفظة ثقتان ثبتان، وهما عفان بن مسلم، وبَهْز بن أسد.\nوأما رواية: «نصف صاع من حنطة» فالأقرب أن الرواة لم يَضبطوا اللفظ، وقرينة ذلك أن في روايتهم: «أو أطعم كذا وكذا مسكينًا» ولم يضبطوا عدد المساكين، مع أن المحفوظ «ستة مساكين» فكذا لم يَضبط الرواة نوع الطعام.\nقال ابن حجر: الْمَحْفُوظُ عَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: (نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ) وَالِاخْتِلَافُ عَلَيْهِ فِي كَوْنِهِ تَمْرًا أَوْ حِنْطَةً- لَعَلَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ. «فتح الباري» (٤/ ١٧).\nوالجَمْع بين الروايات أن الطعام اسم خاص للحنطة، والله أعلم.\n(^٢) منكر: أخرجه أبو داود (١٨٥٢) من طريق ابن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن الحَكَم بن عُتبة، به.\nوفي إسناده: (ابن إسحاق) وهو إن كان يُحَسَّن حديثه، ولكن لا يُحتَج بما انفرد به، وهذه الرواية من مناكيره؛ لأن روايته مُخالِفة للروايات الصحيحة. ويدل على نكارتها قوله: «فَحَلَقْتُ رَأْسِي، ثُمَّ نَسَكْتُ».\nوقد لَخَّص ابن حجر الكلام فقال: وَأَمَّا الزَّبِيبُ فَلَمْ أَرَهُ إِلَّا فِي رِوَايَةِ الْحَكَمِ، وَفِي إِسْنَادِهَا ابْنُ إِسْحَاقَ، وَهُوَ حُجَّةٌ فِي الْمَغَازِي لَا فِي الْأَحْكَامِ إِذَا خَالَفَ، وَالْمَحْفُوظُ رِوَايَةُ التَّمْرِ. «فتح الباري» (٤/ ١٧).","vol":"1","page":237},{"text":"أما رواية شُعبة فقد اختُلف عليه: فرواه جماعة بلفظ: «نصف صاع طعامًا» وجماعة: «نصف صاع حنطة» ولذا تُقَدَّم رواية التمر التي لا اختلاف فيها.\nوأما حديث: «أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ زَبِيبٍ» فهذا حديث منكر (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-307>المبحث الرابع: ما نوع النسك الذي أَمَر النبي ﷺ به كعب بن عُجْرة؟</span>\nوَرَدَ أن النسك شاة، قال النبي ﷺ لكعب: «احْلِقْ رَأْسَكَ، ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا» (^٢).\nوفي حديث عبد الله بن مَعْقِل: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لكَعْبِ: «تَجِدُ شَاةً؟» (^٣).\nفالنبي ﷺ عَيَّن الشاة نسكًا لكعب، وأخبره كعب أنه لا يجدها.\nولكن يُشْكِل عليهما حديث ابن عمر، أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ حَلَقَ رَأْسَهُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَفْتَدِيَ، فَافْتَدَى بِبَقَرَةٍ (^٤).\n_________\n(^١) قال ابن حزم: فوجدنا أصحاب شُعبة قد اختلفوا عليه، فوجب ترك ما اضطربوا فيه؛ إذ ليس بعضه أَوْلَى من بعض، ووجب الرجوع إلى رواية ابن أبي ليلى الذي لم يضطرب الثقات من رواته فيه. «المُحَلَّى» (٧/ ٢١٠). وقال ابن حجر: والمحفوظ رواية التمر؛ فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قِلابة كما تقدم، ولم يُختلَف فيه على أبي قِلابة. «فتح الباري» (٤/ ١٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٠١).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٨١٦)، ومسلم (١٢٢٠).\n(^٤) منكر: مدار هذا الحديث على نافع، وقد اختُلف عليه من ثلاثة وجوه:\nالأول: فرواه عبد الوهاب بن بُخْتٍ وأبو مَعْشَر، كلاهما عن نافع عن ابن عمر، عند الطبراني (٢١٠).\nالثاني: ورواه اللَّيْث، عن نافعٍ، أن رجلًا أخبره، عن كعب، به، عند أبي داود (١٨٥٩).\nالثالث: وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَارٍ، أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ ابْنَ كَعْبِ: مَا صَنَعَ أَبُوكَ فِي الْأَذَى الَّذِي أَصَابَهُ؟ قَالَ: ذَبَحَ بَقَرَةً. أخرجه سعيد بن منصور في «السُّنن» (٣/ ٧٤٣). وفي هذا السند علتان: الأولى: ابن أبي ليلى سيئ الحفظ. الثانية: سليمان لم يدرك عمر.\nوللحديث طرق أخرى ضعيفة عند الطبراني (٣٢٩) والبخاري في «التاريخ الكبير» (٤/ ٣٥).\nفأَرْجَح هذه الطرق طريق عبد الوهاب بن بُخْت، وهو وإن كان ثقة، فالمتن منكر لأمرين:\nالأول: أن عبد الوهاب ليس من أصحاب نافعٍ المشاهير، فأين أيوب ومالك من هذه الرواية؟!\nالثاني: نكارة متنه؛ فإن المحفوظ في «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال لكعب: «أتجد شاة؟» وليس بقرة.\nقال ابن حزم: وعلى كُلٍّ فهذه الروايات منكرة؛ لأنها مُخالِفة للمحفوظ في «الصحيحين» وغيرهما، أن النبي ﷺ قال لكعب: «أتجد شاة؟». «المُحَلَّى» (٧/ ٢١٢)، وقال ابن عبد البر: كُلُّ مَنْ ذَكَرَ النُّسُكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُفَسَّرًا، فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِشَاةٍ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. «التمهيد» (٢/ ٢٣٧).\nوقال القاري: ومن المُنكَر قوله: (ونَحَر بقرة) ففِي «الصحيح» أَنْ النبي ﷺ قال له: «أتجد شاة؟». «عمدة القاري» (١٠/ ١٥١)، وضَعَّفه عبد الحق الإشبيلي، وقال: والصحيح شاة. «الأحكام الوسطى» (٢/ ٣٠٥). وكذا ضَعَّفه ابن حجر فقال: ولم يَثبت. «فتح الباري» (٤/ ١٩).","vol":"1","page":238},{"text":"وهذا يدل على أن كعبًا افتدى ببقرة، ولكن حديث ابن عمر منكر.\n\n<span data-type='title' id=toc-308>القسم الثاني: ما لا فدية فيه، وهو عَقْد النكاح</span>\n<span data-type='title' id=toc-309>القسم الثالث: ما فديته مُغلَّظة، وهو الجماع، وفيه مبحثان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-310>المبحث الأول: تجب الفدية على مَنْ أفسد النسك بالجماع.</span>\nوفيه أربعة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-311>المطلب الأول: تجب الفدية على المُحْرِم المُجامِع قبل الوقوف بعرفة.</span>\nتجب الفدية على مَنْ أفسد النسك بالجماع قبل الوقوف بعرفة، بالإجماع (^١).\nواختلفوا: ممن تكون الفدية، أو نوع الهَدْي، على قولين:\nالقول الأول: أن مَنْ أفسد حجه بالجماع في حالة الإحرام قبل الوقوف بعرفة، وجب الهَدْي ببدنة. وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بالمأثور والمعقول:\nأما المأثور، فعن عكرمة أن رجلًا قال لابن عباس: أَصَبْتُ أَهْلِي. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا حَجُّكُمَا هَذَا فَقَدْ بَطَلَ، فَحُجَّا عَامًا قَابِلًا، ثُمَّ أَهِلًّا مِنْ حَيْثُ أَهْلَلْتُمَا، حَتَّى إِذَا بَلَغْتُمَا حَيْثُ وَقَعْتَ عَلَيْهَا، فَفَارِقْهَا فَلَا تَرَاكَ وَلَا تَرَاهَا حَتَّى تَرْمِيَا الجَمْرَةَ، وَأَهْدِ نَاقَةً وَلْتُهْدِي نَاقَةً (^٣).\nوأما المعقول، فَلِأَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا تَامًّا، فَأَوْجَبَ الْبَدَنَةَ، كَمَا بَعْدَ الْوُقُوفِ. وَلِأَنَّ مَا يُفْسِدُ الْحَجَّ الْجِنَايَةُ بِهِ أَعْظَمُ، فَكَفَّارَتُهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَغْلَظَ (^٤).\nالقول الآخَر: أن مَنْ جامع زوجته، وهما مُهِلان بالحج قبل أن يقفا بعرفة، وجب\n_________\n(^١) قال ابن المنذر: أجمعوا على أن مَنْ جَامَع عامدًا في حجه، قبل وقوفه بعرفة، أن عليه حجًّا قابلًا والهَدْي. «الإجماع» (ص: ٥٢). وقال النووي: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الْجِمَاعِ فِي الْإِحْرَامِ، وَتَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ وَالْقَضَاءُ، إِذَا كَانَ قَبْلَ التَّحَلُّلَيْنِ. «المجموع» (٧/ ٢٩٠).\n(^٢) «الذخيرة» (٣/ ٣٤٠)، و«المجموع» (٧/ ٤١٦)، وقال ابن قُدامة: يَجِبُ عَلَى الْمُجَامِعِ بَدَنَةٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ، وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. «المغني» (٥/ ١٦٧).\n(^٣) إسناده صحيح: رواه البيهقي (٩٨٧١).\n(^٤) «المغني» (٥/ ٣٧٣).","vol":"1","page":239},{"text":"الهَدْي بشاة. وهو مذهب الحنفية، وقول عند المالكية (^١).\nواستدلوا بما رواه: يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ، أَوْ زَيْدُ بْنُ نُعَيْمٍ - شَكَّ أَبُو تَوْبَةَ - أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُذَامٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ، فَسَأَلَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُمَا: «اقْضِيَا نُسُكَكُمَا، وَأهْدِيَا هَدْيًا، ثُمَّ ارْجِعَا حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا بِالْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا، تَفَرَّقَا، وَلَا يَرَى وَاحِدٌ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ، وَعَلَيْكُمَا حَجَّةٌ أُخْرَى، فَتُقْبِلَانِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا بِالْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا، فَأَحْرِمَا وَأَتِمَّا نُسُكَكُمَا وَأهْدِيَا» (^٢).\nوروى مالك قال: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا وَأَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ، فَقَالُوا: يَنْفُذَانِ لِوَجْهِهِمَا، حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا، ثُمَّ عَلَيْهِمَا حَجُّ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ. وَقَالَ عَلِيٌّ: وَإِذَا أَهَلَّا بِالْحَجِّ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ، تَفَرَّقَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا (^٣).\nوَجْه الدلالة: أَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ وَإِنْ كَانَ يَقَعُ عَلَى الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، لَكِنَّ الشَّاةَ أَدْنَى، وَالْأَدْنَى مُتَيَقَّنٌ بِهِ، فَحَمْلُهُ عَلَى الْغَنَمِ أَوْلَى (^٤).\nقال ابن قُدامة: وَأَمَّا فَسَادُ الْحَجِّ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَالِ الْإِكْرَاهِ وَالْمُطَاوَعَةِ بِلَا خِلَافٍ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-312>المطلب الثاني: هل تجب على المرأة الفدية؟</span>\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: إن كانت مُطاوِعة فعليها بدنة كالرجل، وإن كانت مُكْرَهة فإنه لا يجب عليها هَدْي. وهذا مذهب المالكية والحنابلة (^٦).\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ١١٨)، و«بداية المجتهد» (٢/ ١٣٥)، و«المغني» (٥/ ١٦٧).\n(^٢) ضعيف: أخرجه أبو داود في «المراسيل» (١٤٠)، ومن طريقه البيهقي (٩٨٦٤) وقال: هَذَا مُنْقَطِعٌ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ الأَسْلَمِيُّ بِلَا شَكٍّ. ويزيد: مقبول، كما في «التقريب».\nوقال ابن القطان في كتابه: هذا حديث لا يصح. «نَصْب الراية» (٣/ ١٢٥).\n(^٣) ضعيف لانقطاعه؛ لقول مالك: (بَلَغني أن عمر …). وبينهما مفاوز، أخرجه مالك (١١٢٦).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢١٧).\n(^٥) «المغني» (٥/ ١٦٨).\n(^٦) لكن يجب على مَنْ أَكْرَهها أن يُهْدِي عنها. «الكافي» (١/ ٣٩٩).\nقال ابن قُدامة: فَأَمَّا حَالَ الْمُطَاوَعَةِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَةٌ. هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالنَّخَعِيِّ وَالضَّحَّاكِ، وَمَالِكٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: اهْدِ نَاقَةً، وَلْتُهْدِي نَاقَةً. «المغني» (٥/ ١٦٧).","vol":"1","page":240},{"text":"واستدلوا لوجوب البدنة على المرأة إذا كانت مُطاوِعة، بالمأثور والمعقول:\nأما المأثور، فَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَصَبْتُ أَهْلِي. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا حَجُّكُمَا هَذَا، فَقَدْ بَطَلَ فَحُجَّا عَامًا قَابِلًا، ثُمَّ أَهِلًّا مِنْ حَيْثُ أَهْلَلْتُمَا، حَتَّى إِذَا بَلَغْتُمَا حَيْثُ وَقَعْتَ عَلَيْهَا، فَفَارِقْهَا فَلَا تَرَاكَ وَلَا تَرَاهَا حَتَّى تَرْمِيَا الجَمْرَةَ، وَأَهْدِ نَاقَةً وَلْتُهْدِي نَاقَةً.\nوَعَنْ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنِ الْمُحْرِمِ يُوَاقِعُ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ، فَقَالَ: «يَقْضِيَانِ حَجَّهُمَا، وَاللهُ أَعْلَمُ بِحَجِّهِمَا، ثُمَّ يَرْجِعَانِ حَلَالًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ قَابِلٍ حَجَّا وَأَهْدَيَا، وَتَفَرَّقَا مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ» (^١).\nوَجْه الدلالة: أنه أَمَر الرجل والمرأة أن يُهديا جميعًا، فقال: «وأَهْدِيَا».\nوأما المعقول، فَلِأَنَّهَا أَحَدُ الْمُتَجَامِعَيْنِ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ، فَلَزِمَتْهَا بَدَنَةٌ كَالرَّجُلِ.\nواستدلوا بسقوط الهَدْي عنها إذا كانت مُكْرَهة، بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل: ١٠٦].\nوَجْه الدلالة: أن الكفر إذا كان يَسقط موجبه بالإكراه، فما دونه من باب أَوْلَى.\nالقول الآخَر: تجزئ عنهما معًا بدنة واحدة. وهو قول للشافعية (^٢).\nواستدلوا بما ورد عن ابن عباس قال: يُجْزِئُ عَنْهُمَا جَزُورٌ (^٣).\nوَعَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنْ أَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: يَنْحَرَانِ جَزُورًا بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ عَلَيْهِمَا الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ (^٤).\nونوقش بأنه قد ورد خلاف عن ابن عباس: «وأَهْدِ ناقة، ولتُهْدِي ناقة» وعنه أيضًا: «إذا جامع، فعلى كل واحد منهما بدنة».\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٥٤٦)، وهذا منقطع فإن مجاهدًا لم يدرك عمر. وتَابَع مجاهدًا عطاء عند البيهقي (٩٨٩٧) وهذا منقطع فإن عطاء لم يدرك عمر. «البدر المنير» (٦/ ٣٨٥).\n(^٢) «الأُم» (٢/ ٢٣٩)، و«الحاوي» (٤/ ٢١٧).\n(^٣) «السُّنن الكبرى» للبيهقي (٩٨٧٣) من طريق سفيان، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاء، عن ابن عباس، به.\nوروى مالك في «الموطأ» (١١٣٦) بسند صحيح: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ بِأَهْلِهِ، وَهُوَ بِمِنًى قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْحَرَ بَدَنَةً.\n(^٤) «السُّنن الكبرى» للبيهقي (٩٨٨٧).","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type='title' id=toc-313>المطلب الثالث: الكفارة على مَنْ جامع بعد التحلل الأول.</span>\nاختَلف العلماء في ذلك على قولين:\nالقول الأول: يجب عليه بدنة. وهو مذهب الحنفية والشافعية، ورواية للحنابلة (^١).\nالقول الآخَر: يجب عليه الهَدْي بشاة. وهو مذهب المالكية، وقول للشافعية، والمشهور عند الحنابلة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-314>المطلب الرابع: ما المراد بالبدنة الواجبة على مَنْ أفسد حجه؟</span>\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن البدنة هي الإبل خاصة. وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة:\nأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦].\nوَجْه الدلالة: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ معناه: إذا سَقَطَتْ على جنوبها ميتة. فهذا الوصف خاص بالإبل؛ لأنها تُنحَر وهي قائمة. وأما البقر فإنه يُضْجَع ويُذبَح كالغنم.\nوأما السُّنة، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً» (^٤).\nوَجْه الدلالة: أن تفريقه بين البقرة والبدنة يدل على أن البقرة لا يقال لها بدنة.\nالقول الثاني: أن البُدن هي الإبل والبقر. وهو مذهب الحنفية (^٥).\nوعن جابر: اشْتَرَكْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ … فَقَالَ لَهُ\n_________\n(^١) «فتح القدير» (٣/ ٤٧»، و«الحاوي» (٤/ ٢١٩)، و«الإنصاف» (٣/ ٤٩٩).\n(^٢) «الاستذكار» (١٢/ ٣٠٤)، و«المجموع» (٧/ ٤٠٧)، و«الإنصاف» (٣/ ٤٩٩).\n(^٣) «المدونة» (١/ ٦٥٩)، و«الأم» (٢/ ٢٥٨)، و«المبدع» (٣/ ١٩١).\n(^٤) البخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠).\n(^٥) «المبسوط» (٤/ ١٣٦).","vol":"1","page":242},{"text":"رَجُلٌ: أَرَأَيْتَ الْبَقَرَةَ اشْتَرَكَ فِيهَا مَنْ يَشْتَرِكُ فِي الْجَزُورِ؟ فَقَالَ: مَا هِيَ إِلَّا مِنَ الْبُدْنِ (^١).\nالقول الثالث: أن الغنم من البُدن. نَقَله ابن العربي، وقال عنه: وهو قولٌ شاذ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-315>المبحث الثاني: فدية المُباشَرة: وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-316>المطلب الأول: فدية مَنْ باشر فلم يُنْزِل:</span>\nذهب جماهير العلماء إلى أن مَنْ باشر ولم يُنْزِل، فعليه شاة (^٣).\nواستدلوا بما رُوي عن علي أنه قال: «مَنْ قَبَّل امرأته وهو مُحْرِم، فليهرق دمًا» (^٤).\nواستدلوا بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ قَبَّلَ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ مُحْرِمًا، فَسَأَلَ، فَأُجْمِعَ لَهُ عَلَى أَنْ يُهْرِيقَ دَمًا (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-317>المطلب الثاني: فدية المُحْرِم إذا باشر فأَنْزَل:</span>\nاختَلف العلماء في ذلك على قولين:\nالقول الأول: تجب عليه فدية الأذى: يُخيَّر بين الدم أو الإطعام أو الصيام. وهو مذهب الحنفية والشافعية، ورواية عن أحمد (^٦).\nواستدلوا لعدم فساد النسك بأنه إنزال بغير وَطْء، فلم يَفسد به الحج، كالنظر.\nواستدلوا بوجوب فدية الأذى (الدم أو الإطعام أو الصيام) على مَنْ باشر فأَنْزَل، بما ورد عن علي ﵁ أنه قال: «مَنْ قَبَّل امرأته وهو مُحْرِم، فليُهرِق دمًا» (^٧).\n_________\n(^١) رواه ابن خُزيمة (٢٩٠٠).\n(^٢) «أحكام القرآن» (٣/ ٢٩١).\n(^٣) «المجموع» (٧/ ٢٩١، ٢٩٢). وقال ابن قُدامة: وَمَتَى أنْزَلَ بِالمُباشَرَةِ دُونَ الفَرْجِ، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ فَعَلَيْهِ شاةٌ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ المُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ سِيرينَ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ، وَمَالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْىِ. «الشرح الكبير» (٨/ ٤١٦).\n(^٤) رواه البيهقي (٩٥٧١).\n(^٥) رواه الأثرم بإسناده عن عبد الرحمن بن الحارث، كما في «المغني» (٥/ ١٧١).\n(^٦) «البحر الرائق» (٣/ ١٦)، و«المجموع» (٧/ ٢٩١، ٢٩٢)، و«الشرح الكبير» (٣/ ٦٠).\n(^٧) رواه البيهقى (٩٥٧١).","vol":"1","page":243},{"text":"القول الآخَر: أن المُحْرِم إذا باشر فأَنْزَل، فتجب عليه بدنة عند المالكية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بالقياس على الجماع. ونوقش بأن هذا قياس مع الفارق في أكثر الأحكام.\nوالراجح: أن المُحْرِم إذا باشر فأَنْزَل، وجب عليه فدية الأذى، يُخيَّر بين الدم أو الإطعام أو الصيام.\n\n<span data-type='title' id=toc-318>القسم الرابع: ما فديته الجزاء بمثله، وهو الصيد:\nوفيه سبعة مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-319>المبحث الأول: كفارة قتل المُحْرِم للصيد:</span> وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حُكْم كفارة قتل الصيد عامدًا ذاكرًا لإحرامه:\nيجب الجزاء في قتل الصيد في الجملة، بالكتاب والإجماع.\nأما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥].\nوأما الإجماع، فنَقَل غير واحد الإجماع على أن المُحْرِم إذا قَتَل صيدًا، عامدًا، ذاكرًا لإحرامه، أن عليه الجزاء (^٢).\nالمطلب الثاني: كفارة قتل الصيد:\nيُخيَّر المُحْرِم إذا قَتَل صيدًا يُشْبِه النَّعَم بين ذبحِ مِثله، والتصدق به على المساكين، وبين أن يُقوَّم الصيد، ويشتري بقيمته طعامًا لهم، وبين أن يصوم عن إطعام كل مُدٍّ يومًا.\nأما إذا قَتَل المُحْرِم ما لا يُشْبِه شيئًا من النَّعَم، فإنه يُخيَّر بين الإطعام والصيام.\nوهذا مذهب جمهور الفقهاء، من المالكية والشافعية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ\n_________\n(^١) «الذخيرة» (٣/ ٣٤٤)، و«شرح العمدة» (٢/ ٢٢١).\n(^٢) «الإجماع» (ص: ٥٣). ونَقَله ابن رُشْد في «بداية المجتهد» (٢/ ١٢٤)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٣٩٥).\n(^٣) «الفواكه الدواني» (٢/ ٨٣٥)، و«المجموع» (٧/ ٤٢٣)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٦١).","vol":"1","page":244},{"text":"مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا …﴾ [المائدة: ٩٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-320>المبحث الثاني: حُكْم أكل الُمْحِرم من الصيد،</span> أو: إذا صاد المُحِل صيدًا وأطعمه المُحْرِم، فهل يكون حلالًا للمُحْرِم؟\nاختَلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه لا يَجوز لمُحْرِمٍ أَكْل لَحْم صَيْدٍ البتة. وهو قول عليّ وابن عمر، وطاوس وجابر بن زيد (^١).\nواستدلوا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ فظاهر الآية تحريم أكل الصيد للمُحْرِم بالكلية، سواء أَصِيد من أجله أم لم يُصَد. قال ابن عباس: هي مُبْهَمَة.\nونوقش بأن معنى الآية: حُرِّم عليكم أن تصيدوا صيد البَر، أي: الاصطياد وقَتْل الصيد وأَكْله لمن صاده. وليس بمعنى مَصِيد، فمَن لم يَصِده فليس ممن عُني بالآية، فتكون هذه الآية على هذا التأويل مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (^٢).\nواستدلوا بِأَنَّ الصَّعْبَ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَامْتَنَعَ رَسُولُ اللهِ عَنْ قَبُولِ الصَّيْدِ مِنَ الصَّعْبِ، وَاعْتَذَرَ بِقَوْلِهِ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (^٣).\nفظواهر هذه النصوص دالة على أن أكل لحم الصيد حرام على المُحْرِم بكل حال.\nونوقش بما قاله الشافعي: فَإِنْ كَانَ الصَّعْبُ أَهْدَى الْحِمَارَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ ذَبْحُ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ حَيٍّ. وَإِنْ كَانَ أَهْدَى لَهُ لَحْمًا، فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّهُ صِيدَ لَهُ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، وَمِنْ سُنَّتِهِ ﷺ أَنْ لَا يُحِلَّ لِلْمُحْرِمِ مَا صِيدَ لَهُ (^٤).\nالقول الثاني: يَجُوزُ للِمُحْرِمٍ أَكَل مَا صَادَهُ الْحَلَالُ مِنَ الصَّيْدِ. وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ،\n_________\n(^١) «التمهيد» (٢١/ ١٥٣).\n(^٢) قال ابن كثير: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي: في حال إحرامكم يَحرم عليكم الاصطياد.\n(^٣) رواه مسلم (١١٩٥).\nوَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: أُهْدِيَ لرَسُولِ اللهِ ﷺ عُضْوٌ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ، فَرَدَّهُ فَقَالَ: «إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ، إِنَّا حُرُمٌ».\n(^٤) «اختلاف الحديث» (٨/ ٦٥٦).","vol":"1","page":245},{"text":"وَالزُّبَيْرِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (^١).\nواستدلوا بما ورد عن أبي قتادة، أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَتَخَلَّفَ مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ تَرَكُوهُ حَتَّى رَآهُ أَبُو قَتَادَةَ، فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: الجَرَادَةُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا، فَتَنَاوَلَهُ، فَحَمَلَ فَعَقَرَهُ، ثُمَّ أَكَلَ، فَأَكَلُوا فَنَدِمُوا، فَلَمَّا أَدْرَكُوهُ قَالَ: «هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟» قَالَ: مَعَنَا رِجْلُهُ. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَأَكَلَهَا (^٢).\n_________\n(^١) «التمهيد» (٢١/ ١٥٢). وقال الكاساني: ويَحِل للمُحْرِم أكل صيدٍ اصطاده الحلال لنفسه، عند عامة العلماء. «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٠٥).\n(^٢) رواه البخاري (٢٨٥٤) واللفظ له، ومسلم (١١٩٦).\nوقد رُوي هذا الحديث بألفاظ كثيرة، وقد اختُلف في ألفاظه على ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: اختُلف في العامِ الذي وقعت فيه القصة، هل وقعت في عام الحُديبية، أم في حجة الوداع؟\nومداره على عبد الله بن أبي قتادة، واختُلف عليه:\nفَرَوَاهُ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ أَبِي عَامَ الحُدَيْبِيَة. رواه البخاري (١٨٢١)، ومسلم (١١٩٦).\nوَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ حَاجًّا.\nولفظة «خَرَجَ حَاجًّا» منكرة؛ فالصواب أن القصة كانت عام الحُديبية، وليست في حجة الوداع.\nقال ابن حجر: قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: هَذَا غَلَطٌ فَإِنَّ الْقِصَّةَ كَانَتْ فِي عُمْرَةٍ، وَأَمَّا الْخُرُوجُ إِلَى الْحَجِّ فَكَانَ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ، وَكَانَ كُلُّهُمْ عَلَى الْجَادَّةِ، لَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، وَلَعَلَّ الرَّاوِيَ أَرَادَ: (خَرَجَ مُحْرِمًا) فَعَبَّرَ عَنِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ غَلَطًا. «فتح الباري» (٤/ ٢٩).\nالوجه الثاني: بعض ألفاظه ذَكَرَتْ أكل أصحاب الرسول ﷺ فقط، وبعضها ذَكَرَتْ أكل الرسول ﷺ، ورُوي أن النبي ﷺ امتنع من أكل صيد أبي قتادة.\n١ - فبعض ألفاظ حديث أبي قتادة ذَكَرَتْ أكل أصحاب الرسول ﷺ فقط.\nفرواه هشام، عن يحيى، عن عبد الله، به، وفيه: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، وَعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ. فَقَالَ لِلْقَوْمِ: «كُلُوا» وَهُمْ مُحْرِمُونَ. أخرجه البخاري (١٨٢٢، ١٨٢٣)، ومسلم (١١٩٦).\n٢ - ورُوي أن النبي ﷺ أَكَل من الصيد، رواه غُنْدَر، عن أبي حازم، عن عبد الله، به، وفيه: فَنَاوَلْتُهُ العَضُدَ، فَأَكَلَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ. البخاري (٢٥٧٠).\n٣ - ورُوي أن النبي ﷺ امتَنع من أكل صيد أبي قتادة، فرواه عبد الرزاق (٨٣٣٧) عن مَعْمَر، عن يحيى ابن أبي كَثير، عن عبد الله … وفيه: «فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالأَكْلِ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ».\nوهذا المتن شاذ لمخالفة مَعْمَر للثقات الأثبات الذين أثبتوا أكل رسول الله ﷺ من صيد أبي قتادة.\nقال ابن عبد الهادي: والظاهر أن هذا الذي تفرد به مَعْمَر غلط؛ فإن في «الصحيحين» أن النبي ﷺ أَكَل منه. «تنقيح التحقيق» (٢/ ٤٤٧). =","vol":"1","page":246},{"text":"فدل هذا على حِل أكل الصيد للمُحْرِم إذا لم يَصِده بنفسه، وقد أَقَر النبيُّ أصحابه على الأكل من الصيد وهم مُحْرِمون، بل قَبِل الصيد من أبي قتادة، وأَكَل منه وهو مُحْرِم.\nوَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ وَنَحْنُ حُرُمٌ، فَأُهْدِيَ لَهُ طَيْرٌ، فقَالَ طَلْحَةُ: أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ (^١).\nالقول الثالث: إذا صاد المُحِل صيدًا، وأطعمه المُحْرِم دون أن يُعِينه بشيء على صيده، فإنه يَحِل للمُحْرِم أكله. وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\nوحَمَلوا أحاديث رده ﷺ الصيد على ما إذا صاده الحلال لأجل المُحْرِم، وحَمَلوا أحاديث قَبوله الصيد على ما إذا صاده الحلال لنفسه، ثم يُهْدِي منه للمُحْرِم.\n_________\n= وقال البيهقي: هَذِهِ لَفْظَةٌ غَرِيبَةٌ، لَمْ نَكْتُبْهَا إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، فِي هَذَا الحَدِيثِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ مِنْهَا، وَتِلْكَ الرِّوَايَةُ أَوْدَعَهَا صَاحِبَا الصَّحِيحِ كِتَابَيْهِمَا، دُونَ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ. «السُّنن الكبرى» (١٠/ ٣١٧).\nالوجه الثالث: اختَلفت الروايات في العضو الذي أَكَل منه النبي ﷺ: فقيل: العَضُد. وقيل: الرِّجل.\nفرواه غُنْدَر، عن أبي حازم، به، وفيه: فَنَاوَلْتُهُ العَضُدَ، فَأَكَلَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ. أخرجه البخاري (٢٥٧٠). وتابعه فُلَيْح بن سليمان. وخالفهما فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، به، وفيه: «… مَعَنَا رِجْلُهُ، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَأَكَلَهَا» أخرجه البخاري (٢٨٥٤) ومسلم (١١٩٦).\nوالأقرب للصواب رواية أكله عليه الصلاة السلام من العضد؛ لأمرين:\nالأول: أن راويها محمد بن جعفر، وهو ثقة ثبت، وقد انضم إليه فُلَيْح بن سليمان، فقويت روايتهما، وإن كان في رواية فُلَيْح بعض الضعف.\nالثاني: أن فُضَيْل بن سليمان اختُلف فيه، وإن كان أَخْرَج له البخاري في «صحيحه»، ورَوَى عنه ابن المَديني وكان من المتشددين، فقد ضَعَّفه ابن مَعين. وقال أبو زُرْعَة: لَيِّن. وقال أبو حاتم وغيره: ليس بالقوي. وقال الساجي: كان صدوقًا، وعنده مناكير، ففُضَيْل لا يَتحمل مخالفة غُنْدَر.\n(^١) رواه مسلم (١١٩٧).\nورَوَى أحمد (١٥٤٥٠) بسند صحيح: عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِالْعَرْجِ، فَإِذَا هُوَ بِحِمَارٍ عَقِيرٍ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَهْزٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ رَمْيَتِي فَشَأْنُكُمْ بِهَا. فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ، فَقَسَمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى عَقَبَةَ أُثَايَةَ، فَإِذَا هُوَ بِظَبْيٍ فِيهِ سَهْمٌ، وَهُوَ حَاقِفٌ فِي ظِلِّ صَخْرَةٍ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «قِفْ هَاهُنَا حَتَّى يَمُرَّ الرِّفَاقُ، لَا يَرْمِيهِ أَحَدٌ بِشَيْءٍ».\n(^٢) «حاشية الدسوقي» (٢/ ٧٨)، و«المجموع» (٧/ ٣٢٤)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٣٨).\nقال ابن عبد البر: وَقَالَ آخَرُونَ: مَا صَادَهُ الْحَلَالُ لِلْمُحْرِمِ أَوْ مِنْ أَجْلِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ، وَمَا لَمْ يُصَدْ لَهُ وَلَا مِنْ أَجْلِهِ، فَلَا بَأْسَ لِلْمُحْرِمِ بِأَكْلِهِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ عُثْمَانَ فِي هَذَا الْبَابِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ. «التمهيد» (٢١/ ١٥٣).","vol":"1","page":247},{"text":"واستدلوا بحديث جابر بن عبد اللهِ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» (^١).\nوَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابِي وَلَمْ أُحْرِمْ، فَرَأَيْتُ حِمَارًا، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ فَاصْطَدْتُهُ، فَذَكَرْتُ شَأْنَهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَذَكَرْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَحْرَمْتُ، وَأَنِّي إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ. فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ. وهذه رواية شاذة.\nوَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا. فَقَالُوا: أَوَلَا تَأْكُلُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي (^٢).\nفالحاصل: ذهب جمهور العلماء إلى حِل أكل الصيد للمُحْرِم إذا لم يَصِده بنفسه، ولو صاده الحلال للمُحْرِم؛ لعموم قول رسول الله ﷺ: «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ، أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا، ولكن عليه عَمَل الصحابة. ولأن المُحْرِم ليس له أثر في هذا الصيد، لا دلالة ولا إعانة، ولا صِيد من أجله فلم يُمْنَع منه.\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أبو داود (١٨٤٤)، والترمذي (٨٥٨)، والنَّسَائي (٢٨٤٨)، وأحمد (١٤٨٩٤).\nوهذا الحديث فيه علتان:\nالأولى: الانقطاع؛ فالمُطَّلِب بن حَنْطَب لم يَسمع من جابر. قاله أبو حاتم. «المراسيل» (ص: ٢٠٩). وقال الترمذي: وَالمُطَّلِبُ لَا نَعْرِفُ لَهُ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ.\nالثانية: أن عمرو بن عمرو مُتكلَّم فيه، وإن كان قد يُحَسَّن حديثه، فإن في حديثه اضطرابًا ومناكير، وقد اضطرب في هذا الحديث، فرواه مرة عن رجل من الأنصار عن جابر. ورواه ثانية عن المُطَّلِب عن أبي موسى عن النبي ﷺ. أخرجهما الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ١٧١) ورواه مرة ثالثة عن رجل من بني سلمة عن جابر، أخرجه الشافعي (١٠/ ٢٤٢).\nوقد أُعَل النَّسَائي هذا الحديث، فقال: عَمْرُو بْنُ أَبي عَمْرٍو لَيْسَ بِالقَوِيِّ فِي الحَدِيثِ. وقال ابن حزم: أَمَّا خَبَرُ جَابِرٍ فَسَاقِطٌ؛ لِأنَّهُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وهذا الاختلاف والاضطراب عن عمرو يدل على قلة ضبطه؛ ولذا قال الجوزجاني في ترجمته: مضطرب الحديث.\n(^٢) إسناده صحيح: رواه مالك (١٢٩٠)، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله، به.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-321>المبحث الثالث: الدلالة على الصيد: وفيه ثلاثة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-322>المطلب الأول: إذا دَل المُحْرِمُ حلالًا على صيد، فقَتَله:</span>\nاختَلف العلماء في ذلك على قولين:\nالقول الأول: إذا دَلَّ المُحْرِمُ حلالًا على صيد، فقَتَله، يَلزم المُحْرِمَ جزاؤه. وهو مذهب الحنفية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بالسُّنة والمعقول:\nأما السُّنة، فقال النبي ﷺ لأصحاب أبي قتادة ﵃: «أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟» قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» (^٢).\nوَجْه الدلالة: أَنَّهُ عَلَّقَ الْحِلَّ عَلَى عَدَمِ الْإِشَارَةِ، فَأَحْرَى أَنْ لَا يَحِلَّ إذَا دَلَّهُ بِاللَّفْظِ.\nوأما المعقول، فَلِأَنَّهُ سَبَبٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إتْلَافِ الصَّيْدِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ نَصَبَ أُحْبُولَةً. وَلِأَنَّهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ (^٣).\nالقول الآخَر: إذا دَلَّ المُحْرِمُ حلالًا على صيد، فإنه يكون مُسيئًا، ولا جزاء عليه، وأن الجزاء على القاتل دون الدالّ. وهو مذهب المالكية والشافعية (^٤).\nواستدلوا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥].\nوَجْه الدلالة: أنَّهُ عَلَّقَ الْجَزَاءَ بِالْقَتْلِ، فَاقْتَضَى أَلَّا يَجِبَ الْجَزَاءُ بِعَدَمِ الْقَتْلِ (^٥).\nواستدلوا بظاهر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥].\nوَجْه الدلالة: أن وجوب الجزاء مُعَلَّق بالقتل، والدلالة ليست بقتل.\n_________\n(^١) «العناية» (٣/ ٦٨)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٣٦)، و«المغني» (٥/ ١٣٣)، و«شرح العمدة» (٢/ ١٨٢). وَقَالَ عَطَاءٌ: (أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ عَلَى الدَّالِّ الْجَزَاءَ).\nوقَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ، فَصَارَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا.\n(^٢) جزء من حديث رواه البخاري (١٨٢٤)، ومسلم (١١٩٦).\n(^٣) «المغني» (٥/ ١٣٣).\n(^٤) «مواهب الجليل» (٤/ ٢٥٨)، و«حاشية الدسوقي» (٢/ ٧٧)، و«الحاوي» (٤/ ٣٠٦).\n(^٥) «الحاوي» (٤/ ٣٠٧).","vol":"1","page":249},{"text":"قال ابن حجر: وَلِأَنَّ الْقَاتِلَ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ بِاخْتِيَارِهِ، مَعَ انْفِصَالِ الدَّالِّ عَنْهُ، فَصَارَ كَمَنْ دَلَّ مُحْرِمًا أَوْ صَائِمًا عَلَى امْرَأَةٍ فَوَطِئَهَا، فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِالدَّلَالَةِ، وَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَا يُفْطِرُ بِذَلِكَ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-323>المطلب الثاني: إذا دَلَّ المُحْرِمُ مُحْرِمًا على صيد، فقَتَله:</span>\nاختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: إذا دَلَّ المُحْرِم مُحْرِمًا على صيد فقَتَله، فعلى كل واحد منهما جزاءٌ كامل. وهو مذهب الحنفية (^٢).\nالقول الثاني: إذا دَلَّ المُحْرِم مُحْرِمًا على صيد، فقَتَله، فالجزاء بينهما؛ لأن الواجب جزاء المُتْلَف، وهو واحد، فيَكُون الجزاء واحدًا بينهما. وهو مذهب الحنابلة (^٣).\nالقول الثالث: إذا دَلَّ المُحْرِمُ مُحْرِمًا على صيد فقَتَله، فالدالّ مسيء ولا جزاء عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فأَوْجَبَ الجزاء على القاتل، فلا يَجِب على غيره، ولا يُلْحَق به؛ لأنه ليس في معناه. وهو مذهب المالكية والشافعية (^٤).\nالمطلب الثالث: إذا اشترك جماعة مُحْرِمون في قتل صيد، فماذا يجب عليهم؟\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أنه يجب عليهم جزاء واحد. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^٥).\nالقول الآخَر: يجب على كل واحد منهم جزاء كامل. وهو مذهب الحنفية والمالكية، ورواية عند الحنابلة (^٦).\nوالراجح: أنه يجب عليهم جزاء واحد. قال الشافعي: عَنْ عَطَاءٍ فِي النَّفَرِ يَشْتَرِكُونَ فِي\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٤/ ٢٩).\n(^٢) «الفتاوى الهندية» (١/ ٢٥٠). وقال ابن قُدامة: وبه قال الشَّعبي وابن جُبير. «المغني» (٥/ ١٣٣).\n(^٣) «المغني» (٥/ ١٣٣)، و«شرح عمدة الفقه» (٣/ ١٨٢).\n(^٤) «مواهب الجليل» (٤/ ٢٥٨)، و«حاشية الدسوقي» (٢/ ٧٧)، و«المجموع» (٧/ ٣٣٠).\n(^٥) «المجموع» (٧/ ٤٣٦)، و«الحاوي» (٤/ ٣٢٠)، و«المغني» (٣/ ٤٥١).\n(^٦) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٠٢)، و«بداية المجتهد» (٢/ ١٢٣)، و«شرح الزركشي» (٣/ ٣٥٢).","vol":"1","page":250},{"text":"قَتْلِ الصَّيْدِ قَالَ: عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ. قَالَ: وَهَذَا مُوَافِقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ ﷿؛ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَهَذَا مِثْلٌ، وَمَنْ قَالَ: (عَلَيْهِ مِثْلَانِ) فَقَدْ خَالَفَ مَعْنَى الْقُرْآنِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-325>المبحث الرابع: الجزاء في الصيد: وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-326>المطلب الأول: تعريف المِثلي:</span>\nالمِثلي: ما كان له مِثْل من النَّعَم، مُشَابِه في الخِلْقة والصورة، للإبل أو البقر أو الغنم.\n\n<span data-type='title' id=toc-327>المطلب الثاني: ما المُعتبَر في جزاء قتل الصيد: المِثل أم القيمة؟</span>\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أن الواجب في الجزاء هو المِثل، أي: ما كان له مِثْل من النَّعَم، أي: مُشابِه في الخِلْقة والصورة، للإبل أو البقر أو الغنم. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وذلك فيما له نظير من النَّعَم (^٢).\nالقول الآخَر: أن المُحْرِم إذا قَتَل صيدًا، فعليه قيمة الصيد في الموضع الذي قَتَله فيه، أو أقرب المواضع منه. وهو مذهب الحنفية (^٣).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] (مِثْل) أي: قيمة الصيد، ولو كان نظير ذلك من النَّعَم، لم يفتقر إلى حُكْم عدلين.\nونوقش بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي الْمِثْلِ فِي النَّعَمِ أَخْفَى مِنَ الْاجْتِهَادِ فِي الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ قَدْ يَعْرِفُهَا سُوقَةُ النَّاسِ، وَالْمِثْلُ إِنَّمَا يَعْرِفُهُ عُلَمَاؤُهُمْ، فَكَانَ بِاجْتِهَادِ عَدْلَيْنِ أَوْلَى (^٤).\nوالراجح: أن الواجب في الجزاء هو المِثل، أي: ما كان له مِثْل من النَّعم، أي: مُشَابِه في الخِلْقة والصورة، للإبل أو البقر أو الغنم؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].\nوالذي يُتصوَّر أن يكون هَدْيًا هو ما كان مِثل المقتول من النَّعَم: الإبل أو البقر أو\n_________\n(^١) «الأم» للشافعي (٣/ ٥٣٤).\n(^٢) «الذخيرة» (٣/ ٣٣١)، و«روضة الطالبين» (٣/ ١٥٧)، و«كشاف القناع» (٢/ ٤٦٣).\n(^٣) «المبسوط» (٤/ ٨٢)، و«حاشية ابن عابدين» (٢/ ٥٦٣).\n(^٤) «الحاوى الكبير» (٤/ ٧٣٧).","vol":"1","page":251},{"text":"الغنم. فأما القيمة فلا يُتصوَّر أن تكون هَدْيًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-328>المبحث الخامس: قول عدلين في جزاء الصيد: وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-329>المطلب الأول: المُتلَف من الصيد قسمان:</span>\nالقسم الأول: ما قضت فيه الصحابة ﵃ من جزاء الصيد، فيجب متابعتهم، ولا يَجوز مخالفتهم.\nالقسم الثاني: ما لم تَقْضِ فيه الصحابة، فيُرجَع فيه إلى قول عدلين خبيرين من أهل المعرفة. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (^١).\nالمطلب الثاني: الشروط التي يجب توافرها في الحكمين\nالأول: العدد، فلا بد أن يكونا اثنين؛ لقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥].\nالثاني: العدالة، وهي: الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ، مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ، وَتَرْكِ الْكَبِيرَةِ، وَالْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغِيرَةِ. وَالصَّلَاحُ فِي الْمُرُوءَةِ اسْتِعْمَالُ مَا يُجَمِّلُهُ وَيُزَيِّنُهُ، وَاجْتِنَابُ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ. فَإِذَا وُجِدَ هَذَا فِي شَخْصٍ، كَانَ عَدْلًا فِي شَهَادَتِهِ، مِنَ الصَّالِحِينَ الْأَبْرَارِ (^٢).\nالثالث: الفقه، فذهب المالكية والشافعية إلى أن الفقه شرط في الحَكَمين (^٣).\nالرابع: الخبرة؛ لأنه لا يَتمكن من الحُكْم بالمِثْل إلا مَنْ له خِبْرة (^٤).\n_________\n(^١) قال ابن قُدامة: وأَجْمَع الصحابة على إيجاب المِثل. «المغني» (٣/ ٤٤١).\nقال الماوردي: فَإِنْ تَقَدَّمَ حُكْمُ الصَّحَابَةِ فِيهِ بِشَيْءٍ، فَلَا اجْتِهَادَ لَنَا فِيهِ، وَحُكْمُ الصَّحَابَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِنَا، وَقَالَ مالكٌ: لَا بُدَّ فِيهِ مِنِ اجْتِهَادِ فَقِيهَيْنِ. وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنَّ اللهَ أَمَرَ بِالرُّجُوعِ فِيهِ إِلَى حُكْمِ ذَوَيْ عدلٍ. وَعَدَالَةُ الصَّحَابَةِ أَوْكَدُ مِنْ عَدَالَتِنَا؛ لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا الْوَحْيَ وَحَضَرُوا التَّنْزِيلَ وَالتَّأْوِيلَ؛ فَكَانَ حُكْمُهُمْ أَوْلَى مِنْ حُكْمِنَا.\nوَالثَّانِي: أَنَّ الصَّحَابَةَ إِذَا حَكَمُوا بِشَيْءٍ أَوْ حَكَمَ بَعْضُهُمْ بِهِ، وَسَكَتَ بَاقُوهُمْ عَلَيْهِ، صَارَ إِجْمَاعًا. وَمَا انْعَقَدَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يُؤَدِّيَ الِاجْتِهَادُ إِلَى غَيْرِ مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ. وَكَذَا حُكْمُ التَّابِعِينَ كَحُكْمِ الصَّحَابَةِ فِي وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ، وَمِنْهُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ. فَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِيهِ حُكْمٌ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُرْجَعَ فِيهِ إِلَى اجْتِهَادِ فَقِيهَيْنِ عَدْلَيْنِ. «الحاوي» (٤/ ٢٩١).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (١٥/ ٣٥٦).\n(^٣) «الذخيرة» (٣/ ٣٣١)، و«الحاوي» (٤/ ٢٩١).\n(^٤) «المغني» (٥/ ٤٠٥).","vol":"1","page":252},{"text":"<span data-type='title' id=toc-331>المبحث السادس: ما يجب في صيد الدواب والطيور من الجزاء:</span> وفيه ثلاثة مطالب:\n<span data-type='title' id=toc-332>المطلب الأول: ما يجب في صيد الدواب:</span>\nفي النعامة بدنة، وفي بقر الوحش وحمار الوحش بقرة إنسية، وفي الضبع كبش، وفي الغزال عنز، وفي الأرنب عَنَاق، وفي اليربوع جَفْرة، وفي الضَّبّ جَدْي، وما لا مِثل له فإنه يَحكم بمثله حَكَمان عدلان. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-333>المطلب الثاني: ما يجب في صيد الطيور:</span>\nفي أنواع الحَمَام شاة، عند أكثر أهل العلم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-334>المطلب الثالث: إذا صاد المُحْرِم الجراد، فماذا يجب عليه؟</span>\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على أربعة أقوال:\nالقول الأول: أن الجزاء في صيد الجراد هو القيمة، بأن يُطْعِم بقيمة ما صاد. وحَدَّده بعضهم بقبضة من طعام، وقَدَّر بعضهم قيمة الجرادة بتمرة. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة (^٣).\nواستدلوا بما ورد عن زيد بن أسلم، أن رجلًا جاء إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، إني أصبتُ جرادات بسوطي، وأنا مُحْرِم. فقال له: أَطْعِم قبضة من طعام (^٤).\nوَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ جَرَادَةٍ قَتَلَهَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ: فِيهَا قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ (^٥).\nالقول الثاني: أن الجزاء في صيد الجراد هو إطعام ثلاثة مساكين. وبه قال ابن حزم (^٦).\n_________\n(^١) «المجموع» (٧/ ٤٣١)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٨٥).\n(^٢) قال ابن المنذر: أَجْمَعُوا أن في حَمَام الحَرَم شاة، وانفرد النعمان فقال: فيه قيمته. «الإجماع» (ص: ٥٤).\n(^٣) «المبسوط» (٤/ ١٠١)، و«التاج والإكليل» (٣/ ١٧٣)، و«المجموع» (٧/ ٣٣١)، و«الفروع» (٥/ ٥٠٨).\n(^٤) «الموطأ» (٢/ ٤٤١).\n(^٥) «الأم» (٣/ ٥٠٥).\n(^٦) «المُحَلَّى» (٧/ ٣٥٠).","vol":"1","page":253},{"text":"واستَدل بأن الجراد لا مِثل من النَّعَم، ففيه الإطعام أو الصيام، والإطعام يكون لثلاثة مساكين؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥]، وأقل المساكين ثلاثة.\nواعتُرض عليه بأن فَهْم عمر الفارق وابن عباس الحبر- مُقَدَّم على فَهْم غيرهما.\nالقول الثالث: أنه لا جزاء في صيد الجراد. وهو رواية عند الحنابلة (^١).\nالقول الرابع: أن الجزاء في صيد الجراد هو صاع من طعام. وبه قال ربيعة. وقال ابن عمر: يجب عليه شاة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-335>المبحث السابع: أمور عامة متعلقة بالفدية: وفيه مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-336>المطلب الأول: ارتكاب محظورات فدية الأذى عمدًا:</span>\nلا فَرْق في التخيير في فدية الأذى بين مَنْ ارتكب المحظور بعذر، أو كان عمدًا. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة؛ وذلك لأن الله تعالى أوجب الفدية على مَنْ حَلَق رأسه لأذى به وهو معذور، فكان ذلك تنبيهًا على وجوبها على غير المعذور (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-337>المطلب الثاني: حُكْم فِعل المحظورات نسيانًا أو جهلًا:</span>\nاختلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالقول الأول: مَنْ فَعَل شيئًا من محظورات الإحرام ناسيًا أو جاهلًا أو مُكْرَهًا، فلا شيء عليه. وهو مذهب الشافعية، ورواية عن الحنابلة والظاهرية (^٤).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة والقياس:\nأما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى في قتل الصيد: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥].\nفقوله: (مُتَعَمِّدًا) يفيد أن مَنْ فَعَل شيئًا من محظورات الإحرام، ناسيًا أو جاهلًا أو\n_________\n(^١) «الفروع» (٥/ ٥٠٨)، و«الإنصاف» (٣/ ٤٩٠).\n(^٢) «بداية المجتهد» (٢/ ١٢٧).\n(^٣) «الكافي» (١/ ٣٨٩)، و«الحاوي الكبير» (٤/ ٢٢٧)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٦٠).\n(^٤) «الأم» (٢/ ١٥٤)، و«الحاوي» (٤/ ١٠٥)، و«المغني» (٥/ ٣٩٢)، و«المُحَلَّى» (٧/ ٢١٤).","vol":"1","page":254},{"text":"مُكْرَهًا، فلا شيء عليه.\nواستدلوا بعموم الأدلة الدالة على العفو عن الخطأ والنسيان، كقول الصحابة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقال الله: «قَدْ فَعَلْتُ» (^١).\nوأما السُّنة، فَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ مَرْفُوعًا: فَقَالَ: «أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنِ العُمْرَةِ؟» فَأُتِيَ بِرَجُلٍ فَقَالَ: «اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ» (^٢).\nوَجْه الدلالة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُ بِفِدْيَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ لَأَمَرَهُ بِهَا، كَمَا أَمَرَهُ بِنَزْعِ الْجُبَّةِ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ غَيْرُ جَائِزٍ إِجْمَاعًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَذَرَهُ لِجَهْلِهِ (^٣).\nوأما القياس، فقياس مَنْ فَعَل شيئًا من محظورات الإحرام ناسيًا على الأكل أو الشرب ناسيًا في نهار رمضان، فإنه لا يَفسد الصوم ولا قضاء فيه.\nالقول الآخَر: أن الفدية لا تَسقط بفعل المحظورات نسيانًا أو جهلًا أو إكراهًا، ولكن يَسقط الإثم بارتكاب المحظور. وهو مذهب الحنفية والمالكية، ورواية عن الحنابلة (^٤).\nواستدلوا بالقياس على أمرين:\nالأول: بِأَنَّ الْفِدْيَةَ جَابِرَةٌ لِمَا وَقَعَ مِنْ خَلَلِ الْإِحْرَامِ، وَالْجَابِرُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَصْدِ، كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ وَكَفَّارَةِ قَتْلِ الخَطَأِ، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ الْعَمْدُ فِي الْإِثْمِ (^٥).\nواعتُرض عليه بِأَنَّ هَذَا قِيَاسٌ مَعَ الفَارِقِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ حُكْمِ أَصْلِهِ، فَصَارَ مَخْصُوصًا- أَنَّهُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، والْأَصْلُ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَى النَّاسِي وَالْمُخْطِئِ؛ فَخَرَجَ\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» (١٢٦).\n(^٢) رواه البخاري (١٥٣٦)، ومسلم (١١٨٠).\n(^٣) «التمهيد» (٢/ ٢٦٢)، و«المغني» (٥/ ٣٩٢).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٨٨)، و«الذخيرة» (٣/ ٣٠١). وقال ابن قُدامة: وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ فِي كُلِّ حَالٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ، وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ هَتَكَ حُرْمَةَ الْإِحْرَامِ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ، كَحَلْقِ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ. «المغني» (٥/ ٣٩٢).\n(^٥) «الذخيرة» للقرافي (٣/ ٣٠٥). وقال ابن القيم: الفَرْق أن مَنْ فَعَل المحظور ناسيًا يُجعل وجوده كعدمه، ونسيان ترك المأمور لا يكون عذرًا في سقوطه، كما كان فعل المحظور ناسيًا عذرًا في سقوط الإثم عن فاعله. «إعلام المُوقِّعين» (٢/ ٥١).","vol":"1","page":255},{"text":"إِيجَابُ الْكَفَّارَةِ وَالدِّيَةِ عَلَى قَاتِلِ الْمُؤْمِنِ خَطَأً عَنْ أَصْلِهِ، فَوَجَبَ أَلَّا يُقَاسَ عَلَيْهِ (^١).\nالثاني: قياسُ فِعل المحظور على ترك المأمور، فكما أن ترك صلاةٍ ناسيًا لا تَسقط عنه، فكذا فِعل المحظور.\nواعتُرض عليه بأن هذا ليس بمُطَّرِد، فإن مَنْ أَكَل أو شرب ناسيًا في نهار رمضان لا يَفسد صومه ولا قضاء فيه.\nوالراجح: أن مَنْ فَعَل شيئًا من محظورات الإحرام، ناسيًا أو جاهلًا أو مُكْرَهًا، فلا فدية عليه؛ لعموم الأدلة من القرآن والسُّنة الصحيحة.\nالمبحث الثالث: حُكْم الفدية (الدم) بترك واجب من واجبات الحج:\nاختَلف العلماء فيمن تَرَك واجبًا على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: لزوم الدم على مَنْ تَرَك واجبًا، سواء كان بعذر أو بغير عذر. وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بالمأثور والقياس:\nأما المأثور، فعن عبد اللهِ بن عباس قال: «مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا، فَلْيُهْرِقْ دَمًا» (^٣).\nوَجْه الدلالة: أن هذا القول لا يُدرَك بالاجتهاد، فله حُكْم الرفع؛ لأن مثله لا يقال بالرأي.\nونوقش بأنه لا مانع أن مثله يقال بالرأي، وأن ابن عباس ﵄ اجتهد، فأداه اجتهاده إلى وجوب الدم.\nوأجيب بأنه قول صحابي قد اشتهر، ولا يُعْلَم له مُخالِف من الصحابة، وعَمِل به جماهير العلماء، فكان أَوْلَى بالقَبول من قول غيره (^٤).\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» (٥/ ٢٣٥).\n(^٢) «المُدوَّنة» (١/ ٤١٤)، و«المجموع» (٨/ ٢٦٦). وقال ابن قدامة: «وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَرْكِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً؛ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ». «المغني» (٥/ ٣٤٠).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (١١٨١) عن أيوب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، به.\n(^٤) «الشرح الممتع» (٧/ ٤٠٨).","vol":"1","page":256},{"text":"وأما القياس، فقاسوا ترك الواجب على فعل المحظور، مِنْ أن كُلًّا منهما يَنقص النسك، وأنه يَفتقر إلى جُبْرَانٍ يَكُون خَلَفًا عنه (^١).\nالقول الثاني: يجب الدم على مَنْ تَرَك واجبًا لغير عذر، فإن كان لعذر فلا شيء عليه. وهو مذهب الحنفية (^٢).\nواستدلوا بالكتاب والقياس:\nأما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nواستدلوا بالقياس على ترك السقاة والرعاة المبيت بمِنًى وتَرْك طواف الوداع للحائض، فقد تركوها لعذر، ولم يوجب الشارع عليهم دمًا.\nوكذا القياس على قصة صاحب الجُبة، وهي: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الخَلُوقِ - أَوْ قَالَ: صُفْرَةٌ - فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اخْلَعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الخَلُوقِ عَنْكَ، وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ». ولم يَرِد أن النبي ﷺ أَمَره بالفدية، فدل ذلك على أنه عَذَره بجهله، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nواعتُرض عليه بأنه فِعل محظور، وليس في ترك الواجب.\nالقول الثالث: أن مَنْ تَرَك واجبًا من واجبات الحج، فلا شيء عليه. وبه قال ابن حزم.\nواستَدل ابن حزم بعدم وجود دليل عن رسول الله ﷺ بوجوب الدم بترك الواجبات، والأصل براءة الذمة (^٣).\nوالراجح: لزوم الدم على مَنْ تَرَك واجبًا، سواء كان بعذر أو بغير عذر. وهو ما أفتى به حَبر الأمة ابن عباس.\n_________\n(^١) «شرح العمدة» (٢/ ٢٨٠)، و«مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٩٥).\n(^٢) «المبسوط» (٤/ ٦٣). قال الكاساني: وَإِذَا كَانَ وَاجِبًا فَإِنْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَرَكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ دَمٌ. «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٤).\n(^٣) «المُحَلَّى» (٧/ ٢٦٩).","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type='title' id=toc-339>المطلب الرابع: مكان ذبح الدم بترك واجب أو فعل محظور:</span>\nاتفقت المذاهب الأربعة على أن موضع دم الصيد يجب أن يكون بالحرم؛ لصريح قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (^١).\nواختَلف العلماء في مكان الذبح بترك واجب أو فعل محظور غير الصيد، على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يجزئ ذبح الفدية بترك واجب أو فِعل محظور إلا في الحَرَم. وهو مذهب الحنفية، وقول للشافعية، وبه قال الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة:\nأما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]. فمكان الهدايا الحَرَم.\nوقولِه تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] والآية وإن نزلت في جزاء الصيد، فكان أصلًا في كل دم، فجُعِل بلوغ الكعبة من صفات الهَدْي، فلا يَجوز إلا في الحَرَم، ولو جاز ذبحه في غير الحَرَم، لم يكن لذِكْر بلوغه الكعبة معنى (^٣).\nوأما السُّنة، فَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «نَحَرْتُ هَاهُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ» (^٤) فلَا يَجُوزُ نَحْرُ الْبُدْنِ وَالْهَدْيِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ مِنْ فِجَاجِ مَكَّةَ وَمِنًى، إِلَّا مَا خَصَّهُ النَّصُّ مِنْ هَدْيِ الْمُحْصَرِ. وَلِأَنَّ الْهَدْيَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إِلَى مَكَانِ الْهَدَايَا، أَيْ: يُنْقَلُ إِلَيْهَا.\nالقول الآخَر: أنه يجزئ ذبح الفدية بترك واجب أو فعل محظور في أي مكان شاء.\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٢٤)، و«المجموع» (٨/ ١٨٧، ١٩١)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٧٦). وقال الطبري: يَجوز نحر الهَدْي حيث شاء المُهْدِي، إلا هَدْي القِران وجزاء الصيد، فإنهما لا يُنحران إلا بالحَرَم.\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٢٥)، و«المجموع» (٧/ ٤١١)، و«المغني» (٣/ ٥٦٩).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٠٠). وقال الجَصَّاص: قَالَ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وَذَلِكَ عَامٌّ فِي سَائِرِ الْأَنْعَامَ الَّتِي تُهْدَى إلَى الْبَيْتِ، فَوَجَبَ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ كُلِّ هَدْيٍ مُتَقَرَّبٍ بِهِ مَخْصُوصٌ بِالْحَرَمِ، لَا يُجْزِي فِي غَيْرِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿هَدْيًًا﴾. «أحكام القرآن» (١/ ٣٥١).\n(^٤) رواه مسلم (١٢١٨).","vol":"1","page":258},{"text":"وهو مذهب المالكية، وقول للشافعية، وبه قال الظاهرية (^١).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] فظاهره أنه حيثما فَعَل أجزأه، والنسك هو ما يذبحه نسكًا، ولم يُسَمِّه هَدْيًا، ولا يقاس على الهَدْي، والهَدْي لا يكون إلا بمكة.\nوَعَنْ كَعْبِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ لَهُ: «آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «احْلِقْ رَأْسَكَ، ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا» (^٢).\nوَجْه الدلالة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ بِالْفِدْيَةِ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِبَعْثِهِ إلَى الْحَرَمِ، وَالحُدَيْبِيَةُ خَارِجُ الحَرَمِ (^٣).\nواعتُرض عليه بأن الحُديبية منها موضع خارج الحَرَم، ومنها موضع داخل الحَرَم، فيحتمل أنه ذَبَح داخل الحَرَم، والنص إذا تطرق إليه الاحتمال بَطَل به الاستدلال.\nوَعَنْ أَبِي أَسْمَاءَ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبدِ اللهِ بن جَعْفَرٍ، فَخَرَجَ مَعَهُ مِنَ المَدِينَةِ، فَمَرُّوا عَلَى حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ وَهُوَ مَرِيضٌ بِالسُّقْيَا، فَأَقَامَ عَلَيْهِ عَبدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَتَّى إِذَا خَافَ الفَوَاتَ خَرَجَ، وَبَعَثَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵄ وَهُمَا بِالمَدِينَةِ، فَقَدِمَا عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ حُسَيْنًا أَشَارَ إِلَى رَأْسِهِ، فَأَمَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِرَأْسِهِ فَحُلِقَ، ثُمَّ نَسَكَ عَنْهُ بِالسُّقْيَا، فَنَحَرَ عَنْهُ بَعِيرًا (^٤).\nوَجْه الدلالة: أن عليًّا ذَبَح خارج الحَرَم، فدل على جواز، ذبح الهَدْي خارج الحَرَم (^٥).\nوالراجح: أنه لا يجزئ ذبح الفدية بترك واجب أو فعل محظور إلا في الحَرَم.\n_________\n(^١) «المدونة» (١/ ٣٨٧)، و«المجموع» (٧/ ٤١١)، و«المُحَلَّى» (٥/ ٢٣٤).\n(^٢) البخاري (١٨١٤)، ومسلم (١٢٠١) واللفظ له.\n(^٣) «المغني» (٥/ ٤٥٠).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه مالك (١/ ٣٨٧) عن يعقوب بن خالد المخزومي، عن أبي أسماء، به.\n(^٥) فَهَذَا عَلِيٌّ وَالْحُسَيْنُ وَأَسْمَاءُ رَأَوْا أَنْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ، وَيُهْدِيَ فِي مَوْضِعِهِ. «المُحَلَّى» (٥/ ٢٢٣).","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-340>المطلب الخامس: زمان ذبح الدم بترك واجب أو فِعل محظور:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن وقت ذبح الدم يَبدأ من حين فِعل محظور أو تَرْك واجب، من حين وجود سببه المبيح، ككفارة اليمين، ولا حد لانتهاء وقت زمنه، والأَوْلَى تعجيله لينجبر النقص من أفعاله (^١).\nقال ابن عثيمين: الواجب على مَنْ وجب عليه فدية بترك واجب أو بفعل محظور- أن يبادر بذلك؛ لأن أوامر الله تعالى ورسوله ﷺ على الفور إلا بدليل. ولأن الإنسان لا يَدري ما يَحدث له في المستقبل، فقد يكون اليوم قادرًا، وغدًا عاجزًا، فالواجب المبادرة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-341>المطلب السادس: العجز عن الدم بترك واجب أو فعل محظور:</span>\nمَنْ تَرَك واجبًا وعَجَز عن الدم، وجب عليه أن يصوم عَشَرة أيام، بدلًا عن الدم؛ لأن ذمته مشغولة، فلا تَبرأ الذمة إلا بعمل. وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-342>المطلب السابع: مَنْ عَجَز عن الدم الواجب بالجماع، فماذا يجب عليه؟</span>\nمَنْ جامع قبل التحلل الأول فعليه بدنة، وعلى زوجته مِثل ذلك إن كانت مُطاوِعة، تُذبَحان في الحرم للفقراء بمكة. فإِنْ عَجَزا فعلى كل واحد صوم عَشَرة أيام.\n\n<span data-type='title' id=toc-343>المطلب الثامن: توزيع الصدقة على فقراء ومساكين الحَرَم:</span>\nيُشتَرَط أن تُوزَّع الصدقة على فقراء الحَرَم. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^٤).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].\nوَجْه الدلالة: يجب أن يكون الهَدْي بالغ الكعبة، يُوزَّع على الفقراء والمساكين المقيمين في الحَرَم، من أهل مكة وغيرهم. وما كان بدلًا عنه من الإطعام في حُكم الهَدْي؛\n_________\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (٢/، ١٣١) و«روضة الطالبين» (٣/ ١٩١)، و«الإنصاف» (٣/ ٥٣٣).\n(^٢) «مجموع فتاوى ورسائل العثيمين» (٢٢/ ٢٢٣).\n(^٣) وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ مِنْ حَجٍّ فَائِتٍ، أَوْ تَرَكَ رَمْيَ الْجِمَارِ، أَوْ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ فَأَحْرَمَ … أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ- الَّذِي يَجِبُ فِيهَا الدَّمُ، فَهُوَ إِنْ لَمْ يَجِدِ الدَّمَ صَامَ. قَالَ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، ثُمَّ سَبْعَةٌ إِذَا رَجَعَ. «المدونة» (١/ ٤١٤)، و«الحاوي» (٤/ ٢٢٦)، و«الإنصاف» (٣/ ٥٢٢).\n(^٤) «روضة الطالبين» (٣/ ١٥٦)، و«المغني» (٣/ ٤٤٩)، و«كشاف القناع» (٢/ ٤٥٢).","vol":"1","page":260},{"text":"ولذا لا يجزئ الإطعام في عرفة، والطائف، والشرائع، أو غيرها من الحِل.\nفالحاصل: أن الهَدْي- وهو ما يُهْدَى إلى الحَرَم، من الأنعام - يُذبَح في مكة، ويُوزَّع على فقراء الحَرَم. وما كان بدلًا عنه من الإطعام يختص به فقراء الحَرَم المكي.\n\n<span data-type='title' id=toc-344>المطلب التاسع: موضع الصيام:</span>\nيَجوز الصيام في أي موضع، بالكتاب والإجماع والمعقول:\nأما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥].\nأما الإجماع، فنَقَل ابن عبد البر وغيره الإجماع على جواز الصيام في أي مكان (^١).\nوأما المعقول، فإن الصوم عبادة تختص بالصائم، لا يتعدى نفعها؛ فلا يُشترَط لها مكان بعينه، بخلاف الهَدْي والإطعام، فإِنَّ نَفْعه يَتَعَدَّى إلى مَنْ يُعطاه، فخُصّ بأهل الحَرَم.\n\n<span data-type='title' id=toc-345>المطلب العاشر: التتابع في الصيام:</span>\nلا يُشترط التتابع في الصيام بالكتاب والإجماع.\nأما الكتاب، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥].\nفالصيام أُطْلِقَ، ولم يُقيَّد بشيء، فدل ذلك على أنه لا يُشترَط فيه التتابع.\nوأما الإجماع، فقد نَقَل النووي الإجماع على جواز تفريق الصيام (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-346>المطلب الحادي عشر: تَكرار المحظور لا يخلو من ثلاث حالات:</span>\n<span data-type='title' id=toc-347>الحال الأولى: إذا كَرَّر محظورًا من جنس واحد، في أوقات مختلفة:</span>\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: إذا كَرَّر محظورًا من جنس واحد، في أوقات مختلفة، لَبِس ثم لَبِس أو تَطيَّب ثم تَطيَّب فلا تجب عليه إلا كفارة واحدة، ما لم يُكفِّر عن الأول. وبه قال محمد بن\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر: فَلَا خِلَافَ فِي الصِّيَامِ أَنْ يَصُومَ حَيْثُ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِي ذَلِكَ لِأَهْلِ الْحَرَمِ وَلَا لِأَهْلِ مَكَّةَ. «الاستذكار» (٤/ ٢٧٢). وكذا نَقَل الإجماع ابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٤٥٤).\n(^٢) قال النووي: الصَّوْمُ الْوَاجِبُ يَجُوزُ مُتَفَرِّقًا وَمُتَتَابِعًا، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. «المجموع» (٧/ ٤٣٨).","vol":"1","page":261},{"text":"الحسن الشيباني من الحنفية، وهو قول الشافعي في القديم، وهو مذهب الحنابلة (^١).\nقياسًا على ما إذا تعددت أحداث من جنس واحد، فيكفيه وضوء واحد. فمَن كَفَّر عن الأول ثم ارتكب المحظور يَلزمه فدية أخرى قياسًا على الحدود.\nالقول الآخَر: أن مَنْ كَرَّر محظورًا من جنس واحد في أوقات مختلفة، لَبِس ثم لَبِس، فيجب عليه كفارة لكل فعل. وهو مذهب الحنفية والمالكية، وقول للشافعي (^٢).\nوالراجح: أن مَنْ كَرَّر محظورًا من جنس واحد، في أوقات مختلفة، لَبِس ثم لَبِس، فلا تجب عليه إلا كفارة واحدة، ما لم يُكفِّر عن الأول؛ قياسًا على ما إذا تعددت أحداث من جنس واحد، فيكفيه وضوء واحد.\nوكذا فإن من قواعد الشريعة التيسير على المكلفين. وإيجاب كفارة في كل مرة على مَنْ كَرَّر محظورًا من جنس واحد في أوقات مختلفة- فيه مشقة تُنافِي قواعد الشريعة. ولذا فمَن كَرر اللباس فلا تجب عليه إلا كفارة واحدة، ما لم يُكفِّر عن الأول.\n\n<span data-type='title' id=toc-348>الحال الثانية: أن يكون المحظور من أجناس مختلفة،</span> كطِيب ولُبس مَخيط، فإنه يَفدي لكل محظور. وهذا باتفاق المذاهب: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^٣) لأنها محظورات مختلفة الأجناس، فلم تتداخل أجزاؤها، كالحدود المختلفة.\n<span data-type='title' id=toc-349>الحال الثالثة: أن يكون المحظور صيدًا، فإن الفدية تتعدد بتعدد الصيد.</span>\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: وجوب الجزاء كلما صاد المُحْرِم صيدًا، فإذا كَرَّر المُحْرِم قتل الصيد، فعليه لكل مرة فدية. وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية، والمشهور عند الحنابلة (^٤).\nواستدلوا بأنه كيف تنتفي الكفارة عن المُحْرِم العائد لقتل الصيد في الدنيا؟! ولأن الله تَوَعَّد أن ينتقم من العائد لقتل الصيد وهو مُحْرِم، بقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾\n_________\n(^١) «فتح القدير» (٣/ ٣٢)، و«المجموع» (٧/ ٣٨٢)، و«المبدع» (٣/ ١١٦).\n(^٢) «المبسوط» (٤/ ١٢٩)، و«المدونة» (١/ ٣٠٥)، و«الحاوي» (٤/ ١٠٣).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٩٤)، و«المدونة» (١/ ٤٠٨)، و«المجموع» (٧/ ٣٨٢)، و«المبدع» (٣/ ١١٦).\n(^٤) «المبسوط» (٤/ ٩٦)، و«الاستذكار» (١٢/ ٢٨٣)، و«الحاوي» (٤/ ٢٨٤)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٤٧).","vol":"1","page":262},{"text":"[المائدة: ٩٥] ..\nالقول الثاني: أن المُحْرِم إذا قَتَل صيدًا، ثم كَرَّر قتل الصيد، فلا جزاء عليه إلا في أول مرة. وهذا مروي عن ابن عباس، وهو رواية عند الحنابلة، وقول داود الظاهري (^١).\nالقول الثالث: إِنْ كَفَّر قبل الصيد الثاني، فعليه الجزاء للثاني. وإن لم يُكفِّر، كَفَاه جزاء واحد عن الأول والثاني. وهذا قول للحنابلة (^٢).\nفالحاصل: أن تَكرار المحظور له ثلاث أحوال:\nالحال الأولى: إذا كَرَّر محظورًا من جنس واحد، كلُبْس قميص ولُبْس سراويل، وإن كان في مجالس مختلفة، فعليه لجميع ذلك فدية واحدة؛ لأن الله أوجب في حلق الرأس فدية واحدة؛ لأنه إذا حَلَق رأسه لا يمكن إلا شيئًا بعد شيء. وقياسًا على ما إذا تعددت أحداث من جنس واحد، فيكفيه وضوء واحد. إلا إذا كَفَّر بعد فعل الأول قبل الثاني، فعليه فدية أخرى؛ لأن الأول استقر حكمه بالتكفير.\nالحال الثانية: وأما إذا كَرَّر محظورًا من أجناس مختلفة، كطِيب ولُبْس مَخيط، فعليه لكل جنسٍ فدية؛ لأن المقصود جبر النسك، وذلك لا يَحصل إلا بالتعدد.\nالحال الثالثة: أن يكون المحظور صيدًا، فإن الفدية تتعدد بتعدد الصيد، فعليه لكل مرةٍ فدية؛ لأنه كيف تنتفي الكفارة عن المُحْرِم العائد لقتل الصيد في الدنيا؟! ولأن الله تَوَعَّد أن ينتقم من العائد لقتل الصيد وهو مُحْرِم، بقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾.\n* * *\n_________\n(^١) ورُوي هذا القول عن مجاهد وإبراهيم وابن جُبير وقتادة، كما في «المُصنَّف» عند عبد الرزاق (٨١٨٤)، و«الفروع» (٥/ ٥٣٧)، وقال الماوردي: وَقَالَ دَاوُدُ: لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي وَلَوْ عَادَ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْجَزَاءُ بِالْمَرَّةِ الْأَوْلَى. وَهُوَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ. «الحاوي» (٤/ ٧٢٧).\n(^٢) «الفروع» (٥/ ٥٣٧).","vol":"1","page":263},{"text":"خلاصة فصل الفدية المتعلقة بمحظورات الإحرام:\nالفدية شرعًا: هي ما وجب بسبب فعل محظور كلُبس المَخيط، أو تَرْك واجب كمن جاوز الميقات بغير نية إحرام، مع أنه نوى الحج.\nتقسيم المحظورات بحَسَب الفدية:\nالقسم الأول: المحظورات التى يجب على مَنْ ارتَكب شيئًا منها فدية الأذى:\nالأول: حَلْق الشَّعر.\nالثاني: تقليم الأظفار.\nالثالث: الطِّيب.\nالرابع: تغطية الرأس.\nالخامس: لُبس المَخيط.\nمَنْ أتى شيئًا من هذه المحظورات، فإنه يجب عليه في كل ذلك فدية الأذى، فيُخيَّر بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين.\nالقسم الثاني: ما لا فدية فيه، وهو عَقْد النكاح.\nالقسم الثالث: ما فديته مُغلَّظة، وهو الجماع.\nالقسم الرابع: قَتْل الصيد البري الوحشي المأكول.\nتنقسم محظورات الإحرام باعتبار فساد الحج إلى نوعين:\nالنوع الأول الذي يوجب فساد الحج: هو الجماع بشرطين:\nالأول: أن يكون في الفَرْج.\nالثاني: أن يكون قبل التحلل الأول.\nالنوع الثاني الذي لا يوجب فساد الحج: هو جميع المحظورات إلا الجماع.\nالمحظور الثاني: المباشرة فيما دون الفَرْج.\nالمحظور الثالث: عَقْد النكاح، فلا يَتزوج المُحْرِم، ولا يُزوِّج غيره، ولا يَخطب.\nالمحظور الرابع: حَلْق الشَّعر من الرأس، أو إزالة الشَّعر من جميع البدن.","vol":"1","page":264},{"text":"المحظور الخامس: تقليم الأظفار من اليدين أو الرِّجلين.\nالمحظور السادس: تَعمُّد استعمال الطِّيب في الثوب أو البدن بعد الإحرام.\nالمحظور السابع: لُبْس المَخيط محظور على الرجل دون المرأة، وهو المُفصَّل على قدر الجسم، كالقميص والسراويل. ولا تنتقب المُحْرِمة ولا تلبس القُفازين.\nالمحظور الثامن: تَعمُّد تغطية الرأس للرَّجُل بمُلاصِق، كالطاقية والعمامة.\nالمحظور التاسع: قَتْل الصيد البري الوحشي المأكول.\nما يباح للمُحْرِم:\nذهب جماهير العلماء إلى أن المُحْرِم إذا احتاج إلى حمل السلاح، فله حمله ولا فدية عليه.\nواستدلوا بأن النبي ﷺ وأصحابه حملوا السلاح في الحَرَم في عمرة القضاء؛ لأنه ﷺ لم يكن يأمن أهل مكة، فدل ذلك على الجواز للحاجة (^١).\n* * *\n_________\n(^١) روى البخاري (٢٧٠١): عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ، وَقَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يَعْتَمِرَ العَامَ المُقْبِلَ، وَلَا يَحْمِلَ سِلَاحًا عَلَيْهِمْ إِلَّا سُيُوفًا وَلَا يُقِيمَ بِهَا إِلَّا مَا أَحَبُّوا. فَاعْتَمَرَ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ، فَدَخَلَهَا كَمَا كَانَ صَالَحَهُمْ، فَلَمَّا أَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا أَمَرُوهُ أَنْ يَخْرُجَ فَخَرَجَ.\nقال النووي: وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ دُخُولُ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ بِمَا شَرَطَهُ مِنَ السِّلَاحِ فِي الْقِرَابِ، وَدُخُولِهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ مُتَأَهِّبًا لِلْقِتَالِ. وَشَذَّ عِكْرِمَةُ عَنِ الجَمَاعَةِ، فَقَالَ: إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ حَمَلَهُ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. «شرح مسلم» (٩/ ١٣١).","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-350>الباب السابع دخول مكة، وما يترتب على ذلك من أحكام،</span>\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: آداب دخول حَرَم مكة للحج والعمرة\nوفيه سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: الإمساك عن التلبية عند دخول حدود الحَرَم.\nالمبحث الثاني: المبيت بذي طُوى، وتُسَمَّى الآن ب (جرول).\nالمبحث الثالث: يُستحب الاغتسال بذي طُوى.\nالمبحث الرابع: هل يُستحب دخول مكة من أعلاها من البطحاء مقبرة\nالمعلاة؟\nالمبحث الخامس: هل يُستحب أن يَدخل المسجد من باب بني شيبة- أي:\nباب السلام-؟\nالمبحث السادس: يُستحب قول: (اللهم افتح لي أبواب رحمتك) عند دخول\nالحَرَم.\nالمبحث السابع: ما يُفعل عند رؤية الكعبة.\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: يُستحب إذا وصل الحَرَم أن يَستحضر في قلبه ما أمكنه من\nالخشوع.\nالمطلب الثاني: هل يُستحب رفع اليدين والدعاء عند رؤية الكعبة؟\nالمطلب الثالث: يُستحب أن يبتدئ بالطواف عند دخوله الحرم.","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type='title' id=toc-351>الفصل الأول:\nآداب دخول حَرَم مكة للحج والعمرة</span>\n<span data-type='title' id=toc-352>المبحث الأول: الإمساك عن التلبية عند دخول حدود الحَرَم:</span>\nلِما ورد: عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ … وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-353>المبحث الثاني: المبيت بذي طُوى، وتُسَمَّى الآن ب (جرول)</span> (^١):\nيُستحب للقادم إلى مكة للعمرة أو الحج إذا كان متعبًا من سفره- أن يَنزل إلى سكنه، وينام فيه حتى يستريح، ثم يغتسل ثم يأتي إلى الحرم للطواف والسعي. ولأن في المبيت التَّقَوِّي على ما يستقبله من العبادة وأداء النسك.\nفإن من الأخطاء الشائعة أن يأتي بعض الحُجاج أو المعتمرين من سفره، ومع شدة التعب والإرهاق يضع أغراضه وشُنطه في فندقه، ثم ينطلق إلى الحَرَم لأداء العمرة، ولا يكاد يركز في دعائه ولا طوافه. لأن النبي ﷺ بات بذي طُوى، وهي تشمل الآن: (الزاهر والعتيبية وشمال جرول) ففي «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَاتَ بِذِي طَوًى حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-354>المبحث الثالث: يُستحَب الاغتسال بذي طُوى:</span>\nففي «الصحيحين»: عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طَوًى، حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا، وَيَذْكُرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ (^٣).\nفإذا كان يُستحَب الاغتسال للجمعة لاجتماع الناس فيها، فكذا يُستحب الاغتسال\n_________\n(^١) بئر طُوى: هي بئر معروفة عند أهل مكة ب (جرول) ومكتوب عليها: (بئر طُوى) وهي مُلاصِقة لدار السادة العلويين آل عَقيل، على يمين الذاهب من مكة إلى التنعيم. «أحكام الحرم المكي» (ص: ٧٢).\n(^٢) البخاري (١٧٦٩)، ومسلم (١٢٧٥).\n(^٣) البخاري (١٧٦٩)، ومسلم (١٢٥٩).","vol":"1","page":267},{"text":"لدخول مكة لاجتماع الناس بالحرم للطواف والعمرة والعبادة (^١).\nفالحاصل: أنه يُستحب المبيت بذي طُوى، ويُستحب الاغتسال بها. وعلى هذا فإن القادم إلى العمرة قد يكون متعبًا، فمِن السُّنة أن يَنزل أولًا على سكنه، وينام فيه حتى يستريح، ثم يغتسل قبل أن يأتي لعمل العمرة؛ فهذا هو السُّنة؛ لأن البعض يأتي متعبًا، وقبل أن يستريح من سفره، يَبدأ بأداء العمرة، ولا يكاد يركز في طوافه ولا في دعائه.\nالمبحث الرابع: هل يُستحب دخول مكة من أعلاها من البطحاء، مقبرة المعلاة؟\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب دخول مكة من أعلاها، من مقبرة المعلاة، والخروج من أسفلها. وبه قال الحنفية، وهو قول للمالكية، وقول للشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بما رواه ابن عمر ﵄ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى (^٣).\nونوقش بأن رسول الله ﷺ دخل من الثنية العليا لأنها من طريقه.\nوقد روى البخاري: عن عروة بن الزبير، وفيه: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، مِنْ كَدَاءٍ، وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كُدَا (^٤).\nوَجْه الدلالة: أن دخول النبي ﷺ من أسفل مكة، ودخول خالد من أعلاها بأمر النبي ﷺ دليل على أن الإنسان لا يَتعمد ذلك، بل وقع من النبي ﷺ اتفاقًا. وهذا هو الراجح. وهو مذهب المالكية وقول للشافعية (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-356>المبحث الخامس: هل يُستحب أن يَدخل المسجد من باب بني شيبة </span>(باب السلام)؟\nلِبَاب السلام عدة أسماء، منها: (باب بني شيبة)، و(عبد مَناف)، و(باب السيل).\nنُقِل الإجماع على استحباب دخول مريد النسك إلى المسجد الحرام، من باب بني\n_________\n(^١) إِنَّ مَكَّةَ مَجْمَعُ أَهْلِ النُّسُكِ، فَإِذَا قَصَدَهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ الِاغْتِسَالُ، كَالْجُمُعَةِ. «المغني» (٥/ ٢٠٩).\n(^٢) «فتح القدير» (٢/ ٤٧)، و«مواهب الجليل» (٣/ ١١٣)، و«المجموع» (٨/ ٥)، و«الفروع» (٣/ ٤٩٥).\n(^٣) البخاري (١٥٧٥)، ومسلم (١٢٧٣).\n(^٤) البخاري (٤٢٨٠).\n(^٥) «شرح الزرقاني» (٢/ ٢٧٦)، و«المجموع» (٨/ ٥).","vol":"1","page":268},{"text":"شَيْبَة، وهو قريب من باب السلام (^١).\nاسْتُحِبَّ ذلك لما ورد عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَدَخَلْنَا مَعَهُ مِنْ بَابِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ النَّاسُ بَابَ بَنِي شَيْبَةَ (^٢).\nوالصحيح: أن باب السلام ليس هو باب بني شيبة؛ لأن الأبواب في عهد الرسول ﷺ كانت قريبة من الكعبة، واندثرت هذه الأبواب بعد التوسعات. والحديث الوارد في دخول النبي ﷺ المسجد من باب بني شيبة- لا يصح.\nفعلى الحاج ألا يتقصد الدخول من باب السلام إذا كان عليه زحام أكثر من غيره؛ احترازًا من إيذاء المسلمين الممنوع، والدخول من أقرب الأبواب له والأيسر، ولا سيما في أوقات الزحام، ويَلحظ بقلبه جلالة البقعة التي هو فيها، والكعبة التي هو متوجه إليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-357>المبحث السادس: يُستحب قول: (اللهم افتح لي أبواب رحمتك)</span> عند دخول الحَرَم.\nقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-358>المبحث السابع: ما يُفعل عند رؤية الكعبة: وفيه ثلاثة مطالب:</span>\nالمطلب الأول: يُستحب إذا وصل الحرم أن يَستحضر في قلبه ما أمكنه من الخشوع والخضوع، بظاهره وباطنه، ويَتذكر جلالة هذا البيت.\n\n<span data-type='title' id=toc-360>المطلب الثاني: هل يُستحب رفع اليدين والدعاء عند رؤية الكعبة؟</span>\nاختَلف العلماء في ذلك على قولين:\nالقول الأول: ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا يُشْرَع رفع اليدين عند رؤية البيت (^٤).\n_________\n(^١) قال النووي: والدخول من باب بني شيبة مستحب لكل قادم مِنْ أي جهة كان، بلا خلاف. «الإيضاح» (ص: ٢٠٢)، و«المسلك المتقسط» (ص: ١٨٠)، و«بُلغة السالك» (٢/ ٤٢)، و«المغني» (٥/ ٢١٠).\n(^٢) ضعيف: أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٤٩١). وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، وَفِيهِ ضَعْفٌ. «التلخيص الحبير» (٢/ ٤٦٤). قال البيهقي: وَإِسْنَادُهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. «الكبرى» (٩/ ٥٢١).\nوروى ابن أبي شيبة (١٣٥٢٠): عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِ بَنِي مَخْزُومٍ.\nقلت: مراسيل عطاء من أضعف المراسيل.\n(^٣) رواه مسلم (٧١٣).\n(^٤) «شرح معاني الآثار» (٢/ ١٧٦)، و«حاشية العدوي» (١/ ٦٦٣).","vol":"1","page":269},{"text":"لِمَا رَوَى الْمُهَاجِرُ قَالَ: سُئِلَ جَابِرُ عَنِ الرَّجُلِ يَرَى الْبَيْتَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا إِلَّا الْيَهُودَ، وَقَدْ حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ (^١).\nالقول الآخَر: استَحب الشافعي وأحمد رفع اليدين عند رؤية البيت (^٢).\nواستدلوا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً» (^٣).\nواستدلوابعموم قول النبي ﷺ: «تُرْفَعُ الْأَيْدِي فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا رُئِيَ الْبَيْتُ» (^٤).\nوالراجح: أنه لا يُشْرَع رفع اليدين عند رؤية البيت؛ لأنه لا يصح في ذلك حديث عن رسول الله ﷺ، وهذه عبادة، والأصل في العبادة التوقيف.\nوأما ما ورد عن عمر لما دَخَلَ البيت، قال: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْك السَّلَامُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ (^٥) فهو ضعيف، والله أعلم.\nالمطلب الثالث: يُستحب أن يبتدئ بالطواف عند دخوله المسجد الحرام:\nفَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ (^٦).\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أبو داود (١٨٦١)، وفي إسناده المُهاجِر بن عِكرمة المكي، وهو مجهول.\n(^٢) «المجموع» (٨/ ٩)، و«المغني» (٣/ ١٣)، و«الإنصاف» (٤/ ٤).\n(^٣) موضوع: أخرجه الشافعي في «المسند» (٩٤٨).\nهذا حديث مُعْضَل؛ لأن ابن جُريج بينه وبين النبي ﷺ اثنان أو أكثر. «نتائج الأفكار» (٥/ ٢٥٨).\nوللحديث شواهد، منها:\nالأول: عن ابن عباس، أخرجه الواقدي في «المغازي» (١٠٩٧) وفي إسناده، ابن أبي سَبْرة، وَضَّاع.\nالثاني: ما رواه ابن أبي شيبة (١٦٤٨٨) من طريق سفيان، عن رجل، عن مكحول، مرفوعًا به، بدون رفع اليدين. وهذا السند فيه علتان، وهما: الإبهام والإرسال؛ فإن مكحولًا من التابعين.\nوللحديث طريق ثالث، وَفِي إِسْنَادِهِ عَاصِمٌ الْكُوزِيُّ، وَهُوَ كَذَّابٌ. وله طرق أخرى لا تخلو من مقال.\n(^٤) ضعيف: أخرجه الشافعي في «المسند» (٩٥٠) من طريق ابن جُرَيْج قال: حُدِّثْتُ عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، به. وإسناده ضعيف لإبهام الواسطة بين ابن جُريج ومِقسم.\nقال البيهقي: وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، ولَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ مِقْسَمٍ. «السُّنن الكبرى» (٩/ ٥٢٢) ..\nورواه ابن خُزيمة (٢٧٨٠) وفي إسناده ابن أبي ليلى، وهو ضعيف، ولم يَسمعِ الحَكَم من مِقْسَم.\n(^٥) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (١٦٤٨٩) وفيه العُمَري، وهو ضعيف. وله طرق أخرى لا تصح.\n(^٦) البخاري (١٦١٤)، ومسلم (١٢٣٥).","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-362>الفصل الثاني\nأهم الأحكام التي تتعلق بالحَرَم وتهم الحاج</span>\nوفيه تمهيد وقسمان:\n\n<span data-type='title' id=toc-363>التمهيد: الفرق بين المسجد الحرام والحَرَم:</span>\nالمسجد الحرام: هو المسجد الذي حول الكعبة.\nوأما حدود الحَرَم، فهي كل الجهات التي تحيط بمكة، كالتنعيم من طريق المدينة، ومن طريق جدة الشميسي، ومن طريق الطائف على طريق عرفة من بطن نَمِرة، من طريق نجد وهي منطقة بالمغمس (^١).\nفقد يطلق المسجد الحرام، ويراد به ثلاثة معانٍ:\nالأول: الكعبة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].\nالثاني: جميع الحرم، كما في قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فالمراد به مِنًى، والحَرَم موضع ذبح النسك، مع أنه عَبَّر عنه بالأخص وهو الكعبة.\nالثالث: قد يطلق المسجد الحرام على المسجد المُعَدّ للصلاة، كما في قول النبي ﷺ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ …».\nالقسم الأول: الأحكام المتعلقة بمسجد الكعبة، وفيه خمسة مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-365>المبحث الأول: من فضائل مسجد الكعبة:</span>\n١ - أنه أول مسجد وُضِع في الأرض، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦].\nوَعَنْ أبي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ، قَالَ: «الْمَسْجِدُ\n_________\n(^١) «أخبار مكة» للفاكهي (٥/ ٨٩)، و«أحكام الحرم المكي» (٣٣ - ٣٨).","vol":"1","page":271},{"text":"الْحَرَامُ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الأَقْصَى» قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ عَامًا» (^١).\n٢ - مَنْ عَزَم فيه على فعل معصية بخلاف الخاطرة، فإنه مُتوعَّد بعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].\nقال ابن مسعود في تفسير هذه الآية: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَمَّ فِيهِ بِإِلْحَادٍ، وَهُوَ بِعَدَنِ أَبْيَنَ، لَأَذَاقَهُ اللهُ ﷿ عَذَابًا أَلِيمًا» (^٢).\n٣ - أن الصلاة تُضاعَف في المسجد الحرام؛ لعموم قول النبي ﷺ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥١٠). وقال ابن القيم: وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْمُرَادَ بِهِ، فَقَالَ: مَعْلُومٌ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ هُوَ الَّذِي بَنَى الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ إِبْرَاهِيمَ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفِ عَامٍ. وَهَذَا مِنْ جَهْلِ هَذَا الْقَائِلِ؛ فَإِنَّ سُلَيْمَانَ إِنَّمَا كَانَ لَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى تَجْدِيدُهُ لَا تَأْسِيسُهُ، وَالَّذِي أَسَّسَهُ هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، بَعْدَ بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ الْكَعْبَةَ بِهَذَا الْمِقْدَارِ. «زاد المعاد» (١/ ٥٠).\n(^٢) إسناده حسن: يَرويه السُّدِّي، وقَد اختُلِف عنه، فرُوي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح.\nوأخرجه موقوفًا الطبري (١٧/ ١٤٠، ١٤١) من طريق يحيى القطان، عن الثوري، عن السُّدي، به.\nوأخرجه أحمد (٤٠٧١): عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ السُّدِّيِّ. قد رَفَعه شُعبة عن شيخه رواية، لكنه كان يَرى وقفه، فقد قال: وأنا لا أرفعه لك.\nوقد رَجَّح الدارقطني أن الموقوف أصح. «علل الدارقطني» (٢/ ٤٦٢).\nوقد اختَلف العلماء في حُكم مضاعفة السيئات في حرم مكة على قولين:\nالقول الأول: أن السيئات لا تُضاعَف. وهو قول لكل من الحنفية والشافعية والحنابلة. «فتح القدير» (٢/ ١٧٨)، و«إعلام الساجد» (ص: ١٢٨)، و«كشاف القناع» (٢/ ٥١٨).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].\nواستدلوا بما روى البخاري (٧٥٠١)، ومسلم (١٢٠): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً».\nالقول الآخَر: ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة في المشهور عنهم إلى أن السيئات تُضاعَف بمكة بمِائة ألف. «فتح القدير» (٢/ ١٧٨)، و«الإنصاف» (٣/ ٥٦٣).\nواستدلوا بما ورد عن ابن عباس أنه سُئل عن مُقامه بغير مكة فقال: مَا لِي وَبَلَدٍ تَتَضَاعَفُ فِيهِ السَّيِّئَاتُ كَمَا تَتَضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ؟!\nوهذا الأثر لم أقف له على سند، ذَكَره البُهُوتي في «كشاف القناع» (٦/ ٣٤٩)، وذَكَره الزركشي في «إعلام الساجد» (ص: ١٢٨)، قال المحقق: وفي هامش هذه الصفحة وَجَدْتُ بخط ابن حجر ما نصه: هذا لم يَثبت عن ابن عباس، ولم يَزَل مَقره بمكة، إلى أن خرج عنها لما سافر مع ابن الزبير، فأقام بالطائف.\nوالراجح: أَنْ المُضاعَفة في الكَيْف لا الكَمّ، أي أن السيئة في الحرم أعظم من غيرها في الأماكن الأخرى؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] ولكن المضاعفة بمِائة ألف لا يدل عليها دليل صحيح. والله أعلم.","vol":"1","page":272},{"text":"هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ» (^١).\nوقال ﷺ: «وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (١١٩٠)، ومسلم (١٤١١).\nوذهب جمهور العلماء إلى أن الحسنة تُضاعَف في مكة بمِائة ألف، كما في «فتح القدير» (٣/ ١٧٩)، و«المجموع» (٧/ ٤٦٩)، و«كشاف القناع» (٢/ ٥١٧).\nواستدلوا بقوله ﷺ: «مَنْ حَجَّ مَاشِيًا، كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعُماِئَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ» قال بعضهم: وما حسنات الحَرَم؟ قال: «كُلُّ حَسَنَةٍ بِماِئَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ» رواه البزار (٤٧٤٥).\nقال أبو حاتم: روى عيسى بن سَوَادة، عن إسماعيل، عن زاذان، عن ابن عباس، حديثًا منكرًا.\nوعن ابن عمر قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «رَمَضَانُ بِمَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ رَمَضَانَ بِغَيْرِ مَكَّةَ» رواه البزار (٦١٤٤). وفي إسناده عاصم بن عمر، ضعيف.\nوله شاهد عن ابن عباس، أخرجه ابن ماجه (٣١٣٤) قال أبو حاتم: هذا حديث مُنكَر، وعبد الرحيم بن زَيد متروك الحديث. «العلل» (٧٣٥).\nوالراجح: أن المُضاعَفة مقصورة على الصلاة التي ورد النص بشأنها.\nأما ما ورد بأن الحسنة تُضاعَف في مكة بمِائة ألف، فلا يصح دليل بهذا.\n(^٢) مدار الحديث على عطاء، واختُلف عليه في صحابيه من أوجه:\nالأول: فرواه عبد الكريم الجَزَري، عن عطاء، عن جابر، مرفوعًا به. أخرجه أحمد (١٤٦٩٤).\nوقد أَعَل البخاري الحديث بذكر جابر فقال: ولا يصح فيه جابر. «التاريخ الأوسط» (٣/ ٢٣٧).\nوقد أجاب عن هذا ابن عبد البر، فقال: وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ- حَدِيثٌ نَقَلَتُهُ ثِقَاتٌ كُلُّهُمْ، بِمِثْلِ حَدِيثِ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ سَوَاءٌ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عَطَاءٍ فِي ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَيَكُونَانِ حَدِيثِينَ، وَعَلَى ذَلِكَ يَحْمِلُهُ أَهْلُ الْفِقْهِ فِي الْحَدِيثِ. «التمهيد» (٦/ ٢٦).\nالثاني: رواه عطاء، عن ابن الزبير، واختلف عليه في الرفع والوقف، فرواه حبيبٌ المُعَلِّم والرَّبِيع بن صَبِيحٍ، كلاهما عن عطاء، عن ابن الزبير، مرفوعًا، به. أخرجه أحمد (١٦١١٧).\nوخالفهما ابن جُريج وابن أرطاة، فروياه عن عطاء عن ابن الزبير موقوفًا عليه. عند عبد الرزاق (٩١٣٣٩).\nورَجَّح ابن عبد البر الرفع بقوله: وَمَنْ رَفَعَهُ أَحْفَظُ وَأَثْبَتُ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي النَّظَرِ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ. «التمهيد» (٦/ ٢٣).\nالثالث: رواه عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عمر، مرفوعًا، كما عند البخاري في «التاريخ الكبير» (١٨٢٩) وقال: لا تَثبت، فهذه الرواية منكرة؛ لأن المحفوظ: عن عطاء عن ابن الزبير.\nورواه سليمان بن عَتِيق عن ابن الزبير عن عمر من قوله. رواه ابن أبي شيبة (٧٦٠٠).\nورواه جابر العَلَّاف وهومجهول، عن ابن الزبير عن عائشة مرفوعًا، عند إسحاق بن رَاهَوَيْهِ (٥٥٠).\nوفي الباب حديث أبي الدرداء وأنس وغيرهما، وكلها ضعيفة.","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-366>المبحث الثاني: ما يتعلق بالصلاة في مسجد الكعبة:</span> وفيه ستة مطالب:\n<span data-type='title' id=toc-367>المطلب الأول: مضاعفة الصلاة:</span>\nهل المكان الذي تُضاعَف الصلاة فيه هو مسجد الكعبة، أو أن المضاعفة عامة في جميع حرم مكة؟\nاتَّفَق العلماء على أن الصلاة في الحَرَم أفضل من الحِل، وأن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من باقي مساجد الحَرَم، وأن مضاعفة أجر الصلاة بالمسجد الحرام تشمله، وتشمل كل ما زِيد فيه.\nواختَلفوا في المكان الذي تشمله مضاعفة الصلاة على قولين:\nالقول الأول: أن المُضاعَفة خاصة بالمسجد الذي فيه الكعبة. وبه قال المالكية، وهو قول للشافعية وقول للحنابلة (^١).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة:\nأما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١].\nوَجْه الدلالة: أن المراد بالمسجد الحرام الذي تُضاعَف فيه الصلاة- مسجد الكعبة، ويدل على ذلك ما ورد عن أَنَس، أَنَّهُ أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الكَعْبَةِ (^٢).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] والمراد الكعبة، وبقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥] والرسول ﷺ وأصحابه إنما صُدوا عن مسجد الكعبة لأنهم أحرموا بالعمرة، والطواف لا يكون إلا بمسجد الكعبة.\nأما دليلهم من السُّنة، ففي «الصحيحين»: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ» (^٤).\n_________\n(^١) «شفاء الغرام» (١/ ٨٢)، و«المجموع» (٣/ ١٨٩، ١٩٠)، و«الفروع» (١/ ٦٠٠).\n(^٢) البخاري (٣٥٧٠)، ومسلم (١٦٢).\n(^٤) البخاري (١١٩٠)، ومسلم (١٣٩٤). =","vol":"1","page":274},{"text":"فهذا نص في المسألة، صريح في المَعنيّ بأن المضاعفة في مسجد الكعبة.\nواستدلوا بما رُوي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» (^٢).\nوالمراد بالمسجد الحرام هو مسجد الكعبة.\nوعند مسلم رواية صريحة بدل (المَسْجِدِ الحَرَامِ) قال: (مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ) ولو كان المراد بالمسجد الحرام عموم الحرم، للزم من ذلك جواز شد الرحال إلى مساجد مكة. وللزم منه أن تكون المساجد التي يُشَد إليها الرحل أكثر من ثلاثة، فالمراد هو مسجد الكعبة لأنه هو الذي تُشَد الرحال إليه.\nالقول الثاني: أن المُضاعَفة عامة في جميع حرم مكة. وبه قال الحنفية، والشافعية في الراجح عندهم، وهو قول للحنابلة (^٣).\n_________\n= وفي حديث ميمونة في رواية لمسلم بدل (المَسْجِدِ الحَرَامِ) قال: (مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ) اختُلف فيه على ليث بن سعد: فرواه شَبَابة بن سَوَّار- فيما رواه عنه ابن أبي شيبة (٧٧٢٥) وقُتيبة بن سعيد ومحمد بن رُمْح - فيما روى عنهما مسلم (١٣٩٦) - وعبد الله بن صالح - فيما أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٠٢٩) - أربعتهم عن ليث، عن نافع مولى ابن عمر، عن إبراهيم بن مَعْبَد، عن ابن عباس، عن ميمونة، به.\nورواه حَجَّاج بن محمد المِصِّيصي - عند أحمد (٢٦٨٢٦) - وعبد الله بن صالح - فيما رواه عنه البخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٣٠٢) وقتيبة بن سعيد - فيما أخرجه النَّسَائي (٦٩١) وابن وَهْب - فيما أخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٦٠٣) - أربعتُهم عن ليث، بدون ذكر ابن عباس في الإسناد.\nوقال النووي: هذا الحديث مما أُنْكِرَ على مسلم بسبب إسناده. وقال الحُفَّاظ: ذِكر ابن عباس فيه وهم، وصوابه: عن إبراهيم بن عبد الله عن ميمونة، من غير ذكر ابن عباس. «شرح مسلم» (٩/ ١٦٦).\nقال البخاري: وَلَا يَصِحُّ فِيهِ: ابْنُ عَبَّاسٍ. «التاريخ الكبير» (١/ ٣٠٢).\nوقد نفى ابن حِبان أن يكون إبراهيم سمع من ميمونة، فقال في ترجمته: وقد قيل: إنه سمع من ميمونة زوج النبي ﷺ، وليس ذلك بصحيح عندنا؛ فلذلك أدخلناه في أتباع التابعين.\nقال الدارقطني: وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ.\nوَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، وَلَمْ يَثْبُتْ. وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ. وَهُوَ الصَّوَابُ عَنْ نَافِعٍ. «العلل» (١٦٣٤).\n(^٢) البخاري (١١٨٩)، ومسلم (١٣٩٧). وفي رواية لمسلم بدل (المَسْجِدِ الحَرَامِ) قال: (مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ).\n(^٣) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ١٨٨)، و«الإيضاح» (ص: ٤٢٠)، و«الفروع» (١/ ٦٠٠).","vol":"1","page":275},{"text":"واستدلوا بالكتاب والسُّنة:\nأما الكتاب، فإن الرسول ﷺ أُسري به من خارج المسجد المُعَد للصلاة، وقد قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١].\nودلت على ذلك أدلة:\nالدليل الأول: ما رَوى أنس بن مالك قال: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ … فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ …» (^٢).\nواعتُرض عليه بأن أَصْرَح منه ما ورد عن أنس، أن الرسول ﷺ أُسْرِيَ به من داخل المسجد المُعَد للصلاة، فعن أَنس قال: لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الكَعْبَةِ.\nوَعَنْ أَنَسِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ﵄، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ: «بَيْنَمَا أَنَا فِي الحَطِيمِ - وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الحِجْرِ - مُضْطَجِعًا، إِذْ أَتَانِي آتٍ …» (^٣). وفي رواية: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَاليَقْظَانِ».\nفهذه الأدلة الصريحة عن أنس تُؤكِّد أن الرسول ﷺ أُسْرِيَ به من مسجد الكعبة.\nالدليل الثاني: ما رَوى جابر ﵁ قال: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُسْرِيَ بِهِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، مِنْ مَكَّةَ، مِنْ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ (^٤).\nالدليل الثالث: ما روت أُم هانئ قالت: بَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ فِي بَيْتِي، فَفَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي …» (^٥).\nونوقش هذا الحديث بأنه منكر، وبأنه لو صح فيمكن الجَمْع بين الروايات، بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَامَ فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ، وَبَيْتُهَا عِنْدَ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ، فَفُرِّجَ سَقْفُ بَيْتِهِ، وَأَضَافَ الْبَيْتَ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ كَانَ يَسْكُنُهُ، فَنَزَلَ مِنْهُ الْمَلَكُ فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى الْمَسْجِد، فَكَانَ بِهِ مُضْطَجِعًا، وَبِهِ أَثَرُ النُّعَاسِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ الْمَلَكُ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَأَرْكَبَهُ الْبُرَاقَ (^٦).\n_________\n(^٢) البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣).\n(^٣) البخاري (٣٨٨٧).\n(^٤) «أخبار مكة» للفاكهي (٣/ ٢٤٧).\n(^٥) منكر: أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٠٥٩). وفي إسناده: عبد الأعلى بن أبي المُسَاوِر، متروك.\n(^٦) «فتح الباري» (٧/ ٢٠٤).","vol":"1","page":276},{"text":"الدليل الثاني: عموم قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].\nوَجْه الدلالة: أن المراد بالمسجد الحرام هنا عموم الحرم؛ لأن هؤلاء إنما أُخْرِجُوا من بيوتهم لا من المسجد نفسه (^٢).\nواعتُرض عليه بأن المراد بقوله: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] أي: أَهْله الذين يَعمرونه بطاعة الله، وهم المؤمنون لأنهم أولياؤه. كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨] المؤمنون إنما يَعمرون مسجد الكعبة بطاعة الله الذي هو محل الصلاة والطواف.\nالدليل الثالث: عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥].\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ وأصحابه صُدوا عن عموم الحرم.\nونوقش بأن نص الآية صريح في الصد عن المسجد الحرام، وهو مسجد الكعبة. ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ [الحج: ٢٥]، المراد بالعاكف في الآية المقام فيه والملازمة له بالصلاة والطواف، وهذا يكون في مسجد الكعبة لأنه محل ذلك.\nالدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] والمراد بالمسجد الحرام هنا: الحرم كله بالاتفاق، وإذا كان المشرك ممنوعًا من دخول الحرم، دل ذلك على أن المراد بالمسجد الحرام عموم الحرم (^٣).\nونوقش هذا الاستدلال بعدم التسليم بأن المراد بالمسجد الحرام جميع الحرم ليس محل اتفاق، وإنما محل خلاف؛ فقيل: إن المراد هو المسجد الحرام لا عموم الحرم؛\n_________\n(^٢) انظر تفسير الآية في «أحكام القرآن» للجَصَّاص، و«الفروع» (١/ ٦٠٠).\n(^٣) «المغني» (١٣/ ٢٤٥). قال ابن حزم: فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ- تَعَالَى- أَرَادَ الْحَرَمَ كُلَّهُ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالدَّعْوَى. «المُحَلَّى» (٧/ ١٤٨).","vol":"1","page":277},{"text":"لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا﴾ [التوبة: ٢٨] لأنه يَجوز تمكين المشرك من الوقوف على حدود الحرم. ولو كان المراد جميع الحرم لقال: فلا يَدخلوا.\nأما دليلهم من السُّنة، فعن المِسْوَر بن مَخْرَمَة، ومَرْوان بن الحَكَم، في قصة صُلح الحُديبية: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي فِي الْحَرَمِ، وَهُوَ مُضْطَرِبٌ فِي الْحِلِّ (^٢).\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ كان يصلي في الحرم، أي: داخل حدود الحرم، وليس المسجد الحرام. فهذا يدل على أن مضاعفة الصلاة عامة في جميع الحرم، ولا يُخص منها المسجد الذي هو مكان الطواف.\nونوقش بأنه لا دلالة فيه على أن مضاعفة الصلاة عامة في جميع الحرم، بل غاية ما فيه أن الصلاة في الحرم أفضل من الصلاة في الحِل، وهذا لا شك فيه، وهو خارج محل النزاع.\nواستدلوا بأن النبي ﷺ قَدِم مكة لأربع من ذي الحجة، ثم طاف وسعى، وأقام في الحَجُون الأبطح أربعة أيام قبل خروجه إلى مِنًى، ولم يكن يَنزل إلى مسجد الكعبة ليصلي فيه، مع قربه وسهولته. فهذا دليل على أن مضاعفة الصلاة عامة في جميع الحرم (^٣).\nونوقش بأنها قضية عين، تحتمل أن النبي ﷺ تَرَك ذلك خَشية أن يَظن أحد أن له الذَّهاب إلى مسجد الكعبة والطواف والصلاة إليه واجب، وأنه من مناسك الحج (^٤).\nفالحاصل: أن سبب اختلاف العلماء في هذه المسألة هو لفظة (المسجد الحرام) في الآيات والأحاديث، هل يراد بها جميع الحرم أو يراد بها الكعبة؟\nوالتحرير هو أن لفظة (المسجد الحرام) من الألفاظ المشتركة، فقد يراد به جميع الحرم، وقد يراد به مسجد الكعبة. والذي يُحدِّد المراد هو السياق وقرائن الأحوال والنصوص الأخرى، ومن الخطأ طرد معنى واحد في جميع النصوص.\n_________\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه أحمد (١٨٩١٠). وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد صَرَّح بالتحديث في بعض فقرات هذا الحديث، فانتفت شبهة تدليسه. ثم إنه قد توبع، تابعه مَعْمَر. (١٨٩٢٨، ١٨٩٢٩).\n(^٣) قال ابن القيم: لَا يُحْفَظُ عَنْهُ فِي حَجِّهِ أَنَّهُ صَلَّى الْفَرْضَ بِجَوْفِ مَكَّةَ، بَلْ إِنَّمَا كَانَ يُصَلِّي بِمَنْزِلِهِ بِالْأَبْطَحِ، بِالْمُسْلِمِينَ مُدَّةَ مُقَامِهِ. «زاد المعاد» (٢/ ٢٦٠).\n(^٤) «فتح الباري» (٣/ ٤٨٦).","vol":"1","page":278},{"text":"فقد يطلق المسجد الحرام، ويراد به أحد معنيين:\nالأول: جميع الحَرَم، كما في قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] فالمراد به مِنًى، والحَرَم موضع ذبح النسك، مع أنه عَبَّر عنه بالأخص: بالكعبة، والبيت العتيق.\nولا يَعني إطلاق (المسجد الحرام) على ما حوله أنه يأخذ أحكامه من حيث لبث الجُنُب والحائض والبيع والشراء. فكذلك يقال في مضاعفة أجر الصلاة.\nالثاني: قد يطلق المسجد الحرام، ويراد به الكعبة، أي: المسجد المُعَدّ للصلاة، كما في قول النبي ﷺ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى». فإن الأظهر منه أن جميع الحَرَم غير مراد، وبأن المراد بالمسجد الحرام هو مسجد الكعبة، فدل ذلك على أن الحاكم في هذا هو سياق الكلام.\nالراجح: أن مضاعفة الصلاة خاصة بالمسجد الحرام، الذي فيه الكعبة؛ لعموم قول النبي ﷺ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ» فالإشارة إلى مسجد الرسول ﷺ ب (هذا) تدل على أن المراد بالمضاعفة: مضاعفة المسجد المعهود بالصلاة فيه، سواء المسجد الحرام أو المسجد النبوي، ولا يتعدى ذلك إلى سائر الحَرَم، وهذا نص في المسألة.\n\n<span data-type='title' id=toc-368>المطلب الثاني: ما تشمله المضاعفة من الصلوات:</span>\nاتَّفق الفقهاء على مضاعفة الفريضة في المسجد الحرام (^١).\nواتفقوا على مضاعفة ما تُشْرَع له الجماعة في المسجد، كصلاة العيدين وقيام رمضان.\nوكذا ما شُرع فعله في المسجد، كركعتي الطواف وتحية المسجد، فإنه يُضاعَف (^٢).\nواختلفوا فيما عدا ذلك من النوافل، كالسُّنن الراتبة والنوافل المطلقة، هل تُضاعَف في المسجد الحرام أو لا؟ على قولين:\nالقول الأول: أن السُّنن الرواتب والنوافل المطلقة إذا صلاها في الحَرَم، فإنها\n_________\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٦٥٩)، و«حاشية العدوي» (٢/ ٣٧٨)، و«الفروع» (١/ ٦٠٠).\n(^٢) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ١٨٢)، و«هداية السالك» (٣/ ١١٤)، و«إعلام الساجد» (ص: ١٢٤).","vol":"1","page":279},{"text":"تُضاعَف. وبه قال الشافعية والحنابلة، وهو قول للحنفية والمالكية (^١).\nواستدلوا بما ورد في «الصحيحين»: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ» (^٢).\nفقوله ﷺ: «صلاة» نكرة، فيَعُم الفرض والنفل (^٣).\nالقول الآخَر: أن المضاعفة في الفريضة فقط، وأن النافلة لا تُضاعَف في المسجد الحرام. وهذا هو المشهور عن الحنفية والمالكية، وهو قول للشافعية (^٤).\nواستدلوا بما ورد في «الصحيحين»: عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ؛ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ، إِلَّا المَكْتُوبَةَ» (^٥).\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ قال هذا عن مسجده، مع أن الصلاة فيه مُضاعَفة، فدل ذلك على أن المُضاعَفة خاصة بالفرض دون النفل، ولم يُنقَل أن النبي ﷺ كان يتنفل في المسجد، ولو كانت مضاعفة الصلاة للفرض والنفل، لكان يصلي النوافل في مسجده.\nونوقش هذا الاستدلال من وجهين:\nالوجه الأول: أنه لا دلالة في الحديث على عدم مضاعفة النفل، بل غاية ما فيه أن فعل النافلة في البيت أفضل. وهذا لا شك فيه.\nالوجه الآخَر: أن صلاة النافلة في البيت في مكة أو المدينة أفضل من صلاتها في المسجد الحرام أو النبوي، وإن كانت تُضاعَف فيهما (^٦).\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من مضاعفة صلاة النافلة في الحَرَم.\n_________\n(^١) «شرح النووي» (٩/ ١٦٤)، و«شرح فتح القدير» (٣/ ١٨٢)، و«حاشية العدوي» (٢/ ٣٧٨).\n(^٢) البخاري (١١٩٠)، ومسلم (١٣٩٤).\n(^٣) «شرح النووي لمسلم» (٩/ ١٦٤).\n(^٤) «شرح فتح القدير» (٣/ ١٨٢)، و«حاشية العدوي» (٢/ ٣٧٨)، و«إعلام الساجد» (ص: ٢٤٦).\n(^٥) البخاري (٧٣١)، ومسلم (٧٨١).\n(^٦) «فتح الباري» (٣/ ٦٢)، و«نَيْل الأوطار» (٣/ ٩٤)، و«أحكام الحرم المكي» (١٧٠).","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type='title' id=toc-369>المطلب الثالث: حُكم ما زِيد على المسجد:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن ما زِيد على المسجد، فإن له حُكمه (^١).\n\nوقد استدلوا لذلك بفعل عمر وعثمان وابن الزبير، حيث زادوا في المسجد على ما كان على عهد النبي ﷺ، وكان فعلهم هذا بمحضر من الصحابة، ولم يُنكِر عليهم أحد (^٢).\nوقد اشتَرط العلماء أن تكون الزيادة متصلة بالمسجد، بحيث لا يَفصِل بينها وبين المسجد فاصل، كطريق ونحوه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-370>المطلب الرابع: حُكْم الصلاة في الأبراج المجاورة للحَرَم بصلاة إمام الحَرَم:</span>\nالراجح: جواز الصلاة في الأبراج السكنية المجاورة للحَرَم بصلاة إمام الحَرَم، ولو لم تتصل الصفوف، ولكن بثلاثة شروط:\nالأول: ألا يَفصل بين المأموم والإمام طريق عام، كالذي تمر فيه السيارات.\nالثاني: إمكان رؤية الإمام أو مَنْ خلفه رؤية حقيقية، بالعين المجردة.\nالثالث: أنه لا يَجوز ذلك في غير أوقات الزحام؛ لأن الصفوف تتصل (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-371>المطلب الخامس: حُكْم المرور بين يدي المصلي في حرم مكة:</span>\nفي هذا تفصيل:\nأولًا- مرور الطائف بين يدي المصلي في الحَرَم.\nذهب جماهير العلماء إلى جواز مرور الطائف بين يدي المصلي إذا كان محتاجًا\n_________\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٦٥٩)، و«مواهب الجليل» (٣/ ٣٤٥)، و«مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٤٦).\n(^٢) «أخبار مكة» للأزرقي (٢/ ٦٩ - ٧١).\n(^٣) «مغني المحتاج» (١/ ٤٥٩)، و«شرح مُنتهَى الإرادات» (١/ ٤٦٥).\n(^٤) وسُئلت اللجنة الدائمة عن حُكم مَنْ صلى جماعة في منزله، مكتفيًا بسماع مكبرات الصوت من المسجد، ولم يتصل بين الإمام والمأموم ولو بواسطة، وذلك واقع مكة والمدينة في الموسم؟\nج: لا تصح الصلاة، وهذا مذهب الشافعية، وبه قال أحمد، إلا إذا اتصلت الصفوف ببيته، وأمكنه الاقتداء بالإمام، بالرؤية وسماع الصوت، فإنها تصح، كما تصح صلاة الصفوف التي اتصلت بمنزله.\nأما بدون الشرط المذكور فلا تصح؛ لأن الواجب على المسلم أن يؤدي الصلاة في الجماعة في بيوت الله ﷿، مع إخوانه المسلمين. «فتاوى اللجنة الدائمة» (٨/ ٣١).","vol":"1","page":281},{"text":"للمرور، سواء كان المصلي متخذًا سترة أم لا (^١).\nثانيًا- اختَلف أهل العلم على خمسة أقوال في مرور غير الطائف بين يدي المصلي:\nالأول: تحريم المرور إذا كان المار غير محتاج للمرور. وبه قال الحنفية والشافعية، وهو رواية عن أحمد (^٢).\nالثاني: وذهب الحنابلة في رواية إلى تحريم المرور مطلقًا.\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» (^٣).\nوقوله ﷺ: «مَاذَا عَلَيْهِ» أي: من الإثم. وحصول الإثم يَستلزم تحريم الفعل.\nوَعَنْ أَبي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» (^٤).\nفتشبيه المار بالشيطان يدل على تحريم ذلك الفعل، وكأن الشيطان أَمَره بذلك. وكذا الأمر بالمدافعة يَستلزم تحريم المرور.\nالثالث: جواز المرور مطلقًا. وهو المشهور عند الحنابلة (^٥).\nالرابع: عند المالكية جواز المرور إذا كان المصلي غير متخذ سُترة (^٦).\nالخامس: عند الشافعية كراهة المرور إذا كان المصلي غير متخذ سُترة، وتحريمه إذا كان المصلي متخذًا سُترة (^٧).\nواستدلوا بما رَوى كَثِير أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِهِ يُحَدِّثُ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ\n_________\n(^١) انظر: «حاشية ابن عابدين» (١/ ٥٠١)، و«شرح الزرقاني» (١/ ٢٠٩)، و«بُلغة السالك» (١/ ١٢٢).\n(^٢) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٣٦٥)، و«المجموع» (٣/ ٢٤٩)، و«الفروع» (١/ ٤٧١).\n(^٣) البخاري (٥١٠)، ومسلم (٤٩٧).\n(^٤) البخاري (٥٠٩).\n(^٥) «المغني» (٣/ ٩٠)، و«الإنصاف» (١/ ٩٤)، و«كشاف القناع» (١/ ٣٧٥).\n(^٦) «شرح الزرقاني» (١/ ٢٠٩).\n(^٧) «المجموع» (٣/ ٢٤٩).","vol":"1","page":282},{"text":"يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ سُتْرَةٌ (^١).\nالمطلب السادس: دخول رسول الله ﷺ الكعبة والصلاة فيها:\nعَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البَيْتَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فقال: نَعَمْ، بَيْنَ العَمُودَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ (^٢).\nويُشْكِل عليه ما ورد: عَنْ أُسَامَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ فِي قُبُلِ الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: «هَذِهِ الْقِبْلَةُ» (^٣).\nوجه الإشكال: أن بلالًا أَخْبَر بأن النبي ﷺ صلى في الكعبة حين دخلها. وأما أسامة بن زيد فنَفى صلاة النبي ﷺ في الكعبة، والمُثْبِت مُقَدَّم على النافي، ولعل أسامة كان متغيبًا حال صلاة النبي ﷺ، أو كان مشتغلًا بالدعاء فلم يره، وإذا كان النبي ﷺ صلى في الكعبة حين دخلها، فيُستحب لنا دخول الحِجر والصلاة فيه؛ لأنه من البيت.\n\n<span data-type='title' id=toc-372>المبحث الثالث: ماء زمزم:</span> وفيه مطلبان:\nالأول: استحباب الشرب من زمزم: لقول النبي ﷺ: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ».\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ، فَإِنْ شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي بِهِ شَفَاكَ اللَّهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ مُسْتَعِيذًا عَاذَكَ اللَّهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِيَقْطَعَ ظَمَأَكَ قَطَعَهُ».\nوَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا شَرِبَ مَاءَ زَمْزَمَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ (^٤).\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أحمد (٢٧٢٤١). وقد أُعِل هذا الحديث بعلتين: الأولى: إبهام الواسطة بين كَثير بن كَثير وجَدِّه. والثانية: كثرة الاختلاف في إسناده.\n(^٢) البخاري (١٥٩٨)، ومسلم (١٣٢٩).\n(^٣) البخاري (٣٩٨)، عن ابن عباس، لم يَذكر أسامة. ومسلم (١٣٣٠) واللفظ له.\n(^٤) ضعيف: مداره على ابن عُيينة، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد. واختُلف عليه:\nفرواه الجارودي عند الحاكم (١٧٣٩) مرفوعًا، به.\nوخالف الجاروديَّ عبدُ الرزاق (٩١٢٤)، والأزرقي في «تاريخ مكة» (٢/ ٥٠)، كلاهما عن ابن عُيينة، عن مجاهد، قوله. ورواه مَعْمَر، عن ابن خُثَيْم، عن مجاهد قوله. عند عبد الرزاق (٩١٢٣).\nفالجارودي أخطأ فيه عن ابن عُيينة، فجَعَله موصولًا، وغَيْره جَعَله عن ابن عُيينة عن مجاهد قوله.=","vol":"1","page":283},{"text":"المطلب الثاني: إخراج ماء زمزم:\nيَجوز إخراج ماء زمزم. وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (^١).\nفعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَتُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَحْمِلُهُ (^٢).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اسْتَهْدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ (^٣).\nوَعَنْ حَبِيبٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: آخُذُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَحْمِلُهُ فِي الْقَوَارِيرِ، وَحَنَّكَ بِهِ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ﵄ بِتَمْرِ الْعَجْوَةِ (^٤).\nوإن كان لا يصح حديث، ولكن الأصل براءة الذمة، وجواز نقل ماء زمزم. والله أعلم.\n_________\n= قال الحافظ: والجارودي صدوق إلا أن روايته شاذة، فقد رواه حُفاظ أَصحاب ابن عُيينة والحُمَيْدي، وابن أَبي عُمَر وغيرهما، قوله. والمحفوظ عن ابن عُيينة وَقْفه. «التلخيص الحبير» (٢/ ٢٦٨).\nوللحديث شاهد من حديث جابر، يُروى عنه من طريقين:\nالطريق الأول: طريق عبد الله بن المُؤَمَّل، عن أبي الزبير، عن جابر، به، عند أحمد (١٤٨٤٩).\nوهذا الإسناد ضعيف؛ لضَعْف عبد الله بن المُؤَمَّل، وإن كان قد تابعه إبراهيم بن طَهْمَان عند البيهقي (١٠٠٨١)، فقد أَعَلّه الحافظ فقال: ولا يصح عن إبراهيم … إنما سَمِعه إبراهيم من ابن المُؤَمَّل.\nوَقد رُوي عن حمزة الزيات عن أبي الزبير، عند الطبراني في «الأوسط» (٣٨١٥)، ولكنه غير محفوظ، كما في «ذخيرة الحُفاظ» لابن القيسراني (٤/ ٢٠٧٢).\nالطريق الثاني: من طريق سُويد بن سعيد، عن ابن المبارك، عن ابن أبي المَوَال، عن محمد بن المُنكدِر، عن جابر. وفيه قصة. أخرجه البيهقي في «الشُّعَب» (٣٨٣٣) وقال: غريب من هذا الوجه عنه. وقال الحافظ: خَلَط سُويد بن سعيد في هذا الإسناد، وأخطأ فيه عن ابن المبارك، وإنما رواه ابن المبارك عن ابن المُؤمَّل عن أبي الزبير. «التلخيص» (٢/ ٢٦٨). وكذا قال الذهبي في «السِّيَر» (٨/ ٣٤٩). وقال ابن كَثير: سُويد ضعيف، والمحفوظ: عن ابن المبارك عن ابن المُؤمَّل. «البداية والنهاية» (٢/ ٢٤٧).\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٦٢٥)، و«مواهب الجليل» (٢/ ١١٥)، و«الفروع» (٣/ ٤٨٣).\n(^٢) ضعيف: رواه الترمذي (٩٨٤). وفي إسناده خَلَّاد بن يَزيد الجُعْفِيّ. قال البخاري والمُحارِبي: لا يُتابَع عليه. قال الذهبي: انفرد بحديثِ حَمْل ماء زمزم والاستشفاء به. «ميزان الاعتدال» (١/ ٦٥٧)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. قلت: فخَلَّاد لا يَتحمل مثل هذا المتن، ولم يوثقه مُعتبَر.\n(^٣) ضعيف: أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٥٧٩٦). وفي إسناده عبد الله بن المُؤمَّل المخزومي، ضعيف.\n(^٤) ضعيف: رواه الفاكهي في «أخبار مكة» (٢/ ٥١). وفي إسناده: الحسن بن أبي جعفر الجُفْري: ضعيف. ومسلم أَبو عبد الله لم أجد له ترجمة. قال الهيثمي: وفيه مَنْ لم أعرفه. «مَجْمَع الزوائد» (٣/ ٢٨٧).","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type='title' id=toc-373>المبحث الرابع: حُكم النوم والأكل في المسجد:</span> وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حُكم النوم في المسجد:\nاتَّفَق العلماء على جواز النوم للمعتكف، وعلى جواز النوم غير المستدام (^١).\nواختلفوا في اتخاذ المسجد مبيتًا ومَقيلًا على وجه الديمومة والاستمرار، على قولين:\nالأول: أنه مباح. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^٢).\nعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ العَرَبِ. وفيه قالت: فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَتْ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي المَسْجِدِ (^٣).\nوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ شَابٌّ أَعْزَبُ … فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ (^٤).\nالقول الآخَر: يُكره أن يُتخذ المسجد مقيلًا ومبيتًا على الدوام. وهو مذهب الحنفية والمالكية، ورواية للحنابلة (^٥).\nوالراجح: جواز النوم في المسجد على كل حال، مع المحافظة على نظافة المسجد.\nالمطلب الثاني: حُكم الأكل في المسجد:\nاتَّفَق العلماء على جواز أكل المعتكف في المسجد، واختلفوا في غيره على ثلاثة أقوال:\nالأول: جواز الأكل في المسجد. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^٦).\nالثاني: يُكْرَه الأكل في المسجد. وهو مذهب الحنفية، ورواية عند الحنابلة (^٧).\n_________\n(^١) قال ابن رجب: واعلم أن النوم في المسجد لحاجة عارضة، مِثل نوم المعتكف فيه والمريض، ومَن تدركه القائلة- يَجوز عند جمهور العلماء، ومنهم مَنْ حكاه إجماعًا. «فتح الباري» (٣/ ٢٦٣).\n(^٢) «الأم» (١/ ٥٤)، و«المجموع» (٢/ ١٩٧)، و«الفروع» (٧/ ٤٠٣).\n(^٣) رواه البخاري (٤٣٩). وفي الباب: وَرَقَدَ عَلِيٌّ فِي المَسْجِدِ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُهُ عَنْهُ، وَيَقُولُ: «قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ» رواه البخاري (٤٤١)، ومسلم (٢٤٠٩).\n(^٤) البخاري (٤٤٠) (١١٢١)، ومسلم (٢٤٧٩).\n(^٥) «فتح القدير» (١/ ٤٢٢)، و«التاج والإكليل» (٦/ ١٢»، و«مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٠٠).\n(^٦) «المجموع» (٢/ ١٩٩)، و«كشاف القناع» (٢/ ٣٧١).\n(^٧) «رد المحتار» (٢/ ٤٤٨)، و«الآداب الشرعية» (٣/ ٣٨٥).","vol":"1","page":285},{"text":"الثالث: إن كان لا يلوث المسجد كالتمر والطعام الناشف، فمباح، وإن كان يُلوِّث المسجد فيَحرم. وهو مذهب المالكية (^١).\nوالراجح: جواز الأكل في المسجد، مع المحافظة على نظافة المسجد. فعن عبد الله بن الحارث يقول: كُنَّا نَأْكُلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-374>القسم الثاني: الأحكام المتعلقة بالحرم،\nوفيه مبحثان</span>\n<span data-type='title' id=toc-375>المبحث الأول: حرمة مكة:</span>\nفَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ». فَقَالَ العَبَّاسُ ﵁: إِلَّا الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ» (^٣).\n(يُختلَى): يُقْطَع. (خَلَاها): الرَّطْب من الكلأ الذي يَنبت بنفسه.\n(يُعضَد): يُكسَر ويُقطَع. (ولا يُنفَّر صيدها): لا يُزعَج من مكانه ولا يَحِل صيده. (تُلتقَط) تؤخذ. (لقطتها): ما سَقَط فيها. (إلا لمُعَرِّف) مَنْ يُعَرِّفها وينادي عليها حتى يجيء صاحبها، ولا يأخذها للتمليك. (لصاغتنا): جمع صائغ، يستعملونه لحاجتهم في الصياغة.\nفالحاصل: أنه يَحرم صيد حرم مكة على الحلال والحرام، بالسُّنة والإجماع.\nفي الحرم قسمان:\nالأول: الشجر، فيَحرم التعرض له بالقطع أو القلع إذا كان رَطْبًا.\nالثاني: النبات، وهو نوعان:\nالنوع الأول: ما زَرَعه الآدمي كالحِنطة، فيَجوز لمالكه قَطْعه.\n_________\n(^١) «التاج والإكليل» (٦/ ١٣)، و«حاشية الدسوقي» (٤/ ٧٠).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن ماجه (٣٣٠٠). وقال الشوكاني: وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الطَّعَامِ فِي الْمَسْجِدِ- مُتَكَاثِرَةٌ، مِنْهَا سُكْنَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فِي الْمَسْجِدِ، الثَّابِتُ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّ كَوْنَهُمْ لَا مَسْكَنَ لَهُمْ سِوَاهُ يَسْتَلْزِمُ أَكْلَهُمْ لِلطَّعَامِ فِيهِ. «نَيْل الأوطار» (٢/ ١٩٠).\n(^٣) البخاري (١٣٤٩).","vol":"1","page":286},{"text":"الثاني: ما لم يَزرعه الآدمي، فهذا منه ما يَجوز قلعه كالإِذخِر والشوك، وما كان دواء كالسَّنا، وما يَحرم قلعه كالكلأ إن كان رَطْبًا، ويجوز تسريح البهائم فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-376>المبحث الثاني: حُكم بيع بيوت مكة وإجارتها</span>\nاختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالأول: يَجوز بيع بيوت مكة وإجارتها. وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وقول عند المالكية، ومذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (^١).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨].\nوَجْه الدلالة: أنه أضاف الديار للمُهاجِرين، والإضافة تقتضي التمليك، ولو كانت الديار ليست لهم لَمَا كانوا مظلومين في إخراجهم من دُور ليست بمِلكهم. وقد قال رسول الله ﷺ: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ، فَهُوَ آمِنٌ» أضاف الدار إلى أبي سفيان، فهذا دليل على صحة تملكه، وما صح في التملك صح بيعه وإجارته.\nوَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟!» (^٢).\nوَجْه الاستدلال: هذا صريح في إمضائه ﷺ بيع عَقيل، ولو كان بيعها لا يصح لَمَا أَقَره النبي ﷺ؛ لأنه لا يُقِر على باطل، بإجماع المسلمين.\nوَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ اشْتَرَى دَارَ السِّجْنِ (بِمَكَّةَ) مِنْ صَفْوَانَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ رَضِيَ عُمَرُ فَالْبَيْعُ لَهُ، وَإِنْ عُمَرَ لَمْ يَرْضَ فَأَرْبَعُ مِئَةٍ لِصَفْوَانَ (^٣).\n_________\n(^١) «شرح معاني الآثار» (٤/ ٤٩)، و«الذخيرة» (٥/ ٤٠٦)، و«المجموع» (٩/ ٢٣٥)، و«المغني» (٤/ ١٧٧).\n(^٢) البخاري (١٥٨٨)، ومسلم (١٣٥١).\n(^٣) حسن: أخرجه البخاري في «صحيحه» تعليقًا بصيغة الجزم (٤٧٩).\nوقد وَصَله ابن أبي شيبة (٢٣٦٦٢): حَدَّثَنا ابن عُيينة، عن عمرو، عن عبد الرحمن، به.\nوفي إسناده عبد الرحمن بن فَرُّوخ، وهو لَيِّن، وقد يُقْبَل حديثه في مثل هذه الحالة، ولا سيما أنه مِنْ موالي عمر، وقد ذَكَر الحافظ له مُتابِعًا، فقد قال في «الفتح» (٥/ ٧٦): وأَخْرَج عمر بن شَبَّة في كتاب «مكة»، فذَكَر نحوه، وفي إسناده هشام بن سليمان، وفي «التقريب»: مقبول. فهذه المُتابَعة تُقَوِّي طريق عبد الرحمن بن فَرُّوخ. والله أعلم.","vol":"1","page":287},{"text":"القول الثاني: أنه يَحرم بيع بيوت مكة وإجارتها. وهو مذهب الحنفية في المشهور، وقول للمالكية، والمشهور عند الحنابلة (^١).\nقد دلت السُّنة على أن مكة فُتحت عَنوة، ومعلوم أن الأرض العَنوة لا تُقسم ولا تُملك لأحد، فلا يَجوز بيعها، ودل عليه ما رُوي: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ،» (^٢).\nالحديث صريح في أنها فُتحت عَنوة «أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ».\nواعتُرض عليه بأن مكة فُتحت عَنوة، إلا أن النبي ﷺ أَقَر أهلها على أملاكهم، وبالتالي جاز لهم بيع دُورها.\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «مَكَّةُ حَرَامٌ، وَحَرَامٌ بَيْعُ رِبَاعِهَا» (^٣).\nوأما دليلهم من القياس، فإذا كان مسجد الكعبة يُسمَّى المسجد الحرام، ومكة البلد الحرام، فيَحرم بيع دُورها.\nوالجواب عن قياسهم: أَنَّ المَسَاجِدَ مُحَرَّمَةٌ مُحَرَّرَةٌ، لَا تُلْحَقُ بِهَا الْمَنَازِلُ الْمَسْكُونَةُ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِهَا؛ وَلِهَذَا فِي سَائِرِ الْبِلَادِ يَجُوزُ بَيْعُ الدُّورِ دُونَ الْمَسَاجِدِ (^٤).\nالقول الثالث: يَجوز بيع بيوت مكة، ويَحرم إجارتها. وهو قول أحمد في رواية (^٥).\nوالراجح: جواز بيع دُور مكة وإجارتها.\n_________\n(^١) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٦٦)، و«الذخيرة» (٥/ ٤٠٦)، و«الفروع» (٦/ ٢٢٣).\n(^٢) البخاري (١٣٤٩).\n(^٣) ضعيف: ويرويه عن ابن عمرو جماعة:\nالأول: ابن أبي نَجِيحٍ. وفي السند إليه أبو حنيفة، وهو ضعيف الحديث. أخرجه الدارقطني (٣٠١٥) وقال: كَذَا رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ مَرْفُوعًا، وَوَهِمَ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ) وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ أَبِي زِيَادٍ القَدَّاحُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ.\nالثاني: عبد الله بن بَابَاهِ، أخرجه الدارقطني (٣٠١٨) وفي السند إليه إسماعيل بن إبراهيم بن مُهَاجِر، ضعيف. وقال البيهقي: فإسماعيل بن إبراهيم هذا وأبوه ضعيفان. «معرفة السُّنن» (٨/ ٢١٤).\nالثالث: مرسل، رواه ابن أبي شيبة (١٤٨٩٨) عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، به.\n(^٤) «المجموع» (٩/ ٢٥١).\n(^٥) «الإنصاف» (٤/ ٢٨٩)، و«زاد المعاد» (٣/ ٤٣٥).","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type='title' id=toc-377>الباب الثامن\nالطواف\nوفيه تمهيد وخمسة فصول</span>\nالتمهيد: بين يدي الطواف، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: تعريف الطواف.\nالمبحث الثاني: فضل الطواف.\nالفصل الأول: أنواع الطواف.\nالفصل الثاني: شروط الطواف.\nالفصل الثالث: سُنن الطواف.\nالفصل الرابع: مكروهات ومحرمات الطواف.\nالفصل الخامس: نوازل الطواف.","vol":"1","page":289},{"text":"التمهيد:\nبين يدي الطواف،\nوفيه مبحثان\n\n<span data-type='title' id=toc-379>المبحث الأول: تعريف الطواف:</span>\nالطواف في اللغة: هو الدوران حول الشيء. وطاف بالبيت، أي: دَارَ حوله.\nوالطواف في الشرع: هو الدوران سبعة أشواط حول الكعبة، بِنِيَّة الطواف، مبتدئًا بالحَجَر الأسود، منتهيًا إليه، جاعلًا الكعبة عن يساره (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-380>المبحث الثاني: فضل الطواف:</span>\nالطواف بالبيت الحرام عبادة من أَجَلّ العبادات وأشرفها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج: ٢٦].\nوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ، كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ، لَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً» (^٢).\n_________\n(^١) «معجم اللغة» (٢/ ٨٣)، و«لسان العرب» (٩/ ٢٢٥)، و«الموسوعة الكويتية» (٢٩/ ١٢٠).\nوفي هذا الباب بحث نافع وماتع في أحكام الطواف، للشيخ وليد بن عبد الله، وقد أفدتُ منه كثيرًا، فاللهَ أسأل أن يجازي مؤلفه خير الجزاء وأوفاه، وأن يَجعل جنة الفردوس مأواه.\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه الترمذي (٩٧٥) واللفظ له، وأحمد (٤٤٦٢)، والنَّسَائي (٢٩٤١) من طرق عن الثوري وحماد بن زيد … وغيرهما، عن عطاء بن السائب، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُمير، به.\nوهذا إسناد حسن، ورجاله ثقات غير عطاء بن السائب، واختَلط بآخره، وروى عنه الثوري وحماد بن زيد قبل الاختلاط، ولكن هل يَتحمل عطاء بن السائب مثل هذا المتن؟ الله أعلم.","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type='title' id=toc-381>الفصل الأول\nأنواع الطواف</span>\nالنوع الأول: طواف القدوم.\nوفيه تمهيد، وأربعة مباحث:\nالتمهيد: من أسماء طواف القدوم.\nالمبحث الأول: حُكم طواف القدوم.\nالمبحث الثاني: وقت طواف القدوم.\nالمبحث الثالث: هل يُسقِط طوافُ القدوم طواف الإفاضة؟\nالمبحث الرابع: مَنْ الذين يَسقط عنهم طواف القدوم؟\nالنوع الثاني: طواف الإفاضة.\nالنوع الثالث: طواف العمرة.\nالنوع الرابع: طواف الوداع.\nالنوع الخامس: طواف التطوع.\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: فضل طواف التطوع.\nالمبحث الثاني: وقت طواف التطوع.\nالمبحث الثالث: التطوع وإهداء ثوابه للغير.","vol":"1","page":291},{"text":"الفصل الأول: أنواع الطواف\n\n<span data-type='title' id=toc-382>النوع الأول: طواف القدوم: وفيه تمهيد، وأربعة مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-383>التمهيد: من أسماء طواف القدوم</span>\nمن أسماء طواف القدوم: طواف التحية، طواف أول عهد بالبيت، طواف اللقاء (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-384>المبحث الأول: حُكْم طواف القدوم:</span>\nاختَلف أهل العلم في حُكم طواف القدوم على قولين:\nالقول الأول: أن طواف القدوم سُنة. وبه قال الحنفية والشافعية، وأحمد في رواية (^٢).\nوَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الدُّخُولِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى سُقُوطِهِ عَنِ الْمَكِّيِّ، وَاللَّهُ ﷿ قَدِ افْتَرَضَ الْحَجَّ عَلَى الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ إِذَا اسْتَطَاعَهُ. فَلَوْ كَانَ طَوَافُ الدُّخُولِ فَرْضًا، لَاسْتَوَى فِيهِ الْمَكِّيُّ وَغَيْرُهُ، كَمَا يَسْتَوُونَ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ (^٣).\nالقول الآخَر: أن طواف القدوم واجب. وبه قال المالكية، وأحمد في رواية (^٤).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة:\nأما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فالله أَمَر بالطواف، والأمر يقتضي الوجوب، فدل ذلك على وجوب طواف القدوم.\nونوقش بأن المراد بقوله تعالى: (وليطوفوا) طواف الإفاضة الذي هو ركن الحج.\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٣٤)، و«المجموع» (٨/ ١٢)، و«مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٢٧).\n(^٢) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٤٤٨)، و«المجموع» (٨/ ٢٥٩)، و«المغني» (٣/ ٤٧٦).\n(^٣) «الاستذكار» (١٢/ ١٩٤)، و«بدائع الصنائع» (٣/ ١١٩)، و«بداية المجتهد» (٢/ ١٠٩).\n(^٤) «المدونة» (١/ ٢٩٨)، و«الإنصاف» (٤/ ٥٦).\nونُقِل عن المالكية أنهم يقولون بركنية طواف القدوم، كما في «بدائع الصنائع» (٣/ ١٤٦).\nوهذا القول ضعيف، والمذهب الصحيح عند المالكية أنهم يقولون بالوجوب، واستدلوا لذلك بالقياس، فكما أن الصلاة تُفتتح بتكبيرة الإحرام وهي ركن، فكذا الحج يُفتتح بطواف القدوم فهو ركن.\nونوقش بأن الحج يُفتتح بالإحرام الذي هو ركن، بينما طواف القدوم بمنزلة دعاء الاستفتاح.","vol":"1","page":292},{"text":"وذلك لثلاثة أمور:\nالأول: أن إجماع المفسرين على أن المراد بهذا الطواف هو طواف الإفاضة (^١).\nالثاني: أن الله خاطب كل الحُجَّاج بهذا الطواف، وطواف القدوم لا يجب على أهل مكة والمعتمر، فعُلِم أن المراد بهذا طواف الإفاضة؛ فهو الذي يجب على الجميع.\nالثالث: أن سياق الآية يدل على أن المراد بهذا الطواف هو طواف الإفاضة؛ لأنه عطف الطواف على الذبح وقضاء التَّفَث وهو الحَلْق، فقال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وهذا لا يكون إلا في يوم النحر الذي يكون الطواف فيه هو طواف الإفاضة.\nوأما السُّنة، فاستدلوا بأن النبي ﷺ طاف للقدوم. قالت عائشة: «إنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ» (^٢).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ أَتَى الْبَيْتَ فَلْيُحَيِّهِ بِالطَّوَافِ» (^٣).\nفالرسول ﷺ أَمَر مَنْ أتى البيت بطواف القدوم، والأمر يقتضي الوجوب.\nونوقش بأنه لا يصح، ولو صح فقوله ﷺ: (فليُحَيِّه) يدل على الاستحباب.\nواستدلوا بأن السعي ركن، ولا يصح إلا بعد طواف القدوم، فكيف يكون مستحبًّا؟!\nوالراجح: أن طواف القدوم سُنة وتحية للبيت كتحية المسجد. دل على ذلك أنه يَسقط عن المعتمر والقارن وأهل مكة، ولو كان واجبًا ما سقط عن هؤلاء.\nأما مَنْ قال بالوجوب مستدلًّا بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فهذه الآية لا تدل على طواف القدوم، بل تدل على طواف الإفاضة إجماعًا.\n_________\n(^١) قال الطبري: وَعُنِيَ بِالطَّوَافِ الَّذِي أَمَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ حَاجَّ بَيْتِهِ الْعَتِيقِ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ- طَوَافُ الْإِفَاضَةِ الَّذِي يُطَافُ بِهِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، إِمَّا يَوْمَ النَّحْرِ وَإِمَّا بَعْدَهُ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. «تفسير الطبري» (١٦/ ٥٣١).\n(^٢) البخاري (١٦٤١)، ومسلم (٢٣٥).\n(^٣) «الهداية في شرح بداية المبتدي» (١/ ١٣٩).","vol":"1","page":293},{"text":"وأما الاستدلال بقول النبي ﷺ: «مَنْ أتى البيت، فليُحَيِّه بالطواف» فهذا الحديث لم أقف عليه في كتب السُّنة المعتمدة، ولو صح فلفظة (فليُحيِّه) تدل على الاستحباب.\n\n<span data-type='title' id=toc-385>المبحث الثاني: وقت طواف القدوم:</span>\nيَبدأ وقت طواف القدوم حين دخول الحاج مكة في أشهر الحج، فعن عائشة قالت: «إنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ».\nهل ينتهي طواف القدوم بالوقوف بعرفة؟\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالأول: أنه لا يُشْرَع طواف القدوم بعد الوقوف بعرفة؛ وذلك لفوات وقته. وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية وبعض الحنابلة (^١).\nالقول الآخَر: أنه يُشْرَع للمُفْرِد طواف القدوم بعد الوقوف بعرفة، إذا لم يَطُف للقدوم. وبه قال أحمد (^٢).\nوالراجح: هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، من أنه لا يطاف للقدوم بعد الوقوف بعرفة لفوات وقته؛ لأن عائشة لما حاضت ولم تَطُف حتى دخل عليها يوم عرفة- قَرنت الحج بالعمرة، ثم طافت بعد أن طهرت للإفاضة، ولم تَطُف للقدوم ولا أَمَرها النبي ﷺ به. ولو كان طواف القدوم واجبًا لأُمِرَتْ به، بل قال لها ﷺ: «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» فدل ذلك على سقوط طواف القدوم عمن وقف بعرفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-386>المبحث الثالث: هل يُسْقِط طواف القدوم طواف الإفاضة؟</span>\nذهب جماهير العلماء إلى أنه لا يُكتفى بطواف القدوم عن طواف الإفاضة، وقد استفاض عن النبي ﷺ من رواية جابر وابن عمر وغيرهما من الصحابة- أنه طاف بالبيت طواف الإفاضة يوم النحر.\nوفي مذهب مالك يُكتفى بطواف القدوم عن طواف الإفاضة (^٣).\n_________\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٤٤٨)، و«مواهب الجليل» (٤/ ١١٥)، و«مغني المحتاج» (٢/ ٢٤٢).\n(^٢) «المغني» (٥/ ٣١٥)، و«كشاف القناع» (٢/ ١٨٦)، و«الإنصاف» (٤/ ٤٣).\n(^٣) «التمهيد» (١٥/ ٢٢٠).","vol":"1","page":294},{"text":"واستَدل لذلك بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرَادَ الْحَجَّ فَقَالَ: أَصْنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ … حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ (^١). فظاهر الحديث أن ابن عمر لم يَطُف يوم النحر للإفاضة، واكتفى بطواف القدوم عنه.\nواعتُرض على هذا الاستدلال بما قاله القرطبي: وقوله: «وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ» يعني الطواف بين الصفا والمروة. وأما الطواف بالبيت فلا يصح أن يقال فيه: إنه اكتفى بطواف القدوم عن طواف الإفاضة؛ لأنه هو الركن الذي لا بد منه للمُفْرِد والقارِن … وقوله: «كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ» يعني أنه اكتَفى بالطواف بين الصفا والمروة حين طاف للقدوم، ولم يُعِدِ السعي (^٢).\nوقال ابن القيم: وَمُرَادُهُ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَضَى بِهِ حَجَّهُ وَعُمْرَتَهُ- الطَّوَافُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِلَا رَيْبٍ (^٣).\nوقد استفاضت الأحاديث عن النبي ﷺ من رواية ابن عمر وجابر وغيرهما من الصحابة- أنه طاف بالبيت يوم النحر طواف الإفاضة.\n\n<span data-type='title' id=toc-387>المبحث الرابع: مَنْ الذين يَسقط عنهم طواف القدوم؟</span>\nيَسقط طواف القدوم عن أربعة أصناف:\nالأول: الحائض والنفساء، إذا استمر دمهما إلى يوم عرفة.\nدليل ذلك: ما رواه مسلم: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، حَتَّى جِئْنَا سَرِفَ فَطَمِثْتُ … قَالَ: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ طَهَرْتُ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَضْتُ (^٤).\nوَجْه الدلالة: أن عائشة ﵂ لم تَطُف للقدوم؛ وذلك أنها حاضت قبل القدوم إلى\n_________\n(^١) البخاري (١٧٠٨)، ومسلم (١٢٣٠) واللفظ له.\n(^٢) «المُفْهِم» (٣/ ٣٥٧، ٣٥٨).\n(^٣) «زاد المعاد» (٢/ ١٣٢)، و«شرح العمدة» (١/ ٥٥٨).\n(^٤) مسلم (١٢١١).","vol":"1","page":295},{"text":"مكة، فأَمَرها النبي ﷺ أن تفعل ما يفعله الحاج إلا الطواف، ولم تَطهر إلا بعد يوم عرفة، فطافت للإفاضة.\nالثاني: المكي، يَسقط عنه طواف القدوم بالإجماع والقياس:\nأما الإجماع، فنَقَل ابن عبد البر إجماع العلماء على سقوط طواف القدوم عن المكي (^١).\nوأما القياس، فإن طواف القدوم شُرِع للقدوم، والمكي في بلده ولم يَقدم.\nالثالث: المُعتمِر والمُتمتِّع.\nدليل ذلك: أن طواف القدوم يَسقط في طواف العمرة. كمَنْ دَخَل المسجد وقد أُقيمت الصلاة، فإنه يَكتفِي بها عن تحية المسجد.\nالرابع: مَنْ قَصَد عرفة رأسًا للوقوف يَسقط عنه طواف القدوم.\nدليل ذلك: أن محل طواف القدوم المسنون قبل وقوف عرفة، وقد فات.\n\n<span data-type='title' id=toc-388>النوع الثاني: طواف الإفاضة،</span> وسيأتي تفصيله في أعمال يوم النحر.\n<span data-type='title' id=toc-389>النوع الثالث: طواف العمرة،</span> طواف العمرة ركن من أركانها.\n<span data-type='title' id=toc-390>النوع الرابع: طواف الوداع،</span> وسيأتي تفصيله في آخر الحج لتوديع البيت.\nالنوع الخامس: طواف التطوع: وفيه ثلاثة مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-392>المبحث الأول: فَضْل طواف التطوع:</span>\nعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَسُول اللَّهِ ﷺ: «مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ، كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ، لَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً».\nعَنِ عَطَاء يَسْأَلُهُ الْغُرَبَاءُ: الطَّوَافُ أَفْضَلُ لَنَا أَمِ الصَّلَاةُ؟ فَيَقُولُ: أَمَّا لَكُمْ فَالطَّوَافُ أَفْضَلُ، إِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى الطَّوَافِ بِأَرْضِكُمْ، وَأَنْتُمْ تَقْدِرُونَ هُنَاكَ عَلَى الصَّلَاةِ (^٢).\n_________\n(^١) «الاستذكار» (١٢/ ١٩٤).\nوقال ابن رُشد: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَكِّيَّ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ. «بداية المجتهد» (٢/ ١٠٩).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٩٢٤٠) عن ابن جُريج، به.","vol":"1","page":296},{"text":"<span data-type='title' id=toc-393>المبحث الثاني: وقت طواف التطوع:</span>\nالطواف جائز في جميع الأوقات، ولو كان ذلك في أوقات النهي، بالإجماع (^١).\nوقد قال النبي ﷺ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى- أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ».\n\n<span data-type='title' id=toc-394>المبحث الثالث: التطوع وإهداء ثوابه للغير:</span>\nنُقِل الإجماع على جواز إهداء العبادات المالية كالصدقة، عن الميت (^٢).\nواختلفوا في جواز إهداء ثواب الطواف إلى الميت على قولين:\nالأول: عدم جواز إهداء ثواب الطواف إلى الميت. وبه قال المالكية، وهو المشهور عند الشافعية (^٣).\nواستدلوا بأنه لم يَرِد عن رسول الله ﷺ أنه أهدى ثواب الطواف للميت، أو أَمَر به.\nالقول الآخَر: جواز إهداء ثواب الطواف للميت. وهو قول عند الحنفية، وقول للشافعية، وبه قال الحنابلة (^٤).\nواستدلوا بِأَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا» (^٥). وإذا كان ثواب الحج يصل إلى الميت، فكذا الطواف لأنه جزء منه.\nوالراجح: عدم جواز الطواف عن الميت؛ لأنه لم يَرِد عن رسول الله ﷺ. ويكفي الدعاء له أو يُعتمر أو يُحج عنه، كما ورد بذلك النص.\n_________\n(^١) قال النووي: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا جَائِزٌ. «المجموع» (٨/ ٥٧).\n(^٢) قال ابن تيمية: العبادات المالية يجوز إهداء ثوابها بلا نزاع. «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٠٦).\n(^٣) «المُنتقَى» (٢/ ٦٣)، و«شرح مسلم» (٨/ ٢٥).\n(^٤) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٦٤٢)، و«شرح مسلم» (٨/ ٢٥)، و«كشاف القناع» (٢/ ١٤٧).\n(^٥) البخاري (١٨٥٢).","vol":"1","page":297},{"text":"الحاصل في أنواع الطواف\nأنواع الطواف خمسة:\nالأول: طواف القدوم: يُستحب للقارن والمُفْرِد ولمن دخل المسجد الحرام؛ تحيةً للبيت.\nالثاني: طواف الإفاضة: وهو ركن من أركان الحج، يأتي به الحاج يوم النحر، بعد رمي جمرة العقبة والحَلْق.\nالثالث: طواف الوداع: وهو واجب عند توديع البيت، ومغادرة مكة، ورجوعه بعد فراغه من أعمال الحج. فإن لم يأتِ به الحاج، وجب عليه أن يَجبره بدم، ويَسقط عن الحائض والنُّفَسَاء.\nفالطواف في الحج ثلاثة أنواع: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع (^١).\nالرابع: طواف العمرة: وهو ركن من أركان العمرة، يأتي به المعتمر، ويغني عن طواف القدوم.\nالخامس: طواف التطوع: وهو مسنون، وهو من أفضل العبادات لمن دخل مكة. ويُشْرَع في كل وقت، فمتى رغب المسلم في الاستزادة من الخير، طاف حول البيت.\n•١•\n_________\n(^١) قال ابن رُشد: فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: طَوَافُ الْقُدُومِ عَلَى مَكَّةَ، وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَطَوَافُ الْوَدَاعِ. «بداية المجتهد» (٢/ ١٠٩).","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-395>الفصل الثاني\nشروط الطواف\nتنقسم شروط الطواف إلى قسمين:</span>\nالقسم الأول: يتعلق بالطائف:\nالشرط الأول: الإسلام.\nالشرط الثاني: العقل.\nالشرط الثالث: النية.\nالشرط الرابع: رَفْع الحَدَث.\nالشرط الخامس: إزالة الخَبَث.\nالشرط السادس: سَتْر العورة.\nالقسم الثاني- يتعلق بالبيت (الكعبة):\nالشرط الأول: كَوْن الطواف داخل المسجد.\nالشرط الثاني: الابتداء من الحَجَر الأسود.\nالشرط الثالث: جَعْل البيت عن يساره.\nالشرط الرابع: كَوْن الطواف بجميع البيت.\nالشرط الخامس: كَوْن الطواف سبعة أشواط.\nالشرط السادس: الموالاة بين أشواط الطواف.","vol":"1","page":299},{"text":"القسم الأول: قسم يتعلق بالطائف:\n\n<span data-type='title' id=toc-397>الشرط الأول: الإسلام:</span>\nفلا يصح الطواف من الكافر؛ لأن الكافر لا يَقبل الله منه عملًا حتى يَدخل في الإسلام؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] بل إن الكافر ممنوع من دخول الحرم، فكيف يصح طوافه؟! قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-398>الشرط الثاني: العقل:</span> وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: طواف المجنون:\nلا يصح طواف المجنون؛ لأنه رُفِعَ القلم عن المجنون حتى يَعقل، والأعمال بالنيات، فالمجنون لا نية له ولا قَصْد له، فكيف يصح طوافه؟!\nالمبحث الثاني: طواف الصبي:\nيصح طواف الصبي المُميِّز وغير المُميِّز؛ لِما رواه مسلم: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» (^١). وإذا كان يصح حج الصبي، فيصح طوافه.\n\n<span data-type='title' id=toc-399>الشرط الثالث: النية:</span>\nأَجْمَع العلماء على أن النية شرط في صحة الطواف المطلق (^٢).\nواختَلفوا في اشتراط تعيين نية الطواف في الحج والعمرة على قولين:\nالأول: أن تعيين النية ليس بشرط. وبه قال الحنفية والشافعية (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٣٦).\n(^٢) قال النووي: إِنْ كَانَ الطَّوَافُ فِي غَيْرِ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ، لَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، بِلَا خِلَافٍ. «المجموع» (٨/ ١٦).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٢٨).","vol":"1","page":300},{"text":"واستدلوا بالسُّنة والقياس.\nفَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَحْلِلْ» (^١).\nوَجْه الدلالة: أن الصحابة قَدِموا من المدينة في حجة الوداع، وهم لا ينوون إلا الحج، فلما فَرَغوا من طواف القدوم والسعي، أَمَرهم النبي ﷺ بالحَلْق والتحلل وجَعْلها عمرة، ولم يأمرهم النبي ﷺ بإعادة الطواف، مع أن طواف القدوم سُنة وطواف العمرة ركن، فلو كانت النية تُشترط لَمَا صح هذا الطواف.\nوأما القياس، فكما أن الصلاة لا يُشترَط لها أكثر من نية واحدة عند تكبيرة الإحرام، ولا تُشترَط النية للأركان كالركوع والسجود، فكذا الحج، لا يُشترَط له أكثر من نية في بَدْء الإحرام: (لبيك حجًّا) ولا يُشترَط نية للطواف ونية لعرفة، بل تَكفي نية واحدة عند الإحرام. وكما أن مَنْ وقف بعرفة بغير نية أو ناسيًا، أجزأه، فكذا طواف الإفاضة.\nالقول الآخَر: أن تعيين النية في الطواف شرط؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فلو طاف بعد دخول وقت طواف الإفاضة بنية الوداع، لم يجزئ عن طواف الإفاضة. وبه قال بعض المالكية، وهو وَجْه عند الشافعية والحنابلة (^٢).\nوالراجح: لا يُشترَط تعيين النية، ولكن يُستحَب؛ وذلك لأن الحج لا يَقتصر على الطواف، وتكون النية في الحج عند الإحرام؛ للأدلة التي ذُكِرَتْ.\nوبعض الحُجاج لا يُفَرِّقون بين طواف القدوم والإفاضة والوداع، فهم يطوفون مع الناس. وطوافهم صحيح، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ والله أعلم.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٢١٣).\n(^٢) «المجموع» (٨/ ١٤)، و«المغني» (٣/ ٤٤١)، و«الإنصاف» (٤/ ٩).","vol":"1","page":301},{"text":"<span data-type='title' id=toc-400>الشرط الرابع: الطهارة من الحَدَث:</span> وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: تُشترط الطهارة من الحَدَث لصحة الطواف:\nاختَلف العلماء في اشتراط ذلك على ثلاثة أقوال:\nالأول: أن الطهارة من الحَدَث شرط لصحة الطواف، فمَن طاف مُحْدِثًا لم يصح طوافه؛ لأن الطواف كالصلاة. وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بما يلي:\nالدليل الأول: أن عائشة لما حاضت وهي مُحْرِمة، قال لها النبي ﷺ: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». وفي رواية لمسلم: «حَتَّى تَغْتَسِلِي».\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ رَخَّص لعائشة أن تَفعل وهي حائض جميع ما يفعله الحاج، ولم يَمنعها إلا من الطواف، وجَعَل ذلك مُقيَّدًا باغتسالها وتَطهُّرها، ورَتَّب انتفاء الطواف على انتفاء الطهارة بقوله: «غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» فهذا دليل على أن الطهارة شَرْط لصحة الطواف (^٢).\nالدليل الثاني: أَنَّ صَفِيَّةَ حَاضَتْ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَا رَسُولَ اللهِ، وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَلْتَنْفِرْ» (^٣).\nفقول النبي ﷺ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» أي أن النبي ﷺ والصحابة يُحبَسون ويَمكثون بمكة حتى تطهر صفية وتطوف، فدل ذلك على اشتراط الطهارة من الحَدَث لصحة الطواف.\nالدليل الثالث: ما روى البخاري: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «إَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً …» (^٤).\nونوقش بأن وضوء النبي ﷺ في هذا الحديث فِعل مطلق، وهو لا يدل على الوجوب،\n_________\n(^١) «المُدوَّنة» (١/ ٣٥١)، و«المجموع» (٨/ ١٧)، و«المغني» (٥/ ٢٢٢) و«الإنصاف» (٤/ ١٦).\n(^٢) قال النووي: وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ نَهَاهَا عَنِ الطَّوَافِ حَتَّى تَغْتَسِلَ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ فِي الْعِبَادَاتِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا نَهَاهَا لِأَنَّ الحَائِضَ لَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ.\nقُلْنَا: هَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: «حَتَّى تَغْتَسِلِي» وَلَمْ يَقُلْ: حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُكِ. «المجموع» (٨/ ١٨).\n(^٣) البخاري (٤٤٠١)، ومسلم (٣٨٢ - ١٢١١).\n(^٤) البخاري (١٦١٤)، ومسلم (١٢٣٥).","vol":"1","page":302},{"text":"فضلًا عن كونه شرطًا في الطواف.\nوأجيب عنه: بأن طوافه ﷺ على طهارة جاء بيانًا وتفصيلًا لمُجْمَل قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا كَانَ لِبَيَانِ نَصٍّ مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَهُوَ عَلَى اللُّزُومِ وَالتَّحَتُّمِ؛ وَلِذَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ; لِأَنَّ قَطْعَ النَّبِيِّ ﷺ لِلسَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ بَيَانٌ وَتَفْصِيلٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] (^١).\nالدليل الرابع: أن الطواف كالصلاة، وإذا كان يُشترَط للصلاة الطهارة من الحدثين، فكذا الطواف. دل على ذلك ما رُوي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّا بِخَيْرٍ» (^٢).\nالقول الثاني: أن الطهارة من الحَدَث في الطواف واجبة، وليست شرطًا لصحته، فمَن طاف مُحْدِثًا أعاد ما دام في مكة، فإِنْ تَعَذَّرَتْ عليه الإعادة لبُعده جَبَره بدم. وهو مذهب الحنفية وبعض المالكية، ورواية عن أحمد (^٣).\n_________\n(^١) «المجموع» (٨/ ١٨).\n(^٢) مدار الحديث على طاوس عن ابن عباس، واختُلف في وقفه ورفعه: ويرويه عن طاوس جماعة:\nالأول: عطاء بن السائب، فرواه جَرير بن عبد الحميد عند الترمذي (٣/ ٩٣)، والثوري وابن عُيينة، عند الحاكم (١/ ٤٥٩)، والفُضيل بن عِياض عند الدارمي (١٨٤٧) فرووه عن عطاء به، مرفوعًا.\nوخالفهم ابن فُضَيْل، فرواه عن عطاء موقوفًا. أخرجه ابن أبي شيبة (١٢٨٠٦).\nولا شك أن رواية الجماعة أَوْلى بالرفع عن عطاء.\nالثاني: ورواه ليث بن أبي سُليم، عن طاوس مرفوعًا، عند الطبراني (١١/ ٤٣)، وليث ضعيف.\nالثالث والرابع: رواه ابن طاوس وابن مَيْسَرة، عند عبد الرزاق (٩٧٨٩، ٩٧٩٠)، به موقوفًا.\nوإذا كان ورد مرفوعًا عن عبد الله بن طاوس عند الطبراني (١١/ ٣٤٠، ٣٤١)، فقد قال الحافظ في «التلخيص» (١/ ٢٢٦): رَفَعه محمد بن عبد الله بن عُبيد بن عُمير، وهو ضعيف.\nالخامس: رواه الحسن بن مسلم عن طاوس، موقوفًا عند النَّسَائي (٢٩٢٢).\nفالحاصل: رواه عبد الله بن طاوس، والحسن بن مسلم، وإبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، على الوقف، وخالفهم عطاء بن السائب فرفعه، والموقوف أصح.\nورَجَّح الموقوف النَّسَائي والترمذي والبيهقي والنووي وغيرهم، كما في «التلخيص» (١/ ٢٢٥).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٤/ ٦٩)، و«مواهب الجليل» (٣/ ٦٨)، و«المغني» (٥/ ٢١٣).","vol":"1","page":303},{"text":"واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].\nوَجْه الدلالة: أن الله أَمَر بالطواف، وهو اسم للدوران حَوْل البيت، وذلك يَتحقق مِنْ المُحْدِث والطاهر، وأن الركن لا يَثبت بخبر الواحد (^١).\nونوقش هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: أن الآية عامة، فيجب تخصيصها بما ذُكِر من الأدلة.\nالثاني: أن قولهم: (إن الركن لا يَثبت بخبر الواحد) قول باطل؛ لأن النصوص تدل على اتباع النبي ﷺ من غير تقييد بخبر الواحد، ومِثل هذا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فخَصُّوا التوارث بقوله ﷺ: «لا يرث الكافر المسلم …».\nالقول الثالث: أن الطهارة من الحَدَث الأصغر في الطواف سُنة، إلا الحيض، فمَن طاف غير متطهر من الحَدَث الأصغر، فطوافه صحيح. وهو قول أحمد في رواية، واختاره ابن تيمية وابن القيم وابن حزم (^٢).\nقال ابن القيم: لم يَنقل أحد عن النبي ﷺ أنه أَمَر المسلمين بالطهارة في حجته، مع كثرة مَنْ حج معه، ويَمتنع أن يكون ذلك واجبًا، وتأخير البيان عن وقته ممتنع (^٣).\nواستدلوا بما روى سعيد بن الحُوَيْرِث، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأْ؟ قَالَ: «مَا أَرَدْتُ صَلَاةً، فَأَتَوَضَّأَ».\nأما دليلهم من المأثور، فَعَنْ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْتُ حَمَّادًا وَمَنْصُورًا وَسُلَيْمَانَ عَنِ الرَّجُلِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا (^٤).\nالراجح: أنه تُشترَط الطهارة من الحَدَث الأكبر والأصغر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، فإذا\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ٣٨).\n(^٢) «الإنصاف» (١/ ٢١٧)، و«مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٧٣)، و«المُحَلَّى» (٥/ ١٨٩).\n(^٣) «تهذيب السُّنن» (١/ ٥٢، ٥٣). وقال ابن تيمية: فَلَوْ كَانَ الْوُضُوءُ فَرْضًا لِلطَّوَافِ، لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيَانًا عَامًّا، وَلَوْ بَيَّنَهُ لَنَقَلَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُ وَلَمْ يُهْمِلُوهُ. «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٧٣).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٥٦٢) عن غُنْدَر عن شُعبة، به.","vol":"1","page":304},{"text":"وجب تطهير مكان الطائف، فتطهير بدن الطائف من الحدثين الأصغر والأكبر أَوْلى.\nولأن عائشة لما حاضت، قال لها النبي ﷺ: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» فالحائض تُمنع من الطواف لوجود الحَدَث.\nوكذا وَرَد أن صفية بنت حُيَيٍّ زَوْج النبي ﷺ حاضت في حَجَّة الوداعِ، فقال النبي ﷺ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» أي أن النبي ﷺ والصحابة يُحبَسون ويَمكثون بمكة حتى تَطهر صفية وتطوف، فدل ذلك على اشتراط الطهارة من الحَدَث لصحة الطواف.\nوعن عائشة قالت: «إنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ» فطواف النبي ﷺ على طهارة جاء بيانًا وتفصيلًا لمُجْمَل قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وفِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا كَانَ لِبَيَانِ نَصٍّ مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَهُوَ عَلَى اللُّزُومِ.\nفدل مجموع هذه الأدلة على وجوب الطهارة من الحدثين لصحة الطواف.\nالمطلب الثاني: طواف الحائض عند تعذر بقائها، وامتناع رجوعها لمكة:\nأَجْمَع العلماء على تحريم الطواف على الحائض (^١).\nواختَلفوا فيما إذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة، وامتَنع رفقتها من انتظارها؛ فهل يَجوز لها أن تطوف للإفاضة وهي حائض؟ على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الحائض ليس لها أن تطوف حتى تطهر؛ إذ إن الطهارة شرط لصحة الطواف. وهو مذهب المالكية والشافعية، وهو الصحيح عند الحنابلة.\nالثاني: أن الحائض لها أن تطوف بعد أن تتحفظ من الدم؛ لأن الطهارة واجبة في الطواف، وعليها أن تَفدي. وهو مذهب الحنفية وبعض المالكية، ورواية عن أحمد.\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر: الحائض لا تطوف بالبيت، وهو أَمْر مُجْمَع عليه، لا أعلم فيه خلافًا. «التمهيد» (١٧/ ٢٦٦).\nوقد نَقَل الإجماع على ذلك: النووي في «المجموع» (٢/ ٣٥٦)، وابن حزم في «المُحَلَّى» (١/ ٣٨٠)، وابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٦٩) وغيرهم كثير.","vol":"1","page":305},{"text":"الثالث: أنه يَجوز للحائض أن تطوف في هذه الحال، ولا دم عليها، بعد أن تتحفظ من الدم. وهو قول أحمد في رواية، واختاره ابن تيمية وابن القيم.\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وأن طوافها مع التحفظ هو مدى استطاعتها. وإذا قلنا: إن الطهارة شرط للطواف فهي بمنزلة شروط الصلاة، فشروط الصلاة تَسقط بالعجز، فشروط الطواف من باب أَوْلَى.\nونوقش بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الحيض ليس بمرض ولا عجز، بل شيء كَتَبه الله على بنات آدم.\nوكل هذه العمومات لا تُجدي مع وجود نصوص خاصة، فقد ورد أن صفية بنت حُيَيٍّ زَوْج النبي ﷺ حاضت في حَجَّة الوداع، فقال النبي ﷺ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟».\nوأيما أصعب: أن النبي ﷺ وأصحابه يُحبَسون ويمكثون بمكة حتى تَطهر صفية وتطوف؟ أو أن يقال للحائض: أقيمي بمكة مع المَحْرَم، وإن ذهب قومكِ حتى تطوفي وتَطهري؟ وهل هناك ضرورة الآن أشد من ذلك؟! فدل ذلك على اشتراط الطهارة من الحَدَث لصحة الطواف.\nالمطلب الثالث: استعمال دواء يَمنع نزول الدم أو يرفعه:\nهذا لا يخلو من حالتين:\nالأولى: أن تَستعمل المرأة أدوية لمنع الحيض في الحج؛ لإتمام النسك.\nفهذا الدواء يَمنع نزول الدم قبل نزوله؛ ولذا تكون المرأة في حال طهر مستمر، ولا يقال: إنها في حكم الحائض؛ فالأصل بقاء ما كانت عليه من الطهر، فينبغي للمرأة التي تَشُك أو تَخشى من نزول الدورة في أثناء فترة الحج- أن تحتاط بأخذ ما يَمنع الدورة قبل نزولها، فيَجوز أن تَستعمل المرأة أدوية لمنع الحيض في الحج لإتمام النسك إذا قَرَّر","vol":"1","page":306},{"text":"الدكاترة من أهل الخبرة الأمناء أن ذلك لا يضرها، ولا يؤثر في جهاز حملها (^١).\nالحالة الثانية: أن يَنزل الدم، ثم تأخذ علاجًا؛ ليرفعه ويوقفه لفترة محدودة، ثم يعود مرة أخرى بعد زوال أثر الدواء.\nفهذه الحالة لا تخلو من قسمين:\nالأول: إن عَلِمَتْ أن الدواء يَقطع الدم ليوم أو يومين، فستُعتبَر حائضًا في هذه الحال، ولا يُعتبَر ارتفاع الدم في هذه الحال طهرًا.\nقال ابن فَرْحُون: وما يفعله النساء من الأدوية لقطع الدم وحصول الطهر، إن عَلِمَتْ أنه يَقطع الدم ليوم ونحوه، فلا يَجوز لها ذلك إجماعًا (^٢).\nالقسم الثاني: أما إذا أَخَذَتِ الدواء بعد نزول الدم ليرفعه، فإنها تنظر في توقف الدم: إن كان طهرًا كاملًا بعلاماته الواضحة، فهو طهر، يَجوز لها أن تطوف فيه. أما إذا لم يكن طهرًا صحيحًا بعلاماته، فلا يَجوز لها أن تطوف فيه؛ لأن أيام انقطاع الحيض في وسط أيام الحيض تُعتبَر حيضًا، ولا يَلزم استيعاب الدم مدة الحيض، فالحيض يُعتبَر بأوله وآخِره.\nفالحاصل: أنه ينبغي للمرأة التي تَشُك أو تَخشى من نزول الدورة في أثناء فترة الحج- أن تحتاط بأخذ ما يَمنع الدورة قبل نزولها، ولا تؤجل ذلك حتى تَنزل الدورة؛ فتَدخل في اعتبارات دقيقة، وقد لا تَعرفها فتطوف وهي حائض ظنًّا منها أنها طاهرة، والله أعلم (^٣).\nالمطلب الرابع: طواف المستحاضة ونحوها:\nتطوف المستحاضة ومَن به سلس البول ونحوهما، بالبيت، ولا شيء عليهما.\n_________\n(^١) «فقه النوازل» (ص: ٣٠٨).\n(^٢) «إرشاد السالك إلى أفعال المناسك» (١/ ١٤٧).\n(^٣) «النوازل في الحج» (ص: ٣٢٦).","vol":"1","page":307},{"text":"قال ابن تيمية: الْمُسْتَحَاضَةَ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ يَطُوفُ وَيُصَلِّي، بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ (^١).\nوقال ابن القيم: والمستحاضة يَجوز لها الطواف إذا تَلَجَّمَتْ، اتفاقًا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-401>الشرط الخامس: إزالة الخَبَث:</span>\nبعض المرضى يَحمل قسطرة البول، فهل يَجوز لمثل هؤلاء الطواف أم لا؟\nحَمْل النجاسة أثناء الطواف لا يخلو من ثلاث حالات:\nالأولى: مَنْ حَمَل النجاسة عالمًا بها، غير قادر على إزالتها لعذر، كمَن يَحمل قسطرة البول لمرض فيه، أو أصابه سلس بول، أو المستحاضة.\nومَن هذا حاله فقد جَمَع بين أمرين، وهما الحَدَث المستمر، وحَمْل النجاسة. وقد أَجْمَع أهل العلم على عذرهم، وأن صلاتهم وطوافهم صحيحان.\nالحالة الثانية: مَنْ طاف حاملًا للنجاسة، كمَن في إحرامه نجاسة وهو لا يدري، فهذا لا يعيد الطواف؛ لأن النبي ﷺ صلى جزءًا من صلاته وفي نعليه أذى، ولم يُعِدِ الصلاة.\nالثالثة: مَنْ طاف حاملًا للنجاسة عالمًا بها، فلا يصح طوافه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-402>الشرط السادس: سَتْر العورة:</span>\nوالمراد بسَتر العورة: سَتْر عورة كل من الذَّكَر والأنثى، سَترًا تصح به صلاة كل منهما.\nوقد اختَلف أهل العلم في اشتراط سَتر العورة في الطواف، على قولين:\nالأول: أن سَتر العورة شرط لصحة الطواف، فلو طاف كاشفًا لعورته فطوافه باطل.\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٣٤).\n(^٢) «إعلام المُوقِّعين» (٣/ ٢١). وقد وقع خلاف في المستحاضة، فقد وردت رواية عن أحمد في المستحاضة: لا تطوف بالبيت، إلا أن تَطول بها الاستحاضة، وقد رُوي عن ابن عمر ما يُشْعِر بمنع المستحاضة من الطواف. «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٨٠).\n(^٣) يُنظر «فتاوى اللجنة الدائمة» (٥/ ٤٠٨)، و«الشرح الممتع» (١/ ٢٨٠).","vol":"1","page":308},{"text":"وبه قال المالكية والشافعية، وأحمد في رواية (^١).\nواستدلوا بما روى مسلم: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ، فَتَقُولُ: مَنْ يُعِيرُنِي تِطْوَافًا؟ تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا، وَتَقُولُ:\nالْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ\nفَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] (^٢).\nوفي «الصحيحين»: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فِي رَهْطٍ، يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» (^٣).\nالقول الآخَر: أن سَتْر العورة واجب من واجبات الطواف، فمَن طاف غير ساتر لعورته فعليه دم. وبه قال أبو حنيفة، وهو رواية عند الحنابلة (^٤).\nواستدلوا بأن الله أَمَر بالطواف حول البيت، ولم يُقيِّد ذلك بسَتْر العورة، بقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].\nواعتُرض عليه بأن النبي ﷺ هو المُبَيِّن للطواف، وقال: «وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» فدل ذلك على اشتراط ستر العورة للطواف.\nوالراجح: ما ذهب جمهور العلماء من اشتراط ستر العورة في الطواف؛ لأن النبي ﷺ نَهَى عن الطواف عُريانًا فقال: «وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ».\n_________\n(^١) «مواهب الجليل» (٤/ ٣٨)، و«المجموع» (٨/ ١٦)، و«المغني» (٣/ ٢٢٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٣٢٠).\n(^٣) البخاري (١٦٢٢)، ومسلم (١٣٤٧) واللفظ له.\n(^٤) «المبسوط» (٤/ ٣٨)، و«المغني» (٥/ ٢٢٣).","vol":"1","page":309},{"text":"القسم الثاني: قسم يتعلق بالبيت (الكعبة)\n\n<span data-type='title' id=toc-404>الشرط الأول: كَوْن الطواف داخل المسجد:</span> وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: لا يصح الطواف خارج المسجد الحرام، ولا في ساحات الحرم الخارجية، بالاتفاق (^١).\nالمطلب الثاني: حُكْم الطواف في الأروقة مع وجود الحوائل، كالسواري ونحوها، في المسجد الحرام. وهل يَجوز التباعد في الطواف ما دام في المسجد؟\nنَقَل النووي الإجماع على أنه يجوز التباعد في الطواف ما دام في المسجد (^٢).\nوهذا الإجماع منخرم؛ فقد اختَلف العلماء في هذه المسألة على قولين:\nالأول: يَجوز التباعد في الطواف ما دام في المسجد، ولا يضر وجود الحوائل كالسواري ونحوها. وهذا مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فقد أَمَر الله بالطواف، ولم يأمر بالدنو منه، فمَن طاف من داخل المسجد في أروقة المسجد، فهو طائف.\nواستدلوا لذلك بما ورد عن أُم سَلَمَة قالت: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، قَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» فدل ذلك على أن أُم سَلَمَة لم تَدْنُ من البيت، بل كان بينها وبين الناس مصلون، فهي تطوف من وراء الناس. فدل ذلك على صحة الطواف في أروقة المسجد داخل المسجد وإن تباعد عن البيت، ما دام في المسجد.\nالقول الآخَر: أنه يجب الدنو من البيت، فلو طاف من وراء السواري فعليه الإعادة ما دام بمكة. وهو مذهب المالكية (^٤).\n_________\n(^١) قال ابن المنذر: وأَجْمَعُوا على أن الطواف لا يُجْزئه من خارج المسجد. «الإجماع» (ص: ٦٩).\n(^٢) قال النووي: يَجُوزُ التَّبَاعُدُ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ، بِالإِجْمَاعِ. «المجموع» (٨/ ٣٩).\n(^٣) «المبسوط» (٤/ ٤٩)، و«الأُم» (٢/ ١٧٧)، و«المغني» (٥/ ٢٢٠).\n(^٤) «المُدوَّنة» (١/ ٣١٨)، و«مواهب الجليل» (٣/ ٨٠)، و«حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٣).","vol":"1","page":310},{"text":"والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من صحة الطواف داخل المسجد، وإن تباعد عن البيت. وقد يُستحب التباعد عن الكعبة عند وجود الزحام بالقرب وبالدنو من الكعبة. أما إن كان القرب والدنو ليس فيهما زحام فيُستحب له القرب من الكعبة، واتَّفق العلماء على أن المسجد الحرام وغيره من المساجد إذا وُسِّع، دخلت التوسعة في حكمه.\nالمطلب الثالث: الطواف على سطح المسجد:\nاختَلف العلماء في جواز الطواف على سطح المسجد على ثلاثة أقوال:\nالأول: يجوز الطواف على سطح المسجد. وبه قال الحنفية، والشافعية في المشهور، وأحمد في رواية (^١).\nواستدلوا بما ورد عن ابن عباس ﵄ قال: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ» فيقال بجواز الطواف والسعي في السطح، وذلك لشبهه بالطواف والسعي راكبًا؛ إذ الكل غير مباشر للأرض في طوافه ولا سعيه.\nواستدلوا بالقياس، فكما أن مَنْ كان يَسكن فوق جبل مرتفع عن البيت، يَجوز أن يصلي إلى الكعبة، فكذا يَجوز الطواف في الدور الثاني على سطح المسجد الحرام (^٢).\nوأما المعقول، فإن حقيقة الكعبة هي البناء، وما فوقه من الهواء، ولو انهدم البيت- والعياذ بالله- لصحت الصلاة إلى البقعة، فكذا يصح الطواف على سطح المسجد.\n_________\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٥٢٩)، و«المجموع» (٨/ ٤٣)، و«الإنصاف» (٤/ ١٥).\n(^٢) قال النووي: لَوْ طَافَ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ، صَحَّ، وَإِنِ ارْتَفَعَ عَنْ مُحَاذَاةِ الْكَعْبَةِ. قَالَ: كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ مَعَ ارْتِفَاعِهِ عَلَى الْكَعْبَةِ. «المجموع» (٨/ ٣٩).\nوفي «رد المحتار» (١/ ٤٣٢): لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقِبْلَةِ الْكَعْبَةُ الَّتِي هِيَ الْبِنَاءُ الْمُرْتَفِعُ عَلَى الْأَرْضِ؛ فَهِيَ مِنَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ إِلَى الْعَرْشِ. فَلَوْ صَلَّى فِي الْجِبَالِ الْعَالِيَةِ وَالْآبَارِ الْعَمِيقَةِ السَّافِلَةِ، جَازَ.\nوفي «أبحاث هيئة كبار العلماء» (١/ ٣٠): وقد يُسترشَد فيه بالقرآن وأقوال الفقهاء، قال الله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة].\nفي هذه الآية خطاب من الله للناس في كل مكان، أن يُوَلُّوا وجوههم قِبل المسجد الحرام، سواء منهم مَنْ كان بأرض منخفضة عن المسجد الحرام، فيكون مُستقبِلًا في صلاته لتُخوم أرضه، ومَن كان منهم بمكان مرتفع عن سطح الكعبة، فيكون مُستقبِلًا لِما فوق الكعبة من الهواء.\nفدل ذلك على أن حُكم ما تحت البيت الحرام من تخوم الأرض وما فوقه من الهواء، في استقبال القبلة في الصلاة- حُكْم استقبال البيت نفسه.","vol":"1","page":311},{"text":"القول الثاني: لا يجوز الطواف على سطح المسجد إذا كان ارتفاعه أعلى من ارتفاع الكعبة. وهو اختيار بعض الشافعية (^١).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فأَمَر الله بالطواف بالبيت، فمَن طاف مرتفعًا على بناء البيت لم يكن طائفًا به.\nونوقش هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: ما قاله الرافعي، بأنه لو صح قوله لزم منه أن يقال: لو انهدمت الكعبة- والعياذ بالله- لم يصح الطواف حول عَرْصَتها (^٢).\nالثاني: أن البيت يطلق على الكعبة باعتبار البقعة، بقطع النظر عن البناء. وكما أنه يطاف بالبيت، فكذا يصلى إليه وإن كان على جبل أعلى من الكعبة آلاف الأمتار.\nواستدلوا بأن الأمكنة المحددة شرعًا لنوع من أنواع العبادات- ليست محلًّا للقياس؛ لأن المناسك مرهونة بأمكنتها وأزمنتها، ومعلوم أن النبي ﷺ قد بَيَّن الأمكنة التي أنيط بها النسك. فالساعي في المسعى الأعلى الجديد لا يَصدق عليه أنه ساعٍ بين الصفا والمروة، وإنما هو ساعٍ فوقهما.\nونوقش بأن هذه القاعدة ليست على إطلاقها، فالطواف والسعي من الأدوار العليا ليس تحكمًا في مكان النسك ولا تغييرًا له، بل الأحكام الشرعية تُؤكِّد أن الهواء تابع للقرار فيأخذ أحكامه؛ فقد اتَّفَق العلماء على جواز استقبال ما فوق الكعبة من هواء في الصلاة؛ كاستقبال بنائها، فكذا جواز الطواف والمسعى العلوي.\nالقول الثالث: لا يَجوز الطواف إلا في المسجد القديم في عهد رسول الله ﷺ، وليس المسجد بعد توسعته. وهو قول المالكية (^٣).\nواستدلوا بأن الطواف على سطح المسجد طوافٌ خارج المسجد، والطواف خارج\n_________\n(^١) «الحاوي» (٤/ ١٤٩)، و«المجموع» (٨/ ٣٩).\n(^٢) «المجموع» (٨/ ٣٩).\n(^٣) «الذخيرة» (٣/ ٢٤١)، و«التاج والإكليل» (٣/ ٧٥).\nقال الدردير: الْمُرَادُ بِالسَّقَائِفِ: مَا كَانَ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا مَا زَادَ عَلَيْهَا مِمَّا هُوَ مَوْجُودٌ الْآنَ، فَلَا يَجُوزُ الطَّوَافُ فِيهِ لِزَحْمَةٍ وَلَا غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ فِيهَا خَارِجٌ عَنِ الْمَسْجِدِ. «الشرح الكبير» (٢/ ٣٣).","vol":"1","page":312},{"text":"المسجد لا يجوز بالاتفاق.\nواعتُرض عليه بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الطواف على سطح المسجد طوافٌ داخل المسجد؛ إذ لا يوجد حاجز في السطح بين الطائف والكعبة، أما خارج المسجد فتوجد حواجز تَحُول بين الطائف والبيت.\nوالراجح: جواز الطواف على سطح المسجد؛ لأن الهواء تابع للقرار. واتَّفق عامة أهل العلم على أن السعي من على السطح له حُكم الطواف.\nتوسيع المطاف سفلًا (القبو):\nقال ابن عابدين: القِبْلَةُ مِنَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ إلَى الْعَرْشِ، فَلَوْ صَلَّى فِي الْجِبَالِ الْعَالِيَةِ وَالْآبَارِ الْعَمِيقَةِ السَّافِلَةِ، جَازَ كَمَا جَازَ عَلَى سَطْحِهَا وَفِي جَوْفِهَا (^١).\nالمطلب الرابع: المرور بالمسعى حال الطواف:\nتمهيد: تَتبُّع تاريخي للتوسعة الحديثة للمسعى.\nظل المسعى على حاله، لم يَطرأ عليه أي تغيير حتى عام (١٣٧٥) حيث حصلت توسعة للمسعى في عهد الملك فيصل، ونُزِعَتْ فيها مِلكية البيوت والأسواق التي بين المسعى والحرم، وبذلك التصق بناء المسعى من جهة المسجد، وصار كالبناء الواحد.\nثم توسعة الملك خالد، حدثت إصلاحات خلف المسعى.\nثم توسعة الملك فهد، عام (١٤١٤ هجرية) تم تهيئة الساحة الشرقية الواقعة خلف المسعى للصلاة، وحُوطت بالسياج والأبواب، واتَّخَذها الناس مُصَلًّى (^٢).\nحُكم المرور بالمسعى حال الطواف:\nاتَّفق عامة أهل العلم على أن المسعى قبل دخوله في مبنى المسجد الحرام- كان خارج الحرم، وله أحكامه الخاصة (^٣).\nواختَلف العلماء في المسعى بعد دخوله في مبنى المسجد الحرام، فهل يَدخل المسعى\n_________\n(^١) «رد المحتار» (١/ ٤٣٢).\n(^٢) «حلول الزحام في المناسك» (ص: ١٤٣).\n(^٣) «المبسوط» (٢/ ٥١)، و«الذخيرة» (٣/ ٢٥٢)، و«المجموع» (٨/ ٨٣).","vol":"1","page":313},{"text":"في حكم المسجد الحرام، أو أن المسعى مستقل بأحكامه كما كان؟ على قولين:\nالأول: أن المسعى بعد دخوله في مبنى المسجد الحرام، وأصبح ضمن جدرانه- لا يأخذ أحكام المسجد الحرام؛ لأنه مَشْعَر مستقل بأحكامه الخاصة. وهو قول المَجْمَع الفقهي وابن باز وابن عثيمين (^١).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة والمعقول:\nأما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨].\nوَجْه الدلالة: أن هذه الآية أثبتت أن الصفا والمروة مَشْعَران مستقلان عن غيرهما، ولهما أحكامهما الخاصة، ولهما عبادة خاصة، ولا يَلزم ملاصقتهما لمَشْعَر آخَر أن يأخذا أحكامه، فالمسعى لا يَزال محلًّا للنسك المشروع فيه، ولم يَحدث فيه إلا البناء، والبناء لا يُغيِّر حكمًا شرعيًّا ثابتًا للبقعة؛ ولذا فقد نَصَّ الفقهاء على أنه لا يجوز إعطاء حكم المسجد لغيره، ولو شاركه في الجدار؛ ولذا لا تُعطَى مدرسة مشتركة مع المسجد في الجدار- حُكْم المسجد من صحة الاقتداء أو جواز الاعتكاف.\nونوقش هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: كَوْن مَشْعَر المسعى مستقلًّا بأحكامه لا يَمنع أن يأخذ أحكام المسجد، إذا قام السبب الشرعي المقتضي لذلك، مع بقاء الحُكم الشرعي الثابت لمَشْعَر المسعى؛ إذ لا منافاة بينهما.\n_________\n(^١) قرار المَجْمَع الفقهي بمكة (ص: ٧٧) بالأغلبية- أن المسعى بعد دخوله ضمن مبنى المسجد الحرام لا يأخذ حُكم المسجد ولا تشمله أحكامه؛ لأنه مَشْعَر مستقل، يقول الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]\nوقد قال بذلك جمهور الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة. وتَجوز الصلاة فيه مُتابَعة للإمام في المسجد الحرام، كغيره من البقاع الطاهرة. ويَجوز المكث فيه والسعي للحائض.\nوكذا فإن مجلس هيئة كبار العلماء رأى بالأكثرية عدم جواز الطواف فوق جزء من سطح المسعى؛ لأن المسعى يُعتبَر خارج المسجد الحرام، وليس جزءًا منه، بل هو مَشْعَر مستقل بأحكامه، وما يُؤدَّى فيه من عبادات والطواف إنما هو في المسجد الحرام؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. «توضيح الأحكام من بلوغ المرام» (٤/ ١٤٧) و«فتاوى ابن عثيمين» (٢٢/ ٢٨٩).","vol":"1","page":314},{"text":"الثاني: أن التصاق بناء مَشْعَر المسعى ببناية المسجد الحرام، وتهيئة الساحة الشرقية الواقعة خلف المسعى للصلاة، وتحويطها بالسياج والأبواب، واتخاذ الناس لها مصلى- يَجعل المسعى جزءًا من المسجد الحرام عرفًا.\nوأما السُّنة، فاستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» دل الحديث على جواز السعي للحائض؛ لأنها لم تُمنع إلا من الطواف بالبيت، فدل ذلك على أن أحكام المسعى تختلف عن أحكام البيت. ولأن عامة العلماء على أن مَنْ طافت ثم حاضت، جاز لها أن تسعى بين الصفا والمروة، ولو كان المسعى من المسجد لما أجازوا ذلك.\nوأما المعقول، فهو أن المسعى محدود المعالم، وهو منسك متميز عن الكعبة والمسجد الحرام.\nالقول الآخَر: أن المسعى بعد دخوله في مبنى المسجد الحرام، وأصبح ضمن جدرانه، أن له أحكامه، من جواز الطواف والاعتكاف … وغير ذلك من أحكام المساجد.\nواستدلوا بالقياس من وجهين:\nالأول: أن حُكْم الزيادة هو حُكْم المُزاد فيه، ولذلك أمثلة، فحينما وَسَّع الصحابة المسجد النبوي، أَعْطَوُا الزيادة حُكْم المسجد في عهد النبي ﷺ في المضاعفة والفضيلة.\nونوقش بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن المسعى مَشْعَر مستقل بذاته، له أحكامه الخاصة، لا يتبع غيره. بينما ما زِيد في المسجد الحرام لم يكن قبل الزيادة مَشْعَرًا، فلما أُدْخِلَ فيهما دخل في أحكامهما؛ ولذا لا يُغيِّر البناء أو غيره من أحكام المسعى شيئًا.\nالثاني: أن ما اتصل من الزوائد بالأصل اتصال قرار وتَمَاسّ- يشمله حُكْم واحد في الجملة. ومن أمثلة ذلك: الصفوف إذا اتصلت صحت المتابعة، ولو امتدت خارج المسجد. وكذلك الطواف من وراء حائل، لا يصح إلا مع وجود اتصال الزحام، فكذا المسعى عندما اتصل بالمسجد الحرام يأخذ حكمه.\nونوقش بأن المسعى محدود المعالم، معلوم مميز، مفصول عن المسجد بجدار قصير يوضحه ويبينه.\nوأما قولهم: (إذا اتصلت الصفوف صحت المتابعة، ولو امتدت خارج المسجد)","vol":"1","page":315},{"text":"فيدل على أن المسعى لا يكون تابعًا للمسجد إلا إذا حصلت الحاجة المَاسَّة للطائفين بالمرور فيه.\nوالراجح: أن المسعى مَشْعَر مستقل، له أحكامه الخاصة، ومع هذا فلا يُمنع الطائف من المرور بالمسعى أثناء طوافه في حال الحاجة المُلِحة والزحام الشديد. وأما في حال عدم الحاجة، فلا يَجوز مرور الطائف؛ لأنه مَشْعَر مستقل بأحكامه الخاصة. وهذا القول هو الذي يَجمع بين الأدلة، ويَرفع الحرج عن المكلفين، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-405>الشرط الثاني: الابتداء من الحَجَر الأسود:</span>\nاختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الابتداء من الحَجَر الأسود شَرْط لصحة الطواف، وأن الشوط الذي يكون بعد الحَجَر باطل ولا يجزئ. وبه قال بعض الحنفية والشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بما ورد في «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ، أَوَّلَ مَا يَطُوفُ (^٢).\nوَجْه الدلالة: أن الله أَمَر بالطواف بالبيت العتيق بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ولم يُحدِّد مكان الابتداء، فبَيَّن ذلك النبي ﷺ بفعله وابتدأ بالحَجَر الأسود، وقد أَمَر ﷺ بالاقتداء به، فقال: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» فدل ذلك على أن الابتداء من الحَجَر الأسود شرط لصحة الطواف. وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقد بَيَّن ﷺ بفعله الصلاة، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».\nالقول الثاني: أن الابتداء من الحَجَر الأسود واجب، فلو تَرَكه فإنه يَجبره بدم إذا رجع إلى بلده، ويَلزمه الإعادة ما دام في مكة. وهو قول لأبي حنيفة، ومالك (^٣).\nواستدلوا بأن الله أَمَر بالطواف بالبيت، ومواظبة النبي ﷺ الابتداء من الحَجَر الأسود تدل على وجوبه.\n_________\n(^١) «المجموع» (٨/ ٤٤)، و«الإنصاف» (٤/ ١٩).\n(^٢) البخاري (١٦٠٣)، ومسلم (١٢٦١) وفي الباب عن جابر في حديثه الطويل عند مسلم\n(^٣) «شرح فتح القدير» (٢/ ٤٥٣، ٤٥٥)، و«حاشية الدسوقي» (٢/ ٣١).","vol":"1","page":316},{"text":"القول الثالث: أن الابتداء من الحَجَر الأسود سُنة، ولكن على أن ينتهي الشوط الأول من حيث ابتدأ. وبه قال أبو حنيفة في المشهور عنه (^١).\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، من أن الابتداء من الحَجَر الأسود شرط لصحة الطواف، وأن الشوط الذي يُبتدأ به بعد الحَجَر الأسود باطل؛ لمواظبة النبي ﷺ على ذلك، ولقوله ﷺ: «خذوا عني مناسككم».\nمشروعية الخط المشير إلى الحَجَر الأسود في صحن المطاف:\nاختَلف أهل العلم في مشروعية الخط المشير إلى الحجر على قولين:\nالقول الأول: أن هذا الخط بدعة. وهو قول بكر أبو زيد.\nواستَدل بأن النبي ﷺ حج في العام العاشر، وحَجَّ معه مِائة ألف، ولم يضع النبي ﷺ علامة يَستدلون بها على محاذاة الحَجَر الأسود، ولو كان يَجوز ذلك لفَعَله النبي ﷺ.\nالقول الآخَر: أن هذا الخط مشروع. وهو قول ابن عثيمين.\nوهذه المسألة لا داعي للإطالة فيها؛ لأن هذا الخط قد أزيل بحمد الله، وقد ترتب على إزالته تخفيف الزحام وراحة للحُجاج. ولا شك أن هذا ببركة اتباع سُنة النبي ﷺ.\nوالآن توجد لمبة خضراء تشير للمحاذاة، ومعرفة بداية الطواف ونهايته.\nويُقترح أن تُحسَب مسافة المحاذاة، وتوضع على طولها لمبات خضراء تشير للمحاذاة، على الجدار الذي يحاذي الحَجَر، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-406>الشرط الثالث: جَعْل البيت عن يساره:</span>\nأَجْمَع العلماء على أن النبي ﷺ لما طاف، جَعَل البيت عن يساره ثم مشى عن يمينه.\nدل على ذلك ما رواه جابر ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا.\nولكن اختَلف العلماء في اشتراط جعل البيت عن يسار الطائف:\nفذهب جمهور العلماء إلى أن جعل البيت عن يسار الطائف شرط لصحة الطواف. ومَن جَعَل البيت عن يمينه، وطاف عكس اتجاه الطائفين، فإن طوافه باطل. وبه قال\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٠)، و«شرح فتح القدير» (٢/ ٤٥٣).","vol":"1","page":317},{"text":"الحنفية في قول، والمالكية والشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بأن الله أَمَر بالطواف بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وقد طاف النبي ﷺ جاعلًا البيت عن يساره، وهو المُبَيِّن لِما أُنْزِلَ إليه. ولو كان يجوز أن يُجْعَل البيت عن يمين الطائف، لفَعَله النبي ﷺ ولو مرة لبيان الجواز، فلما لم يَفعل عُلِم أن جعل البيت عن يسار الطائف شرط لصحة الطواف (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-407>الشرط الرابع: أن يكون الطواف حول البيت:</span>\nدل على هذا الشرط قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، المأمور به الطواف حول البيت، فإذا مَرَّ مِنْ داخل الحِجْر، فلا يجزئ لأنه طواف من داخل البيت.\nرَوَى أبو داود عن عائشة قالت: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ فَأُصَلِّيَ فِيهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِي، فَأَدْخَلَنِي فِي الْحِجْرِ، فَقَالَ: «صَلِّي فِي الْحِجْرِ إِذَا أَرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ؛ فَإِنَّمَا هُوَ قطْعَةٌ مِنَ الْبَيْتِ؛ فَإِنَّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ، فَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْبَيْتِ» (^٣).\nقال ابن قُدامة: فَمَنْ تَرَكَ الطَّوَافَ بِالْحِجْرِ، لَمْ يَطُفْ بِجَمِيعِ الْبَيْتِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الطَّوَافَ بِبَعْضِ الْبِنَاءِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ، وَقَدْ قَالَ ﵇: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (^٤).\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٠)، و«مواهب الجليل» (٣/ ٦٩)، و«المجموع» (٨/ ١٤)، و«المغني» (٣/ ٢٣).\nوذهب الحنفية إلى أن جعل البيت عن يسار الطائف واجب، وليس شرطًا، «قتح القدير» (٢/ ١٣٠).\nوذهب داود الظاهري إلى أنه سُنة. واستَدل بعموم الآية: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] سواء جَعَل البيت عن يساره أو يمينه.\n(^٢) قال ابن تيمية: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّائِفَ يَبْتَدِئُ فِي مُرُورِهِ بِوَجْهِ الْكَعْبَةِ، فَإِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ أَخَذَ إِلَى جِهَةِ يَمِينِهِ، فَيَصِيرُ الْبَيْتُ عَنْ يَسَارِهِ وَيُكْمِلُ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ. وَهَذَا مِنَ الْعِلْمِ الْعَامِّ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ عَنْ نَبِيِّهَا، وَتَوَارَثَتْهُ فِيمَا بَيْنَهَا خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، كَمَا فَسَّرَ أَعْدَادَ الصَّلَاةِ وَأَوْقَاتِهَا. «شرح العمدة» (٢/ ٤٣٩).\n(^٣) «سُنن أبي داود» (٤/ ٩١).\n(^٤) «المغني» (٥/ ٢٣٠). وقال النووي: واستدلوا بأن النَّبِيَّ ﷺ طَافَ خَارِجَ الْحِجْرِ، وَهَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الطَّوَافِ خَارِجَ الْحِجْرِ. فَالْمُعْتَمَدُ الِاقْتِدَاءُ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ، فَوَجَبَ الطَّوَافُ بِجَمِيعِهِ. «المجموع» (٨/ ٢٥).","vol":"1","page":318},{"text":"الحِجْر والشاذَرْوان\nالحِجْر وهو محوط مدور بجدار قصير، على نصف دائرة تحت الميزاب، تَرَكَتْه قريش لَمَّا قصرت بهم النفقة، وهذا الجدار القصير يطلق عليه الشاذَرْوان، وعَرْضه ذراع (^١).\nولا يصح الطواف إلا من وراء الحِجْر والشاذَرْوان، على قول جمهور العلماء، فإن طاف ماشيًا على الجدار القصير- الشاذَرْوان- ولو في خطوة، لم تصح طوفته تلك؛ لأنه طاف في البيت لا بالبيت (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-408>الشرط الخامس: كَوْن الطواف سبعة أشواط:</span> وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: اشتراط أن يكون الطواف بالبيت سبعة أشواط:\nاختَلف العلماء في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يصح الطواف إلا بإتمام سبعة أشواط. فمَن طاف ستًّا أو خمسًا، لم يصح طوافه ولم يُعْتَدّ به. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة:\nأما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].\nوَجْه الدلالة: أن الله أَمَر بالطواف ببيته العتيق، ولم يُبيِّن العدد المجزئ في ذلك، فجاء البيان بفعله ﷺ إذ طاف سبعة أشواط، وقال: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» فدل ذلك على أن الطواف سبعة أشواط، فلا يجوز النقص منه كالصلاة.\nوأما السُّنة، فقد وردت الأحاديث المستفيضة عن رسول الله ﷺ بأنه طاف سبعًا، منها ما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا».\nالقول الآخَر: أن إتمام سبعة أشواط في الطواف ليس بشرط لصحته، وأنه لو طاف خَمْسًا صح طوافه، فيَدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فالأمر بالطواف مطلق ولا يقتضي التَّكرار. ويُجْبَر ما تُرِك منها بدم. وبه قال الحنفية (^٤).\n_________\n(^١) «هداية السالك» (٢/ ٢٨٦)، و«المجموع» (٨/ ٢٤)، و«الموسوعة الكويتية» (٢٥/ ٣١٤).\n(^٢) «مواهب الجليل» (٣/ ٧٠)، و«الأم» (٢/ ١٧٦)، و«المغني» (٣/ ٢٢١).\n(^٣) «المُدوَّنة» (١/ ٣١٧)، و«المجموع» (٨/ ٢٨)، و«الإنصاف» (٤/ ١٩).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٢)، و«المبسوط» (٤/ ٤٣)، و«البناية» (٤/ ٣٥٩).","vol":"1","page":319},{"text":"ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: أن النبي ﷺ بَيَّن مطلق الأمر في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ بفعله، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا. وذلك مِثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقد بَيَّن رسول الله ﷺ صفة الصلاة.\nالثاني: أَنَّ مَقَادِيرَ الْعِبَادَاتِ لَا تُعْرَفُ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا تُعْرَفُ بِالتَّوْقِيفِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَافَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، فَلَا يُعْتَدُّ بِمَا دُونَهَا.\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، من أنه لا يصح الطواف إلا بإكمال سبعة أشواط؛ لِما روى البخاري عن ابن عمر قال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا. ولأن مقادير العبادات لا تُعْرَف بالرأي والاجتهاد، فصلاة الظُّهر أربع، فكذا الطواف سبعًا.\nالمبحث الثاني: الشك في الطواف:\nمَنْ شك في عدد الأشواط التي طافها لا يخلو من ثلاث حالات:\nالأولى: أن يكون كثير الوسواس والشك في عبادته، فلا يَلتفت إليه.\nالثانية: أن لا يَطرأ عليه الشك بعد الفراغ من الطواف، فلا يَلتفت إليه ما لم يتيقن الآخَر، فيَعمل بمقتضى يقينه (^١).\nالثالثة: أن يَشك أثناء الطواف، مثل أن يَشك: هل هذا الشوط هو السادس أو السابع؟\nقال ابن المنذر: أَجْمَع العلماء على أن مَنْ شك في عدد طوافه أنه يَبني على اليقين، أي: أنه إذا شك هل هذا هو الشوط السادس أو السابع، فإنه يَعمل باليقين فيأخذ بالأقل.\nقلت (محمد): ولكن هذا الإجماع منخرم؛ فإنما هذا قول جمهور أهل العلم، واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» (^٢).\nالقول الآخَر: أنه يَحسب على غالب الظن، فإِنْ غَلَب على ظنه أنه طاف سبعًا، وشَكَّ\n_________\n(^١) «المجموع» (٨/ ٢١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٧١). وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إِذَا طُفْتَ بِالْبَيْتِ، فَلَمْ تَدْرِ أَأَتْمَمْتَ أَمْ لَمْ تُتِمْ، فَأَتِمَّ مَا شَكَكْتَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ عَلَى الزِّيَادَةِ. أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٥٢٤) وفي إسناده الحارث الأعور، ضعيف.","vol":"1","page":320},{"text":"هل كان ستًّا، فإنه يَبني على غالب ظنه. وهذا رواية عن أحمد، واختيار ابن تيمية (^١).\nواستُدل لهذا القول بما ورد في عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» (^٢).\nوالراجح: أنه إذا شك هل هذا هو الشوط السادس أو السابع؟ فإنه يَعمل باليقين فيأخذ بالأقل ثم يَبني عليه.\nالشرط السادس: الموالاة بين الأشواط:\nأَجْمَع العلماء على أنه يجوز قطع الطواف لصلاة الفريضة (^٣).\nواختلفوا في اشتراط الموالاة بين الأشواط على قولين:\nالقول الأول: أنه تُشترَط الموالاة لصحة الطواف، إلا إذا كان القطع يسيرًا لحاجة، كالقعود اليسير أثناء الطواف للاستراحة، أو حضور صلاة، فله أن يصلي ثم يُكْمِل الطواف. وأما مَنْ طاف شوطًا، ثم ذهب فتَعَشَّى أو جلس ساعة، أعاد وابتدأ من جديد.\nوبه قال المالكية، وهو رواية عند الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة.\nواستدلوا بأن النبي ﷺ والى في طوافه، وقال: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ».\nالقول الآخَر: أنه لا تُشترَط الموالاة بين الأشواط، وأن الموالاة سُنة، فلو قَطَع الأشواط لغير عذر، فنام ساعة أو تَعَشَّى، ثم أكمل الباقي؛ كُرِه له ذلك وصح طوافه. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وأحمد في رواية (^٤).\nواستدلوا بالقرآن والسُّنة والمأثور:\nأما القرآن، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فالله\n_________\n(^١) «المغني» (٢/ ٤٠٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٠١).\n(^٣) فذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز قطع الطواف لصلاة الجنازة، ويَبني على طوافه. كما في «المجموع» (٨/ ٤٧)، و«المغني» (٣/ ٣١٧).\nوذهب مالك إلى أنه لا يَجوز الطواف لأي صلاة غير مفروضة كصلاة الجنازة، وإِنْ قَطَعه لغير الفريضة استأنف الطواف من أول أشواطه. «المدونة» (١/ ٣١٧).\nوالراجح: أنه يَجوز قطع الطواف لصلاة الجنازة، ويَبني على طوافه.\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٠)، و«المجموع» (٨/ ٤٧)، و«الإنصاف» (٤/ ١٧).","vol":"1","page":321},{"text":"أَمَر بالطواف حول البيت، ولم يأمر بالموالاة.\nواعتُرض عليه بأن النبي ﷺ وهو المُبَيِّن لِما أُنْزِلَ إليه قد والى بين الأشواط. ولو كان يَجوز ترك الموالاة لبَيَّنه النبي ﷺ، وما كان ربك نسيًّا.\nوأما السُّنة، فاستدلوا بما رُوِيَ عن رسول الله ﷺ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الطَّوَافِ، وَدَخَلَ السِّقَايَةَ فَاسْتَسْقَى، فَسَقَى فَشَرِبَ ثُمَّ عَادَ، وَبَنَى عَلَى طَوَافِهِ (^١).\nونوقش: بأن هذا النص لم أجده في كتب السُّنة المعتمدة، ولو صح فإِنَّ هذا قطع يسير، لا يضر ولا يَقطع الموالاة.\nوأما دليلهم من المأثور: فعَنْ جَمِيلِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ طَافَ بِالْبَيْتِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَسْتَرِيحُ، وَغُلَامٌ لَهُ يَرُوحُ عَلَيْنَا، ثُمَّ قَامَ فِينَا عَلَى طَوَافِهِ (^٢).\nوالراجح: أن الموالاة شرط لصحة الطواف، فمَن تَرَكها لم يصح طوافه، إلا إذا كان القطع يسيرًا، كمَنْ جلس ليستريح أو ليشرب، أو حضرت صلاة وهو يطوف، فصلاها ثم أكمل طوافه؛ وذلك لأن النبي ﷺ طاف متواليًا، وهو المُبيِّن لِما أُنْزِلَ إليه، ولم يَرِد أنه ﷺ قَطَع الطواف، ولو كان جائزًا لبَيَّنه النبي ﷺ لأمته.\n•١•\n_________\n(^١) نَقَله الكاساني في «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٥٢٠٠). وفي إسناده جميل بن زيد، وإن كان ضعيفًا إلا أن روايته هنا تدل على حفظه لها.","vol":"1","page":322},{"text":"الفصل الثالث: سُنن الطواف:\nللطواف إحدى عَشْرة سُنة:\nالسُّنة الأولى: الطواف ماشيًا. وفيه ستة مطالب:\nالمطلب الأول: أَجْمَع العلماء على أن طواف الماشي أفضل من طواف الراكب.\nالمطلب الثاني: جواز طواف الراكب من عذر.\nالمطلب الثالث: هل طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع راكبًا أم راجلًا؟\nالمطلب الرابع: حُكْم الطواف راكبًا من غير عذر.\nالمطلب الخامس: حُكْم الطواف على السير الكهربائي لو وُجِد.\nالمطلب السادس: الطواف بالطائرة.\nالسُّنة الثانية: الاضطباع. وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: صفة الاضطباع.\nالمطلب الثاني: حُكْم الاضطباع.\nالمطلب الثالث: مَنْ يُسَن له الاضطباع.\nالسُّنة الثالثة: الرَّمَل. وفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: معنى الرَّمَل.\nالمطلب الثاني: حُكْم الرَّمَل.\nالمطلب الثالث: هل الرَّمَل من الحَجَر إلى الحَجَر؟\nالمطلب الرابع: مَنْ لا يُشْرَع له الرَّمَل.\nالمطلب الخامس: حُكْم الرَّمَل مع الازدحام الشديد.\nالسُّنة الرابعة: استلام الحَجَر الأسود في بداية الطواف. وفيه تسعة مطالب:\nالمطلب الأول: فَضْل الحَجَر الأسود.\nالمطلب الثاني: استحباب تقبيل الحَجَر الأسود.","vol":"1","page":323},{"text":"المطلب الثالث: استلام الحَجَر وتقبيله.\nالمطلب الرابع: حُكْم استلام الحَجَر الأسود من غير طواف.\nالمطلب الخامس: عدم الوقوف في محاذاة الحَجَر الأسود في كل شوط.\nالمطلب السادس: استحباب استلام الحَجَر بعصًا.\nالمطلب السابع: استحباب الإشارة إلى الحَجَر\nالمطلب الثامن: حُكْم السجود على الحَجَر.\nالمطلب التاسع: محاذاة الحَجَر الأسود بجميع البدن في ابتداء الطواف.\nالسُّنة الخامسة: التكبير في بداية الطواف.\nالسُّنة السادسة: استلام الركن اليماني.\nالسُّنة السابعة: استحباب الإكثار من الذِّكر والدعاء وقراءة القرآن. وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: استحباب الإكثار من الذِّكر في الطواف.\nالمطلب الثاني: استحباب الدعاء أثناء الطواف.\nالمطلب الثالث: الدعاء عند المُلتزَم.\nالمطلب الرابع: لا يُستحب الدعاء تحت الميزاب بعد الطواف.\nالسُّنة الثامنة: الدنو من البيت.\nالسُّنة التاسعة: صلاة ركعتين خلف المَقام بعد الطواف. وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: حُكْم ركعتي الطواف.\nالمطلب الثاني: مكان أداء ركعتي الطواف.\nالمطلب الثالث: وقت أداء ركعتي الطواف.\nالسُّنة العاشرة: استحباب استلام الحَجَر الأسود بعد الصلاة خلف المَقام.\nالسُّنة الحادية عَشْرة: الشرب من ماء زمزم بعد الطواف.","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type='title' id=toc-411>السُّنة الأولى: الطواف ماشيًا: وفيه ستة مطالب:</span>\nالمطلب الأول: أَجْمَع العلماء على أن طواف الماشي أفضل من طواف الراكب (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-413>المطلب الثاني: جواز طواف الراكب من عذر.</span>\nقال ابن عبد البر: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ في أن مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ أَوِ اشْتَكَى مَرَضًا- أَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ الرُّكُوبُ فِي طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ، وَفِي سَعْيِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (^٢).\nوَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ، يَقْرَأُ بِ «الطُّورِ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-414>المطلب الثالث: هل طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع راكبًا أم راجلًا؟</span>\nوردت أحاديث في طواف النبي ﷺ راكبًا على الراحلة.\nفعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ» (^٤).\nووردت أحاديث في طواف النبي ﷺ راجلًا على قدميه.\nمنها ما ورد عن ابن عمر: فَطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا (^٥).\nوقد جَمَع العلماء بأن الرسول ﷺ طاف في حجته ثلاثة أطوفة: طواف القدوم وطواف الإفاضة وطواف الوداع، فطاف للقدوم على قدميه، وطاف للإفاضةراكبًا على بعيره (^٦).\n_________\n(^١) «المجموع» (٨/ ٣٦).\n(^٢) «التمهيد» (١٣/ ٩٩). ونَقَل الإجماع على ذلك: الباجي في «المُنتقَى» (٢/ ٢٩٥)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٢٤٩)، وابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٨٨)، وغيرهم.\n(^٣) البخاري (٤٦٤)، ومسلم (١٢٧٦).\n(^٤) البخاري (١٦٠٧)، ومسلم (١٢٧٢) ويَشهد له حديث جابر وعائشة، وكلاهما عند مسلم.\n(^٥) البخاري (١٦٩١) وله شاهد عن جابر عند مسلم (١٢١٨).\n(^٦) قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَمَّا سَبْعُهُ الَّذِي طَافَ لِمَقْدِمِهِ فَعَلَى قَدَمَيْهِ. «الأُم» (٢/ ١٩٠).\nوقال ابن عبد البر: وَالْوَجْهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي طَوَافِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاكِبًا- أَنَّهُ كَانَ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ. «التمهيد» (٢/ ٩٤). وكذا قال ابن القيم في «زاد المعاد» (٢/ ٢٢٩).","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-415>المطلب الرابع: حُكْم الطواف راكبًا من غير عذر.</span>\nاختَلف العلماء على ثلاثة أقوال في حُكم مَنْ طاف راكبًا مع قدرته على المشي:\nالقول الأول: أن الطواف ماشيًا مع القدرة سُنة. وبه قال الشافعية، ورواية للحنابلة (^١).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة:\nأما القرآن، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].\nوَجْه الدلالة: أن الله أَمَر بالطواف مطلقًا، فكيفما طاف ماشيًا أو راكبًا أجزأه.\nوأما السُّنة، ففي «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ» فالنبي ﷺ طاف راكبًا من غير حاجة، فهذا بيان للجواز.\nونوقش بأن طواف النبي ﷺ راكبًا كان لشكوى أَلَمَّتْ به. دل على ذلك ما ورد عن ابن عباس، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ وَهُوَ يَشْتَكِي، فَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَنَاخَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ (^٢).\nوأجيب عنه بأن هذا الحديث ضعيف، وأن الأحاديث الصحيحة الثابتة مُصرِّحة بأن طوافه ﷺ راكبًا لم يكن لمرض، بل كان ليراه الناس، ويسألوه، ولا يُزاحِموا عليه (^٣).\nوقد روى مسلم: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَلِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ» (^٤).\nالقول الثاني: أن المشي مع القدرة واجب، فمَن طاف راكبًا مع القدرة جَبَر ذلك بدم. وهو مذهب الحنفية، والمالكية في المشهور، ورواية عن الحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) «الأم» (٢/ ١٧٤)، و«الحاوي» (٤/ ١٥١)، و«المغني» (٥/ ٢٥٠)، و«المُحَلَّى» (٧/ ١٨٠).\n(^٢) ضعيف: أخرجه أبو داود (١٨٨٣)، وإسناده ضعيف لضعف يزيد بن أبي زياد، وقد تَفَرَّد به.\n(^٣) «المجموع» (٨/ ٢٧).\n(^٤) ويدل على هذا المعنى: ما ورد عن أبي الطُّفَيْل قال: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَخْبِرْنِي عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ قَالَ: … إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ … فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ. وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ.\n(^٥) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٠ - ١٣٤)، و«المدونة» (٢/ ٤٠٩)، و«الإنصاف» (٤/ ١٣١).","vol":"1","page":326},{"text":"واستدلوا بالكتاب والسُّنة:\nأما الكتاب، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وحقيقة الطواف هي المشي حول البيت، وليس الراكب بطائف، بل الطائف حقيقةً مركوبه، وهو في حكمه، فأوجب ذلك نقصًا، فوجب جبره بالدم.\nونوقش بأن الله أَمَر بالطواف مطلقًا، فكيفما طاف ماشيًا أو راكبًا أجزأه.\nوأما السُّنة، فَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فقال: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» (^١).\nوَجْه الاستدلال: أن الركوب لغير عذر في الطواف لو كان جائزًا، لَمَا استأذنت أُم سلمة رسول الله ﷺ وبَيَّنَتْ شكواها، مما يدل على أن الطواف راكبًا لا يَسوغ إلا بعذر.\nونوقش بأن هذا الاستدلال يتم إن لم يكن في الباب غير هذا الحديث، ولكن النبي ﷺ طاف على بعير، وفِعله ﷺ يدل على الإباحة، وهذا الحديث فيه إشارة إلى أن الطواف ماشيًا أفضل، وهذا متفق عليه.\nالقول الثالث: أن المشي مع القدرة شرط لصحة الطواف، فمَن طاف راكبًا وهو يستطيع أن يطوف ماشيًا، فطوافه باطل، ولا يُعتد به. وبه قال مالك في رواية، وأحمد في الرواية المشهورة عنه (^٢).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور:\nأما السُّنة، فاستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ» وإذا كان من أركان الصلاة القيام مع القدرة في الفريضة، ولا تصح فريضةُ مَنْ صلى جالسًا مع القدرة على القيام، فكذا مَنْ طاف راكبًا وهو يستطيع أن يطوف ماشيًا، فطوافه باطل.\nونوقش بأن هذا الحديث لا يصح. ولو صح فقياس الطواف على الصلاة فيه نظر؛ لأن القيام في الصلاة مع القدرة ركن بالإجماع، بخلاف الطواف، فقد ثَبَتَ أن الرسول ﷺ طاف راكبًا من غير عذر.\n_________\n(^١) البخاري (٤٦٤)، ومسلم (١٢٧٦).\n(^٢) «التمهيد» (٢/ ٩٥)، و«المغني» (٥/ ٢٥٠)، و«الإنصاف» (٤/ ١٢)، و«كشاف القناع» (٤/ ٤٨١).","vol":"1","page":327},{"text":"وأما المأثور، فَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: طَافَ رَجُلٌ بِالْبَيْتِ عَلَى فَرَسٍ فَمَنَعُوهُ، فَقَالَ: أَتَمْنَعُونِي أَنْ أَطُوفَ عَلَى كَوْكَبٍ؟! قَالَ: فَكُتِبَ فِي ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَكَتَبَ عُمَرُ: «أَنِ امْنَعُوهُ» (^١).\nونوقش بأنه لا يصح لانقطاعه. ولو صح فقد يكون المنع لأجل ما في الخيل من الخُيَلاء والتعاظم.\nوَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: إِنَّ عَائِشَةَ ﵂ تَرَكَتِ الْعُمْرَةَ سَنَتَيْنِ، فَقَالَتْ: مَا يَمْنَعُنِي إِلَّا الطَّوَافُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَرْكَبَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (^٢).\nونوقش بأنه غير صريح في الوجوب، فضلًا عن الشرطية.\nوالراجح: أن الطواف والسعي ماشيًا سُنة؛ لأن النبي ﷺ طاف راكبًا.\nقال ابن المُنذِر: لَا قَوْلَ لِأَحَدٍ مَعَ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ. وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ مُطْلَقًا، فَكَيْفَمَا أَتَى بِهِ أَجْزَأَهُ، وَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الطَّوَافَ رَاجِلًا أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ طَافُوا مَشْيًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي غَيْرِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ طَافَ مَشْيًا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-416>المطلب الخامس: حُكْم الطواف على السير الكهربائي لو وُجِد.</span>\nهنا لا بد من التفريق بين أمرين:\nالأول: أنه يَجوز الطواف راكبًا ومحمولًا على السير الكهربائي؛ لعُذْر من مرض وغيره، ولا سيما إذا وُجدت الحاجة واشتد الزحام.\nالثاني: أن المشي في الطواف والسعي مع القدرة أفضل من الركوب بالإجماع.\n\n<span data-type='title' id=toc-417>المطلب السادس: الطواف بالطائرة.</span>\nمن أسباب الزحام في المواسم: طواف بعض رؤساء الدول والأمراء، ومَن يَحتاج طوافهم إلى إجراءات أمن خاصة. ومِن الحلول الممكنة لتخفيف ذلك: جواز أدائهم شعيرة الطواف بالطائرة؛ لأن النبي ﷺ طاف بالبيت على بعير. والطواف بالطائرة يُشْبِه\n_________\n(^١) إسناده ضعيف لانقطاعه: أخرجه الأزرقي في «أخبار مكة» (٢/ ١٥)، والفاكهي في «أخبار مكة» (٤٧٦).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه الفاكهي في «أخبار مكة» (١٤٢٥).\n(^٣) «المغني» (٥/ ٢٥٠).","vol":"1","page":328},{"text":"الطواف راكبًا؛ فإن كلًّا منهما نسك أُدِّي من غير مباشرة الأرض.\nونوقش بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن راكب العربة مستقر على الأرض، أَشْبَه الواقف، بخلاف راكب الطائرة، فهو مستقر بالهواء وغير مستقر بالأرض.\nوأجيب بأن الهواء تابع للقرار؛ ولذا يجوز استقبال ما فوق الكعبة من هواء في الصلاة. ولأن الطائف بالطائرة يَصدق عليه عُرفًا أنه طاف بالبيت.\nشروط جواز الطواف بالطائرة:\nيُشترط لذلك ثلاثة شروط:\nالأول: أن يكون الطواف حول الكعبة، وليس من داخلها، وإلا يَبطل الطواف إجماعًا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.\nالثاني: أن يكون الطواف بالطائرة محاذيًا للطائفين حول الكعبة؛ لأنه لو اتسعت دائرة الطواف بالطائرة، لأدى ذلك إلى الطواف خارج المسجد، وهذا لا يَجوز إجماعًا.\nالثالث: أن يكون ذلك مُقيَّدًا في حال العذر؛ حتى لا تكون المناسك والشعائر مسرحًا، بما لا يتناسب مع قدسيتها وشَرَفها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-418>السُّنة الثانية: الاضطباع: وفيه ثلاثة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-419>المطلب الأول: صفة الاضطباع:</span>\nقال النووي: وَالِاضْطِبَاعُ أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ رِدَائِهِ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ، عِنْدَ إبْطِهِ، وَيَطْرَحَ طَرَفَيْهِ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ، وَيَكُونَ مَنْكِبُهُ الْأَيْمَنُ مَكْشُوفًا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-420>المطلب الثاني: حُكْم الاضطباع:</span>\nاختَلف أهل العلم في حُكْم الاضطباع على قولين:\nالقول الأول: أن الاضطباع سُنة. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) «حلول الزحام في المناسك» (ص: ١٦٣).\n(^٢) «المجموع» (٨/ ١٣)، و«المغني» (٥/ ٢١٦)، و«الموسوعة الكويتية» (٥/ ١٠٩).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٤٧)، و«المجموع» (٨/ ١٩)، و«كشاف القناع» (٢/ ٤٧٧).","vol":"1","page":329},{"text":"واستدلوا بالسُّنة: فَعَنْ يَعْلَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ طَافَ مُضْطَبِعًا (^١).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةِ، فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، قَدْ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى (^٢).\nوَعَنْ عُمَرَ قَالَ: «فِيمَ الرَّمَلَانُ الْيَوْمَ وَالْكَشْفُ عَنِ المَنَاكِبِ، وَقَدْ أَطَّأَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ، وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ؟! مَعَ ذَلِكَ لَا نَدَعُ شَيْئًا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» (^٣).\nالقول الآخَر: أن الاضطباع مكروه. وبه قال الإمام مالك (^٤).\nواستَدل الإمام مالك بأن العلة التي استُحب الاضطباع من أجلها- قد زالت؛ فالاضطباع شُرِع لإظهار الجَلَادة والقوة للمشركين، وقد خلت مكة من الكفار.\n_________\n(^١) إسناده صحيح، ومداره على سفيان عن ابن جُرَيْج، واختُلف عنه:\nفرواه محمد بن يوسف، عند الدارمي (١٩٧٤)، وقَبيصَة عند الترمذي (٨٥٩) كلاهما قالا: حدثنا سفيان الثوري، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عبد الحميد بن جُبَيْر- وهو ثقة- عن ابن يَعْلَى، عن أبيه، به.\nورواه محمد بن كَثِير عند أبي داود (١٨٨٣) ووَكيع عند أحمد (١٧٩٦٩) كلاهما عن الثوري به، بإسقاط عبد الحميد بين ابن جُرَيْر وابن يَعْلَى.\nهذا الطريق رجاله ثقات، ولكنه منقطع؛ لأن ابن جُريج لم يَسمع من يعلى، وقد ذُكِرَتِ الواسطة عند الترمذي. وكذا رَجَّح البخاري بذكر الواسطة وهو عبد الحميد، كما في «العلل الكبير» للترمذي (٢٢٦) وتَفَرَّد بها محمد بن كَثِير عند أبي داود (١٨٨٣) (ببُرد أخضر) وهي شاذة لمخالفته الثقات بدونها.\n(^٢) ومداره على عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، واختُلف في التابعي، هل هو سعيد بن جُبَيْر أم أَبو الطُّفَيْل؟\nفرواه حماد بن سلمة، عن ابن خُثَيْم، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، به عند أبي داود (١٨٨٤).\nوخالفه يحيى بن سُلَيْم، عند أبي داود (١٨٨٩) وإسماعيل بن زكريا عند أحمد (٢٧٨٢) مطولًا، كلاهما عن ابن خُثَيْم، عن أبي الطُّفَيْل، به.\nفالصواب أن ابن خُثَيْم سَمِعه من أبي الطُّفَيْل؛ لأن حماد بن سلمة كان يخطئ في غير حديث ثابت.\nويحيى بن سُلَيْم وإن كان فيه ضعف، إلا أنه كانت عنده أحاديث ابن خُثيم في كتاب، وكان متقنًا لها، وقد تابعه إسماعيل بن زكريا الْخُلْقَاني وهو صدوق.\nولكن هل ابن خُثيم يتحمل مثل هذا المتن؟ أخشى أن يكون هذا الحديث رجع إلى حديث ابن عباس الذي في «الصحيحين» في الرَّمَل دون الاضطباع. والله أعلم.\n(^٣) أصل هذا الحديث في البخاري (١٦٠٥) من طريق محمد بن جعفر، عن زيد، به، بدون هذه اللفظة.\nورواه هشام بن سعد، عن زيد، به. فزاد لفظة: (وَالْكَشْفُ عَنِ المَنَاكِبِ). وأخرجه أحمد (٣١٧).\nو(هشام بن سعد) قال الحافظ: صدوق له أوهام. وقال أبو حاتم: لا يُحتجّ به. وقال أحمد: لم يكن بالحافظ، فهل يَتحمل مثل هذه اللفظة؟\n(^٤) قال ابن حجر: وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سِوَى مَالِكٍ. «فتح الباري» (٣/ ٤٧٢).","vol":"1","page":330},{"text":"واعتُرض عليه بأن العبادة توقيفة، وقد قال النبي ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ».\nقال ابن حجر: لأن الحكمة في أصل مشروعيته كالرَّمَل إظهار الجلادة والقوة للمشركين، وبالنسبة إلينا إظهار التأسي والاتباع والجد في العبادة (^١).\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، من أن الاضطباع سُنة. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-421>المطلب الثالث: مَنْ يُسَن له الاضطباع:</span>\nذهب جماهير العلماء إلى سُنية الاضطباع في طواف القدوم وطواف العمرة.\nوالاضطباع يُشْرَع للرجل ولا يُشْرَع للمرأة؛ لأن في اضطباعها كشفًا لما فيه عورة منها، والمرأة مأمورة بالسَّتر (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-422>السُّنة الثالثة: الرَّمَل، وفيه خمسة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-423>المطلب الأول: معنى الرَّمَل.</span>\nهو الإسراع في المشي مع تقارب الخُطى، وتحريك المنكبين (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-424>المطلب الثاني: حُكْم الرَّمَل.</span>\nنُقِل الإجماع على أن الرَّمَل سُنة للرجال في الأشواط الثلاثة الأُوَل مِنْ طواف القُدُوم.\nوهذا الإجماع منخرم؛ فقد اختَلف أهل العلم في حُكْم الرَّمَل على أربعة أقوال:\nالقول الأول: أن الرَّمَل سُنة مُؤكَّدة. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (^٤).\nواستدلوا بما روى جابر: «حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا».\nوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةً (^٥).\n_________\n(^١) «حاشية ابن حجر الهيتمي على الإيضاح في مناسك الحج والعمرة»، للنووي (ص: ٢٣٢).\n(^٢) «المجموع» (٧/ ٣٦٠).\n(^٣) «المجموع» (٨/ ٤٠)، و«المغني» (٥/ ٢١٧)، و«الاستذكار» (٤/ ١٩٢).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٤)، و«الأُم» (٢/ ١٧٥)، و«الحاوي» (٤/ ١٤١)، و«المغني» (٥/ ٢١٧).\n(^٥) رواه البخاري (١٦٠٤)، ومسلم (١٢٦١).","vol":"1","page":331},{"text":"القول الثاني: أن الرَّمَل واجب، ومَن تَرَكه فلا دم عليه. وبه قال المالكية وابن حزم (^١).\nفَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ! فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ (^٢).\nوَجْه الدلالة: (فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ) والأمر يقتضي الوجوب.\nالقول الثالث: أن الرَّمَل واجب، ومَن تَرَكه فعليه دم. وهو قول عند المالكية (^٣).\nالقول الرابع: أن الرَّمَل ليس سُنة، ومَن شاء فَعَله، ومَن شاء لم يفعله. رُوِي ذلك عن عطاء، وطاوس، ومُجاهِد، والحَسَن، وسالم، والقاسم (^٤).\nواستدلوا بما رَوَى مسلم: عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ هَذَا الرَّمَلَ بِالْبَيْتِ، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ! قَالَ: فَقَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا. قَالَ: قُلْتُ: مَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ مِنَ الْهُزَالِ. وَكَانُوا يَحْسُدُونَهُ. قَالَ: فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثًا، وَيَمْشُوا أَرْبَعًا (^٥).\nقول ابن عباس: (صَدَقُوا وَكَذَبُوا) يَعْنِي صَدَقُوا فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ، وَكَذَبُوا فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ. وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ لِإِظْهَارِ الْقُوَّةِ عِنْدَ الْكُفَّارِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ المَعْنَى.\nونوقش من وجهين:\nالأول: أن النبي ﷺ أَمَر أصحابه بالرَّمَل في عمرة القضاء؛ لإظهار القوة. أما في حَجة الوداعِ فقد فَعَله، وقد زال هذا المعنى؛ لأنها سُنة مقصودة.\nالثاني: أن الحكمة في أصل مشروعية الرَّمَل إظهار الجلادة والقوة للمشركين، وبالنسبة إلينا إظهار التأسي. وقد دل على ذلك قول عمر: «فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ؟! إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ المُشْرِكِينَ، وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ» ثُمَّ قَالَ: «شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ».\n_________\n(^١) «المُدوَّنة» (١/ ٦٧٠)، و«مواهب الجليل» (٣/ ١٢)، و«المُحَلَّى» (٧/ ١٠٨، ١٠٩).\n(^٢) رواه البخاري (١٦٠٢)، ومسلم (١٢٦٦).\n(^٣) «المُدَوَّنة» (١/ ٧٩٢)، و«مواهب الجليل» (٣/ ١٢).\n(^٤) «الاستذكار» (٤/ ١٩٢).\n(^٥) رواه مسلم (١٢٦٤).","vol":"1","page":332},{"text":"والراجح: أن الرَّمَل سُنة مُؤكَّدة، ولا شيء على مَنْ تَرَكه، والله أعلم.\nالمطلب الرابع: هل الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأُول من الحَجَر إلى الحَجَر؟ أم مِنْ الحَجَر إلى الركن اليماني؟\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أنه يُسَن الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأُول بأكملها، من الحَجَر الأسود حتى يَعود إليه. وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بالسُّنة: فعَنْ جَابِرِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ، ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ» (^٢).\nوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «رَمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا» (^٣).\nالقول الآخَر: أنه يُسَن الرَّمَل في الأشواط الثلاثة من الحَجَر الأسود حتى الركن اليماني، ثم يَمشي ما بين الركن اليماني والحَجَر الأسود. وبه قال طاوس، وعطاء، والحَسَن، وسعيد بن جُبَيْر، والقاسم، وسالم (^٤).\nواستدلوا بما ورد عن ابن عباس ﵄، وفيه: «فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ».\nونوقش هذا الاستدلال بِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، سَنَةَ سَبْعٍ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَكَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ فِي أَبْدَانِهِمْ، وَإِنَّمَا رَمَلُوا إِظْهَارًا لِلْقُوَّةِ، وَاحْتَاجُوا إِلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا جُلُوسًا فِي الْحِجْرِ، وَكَانُوا لَا يَرَوْنَهُمْ بَيْنَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، وَيَرَوْنَهُمْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ، فَلَمَّا حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، سَنَةَ عَشْرٍ، رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهَذَا الْمُتَأَخِّرِ (^٥).\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ١٠)، و«المُدوَّنة» (٢/ ٢٠٨)، و«المجموع» (٨/ ٤٣)، و«المغني» (٣/ ١٨٤).\n(^٢) مسلم (١٢٦٣).\n(^٣) مسلم (١٢٦٢).\n(^٤) «المغني» (٥/ ٢١٨).\n(^٥) «شرح النووي» (٩/ ٩) قال في «المجموع»: وَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ فِي عُمْرَةِ القَضَاءِ، سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَكَانَ أَهْلُهَا مُشْرِكِينَ حِينَئِذٍ. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، سَنَةَ عَشْرٍ، فَيَكُونُ مُتَأَخِّرًا، فَيَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ بِهِ.","vol":"1","page":333},{"text":"وأجيب بأن حديث ابن عباس كان في حَجة الوداع، ففي «مسند أحمد»: قَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (^١).\nونوقش بأن هذه الزيادة ضعيفة.\nوالراجح: أنه يُسَن الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأُوَل بأكملها، من الحَجَر الأسود حتى يعود إليه. وحديث ابن عباس منسوخ بحديث جابر (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-426>المطلب الرابع: مَنْ لا يُشْرَع له الرَّمَل:</span>\nلا يُشْرَع الرَّمَل لثلاثة أصناف:\nالأول: أَجْمَعَ العُلَمَاءُ أَنْ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَمَلٌ فِي طَوَافِهِنَّ فِي سَعْيِهِنَّ (^٣).\nالثاني: وأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا رَمَلَ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، إِنْ طَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى مِنًى؛ لِأَنَّهُ رَمَلَ فِي حِينِ دُخُولِ مَكَّةَ حِينَ طَافَ لِلقُدُومِ (^٤).\nالثالث: أنه لا رَمَل في طواف التطوع بلا خلاف (^٥).\nواختلفوا في مشروعية الرَّمَل لأهل مكة على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يُشْرَع الرَّمَل لأهل مكة. وبه قال المالكية والحنابلة (^٦).\n_________\n(^١) شاذ؛ مدار الحديث على ابن خُثَيْم، عن أبي الطُّفَيْل، عن ابن عباس، به. واختُلف عليه:\nفرواه إسماعيل بن زكريا، عن ابن خُثيم، به، أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٢٧٨٢)، وخالف إسماعيلَ جماعةٌ، منهم: مَعْمَر عند ابن ماجه (٢٩٥٣)، ويحيى بن سُليم وحماد بن سلمة عند أبي داود (١٨٨٩)، وغيرهم، عن ابن خُثيم به، بدون ذكر هذه الزيادة، وقد انفرد إسماعيل بذكر هذه الزيادة.\nومدار الحديث على عبد الله بن عثمان بن خُثيم، وقد اختُلف في توثيقه: فقد وثقه العِجْلي وابن حِبان، ووثقه مرة ابن مَعين وضَعَّفه أخرى، وكذا النَّسَائي، وثقه مرة وضَعَّفه أخرى. ونُقِل عن ابن المَديني أنه منكر الحديث. وقال أبو حاتم مرة: صالح. وقال أخرى: لا يُحتجّ به. وقال الدارقطني: ضعيف.\nوالحاصل: أن الصواب عن ابن خُثيم بدونها، وهو إذا انفرد لا يُحتجّ به.\n(^٢) قال ابن قُدامة: وَلِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ فِي تِلْكَ الْحَالِ صَغِيرًا، لَا يَضْبِطُ مِثْلَ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ؛ فَإِنَّهُمَا كَانَا رَجُلَيْنِ، يَتَتَبَّعَانِ أَفْعَالَ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَحْرِصَانِ عَلَى حِفْظِهَا، فَهُمَا أَعْلَمُ. «المغني» (٥/ ٢١٩).\n(^٣) «التمهيد» (٢/ ٧٨) ونَقَله ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٥٥)، وغيره.\n(^٤) ونَقَل الإجماع: ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ١٩٥)، وابن رُشْد في «بداية المُجتهِد» (٢/ ١٠٦).\n(^٥) «شرح مسلم» (٨/ ١٧٥).\n(^٦) «مواهب الجليل» (٣/ ١١٥)، و«المغني» (٣/ ٢٢١)، و«الفروع» (٣/ ٤٩٩).","vol":"1","page":334},{"text":"واستدلوا بما ورد عن بْنَ عُمَرَ أَنَّه كَانَ إِذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ، لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ، حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى، وَكَانَ لَا يَرْمُلُ إِذَا طَافَ حَوْلَ الْبَيْتِ، إِذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ. (^١).\nالقول الآخَر: أنه يُشْرَع الرَّمَل لأهل مكة، إذا كان الطواف يعقبه سعي. وبه قال الحنفية والشافعية (^٢).\nوالراجح: عدم مشروعية الرَّمَل لأهل مكة؛ لثبوت ذلك عن ابن عمر. ولأن الرَّمَل يُستحب في طواف القدوم، وأهل مكة ليس عليهم طواف قدوم. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-427>المطلب الخامس: حُكْم الرَّمَل مع الازدحام الشديد:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا ازدحم المَطاف، فإنه تَسقط عنه هذه السُّنة. وذهب الشافعية إلى استحباب التحرك في المشي إذا تَعَذَّرَ الرَّمَل، فإن كان الزحام بالقرب من الكعبة، فالأفضل أن يَخرج إلى حاشية المطاف ليتمكن من إقامة سُنة الرَّمَل (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-428>السُّنة الرابعة: استلام الحَجَر الأسود في بداية الطواف: وفيه تسعة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-429>المطلب الأول: فَضْل الحَجَر الأسود،</span> وفَضْل تقبيله:\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَزَلَ الحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الجَنَّةِ، وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» (^٤).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (١٠٦٢) عن نافع، عن ابن عمر، به.\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٢٠)، و«المجموع» (٨/ ٢٥٨).\n(^٣) «المجموع» (٨/ ٤٣)، و«شرح العمدة» (٢/ ٤٤٣).\n(^٤) ضعيف: فمدار الحديث على سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس. ورُوي عن سعيد من طريقين:\nالأول: يرويه عطاء بن السائب: فرواه جَرير بن عبد الحميد عند الترمذي (٨٧٧)، وحماد بن سلمة عند أحمد (٢٧٩٥) وزياد بن عبد الله، عند ابن خُزيمة. ثلاثتهم عن عطاء، به.\nوفي هذا الطريق علتان:\nالأولى: فيه عطاء، وقد اختَلَط، وجَرير وزياد ممن سَمِع منه بعد اختلاطه. «فتح الباري» (٣/ ٤٦٢).\nواختُلف في سماع حماد بن سلمة من عطاء: فقيل: سَمِع منه قبل الاختلاط. وقيل: بعده.\nقال العُقيلي: قُلْتُ لِيَحْيَى: وَكَانَ أَبُو عَوَانَةَ حَمَلَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ؟ فَقَالَ: كَانَ لَا يَفْصِلُ هَذَا مِنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. «الضعفاء الكبير» (٣/ ٣٩٩).\nالعلة الثانية: قال أحمد: كان عطاء يَرفع عن سعيد بن جُبير أشياء لم يكن يرفعها. وقال أبو حاتم: رَفَع أشياء عن الصحابة كان يرويها عن التابعين.\nالطريق الثاني: رواه ابن خُثَيْم، عن سعيد بن جُبَيْر، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الحَجَرِ: «وَاللهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ» أخرجه الترمذي (٩٦١)، وأحمد (٢٢١٥). وفي إسناده عبد الله بن خُثَيْم، وهو لا يَتحمل مثل هذا المتن.\nورواه ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس، مرفوعًا. أخرجه الطبراني في «الكبير» (١١٣١٤). وهذا إسناد ضعيف؛ لضَعْف ابن أبي ليلى وسوء حفظه.\nوله شواهد عن أنس بن مالك وابن عباس وعبد الله بن عمرو، ولا يصح منها حديث.","vol":"1","page":335},{"text":"وقال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اسْتِلَامَهُمَا (الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ) يَحُطُّ الْخَطَايَا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-430>المطلب الثاني: استحباب تقبيل الحَجَر الأسود:</span>\nعَنْ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: «إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ، مَا قَبَّلْتُكَ» (^٢).\nقال ابن عبد البر: لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ تَقْبِيلَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي الطَّوَافِ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-431>المطلب الثالث: استلام الحجر وتقبيله:</span>\nاستلام الحجر وتقبيله لا يخلو من حالين:\nالحال الأول: يُستحب استلام الحَجَر إن لم يكن هناك زحام، بالسُّنة والإجماع.\nفَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ، أَوَّلَ مَا يَطُوفُ» (^٤).\nقال النووي: فِيهِ اسْتِحْبَابُ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ، وَهُوَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ بِلَا خِلَافٍ (^٥).\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه الترمذي (٩٧٥)، وأحمد (٤٤٦٢)، وقد سبق.\n(^٢) البخاري (١٥٩٧)، ومسلم (١٢٧٠). وروى مسلم (١٢٧١): عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ. وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا.\n(^٣) «الاستذكار» (٤/ ٢٠١). ونَقَل هذا الإجماع ابن رُشد في «بداية المجتهد» (٢/ ١٠٧).\n(^٤) البخاري (١٦٠٣)، ومسلم (١٢٦١). وروى مسلم (١٢٦٨): عَنْ نَافِعٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ.\n(^٥) «شرح مسلم» (٩/ ٨) ونَقَل الإجماع ابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ٤٤).\nوقال ابن عبد البر: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الرُّكْنَيْنِ جَمِيعًا يُسْتَلَمَانِ- الْأَسْوَدُ وَالْيَمَانِيُّ- وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَسْوَدَ يُقَبَّلُ، وَالْيَمَانِيَّ لَا يُقَبَّلُ. «الاستذكار» (٤/ ١٩٨)، و«التمهيد» (٢٢/ ٢٥٩، ٢٦٠).","vol":"1","page":336},{"text":"الحال الآخَر: حُكْم استلام الحجر وتقبيله في شدة الزحام.\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يُشْرَع استلام الحجر وتقبيله في شدة الزحام (^١).\nواستدلوا بالسُّنة والمعقول:\nأما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ لعمر: «يَا أَبَا حَفْصٍ، أَنْتَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، وَإِنَّكَ تُزَاحِمُ عَلَى الرُّكْنِ فَتُؤْذِي الضَّعِيفَ، فَإِذَا رَأَيْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَكَبِّرْ وَامْضِ» (^٢).\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه كَانَ يَكْرَهُ أَنْ تُزَاحِمَ عَلَى الْحَجَرِ، تُؤْذِي مُسْلِمًا أَوْ يُؤْذِيكَ (^٣).\nوأما المعقول، فهو أن الاستلام سُنة، وإيذاء الناس بالزحام مُحَرَّم، واجتناب المُحَرَّم أَوْلَى من الإتيان بالسُّنة.\nالقول الآخَر: ما قاله الماوردي: وَحُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ أَنَّ الزِّحَامَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ (^٤).\nواستدلوا بأن ابْنَ عُمَرَ زَاحَمَ عَلَى الْحَجَرِ حَتَّى دَمَّى مَنْخِرُهُ (^٥).\nونوقش بأنه ورد أن ابن عمر ندم على هذا الفعل فلا يُستدل به، فَعَنْ سَالِمٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَتْرُكُ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ فِي الزِّحَامِ وَلَا غَيْرِهِ، حَتَّى رَأَيْتُهُ زَاحَمَنَا عَنْهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَصَابَهُ\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٤٦)، و«حاشية الدسوقي» (٢/ ٤١)، و«الحاوي» (٤/ ١٣٦)، و«الفروع» (٦/ ٣٤).\n(^٢) ضعيف: أخرجه أحمد (١٩٠) عن سفيان الثوري، عن أبي يَعْفُور العَبْدي، قال: سَمِعْتُ شَيْخًا بِمَكَّةَ، به.\nوقد جاء التصريح بأن الرجل المبهم هو (عبد الرحمن بن نافع) عند الشافعي في «السُّنن المأثورة» (٥١٠). وهو على كل حال مرسل.\nوقد أخرجه البيهقي (٩٣٣٤). وفي إسناده مُفَضَّل بن صالحٍ. وقد ذَكَر ابن عَدي هذا الحديث من منكراته. وابن المسيب لم يَسمع من عمر، كما في «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص: ٧١).\n(^٣) صحيح: رواه ابن جُرَيجٍ عند عبد الرزاق (٩٠٨٦) وحَجَّاج بن أرطأة عند ابن أبي شيبة (١٣٣٢٨) واللفظ له. وقيس بن سعد (٩٣٣٨) ثلاثتهم عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، به.\n(^٤) «الحاوي الكبير» (٤/ ١٣٦).\n(^٥) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (١٣١٦٠) عن طلحة بن يحيى وهو صدوق، عن القاسم، به.","vol":"1","page":337},{"text":"دَمٌ، فَقَالَ: قَدْ أَخْطَأْنَا هَذِهِ الْمَرَّةَ (^١).\nوأما ما يفعله بعض الطائفين من المزاحمة على الحجر، وكأنهم في مصارعة، وما يُصاحِب ذلك من لغط وضوضاء وفوضى، وزحام في صحن الطواف؛ فمما لا يتناسب مع قدسية المكان وشرفه. والنساء اللاتي يَدخلن في وسط الرجال لكي يُقَبِّلن الحَجَر، ولا يدرين أنهن قد ارتكبن إثمًا عظيمًا، وقد يَنتج عن ذلك التصاق الرجال بالنساء.\nقال النووي: فَإِنْ تَأَذَّى أَوْ آذَى لَمْ يَدْخُلْ، وَهَذَا مِمَّا يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَيَتَزَاحَمُونَ زَحْمَةً شَدِيدَةً، بِحَيْثُ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَرُبَّمَا انْكَشَفَتْ عَوْرَةُ بَعْضِهِمْ أوْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ. وَرُبَّمَا زَاحَمَ الْمَرْأَةَ، وَهِيَ مَكْشُوفَةُ الْوَجْهِ والْيَدِ. وَهَذَا كُلهُ خَطَأٌ يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ النَّاس، وَيَغْتَرُّ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ.\nوَكَيْفَ يَنْبَغِي لِعَاقِلٍ أَنْ يَرْتَكِبَ الأَذَى الْمُحَرَّمَ؛ لِيُحَصِّلَ أَمْرًا لَوْ سَلِمَ مِنَ الأَذَى، لِكَانَ سُنَّة؟! وَأَمَّا مَعَ الأَذَى فَلَيْسَ بسُنَّةٍ بَلْ حَرَامٌ. وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-432>المطلب الرابع: حُكْم استلام الحَجَر الأسود من غير طواف:</span>\nكَانَ ابْن عُمَرَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْتَلِمَ، كَانَ فِي طَوَافٍ أَوْ في غَيْرِ طَوَافٍ (^٣).\nوَعَنْ عَطَاءٍ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى الْمَغْرِبَ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَنَهَضَ لِيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، فَسَبَّحَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟! قَالَ: فَصَلَّى مَا بَقِيَ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ (^٤).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه الأزرقي في «أخبار مكة» (١/ ٣٣٣) وفي إسناده عثمان بن ساجٍ، وفيه ضعف.\n(^٢) «الإيضاح» (ص: ٢٠٢). وقال ابن تيمية: استلام الحَجَر وتقبيله مستحب. فإذا كان هناك زحمة وفي ذلك إيذاء للناس، فإنه يُنْهَى عنه. «جامع المسائل» (٣/ ١٤١).\nوقد أفتت اللجنة الدائمة (١١/ ٢٢٩) بأن تقبيل الحَجَر الأسود في الطواف سُنة مُؤكَّدة من سُنن الطواف، إِنْ تَيَسَّر فعلها بدون مزاحمة أو إيذاء لأحد بفعلك؛ اقتداء برسول الله ﷺ في ذلك.\nوإن لم يتيسر إلا بمزاحمة وإيذاء، تَعَيَّن الترك، والاكتفاء بالإشارة إليه باليد، ولا سيما المرأة؛ لأنها عورة. ولأن المزاحمة في حق الرجال لا تُشْرَع، ففي حق النساء أَوْلَى. كما أنه لا يَجوز لها عند تيسر التقبيل لها بدون مزاحمة- أن تَكشف وجهها أثناء تقبيل الحجر الأسود؛ لوجود مَنْ ليس هو بمَحْرَم لها في ذلك الموقف.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٧٤٦): حَدَّثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، به.\n(^٤) جاء عن عطاء من عدة طرق:\nفرواه مطرٌ الوراق عند أحمد (٣٢٨٥)، وعِسْل بن سفيان عند الفاكهي (١/ ١٣٣)، وهَمَّام عند أبي يعلى (٤/ ٤٦٦) ثلاثتهم بذكر الاستلام. ومطر وعِسل كلاهما ضعيف، وهَمَّام بن يحيى ثقة ربما وهم.\nوقد خالفهم ابن جُريج عند عبد الرزاق (٢/ ٣١٢)، وعامر الأحول عند البيهقي (٣/ ٣٦٠) بدون ذكر الاستلام. وقد قال عنه أحمد: ابن جُريج أَثْبَتُ الناس في عطاء، فثبوت الاستلام عن ابن الزبير فيه نظر.","vol":"1","page":338},{"text":"قَالَ مَالِكٌ: إنْ شَاءَ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ كُلَّمَا مَرَّ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَسْتَلِمْ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ مَنْ لَا يَطُوفُ، يَسْتَلِمُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ طَوَافٍ (^١).\nوالحاصل: أنه لم يَثبت عن رسول الله ﷺ استلام الحجر الأسود من غير طواف.\nالمطلب الخامس: عدم الوقوف في محاذاة الحَجَر في كل شوط، إن لم يكن ثَم زحام:\nاتَّفَق العلماء على أن السُّنة استلام الحَجَر الأسود في ابتداء الطواف وفي كل شوط، إن لم يكن ثَم زحام وإيذاء.\nفإن كان ثَم زحام وإيذاء، فإنه يُكبِّر. وهل يَستقبل الحَجَر ويشير إليه مع التكبير، أم لا؟\nاختَلف العلماء في حُكم الوقوف في محاذاة الحجر لاستقبال الحجر، على قولين:\nالأول: يُشْرَع مع التكبير استقبال الحَجَر والإشارة إليه. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «يَا عُمَرُ، إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وهَلِّلْ وَكَبِّرْ» (^٣).\nواعتُرض عليه بأن هذا الحديث لا يصح، وأن لفظة الاستقبال مُنكَرة.\nالقول الآخَر: يَقتصر على التكبير دون استقبال أو إشارة (^٤).\nوالراجح: أنه لم يَثبت سوى الإشارة مع التكبير؛ لِما روى ابن عباس ﵄ قال:\n_________\n(^١) «المُدوَّنة» (١/ ٤١٩)، و«مواهب الجليل» (٤/ ١٥٥).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٤٧)، و«المجموع» (٨/ ٤٠)، و«المغني» (٥/ ٢١٤).\n(^٣) أَصْل الحديث ضعيف، ولفظة الاستقبال منكرة؛ لمخالفة مَنْ رواها أكثرَ الرواة، فلم يروها سوى الوضاح اليشكري عن وَقْدان عند البيهقي (٩٣٣٥) وكذا رواها وَكِيع عن سفيان، عند أحمد (١٩٠).\nوخالفه عبد الرزاق (٨٩١٠) ويحيى القَطَّان عند الطبري في «تهذيب الآثار» (١٠٨) فروياه عن الثوري عن وقدان، به، بدون هذه اللفظة. وقد تابع الثوريَّ بدون تلك اللفظة ابنُ عُيينة عند عبد الرزاق (٨٩١٠) وأبو الأحوص عند ابن أبي شيبة (١٣٣١٦).\n(^٤) قال مالك: يُكَبِّرُ وَيَمْضِي، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ. «المُدوَّنة» (١/ ١٦٥).","vol":"1","page":339},{"text":"«طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ، وَكَبَّرَ» (^١).\nفالأقرب: أن يكتفي الطائف بالإشارة مع التكبير وهو ماشٍ، من غير استقبال.\nفأما الوقوف لاستقبال الحَجَر في بداية كل شوط، فأَمْر لم تَرِد به سُنة صحيحة، فيُترك هذا العمل اتباعًا للسُّنة، ودفعًا للمفسدة الحاصلة من اكتظاظ الطائفين على طول محاذاة الحجر، وتباطؤ الطائفين في هذه المنطقة من المطاف؛ مما يؤدي إلى زحام شديد.\n\n<span data-type='title' id=toc-434>المطلب السادس: استحباب استلام الحجر بعصًا:</span>\nروى مسلم: عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-435>المطلب السابع: استحباب الإشارة إلى الحَجَر:</span>\nرَوَى البخاري: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ» (^٣).\nالمطلب الثامن: لا يُستحب السجود على الحجر، أي: أن يضع جبهته على الحجر:\nأَجْمَع العلماء على أن استلام الحجر الأسود سُنة.\nواختلفوا في حكم السجود عليه على قولين:\nالأول: أن السجود على الحجر الأسود بدعة. وهو مذهب المالكية (^٤).\nالقول الآخَر: استحباب السجود عليه. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (^٥).\nواستدلوا بما ورد: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ عَلَى الْحَجَرِ (^٦).\n_________\n(^١) البخاري (١٦١٣).\n(^٢) مسلم (١٢٧٥).\n(^٣) البخاري (١٦١٢).\n(^٤) أَنْكَرَ مَالِكٌ وَضْعَ الْخَدَّيْنِ وَالْجَبْهَةِ عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. قَالَ: هَذَا بِدْعَةٌ. «المُدوَّنة» (١/ ٤١٩).\n(^٥) «البحر الرائق» (٢/ ٣٥٣)، و«الأُم» (٢/ ١٧١)، و«الحاوي» (٤/ ١٣٦)، و«الفروع» (٦/ ٣٣).\n(^٦) ضعيف، ورُوي عن ابن عباس من طريقين:\nالأول: عكرمة، أخرجه ابن أبي شيبة (١٥٣٩٧). ومداره على حسين بن عبد الله، وهو ضعيف.\nالثاني: محمد بن عَبَّاد، واختُلف عنه: فرواه ابن جُريج عنه موقوفًا عند عبد الرزاق (٨٩١٢).\nورواه جعفر بن عثمان، وقد اضطرب فيه: فرواه فمرة عن ابن عباس، عن عمر، مرفوعًا عند الطيالسي (٢٨)، وثانية: ليس فيه ابن عباس! عند أبي يعلى (٢١٩)، وثالثة ليس فيه عمر! عند العُقيلي (١/ ١٨٣). ومداره على جعفر بن عثمان، وقد قال عنه العُقيلي بعد أن ساق له هذا الحديث: في حديثه وهم واضطراب، وحديث ابن جُريج أَوْلَى. قلت: وقد صَرَّح ابن جُريج بالسماع، فأَمِنَّا تدليسه.","vol":"1","page":340},{"text":"والراجح: أن السجود على الحجر الأسود ليس بسُنة؛ لعدم ثبوته عن رسول الله ﷺ.\nفالحاصل: أن استلام الحَجَر في بداية الطواف على صفات أربع:\nالأولى: أن يَستلم الحجر الأسود ويُقبِّله.\nالثانية: أن يستلم الحجر بيده، ويُقبِّل يده.\nالثالثة: أن يستلمه بعصًا، ثم يُقَبِّل العصا.\nالرابعة: أن يشير إلى الحجر ويُكَبِّر، ويَبدأ الشوط.\nوهذه الصفات الأربع صحت عن رسول الله ﷺ؛ لتُظهِر رفق الرسول ﷺ بأمته، وأن الطائف يَفعل الأيسر له، فإن كان قريبًا من الحجر، ويستطيع أن يُقبِّله بلا مزاحمة قَبَّله، وإِنْ شَقَّ عليه تقبيله، واستطاع أن يستلمه بيده استلمه، أو استلمه بعصًا، وإلا أشار إليه وكَبَّر.\n\n<span data-type='title' id=toc-437>المطلب التاسع: محاذاة الحَجَر الأسود بجميع البدن في ابتداء الطواف:</span>\nاختَلف العلماء في ذلك على قولين:\nالأول: أن المحاذاة للحَجَر سُنة. وهذا مذهب الحنفية والمالكية (^١).\nواستدلوا بأن الواجب في الطواف البداءة من الحَجَر الأسود، ولم يُنْقَل وجوب المحاذاة عن رسول الله ﷺ، ولا عن الصحابة، مع توفر الدواعي على النقل.\nأما القياس، فإنه لَمَّا جاز محاذاة بعض الحَجَر، جازت محاذاته ببعض البدن (^٢).\nالقول الآخَر: وجوب محاذاة الحجر الأسود بجميع البدن. وصفة المحاذاة: أن يَستقبل البيت ويصير منكبه الأيمن محاذيًا للحَجَر. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) «فتح القدير» (٢/ ٤٩٤)، وفي «مواهب الجليل» (٣/ ٦٥).\n(^٢) «المجموع» (٨/ ٢٩).\n(^٣) «الأُم» (٢/ ١٧٠)، و«المجموع» (٨/ ٢٩)، و«المغني» (٥/ ٢١٥).","vol":"1","page":341},{"text":"واستدلوا بما ورد عن ابن عمر قال: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْحَجَرَ (^١).\nوظاهر هذا أنه ﷺ استقبله بجميع بدنه. ولأن ما وجب فيه محاذاة البيت، وجب محاذاته بجميع البدن؛ فإنه لو استَقبل الكعبة في الصلاة ببعض بدنه، فإنه لا يجزئه.\nوالراجح: أن محاذاة الحجر الأسود بجميع البدن في ابتداء الطواف- سُنة، وأنه يجزئ الاستقبال ببعض البدن، ويصح طوافه؛ لأنه لو كان الاستقبال للحجر بكل البدن شرطًا، لبَيَّنه رسول الله ﷺ لصحابته؛ لأنه لا يَجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nوهذا من شأنه التخفيف عند بداية الطواف؛ لأن محاذاته ببعض البدن لا تَستلزم وقوف الطائف، وإنما يكفي مجرد الإشارة.\nبخلاف القول بوجوب المحاذاة الذي يَستلزم وقوف الطائف على طول محاذاة الحجر الأسود، ويؤدي ذلك إلى تزاحم شديد، ولا يوجد دليل على الوجوب، فينبغي ترك المحاذاة في الزحام؛ احترازًا من إيذاء المسلمين الممنوع.\n\n<span data-type='title' id=toc-438>السُّنة الخامسة: التكبير في بداية الطواف:</span>\nيُستحب التكبير عند بداية الطواف بالإجماع.\nواختَلف العلماء فيما يزاد على التكبير من الأدعية على قولين:\nالأول: أنه يُكتفى بالتكبير ولا يزاد عليه؛ لِما رَوَى ابن عباس قال: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَعِيرِهِ، وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ، أَشَارَ إِلَيْهِ وَكَبَّرَ. وبه قال مالك (^٢).\nالقول الآخَر: أنه يُستحب أن يقول: (بِاسم الله والله أكبر) كلما استلم الحجر الأسود. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (^٣).\nلِمَا رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَقُولُ إذَا اسْتَلَمْنَا\n_________\n(^١) منكر: أخرجه ابن ماجه (٢٩٤٥). وتتمة الحديث: «ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ، يَبْكِي طَوِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ يَبْكِي، فَقَالَ: يَا عُمَرُ، هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ». وفي إسناده محمد الخُرَاساني، منكر الحديث.\n(^٢) «المُدوَّنة» (١/ ٣١٣).\n(^٣) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٤٤٦)، و«المجموع» (٨/ ٥٧)، و«كشاف القناع» (٢/ ٤٧٨).","vol":"1","page":342},{"text":"الْحَجَرَ؟ قَالَ: «قُولُوا: بِاسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ؛ إيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ» (^١).\nوَعَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ (^٢).\nوالراجح: أنه يُكتفَى بقول: (الله أكبر) ولا يُزاد عليه؛ لِما رَوَى البخاري: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَعِيرِهِ، وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ، أَشَارَ إِلَيْهِ وَكَبَّرَ.\nأما قول: (بِاسْمِ اللَّهِ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ؛ إيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فكل هذه الزيادات لا تصح عن رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-439>السُّنة السادسة: استلام الركن اليماني: وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-440>المطلب الأول: استحباب استلام الركن اليماني:</span>\nيُستحب استلام الركن اليماني، أي: وَضْع اليد اليمنى عليه؛ لِما ورد عن ابن عمر قال: «مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ: الْيَمَانِيَ وَالْحَجَرَ، مُذْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا» (^٣). قال ابن عبد البر: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الرُّكْنَيْنِ جَمِيعًا يُسْتَلَمَانِ: الْأَسْوَدُ وَالْيَمَانِيُّ، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَسْوَدَ يُقَبَّلُ، وَالْيَمَانِيَّ لَا يُقَبَّلُ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-441>المطلب الثاني: هل يُشْرَع تقبيل الركن اليماني، أو تقبيل يده بعد استلامه؟</span>\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه الشافعي في «الأم» (١٣٣) ولأن ابن جُريج يقول: (أُخْبِرْتُ) ومَن الذي أَخْبَرَه؟!\nوله شاهد: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ، إِيمَانًا بِاللهِ وَتَصْدِيقًا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ» أخرجه الفاكهي (٣٩). وفي إسناده الواقدي، متروك.\nوقد ورد عن نافع قال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ وَسُنَّةِ نَبِيَّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ» ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَيَسْتَلِمُهُ. عند الطبراني في «الأوسط» (٥٤٨٦).\nوهذا منكر؛ ففي إسناده محمد بن المهاجر القرشي، فيه ضعف، وقد خالف الثقات عن نافع عن ابن عمر، أنه كان إذا استلم الركن قال: باسم الله والله أكبر.\nوقد ورد هذا المعنى عن علي وابن عباس، ولا يصح عنهما.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٩٠٦٩)، وأحمد (٤٦٢٨) وغيرهما.\n(^٣) «البخاري» (١٦٠٦)، ومسلم (١٢٦٨) واللفظ له.\n(^٤) «الاستذكار» (٤/ ١٩٨) ونَقَله النووي في «شرح مسلم» (٨/ ١٧٦)، وابن رُشْد في «بداية المجتهد» (٢/ ١٠٧).","vol":"1","page":343},{"text":"اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه يُستحب استلام الركن اليماني، أي: مَسْحه باليد اليمنى؛ لثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ، ولا يُشرع تقبيله، أو تقبيل يده بعد استلامه؛ لعدم ثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ. وهذا قول الحنفية، والمالكية في المشهور عنهم، وأحمد في رواية (^١).\nالقول الثاني: أنه يُستحب مس الركن اليماني بيده، وتقبيل يده بعد استلامه، ولا يُشْرَع له تقبيل الركن اليماني. وبه قال مالك في رواية، والشافعي، وأحمد في رواية (^٢).\nفَعَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ فَقَبَّلَهُ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ فَقَبَّلَ يَدَهُ (^٣).\nالقول الثالث: أنه يباح تقبيل الركن اليماني. وهو قول أحمد في رواية (^٤).\nواستدلوا بما ورد، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَ الرُّكْنَ اليَمَانِيَّ، وَوَضَعَ خَدَّهُ عَلَيْهِ (^٥).\nوالراجح: أنه يُستحب استلام الركن اليماني، أي: مَسْحه باليد اليمنى؛ لثبوت ذلك، ولا يُشْرَع تقبيله، أو تقبيل يده بعد استلامه؛ لعدم ثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ.\nالسُّنة السابعة: استحباب الإكثار من الذِّكر والدعاء: وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: استحباب الإكثار من الذِّكر:\nيُستحب للطائف أن يُكْثِر من ذكر الله؛ ولذا يَبدأ كل شوط بذكر الله.\nفَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «طَافَ النبي ﷺ، وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ وَكَبَّرَ.\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٤٧)، و«المُنتقَى» (٢/ ٢٦٧)، و«كشاف القناع» (٢/ ٤٧٩).\n(^٢) «المجموع» (٨/ ٣٥)، و«شرح العمدة» (٢/ ٤٤٧).\n(^٣) منكر: أخرجه البيهقي (٩٣٠٨). وفي إسناده عمر بن قيس المكي، ضعيف، قال البخاري: منكر الحديث. ومما لا شك فيه أن هذا الحديث من مناكيره؛ فإنه لم يأتِ في حديثٍ قط أن النبي ﷺ قَبَّل يده بعد استلام الركن اليماني. وقد قال البيهقي: وَقَدْ رُوِيَ فِي تَقْبِيلِهِ خَبَرٌ لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ.\n(^٤) «كشاف القناع» (٢/ ٤٨٠)، و«شرح العمدة» (٢/ ٤٤٧).\n(^٥) منكر: ومداره على عبد الله بن مسلم بن هُرْمُز، وهو ضعيف، واختُلف عليه:\nفرواه عن مجاهد عن ابن عباس، به عند ابن خُزيمة (٢٧٢٧) ورواه إسرائيل عنه، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، به. أخرجه أبو يعلى (٢٦٠٥). وهذا الحديث من مناكير عبد الله بن مسلم؛ فإنه لم يأتِ في حديثٍ قط أن النبي ﷺ قَبَّل الركن اليماني غير هذا الحديث.","vol":"1","page":344},{"text":"وعن عائشة قالت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ؛ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ ﷿» (^١).\nالمطلب الثاني: استحباب الدعاء أثناء الطواف:\nيُستحَب للطائف أن يُكْثِر من الدعاء أثناء طوافه، وأن يَسأله سبحانه من خيرَي الدنيا والآخرة؛ فإن هذا موطن من مواطن الدعاء.\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (^٢).\nفالحاصل: أنه يُستحَب للطائف أن يكون خاشعًا خاضعًا متذللًا، حاضر القلب، مُلازِم الأدب بظاهره وباطنه، وفي حركته ونظره وهيئته، وأن يدعو بما تَيَسَّر من خيرَي الدنيا والآخرة؛ فإنه لم يصح عن رسول الله ﷺ في الطواف دعاء مُعيَّن، أو يَقرأ القرآن.\nوبذلك يتبين خطأ ما يفعله بعض الناس، من تخصيص أدعية معينة لكل شوط (^٣).\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أحمد (٢٤٣٥١). وهذا الحديث اختُلف في رفعه ووقفه، وعلى كل حال فمداره على عُبيد الله بن أبي زياد، وقد لَخَّص الحافظ فيه القول فقال: ليس بالقوي. «التقريب» (٤٢٩٢).\n(^٢) ضعيف: أخرجه أبو داود (١٨٩٢)، وأحمد (١٥٣٩٩) من طرق عن يحيى بن عُبَيْد، عن أبيه، به.\nوفي إسناده عُبيد والد يحيى: هو مولى السائب، وقد عده بعضهم صحابيًّا فوهم، قال الحافظ في «الإصابة» في ترجمته: عُبيدٌ تابعي، ما روى عنه إلا ابنه يحيى. قلت: وهو إلى الجهالة أقرب، وإن كان ذَكَره ابن حِبان في «ثقات التابعين» فهو متساهل في توثيق المجاهيل.\nوقد وردت بعض الأدعية عن النبي ﷺ في الطواف:\nمنها: عَنِ ابْن عَبَّاسٍ يَقُولُ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو بِهِ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: «رَبِّ قَنِّعْنِي بِمَا رَزَقْتَنِي، وَبَارِكْ لِي فِيهِ، وَاخْلُفْ عَليَّ كُلِّ غَائِبَةٍ لِي بِخَيْرٍ» أخرجه ابن خُزيمة (٢٧٢٨).\nقال الألباني: إسناده ضعيف، وقد استغربه الحافظ؛ لأن عطاء بن السائب كان اختلط، وسعيد بن زيد سَمِع منه آخرًا على ضعف في حفظه، ورواه غيره عنه موقوفًا.\nومنها: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَلَا يَتَكَلَّمُ، إِلَّا بِسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ؛ مُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ بِهَا عَشْرُ دَرَجَاتٍ. وَمَنْ طَافَ فَتَكَلَّمَ وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ، خَاضَ فِي الرَّحْمَةِ بِرِجْلَيْهِ، كَخَائِضِ الْمَاءِ بِرِجْلَيْهِ». وفي إسناده حُميد بن أبي سُويد، له مناكير كما قال البيهقي في «الشُّعَب» (١٧٤٩) وغير ذلك من الأحاديث، ولا يصح في هذا الباب حديث.\n(^٣) قال ابن تيمية: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ فِي الطَّوَافِ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَدْعُوَهُ بِمَا يُشْرَعُ، وَإِنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ سِرًّا فَلَا بَأْسَ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ مَحْدُودٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بَلْ يَدْعُو فِيهِ بِسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَمَا يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ دُعَاءٍ مُعَيَّنٍ تَحْتَ الْمِيزَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا أَصْلَ لَهُ. «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٢٢).","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type='title' id=toc-443>السُّنة الثامنة: الدنو من البيت:</span>\nيُستحَب الدنو من البيت بالإجماع.\nقال النووي: وَأَمَّا الدُّنُوُّ مِنَ الْبَيْتِ، فَمُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ.\nوَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤْذِيَ وَلَا يَتَأَذَّى بِالزَّحْمَةِ. فَإِنْ تَأَذَّى أَوْ آذَى بِالْقُرْبِ لِلزَّحْمَةِ، فَالْبُعْدُ إِلَى حَيْثُ يَزُولُ التَّأَذِّي وَالْأَذَى أَوْلَى.\nأَمَّا الْمَرْأَةُ، فَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ لَا تَدْنُوَ فِي حَالِ طَوَافِ الرِّجَالِ، بَلْ تَكُونُ فِي حَاشِيَةِ الْمَطَافِ، بِحَيْثُ لَا تُخَالِطُ الرِّجَالَ (^١).\nالسُّنة التاسعة: صلاة ركعتين بعد الطواف: وفيه خمسة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-445>المطلب الأول: حُكْم ركعتي الطواف.</span>\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أن ركعتي الطواف سُنة مُؤكَّدة. وهو مذهب الشافعية، ورواية للمالكية، وأحمد في رواية (^٢).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» فالصلوات المفروضات خَمْس، وركعتا الطواف ليستا منها، فعُلِم أنهما سُنة مُؤكَّدة وليستا بواجبتين.\nواستدلوا بقول النبي ﷺ: «مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ» (^٣).\nفخروج الحديث مَخرج الفضل وجَعْل ثواب محدد له- دليل استحبابها؛ لأن الواجب غير محدد الثواب.\nواستدلوا بأن ركعتي الطواف لم تُشرع جماعة، فلم تكن واجبة كسائر النوافل (^٤).\n_________\n(^١) «المجموع» (٨/ ٣٨).\n(^٢) «حاشية الدسوقي» (٢/ ٤١)، و«المجموع» (٨/ ٧١)، و«المغني» (٣/ ٢٣٢).\n(^٣) «سُنن ابن ماجه» (٣/ ١٦٩).\n(^٤) «المغني» (٣/ ٢٣٢).","vol":"1","page":346},{"text":"القول الآخَر: أن ركعتي الطواف واجبة. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وقول للشافعية، ورواية عند أحمد (^١).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة:\nأما دليلهم من الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فالله أَمَر بالصلاة عند مَقام إبراهيم بعد الفراغ من الطواف، والأمر للوجوب.\nويُفسِّر الآية ما ورد عن جابر في صفة حج النبي ﷺ: حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ- وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) وَ(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) (^٢).\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٢٨)، و«المجموع» (٨/ ٧١)، و«الإنصاف» (٤/ ٨).\n(^٢) مدار هذا الحديث على جعفر بن محمد عن أبيه، واختُلف عليه على ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: الإرسال، رواه مسلم (١٢١٨) باللفظ المذكور.\nوهذا الطريق فيه علتان:\nالأولى: الإرسال؛ فقول جعفر بن محمد: (فَكَانَ أَبِي يَقُولُ) وهو محمد بن علي بن الحسين، وهو تابعي قال: (وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهذا مرسل بإسقاط جابر.\nالثانية: قوله: (وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فهذا الشك والتردد يوهن هذه الرواية.\nالوجه الثاني: قد رُوي موصولًا: من طريق عبد العزيز، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ بِسُورَتَيِ الإِخْلَاصِ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ)، وَ(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ).\nوعبد العزيز بن عمران متروك، وقد سُئل أبو حاتم في «العلل» (٤٧٠) عن هذا الحديث، فقال: مُنْكَر.\nوتابعه سليمان بن بلال، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر، به. أخرجه أبو عَوَانة (٣٤١٦) من طريق القَعْنَبِيّ، به. وهذا الطريق منكر، وسيأتي تفصيله.\nالوجه الثالث: أن قراءة سورتَي الكافرون والإخلاص من قول محمد بن علي بن الحسين.\nفرواه القطان عند أحمد (١٤٤٤٠)، ووُهَيْب عند الطيالسي (١٧٧٣)، والثوري عند الترمذي (٨٧٠) عَنْ جَعْفَرِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ به، وقد رَجَّح الترمذي هذا الطريق.\nروى مالك في «الموطأ» (١٢٨١): عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَلَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، حَتَّى انْتَهَى إلَيْهِ، ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ» ورواه عن مالك الثقات بهذا المتن.\nوقد رواه الْقَعْنَبِي عن مالك، واختُلف عليه، فرواه عُبيد الله بن عبد الكريم عند الطوسي (٧٩٧)، وهلال بن العلاء عند أبي عَوَانة (٣٤٠٥)، وعلي بن عبد العزيز، عند البيهقي (٩٣٩٨) ثلاثتهم: عَنِ القَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ جَعْفَرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، مرفوعًا، به.=","vol":"1","page":347},{"text":"وأما دليلهم من السُّنة، فهو ما روى البخاري: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ (^١).\nوالراجح: أن ركعتي الطواف سُنة مُؤكَّدة؛ لعموم قول النبي ﷺ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» فالصلوات المفروضات خَمْس، وركعتا الطواف ليستا منها، فعُلم أنهما سُنة مُؤكَّدة وليستا بواجب.\n\n<span data-type='title' id=toc-446>المطلب الثاني: مكان أداء ركعتي الطواف:</span>\nأَجْمَع العلماء على استحباب أداء ركعتي الطواف خلف المَقام؛ اقتداء بالنبي ﷺ (^٢).\nوأجمعوا على إجزاء ركعتي الطواف في أي مكان من الحرم (^٣).\n_________\n=\nوخالفهم مسلم في «صحيحه» (١٢٦٣)، والفضل بن الحُبَاب عند ابن حِبان (٣٨١٣) وعثمان بن سعيد الدارمي، وعلي بن عبد العزيز البَغَوِيّ. أربعتهم عَنِ القَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ جَعْفَرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ».\nفتَبَيَّن من ذلك شذوذ رواية القَعْنَبِيّ المتصلة المرفوعة لرسول الله ﷺ؛ لأنه حَدَث عليه خلاف، وإن كان تابعه الوليد بن مسلم عند النَّسَائي (٢٩٦٣) فلا يُلتفَت إلى تلك المتابعة؛ لمخالفتهما لأصحاب مالك الثقات، كابن وهب ويحيى عند مسلم (٣٠٥٤) وخالد عند ابن أبي شيبة (١٥١٣٠) وغيرهم.\nوالحاصل: أن قراءة سورتَي الكافرون والإخلاص في ركعتيِ الطواف من قول محمد بن علي بن الحسين. وأما رواية مسلم فقد ذَكَرها مرسلة. وأما الروايات المرفوعة، فلا تصح عن رسول الله ﷺ.\nوقد قال ابن المَديني: رَوَى عن جعفر عن أبيه أحاديث مراسيل أسندها، منها حديث حابر الطويل في الحج، وحديث يحيى بن سعيد عن جعفر إرساله أثبت. «إكمال تهذيب الكمال» (٣/ ٢٧٠).\nوقال ابن عدي: هذا الحديث حَدَّث به عن جعفر جماعة من الأئمة، ولم يَرْوِ هذا الحديث عنه أطول مما رواه عنه حاتم بن إسماعيل «الكامل» (٣/ ٧١).\n(^١) البخاري (١٦٠٠).\n(^٢) قال ابن المنذر: ثَبَتَتِ الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمَّا طَافَ بِالْبَيْتِ، صَلَّى عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ. وَأَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ مُصِيبٌ. «الإشراف» (٣/ ٢٨٢). وقال النووي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ طَائِفٍ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ- أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ. «شرح مسلم» (٨/ ١٧٥).\nوقد نَقَل الإجماع أيضًا: ابن عبد البر «الاستذكار» (٤/ ٢٠٤)، والشربيني «مغني المحتاج» (٢/ ٢٥٢).\n(^٣) قال ابن عبد البر: وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الطَّائِفَ يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ حَيْثُ شَاءَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَحَيْثُ أَمْكَنَهُ، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُصَلِّ عِنْدَ الْمَقَامِ أَوْ خَلْفَ الْمَقَامِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. «الاستذكار» (٤/ ٢٠٤).\nوقال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الطائف يُجْزئه أن يصلي الركعتين حيث شاء. «الإجماع» (٥٦).","vol":"1","page":348},{"text":"واختلفوا هل يُشترط أداء ركعتي الطواف داخل الحرم؟\nفذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يصح أداء ركعتي الطواف في أي مكان، داخل وخارج الحَرَم (^١).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور:\nأما السُّنة، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَأَرَادَ الخُرُوجَ، وَلَمْ تَكُنْ أُمُّ سَلَمَةَ طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَأَرَادَتِ الخُرُوجَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ» فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ.\nفأُم سَلَمة لم تُصَلِّ ركعتي الطواف حتى خرجت من المسجد الحرام، ولم يَرِد أن الرسول ﷺ نهاها عن ذلك، ولا يَجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. فهذا دليل على عدم اشتراط ركعتي الطواف داخل الحَرَم.\nوأما المأثور، فقد طَافَ عُمَرُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ نَظَرَ، فَلَمْ يَرَ الشَّمْسَ فَرَكِبَ، وَلَمْ يُسَبِّحْ حَتَّى أَنَاخَ بِذِي طُوَى، فَسَبَّحَ رَكْعَتَيْنِ عَلَى طَوَافِهِ (^٢).\nوَكَانَ ابْنِ عُمَرَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ يَدْخُلُ الْبَيْتَ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ (^٣).\nالمطلب الثالث: هل الفضل خاص بحذاء خلف المَقام؟ أم يتعدى إلى غيره؟\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الفضل خاص بما يَصدق عليه خلف المقام، أي: قريبًا منه عُرْفًا. وهو مذهب الحنفية في المشهور عنهم، والمالكية والشافعية والحنابلة (^٤).\nالقول الثاني: أن الفضل يشمل ما خلف المَقام في حذائه. وهو قول النَّخَعي (^٥).\nالقول الثالث: أن الفضل يشمل جميع الحرم. وهو قول بعض الحنفية.\n_________\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٢٩٩)، و«المجموع» (٨/ ٥٣)، و«المغني» (٣/ ٢٣٢). واستَثنى مالك عدم صلاة ركعتي الطواف في الحجر، فإِنْ صَلَّاهما في البيت أعادهما خارجه. «المُدوَّنة» (١/ ٣١٨).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (٤٤٠) من طريق الزُّهْري، عن حُمَيْد، أن عبد الرحمن، به.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٩٢١٢)، وابن أبي شيبة (١٥٦٩٤).\n(^٤) «المسلك المتقسط» (ص: ٢٢٠)، و«حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٢)، و«تحفة المحتاج» (٤/ ٩٢).\n(^٥) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (١٥٠٣٠) وفي إسناده مغيرة، يدلس ولا سيما عن إبراهيم.","vol":"1","page":349},{"text":"والراجح: أن الفضل خاص بما يَصدق عليه خلف المقام، أي: قريبًا منه عُرْفًا.\nحُكْم أداء ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم وقت الزحام.\nتَحْرم الصلاة خلف المَقام وقت الزحام في طريق الطائفين لأمرين:\nالأول: أن أداء الركعتين خلف المَقام سُنة، وإيذاء الطائفين بالصلاة في طريقهم في الزحام مُحَرَّم، واجتناب المُحَرَّم أَوْلَى من الإتيان بالسُّنة.\nالثاني: يُحوج الطائفين للمرور بين يديه وهو يصلي، مع اشتغال قلبه بالمارة.\nالمطلب الرابع: وقت أداء ركعتي الطواف:\nأَجْمَع العلماء على جواز الطواف في جميع الأوقات، بما في ذلك أوقات النهي (^١).\nواختلفوا في أداء ركعتي الطواف في أوقات النهي على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يَجوز أداء ركعتي الطواف في أوقات النهي. وهو مذهب الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بالمأثور والمعقول:\nأما المأثور، فما ورد: عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا يَطُوفُ بِهَذَا الْبَيْتِ وَيُصَلِّي أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» (^٣).\nوَصَحَّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالطَّوَافِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حِينَئِذٍ (^٤).\nوَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ: رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ ﵄ يَطُوفُ بَعْدَ الفَجْرِ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ (^٥)\n_________\n(^١) قال النووي: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَاجَائِزٌ. المجموع (٨/ ٥٧).\n(^٢) «المجموع» (٨/ ٥٧)، و«المغني» (٢/ ٥١٧)، و«الإنصاف» (٢/ ٢٠٥).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (١٨٩٤) عن أبي الزُّبير، عن عبد الله بن بَابَاهْ به. وقد صَرَّح أبو الزُّبَيْر بالتحديث عند أحمد (١٦٧٧٤)، فانتفت شبهة تدليسه، وبقية رجاله ثقات.\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٩٢١٩) عن موسى بن عُقبة، عن سالم، به.\nورَوى ابن أبي شيبة (١٣٧٢٢) بسند صحيح: عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ طَافَ بِالْبَيْتِ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.\n(^٥) أخرجه البخاري (١٦٣٠).","vol":"1","page":350},{"text":"وَصَحَّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ طَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ سَبْعًا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (^١).\nوأما دليلهم من المعقول، فإنه إذا كان أبيح بالإجماع الطواف في أوقات النهي، وركعتا الطواف تابعتان للطواف، وإذا أبيح المتبوع فينبغي أن يباح التابع.\nالقول الثاني: يُكْرَه أداء ركعتي الطواف في أوقات النهي. وبه قال الحنفية والمالكية (^٢).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور:\nأما السُّنة، فعن أبي سعيدٍ الخُدْرِي يقول: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (^٣).\nوأما المأثور، فاستدلوا بما رُوي عن عمر أنه طاف بعد صلاة الصُّبح، فلما قَضَى طوافه، نَظَرَ فلم يَرَ الشمس طلعت، فرَكِبَ حتى أناخ بذي طُوًى، فصلى ركعتين (^٤).\nوعن ابن عمر أنه كان إذا طاف بعد الصبح لا يصلي حتى تطلع الشمس (^٥).\nواعتُرض عليه بأنه حدث خلاف على ابن عمر.\nوَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إذَا أَرَدْتَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، أَوْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَطُفْ وَأَخِّرِ الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ أَوْ حَتَّى تَطْلُعَ، فَصَلِّ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ (^٦).\nوَقَدِمَ أَبو سَعيدٍ الْخُدْرِيُّ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَطَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ، فَقَالَ: انْظُرُوا كَيْفَ يَصْنَعُ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ سَبْعِهِ قَعَدَ، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (^٧).\nالقول الثالث: أنه يُكْرَه صلاة ركعتي الطواف بعد صلاة العصر وبعد الفجر، وتَحرم الصلاة عند شروق الشمس وعند المغرب وعند قيام قائم الظهيرة، فإن صلاها لم تنعقد.\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه الفاكهي (٤٩٦)، وعبد الرزاق (٩٢١٧) من طريق ابن أبي أَوْفَى، به، وهو تصحيف، والصواب (ابن أبي مُلَيْكَة) كما عند الشافعي في «الرسالة» (٩٠٣).\n(^٢) «المبسوط» (٤/ ٤٧)، و«المُدوَّنة» (١/ ٣١٨).\n(^٣) أخرجه مسلم (٨٢٧).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (١٠٧٤)، وقد سبق تخريجه.\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه سعيد بن أبي عَروبة في كتاب المناسك، كما في «فتح الباري» (٣/ ٤٨٩).\n(^٦) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٤٢٤) وفي إسناده عبد الملك العرزمي، وهو صدوق.\n(^٧) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٩٢٢٢) عن ابن عُيينة، عن ابن أبي نَجيح، عن أبيه، به.","vol":"1","page":351},{"text":"وهو قول عند الحنفية، ورواية عند الحنابلة (^١).\nواستدلوا بما روى مسلم: عَنْ عُقْبَةَ يَقُولُ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ (^٢).\nالمطلب الخامس: ما يُستحب قراءته في ركعتي الطواف:\nذهب جماهير العلماء إلى أنه يُستحَب في ركعتي الطواف أن يَقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة (سورة الكافرون) وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة (سورة الإخلاص) (^٣).\nوفي حديث جابر: «حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. فَكَانَ أَبِي يَقُولُ- وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (^٤).\nوالحاصل: أن قراءة سورتَي الكافرون والإخلاص في ركعتي الطواف- من قول محمد بن علي بن أبي طالب.، وأما الروايات المرفوعة فلا تصح عن رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-448>السُّنة العاشرة: استحباب استلام الحجر الأسود بعد الصلاة خلف المَقام:</span>\nوفي حديث جابر الطويل: ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا.\nفدل حديث جابر بمنطوقه على أن رسول الله ﷺ رجع إلى الحَجَر الأسود بعد فراغه من ركعتي الطواف، فاستلمه قبل أن يَخرج إلى الصفا (^٥).\n_________\n(^١) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٤٩٩)، و«المبدع» (٢/ ٣٧)، و«الإنصاف» (٢/ ٢٠٦).\n(^٢) رواه مسلم (٨٣١).\n(^٣) «مواهب الجليل» (٣/ ١١١)، و«المجموع» (٨/ ٥٣)، و«المغني» (٣/ ٢٣١).\n(^٤) رواه مسلم، وهو أصل في صفة الحج، ولكن هذا القدر مُنتقَد على مسلم، وقد سبق تخريجه.\n(^٥) ولكن يشكل على حديث جابر ما رواه البخاري (١٦٩١) ومسلم (١٢٢٧) عن ابن عمر قال: «فَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا» فلم يَذكر ابن عمر أن النبي ﷺ استَلم الحَجَر بعد الطواف. وجابر أَثْبَتَ استلام النبي ﷺ للحَجَر بعد الصلاة، والمُثْبِت مُقَدَّم على النافي. ومع جابر زيادة وهو مُفصَّل، وحديث ابن عمر مُجْمَل، فيُحْمَل المُجْمَل على المُفَصَّل.","vol":"1","page":352},{"text":"قال ابن قُدامة: وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَأَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الصَّفَا، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَعُودَ فَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (^١).\nوهذه سُنة ثابتة بالنص والإجماع، ولكن تَحرم في أوقات الزحام بسبب التضييق على الطائفين المؤدين لنسكهم الواجب. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-449>السُّنة الحادية عَشْرة: الشرب من ماء زمزم بعد الطواف:</span>\nيُستحَب للحاج إذا فَرَغ من طوافه أن يَشرب من ماء زمزم؛ ففي حديث جابر: «… ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: «انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ، لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ» فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ» (^٢).\nفالحاصل: أنه قد ثَبَت أن النبي ﷺ شرب من ماء زمزم بعد طواف الإفاضة.\n_________\n(^١) «المغني» (٥/ ٢٣٤) ونَقَله النووي في «شرح مسلم» (٨/ ١٧٦).\nوقال ابن عبد البر: أَمَّا اسْتِلَامُ الرُّكْنِ، فَسُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ، وَعِنْدَ الْخُرُوجِ بَعْدَ الطَّوَافِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى الصَّفَا، لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا. «التمهيد» (٢٤/ ٤١٦).\n(^٢) وقد أخرجه مسلم في صفة الحج في حديث جابر الطويل. وقد رواه سليمان بن بلال، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْحَجَرِ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى زَمْزَمَ فَشَرِبَ مِنْهَا، وَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الصَّفَا» فتَفَرَّد سليمان بن بلال بهذه اللفظة: (ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى زَمْزَمَ، فَشَرِبَ مِنْهَا، وَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ) عند أحمد (١٥٢٤٣) وهي شاذة؛ لأنه جعل شرب النبي ﷺ بعد طواف القدوم.\nوقد خالف سليمانَ الثقاتُ الأثبات فرووه بدون هذه الزيادة، منهم مالك عند النَّسَائي (٢٩٦٣)، والثوي وابن عُيينة، كلاهما عند الترمذي (٨٥٦، ٨٦٢)، وحاتم بن إسماعيل عند مسلم (١٢١٨)، وإسماعيل بن جعفر ويزيد بن الهاد، كلاهما عند النَّسَائي (٢٩٦١)، (٢٩٨٥)، ويحيى القطان عند أحمد (١٤٤٤٠). وغيرهم عن جعفر، عن أبيه، عن جابر، به، بدون هذه الزيادة.\nوفي هذا المتن أنه عاد إلى الحَجَر الأسود مرتين: مرة قبل الشرب، وأخرى بعده. وهذا منكر، تَفَرَّد به موسى بن داود عن سليمان، وقد خالفه القَعْنَبي عند أبي عَوَانة (٣٤٥١) فذَكَر أنه استلم الحَجَر مرة واحدة.\nوالصحيح أن النبي ﷺ بعدما طاف للقدوم وصلى ركعتين، عاد إلى الحَجَر فاستلمه ثم ذهب إلى الصفا.","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type='title' id=toc-450>الفصل الرابع: ما يَحرم على الطائف</span>\n<span data-type='title' id=toc-451>القسم الأول: ما يتعلق من البدع بالتمسح بجدران الكعبة:</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: التمسح بجدران الكعبة والمَقام من البدع المنهي عنها.\nنَصَّ العلماء على عدم مشروعية التمسح بجدران الكعبة والمقام.\nقال ابن تيمية: ولا يُشْرَع تقبيل المَقام ومسحه إجماعًا (^١).\nوقال النووي: لَا يقَبِّلُ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ وَلَا يَسْتَلِمُهُ فَإنَّهُ بِدْعَةٌ (^٢).\nوَعَنْ بِشْرٍ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ رَأَى النَّاسَ يَمْسَحُونَ الْمَقَامَ، فَنَهَاهُمْ وَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تُؤْمَرُوا بِالْمَسْحِ. وَقَالَ: إِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ (^٣).\nالمطلب الثاني: التعلق بأستار الكعبة:\nينبغي أن يُفَرَّق بين أمرين:\nالأول: إن كان يَقصد المتعلق التعبد، فلا يَجوز؛ لأن العبادة مبناها على التوقيف.\nعَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَوَّذُ. وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَبَا هُرَيرَةَ وَلَا جَابِرًا وَلَا أَبَا سَعيدٍ وَلَا ابْنَ عُمَرَ- يَلْتَزِمُ أَحَدٌ مِنْ زَمْزَمَ الْبَيْتِ. قُلْتُ: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمَسُّ شَيْئًا مِنْ بَاطِنِهَا، أَوْ مِنْ أَدْرَاجِهَا يَتَعَوَّذُ بِهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ؟ قَالَ: لَا (^٤). فهذا يدل على عدم مشروعية التعلق بأستار الكعبة للتعبد.\nالثاني: أن يَقصد المتعلق بأستار الكعبة التذلل لله.\n_________\n(^١) «الاختيارات الفقهية» جَمْع البَعْلي (ص: ٤٦٦).\n(^٢) «الإيضاح في مناسك الحج والعمرة» (ص: ٣٩٢).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٨٩٥٨)، وابن أبي شيبة (١٥٥١٢).\n(^٤) مرسل: أخرجه عبد الرزاق (٩٠٣٧) عن ابن جُرَيْجٍ قال: أَخْبَرَني عطاء، به.","vol":"1","page":354},{"text":"قال ابن تيمية: وَلَمَّا كَانَتِ الْكَعْبَةُ بَيْتَ اللَّهِ، الَّذِي يُدْعَى وَيُذْكَرُ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يُسْتَجَارُ بِهِ هُنَاكَ، وَقَدْ يُسْتَمْسَكُ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، كَمَا يَتَعَلَّقُ بِأَذْيَالِ مَنْ يَسْتَجِيرُ بِهِ (^١).\nوَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كان إذا فَرَغَ مِنْ طَوَافِ الصَّدْرِ، يَأْتِي الْمَقَامَ فَيُصَلِّي عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ فَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، وَيَصُبُّ عَلَى وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ، ثُمَّ يَأْتِي الْمُلْتَزَمَ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْبَابِ، فَيَضَعُ صَدْرَهُ وَجَبْهَتَهُ عَلَيْهِ، وَيَتَشَبَّثُ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَيَدْعُو (^٢).\nوالحاصل: عدم مشروعية التعلق بأستار الكعبة؛ لأنه لم يَرِد ذلك عن رسول الله ولا عن أصحابه. ويجب على طلبة العلم تعليم الناس ترك الأفعال التي لم يَثبت بها سُنة؛ ولِما فيها من إيذاء الطائفين ومُضايقتهم دون وجه حق، والله أعلم.\nالمطلب الثالث: استلام الركنين الشاميين.\nنُقِل الإجماع على عدم استلام الركنين الشاميين (^٣).\nوهذا الإجماع منخرم؛ فقد ورد خلاف، فالصحيح أن هذا قول جماهير العلماء (^٤).\nوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ مِنَ الْبَيْتِ، إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ» (^٥).\nالقول الآخَر: أنه يُشْرَع استلام الركنين الشاميين (^٦).\nرَوَى البخاري: عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ: «وَمَنْ يَتَّقِي شَيْئًا مِنَ البَيْتِ؟» وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ. فَقَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا» وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ﵄ يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ (^٧).\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٥/ ٢٢٧).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٦٠).\n(^٣) «المجموع» (٨/ ٥٨).\n(^٤) وقد نَقَل الترمذي: عن أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ، أَنْ لَا يَسْتَلِمَ إِلاَّ الحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ «السُنن» (٢/ ٢٠٢).\n(^٥) رواه البخاري (١٦٠٩)، ومسلم (١٢٦٧).\n(^٦) وممن كان يقول باستلامهما: الحَسَن والحسين، وابن الزبير، وجابر، وأنس. «المجموع» (٨/ ٥٨).\n(^٧) أخرجه «البخاري» (١٦٠٨).","vol":"1","page":355},{"text":"ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: ما قاله الشافعي: لَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ أَنَّ عَدَمَ اسْتِلَامِهِمَا هَجْرٌ لِلْبَيْتِ، لَكِنَّهُ اسْتَلَمَ مَا اسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَمْسَكَ مَا أَمْسَكَ عَنْهُ.\nالثاني: أنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ خَالَفَهُمَا فِيهِ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجُمْهُورُ الصَّحَابَةِ، فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ اسْتِلَامُ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ (^١).\nوالذي ينبغي لزوار بيت الله الحرام: تَعَلُّم هَدْي النبي ﷺ في الحج، وأنه من غير المشروع استلام الركنين الشاميين؛ لأن في هذا إيذاء للطائفين؛ لِما يسببه ذلك من ضيق ومزاحمة لهم.\nالحكمة مِنْ ترك استلام الركنين الشاميين.\nبَيَّن ابن عمر ﵁، أن النبي ﷺ تَرَك استلام الركنين الشاميين؛ لأنهما لم يُبنيا على قواعد إبراهيم، ودل على ذلك عموم قول النبي ﷺ: «يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ» (^٢).\nقال ابن تيمية: وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، فَالرُّكْنَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ لَيْسَا بِرُكْنَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُمَا بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْجِدَارِ، وَالِاسْتِلَامُ إِنَّمَا يَكُونُ لِلْأَرْكَانِ، وَإِلَّا لَاسْتَلَمَ جَمِيعَ جِدَارِ الْبَيْتِ فِي الطَّوَافِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-452>القسم الثاني من البدع: ما يتعلق بالدعاء: وفيه أربعة مطالب:</span>\nالمطلب الأول: الدعاء الجماعي:\nالأصل أن يدعو كل إنسان بنفسه، وهذا ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.\nوفي الدعاء الجماعي رَفْع للصوت بالدعاء، وهو يخالف هَدْي النبي ﷺ، وفيه تشويش وإيذاء للطائفين الذاكرين الله الداعين له، وقد نَهَى الله عن ذلك، فقال تعالى:\n_________\n(^١) «المجموع» (٨/ ٣٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٨٦).\n(^٣) «شرح العمدة» (٢/ ٤٤٦).","vol":"1","page":356},{"text":"﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي: بدعائك، على قول.\nالمطلب الثاني: تخصيص كل شوط بدعاء معين:\nلم يَثبت عن النبي ﷺ دعاء مُعيَّن في الطواف، أو ذِكر مخصوص، سوى التكبير في بداية الطواف. وإنما على الطائف أن يدعو بما تيسر (بالدعاء المطلق) لنفسه ولرحمه وجميع المسلمين. وعلى ذلك تضافرت أقوال العلماء.\nقال السرخسي: وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ تَعْيِينَ شَيْءٍ مِنَ الْأَدْعِيَةِ فِي مَشَاهِدِ الْحَجِّ؛ لِمَا قَالَ مُحَمَّدٌ: التَّوْقِيتُ فِي الدُّعَاءِ يُذْهِبُ رِقَّةَ الْقَلْبِ، فَاسْتَحَبُّوا أَنْ يَدْعُوَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا يَحْضُرُهُ؛ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الْخُشُوعِ (^١).\nوقال ابن جماعة: اعلم أنه غَلَب على عوام الناس في زماننا- الإعراض في الطواف عن مهمات أدعيتهم؛ بسبب اشتغالهم بأدعية متكلفة غير مأثورة، لا يكون معها خشوع! ويَجتمع لذلك جماعة كثيرة من الرجال والنساء حِلقًا، حَوْل مَنْ يتلقونه منه، ويبالغون في رفع أصواتهم بالدعاء، ويقفون عند الأركان، ويكررون الإشارة إليها بأيديهم، فيشوشون على الطائفين برفع أصواتهم.\nفليُتجنَّب ذلك فإنه من أعظم البدع، وليَمْشِ الطائف بسكينة ووقار وأدب وخشوع وتواضع، لا يؤذي مَنْ أمامه بإسراع في المشي، ولا يَحبس مَنْ خَلْفه بوقوف، ولا يَجهر بأذكار الطواف وأدعيته، فيُشوِّش بالجهر على غيره (^٢).\nفتَبَيَّن من ذلك ضلال ما يفعله بعض المطوفين، من جمع الحُجاج حوله في مجموعات كبيرة، تتحرك دفعة واحدة، مما يؤدي إلى تدافع الطائفين وأذيتهم، ورَفْع الصوت بالدعاء بما يشوش على الطائفين. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-455>المطلب الثالث: الدعاء عند المُلتزَم:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب الدعاء عند المُلتزَم، وهو ما بين الحَجَر الأسود\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ٩).\n(^٢) «هداية السالك» باختصار (٣/ ٩٩٣).","vol":"1","page":357},{"text":"وباب الكعبة. وسُمي (المُلتزَم) لأن الناس يلتزمونه عند الدعاء، أي: يَضمونه إلى صدورهم. وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (^١).\nفَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: طُفْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ السَّبْعِ، رَكَعْنَا فِي دُبُرِ الْكَعْبَةِ. قَالَ: ثُمَّ مَضَى فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ قَامَ بَيْنَ الْحَجَرِ وَالْبَابِ، فأَلْصَقَ صَدْرَهُ وَيَدَيْهِ وَخَدَّهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ (^٢).\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ يُدْعَى الْمُلْتَزَمَ، لَا يَلْزَمُ مَا بَيْنَهُمَا أَحَدٌ يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ (^٣).\nونوقش بأنه لا يصح في الدعاء عند المُلتزَم حديث، والسُّنة (بعد الطواف) أَنْ يَرجع إلى الحَجَر الأسود فيستلمه، ثم يَخرج إلى المَسعى، ثَبَتَ ذلك عن رسول الله ﷺ (^٤).\nوقد ذهب بعض العلماء إلى أن الدعاء عند المُلتزَم يكون قبل طواف الوداع (^٥).\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٦٠)، و«مواهب الجليل» (٣/ ١١٢)، و«الأُم» (٢/ ٢٢١)، و«المغني» (٥/ ٣٤٢).\n(^٢) منكر: أخرجه عبد الرزاق (٩٢٥٦). وقد تَصَحَّفَ (المُثنَّى بن الصَّبَّاحِ) في أصل المُصَنَّف إلى (ابن التَّيْمي) وهو خطأ. وقد رواه ابن ماجه (٢٩٧٥) ومن طريق عبد الرزاق عن المُثَنَّى، فضلًا عن أن ابن التيمي- وهو المُعتمِر بن سليمان- لا يَروي عن عمرو بن شُعيب.\nوأخرجه عبد الرزاق (٩٢٥٧) عن ابن جُريجٍ قال: قال عمرو بن شُعيب: طَافَ مُحَمَّدٌ- جَدُّهُ- مَعَ أَبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو … بمعناه. وابن جُريج مدلس، ولم يُصَرِّح بالتحديث، والظاهر أنه أَسْقَط المُثَنَّى، وقد صَدَق الدارقطني إذ قال: تَجَنَّبْ تدليس ابن جُريج؛ فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح. وقال البخاري: ابن جُريجٍ لم يَسمع من عمرو بن شُعيب.\nوأخرجه أبو داود (١٨٩٩) عن المُثَنَّى بن الصَّبَّاحِ، عن عمرو بن شُعَيْب، عن أَبيه. بدون جَدّه.\nوالحاصل: أن هذا الحديث تَفَرَّد به المُثَنَّى بن الصَّبَّاحِ، وهو ضعيف، ويَروي عن عمرو بن شُعَيْب مناكير، وهذا الحديث من مناكير المُثَنَّى. وقال أبو زُرْعَة: عامة المناكير التي تُرْوَى عن عمرو بن شُعيب إنما هي عن المُثَنَّى بن الصَّبَّاح.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه البيهقي (٩٧٦٦).\n(^٤) وقال الطَّبَرِيُّ: الصَّوَابُ الَّذِي تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ: أَنَّهُ لَا يَشْتَغِلُ عَقِبَ صَلَاةِ الطَّوَافِ بِشَيْءٍ إِلَّا اسْتِلَامَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، ثُمَّ الْخُرُوجَ إِلَى الصَّفَا. «المجموع» (٨/ ٦٧).\n(^٥) قال ابن تيمية: وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْتِيَ الْمُلْتَزَمَ- وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْبَابِ- فَيَضَعَ عَلَيْهِ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ، وَيَدْعُوَ وَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى حَاجَتَهُ، فَعَلَ ذَلِكَ.\nوَإِنْ شَاءَ قَالَ فِي دُعَائِهِ الدُّعَاءَ الْمَأْثُورَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِي فِي بِلَادِكَ، حَتَّى بَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ إِلَى بَيْتِكَ، وَأَعَنْتَنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكِي.\nفَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي، فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا. وَإِلَّا فَمِنَ الْآنَ فَارْضَ عَنِّي قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي؛ فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إنْ أَذِنْتَ لِي. اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي، وَالصِّحَّةَ فِي جِسْمِي، وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَك مَا أَبْقَيْتنِي، وَاجْمَعْ لِي بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٤٢).","vol":"1","page":358},{"text":"والراجح: أنه لم يصح الدعاء عن النبي ﷺ عند المُلتزَم ولا تحت الميزاب بعد الطواف. والدعاء عبادة، فلا يَجوز تخصيصه بزمان ومكان لم يَرِد تخصيصهما في الشرع.\nوالسُّنة الثابتة عن النبي ﷺ أنه بعد الطواف وركعتيه استلام الحجر والسعي. أما الدعاء عند المُلتزَم مطلقًا بغير تخصيص فيَجوز، وإن كان لم يصح فيه حديث مرفوع، ولكن صح ذلك عن بعض السلف، كابن عباس وعروة وطاوس وغيرهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-456>المطلب الرابع: لا يُستحب الدعاء تحت الميزاب بعد الطواف </span>وقبل السعي. وميزاب الكعبة هو مَصَبّ ماء المطر (^٢).\nذهب قوم إلى استحباب الدعاء تحت الميزاب بعد الطواف وقبل السعي. وهو قول عند الحنفية وعند المالكية، وقول بعض الشافعية وبعض الحنابلة (^٣).\nواستدلوا بما رُوي أن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا حَاذَى مِيزَابَ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ فِي الطَّوَافِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرَّاحَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْحِسَابِ» (^٤).\nواعتُرض عليه بأنه لا يصح في الدعاء تحت الميزاب حديث.\nوالراجح: أنه لا يُشْرَع الدعاء تحت الميزاب بعد الطواف؛ ولأن الدعاء عبادة، فلا\n_________\n(^١) رَوَى عبد الرزاق (٩٢٦١) بسند صحيح عن عروة أَنه كان يُلْصِق بالبيت صَدْره ويده وبطنه. وكذا صح عن طاوس بن كَيْسَان عند عبد الرزاق (٩٢٥٣).\n(^٢) «تاج العروس» (٢/ ٢٤).\n(^٣) «البحر الرائق» (٢/ ٣٥٧)، و«مواهب الجليل» (٣/ ١١٢)، و«الحاوي» (٤/ ١٥٥)، و«الفروع» (٦/ ٤٢).\n(^٤) مرسل ضعيف: أخرجه الأزرقي في «أخبار مكة» (١/ ٣١٩). وفي إسناده عثمان بن ساج، وهو ضعيف.","vol":"1","page":359},{"text":"يَجوز تخصيصه بزمان ومكان لم يَرِد تخصيصهما في الشرع، والسُّنة الثابتة عن النبي ﷺ أنه بعد الطواف وركعتيه استلام الحجر والسعي.\n\n<span data-type='title' id=toc-457>القسم الثالث: ما يَحرم في الطواف بسبب الاختلاط:</span>\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type='title' id=toc-458>المطلب الأول: يَحرم الطواف بالبيت عُريانًا</span>؛ لعموم قوله ﷺ: «لَا يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» (^١).\nويَدخل في هذا أنه يَحرم على النساء التزين والتبرج والتطيب في كل وقت، وعند الطواف أشد، فيجب على المرأة أن تَلبس لباسًا ساترًا بالضوابط الشرعية، وألا تكون فتنة، ولا سيما عند الكعبة المشرفة وفي بيت الله المُحَرَّم. ويَحرم نظر الرجال إلى النساء الأجنبيات؛ لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-459>المطلب الثاني: يَحرم مخالطة الرجال للنساء في الطواف،</span> قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].\nوقد أَمَر النبي ﷺ أُم سَلَمَة أن تطوف خلف الناس، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي. قَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ».\nفطواف النساء مع الرجال حال الاختلاط لا يَجوز، ولا سيما إذا كان الزحام شديدًا، ويؤدي إلى المماسة والافتنان.\nروى البخاري: عَنْ عَطَاءٍ: إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ، قَالَ: كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ، وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الرِّجَالِ؟! قُلْتُ: كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ، كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَطُوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجَالِ، لَا تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٩).","vol":"1","page":360},{"text":"انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ. قَالَتْ: «انْطَلِقِي عَنْكِ» وَأَبَتْ، يَخْرُجْنَ مُتَنَكِّرَاتٍ بِاللَّيْلِ، فَيَطُفْنَ مَعَ الرِّجَالِ، وَلَكِنَّهُنَّ كُنَّ إِذَا دَخَلْنَ البَيْتَ، قُمْنَ حَتَّى يَدْخُلْنَ، وَأُخْرِجَ الرِّجَالُ (^١).\nوَقَدْ نَهَى عُمَرُ أَنْ يَطُوفَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فَرَأَى رَجُلًا مَعَهُنَّ، فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ (^٢).\nوَعَنْ حَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَطُوفُونَ مَعًا مُخْتَلِطِينَ، حَتَّى وَلِيَ مَكَّةَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الطَّوَافِ، وَأَجْلَسَ عِنْدَ كُلِّ رُكْنٍ حَرَسًا مَعَهُمُ السِّيَاطُ، يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ (^٣).\nونوقش بأن صلاة النساء مع الرجال في المسجد، وكذا الطواف في زمن النبي ﷺ.\nوأجيب عنه بأن صلاة النساء في المسجد خلف الرجال بلا اختلاط، ومع هذا قال رسول الله ﷺ: «خَيْر صفوف النساء آخِرها» لعدم وجود اختلاط وافتتان النساء بالرجال، وكذا أمهات المؤمنين طفن مع الرجال بدون اختلاط.\nولذا ينبغي أن تَطوف النساء منفردات عن الرجال، بأن يُخصَّص لهن وقت لطوافهن، والرجال لهم وقت؛ حتى لا يَحدث اختلاط. أو وَضْع حاجز دائري يَفصل طواف النساء عن الرجال، ولا سيما أوقات الزحام. والله أعلم.\n•١•\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦١٨).\n(^٢) مرسل: أخرجه الفاكهي (١/ ٢٥٢) وفي إسناده إسماعيل بن محمود، لم أجد له ترجمة. والنَّخَعي لم يَسمع من عمر.\n(^٣) «أخبار مكة» للأزرقي (٢/ ١٩): من طريق عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ.","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type='title' id=toc-460>الفصل الرابع: مكروهات الطواف:</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-461>المطلب الأول: يُكْرَه للطائف أن يُدافِع البول والغائط، ويُكْرَه أن يطوف وهو شديد التوقان إلى الطعام أو النوم؛ حتى لا يُحال بينه وبين الخشوع.</span>\nفالذي ينبغي للطائف إذا كان شديد التوقان إلى النوم نام، أو إلى الطعام أَكَل، أو يريد قضاء الحاجة أو الوضوء توضأ؛ حتى يَدخل البيت بقلب خاشع يَستحضر عظمة الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-462>المطلب الثاني: يُكْرَه للطائف الإكثار من الكلام مع الأصحاب الذين يطوفون معه،</span> ولكن ينبغي له الإكثار من الدعاء والذِّكر واستحضار عظمة الله. وينبغي له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n<span data-type='title' id=toc-463>المطلب الثالث: يُكْرَه القعود في الطواف ولا سيما في الزحام،</span> وكذا يُكْرَه عمل مجموعات كبيرة مع الدخول في وسط الزحام، ومزاحمة الطائفين وأذيتهم؛ لِما روى ابن عباس ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ، بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ - أَوْ بِخَيْطٍ أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ - فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: «قُدْهُ بِيَدِهِ» (^١).\n•١•\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٢٠).","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type='title' id=toc-464>الفصل الخامس نوازل الطواف</span>\nوفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: نَقْل مَقام إبراهيم وتوسعة المطاف.\nالمبحث الثاني: إنشاء وسائل آلية مُساعِدة في المطاف والمسعى.\nالمبحث الثالث: تَكرار الطواف في المواسم.\nالمبحث الرابع: مَنْع غير المُحْرِمين من النزول إلى صحن الطواف أوقات المواسم.\nالمبحث الخامس: الإفادة من البناء المُقبَّب في المطاف.\nالمبحث السادس: استعمال العَدَّاد لضبط عدد أشواط الطواف والسعي.","vol":"1","page":363},{"text":"المبحث الأول: نَقْل مَقام إبراهيم: وفيه تمهيد ومطلبان:\nالتمهيد: المَقام في اللغة: موضع قدم القائم. ومَقام إبراهيم: هو الحَجَر الذي قام عليه حين رَفَع بناء البيت وبه أَثَرُ قدميه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وهو موجود بداخل الموضع الزجاجي الواقع أمام الكعبة المشرفة، الذي أُسِّس في عهد الحكومة السعودية، سَنة (١٣٧٤ هـ) فأصبح يراه العامّ والخاص بعد هدم الموضع الأول البنائي، الذي كان لا يَرى فيه المَقام إلا الخواص (^١).\nالمطلب الأول: هل موضع المَقام الآن هو موضعه في زمن النبوة، أو في زمن عمر؟\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أن مَقام إبراهيم كان عند الباب، وأن الذي وضعه في هذا المقام هو عمر؛ تخفيفًا عن الطائفين. وهو قول عائشة وعروة، ومجاهد ومالك (^٢).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور:\nأما السُّنة، فعند أبي داود في حديث جابر الطويل في حجة النبي ﷺ، قال: حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبرَاهِيمَ، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ.\nوَجْه الدلالة: (ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبرَاهِيمَ) فلا شك أن كلمة (تَقَدَّمَ) تدل على أن المَقام كان ملاصقًا للكعبة. ولو كان المَقام في موضعه الآن، لقال: (تَأَخَّرَ) (^٣).\nوأما المأثور، فَرَوَتْ عَائِشَةَ أَنَّ الْمَقَامَ كَانَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ، ﵌، وَزَمَانِ أَبِي بَكْرٍ- مُلْتَصِقًا بِالْبَيْتِ، ثُمَّ أَخَّرَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (^٤).\n_________\n(^١) وقيل: بل هو مناسك الحج كلها. وقيل: عرفة. وقيل: مزدلفة. وقيل: الحَرَم كله. ويَرفع هذا الخلاف، ويُبيِّن المراد بالمَقام- قولُه ﷺ: «فجَعَل المَقام بينه وبين الكعبة» وهذا يدل على أنه هو الموضع المعروف هناك، الذي يَستقبل بابَ البيت. «المُفْهِم» (٣/ ٢٥٦)، و«فتح الباري» (١/ ١٨٩).\n(^٢) «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٣٠٧)، و«المُدوَّنة» (٢/ ٢٥٢).\n(^٣) رسالة «مَقام إبراهيم» للمُعَلِّمي اليماني (ص: ٨١، ٨٢).\n(^٤) ضعيف، أُعِل بالإرسال، مدار هذا الأثر على هشام بن عروة، عن أبيه. واختُلف عنه:\nويرويه الدراوردي، واختُلف عليه:\nفقيل: عنه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة! كما في «مسند الفاروق» (٣٤٥).\nوقيل: عنه، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أُراه عن عائشة! أخرجه الفاكهي في «أخبار مكة» (٩٩٨).\nورواه عيسى بن يونس وابن عُيينة، كلاهما عن هشام بن عروة عن أبيه. ليس فيه: (عائشة). أخرجه الفاكهي (٩٩٧)، والأزرقي (٢/ ٣٥). ورَجَّح هذا الوجه المرسلَ أبو زُرْعَة «العلل» (٨٩٦).\nورَوَى عبد الرزاق (٨٩٥٥): عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً وَغَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا يَزْعُمُونَ أَنَّ عُمَرَ أَوَّلُ مَنْ رَفَعَ المَقَامَ، فَوَضَعَهُ مَوْضِعَهُ الآنَ. وهذا ضعيف؛ لانقطاعه بين عطاء وأصحابه وبين عمر.\nوقد روى عبد الرزاق (٨٩٥٤): عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ بَعْضَ خِلَافَتِهِ- كَانُوا يُصَلُّونَ صُقْعَ الْبَيْتِ حَتَّى صَلَّى عُمَرُ خَلْفَ الْمَقَامِ.\nوقد أَنْكَر ابن رجب هذا الأثر، فقال: وهذا يوهم أن النبي ﷺ لم يُصَلِّ إلى المَقام، وهذا باطل يَرُده حديث ابن عمر وجابر كما تقدم، وهذا يناقض ما قاله عروة أن المَقام كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر- مُلصَقًا بالبيت، فكيف يكون كذلك ثم يَزعم أن النبي ﷺ وأبا بكر صليا عند البيت، ولم يصليا خلف المَقام إلى أن صلى خلفه عمر؟! فقد اضطرب قول عروة في هذا واختَلف. «فتح الباري» (٣/ ٨٥).","vol":"1","page":364},{"text":"القول الآخَر: أن موضع المَقام اليوم هو موضعه في زمن النبوة.\nعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ صَلَّيْنَا خَلْفَ الْمَقَامِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَكَانَ الْمَقَامُ عِنْدَ الْبَيْتِ، فَحَوَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَوْضِعِهِ هَذَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: قَدْ كَانَ عُمَرُ يَرَى الرَّأْيَ، فَيَنْزِلُ بِهِ الْقُرْآنُ (^١).\nوَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: مَوْضِعُ الْمَقَامِ هَذَا الَّذِي هُوَ بِهِ الْيَوْمَ هُوَ مَوْضِعُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَفِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، إِلَّا أَنَّ السَّيْلَ ذَهَبَ بِهِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، فَجُعِلَ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ، حَتَّى قَدِمَ عُمَرُ، فَرَدَّهُ بِمَحْضَرِ النَّاسِ (^٢).\nونوقش بأنه لو صح فهو ينفي تحويل النبي ﷺ له، وأنه لم يكن لاصقًا بالكعبة.\nوالحاصل: أن مَقام إبراهيم كان عند الباب، وأن الذي وضعه في هذا المَقام هو عمر.\nالمطلب الثاني: حُكْم نقل مَقام إبراهيم:\nمِنْ أسباب الزحام في المطاف: التزام كثير من الحجيج بأداء ركعتي الطواف خلف المَقام وقت اشتداد الزحام، ويَنتج عن ذلك شل حركة المطاف وتَدافُع وإيذاء وفوضى والتصاق الرجال بالنساء، مما لا يتناسب مع قدسية المكان وشرفه.\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه ابن مَرْدَوَيْهِ، في «تفسير ابن كَثير» (١/ ٤١٨) وشَريك وإبراهيم بن مُهاجِر ضعيفان.\n(^٢) ضعيف: أخرجه الأزرقي في «أخبار مكة» (٢/ ٣٥). وفي إسناده عبد الجبار بن الوَرْد، وهو صدوق يَهِم. وقد قال البخاري: سَمِع ابنَ أبي مُلَيْكة، فخالف في بعض حديثه، ولا يَتحمل مثل هذا المتن.","vol":"1","page":365},{"text":"ومن الحلول المطروحة: نَقْل مَقام إبراهيم، فقد اختَلف العلماء في حكم ذلك: فمنهم مَنْ أجاز نقل المَقام؛ لدَفْع مَفسدة الزحام وتحقيقًا للمصلحة. كالمُعَلِّمي، ومحمد بن إبراهيم، وابن باز، والألباني. ومِن العلماء مَنْ مَنَع. ومنهم مَنْ تَوَقَّفَ (^١).\nوالراجح: أنه لا يوجد ضرر في وجود المَقام في محله الآن، بعد أن هُذِّب هيكله وجُعل رفيعًا أنيقًا؛ أشبه بسارية في المسجد، لا يؤثر في سلاسة حركة الطائفين.\nوالحل الصحيح: مَنْع الطائفين من الصلاة خلف المَقام في المطاف أوقات الزحام، وليس نقل المَقام (^٢).\nومن الحلول المطروحة: إقامة المَقام على آلة كهربائية رافعة.\nوصورة هذا العمل: هي أن يُعمَل للمَقام في مكانه خندق أرضي طولي، عمقه بقدر ارتفاعه على وجه الأرض وزيادة، يقام على آلة كهربائية رافعة، بما يَضمن دخوله في عمق الخندق آليًّا، وتغطية أعلاه بنفس الرخام الذي تُغطَّى به أرض المطاف، فيصبح متساويًا معه في وقت المواسم، فإذا ما انفض جمع الحُجاج وخف الزحام، رُفِع مرة أخرى ليبقى بارزًا مُشاهَدًا كما هو المعتاد، ويكون ذلك بطريقة آلية يُضغَط على مِفتاح خاص (^٣).\nومِن الحلول المطروحة: وَضْع المَقام على صندوق متحرك، بأن يُعَلَّم موضع المَقام بعلامة ثابتة، ثم يوضع المَقام على صندوق متحرك في مكانه في غير المواسم، وفي أيام المواسم يُؤخَّر، فإذا خف الزحام يعاد إلى موضعه.\n\n<span data-type='title' id=toc-466>المبحث الثاني: إنشاء وسائل آلية مُساعِدة في المطاف والمسعى:</span>\nيُقترَح عمل دور سفلي في المَطاف والمسعى، وتُستخدم وسائل آلية مُساعِدة في المطاف، مثل السيور الكهربائية أو القطار، على حَسَب ما يقرره أهل الخبرة، ويكون هذا\n_________\n(^١) «حلول الزحام في المناسك» (ص: ٣١٠).\n(^٢) قال ابن عبد البر: وَرَوَيْنَا أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ ذَكَرَ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ يُرِيدُ هَدْمَ مَا بَنَى الْحَجَّاجُ مِنَ الْكَعْبَةِ، وَأَنْ يَرُدَّهُ إِلَى بُنْيَانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ؛ لِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَامْتَثَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ. فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: نَاشَدْتُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ لَا تَجْعَلَ هَذَا الْبَيْتَ مَلْعَبَةً لِلْمُلُوكِ، لَا يَشَاءُ أَحَدٌ مِنْهُمُ إِلَّا نَقَضَ الْبَيْتَ وَبَنَاهُ، فَتَذْهَبُ هَيْبَتُهُ مِنْ صُدُورِ النَّاسِ. «الاستذكار» (٤/ ١٨٨).\n(^٣) «حلول الزحام في المناسك» (ص: ٣٢٢).","vol":"1","page":366},{"text":"الدور مختصًّا بأصحاب الأعذار من كبار السن والعاجزين. وهذا يفيد في تخفيف الزحام.\nقال الشيخ محمد بن إبراهيم: تسهيلًا للسعي بين الصفا والمروة على العَجَزة، يمكن عمل خط تمر عليه عربات من داخل المسعى، ومعلقة في جدرانه، تَذهب من طريق، وتعود من الطريق الثاني (^١).\nويمكن قياسها على العربات اليدوية المستعملة حاليًّا في المسجد الحرام، والتي استمر عمل المسلمين عليها في أداء المناسك، من غير نَكير.\nويُقترَح عمل لجنة من أهل العلم وأهل الخبرة من المهندسين؛ لعَمَل دور سفلي في المطاف والمسعى، وتُستخدَم وسائل آلية مُساعِدة في المطاف بالضوابط الشرعية.\n\n<span data-type='title' id=toc-467>المبحث الثالث: تَكرار الطواف في المواسم:</span>\nأَجْمَع العلماء على استحباب تَكرار الطواف (^٢).\nأما في المواسم ولا سيما في أوقات الزحام، فلا يُستحب تَكرار الطواف؛ لعدم أذية الحُجاج الطائفين المؤدين لنسكهم الواجب.\nالمبحث الرابع:\nمَنْع غير المُحْرِمين من النزول إلى صحن الطواف أوقات المواسم:\nالأصل عدم جواز منع أي قاصد لبيت الله؛ لعموم قول النبي ﷺ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، إِنْ وَلِيتُمْ هَذَا الأَمْرَ فَلَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ أَوْ صَلَّى، أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ».\nفهذا نص صريح في أن مَنْ تولى أمر المسجد الحرام، ليس له منع أي طائف بالبيت.\nفهذا هو الأصل، ويمكن الحيدة عنه إذا اضطر ولي الأمر إلى منع غير المُحْرِمين من النزول إلى صحن الطواف أوقات المواسم؛ ليَحمي الحُجاج من مخاطر الزحام، وما يتضمنه من هلاك الأنفس وذَهاب الأرواح، فتُستثنَى مواطن الضرورات، والضرورة تُقَدَّر بقَدْرها، فالمنع لطائفة محددة وهم مَنْ يطوفون تطوعًا، وعن مكان محدد وهو صحن\n_________\n(^١) «فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ» (٥/ ١٥٠).\n(^٢) قال المحب الطبري: أجمعوا على استحباب تَكرار الطواف. «القرى» (ص: ٣٣٤).\nونَقَله علي القاري فقال: وإكثاره بالإجماع مستحب. «المسلك المتقسط» (ص: ٢٥٧).","vol":"1","page":367},{"text":"المطاف، وفي وقت مقيد بأوقات المواسم. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-469>المبحث الخامس: الإفادة من البناء المُقبَّب في المطاف:</span>\nوأصل هذا البناء كان في عهد الخليفة العباسي المهدي، عام (١٦٠ هـ) وقد أَمَر السلطانُ سليم الثاني العثماني سليمانَ القانوني، بترميم بناية المهدي، واستبدال السقف الخشبي للبناية بالقبب، وتُوفي سليم الثاني عام (٩٨٢ هـ).\nوعن حُكم إزالة البناء المُقبَّب في المطاف، أَصْدَرَتْ هيئة كبار العلماء قرارًا جاء فيه: بالنسبة لإزالة مباني المصابيح القديمة القباب، رأى المجلس بالأكثرية أنه لا مانع من إزالتها؛ لتضييقها وعدم الانتفاع بسطحها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-470>المبحث السادس: استعمال العَدَّاد لضبط عدد أشواط الطواف </span>والسعي:\nعَنْ صَالِحِ بْنِ دِرْهَمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄، وَرَجُلٌ يَسْأَلُهُ عَنِ السَّعْيِ، فَقَالَ: افْتَحْ بِالصَّفَا، وَاخْتِمْ بِالْمَرْوَةِ. قَالَ: إِنْ خِفْتَ أَنْ لَا تُحْصِيَ فَخُذْ مَعَكَ أَحْجَارًا. أَوْ قَالَ: حَصَيَاتٍ، فَكُلَّمَا جِئْتَ إِلَى الْجَبَلِ أَوِ الصَّفَا، أَلْقَيْتَ وَاحِدَةً، وَالْمَرْوَةَ أُخْرَى (^٢).\nوَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «كُنَّا نَطُوفُ، وَعَلَيْنَا خَوَاتِيمُنَا، نَحْفَظُ بِهَا الْأَسْبَاعَ» (^٣).\nوَعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ رَأَى امْرَأَةً تَطُوفُ، بِيَدِهَا حَصَيَاتٌ تَعُدُّ الطَّوَافَ، فَضَرَبَ يَدَهَا (^٤).\nفقد يَعجز بعض الناس عن عد الأشواط على الأصابع، فهل نُجْبِر العجوز على العد باليد؛ لأن ضبطه مهم وسيفرغهم للدعاء لأنفسهم ولأهليهم ولأمتهم؟ مع التدبر والتفكر في المعاني. وقد ورد التيسير والعد على الحصى في أقل من ذلك.\n•؟•\n_________\n(^١) «أبحاث هيئة كبار العلماء» (٣/ ٤٠٣)، و«حلول الزحام في المناسك» (ص: ٣٠٨).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه الفاكهي في «أخبار مكة» (١٣٧٨) وابن أبي شيبة (١٤٦٥٩).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٦٦١) من طريق الثوري، عن أبي الهيثم الكوفي، وهو ثقة.\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٦٦٠) من طريق أبي أسامة، عن شُعْبَة، به.","vol":"1","page":368},{"text":"<span data-type='title' id=toc-471>الباب التاسع\nالسعي بين الصفا والمروة\nوفيه ستة فصول:</span>\nالفصل الأول: تعريف وحُكْم السعي.\nالفصل الثاني: ما يُشترَط في السعي.\nالفصل الثالث: ما لا يُشترَط في السعي.\nالفصل الرابع: سُنن السعي.\nالفصل الخامس: أنواع السعي في الحج.\nالفصل السادس: حُكْم توسيع المَسْعَى.","vol":"1","page":369},{"text":"<span data-type='title' id=toc-472>الفصل الأول: تعريف وحُكْم السعي:\nوفيه سبعة مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-473>المبحث الأول: تعريف السعي بين الصفا والمروة:</span>\n١ - (السعي) لغةً: المشي على الأقدام بسرعة.\n٢ - (الصفا) لغةً: الصخرة الملساء.\n٣ - (المروة) لغة: حِجارة بِيض بَرَّاقة.\nوالصفا: مكان مرتفع من جبل أبي قُبَيْس، ومنه ابتداء السعي. والمروة: جبل بمكة، وهو في أصل جبل قُعَيْقِعَان، وإليه انتهاء السعي.\nوالسعي في الشرع: قَطْعُ الْمَسَافَةِ الْكَائِنَةِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، سَبْعَ مَرَّاتٍ ذَهَابًا وَإِيَابًا، بَعْدَ طَوَافٍ، فِي نُسُكِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-474>المبحث الثاني: أصل السعي:</span>\nعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ المِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لِتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ، وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ البَيْتِ، عِنْدَ دَوْحَةٍ، فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى المَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الوَادِي، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟! فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَتْ: إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا. ثُمَّ رَجَعَتْ.\nفَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ، حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ، ثُمَّ دَعَا\n_________\n(^١) يُطْلَق السعي على الجِدّ في المشيِ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: ٢٠] وقد يَكُون السعيُ العمل؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩].\nانظر: «لسان العرب» (مادة: س ع ا)، و«الموسوعة الكويتية» (٢٥/ ١١).","vol":"1","page":370},{"text":"بِهَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: رَبِّ ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] حَتَّى بَلَغَ: ﴿لِي﴾ [إبراهيم: ٣٧].\nوَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ، وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ المَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى- أَوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ- فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا. فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ المَجْهُودِ، حَتَّى جَاوَزَتِ الوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ المَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا» (^١).\nقال ابن بَطَّال: فبُيِّن في هذا الحديث أن سبب كونها سبعة أطواف، وسبب السعي فيها- فِعْل أُم إسماعيل ﵈ ذلك (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٦٤). وتتمة قول ابن عباس: «فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ: صَهٍ - تُرِيدُ نَفْسَهَا - ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيْضًا فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ! فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ- أَوْ قَالَ: بِجَنَاحِهِ- حَتَّى ظَهَرَ المَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ المَاءِ فِي سِقَائِهَا، وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ - أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ - لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا». قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا المَلَكُ: لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِي هَذَا الغُلَامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَهْلَهُ …». و(يتلبط) أي: يتقلب في الأرض.\n(^٢) «شرح البخاري» لابن بَطَّال (٤/ ٣٢٧). وقال ابن كَثير: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ تَطْوَافِ هَاجَرَ، وَتَرْدَادِهَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي طَلَبِ الْمَاءِ لِوَلَدِهَا، لَمَّا نَفِدَ مَاؤُهَا وَزَادُهَا، حِينَ تَرَكَهُمَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ هُنَالِكَ، لَيْسَ عِنْدَهُمَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ.\nفَلَمَّا خَافَتِ الضَّيْعَةُ عَلَى وَلَدِهَا هُنَالِكَ، وَنَفِدَ مَا عِنْدَهَا، قَامَتْ تَطْلُبُ الْغَوْثَ مِنَ اللَّهِ ﷿، فَلَمْ تَزَلْ تَرَدَّدُ فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ الْمُشَرَّفَةِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، مُتَذَلِّلَةً خَائِفَةً وَجِلَةً، مُضْطَرَّةً فَقِيرَةً إِلَى اللَّهِ، ﷿، حَتَّى كَشَفَ اللَّهُ كُرْبَتَهَا، وَآنَسَ غُرْبَتَهَا، وَفَرَّجَ شِدَّتَهَا، وَأَنْبَعَ لَهَا زَمْزَمَ التِي مَاؤُهَا طَعَامُ طَعْمٍ وَشِفَاءُ سُقْمٍ.\nفَالسَّاعِي بَيْنَهُمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ فَقْرَهُ وَذُلُّهُ وَحَاجَتَهُ إِلَى اللَّهِ، فِي هِدَايَةِ قَلْبِهِ وَصَلَاحِ حَالِهِ وَغُفْرَانِ ذَنْبِهِ، وَأَنْ يَلْتَجِئَ إِلَى اللهِ ﷿ ليُزيح مَا هُوَ بِهِ مِنَ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ، وَأَنْ يَهْدِيَهُ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَأَنْ يُثَبِّتَهُ عَلَيْهِ إِلَى مَمَاتِهِ، وَأَنْ يُحَوِّلَهُ مِنْ حَالِهِ الذِي هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي إِلَى حَالِ الْكَمَالِ والغُفران وَالسَّدَادِ وَالِاسْتِقَامَةِ، كَمَا فَعَلَ بِهَاجَرَ ﵍. «تفسير ابن كَثير» (١/ ٤٧١).","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type='title' id=toc-475>المبحث الثالث: حكمة السعي:</span>\nقال ابن دقيق العيد: في ذلك من الحكمة تَذكُّر الوقائع الماضية للسلف الكرام، وما كانوا عليه من امتثال أمر الله تعالى، وبَذْل الأنفس في ذلك.\nوبهذه النكتة يَظهر لك أن كثيرًا من الأعمال التي وقعت في الحج ويقال فيها: (إنها تَعبُّد) ليست كما قيل، ألا ترى أَنَّا إذا فعلناها وتَذَكَّرْنا أسبابها، حَصَل لنا من ذلك تعظيم الأولين وما كانوا عليه من احتمال المشاق في امتثال أمر الله، وذلك معنًى معقول؟\nمثاله: السعي بين الصفا والمروة، إذا فعلناه وتَذَكَّرْنا أن سببه قصة هاجر مع ابنها، وتَرْك الخليل لهما في ذلك المكان الموحش، منفردَين منقطعَي أسباب الحياة بالكلية، مع ما أظهره الله تعالى لهما من إخراج الماء لهما، كان في ذلك مصالح عظيمة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-476>المبحث الرابع: حُكْم السعي في الحج والعمرة:</span>\nاختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة. وهو مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (^٢).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة والمأثور:\nأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].\nوَجْه الدلالة: أن تصريحه تعالى بأن الصفا والمروة من شعائر الله- يدل على أن السعي بينهما أَمْر حتم لا بد منه؛ لأنه لا يمكن أن تكون شعيرة، ثم لا تكون لازمة في\n_________\n(^١) «إحكام الأحكام» (ص: ٣١٦).\n(^٢) «الذخيرة» (٣/ ٢٥٠)، و«الأُم» (٢/ ٢١٠)، و«المغني» (٣/ ١٩٤).\nقال النووي: مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم- أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج، لا يصح إلا به، ولا يُجْبَر بدم ولا غيره. «شرح مسلم» (٩/ ٢٠).","vol":"1","page":372},{"text":"النسك، وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].\nوأما السُّنة، فاستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «اسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» (^١).\nوَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْبَطْحَاءِ، وَهُوَ مُنِيخٌ، فَقَالَ: «أَحَجَجْتَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟» قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ: «أَحْسَنْتَ، طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ» (^٢).\nوجه الدلالة: أنه ﷺ أَمَر بالسعي كالطواف، ورَتَّب عليه الحِل، فيكون ركنًا كالطواف.\nوَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفَ، فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (^٣).\nوَجْه الدلالة: أنه يُفْهَم من الحديث أنها لو لم تَطُف بينهما، لم يَحصل لها إجزاء عن حجها وعمرتها، فدل ذلك على أن السعي ركن للحج.\nوعن عائشة قالت: «فَلَعَمْرِي، مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» (^٤).\nوَجْه الدلالة: تعليق تمام الحج على السعي يدل على أنه ركن لابد من الإتيان به.\n_________\n(^١) ضعيف، وله طرق، من أشهرها طريق عبد الله بن المُؤَمَّل، واختُلف عليه من وجهين:\nالأول: عن عمر بن مُحَيْصِن، عن عطاء، عن صفية بنت شَيْبة، عن حَبِيبة. أخرجه أحمد (٢٧٣٦٧).\nالثاني: رواه بإسقاط عمر عند أحمد أيضًا (٢٧٣٦٨).\nوقد ذَكَر ابن القَطَّان أوجه الاختلاف فيه، وقال: فهذا الاضطراب من عبد الله بن المُؤمَّل، وهو دليل على سوء حفظه وقلة ضبطه. «الوهم والإيهام» (٥/ ١٥٩).\nوقد قال أحمد: إن أحاديثه مناكير. وقال ابن عَدي: وهذا يرويه عبد الله بن المُؤمَّل، وبه يُعْرَف، ولابن المُؤمَّل هذا غير ما ذَكَرْتُ من الحديث، وعامة ما يرويه الضعف عليه بَيِّن. «الكامل» (٦/ ٣٨٩).\nالطريق الثاني: مداره على الخليل بن عثمان، لم أجد له ترجمة. أخرجه ابن خُزيمة (٢٧٦٤).\nوذَكَر الدارقطني في «العلل» (٤١١٧) طرقًا أخرى لا تصح، وقال: والصحيح قول مَنْ قال: (ابن المُؤَمَّل، عن ابن مُحَيْصِن، عن عطاء، عن صفية، عن حبيبة) وهو الصواب.\n(^٢) رواه البخاري (١٧٩٥)، ومسلم (١٢٢١).\n(^٣) رواه مسلم (١٢١١).\n(^٤) رواه البخاري (١٧٩٠)، ومسلم (١٢٧٧).","vol":"1","page":373},{"text":"القول الثاني: أن السعي واجب من واجبات الحج والعمرة، ومَن تَرَكه لزمته الفدية. وبه قال أبو حنيفة، وهو رواية عن مالك، ورواية عن أحمد (^١).\nالقول الثالث: أن السعي بين الصفا والمروة سُنة، لا يَلزم تاركَه شيء. وبه قال أحمد في رواية، ورُوي ذلك عن ابن عباس وأنس وابن الزبير وابن سيرين (^٢).\nواستدلوا بِقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨].\nفدلت الآية على عدم وجوب السعي من وجهين:\nالأول: أَخْبَرَ اللهُ بِرَفْعِ الْحَرَجِ وَالْجُنَاحِ عَمَّنْ يَطُوفُ بِهِمَا، وَذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا كَانَ مُبَاحًا وَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فَكَانَ الْقَصْرُ مُبَاحًا وَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا.\nونوقش بما قاله ابن العربي: فَلَمْ يَأْتِ هَذَا اللَّفْظُ لِإِبَاحَةِ تَرْكِ الطَّوَافِ، وَلَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ؛ وَإِنَّمَا جَاءَ لِإِفَادَةِ إبَاحَةِ الطَّوَافِ لِمَنْ كَانَ يَتَحَرَّجُ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لِمَنْ كَانَ يَطُوفُ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَصْدًا لِلْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ؛ فَأَعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الطَّوَافَ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ إِذَا لَمْ يَقْصِدِ الطَّائِفُ قَصْدًا بَاطِلًا (^٣).\nوأما الوجه الثاني، فاستدلوا بقراءة ابن مسعود وأُبَيّ وابن عباس، يقرءون: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا) وَهَذِهِ قِرَاءَةُ ثَلَاثَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَوَجَبَ رَفْعُ الجُنَاحِ.\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ٥٠)، و«مواهب الجليل» (٧/ ٣١٣)، و«الإنصاف» (٤/ ٥٨).\n(^٢) «المغني» (٣/ ١٩٤)، و«تفسير الطبري» (٢/ ٥٠)، و«المجموع» (٨/ ٨١)، و«الحاوي» (٤/ ١٥٥).\n(^٣) «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٧٢). فهذه الآية نزلت في الأنصار، فعن عائشة ﵂ قالت: أُنْزِلَتْ فِي الأَنْصَارِ، كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ، الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ المُشَلَّلِ، فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا، سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. رواه البخاري (١٦٤٣)، ومسلم (١٢٦١).","vol":"1","page":374},{"text":"ونوقش بِأَنَّ هَذِهِ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ، وتُخَالِفُ الْقِرَاءَةَ الْمَجْمَعَ عَلَيْهَا الْمُتَوَاتِرَةَ، وَمَا خَالَفَ الْمُتَوَاتِرَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ.\nوالراجح: أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج.\n\n<span data-type='title' id=toc-477>المبحث الخامس: فوات السعي بين الصفا والمروة:</span>\nلا يَفوت الحج بفوات السعي بين الصفا والمروة، ولا يتحلل من الإحرام، ولو وصل لأقصى البلاد، بل يرجع إلى مكة لأداء السعي بين الصفا والمروة؛ لأنه من أركان الحج.\n\n<span data-type='title' id=toc-478>المبحث السادس: التطوع بالسعي بين الصفا والمروة:</span>\nلا يُشْرَع التطوع بالسعي بين الصفا والمروة لغير الحاج والمعتمر، بالإجماع (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-479>المبحث السابع: الموالاة بين الطواف والسعي:</span>\nلا تجب الموالاة بين الطواف والسعي، ولكنها مستحبة؛ لأن السعي عبادة مستقلة، فإذا فُصِل بينها وبين غيرها بشيء فلا يضر. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (^٢).\n•١•\n_________\n(^١) قَالَ الطَّحَاوِيُّ: إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالسَّعْيِ لِغَيْرِ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ- غَيْرُ مَشْرُوعٍ. «فتح الباري» (٣/ ٤٩٩). ونَقَل الإجماع أيضًا ابن مفلح، كما في «المبدع» (٣/ ١٧٤).\n(^٢) «البحر الرائق» (٢/ ٣٥٧)، و«المجموع» (٨/ ٧٣)، و«المغني» (٥/ ٢٤٠).","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type='title' id=toc-480>الفصل الثاني\nما يُشترَط في السعي</span>\nللسعي خمسة شروط:\nالشرط الأول: كَوْن السعي بعد طواف.\nالشرط الثاني: استيعاب ما بين الصفا والمروة.\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: يُشترَط أن يَقطع جميع المسافة بين الصفا والمروة.\nالمطلب الثاني: حد المسعى العلوي.\nالشرط الثالث: الترتيب، بأن يَبدأ بالصفا وينتهي بالمروة.\nالشرط الرابع: أن يكون سبعة أشواط.\nالشرط الخامس: الموالاة بين أشواط السعي.","vol":"1","page":376},{"text":"<span data-type='title' id=toc-481>الشرط الأول: كَوْن السعي بعد طواف:</span>\nنُقِل الإجماع على أنه لا يجوز تقديم السعي على الطواف (^١).\nوهذا الإجماع منخرم؛ فقد ذهب جماهير العلماء إلى أنه يُشترَط في صحة السعي أن يقع بعد الطواف؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْعَ قَطُّ إِلَّا عَقِيبَ طَوَافٍ، وَلَوْ جَازَ السَّعْيُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ طَوَافٌ، لَفَعَلَهُ وَلَوْ مَرَّةً؛ لِيَدُلَّ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ، قَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».\nالقول الآخَر: لا يُشترَط لصحة السعي أن يسبقه طواف، فيَجوز تقديم السعي على الطواف. وهو قول عند الشافعية، وأحمد في رواية، والظاهرية (^٢).\nواستدلوا بثلاثة أدلة:\nالدليل الأول: أن النبي ﷺ سُئل عن التقديم والتأخير في أفعال يوم النحر، وهي خمسة: رَمْي ونَحْر وحَلْق وطواف وسَعْي، فأباح جواز تقديم هذه الأعمال بعضها على بعض، ودل على ذلك أن النبي ﷺ ما سُئِل يوم النحر عن شيء قُدِّم وَلا أُخِّر، إلا قال: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» فيندرج فيه تقديم السعي على الطواف. ويُؤكِّد هذا المعنى لفظة «شيء» فهي نكرة في سياق النفي، فتعم كل شيء، ومنها تقديم السعي على الطواف.\nونوقش بأن الأشياء التي سُئل عنها النبي ﷺ، فأجاز فيها التقديم والتأخير- هي (الرمي، والنحر، والحلق) ولا يصح منها جواز السعي قبل الطواف.\nالدليل الثاني: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَاجًّا، فَكَانَ النَّاسُ\n_________\n(^١) قال الماوردي: وَهُوَ إِجْمَاعٌ لَيْسَ يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. «الحاوي» (٤/ ١٥٧).\nوقال السرخسي: وإنما سعى رسول الله ﷺ بعد الطواف، وهكذا تَوارَثه الناس من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا. «المبسوط» (٤/ ٤٦). وقال ابن عبد البر: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، قَبْلَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَبِذَلِكَ جَاءَتِ الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَذَلِكَ فَعَلَ فِي عُمْرَاتِهِ كُلِّهَا وَفِي حَجَّتِهِ، قَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ». «الاستذكار» (٤/ ٢٣٢). وقال النووي: وشذ إمام الحرمين، فنَقَل عن بعض أئمتنا: لو قَدَّم السعي على الطواف اعتُد بالسعي. وهذا النقل غلط ظاهر مردود بالأحاديث الصحيحة وبالإجماع. «المجموع» (٨/ ٧٢). وقال محب الدين الطبري: (سعيتُ قيل أن أطوف) هذا لا أعلم أحدًا قال بظاهره، واعتَد بالسعي قبل الطواف، إلا ما رُوي عن عطاء، وهو كالشاذ لا اعتبار له. وكذا قال الخَطَّابي في «مَعالم السُّنن» (٢/ ٢١٨).\n(^٢) «المجموع» (٨/ ٧٢)، و«الإنصاف» (٩/ ١٣٢)، و«المُحَلَّى» (٧/ ١٨٣).","vol":"1","page":377},{"text":"يَأْتُونَهُ، فَمَنْ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ … فَكَانَ يَقُولُ: «لَا حَرَجَ» (^١).\nالدليل الثالث: عن عائشة أنها حاضت، وهي في طريقها إلى الحج، فقال لها النبي ﷺ: «… فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» (^٢).\nوَجْه الدلالة: أن الحائض ممنوعة من الطواف فقط، ويجوز لها أن تفعل جميع ما يفعله الحاج، فيَجوز لها أن تسعى قبل الطواف.\nونوقش هذا الاستدلال بما ورد في «الصحيحين»: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ: … فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ (^٣).\n_________\n(^١) لفظة (سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ) شاذة، ومدار الحديث على زياد بن عِلاقة عن أسامة، واختُلف عنه:\nفرواه أبو إسحاق الشيباني، واختُلف عليه:\nفرواه جرير بن عبد الحميد بذكر (سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ) عن الشيباني، عند أبي داود (٢٠٠٤).\nوخالف جريرًا أسباط بن محمد، عند ابن أبي شيبة (١٤٩٦٧)، وعُبيد الله بن موسى، عند الطبراني في «الكبير» (٤٨٣)، كلاهما عن الشيباني، ولم يَذكرا هذه اللفظة في حديثهما.\nورواه جماعة من الثقات الأثبات، وفيهم أئمة حُفاظ عن زياد بن عِلاقة بدون هذه الزيادة، منهم: شُعبة بن الحَجَّاج عند أحمد (١٨٤٥٤) وسفيان بن عُيينة عند الحُميدي (٨٢٤)، وعثمان بن حكيم، وسفيان الثوري، ومِسعر بن كِدام عند ابن حِبَّان (٤٨٦، ٦٠٦١، ٦٠٦٤)، وأبو عَوَانة عند البخاري في «الأدب» (٢٩١) وزُهير بن معاوية عند البغوي في «شرح السُّنة» (٣٢٢٦) والأعمش وزائدة بن قُدامة وإسرائيل بن يونس، عند الطبراني في «الكبير» (١/ ١٨٠، ١٨١)، وَمُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عند ابن خُزيمة (٢٩٥٥) والمسعودي وعبد الرحمن بن عبد الله، والمُطَّلِب بن زياد، كلهم عند أحمد (١٨٤٥٣، ١٨٤٥٥) والأعمش، وزهير بن معاوية، وأبو حمزة محمد بن ميمون السُّكَّرى، ومالك بن مِغْوَل، أربعتهم عند الحاكم (٤/ ٢٣٠ و٤٤١) وغيرهم، عن زياد بن عِلاقة، عن أسامة بن شَريك، عن النبي ﷺ، ولم يَذكروا في حديثهم: (سعيتُ قبل أن أطوف).\nإنما تَفَرَّد بهذه الزيادة جرير بن عبد الحميد، وإن كان ثقة صحيح الكتاب، فقد قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه. وخالفه أسباط بن محمد عن الشيباني، فهل يُشك في شذوذ هذه الزيادة؟\nقال الدارقطني: وَلَمْ يَقُلْ: (سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ) إِلَّا جَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ. «السُّنن» (٣/ ٢٨٢).\nوقال البيهقي: هَذَا اللَّفْظُ (سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ) غَرِيبٌ، تَفَرَّدَ بِهِ جَرِيرٌ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ. (١٠/ ١٦٧).\nوقال ابن القيم: وَقَوْلُهُ: (سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ) فِي هَذَا الْحَدِيثِ- لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، وَالْمَحْفُوظُ تَقْدِيمُ الرَّمْيِ، وَالنَّحْرِ، وَالْحَلْقِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ. «زاد المعاد» (٢/ ٢٣٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١).\n(^٣) «صحيح البخاري» (١٥٥٦)، ومسلم (١٢٣٠).","vol":"1","page":378},{"text":"فدل ذلك على أنه لولا اشتراط تقدم الطواف على السعيِ، لَفَعَلَتْ في السعيِ ما فَعَلَتْ في غيره من المناسك؛ فإنه يَجوز لها السعي من غير طهارة (^١).\nوَقَالَ ابْن عُمَرَ: تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، إِلَّا الطَّوَافَ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (^٢).\nوالراجح: ما ذهب إليه جماهير العلماء، من تقديم السعي على الطواف؛ لأن رسول الله ﷺ لم يَسْعَ قط إلا عَقيب الطواف. ولو جاز للسعي أن يتقدم الطواف، لفَعَله ﷺ ولو مرة لبيان الجواز؛ لأن العبادات توقيفية.\nأما ما ورد أن النبي ﷺ سُئل عن رجل بدأ بالصفا والمروة قبل أن يَطُوف بالبيت، فقال ﷺ: «يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا حَرَجَ» فضعيف.\n\n<span data-type='title' id=toc-482>الشرط الثاني:\nاستيعاب ما بين الصفا والمروة.</span> وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: يُشترط في صحة كل شوط من أشواط السعي- قَطْع جميع المسافة بين الصفا والمروة. فإن لم يَقطعها كلها لم يصح، فلو بقي بعض خطوة لم يصح سعيه، فإِنْ صَعِد فهو الأكمل. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بفعل النبي ﷺ، وقد قال: «لتأخذوا مناسككم» وهكذا عَمِلَتِ الصحابة فمَن بَعْدهم، وأن المسافة للسعي محددة مِنْ قِبل الشرع، والنقص عن الحد مُبطِل للسعي.\n_________\n(^١) قال ابن دقيق العيد: وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ السَّعْيَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ. فَإِنَّهُ لَوْ صَحَّ لَمَا لَزِمَ مِنْ تَأْخِيرِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ تَأْخِيرُ السَّعْيِ؛ إِذْ هِيَ قَدْ فَعَلَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، فَلَوْلَا اشْتِرَاطُ تَقَدُّمِ الطَّوَافِ عَلَى السَّعْيِ، لَفَعَلَتْ فِي السَّعْيِ مَا فَعَلَتْ فِي غَيْرِهِ. «إحكام الأحكام» (٢/ ٨٨).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٥٦٥): عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، به.\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٣). وقال الحَطَّاب: مَنْ تَرَكَ مِنَ السَّعْيِ شَيْئًا، وَلَوْ ذِرَاعًا، يَرْجِعُ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ. «مواهب الجليل» (٣/ ٨٤). وقال النووي: أنْ يقْطَعَ جَمِيعَ الْمَسَافَةِ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فَلَوْ بقِيَ مِنْهَا بَعْضُ خُطْوَةٍ لَمْ يَصِح سَعْيُهُ. «الإيضاح» (ص: ٢٥٦). وقال ابن قُدامة: وَلَوْ تَرَكَ ذِرَاعًا، لَمْ يُجْزِئْهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ. «المغني» (٥/ ٢٣٦).","vol":"1","page":379},{"text":"المطلب الثاني:<span data-type='title' id=toc-483> حد المسعى العلوي.</span>\nأي: هل لا بد من الصعود على الجبلين كجزء من السعي الواجب؟\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أن صعود الصفا والمروة سُنة مُؤكَّدة، ولا يجب صعود أي جزء منهما، بل الواجب استيعاب ما بين الصفا والمروة سعيًا. وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، والصحيح عند الشافعية (^١).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة والمأثور:\nأما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فالمطلوب من الساعي أن يطوف بهما، فمَن سَعَى بينهما ولم يصعد أحدهما، فقد أتى بما أُمِر به.\nوأما السُّنة، فَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» فقد سَعَى ﵇ راكبًا، ولا يمكن للراكب أن يَصعد جبل الصفا؛ مما يدل على عدم وجوب الصعود.\nوأما المأثور، فَعَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ يَقُومُ فِي حَوْضٍ فِي أَسْفَلِ الصَّفَا، وَلَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ (^٢).\nقال ابن المُلقِّن: اشتهر السعي من غير رقي على الصفا عن عثمان وغيره من الصحابة، من غير إنكار (^٣).\nالقول الآخَر: أن الصعود على الصفا قَدْر قامة الرجل. وهو وَجْه عند الشافعية (^٤).\nوالراجح: أن صعود الصفا والمروة سُنة مُؤكَّدة، ولا يجب صعود أي جزء منهما، بل الواجب استيعاب ما بين الصفا والمروة سعيًا. وعلى هذا فحد ما بين الصفا والمروة في\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ٥١)، و«المُدوَّنة» (٢/ ٤٠٩)، و«المجموع» (٨/ ٦٩)، و«المغني» (٥/ ٢٣٥).\n(^٢) ضعيف أُعِلَّ بالانقطاع: أخرجه الشافعي في «الأم» (٣/ ٥٤٥) عن ابن جُرَيْج، عن ابن أبي نَجِيحٍ، به.\n(^٣) «البدر المنير» (٦/ ٣١٠).\n(^٤) «المجموع» (٨/ ٧٥)، و«روضة الطالبين» (٣/ ٩٠).","vol":"1","page":380},{"text":"الوقت الحالي هو نهاية ممر العربات. والمستحب أن يَصعد على الصفا والمروة للدعاء.\nالشرط الثالث: الترتيب، بأن يَبدأ بالصفا وينتهي بالمروة:\nنُقِل الإجماع على أنه يُشترَط أن يَبدأ سعيه بالصفا، وينتهي بالمروة، حتى يَختم سعيه بالمروة. فإن بدأ بالمروة ألغى هذا الشوط (^١).\nواستدلوا بما رَوى مسلم عن جابر في صفة حجة النبي ﷺ: «ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ … ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ»، وقد قال ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ».\n\n<span data-type='title' id=toc-485>الشرط الرابع: أن يكون سبعة أشواط:</span>\nيُشترط في صحة السعي أن يكون سبعة أشواط، ذَهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط. وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بما ورد في «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا … فَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعًا» (^٣).\nفالحاصل: أن عامة أهل العلم على أن عدد أشواط السعي سبعة أشواط، يُحْسَب من الصفا إلى المروة شوط، ومن المروة إلى الصفا شوط.\nووافق الحنفيةُ الجمهور في كون قدر السعي سبعة أشواط، وخالفوا في كون ذلك شرطًا، فالشرط عندهم أن يأتي بأكثر السعي، وهو أربعة أشواط، والباقي واجب، يَجبر\n_________\n(^١) قال الشافعي: ولم أعلم مخالفًا أنه إن بدأ بالمروة قبل الصفا، ألغى طوافًا حتى يكون بدؤه بالصفا. «الأُم» (١/ ٤٥). ونَقَل الإجماعَ: المَرْدَاوي في «الإنصاف» (٩/ ١٢٥)، وابن عبد البرفي «الاستذكار» (٤/ ٢٢٠).\nفي رواية عن عطاء: إن بدأ بالمروة قبل المروة، أنه يَعْتَدُّ بهذا الشوط. «أحكام القرآن» (١/ ١٢٣).\n(^٢) «المُدَوَّنة» (١/ ٤٢٧)، و«الأم» (٢/ ٢٣٠). قال النووي: إكْمَالُ سَبْعِ مَرَّاتٍ يُحْسَبُ الذَّهَابُ مِنَ الصَّفَّا إلَى الْمَرْوَةِ مَرَّةً، وَالرُّجُوعُ مِنَ الْمَرْوَةِ إلَى الصَّفَّا مَرَّةً ثَانِيَةً، فَيَبْدَأُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ. وَبِهَذَا قَطَعَ جَمَاهِيرُ العلماءِ. وَعَلَيْهِ عُمْرُ النَّاسِ، وَبِهِ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ. «المجموع» (٨/ ٧١).\n(^٣) رواه البخاري (١٦٤٥)، ومسلم (١٢٣٤).","vol":"1","page":381},{"text":"تاركه بفدية (^١).\nونوقش بأن عدد أشواط السعي محدد مِنْ قِبل الشرع، والنقص عن الحد مبطل، كالنقص في عدد ركعات الصلاة عمدًا مُبطِل لها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-486>الشرط الخامس: الموالاة بين أشواط السعي.</span> وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: اشتراط الموالاة بين أشواط السعي:\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالقول الأول: تُشترَط الموالاة بين أشواطه. وهو مذهب المالكية، والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بأن النبي ﷺ سعى سعيًا متواليًا، وقد قال: «لتأخذوا مناسككم».\nالقول الآخَر: لا تُشترَط الموالاة. وبه قال الحنفية والشافعية، ورواية عن أحمد (^٤).\nواستدلوا بأن مُسَمَّى السعي يَحصل بالسعي بين الصفا والمروة سبع مرات، سواء كانت الأشواط متوالية أو متفرقة.\nوالراجح: اشتراط الموالاة بين أشواط السعي؛ لأن النبي ﷺ سعى سعيًا متواليًا.\nالمطلب الثاني: لو أقيمت الصلاة أثناء السعي:\n\n<span data-type='title' id=toc-487>لو أقيمت الصلاة أثناء السعي،</span> قَطَع السعي وصلى، ثم أَتَمَّ الأشواط الباقية (^٥).\n_________\n(^١) قال الكاساني: (وأما قَدْره فسبعة أشواط؛ لإجماع الأمة). «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٤).\nوقال ابن عابدين: لو تَرك ثلاثة منه أو أقل، فعليه لكل شوط منه صدقة، إلا أن يَبلغ دمًا، فيُخيَّر بين الدم وتنقيص الصدقة. «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٥٥٦، ٥٥٧).\n(^٢) قال ابن المنذر: فلما كان النبي ﷺ المنبئ عن الله أن فَرْض صلاة الظُّهر أربع ركعات، كذلك هو المنبئ عن الله أن فرض الطواف سبع، ولا يُجْزئ أقل منه. «الإشراف» (٣/ ٢٨٠).\n(^٣) «مواهب الجليل» (٤/ ١٠٥)، و«الإنصاف» (٤/ ١٨).\n(^٤) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٤٩٧)، و«المجموع» (٨/ ٧٣، ٧٤).\nوقال ابن عثيمين: لو فُرض أن الإنسان اشتد عليه الزحام، فخرج ليتنفس، أو احتاج إلى بول فخرج يَقضي حاجته، ثم رجع، فهنا نقول: لا حرج. ولأن الموالاة هنا فاتت للضرورة، وهو حين ذَهابه قلبه معلق بالسعي، ففي هذه الحال لو قيل بسقوط الموالاة لكان له وجه. «الشرح الممتع» (٧/ ٢٧٦).\n(^٥) قال ابن المنذر: أجمعوا فيمن طاف بعض سبعة، ثم قُطِع عليه بالصلاة المكتوبة- أنه يَبتني من حيث قُطِع عليه إذا فَرَغ من صلاته. وانفرد الحسن البصري فقال: يَستأنف. «الإجماع» (ص: ٥٥).\nوقال ابن قُدامة: الْجِنَازَةِ إِذَا حَضَرَتْ، يُصَلِّي عَلَيْهَا، ثُمَّ يَبْنِي عَلَى طَوَافِهِ. «المغني» (٥/ ٢٤٧).","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type='title' id=toc-488>الفصل الثالث: ما لا يُشترَط في السعي:</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-489>المبحث الأول: النية:</span>\nلا تُشترَط النية في السعي؛ لأن الحج عبادة مركبة من أجزاء، فإذا نوى في أولها أجزأ عن الجميع، وهذا قول الحنفية والمالكية والشافعية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-490>المبحث الثاني: لا تُشترَط الطهارة من الحَدثَين للسعي بين الصفا والمروة:</span>\nنَقَل ابن عبد البر الإجماع على أنه لا تُشترَط الطهارة من الحَدثَين في السعي (^٢).\nوهذا الإجماع منخرم، والصحيح أن هذا قول جماهير العلماء (^٣).\nواستدلوا بدليلين: الدليل الأول: عموم قول النبي ﷺ لعائشة ﵂ وقد حاضت: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» فالنبي ﷺ أَمَرها أن تَصنع كل ما يفعله الحاج إلا الطواف بالبيت خاصة، فدل على أن السعي لا تُشترَط له الطهارة.\nونوقش بأنه قد وردت رواية، وهي قول النبي ﷺ لعائشة ﵂: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، حَتَّى تَطْهُرِي» (^٤).\n_________\n(^١) «المسلك المتقسط» للقاري (ص: ٩٣)، و«المجموع» للنووي (٨/ ١٧).\n(^٢) قال ابن المنذر: أجمعوا على أنه إن سعى بين الصفا والمروة على غير طهر- أن ذلك يجزئه. وانفرد الحسن فقال: إِنْ ذَكَر قبل أن يحل، فليُعِد الطواف. «الإجماع» (ص: ٥٦).\n(^٣) قال النووي: مذهب الجمهور أن السعي يصح من المُحْدِث والجُنُب. «المجموع» (٨/ ٧٩).\n(^٤) صحيح دون لفظة: (ولا بين الصفا والمروة) فهي شاذة.\nمدار هذا الحديث على مالك عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، به.\nواختُلف على مالك: فرواه يحيى الليثي، وزاد فيه: «ولا بين الصفا والمروة»، أخرجه مالك (٢٢٤).\nوخالف يحيى سائرُ أصحاب مالك ولم يَذكروها، منهم: عبد الله بن يوسف عند البخاري (١٦٥٠)، وإسماعيل بن أبي أويس، ويحيى التميمي، كلاهما عند مسلم (١٢١١)، والشافعي في «مسنده» (١/ ٣١٠)، وابن مهدي، عند النَّسَائي (٢٧١٥)، ومحمد بن الحسن الشيباني في روايته ل «الموطأ» (٤٦٥)، وعبد الله بن وهب، وعند أبي عَوَانة (٣١٧٨)، وخالد بن مَخْلَد عند الدارمي (١٨٨٨).\nوغيرهم، جميعًا: عن مالك بن أنس، بدون هذه الزيادة.\nوتابع مالكًا بدون ذكر الزيادة: ابن عُيينة، عند البخاري (٢٩٤)، ومسلم (١٢١١)، وعبد العزيز بن أبي سلمة، عند البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١)، وحماد بن سلمة، عند مسلم (١٢١١)، وسفيان الثوري، عند ابن حِبان (٣٩٣٥). وعمرو بن الحارث، عند أبي عَوَانة (٣١٧٨).\nوغيرهم، جميعًا: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، به، بدون هذه الزيادة.\nورواه أفلح بن حُميد، عند البخاري (١٥٦٠)، ومسلم (١٢١١)، ومالك بن دينار، عند البخاري (١٥١٦) وعُبيد الله بن عمر، عند مسلم (١٢١١) وغيرهم: عن القاسم عن عائشة، به، بدون الزيادة.\nوتابع القاسمَ بن محمد جماعة من التابعين عن عائشة، ولم يذكروها، منهم: عروة بن الزبير، عند البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١)، وعَمْرة بنت عبد الرحمن، عند البخاري (١٧٠٩)، ومسلم (١٢١١). وابن أبي مُلَيْكة، عند البخاري (٢٩٨٤). وأبو سلمة بن عبد الرحمن، عند البخاري (١٧٣٣، ٤٤٠١) وغيرهم عن عائشة، ولم يَذكروا زيادة: «ولا بين الصفا والمروة».\nوهي شاذة لتفرد يحيى بن يحيى بذكرها، وقد خولف ممن هو أوثق منه من سائر أصحاب مالك، وكذا سائر الرواة عن عبد الرحمن بن القاسم، وسائر الرواة عن القاسم بن محمد وسائر رواة الحديث.","vol":"1","page":383},{"text":"وأجيب بأن لفظة: «ولا بين الصفا والمروة» شاذة، ولا تصح عن رسول الله ﷺ.\nالدليل الثاني: عن جابر بن عبد الله ﵄، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَاضَتْ، فَنَسَكَتْ المَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ (^١).\nونوقش بأن عائشة لم تَسْعَ، مع أن النبي ﷺ مَنَعها من الطواف فقط؛ لأن السعي لا بد أن يسبقه طواف، وليس من أجل أن السعي تُشترَط له الطهارة؛ ولذا قالت عائشة: فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ.\nولذا فمَن طافت طواف الإفاضة ثم حاضت، يَجوز لها أن تسعى، على قول جماهير العلماء؛ لأن السعي لا تُشترَط له الطهارة، ولأن المسعى مشعر مستقل، له أحكامه الخاصة، ولو دخل في مبنى المسجد الحرام وأصبح ضمن جدرانه؛ ولأن السعي عبادة لا تتعلق بالبيت، فأَشْبَهَتِ الوقوف بعرفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-491>المبحث الثالث: لا يُشترَط ستر العورة لصحة السعي:</span>\nلأنه إذا لم تُشترط الطهارة، وهي آكَد، فغَيْرها أَوْلَى باتفاق المذاهب الأربعة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٧٨٥).\n(^٢) «مواهب الجليل» (٤/ ١٦٥)، و«الحاوي الكبير» (٤/ ٣٧٧)، و«المغني» (٥/ ٢٤٦).","vol":"1","page":384},{"text":"<span data-type='title' id=toc-492>الفصل الرابع: سُنن السعي\nوفيه ست سُنن:</span>\nوالأصل في ذلك ما ورد في حديث جابر: «ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ».\n\n<span data-type='title' id=toc-493>السُّنة الأولى: يُشْرَع إذا دنا من الصفا أن يَقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ </span>مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، ويقول: «أبدأ بما بدأ الله به» ويقتصر في قوله هذا على الصفا في المرة الأولى فقط.\n<span data-type='title' id=toc-494>السُّنة الثانية: يُستحَب أن يرتقي على الصفا حتى يَرى الكعبة </span>ويستقبلها؛ لقول جابر: «فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ».\n<span data-type='title' id=toc-495>السُّنة الثالثة: أَنْ يُوَحِّدَ اللهَ وَيكَبَّرَهُ،</span> وَيَقُولَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ. ثُمَّ يدعو بين ذلك ثلاث مرات.\n<span data-type='title' id=toc-496>السُّنة الرابعة- أَنْ يُكْثِرَ مِنَ الدُّعَاءِ</span>؛ لأَنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مَوْضِعُ دُعَاءٍ تُرْجَى فِيهِ الْإِجَابَةُ.\nقال النووي: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْقَى عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ إِنْ أَمْكَنَهُ. وَيُسَنُّ أَنْ يَقِفَ عَلَى الصَّفَا مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ، وَيَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى بِهَذَا الذِّكْرِ الْمَذْكُورِ وَيَدْعُوَ، وَيُكَرِّرَ الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (^١).\n_________\n(^١) «شرح النووي على مسلم» (٨/ ١٧٧)، و«التمهيد» (٢/ ٩١).","vol":"1","page":385},{"text":"وقد ورد عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَعَى فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ» (^١).\nولم يصح عن رسول الله ﷺ دعاء معين على الصفا.\nوَعَنْ نَافِعٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ وَهُوَ عَلَى الصَّفَا يَدْعُو يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ كَمَا هَدَيْتَنِي لِلإِسْلَامِ أَنْ لَا تَنْزِعَهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي وَأَنَا مُسْلِمٌ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-497>السُّنة الخامسة: السعي الشديد بين العلامتين الخضراوين للرجال:</span>\nيُسَن المشي بين الصفا والمروة، إلا ما كان بين العلامتين الخضراوين، وهى إنارة خضراء على جانبَي المسعى في السعي، فإنه يُسَن للرجال السعي الشديد بينهما، وذلك في الأشواط السبعة، بالسُّنة والإجماع.\nأما السُّنة، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ المَسِيلِ، إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ (^٣).\n_________\n(^١) ضعيف مرفوعًا، وصح عن ابن مسعود من قوله موقوفًا.\nفرواه علقمة، مرفوعًا، به، عند الطبراني في «الأوسط» (٢٧٥٧) وفي إسناده ليث، ضعيف.\nورواه الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود موقوفًا، وسنده صحيح. عند ابن أبي شيبة (١٥٧٩٥).\nورواه منصور، عن أبي وائل، عن مسروق، عن ابن مسعود موقوفًا، به. عند البيهقي (٩٣٥١).\nوقال ابن حجر: موقوف صحيح الإسناد. «الفتوحات الربانية» (٤/ ٤٠١).\n(^٢) إسناده صحيح: رواه مالك في «الموطأ» (١٠٩١).\nورَوى ابن أبي شيبة (٣١٨٥١) بسند صحيح عن نافع قال: كَانَ ابنُ عمَرَ إِذَا قَدِمَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا طَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ جُلُوسُهُ فِيهِمَا أَطْوَلَ مِنْ قِيَامِهِ ثَنَاءً عَلَى رَبِّهِ وَمَسْأَلَةً، فَكَانَ يَقُولُ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ رَكْعَتَيْهِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ وَطَاعَتِكَ وَطَاعَةِ رَسُولِكَ ﷺ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي حُدُودَكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُحِبُّك وَيُحِبُّ مَلَائِكَتَكَ وَرُسُلَكَ وَعِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ حَبِّبْنِي إِلَيْكَ وَإِلَى مَلَائِكَتِكَ وَرُسُلِكَ، اللَّهُمَّ آتِنِي مِنْ خَيْرِ مَا تُؤْتِي عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ يَسِّرْنِي لِلْيُسْرَى وَجَنِّبْنِي الْعُسْرَى، وَاغْفِرْ لِي فِي الآخِرَةِ وَالأُولَى، اللَّهُمَّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَفِيَ بِعَهْدِكَ الَّذِي عَاهَدْتَنِي عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ.\n(^٣) رواه البخاري (١٦١٧)، ومسلم (١٢٦١).\nولكن يشكل عليه ما رواه البخاري (٣٨٤٧) معلقًا: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَيْسَ السَّعْيُ بِبَطْنِ الوَادِي بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ- سُنَّةً، إِنَّمَا كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَهَا، وَيَقُولُونَ: لَا نُجِيزُ البَطْحَاءَ إِلَّا شَدًّا.\nقال الحافظ: وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي «الْمُسْتَخْرَجِ» مِنْ طَرِيقِ حَرْمَلَةَ، عَنْ ابْنِ وَهْبٍ. «الفتح» (٧/ ١٥٨).\nوحرملة لا يَتحمل مثل هذا المتن، ولو صح فقد حَمَل بعض العلماء قول: (لَيْسَ السَّعْيُ بِبَطْنِ الوَادِي بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ- سُنَّةً) على وجهين:\nالأول: ليس بسُنة واجبة يجب بتركها دم.\nالثاني: ليس بسُنة ابتدأها رسول الله ﷺ، وإنما كانت من عمل الجاهلية فأقرها. «القِرى» (ص: ٣٦٩).","vol":"1","page":386},{"text":"والمراد ب (بطن المَسِيل): المكان الذي بين العلامتين الخضراوين.\nرَوَى مسلم عن جابر ﵁ قال: «… ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ».\nوأما الإجماع، فنَقَل غير واحد من أهل العلم أنه يُسَن للرجال السعي الشديد بين العلامتين الخضراوين، وهي إنارة خضراء على جانبَي المسعى في السعي بين الصفا والمروة، وذلك في الأشواط السبعة (^١). وليس على النساء هرولة في السعي بالإجماع (^٢).\nالسُّنة السادسة: المشي بين الصفا والمروة: وفيها أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: المشي بين الصفا والمروة أفضل من الركوب للقادر عليه.\nنَقَل الإجماع على ذلك: النووي وابن قُدامة (^٣).\n_________\n(^١) نَقَل الإجماع على ذلك النووي، فقال: هَذَا مُجْمَعٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، اسْتُحِبَّ أَنْ يَكُونَ سَعْيُهُ شَدِيدًا فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ. «شرح مسلم» (٩/ ٧). ونَقَل الإجماع أيضًا: ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ٢٣١)، وابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٢٨).\n(^٢) نَقَل الإجماع على ذلك: ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٥٥)، وابن عبد البر فقال: وَأَجْمَعُوا أَنْ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ هَرْوَلَةٌ فِي سَعْيِهِنَّ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. «التمهيد» (٢/ ٧٨).\nوقال النووي: لَكِنْ هُنَاكَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ إِذَا كَانَ فِي اللَّيْلِ، حَالَ خُلُوِّ الْمَسْعَى. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا لَا تَسْعَى فِي مَوْضِعِ السَّعْيِ، بَلْ تَمْشِي جَمِيعَ الْمَسَافَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا فِي الْخَلْوَةِ؛ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، وَأَمْرُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى السَّتْرِ؛ وَلِهَذَا لَا تَرْمُلُ فِي الطَّوَافِ. «المجموع» (٨/ ٧٥).\n(^٣) نَقَل الإجماع النووي في «شرح مسلم» (٩/ ١١).\nوقال ابن قُدامة: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الطَّوَافَ رَاجِلًا أَفْضَلُ. «المغني» (٥/ ٢٥٠).","vol":"1","page":387},{"text":"المطلب الثاني: مَنْ سعى بين الصفا والمروة راكبًا لعذر:\nيَجوز السعي راكبًا بين الصفا والمروة لعُذر، بالإجماع.\nنَقَل الإجماع على ذلك: ابن عبد البر وابن قُدامة وابن القيم (^١).\nالمطلب الثالث: هل سعى رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة ماشيًا أم راكبًا؟\nورد أن الرسول ﷺ سعى ماشيًا، ففي حديث جابر الطويل: «ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي، سَعَى».\nوقد جَمَع ابن القيم بقوله: وَعِنْدِي أَنَّهُ سَعَى مَاشِيًا أَوَّلًا، ثُمَّ أَتَمَّ سَعْيَهُ رَاكِبًا، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ، فَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»: «عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَخْبِرْنِي عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ. قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا. قَالَ: قُلْتُ: مَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ. حَتَى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنَ الْبُيُوتِ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ، وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ» (^٢).\nالمطلب الرابع: حُكْم مَنْ سعى راكبًا بين الصفا والمروة بدون عذر:\nقد سبق التفصيل في الطواف ماشيًا، والحاصل أن السعي ماشيًا سُنة، فالأَوْلَى بالحاج السعي ماشيًا، وهذا هو الأحوط للدين وللذمة والأبعد عن الخلاف.\nومَن عَجَز عن السعي ماشيًا بسبب التعب والإرهاق، فلا فدية عليه، مع أنه ينبغي للحاج أو المعتمر أنه إذا قدم مكة وهو متعب من السفر، فعليه أن يستريح أولًا ليؤدي نسك الحج والعمرة على الوجه الأكمل، كما فَعَل رسول الله ﷺ القائل: «لتأخذوا عني مناسككم».\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر: لَا خِلَافَ بإِنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ أَوِ اشْتَكَى مَرَضًا، أَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ الرُّكُوبُ فِي طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ وَفِي سَعْيِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. «التمهيد» (١٣/ ٩٩). ونَقَل الإجماع: ابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٢٤٩)، وابن القيم في «إعلام المُوقِّعين» (٤/ ٣٦٠).\n(^٢) «زاد المعاد» (٢/ ٢١١).","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type='title' id=toc-499>الفصل الخامس:\nأنواع السعي في الحج: وفيه مبحثان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-500>المبحث الأول: سَعْي المُفْرِد والقارن:</span>\nعلى المُفْرِد والقارن سعي واحد للنسك، يقع بعد طواف القدوم، ولهما تأخيره إلى ما بعد طواف الإفاضة.\n\n<span data-type='title' id=toc-501>المبحث الثاني: سَعْي المتمتع:</span>\nاتفقوا على أن المتمتع يَلزمه سعي لعمرته، واختلفوا هل يَلزمه سعي ثانٍ؟ على قولين:\nالقول الأول: ذهب عامة العلماء إلى أن على المتمتع سعيين: سعيًا لعمرته، وسعيًا لحجته بعد طواف الإفاضة (^١).\nلِما ورد عن عائشة، وفيه قالت: «فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِم، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» (^٢).\n_________\n(^١) «فتح القدير» (٣/ ٦)، و«التمهيد» (٨/ ٣٥١)، و«شرح مسلم» (٨/ ١٦١)، و«شرح العمدة» (٢/ ٥٦٤).\n(^٢) ومدار الحديث على الزُّهْري، عن عُروة بن الزبير، عن عائشة. واختُلف عنه: فرواه مالك عند البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١) وزاد فيه: (فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ …).\nورواه سائر أصحاب الزُّهْري، فلم يَذكروا هذه الزيادة، منهم عُقَيْل عند البخاري (٣١٩)، ومسلم (١٢١١)، وإبراهيم بن سعد عند البخاري (٣١٦)، وابن عُيينة ومَعْمَر عند مسلم (١٢١١) وغيرهم.\nورواه هشام بن عروة وأبو الأسود عند البخاري (٣١٧، ١٥٦٢)، ومسلم (١٢١١) كلاهما عن عروة، فلم يَذكرا هذه الزيادة، وكذا رواه القاسم وعَمْرة والأسود عند البخاري (١٥٦١، ١٦٥٠، ١٧٠٩) ومسلم (١٢١١). وابن أبي مُلَيْكة عند البخاري (٢٩٨٤). وطاوس ومجاهد وذَكْوان وصفية بنت شيبة عند مسلم (١٢١١) جميعًا عن عائشة، فلم يَذكروا هذه الزيادة.\nوقال أحمد: لم يقل هذا أحد إلا مالك. وقال: ما أظن مالكًا إلا غلط فيه، ولم يجئ به أحد غيره. وقال مرة: لم يروه إلا مالك، ومالك ثقة. ولعل أحمد إنما استنكره لمخالفته للأحاديث، في أن القارن يطوف طوافًا واحدًا. قال ابن رجب: ولعل أحمد إنما استنكره لمخالفته للأحاديث، في أن القارن يطوف طوافًا واحدًا. «شرح علل الترمذي» (٢/ ٦٥٤).\nوقد أشار أبو داود بعد إخراجه لهذه اللفظة (١٧٨١) إلى إعلالها بقوله: رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَمَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَهُ، لَمْ يَذْكُرُوا طَوَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِعُمْرَةٍ، وَطَوَافَ الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ.\nوقال ابن تيمية: فَإِنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ- هِيَ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ، لَيْسَتْ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ. «الفتاوى» (٢٦/ ٤١).","vol":"1","page":389},{"text":"ورَوى البخاري معلقًا عن شيخه بصيغة الجزم: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ، فَقَالَ: أَهَلَّ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالحَجِّ عُمْرَةً، إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ».\nفَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَقَالَ: «مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ» ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ المَنَاسِكِ، جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الهَدْيُ (^١). فحديث ابن عباس صريح في أن على المتمتع سعيين.\nالقول الآخَر: أن المتمتع يكفيه سعي واحد للحج والعمرة. وهو قول عطاء ومجاهد وطاوس وإسحاق، ورواية عن أحمد (^٢).\nواستدلوا بما ورد عن جابر ﵁، وفيه: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ، وَكَفَانَا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ». فهذا نص في أن المتمتع ليس عليه إلا سعي واحد.\nونوقش بما قاله النووي: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَارِنًا (^٣).\nوالراجح: أن على المتمتع سعيين: سعيًا لعمرته، وسعيًا لحجته بعد طواف الإفاضة؛ لحديث عائشة وابن عباس الدالين على أن على المتمتع سعيين؛ لأنهما مُثبِتان، وحديث جابر نافٍ، والمُثبِت مُقدَّم على النافي. ولأنهما مُوافِقان للقياس؛ لأن المتمتع قد فَصَل بين عمرته وحجته بتحلل تام، فاحتيج إلى سعي آخَر للحج.\nوأما حديث جابر المُصرِّح بأنه ليس على المتمتع إلا سعي واحد، فيُحمل على مَنْ كان منهم قارنًا.\n_________\n(^١) البخاري (١٥٧٢).\n(^٢) «شرح العمدة» (٢/ ٥٦٤)، و«مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله» (٧٤٨) قال: قلتُ لأبي: المُتمتِّع كم يسعى بين الصفا والمروة؟ قال: إن طَاف طوافين فهو أجود، وإن طَاف طوافًا واحدًا فلا بأْس.\n(^٣) «المجموع» (٨/ ٦١). وقال البيهقي: أَرَادَ بِهِ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ، الَّذِينَ كَانُوا قَارِنِينَ خَاصَّةً … فَاكْتَفَى هُوَ وَأَصْحَابُهُ الْقَارِنُونَ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ.","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type='title' id=toc-502>الفصل السادس: حُكْم توسيع المسعى</span>\nتوسيع المسعى لا يخلو من حالين:\nالأول: توسعة المسعى بشكل أفقي، بأن يُبنى على سقف المسعى مسعى آخَر، وحُكْم السعي فيه. سبق بيانه وجوازه.\nالثاني: توسعة المسعى بشكل عَرْضي، بأن يكون عرضه أوسع من عشرين مترًا، بتوسعته من الجهة الشرقية (^١).\nاختَلف العلماء في ذلك على قولين:\nالأول: جواز توسعة المسعى من جهته الشرقية، باعتبارها جزءًا من المسعى (^٢).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨].\nوَجْه الدلالة: قد بَيَّنَتِ الآية لزوم استيعاب ما بين الصفا والمروة بيانًا واضحًا؛ ولذا شَدَّد الفقهاء، حتى قال الحَطَّاب: (مَنْ تَرَكَ مِنَ السَّعْيِ شَيْئًا، وَلَوْ ذِرَاعًا، يَرْجِعُ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ) بينما لم يَرِد دليل يوجب الالتزام أثناء السعي بحد عرض الجبلين، ولو كان ذلك مشروطًا شرعًا، لبَيَّنه الرسول ﷺ لأصحابه بيانًا شافيًا واضحًا.\nالقول الثاني: لا يَجوز توسعة المسعى من جهته الشرقية، ولا يجوز السعي فيها باعتبارها ليست جزءًا من المسعى (^٣).\nواستدلوا: بأن النبي ﷺ بَيَّن مُجْمَل الآية بفعله، فقد سعى في هذا المكان، وقد قال ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» ولأن السعي بين الصفا والمروة من الأمور التعبدية التي أوجبها الله علينا في ذلك المحل المخصوص، ولا يجوز لنا العدول عنه (^٤).\n_________\n(^١) بداية المسعى قصة أُم إسماعيل وزمزم، ثم المسعى النبوي، وهو ما كان في وقته، ثم توسعة المَلِك سعود عام (١٣٧٥ هـ) حيث وَسَّع عَرْض المسعى إلى عشرين مترًا. ثم توسعة المَلِك عبد الله المسعى الحالي، عام (١٤٣٠ هـ) وهذا المراد بحثه.\n(^٢) وهو قول المُعَلِّمي وابن جبرين وغيرهما، كما في «حلول الزحام في المناسك» (ص: ٣٣٦).\n(^٣) وهو قول محمد بن إبراهيم، وبه صَدَر قرار هيئة كبار العلماء. «حلول الزحام» (ص: ٣٣٦).\n(^٤) قال القاري: من شروط السعي كونه بين الصفا والمروة، أي: بألا ينحرف عنهما إلى أطرافهما. «المسلك المتقسط» (ص: ٢٤٦).\nوقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ السَّعْيُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ السَّعْيِ، فَلَوْ مَرَّ وَرَاءَ مَوْضِعِ السَّعْيِ، فِي زُقَاقِ الْعَطَّارِينَ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ سَعْيُهُ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ مُخْتَصٌّ بِمَكَانٍ، فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ. «المجموع» (٨/ ٧٦).\nوقال الحَطَّاب: لِلسَّعْيِ شُرُوطٌ، مِنْهَا كَوْنُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ، فَلَوْ سَعَى فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَحِلِّ، بِأَنْ دَارَ مِنْ سُوقِ اللَّيْلِ، أَوْ نَزَلَ مِنَ الصَّفَا وَدَخَلَ مِنَ الْمَسْجِدِ، لَمْ يَصِحَّ سَعْيُهُ. «مواهب الجليل» (٣/ ٨٤).\nوقال ابن تيمية: لَوْ سَعَى فِي مُسَامَتَةِ الْمَسْعَى، وَتَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لَمْ يُجْزِهِ. «شرح العمدة» (٢/ ٥٩٩).","vol":"1","page":391},{"text":"<span data-type='title' id=toc-503>الباب العاشر: يوم التروية:</span> وفيه مبحثان:\n<span data-type='title' id=toc-504>المبحث الأول: التعريف بيوم التروية،</span> هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سُمي بذلك لأنهم كانوا يَتَرَوَّوْنَ بحَمْل الماء معهم من مكة إلى عرفات (^١).\n<span data-type='title' id=toc-505>المبحث الثاني: الذَّهاب إلى مِنًى في يوم الثامن، والمبيت بها.</span>\nيُسَن للحاج ولمن كان بمكة متمتعًا، أو كان من أهل مكة- أن يُحْرِم يوم التروية ويُهِل بالحج، ويَفعل كما فَعَل عند الإحرام من الميقات، من الاغتسال ولُبْس الإزار، وأن يَخرج من مكة إلى مِنًى في اليوم الثامن، يوم التروية، ويبيت بها، ويصلي بها خمس صلوات: الظُّهْر والعصر والمغرب والعشاء وفجر يوم التاسع، كل صلاة في وقتها، قَصْرًا بلا جَمْع.\nفعن جابر ﵁ قال: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ».\nقال النووي: إِذَا خَرَجُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إلَى مِنًى، فَالسُّنَّةُ أَنْ يُصَلُّوا بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبِيتُوا بِمِنًى لَيْلَةَ التَّاسِعِ، وَهَذَا الْمَبِيتُ سُنَّةٌ (^٢).\n_________\n(^١) «المجموع» (٨/ ٨١)، و«المغني» (٥/ ٢٥٩).\n(^٢) «المجموع» (٨/ ٨٤)، ونَقَل الإجماع: ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣٠٨)، وابن رُشْد في «بداية المجتهد» (٢/ ١١٢)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٢٦٢)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ٣٢٨).","vol":"1","page":392},{"text":"<span data-type='title' id=toc-506>الباب الحادي عشر\nيوم عرفة\nويشتمل على ستة فصول</span>\nالفصل الأول: فضائل يوم عرفة، وحُكْم الوقوف بها.\nالفصل الثاني: شروط الوقوف بعرفة.\nالفصل الثالث: سُنن الوقوف بعرفة.\nالفصل الرابع: ما يُكْرَه ويَحرم على الحاج يوم عرفة.\nالفصل الخامس: فوات الوقوف بعرفة.\nالفصل السادس: الإحصار.","vol":"1","page":393},{"text":"<span data-type='title' id=toc-507>الفصل الأول\nفضائل يوم عرفة، وحُكْم الوقوف بها.\nوفيه أربعة مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-508>المبحث الأول: التعريف بيوم عرفة:</span>\nعرفات: اسم للبقعة المعروفة، التي يجب الوقوف بها، ويوم عرفة يوم الوقوف بها (^١).\nويطلق على المكان، ويراد به جبل عرفة، وهو المكان الذي يؤدي فيه الحُجاج ركن الحج الأكبر، وهو الوقوف بعرفة. وتقع شرقي الحرم، بحوالي اثنين وعشرين كيلو مترًا.\nيُطْلَق عرفة على الزمان، ويراد به يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة.\n\n<span data-type='title' id=toc-509>المبحث الثاني: فضائل يوم عرفة: وفيه ثلاثة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-510>المطلب الأول: فضل يوم عرفة للحاج:</span>\nيوم عرفة يوم عتق من النيران، وتَجاوُز عن الخطايا والأوزار، ويباهي الله بأهل عرفة الملائكة؛ لِما روت عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» (^٢).\n_________\n(^١) «معجم الفروق اللُّغوية» (ص: ٣٥٥).\nوسُمي (يوم عرفة) لأن الحُجاج يقفون في هذا اليوم على جبل عرفة.\nوقيل: سُمي بذلك لأن آدم وَجَد حواء بعد ما أُهبِطا وافترقا، فلم يجتمعا سنين، ثم التقيا يوم عرفة.\nوقيل: لأَن جبريل عَرَّف إبراهيمَ فيها المناسك. ويحتمل أَنْ يكون لتَعارُف الناس فيها.\nوقيل: لأن العرب تسمي ما ارتفع: (عرفة) فسُمي عرفة لعلو الناس فيها على جبالها.\nوقيل: سُميت (عرفة) لأن الناس يَعترفون بذنوبهم، ويَسألون الله المغفرة.\nوقيل: هي مأخوذة مِنْ العَرْف، وهو الطِّيب، قال الله تعالى: ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ [محمد: ٦] أي: طَيَّبَهَا، فهي طَيِّبَة، بخلاف مِنًى التي فيها الفُرُوث والدماء.\nوكثير من هذه الأقوال لم أقف لها على دليل صحيح. انظر: «تحرير ألفاظ التنبيه» للنووي (ص: ١٢٨)، و«تفسير القرطبي» (٢/ ٤١٥)، و«يوم عرفة» (ص: ٢٠) لفالح الصغير.\n(^٢) رواه مسلم (١٣٤٨). وقد انتُقد هذا الحديث على مسلم لأن مخرمة لم يسمع من أبيه. قال الإمام أحمد: مخرمة بن بكير ثقة، إلا أنه لم يسمع من أبيه شيئًا. \"العلل\" رواية عبد الله (٢/ ٤٨٩). وقال ابن حجر: وروايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقال ابن المديني: سمع من أبيه قليلًا. \"تقريب التهذيب\" (ص ٥٢٣). وقال العلائي: أخرج له مسلم عن أبيه عدة أحاديث، وكأنه رأى الوجادة سببًا للإتصال، وقد انتقد ذلك عليه. \"جامع التحصيل\" (ص ٢٧٥).\nقوله: «يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ» قال ابن عبد البر: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاهِي بِأَهْلِ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ إِلَّا مِنْ بَعْدِ التَّوْبَةِ وَالْغُفْرَانِ. «التمهيد» (١/ ١٢٠).","vol":"1","page":394},{"text":"ففي يوم عرفة تُغْفَر السيئات وتُقال العثرات، وتُضاعَف الحسنات وتجاب الدعوات! روى أحمد بسند حسن: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ ﷿ يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي، أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا» (^١).\nومن فضائل يوم عرفة: أنه مُوافِق ليوم إكمال الدين وإتمام النعمة، ففي «الصحيحين»: عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قَالَ عُمَرُ: «قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ» (^٢).\nالمطلب الثاني: من فضائل يوم عرفة لغير الحاج:\nالأول: أن يوم عرفة هو اليوم التاسع من الأيام العَشْر، وقد قال النبي ﷺ: «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ» قَالُوا: وَلَا الجِهَادُ؟ قَالَ: «وَلَا الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» (^٣).\nالثاني: يُستحَب صوم يوم عرفة لغير الحاج؛ فصيامه يُكَفِّر سنتين: يُكَفِّر السَّنة التي قبله، والسَّنة التي بعده، وقد قال رسول الله ﷺ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» (^٤).\n_________\n(^١) رواه أحمد (٧٠٨٩) ورجاله ثقات سوى أزهر بن القاسم، وقد يُحَسَّن حديثه.\nوله شاهد عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ ﷿ يُبَاهِي الْمَلَائِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا» أخرجه أحمد (٨٠٤٧)، وإسناده حسن من أجل يونس بن أبي إسحاق.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٥)، ومسلم (٣٠١٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٩٦٩).\n(^٤) أخرجه مسلم (١١٦٢). قال القاضي عِيَاض: هذا المذكور في الأحاديث من غفران الصغائر دون الكبائر، وهو مذهب أهل السُّنة، وأن الكبائر إنما تُكفِّرها التوبة، أو رحمة الله تعالى.\nفإن قيل: معناها: فإذا كَفَّر الوضوء، فماذا تُكفِّره الصلاة؟\nفالجواب: أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإِنْ وَجَد ما يكفره من الصغائر كَفَّره، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة، كُتبت به حسنات ورُفعت له به درجات.","vol":"1","page":395},{"text":"المطلب الثالث: أشهر الأحاديث الضعيفة في فضل عرفة:\nاشتهرت على ألسنة الوعاظ أحاديث نُسبت إلى رسول الله ﷺ كذبًا وبهتانًا.\nمنها: حديث: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حَجَّةً فِي غَيْرِهَا» (^١).\nومنها: حديث: «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ، وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ» (^٢).\nالمبحث الثالث: ما المراد بالوقوف؟\nالمراد من الوقوف بعرفة: وجود الحاج في أرض عرفة ولو لحظة، بنِيَّة الوقوف، سواء كان واقفًا أو جالسًا أو راكبًا. ووَقْت هذا الوقوف من زوال الشمس يوم التاسع، حتى طلوع الفجر يوم العاشر (يوم النحر) وهي الآن محدودة بأعلام واضحة كبيرة، وهي لمبات خضراء، وذلك مبني على علم من لجان حكومية من العلماء وغيرهم.\nالمبحث الرابع: حُكْم الوقوف بعرفة:\nالوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم، لا يَتم الحج ولا يصح إلا به، ومَن فاته الوقوف بعرفة فاته الحج بالإجماع (^٣). قال ﷺ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» (^٤).\n_________\n(^١) باطل لا أصل له، قال ابن حجر: وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ رَزِينٌ فِي «جَامِعِهِ» مَرْفُوعًا … فَهُوَ حَدِيثٌ لَا أَعْرِفُ حَالَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ صَحَابِيَّهُ وَلَا مَنْ أَخْرَجَهُ. «فتح الباري» (٨/ ٢٧١). وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: حديث باطل لا يصح. في جزء «فضل يوم عرفة» (ص: ١٦٤). وقال ابن القيم: أَمَّا مَا اسْتَفَاضَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامِّ بِأَنَّهَا تَعْدِلُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ حَجَّةً، فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ. «زاد المعاد» (١/ ٦٥).\n(^٢) مرسل: أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٥٦٤)، وهو مرسل، فطلحة بن عُبيد الله تابعي ثقة من الثالثة. وإن كان وصله البيهقي في «الشُّعَب» (٤٠٧٠) ولكن في إسناده أحمد بن أيوب، ولعله محمد بن أيوب، قال فيه أبو زُرْعَة: رأيته قد أَدْخَل في كتب أبيه أشياء موضوعة. وقال ابن حِبان: لا تَحِل الرواية عنه.\n(^٣) قال ابن عبد البر: وَأَمَّا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَبِكُلِّ مِصْرَ- أَنَّهُ فَرْضٌ لَا يَنُوبُ عَنْهُ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِهِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ، فَلَا حَجَّ لَهُ. «التمهيد» (١٠/ ٢٠).\nوكذا نَقَل الإجماع: ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٥٧)، وابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ٤٢)، والنووي في «المجموع» (٨/ ١٠٢، ١٠٣). وابن قُدامة في «المغني» «٥/ ٢٦٧» وغيرهم كثير.\n(^٤) صحيح: أخرجه أحمد (١٨٧٧٣)، وأبو داود (١٩٤٠)، والترمذي (٨٨٩)، وغيرهم، من طرق عن سفيان الثوري وشُعبة، كلاهما: عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبدِ الرَّحمَنِ بْنِ يَعْمُرَ، به.\nقال الترمذي: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَجْوَدُ حَدِيثٍ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ. وقال الذُّهْلِيُّ: مَا أُرَى لِلثَّوْرِيِّ حَدِيثًا أَشْرَفَ مِنْهُ. قال وَكِيع: هَذَا الحَدِيثُ أُمُّ المَنَاسِكِ. «سُنن الترمذي» (٢/ ٤٠٠).","vol":"1","page":396},{"text":"الفصل الثاني: شروط الوقوف بعرفة:\n\n<span data-type='title' id=toc-516>تمهيد: بين يدي الوقوف بعرفة</span>\nللوقوف بعرفة شروط، بعضها يتعلق بالمكان، فعرفة بحدودها المعروفة حاليًا بالأعلام- كلها موقف. وبعضها يتعلق بالزمان، فلا يصح الوقوف بعرفة اليوم الثامن من ذي الحجة، ولا بعد طلوع فجر العاشر. وبعضها يتعلق بالواقف، فلا بد أن يكون أهلًا للعبادة؛ فلا يصح وقوف المجنون ولا الكافر.\nوإليك التفصيل في الأقسام التالية:\n\n<span data-type='title' id=toc-517>القسم الأول: شروط تتعلق بالمكان: وفيه سبعة مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-518>المبحث الأول: أن يكون الوقوف في أرض عرفات:</span>\nيُشترط أن يكون الوقوف في أرض عرفات، وعرفة كلها موقف، بالسُّنة والإجماع.\nفعن جابر عن النبي ﷺ قال: «وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (^١).\nوقال النووي: يَصِحُّ الْوُقُوفُ فِي أَيِّ جُزْءٍ كَانَ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ (^٢).\nوقد وُضعت الآن علامات حول أرض عرفة تُبَيِّن حدودها، ويجب على الحاج أن يتنبه لها؛ لئلا يقع وقوفه خارج عرفة فيفوته الحج.\n\n<span data-type='title' id=toc-519>المبحث الثاني: حُكْم الوقوف بوادي عُرَنة </span>(^٣):\nنُقِل الإجماع على أن بَطْن عُرَنَة ليس مِنْ عرفة، ولا يُجْزِئ الوقوف فيه (^٤).\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٢١٨).\n(^٢) «المجموع» (٨/ ١٠٥).\n(^٣) بَطْنُ عُرَنَةَ: وَادٍ بِحِذَاءِ عَرَفَاتٍ، مِنْ جِهَةِ الْمُزْدَلِفَةِ وَمِنًى وَمَكَّةَ. «الموسوعة الكويتية» (٣٠/ ٦٥).\n(^٤) قال النووي: وَادِي عُرَنَةَ لَيْسَ مِنْ عَرَفَاتٍ، لَا خِلَافَ فِيهِ. «المجموع» (٨/ ١٠٧). ونَقَل الإجماع: ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣١٢)، وابن عبد البر في «التمهيد» (١٣/ ١٥٨)، والحَطَّاب في «مواهب الجليل» (٣/ ٩٧) والقاضي عِيَاض في «إكمال المُعْلِم» (٤/ ١٥٤)، والمحب الطبري في «القِرَى» (ص: ٣٨٣)، وابن هُبَيْرة في «الإفصاح» (١/ ٢٧١)، والزيلعي في «تبيين الحقائق» (٢/ ٢٥).","vol":"1","page":397},{"text":"وهذا الإجماع منخرم؛ فهناك قول للمالكية أن بطن عُرَنَة من عرفة (^١).\nوقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «كُلُّ عَرَفَاتٍ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» (^٢).\nفالحاصل: أن الوقوف في وادي عُرَنة لا يجزئ؛ لأنه ليس من عرفة، وقد قال النبي ﷺ: «قَدْ وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ».\n\n<span data-type='title' id=toc-520>المبحث الثالث: نَمِرة ليست من عرفة:</span>\nنَمِرة ليست من عرفات، ولكن يُستحب النزول بها ضحى، قبل النزول بعرفة (^٣).\nفعن جابر ﵁ أنه قال في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ: «فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ».\nوَجْه الدلالة: أن فيه استحباب النزول بنَمِرة بعد طلوع شمس اليوم التاسع، وصلاة\n_________\n(^١) وهناك قول للحنفية وقول للمالكية، أن الوقوف بعُرَنة يجزئ مع الكراهة، وعليه دم. «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٦)، و«التمهيد» (٢٤/ ٤٢٠)، و«مواهب الجليل» (٣/ ٩٧).\n(^٢) ضعيف؛ فقد جاء هذا الحديث عن عدد من الصحابة، ومِن أشهرهم حديث ابن عباس،\nرواه ابن عُيينة، عن زياد بن سعد، عن أبي الزُّبير، عن أبي مَعْبَد، عن ابن عباس.\nواختُلف عنه، فرواه محمد بن كَثير عن ابن عُيينة به مرفوعًا. أخرجه ابن خُزيمة (٢٨١٦)، ولكن هذه الرواية شاذة؛ فقد خالف محمدَ بن كَثير أحمدُ وابن المديني عند البيهقي (١/ ٢١٩)، (٥/ ١١٥) فروياه دون ذكر هذه اللفظة: «… وارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ».\nورواه الطبراني في «الكبير» (١١٠٠٥) (١١٢٣١) (١١٤٠٨) ومن طرق كلها ضعيفة.\nورواه ابن جُريجٍ قال: أَخْبَرَنِي عطاء، عن ابن عباس موقوفًا، عند ابن خُزيمة (٢٨١٧) وهو الصواب.\nوله شواهد: فعن جُبَيْر بن مُطْعِم، أخرجه أحمد (١٦٧٥١) وإسناده ضعيف؛ فسليمان بن موسى لم يُدرِك جُبَيْر بن مُطْعِم، وقد اضطرب فيه ألوانًا: فمرة أَدْخَل بين سليمان بن موسى وجُبَيْر- نافع بن جُبَيْر. ومرة أَدْخَل بينهما عبد الرحمن بن أبي حسين. ومرة محمد بن المنكدر. ومرة عمرو بن دينار. والحديث منقطع على أي حال، فلم يدرك أي منهم جُبيرًا، وأشار لذلك الحُفاظ، كالبزار في «مسنده» (٣٤٤٤)، وابن القيم في «الزاد» (٢/ ٢٩٠)، وابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ١٢) وغيرهم.\nوفي الباب عن جابر وأبي هريرة وغيرهما، ولا يصح في بَطْن عُرَنَة حديث.\n(^٣) «المجموع» (٨/ ١٠٧). وقال ابن تيمية: نَمِرَة كَانَتْ قَرْيَةً خَارِجَةً عَنْ عَرَفَاتٍ، مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ، فَيُقِيمُونَ بِهَا إِلَى الزَّوَالِ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ يَسِيرُونَ مِنْهَا إِلَى بَطْنِ الْوَادِي، وَهُوَ مَوْضِعُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ. «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٢٩).","vol":"1","page":398},{"text":"الظهر والعصر بها جمعًا، بعد زوال الشمس، ثم النزول بعرفات (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-521>المبحث الرابع: حُكْم الوقوف بمسجد نَمِرة:</span>\nالمسجد الذي سَمَّاه الأقدمون مسجد إبراهيم، ويُسَمَّى مسجد نَمِرَة ومسجد عَرَفَةَ، وسُمي بكلا الاسمين لأنه يقع مقدمته في نَمِرة أو عُرَنة خارج عرفات، والتي فيها محل الخطبة والصلاة، ويقع آخره في عرفة، وقد مُيز بينهما بعلامات، بُني عند المكان الذي صَلَّى وخَطَب فيه الرسول ﷺ (^٢).\nوفي «الموسوعة الكويتية»: وَقَدْ تَكَرَّرَ تَوْسِيعُ الْمَسْجِدِ كَثِيرًا فِي عَصْرِنَا، وَفِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ عَلَامَاتٌ تُبَيِّنُ لِلْحُجَّاجِ مَا هُوَ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَمَا لَيْسَ مِنْهَا يَنْبَغِي النَّظَرُ إِلَيْهَا.\nالمبحث الخامس: حُكْم مَنْ وقف بعرفة، وهو لا يَعلم أنها عرفة:\nمَنْ وقف بعرفة مُحْرِمًا في زمن الوقوف، وهو لا يَعلم أنه بعرفة، فإنه يجزئه.\nقال النووي: لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَاسِيًا، أَجْزَأَهُ بِالْإِجْمَاعِ (^٣).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتَ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ».\n\n<span data-type='title' id=toc-523>المبحث السادس: حُكْم مَنْ وقف بغير أرض عرفات:</span>\nقال النووي: إنْ غَلِطُوا فِي الْمَكَانِ، فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، يَظُنُّونَهَا عَرَفَاتٍ، لَمْ يُجْزِهِمْ بِلَا خِلَافٍ لِتَفْرِيطِهِمْ.\nواستدل بقول النبي ﷺ: «الحج عرفة» فمَن لم يقف بعرفة ولو أخطأ، فلا حج له.\n\n<span data-type='title' id=toc-524>المبحث السابع: وقوف المغمى عليه في سيارة الإسعاف في عرفة:</span>\nاتَّفق العلماء على أن مَنْ وقف بعرفة لحظة من ليلة النحر، وهو حاضر الذهن، ثم\n_________\n(^١) قال النووي: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْزِلَ بِنَمِرَةَ حَيْثُ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَهُوَ مَنْزِلُ الخُلَفَاءِ اليَوْمَ، وَهُوَ إِلَى الصَّخْرَةِ السَّاقِطَةِ بِأَصْلِ الْجَبَلِ، عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ إِلَى عَرَفَاتٍ. «المجموع» (٨/ ٨٥).\n(^٢) وليس هو إبراهيم الخليل، وإنما هو من ولد العباس، والمسجد إنما بُنِيَ في الدولة العباسية. «جامع المسائل» لابن تيمية (٤/ ١٦٠).\n(^٣) «المجموع» (٨/ ١٧).","vol":"1","page":399},{"text":"أُغمي عليه، فقد تم حجه.\nواختلفوا فيمن دخل عرفة في وقت الوقوف في سيارة الإسعاف، وهو مغمى عليه ولم يُفِق لحظة، على قولين:\nالقول الأول: أن وقوف المغمى عليه في عرفة يجزئه. وهو مذهب الحنفية، والمشهور عند المالكية، ووَجْه عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة (^١).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتَ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ».\nفالمغمى عليه قد أتى فيَدخل في عموم هذا الحديث، وإذا كان النائم طَوال الوقت يصح وقوفه فكذا المغمى عليه.\nالقول الثاني: أن وقوف المغمى عليه طَوال الوقت في عرفة- لا يجزئه؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فالوقوف بعرفة لا يتأدى بغير نية، فالمغمى عليه لا نية له. وهو قول للمالكية، والمشهور عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (^٢).\nونوقش بأن المراد بالنية في الحج هو نية الإحرام والدخول في النسك، ولا تُشترط في كل عمل من أعمال الحج.\nواستدلوا بأن المغمى عليه في هذا مقيس على المجنون؛ لأن كليهما غير مُخاطَب.\nونوقش بأن هذا قياس مع الفارق، بأن المغمى عليه مُخاطَب؛ لأنه مأمور بالقضاء، بخلاف المجنون، فالمغمى عليه مِثل النائم.\nوالراجح: أن وقوف المغمى عليه في عرفة يجزئه؛ لأنه أتى عرفة، وقد قال ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتَ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ».\nفمن وقف بعرفة بحدودها المعروفة حاليًا بالأعلام كلها موقف، ففي أي جزء منها وقف صح حجه، ولا يُكلِّف الحاج نفسه المشاق للذَّهاب إلى جبل الرحمة، وبخاصة في هذه الأزمنة المتأخرة، التي كَثُر فيها الحُجاج، فيؤدي هذا الذَّهاب إلى التزاحم والمشقة\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ٥٦)، و«المدونة» (٢/ ٤١٣)، و«المجموع» (٨/ ١٤٠)، و«المغني» (٥/ ٢٧٥).\n(^٢) «الاستذكار» (٤/ ٤٩)، و«الأُم» (٢/ ٢١٩)، و«المجموع» (٨/ ١٤٠)، و«المغني» (٥/ ٢٧٥).","vol":"1","page":400},{"text":"والتعب، فيضيع معه مَقصِد الوقوف، وهو الذِّكر والدعاء، وقد رَفَع النبي ﷺ الحرج والمشقة عن أمته بقوله: «وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ».\n\n<span data-type='title' id=toc-525>القسم الثاني: شروط تتعلق بالزمان. وفيه ثلاثة مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-526>المبحث الأول: وقت يوم عرفة من الشهر:</span>\nيُشترَط لصحة الوقوف بعرفة أن يكون في وقت الوقوف، في اليوم التاسع وليلة النحر.\n\n<span data-type='title' id=toc-527>المبحث الثاني: وقت الوقوف في يوم عرفة: وفيه ستة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-528>المطلب الأول: أول وقت الوقوف بعرفة:</span>\nأجمعوا على أن مَنْ وقف من بعد الزوال بعرفة إلى غروب الشمس، فقد أصاب السُّنة، واختلفوا متى يبدأ الوقوف بعرفة؟ هل بعد طلوع فجر يوم عرفة، أم بعد الزوال؟\nنُقِل الإجماع على أن مَنْ وقف بعرفة بعد طلوع فجر يوم عرفة، وأفاض منها قبل الزوال، أن حجه باطل. وهذا الإجماع منخرم؛ فقد ورد رواية لأحمد بصحة حجه (^١).\nواستدلوا على أنه يَبدأ الوقوف بعرفة من زوال الشمس يوم التاسع، بأن النبي ﷺ لم يقف بعرفة إلا بعد الزوال، فكان بيانًا لأول الوقت، كما في حديث جابر الطويل، في صفة حجة النبي ﷺ: «فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ … ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ» وقد قال ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ».\n_________\n(^١) قال ابن رُشْد: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَأَفَاضَ مِنْهُ قَبْلَ الزَّوَالِ- أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِوُقُوفِهِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ، فَيَقِفْ بَعْدَ الزَّوَالِ، أَوْ يَقِفْ مِنْ لَيْلَتِهِ تِلْكَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ. «بداية المجتهد» (٢/ ١١٣). وقال القرطبي: أَجْمَع أهل العلم على أن مَنْ وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال، ثم أفاض منها قبل الزوال، أنه لا يُعتَدّ بوقوفه ذلك قبل الزوال. في «تفسيره» (٢/ ٤١٥).\nوقد نَقَل الإجماع: ابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ٤٢)، وابن عبد البر في «التمهيد» (١٠/ ٢٢).\nوهذا الإجماع منخرم؛ فأشهر الروايات عن أحمد أن أول وقت الوقوف بعرفة بطلوع فجر يوم التاسع من ذي الحِجة؛ ولذا تَعَقَّبَ ابنُ تيمية ابن حزم، فقال: أحد القولين بل أشهرهما في مذهب أحمد: أنه يجزئ. «نقد مراتب الإجماع» (ص: ٢٩١)، و«الذخيرة» (٣/ ٢٥٩).","vol":"1","page":401},{"text":"وَجْه الدلالة: ما قاله النووي: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى الْيَوْمِ، وَمَا نُقِلَ أَنَّ أَحَدًا وَقَفَ قَبْلَ الزَّوَالِ (^١).\nونوقش بأنهم إنما وقفوا في وقت الفضيلة، ولم يستوعبوا جميع وقت الوقوف، وتَرْكه ﷺ لم يَمنع كونه وقتًا للوقوف، كما بعد العشاء.\nوأجيب عنه بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن ما بعد العشاء وقت للوقوف بالنص، بخلاف ما قبل الزوال، فلم يقف ﷺ بعرفة إلا بعد الزوال، فكان بيانًا لأول الوقت.\nوذهب الحنابلة في المشهور عنهم إلى أن أول وقت الوقوف طلوع فجر يوم عرفة (^٢).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتَ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ».\nوَجْه الدلالة: «وَأَتَى عَرَفَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» يدل على شمول الحُكم جميع الليل والنهار، والنهار يَبدأ بطلوع الفجر.\nونوقش بأن قوله ﷺ: «وَأَتَى عَرَفَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» مُطْلَق، وقد قُيِّد بفعله ﷺ، وهو محمول على ما بعد الزوال.\nوالراجح: أن أول وقت الوقوف بعرفة بعد الزوال يوم عرفة. لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يقفوا إلا بعد الزوال، فكان بيانًا لأول الوقت. وقال ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» وَلَوْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَقْتَ وُقُوفٍ لَوَقَفَ فِيهِ، وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَمِرَةَ. وَلِأَنَّ مَوَاقِيتَ الْعِبَادَاتِ إِنَّمَا تُتَلَقَّى مِنْ فِعْلِهِ ﷺ أَوْ قَوْلِهِ. وَإِنَّمَا وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا رَمَى جِمَارَ أَيَّامِ مِنًى بَعْدَ الزَّوَالِ، وَكَمَا صَلَّى الظُّهْرَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي مَوَاقِيتِهَا.\n_________\n(^١) «المجموع» (٨/ ١٢٠). وقال ابن تيمية: وَأَوَّلُ وَقْتِ وُقُوفِ النَّاسِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَهَذِهِ السُّنَّةُ الْمُوَرَّثَةُ عَنْهُ الْمَنْقُولَةُ نَقْلًا عَامًّا، فَلَوْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَقْتَ وُقُوفٍ، لَوَقَفَ فِيهِ وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَمِرَةَ، وَهِيَ خَارِجَةٌ عَنِ الْمُعَرَّفِ؛ إِذِ الْمُسَارَعَةُ إِلَى الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنَ التَّأْخِيرِ. وَلِأَنَّ مَوَاقِيتَ الْعِبَادَاتِ إِنَّمَا تُتَلَقَّى مِنْ فِعْلِهِ ﷺ أَوْ قَوْلِهِ. وَإِنَّمَا وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا رَمَى جِمَارَ أَيَّامِ مِنًى بَعْدَ الزَّوَالِ، وَكَمَا صَلَّى الظُّهْرَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي مَوَاقِيتِهَا، وَالْعِبَادَةُ الْمَفْعُولَةُ قَبْلَ وَقْتِهَا لَا تَصِحُّ، بِخِلَافِ الْمَفْعُولَةِ بَعْدَ وَقْتِهَا. «شرح العمدة» (٢/ ٥٧٩، ٥٨٠).\n(^٢) «المغني» (٥/ ٢٧٤)، و«الفروع» (٦/ ٤٩)، و«شرح العمدة» (٢/ ٥٧٩). وقال المَرْدَاوي: وَقَّتَ الْوُقُوفَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ. «الإنصاف» (٣/ ٢٩).","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type='title' id=toc-529>المطلب الثاني: آخِر وقت الوقوف بعرفة:</span>\nينتهي الوقوف بعرفة بطلوع فجر يوم النحر، فمَن طلع عليه فجر يوم النحر وهو لم يقف بعرفة، فاته الحج بالإجماع (^١).\nواستُدل على ذلك بعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ».\nالمطلب الثالث: حُكْم الوقوف بعرفة إلى الغروب، وحُكْم مَنْ دَفَع قبل الغروب:\nاختَلف أهل العلم في حكم الوقوف بعرفة إلى الغروب- على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس واجب، فلا يَجوز للحاج الدفع قبل الغروب، فإِنْ دَفَع أجزأه الوقوف وعليه دم. وهذا مذهب الحنفية، وهو قول للمالكية، ورواية عن الشافعية، والمشهور عن الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بأن النبي ﷺ وقف بعرفة حتى غربت الشمس، كما في حديث جابر، وفيه: «فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ».\nوجه الدلالة من وجهين:\nالأول: أن مكث النبي ﷺ فيها إلى الغروب، مع كون الدفع بالنهار أرفق بالناس- يدل على وجوبه، ولأنه لو كان جائزًا لاختاره النبي ﷺ؛ فإنه «مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا».\nالثاني: أن تأخير الرسول ﷺ الدفع إلى ما بعد الغروب، ثم مبادرته به قبل أن يصلي المغرب، مع أن وقت المغرب قد دخل- يدل على أنه لا بد من البقاء إلى هذا الوقت (^٣).\nواستدلوا بالسُّنة والمعقول:\nأما السُّنة، فإن وقوفه ﷺ إلى الغروب إظهار لمخالفة المشركين.\n_________\n(^١) نَقَل الإجماع على ذلك: ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٥٧)، وابن عبد البر في «التمهيد» (١٥/ ٢٠١)، والنووي في «المجموع» (٨/ ٢٨٦)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٤٢٤).\n(^٢) «المبسوط» (٤/ ٥٦)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ١٢٧)، و«مواهب الجليل» (٤/ ١٣٢)، و«الأم» (٢/ ٢١٢)، و«المجموع» (٨/ ١١)، و«المغني» (٥/ ٢٧٥).\n(^٣) «الشرح الممتع» (٧/ ٣٨٨، ٣٨٩).","vol":"1","page":403},{"text":"فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ عَلَى رُءُوسِ الجِبَالِ، كَأَنَّهَا العَمَائِمُ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ، دَفَعُوا، وَيَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، حَتَّى إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَكَانَتْ عَلَى رُءُوسِ الجِبَالِ، كَأَنَّهَا العَمَائِمُ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ، دَفَعُوا، فَأَخَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الدَّفْعَةَ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ بِالمُزْدَلِفَةِ، حِينَ طَلَعَ الفَجْرُ، ثُمَّ دَفَعَ حِينَ أَسْفَرَ كُلُّ شَيْءٍ فِي الوَقْتِ الآخَرِ، قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ (^١).\nوأما دليلهم من المعقول، فاستدلوا بأنه لو كان يَجوز الدفع من عرفة قبل غروب الشمس، لَفَعَله النبي ﷺ لبيان الجواز، ولخَشية الزحام الذي لا نظير له في سائر المشاعر، وأنه لو كان جائزًا لرُخص للضَّعَفة أن يتقدموا من عرفة إلى مزدلفة قبل الغروب، كما رُخص لهم أن يدفعوا من مزدلفة بعد غيبوبة القمر إلى مِنًى.\nالقول الثاني: أن الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس سُنة؛ لعموم قول النبي ﷺ: «… وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» فيجزئ الوقوف بعرفة في أي جزء من الليل أو النهار، ومَن تَرَك الوقوف إلى الغروب فقد تَرَك الأفضل. وبه قال الشافعية، وهو رواية\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه ابن خُزيمة (٢٩١٨) وفي إسناده زَمْعة بن صالح، ضعيف.\nوله شاهد عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة، ومداره على ابن جُريج، واختُلف عليه، فرُوي عنه موصولًا ومرسلًا، فرواه الحاكم (٣١٣٨) من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُبَارَكِ، ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، بِهِ.\nوقد أُعِلَّ بعلتين:\nالأولى: أن الحديث رُوي مرسلًا، فروى الشافعي في «الأم» (١٣٤٨) عن مسلم بن خالد، وأبو داود في «مراسيله» (١٥١) عن محمد بن العلاء عن عبد الله بن إدريس، كلاهما عن ابن جُريج، عن محمد بن قيس بن مَخْرَمة قال: خَطَب رسول الله … فذَكَره مرسلًا، وقد رَجَّح البيهقي الرواية المرسلة (٩٥٩٨).\nالثانية: أن ابن جُريج مدلس وقد عنعن، وثَبَت تدليسه في هذا الحديث، فقد روى ابن أبي شيبة (١٥١٨٤): حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أُخْبِرْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، بِهِ.\nوقد قال أحمد: إذا قال ابن جُريج: (قال فلان، وقال فلان، وأُخْبِرْتُ) جاء بمناكير، وإذا قال: (أَخْبَرني وسَمعتُ) فحَسْبك. «تهذيب التهذيب» (٦/ ٣٥٩).\nوقال الدارقطني: يُتَجَنَّب تدليسه؛ فإنه فاحش التدليس، لا يدلس إلا فيما سَمِعه من مجروح، مِثل إبراهيم بن أبي يحيى وموسى بن عُبَيْدة وغيرهم. «سؤالات الحاكم للدارقطني» (ص: ١٧٤).\nوله شاهد آخَر مرسل، أخرجه ابن حزم في «المُحَلَّى» (٥/ ١١٨) من طريق عبد الرزاق عن مَعْمَر، عن رجل، عن سعيد بن جُبَيْر، مرسلًا، به، وقال: وَهَذَا لَا شَيْءَ؛ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ، ثُمَّ هُوَ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ.","vol":"1","page":404},{"text":"للحنابلة (^١).\nونوقش بأنه حديث مُطْلَق، قَيَّده فعل النبي ﷺ، وقال: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ».\nالقول الثالث: أن الوقوف بعرفة إلى الغروب ركن، فمَن وقف بعرفة بعد الزوال وانصرف قبل الغروب، ولم يَعُد لعرفة بالليل؛ فقد فاته الحج. وهو مذهب المالكية (^٢).\nواستدلوا بالسُّنة والقياس:\nأما السُّنة: فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» (^٣).\nفدل الحديث على أنه لا يكون وقوف بعرفة إلا بوقوف جزء من الليل، ولو وقف نهارًا لَمَا أجزأه، فمَن دَفَع قبل الغروب فقد فاته الليل بعرفة، وقد فاته الحج وحجه باطل.\nونوقش بأن هذا الحديث لا يصح، وعلى تقدير صحته فمراده بتخصيص الليل أنه آخِر وقت للوقوف، فإذا فات بطلوع الفجر فإن الحج يفوت معه، وليس المراد أنه هو وقت الوقوف دون غيره.\nواستدلوا بحديث جابر، وفيه: «فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ».\nوَجْه الاستدلال: أن النبي ﷺ وقف جزءًا من الليل بعرفة بعد غروب الشمس؛ لأنه ركن. ولأنه لو كان يَجوز الدفع من عرفة قبل غروب الشمس لفَعَله النبي ﷺ لبيان الجواز، ولخَشية الزحام الذي لا نظير له في سائر المشاعر.\nونوقش بما قاله الجَصَّاص: قَدْ نَقَلَتِ الأُمَّةُ وُقُوفَ النَّبِيِّ ﷺ نَهَارًا، وَأَنَّهُ دَفَعَ مِنْهَا عِنْدَ سُقُوطِ الْفَرْضِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ هُوَ النَّهَارُ، وَوَقْتَ الْغُرُوبِ هُوَ الدَّفْعُ،\n_________\n(^١) «المجموع» (٨/ ١١٩)، و«الإيضاح» (ص: ٢٨٩)، و«المُحَلَّى» (٧/ ١١٨).\n(^٢) قَالَ مَالِكٌ فيمَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ: إِنْ لَمْ يَعُدْ إِلَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ انْفِجَارِ الصُّبْحِ، فَيَقِفُ بِهَا فَعَلَيْهِ الْحَجُّ قَابِلًا، وَالْهَدْيُ يَنْحَرُهُ فِي حَجٍّ قَابِلٍ، هُوَ كَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ. «المدونة» (١/ ٤٣٠).\nقال ابن عبد البر: لا نَعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بقول مالك، وقال سائر العلماء: كل مَنْ وقف بعرفة بعد الزوال أو في ليلة النحر، فقد أدرك الحج. «التمهيد» (١٠/ ٢١).\n(^٣) ضعيف: رواه الدارقطني (٢٥١٨)، وفيه (رحمة بن مُصْعَب) ضعيف، و(ابن أبي ليلى) سيئ الحفظ.","vol":"1","page":405},{"text":"فَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ الدَّفْعُ هُوَ وَقْتَ الْفَرْضِ، وَوَقْتُ الْوُقُوفِ لَا يَكُونُ وَقْتًا لِلْفَرْضِ (^١).\nوأما دليلهم من القياس، فَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ لَيْلًا هُوَ الْفَرْضُ دُونَ النَّهَارِ، وَإِنَّ إِدْرَاكَ أَوَّلِهِ كَإِدْرَاكِ آخِرِهِ، وَكَمَا أَنَّهُ لَا حَجَّ لِمَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَوَجَبَ أَنْه لَا حَجَّ لِمَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الغُرُوبِ (^٢).\nونوقش بأن تسوية آخِر النهار بأوله قياس فاسد؛ لأن وقوف النبي ﷺ وتضرعه واجتهاده وَقَع في آخِر النهار؛ فكيف يكون هذا الوقت في عدم الإجزاء مثل الوقت الذي لم يقف فيه النبي ﷺ البتة؟! وكيف يكون الوقوف في نهار عرفة من بعد الزوال إلى قبل الغروب غير مجزئ وهو محل الفضل والأجر، وهو وقت الدعوات وتَنزُّل الرحمات، ويكون وقوفه في الليل بعد ذَهاب الوقت المختار مجزئًا؟!\nوالراجح: أن الوقوف بعرفة إلى الغروب واجب؛ لأن مكث النبي ﷺ فيها إلى الغروب، مع كون الدفع بالنهار أرفق بالناس- يدل على وجوبه. وكذا تأخير الرسول ﷺ الدفع إلى ما بعد الغروب، ثم مبادرته به قبل أن يصلي المغرب، مع دخول وقته- يدل على أنه لا بد من البقاء إلى هذا الوقت، وأنه ﷺ ممنوع من الدفع قبل المغرب.\nالمطلب الرابع: حُكْم مَنْ دفع قبل غروب شمس التاسع، ثم عاد قبل فجر العاشر:\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: مَنْ دفع قبل غروب الشمس ثم عاد قبل الفجر، أجزأه الوقوف، ولا شيء عليه. وهو قول للحنفية، ومذهب المالكية، والشافعية، وقول الحنابلة (^٣).\nواستدلوا بأن الواجب عليه الوقوف إلى الغروب؛ ليَجمع بين الليل والنهار، والذي رجع قد استدرك ما فاته وأتى بما عليه، وتَحقَّق في حقه الوقوف بالليل والنهار.\nالقول الآخَر: لا يَسقط عنه الدم؛ لأنه يجب عليه الجَمْع بين آخِر النهار وأول الليل، وقد فاته بخروجه فيَجبره بدم. وهو قول للحنفية، ورواية للشافعية، وقول للحنابلة (^٤).\nوالراجح: قول جمهور العلماء، أن مَنْ وقف بعرفات ثم دفع منها قبل الغروب، ثم\n_________\n(^١) «أحكام القرآن» (١/ ٣٨٩).\n(^٢) «التمهيد» (١٠/ ٢٢).\n(^٣) «المبسوط» (٤/ ٥٠، ٥١)، و«المدونة» (١/ ٤٢٢)، و«المجموع» (٨/ ١١٩)، و«الإنصاف» (٤/ ٢٤).\n(^٤) «المبسوط» (٢/ ٥٦)، و«مغني المحتاج» (١/ ٤٩٨)، و«المغني» (٣/ ٤٤١).","vol":"1","page":406},{"text":"عاد إليها مرة ثانية، فقد استَدرك ما فاته ولا شيء عليه، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-532>المطلب الخامس: قَدْر الوقوف المجزئ:</span>\nأَجْمَع العلماء على أن مَنْ وقف بعرفة ليلًا ولو لحظة، فإنه يجزئه.\nوذهب جماهير العلماء إلى أن مَنْ وقف بعرفة ولو لحظة من زوال شمس يوم التاسع، وانصرف قبل غروب الشمس، فإن ذلك يجزئه.\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا؛ فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ».\nفعلى هذا، فمَن مر بعرفة بسيارة أو طائرة أو غيرهما من المركوبات،، وهو يَقصد الحج بعد زوال الشمس يوم عرفة، إلى طلوع فجر يوم النحر؛ فقد أَدْرَك الحج.\n\n<span data-type='title' id=toc-533>المطلب السادس: الوقوف بعرفة ليلًا:</span>\nالوقوف بعرفة ليلًا لا يخلو من حالين:\nالحال الأول: حُكْم مَنْ وقف بعرفة ليلًا فقط لعُذْر.\nمَنْ لم يقف بعرفة إلا ليلة العاشر من ذي الحجة، فإنه يجزئه، بالإجماع.\nوأما الإجماع، فقد قال النووي: (أَمَّا) مَنْ لَمْ يَحْضُرْ عَرَفَاتٍ إلَّا فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ إنَّهُ يَصِحُّ وُقُوفُهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَنْ وَقَفَ نَهَارًا ثُمَّ انْصَرَفَ قَبْلَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِالْإِعْرَاضِ وَقَطْعِ الْوُقُوفِ (^١).\nالحال الثاني: حُكْم مَنْ وقف بعرفة ليلًا فقط لغير عذر.\nقال ابن عبد البر: وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا يُجْزِئُ عَنِ الْوُقُوفِ بِالنَّهَارِ، إِلَّا أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فَهُوَ مُسِيءٌ. وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ رَأَى عَلَيْهِ دَمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ شَيْئًا (^٢).\n_________\n(^١) «المجموع» (٨/ ١٠٢). ونَقَل الإجماع ابن المنذر في «الإجماع» (٥٧)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٢٧٤)، وقال القرطبي: وَأَمَّا مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بِاللَّيْلِ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْأُمَّةِ فِي تَمَامِ حَجِّهِ. (٢/ ٤١٦).\n(^٢) «التمهيد» (٩/ ٢٧٥).\nوقد خالف المالكية جماهير العلماء في أن مَنْ وقف بعرفة ليلًا لغير عذر، أنه يجب عليه الدم. «حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٧). واستدلوا بتقييد ذلك بالعذر بظاهر حال عروة، حيث جاء فيه: أَكْلَلْتُ رَاحِلَتِي، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي. ونوقش بعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type='title' id=toc-534>المبحث الثالث: الخطأ في زمن الوقوف. وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-535>المطلب الأول: الخطأ في زمن الوقوف بالتقديم:</span>\nإِنْ أخطأ الناس جميعًا فوقفوا يوم الثامن وهو يوم التروية؛ ظنًّا منهم أنه التاسع، فإنه لا يجزئ؛ وذلك لأن التدارك ممكن في الجملة بأن يزول الاشتباه في يوم عرفة. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية في المشهور، والشافعية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-536>المطلب الثاني: الخطأ في زمن الوقوف بالتأخير:</span>\nإذا كان الخطأ في التأخير بأن أخطأ الناس، فوقفوا يوم النحر، فحجهم صحيح (^٢).\nواستدل لذلك بقول النبي ﷺ: «الصوم يوم تصومون، والأضحى يوم تُضَحُّون».\nلو أخطأ أهل الموقف بأن لم يروا الهلال لعذر من غيم ونحوه، فأَتَموا عدة ذي القعدة، ووقفوا في اليوم العاشر في اعتقادهم أنه التاسع، فإنه يجزئهم ولا قضاء عليهم؛ لعموم قول النبي ﷺ: «… فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» (^٣).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «يَوْمُ عَرَفَةَ الْيَوْمُ الَّذِي يُعْرَفُ فِيهِ النَّاسُ» (^٤).\nوأما المعقول، فإن في القول بعدم الإجزاء حرجًا شديدًا؛ لأن فيه بَلْوَى عامة لِتَعَذُّر الاحتراز عنه، والتدارك غَيْر مُمْكِن، وفي الأمر بقضاء الحجيج كلهم حَرَجٌ بَيِّن (^٥).\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ٥١)، و«الذخيرة» (٣/ ٢٥٩)، و«المجموع» (٨/ ٢٩٣).\n(^٢) قال النووي: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ إِذَا غَلِطُوا، فَوَقَفُوا فِي الْعَاشِرِ وَهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ عَلَى الْعَادَةِ، أَجْزَأَهُمْ. «المجموع» (٨/ ٢٩٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٠٩)، ومسلم (١٠٨٠).\n(^٤) ضعيف: أخرجه أبو داود في «المراسيل» (١٤٩) من طريق العَوَّام، عن السَّفَّاح، عن عبد العزيز، به.\nوقد أُعِل هذا السند بثلاث علل:\nالأولى: الإرسال؛ فإن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد تابعي، لم يُدرِك زمن النبي ﷺ.\nوالثانية: السَّفَّاح بن مطر، وهو مجهول، لم يوثقه غير ابن حِبان.\nوالثالثة: هُشيم- وهو ابن بَشير- مدلس، وقد عنعن.\nوله شاهد عن زيد بن طلحة التَّيْمِيّ مرفوعًا: «عَرَفَةُ يَوْمَ يُعْرَفُ النَّاسُ» لا يُفْرَح به، رواه الدارقطني (٢٤٤٤) وفي إسناده الواقدي وهو متروك، وزيد بن طلحة تابعي، فهو مرسل.\nوله شاهد عن عائشة لا يصح، انظر «فقه الصيام» (ص: ٨٦).\n(^٥) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٦١٨).","vol":"1","page":408},{"text":"القسم الثالث: شروط تتعلق بالواقف: وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: يُشترط في الواقف بعرفة أربعة شروط:\nالأول: أن يكون مسلمًا؛ لأن غير المسلم لا يصح منه الحج.\nالثاني: أن يَنوي الحج؛ بأن يكون مُحْرِمًا؛ فإن وُجِد في عرفة بغير نية الحج، فلا حج له؛ لأن غير المُحْرِم ليس أهلًا للحج.\nالثالث: أن يكون الواقف في حدود عرفة وفي زمن الوقوف.\nالرابع: أن يكون عاقلًا، فلا يصح وقوف المجنون الذي استمر به جنونه؛ إذ إنه فاقد لعقله الذي هو مَناط التكليف، فإن أفاق في أثناء وقوفه صح وقوفه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-543>المبحث الثاني: ما لا يُشترط في الواقف بعرفة: وفيه أربعة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-544>المطلب الأول: لا تُشترَط الطهارة لمن وقف بعرفة:</span>\nيجزئ الوقوف بعرفة على غير طهارة، ولا شيء عليه بالإجماع (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-545>المطلب الثاني: لا يُشترَط ستر العورة واستقبال القبلة </span>للوقوف بعرفة، بالإجماع.\nقال ابن قُدامة: وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْوُقُوفِ طَهَارَةٌ، وَلَا اسْتِقْبَالٌ، وَلَا نِيَّةٌ، وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-546>المطلب الثالث: حُكْم وقوف النائم:</span>\nمَنْ وقف بعرفة وهو نائم، فقد أَدْرَك الحج.\nودل على ذلك القياس، فكما أن مَنْ نام جميع النهار صح صومه، فكذا مَنْ وقف بعرفة وهو نائم صح حجه. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^٣).\nالمطلب الرابع: حُكْم وقوف المغمى عليه:\nذهب جماهير العلماء إلى مَنْ وقف بعرفة وهو مغمى عليه، فإنه يجزئه الوقوف. وهو\n_________\n(^١) «المجموع» (٨/ ١٠٤، ١٠٥).\n(^٢) «الإجماع» لابن المنذر (٥٧) ونَقَله ابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٢٧٥، ٢٧٦).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٢٧)، و«مواهب الجليل» (٤/ ١٣٣)، و«المجموع» (٨/ ٩٤).","vol":"1","page":409},{"text":"مذهب الحنفية، والمالكية، ووَجْه عند الشافعية (^١).\nقال الكاساني: أَمَّا الْقَدْرُ الْمَفْرُوضُ مِنَ الْوُقُوفِ، فَهُوَ كَيْنُونَتُهُ بِعَرَفَةَ فِي سَاعَةٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ، فَمَتَى حَصَلَ إِتْيَانُهَا فِي سَاعَةٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ، تَأَدَّى فَرْضُ الْوُقُوفِ، سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِهَا أَوْ جَاهِلًا نَائِمًا، أَوْ يَقْظَانَ مُفِيقًا، أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، وَقَفَ بِهَا أَوْ مَرَّ، وَهُوَ يَمْشِي أَوْ عَلَى الدَّابَّةِ أَوْ مَحْمُولًا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْقَدْرِ الْمَفْرُوضِ، وَهُوَ حُصُولُهُ كَائِنًا بِهَا.\nوَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَيْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى قَبْلَ ذَلِكَ عَرَفَاتٍ، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (^٢).\nفمَن وقف بعرفة وهو مغمى عليه، فقد أتى بالقَدْر المفروض، وهو حصوله كائنًا بعرفة، فحصل الركن، ولا يَمتنع ذلك بالإغماء والنوم، كركن الصوم.\nفالحاصل أن شروط الوقوف بعرفة ثلاثة أنواع:\n- شروط تتعلق بالمكان، فيقف الحاج بعرفة بحدودها المعروفة حاليًا بالأعلام.\n- وشروط تتعلق بالزمان، فيقف الحاج بعد زوال شمس يوم التاسع من ذي الحجة، حتى فَجْر يوم النحر، ولو وقف وقتًا يسيرًا أجزأه، قائمًا أو راكبًا أو ماشيًا.\n- شروط تتعلق بالواقف، فيكون الحاج أهلًا للعبادة، بأن يكون مسلمًا عاقلًا.\nثانيًا- واجبات الوقوف بعرفة:\nوهو واجب واحد، وهو الوقوف بعرفة حتى تَغرب الشمس، فمَن دفع قبل الغروب فعليه دم لتَرْكه الواجب.\nومَن دفع قبل غروب الشمس ثم عاد إلى عرفة، فلا شيء عليه لأنه استدرك ما فاته.\nومَن تأخر فلم يستطع إلا الوقوف ليلًا، فلا شيء عليه لأنه معذور.\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ٥١)، و«مواهب الجليل» (٤/ ١٣٣)، و«المجموع» (٨/ ١٠٤). وقال ابن قُدامة: الْمُغْمَى عَلَيْهِ: يُجْزِئُهُ (الوُقُوفُ) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ. «المغني» (٥/ ٢٧٥).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٢٧).","vol":"1","page":410},{"text":"الفصل الثالث\nسُنن ومستحبات عرفة\nوتنقسم إلى أربعة أقسام\nالقسم الأول: سُنن السَّيْر من مِنًى إلى عرفة.\nالقسم الثاني: يُسَن النزول في نَمِرة إن لم يكن فيه مشقة.\nالقسم الثالث: سُنن الوقوف بعرفة.\nوفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: الغُسل للوقوف بعرفة.\nالمبحث الثاني: تُسَن الخطبة يوم عرفة. وفيه خمسة مطالب.\nالمبحث الثالث: يُسَن الأذان بعد الفراغ من الخُطبة. وفيه مطلبان.\nالمبحث الرابع: يُستحَب تعجيل الصلاتين بعد الخُطبة في أول وقت الظُّهْر.\nالمبحث الخامس: يُسَن للحاج بعد الانتهاء من صلاة الظهر والعصر بنَمِرة- التوجه إلى عرفات ليطول زمن وقوفه به.\nالمبحث السادس: يُسَن للحاج أن يقف على عرفات مستقبل القبلة، على طهارة إن أمكن، فارغًا من الأمور الشاغلة له عن الدعاء.\nالمبحث السابع: يُسَن للحاج أن يُكْثِر من الدعاء والاستغفار والتضرع إلى الله.\nالمبحث الثامن: يُسَن للحاج أن يُكْثِر من أعمال الخير في يوم عرفة.\nالقسم الرابع: مستحبات الدفع من عرفة إلى مزدلفة.","vol":"1","page":411},{"text":"<span data-type='title' id=toc-549>القسم الأول: سُنن السَّيْر من مِنًى إلى عرفة: وفيه أربعة مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-550>المبحث الأول: يُسَن السير من مِنًى إلى عرفة صباحًا،</span> بعد طلوع شمس يوم عرفة.\nاتَّفَق العلماء على أن السُّنة أن يَتوجه إلى عرفة من مِنًى بعد طلوع شمس يوم عرفة (^١).\nفعن جابر عبد الله ﵄ في حديثه الطويل، في صفة حجة النبي ﷺ: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ».\nولكن يُشْكِل عليه ما رواه أحمد: عن ابن عمر قال: «غَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مِنًى، حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ عَرَفَةَ، حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ» (^٢).\nفدل حديث جابر على أن رسول الله ﷺ تَوجَّه من مِنًى إلى عرفة بعد طلوع الشمس، وحديثُ ابن عمر ظاهره أن رسول الله ﷺ تَوجَّه من مِنًى بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس. ونوقش بأن حديث ابن عمر منكر.\n\n<span data-type='title' id=toc-551>المبحث الثاني: حُكْم ذَهاب بعض الحُجاج في اليوم الثامن إلى عرفات.</span>\nقال النووي: وَأَمَّا مَا يفْعَلُهُ النَّاسُ مِنْ دُخُولهِمْ أرْضَ عَرَفَات في الْيَوْمِ الثامِنِ، فَخَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلسُنَّةِ، وتَفُوتُهُمْ بِسَبَبِهِ سُنَنٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا الصَّلَاةُ بِمِنًى والْمَبيتُ بِهَا (^٣).\n_________\n(^١) «المسلك المتقسط» (ص: ٢٦٨)، و«الإيضاح» (ص: ٢٦٩)، و«المغني» (٥/ ٢٦٢).\n(^٢) منكر: أخرجه أحمد (٦١٣٠) ومن طريقه أبو داود (١٩٠٤): عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِهِ. وابن إسحاق: صدوق، وصَرَّح بالتحديث.\nوهذا المتن منكر لثلاثة أوجه:\nالأول: أن ابن إسحاق وإن كان حسن الحديث، ولكن ليس بحجة فيما ينفرد به، ومنكر فيما يخالف مَنْ هو أثبت منه، وسُئل أحمد: إذا انفرد ابن إسحاق بحديث تَقْبَله؟ قال: لا والله، إني رأيته يُحَدِّث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يَفصل كلام ذا من كلام ذا.\nالثاني: ومما يُقَوِّي نسبة الوهم إلى ابن إسحاق أن في روايته عن نافع ضعفًا، قال ابن عبد البر: وفي حديثه عن نافع بعض الشيء. «تهذيب التهذيب» (٩/ ٤٣، ٤٦).\nالثالث: مما يدل على نكارة المتن قوله: «حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ رَاحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُهَجِّرًا، فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ» وهذا المتن مُخالِف لما رواه جابر واستفاض من عمل المسلمين، من تقديم الخُطبة على صلاة الظهر والعصر جَمْعًا وقَصْرًا.\n(^٣) «الإيضاح» (ص: ٢٧٢).\nقال ابن الحاج: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَجْلِسُوا بِمِنًى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَمَنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمِنًى وَبَاتَ بِعَرَفَةَ، فَقَدْ تَرَكَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَابْتَدَعَ. «المَدْخَل» (٤/ ٢٢٧).","vol":"1","page":412},{"text":"ولا شك أن اتباع السُّنة أَوْلَى، واقتفاء هَدْي النبي ﷺ هو الأكمل، ولكن في بعض الأحيان العمل المفضول قد يَقترن به ما يصير به أفضل من الفاضل في نفسه.\nوالآن مع كثرة الحُجاج ووجود الزحام، يَشُق على كثير من الحُجاج الذَّهاب إلى مِنًى في يوم التروية، فهل يَجوز تقديم الذَّهاب إلى عرفة لأجل حاجة أو مصلحة راجحة؟\nنعم، فمع حشود الحجيج الكبيرة والمشقة البالغة في ذَهابهم يوم التروية إلي مِنًى، يجوز تقديم الذَّهاب إلى عرفة في اليوم الثامن أو ليلة التاسع؛ لتحقيق المصلحة الراجحة، فوصول الحجيج في وقت مبكر، وأَخْذ كفايتهم من المبيت والراحة- يُعِنيهم على الوقوف بعرفة والدعاء فيها بصورة أمثل؛ لأن مراعاة ركن الحج الأعظم أَوْلَى من مراعاة السُّنن الأخرى المستحبة باتفاق العلماء، كالمبيت بمِنًى ليلة عرفة.\nولأنه بخروجه من مِنًى ضُحى يوم عرفة فمع الزحام قد يأخذ وقتًا حتى يصل إلى عرفة، ومع التعب والإرهاق قد لا يتسنى له التركيز في دعائه. (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-552>المبحث الثالث: أن يَسِير إلى عرفة بسكينة ووقار</span>؛\nلِما روى ابن عباس ﵄ أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وَضَرْبًا وَصَوْتًا لِلْإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ؛ فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ».\n\n<span data-type='title' id=toc-553>المبحث الرابع: يُستحَب أن يُكْثِر من التلبية والتكبير:</span>\nيُستحَب للحاج أثناء دفعه إلى عرفات أن يُكثِر من التلبية والتكبير؛ لِما ورد عن محمد بن أبي بكر قال: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ التَّلْبِيَةِ، كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ؟ قَالَ: «كَانَ يُلَبِّي المُلَبِّي لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ» (^٢).\nوروى مسلم: عن ابن عمر قال: غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، مِنَّا\n_________\n(^١) قال ابن حجر الهيتمي: وما حَدَث الآن من مبيت أكثر الناس هذه الليلة بعرفة- بدعة قبيحة، اللهم إلا مَنْ يَخاف زحمة. «تحفة المحتاج» (٤/ ١٠٥).\n(^٢) رواه البخاري (٩٧٠) ومسلم (١٢٨٥).","vol":"1","page":413},{"text":"الْمُلَبِّي وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ» (^١).\nالقسم الثاني: يُسَن النزول في نَمِرة إن لم يكن فيه مشقة:\nمن السُّنة أن يَنزل في نَمِرة أولًا قبل عرفة، ويَسمع الخُطبة بها، ويصلي بها الظهر والعصر، إن لم يكن فيه مشقة. فإن كان هناك زحام ومشقة، فالسُّنة في حق الحاج أن يَفعل الأيسر حتى لا يؤذي نفسه ولا غيره من الحُجاج.\nدل على ذلك ما رواه مسلم: عن جابر قال: «… فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ … فَخَطَبَ النَّاسَ … ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ».\n\n<span data-type='title' id=toc-555>القسم الثالث: سُنن الوقوف بعرفة: وفيه ثمانية مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-556>المبحث الأول: الغُسل للوقوف بعرفة:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب الغُسل للوقوف بعرفة (^٢).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور:\nأما السُّنة، فَعَنِ الْفَاكِهِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ عَرَفَةَ … (^٣)\nوأما المأثور، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّه كَانَ يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِدُخُولِهِ مَكَّةَ، وَلِوُقُوفِهِ عَشِيَّةِ عَرَفَةَ (^٤).\nوَعَنْ زَاذَانَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا ﵁ عَنِ الْغُسْلِ … قَالَ: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمُ الْفِطْرِ» (^٥).\nالحاصل: أنه لا يصح في استحباب غُسل يوم عرفة حديث، وصح عن ابن عمر وعلي بن أبي طالب استحباب غُسل يوم عرفة، ويقاس على غسل العيدين والجمعة.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٢٨٤).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (١/ ٣٥)، و«الاستذكار» (٢/ ٣٧٨)، و«الأم» (٢/ ١٤٦)، و«الفروع» (١/ ٢٠٣).\n(^٣) موضوع: أخرجه أحمد (٤/ ٧٨) وفي إسناده يوسف بن خالد، كذاب زنديق.\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٣٢٢).\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه الشافعي في «مسنده» (١١٤) عن شُعبة، عن عمرو بن مُرَّة، عن زاذان، به.","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type='title' id=toc-557>المبحث الثاني: تُسَن الخطبة يوم عرفة:</span> وفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: تُسَن خطبة عرفة:\nوتُسَن خُطبة يوم عرفة بعد الزوال قبل الصلاة، بالسُّنة والإجماع.\nأما السُّنة، ففي حديث جابر: «ضُرِبَتْ لَهُ قُبَّةٌ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ».\nوأما الإجماع، فقال ابن تيمية: وَهَذِهِ الْخُطْبَةُ سُنَّةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، قَالَ أَحْمَدُ: خُطْبَةُ يَوْمِ عَرَفَةَ لَمْ يَخْتَلِفِ النَّاسُ فِيهَا (^١).\nالمطلب الثاني: هل خطبة عرفة خُطبة واحدة، أو خُطبتان؟\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أن خُطبة عرفة خطبة واحدة؛ لِما ورد في حديث جابر، وفيه: «فَخَطَبَ النَّاسَ» أي أنها خُطبة واحدة، ولم يُبيِّن أنه خطب خطبتين. وهذا مذهب الحنابلة (^٢).\nالقول الآخَر: أن خطبة عرفة خطبتان، يَفصل بينهما بجلسة. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية (^٣).\nواستدلوا بالسُّنة والقياس:\nأما السُّنة، فاستدلوا بما روى جابر: «فَرَاحَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَوْقِفِ بِعَرَفَةَ، فَخَطَبَ النَّاسَ الْخُطْبَةَ الأُولَى، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، فَفَرَغَ مِنَ الْخُطْبَةِ وَبِلَالٌ مِنَ الأَذَانِ، ثُمَّ أَقَامَ بِلَالٌ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ بِلَالٌ فَصَلَّى الْعَصْرَ» (^٤).\n_________\n(^١) «شرح العمدة» (٢/ ٤٩٨). وهذا الإجماع منخرم، قال النووي: وَقَوْلُهُ: «فَخَطَبَ النَّاسَ» فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْخُطْبَةِ لِلْإِمَامِ بِالْحَجِيجِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَهُوَ سُنَّةٌ بِاتِّفَاقِ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ. وَخَالَفَ فِيهَا الْمَالِكِيَّةُ. «شرح مسلم» (٨/ ١٨٢).\n(^٢) قال ابن القيم: خَطَب خطبة واحدة، ولم تكن خطبتين. «زاد المعاد» (٢/ ٢٣٤).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٥١)، و«المُدوَّنة» (١/ ٢٣١)، و«المجموع» (٨/ ٨٦).\n(^٤) منكر: أخرجه الشافعي (٩٨٩) ومن طريقه البيهقي (٩٥٢٩).\nوذِكر الخطبة الثانية منكر لتَفرُّد إبراهيم بن أَبي يحيى بها، وهو متروك.\nقال البيهقي: تَفَرَّدَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ إِبرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى، وَفِي حَدِيثِ حَاتِمِ بن إِسماعِيلَ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ خَطَبَ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، إِلاَّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أَخْذِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ.","vol":"1","page":415},{"text":"فهذا الحديث صريح في أن خطبة يوم عرفة خطبتان.\nونوقش بأن هذا الحديث ضعيف؛ ففيه إبراهيم بن أبي يحيى، وقد تركوه. وأصل حديث جابر في «صحيح مسلم» وليس فيه إلا خطبة واحدة.\nومما يدل على نكارته أن بلالًا يؤذن، والنبي ﷺ يَخطب، فكيف يَستمع للخُطبة؟!\nواستدلوا أيضًا بالقياس على خطبة الجمعة.\nونوقش بأن الذي ورد في حديث جابر خُطبة واحدة، ولا قياس مع النص (^١).\nالمطلب الثالث: وقت خطبة يوم عرفة:\nذهب جماهير العلماء إلى أن من السُّنة أنها تكون بعد زوال الشمس قبل الصلاة. وبه قال أبو حنيفة والمالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بما رواه مسلم: قَالَ جَابِرٌ: «حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ … ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ» (^٣).\nفهذا صريح في أن الخُطبة كانت بعد زوال الشمس، وأن الخُطبة قبل الصلاة. ولكن يُشْكِل على هذا حديث ابن عمر، وفيه: «فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ رَاحَ فَوَقَفَ عَلَى الْمَوْقِفِ مِنْ عَرَفَةَ» (^٤).\n_________\n(^١) «زاد المعاد» (٢/ ٢٨١).\n(^٢) المبسوط (٢/ ٤٢)، و«الفواكه الدواني» (١/ ٣٩٠)، و«المجموع» (٨/ ٨٩)، و«كشاف القناع» (٢/ ٤٩١).\n(^٣) رواه مسلم (١٢١٨).\n(^٤) منكر: أخرجه أحمد (٦١٣٠) من طريق ابن إسحاق، حدثني نافع، عن ابن عمر، به.\nقال ابن حجر: وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ- وَذَكَرَ الحَدِيثَ قَالَ-: وَهَذَا بِخِلَاف مَا رَوَاهُ جَابرٌ وَابْنُ الزُّبَيْرِ. وَابْنُ إِسْحَاقَ لَا يُحْتَجُّ بِمَا يَنْفَرِدُ بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، فَضْلًا عَمَّا إِذَا خَالفَهُ مَنْ هُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ. «الدراية» (٢/ ١٩). وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ ﵇ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَمِلَ بِهِ الْأَئِمَّةُ وَالْمُسْلِمُونَ. وَأَعَلَّهُ هُوَ وَابْنُ الْقَطَّانِ بَعْدَهُ بِابْنِ إِسْحَاقَ. «نَصْب الراية» (٣/ ٦٠).","vol":"1","page":416},{"text":"واعتُرض عليه بأنه حديث منكر، مُخالِف لِما ثَبَت عن رسول الله ﷺ من الخطبة قبل الصلاة، كما في حديث جابر عند مسلم وغيره.\nالمطلب الرابع: سُنن وآداب الخطبة:\nيُستحب للإمام أن يَخطب بوادي عُرَنة؛ لأن النبي ﷺ خطب بها.\nيُستحب أن يخطب الإمام على منبر أو مكان مرتفع؛ لأن النبي ﷺ خطب على بعير؛ لأنه أمر بالقصواء فرُحلت له، أي: جُعِل الرحل عليها.\nيُستحب أن تَبدأ خطبة عرفة كباقي الخُطَب، ولا يصح أنه ﷺ بدأ بالتكبير.\nيُستحَب أن يُبيِّن في خطبته أحكام عرفة وغيره من المناسك، ويُحذِّر من المحرمات، كحرمة القتل والربا، والوصايا بالنساء … وغير ذلك من الأمور التي تهم الأمة.\nيُستحَب أن يَقصُر الخطبة؛ لقول سالم بن عمر للحَجَّاج: «إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ، فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الوُقُوفَ» قال ابن عمر: «صَدَقَ» (^١).\nالمطلب الخامس: نص الخطبة:\nروى مسلم من حديث جابر الطويل خطبة النبي ﷺ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ. وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ. وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ. فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابُ اللهِ. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ،\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٦٦٣).","vol":"1","page":417},{"text":"يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.\nولنا مع هذه الخطبة وقفات:\nالوقفة الأولى: تعظيم حرمة الأموال والدماء.\nالوقفة الثانية: إبطال أفعال الجاهلية المُخالِفة للشرع. بقوله ﷺ: «أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ».\nالوقفة الثالثة: تحريم الربا.\nالوقفة الرابعة: الإحسان إلى النساء، فأوصى بذلك بقوله: «فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ».\nالوقفة الخامسة- وهي تضم جميع الدين-: وهي قول رسول الله ﷺ: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ» والعمل بكتاب الله يقتضي معه العمل بسُنة رسول الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-558>المبحث الثالث: يُسَن الأذان بعد الفراغ من الخطبة: وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-559>المطلب الأول: هل الأذان قبل الخطبة أو بعدها؟</span>\nالسُّنة أن يكون الأذان بعد الخطبة. وهو مذهب الحنابلة، وقول للمالكية (^١).\nواستدلوا بحديث جابر ﵁: «فَخَطَبَ النَّاسَ … ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ» فهذا صريح في أن الأذان كان بعد فراغ النبي ﷺ من الخطبة (^٢).\n_________\n(^١) «المُدوَّنة» (١/ ١٧٢)، و«المغني» (٣/ ٢٠٦)، ورُوي عن أبي يوسف «العناية» (٢/ ٤٦٩).\n(^٢) وقد اختَلف العلماء في وقت الأذان من الخطبة على أقوال، والذي ذكرناه هو القول الراجح.\nوالقول الثاني: ما ذهب إليه الحنفية من أن الأذان يكون قبل أن يَخطب الإمام. كما في «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٤٦٧).\nواستدلوا ب «أَنَّهُ لَمَّا صَعِدَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ فَخَطَبَ» وهذا صريح في أن الأذان قبل الخطبة. وهذا منكر، والصحيح من حديث جابر أن الأذان كان بعد الخطبة.\nالقول الثالث: ذهب بعض الحنفية وبعض المالكية والشافعية إلى أن الأذان يكون في بداية الخطبة الثانية؛ حتى يكون فراغه من الأذان بفراغه من خطبته. انظر «فتح القدير» (٢/ ٤٦٦)، و«التمهيد» (١٠/ ٢)، و«روضة الطالبين» (٣/ ٩٣).\nواستدلوا بما روى جابر عن النبي ﷺ: «فَرَاحَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَوْقِفِ بِعَرَفَةَ، فَخَطَبَ النَّاسَ الْخُطْبَةَ الْأُولَى، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، فَفَرَغَ مِنَ الْخُطْبَةِ وَبِلَالٌ مِنَ الْأَذَانِ، ثُمَّ أَقَامَ بِلَالٌ» رواه الشافعي (٩١١).\nونوقش هذا الاستدلال: تَفَرَّدَ بهذا التفصيل إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو متروك، وكيف يؤذن أثناء الخطبة؟! فإن ذلك يَمنع من سماعها أو أكثرها فيفوت مقصودها.\nالقول الرابع: وهو قول مالك-: يَخْطُبُ الْإِمَامُ طَوِيلًا، ثُمَّ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ وَهُوَ يَخْطُبُ، ثُمَّ يُصَلِّي … وَهَذَا مَعْنَاهُ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ صَدْرًا مِنْ خُطْبَتِهِ ثُمَّ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ، فَيَكُونُ فَرَاغُهُ مَعَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنَ الْخُطْبَةِ. «التمهيد» (١٠/ ١٢).\nوهذا القول واضح البطلان، فتَرجَّح بذلك القول الأول، أنه يؤذن بعد فراغ الإمام من خطبته، كما صح عن رسول الله ﷺ.","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type='title' id=toc-560>المطلب الثاني: صفة الأذان والإقامة للصلاتين:</span>\nيُجْمَع لصلاة الظُّهْر والعصر بأذان واحد وإقامتين. وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، ورُوي عن مالك (^١).\nالدليل: حديث جابر ﵁، أن النبي ﷺ صلاهما بأذان واحد وإقامتين، وفيه: «ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا».\nوهذا الحديث واضح الدلالة في أنه جَمَع بين الظهر والعصر بأذان واحد للأولى وإقامتين.\nواستدلوا بأن الأذان هو الإعلام بدخول وقت الصلاة، فيَحصل ذلك للظُّهر، وأما الإقامة فهي لبيان الشروع في الصلاة للظُّهر، أما العصر فكيف يُؤَذَّن له وهو يُؤدَّى قبل وقته المعهود، فيُفْرَد بإقامة لبيان الشروع فيها؟! (^٢).\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٥٢)، و«الاستذكار» (٤/ ٣٢٦)، و«المجموع» (٨/ ٩٠)، و«كشاف القناع» (٢/ ٤٩١).\n(^٢) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٥٠٤).\nوهناك أقوال أخرى في المسألة:\nفذهب المالكية في المشهور عنهم إلى أنه يصلي الظهر والعصر، يَجمع بينهما بأذانين وإقامتين. كما في «المُدوَّنة» (١/ ١٧٣)، و«الاستذكار» (٤/ ٣٢٦).\nواستدلوا لهذا بالقياس، فإن لكل صلاة أذانًا، فيؤذن للظهر ويقيم ويصلي الإمام، ويؤذن للعصر ويقيم ويصلي الإمام. ونوقش بأنه لا قياس مع النص.\nوذهب الإمام أحمد كما في «المغني» (٣/ ٢٠٦) إلى أنه يصلي الظهر والعصر، يَجمع بينهما بإقامة لكل صلاة. ويجاب عنه بأن الثابت أنه جَمَع بأذان وإقامتين. وهو الراجح والله أعلم.","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type='title' id=toc-561>المبحث الرابع: يُستحب الجَمْع بين الظُّهر والعصر يوم عرفة:</span> وفيه ستة مطالب:\n<span data-type='title' id=toc-562>المطلب الأول: جَمْع الصلاتين في عرفة </span>(^١):\nيُسَن للحاج الجَمْع بين الظُّهر والعصر يوم عرفة، في أول وقت الظُّهر بعد الخُطبة.\nففي حديث جابر: «ثم أَذَّن، ثم أقام فصلى الظُّهْر، ثم أقام فصلى العصر».\nوقال ابن تيمية: النبي ﷺ جَمَع بين الصلاتين بعرفة في وقت الأولى، وهذا الجَمْع ثابت بالسُّنة المتواترة وباتفاق المسلمين عليه (^٢).\nولقول سالم للحَجَّاج يوم عرفة: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ اليَوْمَ فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الوُقُوفَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «صَدَقَ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-563>المطلب الثاني: سبب الجَمْع بعرفة والمزدلفة:</span>\nاختَلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن سبب الجَمْع بعرفة والمزدلفة السفر، فلا يَجمع مَنْ كان دون مسافة قَصْر، كأهل مكة. وهذا مذهب الشافعية في المشهور، والحنابلة في الصحيح (^٤).\nواستدلوا بأن النبي ﷺ لم يَجمع إلا في أسفاره، وكذا جَمَع النبي ﷺ بعرفة والمزدلفة لأنه مسافر، وهو وَصْف مناسب ومعهود للجَمْع، ولا أثر للنسك في ذلك، بدليل عدم الجَمْع في مِنًى.\nونوقش هذا الاستدلال بأنه ليست العلة في الجَمْع مجرد السفر، بل العلة الاشتغال بالنسك، فيَجوز الجَمْع لكل أحد هناك، سواء كان مِنْ أهل مكة أو عرفات أو غيرهما.\n_________\n(^١) الجَمْع ضد التفريق، وهو ضم الشيء بعضه إلى بعض، والمراد بجمع الصلاتين شرعًا: هو أداء الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، تقديمًا أو تأخيرًا. «الموسوعة الكويتية» (١٥/ ٢٨٤).\n(^٢) «جامع المسائل» (٦/ ٣٣٦). نَقَل الإجماع على ذلك: ابن المنذر (٥٧)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ٣٢٥)، والنووي في «المجموع» (٨/ ٩٢)، وابن دقيق العيد في «إحكام الأحكام» (ص: ٢٢٠).\nولكن هذا الإجماع منخرم؛ فقد ورد قول لبعض الحنفية أنه يؤخر الجمع إلى آخِر وقت الظهر، كما في «البحر الرائق» (٢/ ٣٦٤) وهذا قول مهجور، يُخالِف فعل رسول الله ﷺ، فلا يُعَرَّج عليه.\n(^٣) رواه البخاري (١٦٦٣).\n(^٤) «الأم» (١/ ١٨٩)، و«المغني» (٣/ ٢٠٧)، و«الإنصاف» (٢/ ٣٢٠).","vol":"1","page":420},{"text":"القول الثاني: أن الجَمْع في عرفة ومزدلفة بسبب النسك، فيَجوز الجَمْع للحاج حتى لمَن كان دون مسافة قَصْر، كأهل مكة. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، وهو وَجْه للشافعية، وقول للحنابلة (^١).\nواستدلوا بأن النبي ﷺ جَمَع في يوم عرفة بين الظُّهر والعصر، فجَمَع معه مَنْ حَضَره مِنْ المكيين وغيرهم، ولم يأمرهم بترك الجَمْعِ، ولو حُرِّم الجَمْع لبَيَّنه لهم؛ إذ لا يَجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يُقِر النبي ﷺ على الخطأ (^٢).\nالقول الثالث: أن سبب ذلك الحاجةُ ورَفْع الحرج. وهو قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن تيمية (^٣).\nواستدلوا بأن سبب الجَمْع هو المصلحة والحاجة. وهو الأقرب.\nفالجَمْع في عرفة لمصلحة طول زمن الوقوف والدعاء، ولأن الناس يتفرقون في الموقف، فإن اجتمعوا للصلاة شق عليهم، وإن صَلَّوْا متفرقين فاتت مصلحة كثرة الجَمْع.\nأما في مزدلفة فهم أحوج إلى الجَمْع؛ لأن الناس يَدفعون من عرفة بعد الغروب، فلو حُبسوا لصلاة المغرب فيها لصَلَّوْها من غير خشوع. ولو أوقفوا لصلاتها في الطريق لكان ذلك أشق، فكانت الحاجة داعية إلى تأخير المغرب لتُجْمَع مع العشاء هناك. وفي هذا مصلحة في الجَمْع بين المحافظة على الخشوع في الصلاة، ومراعاة أحوال العباد (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-564>المطلب الثالث: قَصْر أهل مكة الصلاة في عرفة ومزدلفة:</span>\nاتَّفَق العلماء على أن مَنْ كان سفره طويلًا، فإن له القَصْر في عرفة ومزدلفة.\nواختلفوا على قولين في جواز قصر مَنْ كان سفره قصيرًا من أهل مكة:\nالقول الأول: يَقصر أهل مكة صلاتي الظُّهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء في\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ١٥)، و«حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٤)، و«المجموع» (٨/ ٨٧)، و«الفتاوى» (٢٤/ ٤٥).\n(^٢) «المغني» (٥/ ٢٦٥).\n(^٣) «العناية شرح الهداية» (٢/ ٤٧٠).\n(^٤) «فتاوى العثيمين» (١٢/ ٢٥٦). وقال ابن تيمية: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ بِعَرَفَةَ لِمُجَرَّدِ السَّفَرِ كَمَا قَصَرَ لِلسَّفَرِ؛ بَلْ لِاشْتِغَالِهِ بِاتِّصَالِ الْوُقُوفِ، وَلِاشْتِغَالِهِ بِالْمَسِيرِ إِلَى مُزْدَلِفَةَ، وَكَانَ جَمْعُ عَرَفَةَ لِأَجْلِ الْعِبَادَةِ، وَجَمْعُ مُزْدَلِفَةَ لِأَجْلِ السَّيْرِ الَّذِي جَدَّ فِيهِ، وَهُوَ سَيْرُهُ إِلَى مُزْدَلِفَةَ. «الفتاوى» (٢٤/ ٤٦).","vol":"1","page":421},{"text":"مزدلفة. وهذا مذهب المالكية، وقول للشافعية، ورواية عن أحمد (^١).\nواستدلوا بأن النبي ﷺ في حِجة الوداع كان يَقصر الصلاة بعرفة ومزدلفة وفي أيام مِنًى، وكان يصلي خَلْفه أهل مكة، فصَلَّوْا بصلاته قَصْرًا وجَمْعًا، ولم يَثبت ما يدل على أنهم أتموا صلاتهم بعد سلامه في مِنًى ولا مزدلفة ولا عرفة. كذلك أبو بكر وعمر بعده وسائر الأمراء، هكذا لا يُصَلُّون إلا ركعتين، فعُلِم أن ذلك سُنة الموضع.\nالقول الآخَر: لا يَقصر المكي. وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية في الأصح، والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بأن القصر أبيح للسفر، وأهل مكة غير مسافرين، فليس لهم القَصْر.\nواعتُرض عليه بأنه لا قياس مع النص؛ فقد قَصَر النبي ﷺ وقَصَر معه أهل مكة، ولم يَرِد أنهم أتموا أو أَمَرهم النبي ﷺ بالإتمام.\nقال ابن القيم: ثم أقام فصلى العصر ركعتين أيضًا، ومعه أهل مكة، وصَلَّوْا بصلاته قَصْرًا وجَمْعًا بلا ريب، ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجَمْع (^٣).\nواستدلوا بعموم ما رُوي عن ابن عباس، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ، لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عَسْفَانَ».\nونوقش بأنه لا يصح عن النبي ﷺ.\nوالراجح: أنه ليست العلة في القصر مجرد السفر، بل العلة الاشتغال بالنسك، فيَجوز القصر لكل أحد هناك، سواء كان مِنْ أهل مكة أو عرفات أو غيرهما.\nوأما ما قاله ابن تيمية: وَأَمَّا الْقَصْرُ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ السَّفَرِ، وَلَا تَعَلُّقَ له بِالنُّسُكِ، وَلَا مُسَوِّغَ لِقَصْرِ أَهْلِ مَكَّةَ بِعَرَفَةَ وَغَيْرِهَا، إلَّا أَنَّهُمْ بِسَفَرِ وَعَرَفَةُ عَنِ الْمَسْجِدِ بَرِيدٌ، فَهَذَا قَصْرٌ فِي سَفَرٍ قَدْرُهُ بَرِيدٌ، وَهُمْ لَمَّا رَجَعُوا إِلَى مِنًى كَانُوا فِي الرُّجُوعِ مِنَ السَّفَرِ. وَأَيُّ\n_________\n(^١) قال مالك: يُصَلِّي أَهْلُ مَكَّةَ بِعَرَفَةَ وَمِنًى، مَا أَقَامُوا بِهِمَا، رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى مَكَّةَ. «الموطأ» (١/ ٥٣٩)، وانظر: «التمهيد» (١٠/ ١٣، ١٤)، و«المجموع» (٨/ ٨٧).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٥٢)، و«المجموع» (٨/ ٩١)، و«المغني» (٥/ ٢٦٥).\n(^٣) «زاد المعاد» (٢/ ٢١٦).","vol":"1","page":422},{"text":"فَرْقٍ بَيْنَ سَفَرِ أَهْلِ مَكَّةَ إِلَى عَرَفَةَ، وَبَيْنَ سَفَرِ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِنْ بِلَادِهِمْ، وَاللَّهُ لَمْ يُرَخِّصْ فِي الصَّلَاةِ رَكْعَتَيْنِ إلَّا لِمُسَافِرِ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُسَافِرِينَ (^١).\nفنوقش بأن أهل مكة لَمَّا رَجَعُوا إِلَى مِنًى رجعوا من مكة، وليس من عرفة بعد طواف الإفاضة يوم النحر، ويَقصرون الصلاة بمِنًى مع النبي ﷺ، ولا يُتصوَّر أن يُطلَق على مَنْ انتقل من مكة إلى مِنًى أنه مسافر، وهي مسافة لا تَزيد عن خمسة كيلو مترات. فمَن انتَقَل من موطنه إلى عمله في مثل هذه المسافة، فيَجوز له القَصْر. وعلى هذا القول، فيَجوز لأكثر الناس أن يَقصروا الصلاة ويُفطروا في رمضان! فهذا القول ظاهر البطلان ومُخالِف لقول جماهير العلماء (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-565>المطلب الرابع: هل يَجمع ويَقصر مَنْ صلى وحده؟</span>\nمَنْ صلى الظُّهر والعصر منفردًا يَجوز له أن يَجمع ويَقصر. وهو قول الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة. وبه قال أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة (^٣).\nواستدلوا بأن الجَمْع بين الصلاتين يوم عرفة إنما كان للحاجة إلى امتداد الوقوف ليتفرغوا للدعاء؛ لأنه موقف يُقصَد إليه مِنْ أطراف الأرض، فشُرِع الجَمْع لئلا يُشتغل عن الدعاء، والمنفرد وغيره في هذه الحاجة سواء، فيستويان في جواز الجَمْع.\n\n<span data-type='title' id=toc-566>المطلب الخامس: هل يُجْهَر بالقراءة أم يُسَر؟</span>\nيُسَن الإسرار بالقراءة في صلاتي الظُّهر والعصر بعرفات، حتى لو وافق يوم الجمعة.\nفعن جابر بن عبد الله ﵄ في حديثه الطويل، في صفة حجة النبي ﷺ: «ثم أَذَّن، ثم أقام فصلى الظُّهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا».\nقال النووي: لَمْ يُنْقَلْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجَهْرُ، فَظَاهِرُ الْحَالِ الْإِسْرَارُ (^٤).\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٤٦، ٤٧).\n(^٢) فبعض إخواننا يَقصر الصلاة إذا انتقل من موطنه إلى عمله في مثل هذه المسافة، وهذا قول باطل؛ لأن على هذا القول فأغلب الناس على سفر، ويَجُوز لهم القصر والفطر. وإن شاء الله سيأتي بيان هذا بالتفصيل في كتاب لي في «أحكام الصلاة».\n(^٣) «الاستذكار» (٤/ ٣٢٦)، و«المغني» (٥/ ٢٦٣)، و«المجموع» (٨/ ٩٢).\n(^٤) «المجموع» (٨/ ٨٧).","vol":"1","page":423},{"text":"نَقَل الإجماع على ذلك: ابن المنذر، وابن عبد البر، وابن رُشْد … وغيرهم (^١).\nوهذا الإجماع منخرم، فقد ذهب أبو حنيفة إلى أن الإمام يَجهر بالقراءة في صلاتَي الظُّهر والعصر في يوم عرفة، فتقاس على الجمعة لأن الإمام يَخطب لعرفة كالجمعة (^٢).\nونوقش بأنه لا قياس مع النص، والله أعلم.\nالمطلب السادس: حُكْم الصلاة فيما لو وافق يوم عرفة يوم الجمعة:\nذهب جماهير العلماء إلى أنه لا تجب صلاة الجمعة على مَنْ وقف بعرفة؛ لأن النبي ﷺ صلى الظُّهر ولم يُصَلِّ الجمعة؛ ولذا أَسَر فيها بالقراءة (^٣).\nالمبحث الخامس: يُسَن للحاج بعد الانتهاء من صلاتَي الظُّهر والعصر بنَمِرة- التوجه إلى عرفات ليَطُول زمن وقوفه به.\nففي حديث جابر: «ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ».\n\n<span data-type='title' id=toc-569>المبحث السادس: يُسَن للحاج أن يقف على عرفات مُستقبِل القبلة،</span>\nعلى طهارة إن أمكن، فارغًا من الأمور الشاغلة له عن الدعاء، ويَحذر من المخاصمة والمشاتمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-570>المبحث السابع: الإكثار من الدعاء والذِّكر والتلبية يوم عرفة:</span>\nفعن جابر ﵄ في حديثه الطويل، في صفة حجة النبي ﷺ: «فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ» فلم يَزَل واقفًا للدعاء والتضرع بين يدي الله ﷿.\n_________\n(^١) قال ابن المنذر: وأَجْمَع كل مَنْ نَحفظ عنه من أهل العلم- على أن الإمام لا يَجهر في صلاة الظهر والعصر بعرفة بالقراءة. «الإشراف» (٣/ ٣١١). ونَقَل أيضًا الإجماع: ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ٣٢٥)، وابن رُشْد في «بداية المجتهد» (٢/ ١١٣).\n(^٢) قال النووي: وَيُسِرُّ الْقِرَاءَةَ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجْهَرُ كَالْجُمُعَةِ. «المجموع» (٨/ ٨٧).\n(^٣) «المبسوط» (٤/ ٥٥)، و«التمهيد» (١٠/ ١٥)، و«زاد المعاد» (٢/ ٢٣٤).","vol":"1","page":424},{"text":"فيُستحب أن يُكْثِر من الدعاء والتضرع، وإظهار الضعف والافتقار، ويُلِح في الدعاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-571>المبحث الثامن: يُستحب للحاج في يوم عرفة الإكثار من أعمال الخير </span>بأنواعها،\nكالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونَفْع الآخرين … وغير ذلك من أفعال الخير.\n\n<span data-type='title' id=toc-572>القسم الرابع: مستحبات الدفع من عرفة إلى مزدلفة:\nوفيه ستة مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-573>المبحث الأول: الدفع إلى مزدلفة بعد غروب الشمس، وعليه السكينة </span>والوقار:\nيُسَن أن يَدفع بعد غروب الشمس إلى مزدلفة، وعليه السكينة والوقار، فإذا وَجَد فجوة أسرع؛ لفِعْل النبي ﷺ وأصحابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-574>المبحث الثاني: يُستحب في الدفع من عرفة إلى مزدلفة أن يسير سيرًا متوسطًا:</span>\nفمسير رسول الله ﷺ من عرفة إلى مزدلفة كان على ثلاث حالات:\nالأولى: أن أغلب سير النبي ﷺ كان سيرًا متوسطًا بين الإبطاء والإسراع بسكينة ووقار، مُظْهِرًا الذل والانكسار؛ طمعًا في قَبول العزيز الغفار.\nالثانية: إذا وَجَد الحاج زحامًا أبطأ؛ لكيلا يؤذي إخوانه؛ لِما رَوَى ابن عباس، أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وَضَرْبًا وَصَوْتًا لِلْإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ؛ فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ».\nالثالثة: إذا وَجَد فُسحة وفُرجة أسرع. دل على ذلك ما ورد في «الصحيحين»: سُئِلَ أُسَامَةُ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: «كَانَ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» أي: سار مسرعًا.\nوكذا فالرسول ﷺ أسرع عند المرور بوادي مُحَسِّر، فعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَفَاضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَأَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ (^١).\nفالجَمْع بين الأحاديث يدل على أن النبي ﷺ كان يسير سيرًا متوسطًا في الأغلب، فإذا وَجَد زحامًا أبطأ، وإذا وَجَد فُرجة وفَجوة أسرع، والله أعلم.\n_________\n(^١) وادي مُحسِّر: وادٍ بمزدلفة. وإسناده على شرط مسلم، أخرجه أحمد (١٥٢٠٧)، وأبو داود (١٩٣٥)، والترمذي (٨٩٦)، والنَّسَائي (٣٠٤٤)، وابن ماجه (٣٠٣٧) من طرق عن أبي الزبير عن جابر، به.","vol":"1","page":425},{"text":"<span data-type='title' id=toc-575>المبحث الثالث: أن يَدفع ملبيًا، ذاكرًا لله ﷿</span>-:\nيُستحب للحاج أن يَدفع من عرفة ملبيًا ذاكرًا لله تعالى؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] (^١).\nويُستحب للحاج أن يُكْثِر من التلبية؛ لِما ورد في «الصحيحين»: عَنِ الفَضْلِ قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-576>المبحث الرابع: يُستحب للحاج أن يُكْثِر من الاستغفار</span>؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] ولأنه في هذا الموقف يكون قَبول التوبة والاستغفار.\nالمبحث الخامس: يُستحب للحاج عند الدفع إلى مزدلفة ألا يَقعد إلا إذا احتاج الأمر لذلك؛ ففي «الصحيحين»: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشِّعْبَ الأَيْسَرَ، الَّذِي دُونَ المُزْدَلِفَةِ، أَنَاخَ فَبَالَ (^٢). فالرسول ﷺ لم يجلس في الدفع من عرفة إلى مزدلفة، وإنما قضى حاجته فقط.\nولكن يشكل عليه ما رُوي عن الشَّرِيد بن سُويد قال: «أَشْهَدُ لَوَقَفْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ». قَالَ: «فَمَا مَسَّتْ قَدَمَاهُ الْأَرْضَ حَتَّى أَتَى جَمْعًا» (^٣). ونوقش بأنه ضعيف.\nالمبحث السادس: حُسْن أخلاق النبي ﷺ وتواضعه حين الدفع من عرفة إلى مزدلفة:\nيدل على تواضع الرسول ﷺ أنه كان يُردف خلفه أسامة حين الدفع من عرفة إلى مزدلفة. ولذا ينبغي للحاج أن يُحَسِّن أخلاقه ويتواضع ويساعد المحتاجين.\n_________\n(^١) قال ابن قُدامة: ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى يُسْتَحَبُّ فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا، وَهُوَ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَشَدُّ تَأْكِيدًا؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهِ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] وَلِأَنَّهُ زَمَنُ الِاسْتِشْعَارِ بِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وَالتَّلَبُّسِ بِعِبَادَتِهِ، وَالسَّعْيِ إِلَى شَعَائِرِهِ. «المغني» (٥/ ٢٧٧).\n(^٢) البخاري (١٦٦٩)، ومسلم (١٢٨٠).\n(^٣) ضعيف: أخرجه أحمد (١٩٤٦٥) وغيره. وفي إسناده يعقوب بن عاصم، روى عن ابن عمر والشَّريد وغيرهما. وروى عنه إبراهيم بن ميسرة ويعلى بن عطار وغيرهما، وذَكَره ابن حِبان في «الثقات» وتَبِعه الذهبي. وروى له مسلم وأبو داود والنَّسَائي، وقال الحافظ: (مقبول) أي: لَيِّن الحديث. قلت: وهو إلى الضعف أقرب، ولا يَتحمل مثل هذا المتن، والله أعلم.","vol":"1","page":426},{"text":"الحاصل في سُنن يوم عرفة\nالقسم الأول: سُنن يوم عرفة قبل الوقوف بها:\n- يُسن الدفع من مِنًى إلى عرفة بعد طلوع شمس اليوم التاسع.\n- يُسن أن يَسير إلى عرفة بسكينة ووقار.\n- يُسَن أثناء دفعه أن يُكْثِر من التلبية والتكبير.\n- يُسَن النزول في نَمِرة أولًا قبل عرفة، والإقامة بها حتى ينتهي من صلاتَي الظُّهر والعصر.\n- يُسَن أن يَغتسل بنَمِرة؛ بنية الوقوف بعرفة.\n- يُسَن الخطبة بنَمِرة ويُبيِّن لهم الخطيب أحكام الحج، ويتعرض لما يُهِم المسلمين.\n- يُسَن بعد الخطبة الأذان ثم الإقامة لصلاة الظُّهر، ثم الإقامة للعصر.\n- يُسَن للحاج تعجيل الصلاة، أي أن يصلي الظُّهر والعصر جمعًا وقصرًا في وقت الظُّهر، ولا يصلي السُّنن الرواتب.\nالقسم الثاني: سُنن الوقوف بعرفة: يُسَن للحاج بعد الصلاة التوجه إلى عرفات، أو تعجيل الصلاة ليَطُول زمانه.\n- يُسَن للحاج أن يقف على عرفات مستقبل القبلة، حاضر القلب، على طهارة إن أمكن، فارغًا من الأمور الشاغلة له عند الدعاء، ويَحذر من المخاصمة والمشاتمة.\n- أن يُكْثِر من الذِّكر والدعاء والاستغفار، والتضرع إلى الله.\n- أن يُكْثِر من أعمال الخير، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدقة.\n- ألا يَخرج من عرفة إلا بعد غروب الشمس.","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type='title' id=toc-579>الفصل الرابع\nما يُكْرَه ويَحرم على الحاج في يوم عرفة\nوفيه ثلاثة مباحث:</span>\nالمبحث الأول: يُكْرَه صوم يوم عرفة للحاج.\nالمبحث الثاني: يُكْرَه الإسراع في السير.\nالمبحث الثالث: يُكْرَه التطوع بين صلاتَي الظُّهر والعصر بعرفة.\nمن محظورات الوقوف بعرفة: الصعود على جبل عرفة (الرحمة).\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: أسماء جبل عرفة.\nالمطلب الثاني: مكان موقف النبي ﷺ في عرفة.\nالمطلب الثالث: حُكْم صعود جبل عرفة.","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type='title' id=toc-580>المبحث الأول:\nيُكْرَه صوم يوم عرفة للحاج:</span>\nيُكْرَه صوم يوم عرفة للحاج، ويُستحب له الإفطار. وهو قول جمهور العلماء، منهم: المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nوعن أُم الفضل: «أَنَّ نَاسًا اخْتَلَفُوا عِنْدَهَا يوم عَرَفَةَ في صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ، فَشَرِبَهُ» (^٢).\nقال ابن القيم: فالصواب أن الأفضل لأهل الآفاق صومه، ولأهل عرفة فطره؛ لاختياره ﷺ ذلك لنفسه، وعَمَل خلفائه بعده بالفطر، وفيه قوة على الدعاء الذي هو أفضل دعاء العبد، وفيه أن يوم عرفة عيد لأهل عرفة، فلا يُستحب لهم صيامه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-581>المبحث الثاني: يُكْرَه الإسراع في السير </span>راكبًا أو ماشيًا،\nإسراعًا يؤدي إلى الإيذاء؛\nلعموم قوله ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ».\n\n<span data-type='title' id=toc-582>المبحث الثالث: يُكْرَه التطوع بين صلاتي الظهر والعصر بعرفة:</span>\nوبه قال الحنفية والمالكية والحنابلة (^٤).\nفعن جابر ﵁، وفيه: «ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» فهذا الحديث صريح في أن النبي ﷺ لم يُصَلِّ نافلة يوم عرفة بين الظُّهر والعصر، ولا بعدهما، والخير كل الخير في اقتفاء أثره واتباع سُنته ﷺ.\nوذهب الشافعية إلى أنه يُسَن فعل السُّنن الرواتب في عرفة (^٥).\nوالراجح: أنه لا تُسن السُّنن الرواتب بين الصلاتين، وهذا ما جاءت به السُّنة.\n_________\n(^١) «فتح القدير» (٢/ ٣٥٠)، و«التمهيد» (٢١/ ١٥٨)، و«المجموع» (٦/ ٣٧٩)، و«الفروع» (٥/ ٨٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٨٨)، ومسلم (١١٢٣).\n(^٣) «تهذيب السُّنن» (٣/ ٣٢٢)، وقد توسعتُ في هذا المبحث في كتابي «فقه الصيام» (ص: ٢٩٣).\n(^٤) «الهداية» (١/ ١٤٣)، و«التمهيد» (٩/ ٢٥٩)، و«المجموع» (٨/ ٨٨، ٨٩)، و«المبدع» (٣/ ٢٣٠).\n(^٥) «المجموع» (٨/ ٩٢).","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type='title' id=toc-583>من محظورات الوقوف بعرفة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-584>الصعود على جبل عرفة (الرحمة)</span> وفيه ثلاثة مطالب:\n<span data-type='title' id=toc-585>المطلب الأول: أسماء جبل عرفة:</span>\nوتسمية هذا الجبل ب (جبل الرحمة) خطأ، والصحيح (جبل عرفة) أو (جبل الإل) (^١).\nوتسمية هذا الجبل ب (جبل الرحمة) يَزيد إغراء الجَهَلة بالصعود عليه؛ لأنهم فهموا أن الرحمة لا تَنْزل إلا فوق هذا الجبل. وهذا باطل؛ لأن الرحمة تَنْزل على أهل الموقف في عرفة كلها، والرسول ﷺ وقف عند الصخرات، ولم يقف على هذا الجبل.\n\n<span data-type='title' id=toc-586>المطلب الثاني: مكان موقف النبي ﷺ في عرفة:</span>\nالرسول ﷺ وقف عند جبل عرفة في أسفله، مستقبلًا القبلة، وحبل المشاة أمامه.\nوأصل ذلك ما رواه جابر في حديثه الطويل، وفيه: «ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ».\nفالصخرات أسفل جبل الرحمة، وبين يديه حبل المشاة، أي: طريقهم ومَمشاهم.\nفالحاصل: أنه يُستحب أن يقف الحاج عند الصخرات في حالة السَّعة؛ تحريًا لموقف النبي ﷺ. ولكن عند وجود الزحام الشديد، فإِنَّ تَرْك ذلك أَوْلَى؛ لِما يَصحب ذلك من زحام يؤثر في خشوع الحاج وسكينته، وهو أحوج ما يكون في هذه اللحظات إلى استجماع القلب والانكسار بين يدي الله سبحانه، ومراعاة حال الدعاء أَوْلَى من مراعاة مكانه؛ إذ الإجماع منعقد على إجزاء الوقوف في أي موضع بعرفة، وقد روى مسلم: عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ\n_________\n(^١) جبل الرحمة: في شرق مَشْعَر عرفات، جبل صغير، في جنوبيه صخرات كبار، ويسمى (جبل عرفة).\nوقد شاع على ألسنة الناس، وفي أقلام الكتابة تسميته باسم (جبل الرحمة) وعند بادية نجد باسم (القُرَين) ولا أصل لواحد من هذين الوصفين.\nقال الشيخ بكر أبو زيد: لم تَحصل تسميته بذلك إلا في أواخر القرن الرابع الهجري، وأن الصحيح من أسمائه: (جبل الإل) و(جبل عرفة) وأن تسميته ب (جبل الرحمة) من جنس التعبير عن الحِجْر ب (حِجْر إسماعيل) بدعوى أن إسماعيل دُفِن فيه، وهو غلط لا تسنده رواية صحيحة البتة، وكتسمية ذي الحُلَيْفة ب (أبيار علي) بدعوى أن عليًّا قَاتَل الجن فيها … فلا بد من إرجاع الشيء إلى أصله وتسميته باسمه، لا سيما فيما يتعلق بمواضع النسك والتعبد، فليُقَل: (جبل الإل) و(جبل عرفة). «معجم المناهي اللفظية» (١/ ١٩٥) و«جبل الإل بعرفات» (ص: ٣٠).","vol":"1","page":430},{"text":"رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-587>المطلب الثالث: حُكْم صعود جبل عرفة:</span>\nنُقِل الاتفاق على عدم مشروعية صعود جبل عرفة (^٢).\nقال ابن جماعة: وما اشتهر من ترجيح الوقوف على جبل الرحمة، فخطأ وجهالة، وابتداع قبيح، فحَدَث بعد انقراض السلف. وشذ بعض أهل العلم من متأخري الشافعية، فاستَحب الوقوف عليه! وليس لذلك أصل، وينبغي تحري موقف رسول الله ﷺ (^٣).\nفالحاصل: أن ازدحام الناس للوقوف على جبل الرحمة مُخالِف للسُّنة، وينبغي لطلبة العلم أن يُعَلِّموا الحجيج الفارق الكبير بين الوقوف عند الجبل وصعوده؛ فإن صعود الجبل غير مشروع بإجماع أهل العلم.\nمن أشد الأخطاء وقوع الشرك في أرض عرفة، كالتوسل بالأموات ونحوهم. ومثل هؤلاء يُخشى عليهم من رد عملهم.\nكثرة المخالفة الشرعية لدى كثير من الحُجاج، ذكورًا كانوا أو إناثًا، كالتساهل في الصلاة، وكثرة القال والقيل، والغِيبة والنميمة، وممارسة التدخين، وعدم استشعار الموقف وعظمته، وتَرْك الحجاب والتساهل فيه، والجدال بالباطل، والنزاعات والكذب، والإسراف في المأكل والمشرب، وكثرة التصوير بالهواتف والانشغال به … وغيرها.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٢١٨).\n(^٢) قال ابن تيمية: ولا يُشْرَع صعود جبل الرحمة إجماعًا. «الاختيارات الفقهية» (ص: ٤٦٦).\n(^٣) «هداية السالك» (ص: ٣٨٧).\nقال الماوردي: يُسْتَحبُّ أَنْ يَقْصِدَ هَذَا الْجَبَلَ الذِي يُقَالُ لَهُ: (جَبَلُ الدُّعَاءِ).\nقال: وَهُوَ مَوْقِفُ الأَنْبِيَاءِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.\nقال النووي: وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ لَا أصْلَ لَهُ، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلَا ضَعِيفٌ، وَالصَّوَابُ الاعْتِنَاءُ بِمَوْقِفِ رَسُولِ اللهِ. «الإيضاح» (ص: ٢٨٢). وقال أيضًا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ، وَهِيَ صَخَرَاتٌ مُفْتَرِشَاتٌ فِي أَسْفَلِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي بِوَسَطِ أَرْضِ عَرَفَاتٍ.\nوَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ بَيْنَ الْعَوَامِّ مِنَ الِاعْتِنَاءِ بِصُعُودِ الْجَبَلِ، وَتَوَهُّمِهِمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوُقُوفُ إِلَّا فِيهِ، فَغَلَطٌ، بَلِ الصَّوَابُ جَوَازُ الْوُقُوفِ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، وَأَنَّ الْفَضِيلَةَ فِي مَوْقِفِ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ. «شرح مسلم» (٨/ ١٨٥).","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type='title' id=toc-588>الفصل الخامس\nالفوات</span>\nتمهيد: فوات الحج.\nما يَلزم مَنْ أَحْرَم بالحج ولكن فاته الوقوف بعرفة.\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: يَلزم مَنْ فاته الحج أن يتحلل من إحرامه بعمل عمرة.\nالمبحث الثاني: إتمام الحج الفاسد.\nالمبحث الثالث: هل يَلزم مَنْ فاته الحج القضاء؟ وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حُكْم قضاء الحج الواجب.\nالمطلب الثاني: حُكْم قضاء الحج النفل.\nالمبحث الرابع: الهَدْي. وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: هل يَلزم مَنْ فاته الوقوف بعرفة- هَدْي؟\nالمطلب الثاني: زمان ذبح هَدْي الفوات.\nالمطلب الثالث: العجز عن هَدْي الفوات.","vol":"1","page":432},{"text":"الفصل الخامس: الفوات:\nوفيه تمهيد وأربعة مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-589>تمهيد: فوات الحج</span>\nهو أن يُحْرِم بالحج، ثم لا يُدرِك الوقوف بعرفة في وقته المحدد (^١).\nفمَن أَحْرَم بالحج فلم يقف بعرفة حتى طلع الفجر، فقد فاته الحج بالإجماع (^٢).\nما يَلزم مَنْ أَحْرَم بالحج ولكن فاته الوقوف بعرفة: وفيه أربعة مباحث.\n\n<span data-type='title' id=toc-591>المبحث الأول: يَلزم من فاته الحج أن يتحلل من إحرامه بعمل عمرة:</span>\nاختَلف العلماء فيما يجب على مَنْ فاته الوقوف بعرفة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن مَنْ فاته الوقوف بعرفة أنه يتحلل بعمرة. وبه قال أبو يوسف من الحنفية، وهو قول عند المالكية وبعض الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (^٣).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ» (^٤).\nوَعَنْ عُمَرَ وَزَيْدٍ قَالَا فِي الرَّجُلِ يَفُوتُهُ الْحَجُّ: يُحِلُّ بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ (^٥).\nالقول الثاني: لا يَصير إحرامه بعمرة، وإنما يَحصل التحلل بأفعال العمرة، وهي الطواف والسعي والحَلْق. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية الحنابلة (^٦).\n_________\n(^١) الفوات: هُوَ خُرُوجُ الْعَمَلِ الْمَطْلُوبِ عَنْ وَقْتِهِ الْمُحَدَّدِ لَهُ شَرْعًا. «الموسوعة الكويتية» (٣٢/ ٢١١).\n(^٢) ونَقَل ابن المنذر الإجماع (ص: ٥٧) والنووي في «المجموع» (٨/ ٢٨٥)، وابن عبد البر في «التمهيد» (١٥/ ٢٠١)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٤٢٤) وغيرهم كثير.\n(^٣) «البحر الرائق» (٣/ ٦٢)، و«مواهب الجليل» (٤/ ٢٩٤)، و«المجموع» (٨/ ٢٨٨)، و«المغني» (٥/ ٤٢٤).\n(^٤) ضعيف: ومداره على ابن أبي ليلى، ورواه عن ابن عباس به عند الدارقطني (٢٥١٩).\nوفي إسناده يحيى بن عيسى، ضعيف. ورواه مرة عن عطاء مرسلًا، ومرة أخرى عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، عند ابن أبي شيبة (١٣٨٦٥، ١٣٨٦٦) وعلى كل حال ففيه ابن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ.\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٨٦٤) من طرق عن إبراهيم، عن الأسود، به.\n(^٦) «المبسوط» (٤/ ١٧٥)، و«مواهب الجليل» (٤/ ٢٩٤)، و«المجموع» (٨/ ٢٨٨)، و«المغني» (٥/ ٤٢٦).","vol":"1","page":433},{"text":"واستدلوا بالمأثور والمعقول:\nأما المأثور، فَعَنْ سُلَيْمَانَ، أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ خَرَجَ حَاجًّا، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْبَادِيَةِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ، أَضَلَّ رَوَاحِلَهُ، وَأَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ ﵁ يَوْمَ النَّحْرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ، ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ، فَإِذَا أَدْرَكْتَ الْحَجَّ قَابِلًا فحُجَّ وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (^١).\nوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ، فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ، فَلْيَأْتِ البَيْتَ فَلْيَطُفْ بِهِ سَبْعًا، وَيَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعًا، ثُمَّ لِيَحْلِقْ أَوْ يُقَصِّرْ.\nوأما المعقول، فَلِأَنَّ إحْرَامَهُ انْعَقَدَ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ، فَلَمْ يَنْقَلِبْ إِلَى الْآخَرِ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ قَلْبُ العُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ.\nقال ابن قُدامة: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ قَالَ: (يَجْعَلُ إحْرَامَهُ عُمْرَةً) أَرَادَ بِهِ: يَفْعَلُ مَا فَعَلَ الْمُعْتَمِرُ، وَهُوَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ خِلَافٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِيرَ إحْرَامُ الْحَجِّ إحْرَامًا بِعُمْرَةِ، بِحَيْثُ يُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ إِنْ لَمْ يَكُنِ اعْتَمَرَ (^٢).\nالقول الثالث: أن عليه عَمَل ما بقي من مناسك الحج، كالرمي والمبيت بمِنًى … وغير ذلك من المناسك. وبه قال المُزَني من الشافعية، وهو رواية عن أحمد (^٣).\nقال ابن قُدامة: يَمْضِي فِي حَجٍّ فَاسِدٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: يَلْزَمُهُ جَمِيعُ أَفْعَالِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ مَا فَاتَ وَقْتُهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ مَا لَمْ يَفُتْ.\nواعتُرض عليه بأنه كيف يُكمل حجًّا فاسدًا وباطلًا؟!\nوالراجح: أن مَنْ فاته الوقوف بعرفة يتحلل بطواف وسعي وحَلْق.\n_________\n(^١) إسناده ضعيف لانقطاعه؛ لأن سليمان لم يُدْرِك زمن القصة، ولم يُنْقَل أن أبا أيوب أخبره بها. «التلخيص» (٢/ ٥٥٥). أخرجه مالك (١١٣٣) عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سليمان، به.\n(^٢) «المغني» (٥/ ٤٢٦). والأفعال واحدة، والفارق بين القولين أن مَنْ قال: (يتحلل بعمرة) أن يَصِير إحرام الحج إحرامًا بعمرة، بحيث يُجْزئه عن عُمْرة الإسلام إن لم يكن اعتَمَر. والقول الآخَر: أن هذه الأفعال لا تُجْزئ عن العمرة، فرضًا ولا نفلًا.\n(^٣) «المهذب» (١/ ٤٢٥)، و«المغني» (٥/ ٤٢٥).","vol":"1","page":434},{"text":"<span data-type='title' id=toc-592>المبحث الثاني: إتمام الحج الفاسد:</span>\nمَنْ أَفْسَد حجه، فهل يجب عليه إتمامه؟ أم يَخرج منه ولا يُتمه لفساده؟\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: وجوب إتمام الحج الفاسد. وهو قول المذاهب الأربعة (^١).\nواستدلوا بعموم قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوجه الدلالة: أن الله أَمَر بالإتمام، ولم يُفَرِّق بين الصحيح والفاسد.\nالقول الثاني: أنه لا يُشْرَع إتمام الحج الفاسد. وهو قول الظاهرية. (^٢)\nالقول الثالث: أنه يتحلل بعمرة. وهو رواية عند الحنابلة (^٣).\nوالراجح: وجوب إتمام الحج الفاسد، كَمَنْ جامع في عرفة؛ لأن الله أَمَر بالإتمام، ولم يُفَرِّق بين الصحيح والفاسد. وأما مَنْ فاته الوقوف بعرفة، فإنه يتحلل بطواف وسعي وحَلْق.\n\n<span data-type='title' id=toc-593>المبحث الثالث: هل يَلزم مَنْ فاته الحجُّ القضاءُ؟</span> وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حُكْم قضاء الحج الواجب:\nنَقَل غير واحدٍ الإجماع على أن مَنْ فاته الحج الواجب، لزمه القضاء (^٤).\nوإذا قَضَى أجزأه القضاء عن الحجة الواجبة، بالإجماع (^٥).\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢١٨)، و«المُدوَّنة» (١/ ٦٩٠)، و«الأم» (٢/ ١٣٠)، و«المغني» (٥/ ٤٢٥).\n(^٢) قال ابن حزم: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إن الله لا يصلح عمل المفسدين [يونس: ٨١] فَمِنَ الْخَطَأِ تَمَادِيهِ عَلَى عَمَلٍ لَا يُصْلِحُهُ اللَّهُ؟﷿؛ لِأَنَّهُ مُفْسِدٌ بِلَا خِلَافٍ مِنَّا وَمِنْهُمْ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْحَجَّ إِنَّمَا يَجِبُ مَرَّةً. وَمَنْ أَلْزَمَهُ التَّمَادِيَ عَلَى ذَلِكَ الْحَجِّ الْفَاسِدِ، ثُمَّ أَلْزَمَهُ حَجًّا آخَرَ، فَقَدْ أَلْزَمَهُ حَجَّتَيْنِ، وَهَذَا خِلَافُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ مَنْ أَبْطَلَ صَلَاتَهُ أَنَّهُ لَا يَتَمَادَى عَلَيْهَا، فَلِمَ أَلْزَمُوهُ التَّمَادِيَ عَلَى الْحَجِّ؟! «المُحَلَّى» (٥/ ٢٠٢).\n(^٣) «الإنصاف» (٣/ ٤٩٥).\n(^٤) قال ابن رُشْد: وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِيهِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ إِذَا كَانَ حَجًّا وَاجِبًا. «بداية المجتهد» (٢/ ١٣٣). ونَقَل الإجماع: ابن مفلح في «المبدع» (٣/ ١٩١)، وابن نُجَيْم في «البحر الرائق» (٣/ ٦١).\n(^٥) منهم ابن قُدامة في «المغني» (٣/ ٤٥٥)، والجَصَّاص في «أحكام القرآن» (١/ ٣٤٨).","vol":"1","page":435},{"text":"المطلب الثاني: حُكْم قضاء الحج النفل:\nنُقِل الإجماع على أن المُفسِد لحِجة التطوع أو عُمرته عليه القضاء (^١).\nوهذا الإجماع منخرم؛ فهذا قول جماهير العلماء (^٢).\nواستدلوا بعموم قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]\nقال عمر في الذي يَفوته الحج: يَحِلُّ بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ. وفي رواية: قَالَ الأَسْوَدُ: مَكَثْتُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ عُمَرَ.\nواستدلوا بالقياس على النذر، فهو لا يجب بأصل الشرع، بل المكلف أوجبه على نفسه، فكذا حج النفل، مَنْ دَخَل فيه وجب عليه إتمامه. وَلَمَّا وَجَبَ بِالدُّخُولِ، صَارَ بِمَنْزِلَةِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالنَّذْرِ، فَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ قَبْلِ إِتْمَامِهِ (^٣).\nالقول الآخَر: إذا فسد حج التطوع، فلا يجب عليه القضاء. وهذا مذهب المالكية في رواية، والحنابلة في رواية، وهو قول ابن حزم (^٤).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا» فالحج لا يجب إلا مرة في العمر، فلو وجب قضاء النافلة، لكان الحج واجبًا أكثر من مرة.\nولأنها عبادةُ تَطَوُّعٍ، فلم يجب قضاؤها، كسائر التطوعات.\nونوقش بأن المراد بالواجب في الحديث هو الواجب بأصل الشرع. ولأن الحج يَلزم بالشروع فيه، فيَصير كالمنذور، بخلاف سائر التطوعات.\nوالراجح: أنه يجب عليه القضاء؛ لأن الإنسان إذا شَرَع في النسك صار واجبًا، وهذا من خصائص الحج والعمرة، أن نفلهما يجب المضي فيه، بخلاف غيرهما، فهو لَمَّا شَرَع وأَحْرَم بالحج أو بالعمرة صار ذلك واجبًا، كأنما نذره نذرًا، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].\n_________\n(^١) «الاستذكار» (٣/ ٣٥٨).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢١٧)، و«المُدوَّنة» (١/ ٦٩٠)، و«الأم» (٢/ ١٣٠)، و«المغني» (٥/ ٤٢٦).\n(^٣) «أحكام القرآن» للجَصَّاص (١/ ٣٤٨)، و«المغني» (٥/ ٤٢٧).\n(^٤) «هداية السالك» (٣/ ٣١٢)، و«المغني» (٥/ ٤٢٧)، و«الإنصاف» (٣/ ٤٩٦)، و«المُحَلَّى» (٧/ ٢٧٥).","vol":"1","page":436},{"text":"فيجب القضاء، سواء كان ذلك تطوعًا أو واجبًا بأصل الشرع وهو الفريضة، أو بالنذر؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» وعليه هَدْي في عام القضاء (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-594>المبحث الرابع: الهَدْي، وفيه ثلاثة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-595>المطلب الأول: هل يَلزم مَنْ فاته الوقوف بعرفة هَدْي؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: مَنْ فاته الحج يَلزمه هَدْي. وهذا قول المالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور:\nأما السُّنة، فاستدلوا بما رواه عطاء مرسلًا: «مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ، فَعَلَيْهِ دَمٌ».\nوأما المأثور، فاستدلوا بأن عمر قال لأبي أيوب حين فاته الحج: اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ، فَإِذَا أَدْرَكْتَ الْحَجَّ قَابِلًا فَحُجَّ وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.\nوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَجُّ: فَإِنْ أَدْرَكَهُ الْحَجُّ قَابِلًا، فَلْيَحُجَّ إِنِ اسْتَطَاعَ وَلْيُهْدِ (^٣).\nالقول الآخَر: لا يجب الدم على مَنْ فاته الوقوف بعرفة. وهو مذهب الحنفية ورواية عن أحمد (^٤).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» قالوا: فليس في الحديث أن عليه هديًا.\nوالراجح: وجوب الهَدْي على مَنْ فاته الوقوف بعرفة؛ جبرًا للخلل الذي وقع؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولقول عمر بن الخطاب وابن عمر، ولم يُعْرَف لهما من الصحابة مُخالِف. وإيجاب الدم بالقياس على المُحصَر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولا يجزئ ذبح هَدْي الفوات إلا بالحَرَم.\n_________\n(^١) «الشرح الممتع» (٧/ ٤١٣).\n(^٢) «مواهب الجليل» (٤/ ٣٠١)، و«المجموع» (٨/ ٢٨٥)، و«الإنصاف» (٤/ ٦٤).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه الشافعي (٩٩٣) عن موسى بن عُقبة، عن نافع، عن ابن عمر، به.\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٢٠)، و«المبدع» (٣/ ٢٤٤).","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type='title' id=toc-596>المطلب الثاني: زمان ذبح هَدْي الفوات:</span>\nاختلف أهل العلم في زمان ذبح دم الفوات على قولين:\nالقول الأول: أنه يجب تأخيره إلى سَنة القضاء. وهو مذهب المالكية، والشافعية في المشهور، والحنابلة (^١).\nواستدلوا بأن عمر قال لأبي أيوب حين فاته الحج: اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ، ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ، فَإِذَا أَدْرَكْتَ الْحَجَّ قَابِلًا فَحُجَّ وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.\nوعَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَجُّ: فَإِنْ أَدْرَكَهُ الْحَجُّ قَابِلًا، فَلْيَحُجَّ إِنِ اسْتَطَاعَ وَلْيُهْدِ.\nالقول الآخَر: أنه لا يجب تأخيره إلى سَنة القضاء. وهو مذهب الشافعية في قول (^٢).\nوالراجح: قول جمهور العلماء، أي أنه يجب تأخير الهَدْي إلى سَنة القضاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-597>المطلب الثالث: العجز عن هَدْي الفوات:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن مَنْ فاته الحج إذا عجز عن الهَدْي، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. وبهذا قال المالكية والشافعية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بما رُوي عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَجُّ: فَإِنْ أَدْرَكَهُ الْحَجُّ قَابِلًا، فَلْيَحُجَّ إِنِ اسْتَطَاعَ وَلْيُهْدِ فِي حَجِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ.\nفالحاصل: أن مَنْ فاته الوقوف بعرفة، بأن طلع عليه الفجر وهو لم يقف، فإنه يتحلل بعمل عمرة يطوف ويسعى ويَحلق، وعليه القضاء من العام القابل ويَذبح شاة، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، والله أعلم.\n•١•\n_________\n(^١) «مواهب الجليل» (١/ ٢٠٣)، و«المهذب» (١/ ٤٢٧)، و«الفروع» (٦/ ٧٧).\n(^٢) «المجموع» (٧/ ٤٩٩).\n(^٣) «المُنتقَى» (٣/ ٨٩)، و«فتح العزيز شرح الوجيز» (٨/ ٨٣)، و«الكافي» (١/ ٥٣٤).","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type='title' id=toc-598>الفصل السادس\nالإحصار\nوفيه تمهيد وستة مباحث:</span>\nالتمهيد: معنى الإحصار.\nالمبحث الأول: ما المانع الذي يتحقق به الإحصار؟\nالمبحث الثاني: شروط وجوب دم الإحصار عن الوقوف بعرفة.\nالشرط الأول: ألا يكون محصورًا عن الوقوف بعرفة أو الإفاضة. وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: ألا يكون قد وقف بعرفة قبل حدوث المانع من المتابعة.\nالمطلب الثاني: الإحصار عن طواف الإفاضة.\nالمطلب الثالث: الإحصار عن واجب من واجبات الحج.\nالمطلب الرابع: وقت الإحصار عن العمرة.\nالشرط الثاني: أن ييأس من زوال المانع.\nالشرط الثالث: أن يكون الإحصار بعد الإحرام، وقبل الوصول إلى البيت.","vol":"1","page":439},{"text":"المبحث الثالث: وقت إحلال المُحْصَر.\nالمبحث الرابع: حكمة مشروعية التحلل.\nالمبحث الخامس: كيفية تحلل المُحصَر. وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: نية التحلل.\nالمطلب الثاني: ذَبْح هدي الإحصار. وفيه أربع مسائل:\nالمسألة الأولى: مكان إجزاء ذبح هَدْي الإحصار.\nالمسألة الثانية: زمان ذبح هَدْي الإحصار.\nالمسألة الثالثة: العجز عن دم الإحصار.\nالمسألة الرابعة: الأكل من هَدْي الإحصار.\nالمطلب الثالث: الحلق أو التقصير.\nالمبحث السادس: اشتراط التحلل من الإحصار. وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: ما يَلزم المُحْصَر إذا اشتَرط.\nالمطلب الثاني: حُكْم المُحْصَر إذا وقع في بعض محظورات الإحرام قبل التحلل.\nالمطلب الثالث: القضاء على مَنْ أُحْصِرَ.","vol":"1","page":440},{"text":"الفصل السادس: الإحصار\nوفيه تمهيد ومبحثان:\n\n<span data-type='title' id=toc-599>التمهيد: معنى الإحصار:</span> هو مَنْع المُحْرِم مِنْ إتمام أركان الحج أو العمرة (^١).\n<span data-type='title' id=toc-600>المبحث الأول: ما المانع الذي يتحقق به الإحصار؟</span> وفيه مطلبان:\n<span data-type='title' id=toc-601>المطلب الأول: الإحصار بالعدو:</span>\nالإحصار يَحصل بالعدو، بالكتاب والسُّنة والإجماع:\nأما القرآن، فاستُدل بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nفسبب نزول الآية هو صد المشركين رسول الله ﷺ وأصحابه عن البيت.\nوأما السُّنة، فَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ حُصِرُوا فِي الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ يَنْحَرُوا وَيَحْلِقُوا وَيَحِلُّوا (^٢).\nوأما الإجماع، فقال ابن قُدَامة: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا حَصَرَهُ عَدُوٌّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ، فَمَنَعُوهُ الْوُصُولَ إِلَى الْبَيْتِ، وَلَمْ يَجِدْ طَرِيقًا آمِنًا؛ فَلَهُ التَّحَلُّلُ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-602>المطلب الثاني: الإحصار بالمرض وغيره:</span>\nاختَلف العلماء في المانع الذي يتحقق به الإحصار غير الإحصار بالعدو على قولين:\nالقول الأول: أن الإحصار يتحقق بكل حابس يَحبس المُحْرِم عن المضي في موجب الإحرام، فالإحصار كل ما صَدَّ المُحْرِم ومَنَعه عن الوصول إلى البيت، من عدو أو مرض أو غير ذلك. وهذا مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (^٤).\nواستدلوا بالقرآن والسُّنة والمأثور والقياس:\nأما القرآن، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوَجْه الدلالة: أن لفظ الإحصار مطلق، لم يُقيَّد، فيَدخل فيه العدو والمرض ونحوهما.\n_________\n(^١) «نهاية المحتاج» (٣/ ٣٦٢).\n(^٢) رواه البخاري (٢٧٣١) في حديث طويل، وفيه: فَقَالَ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا».\n(^٣) «المغني» (٥/ ١٩٤) فالمُحْصَر بعَدُوّ له أن يتحلل باتفاق العلماء. «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٢٧).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٧٥)، و«المغني» (٥/ ٢٠٣)، و«المُحَلَّى» (٧/ ٢٠٣).","vol":"1","page":441},{"text":"وأما السُّنة، فعن عكرمة قال: سَمعتُ الحَجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ». قال عكرمة: سألتُ ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك، فقالا: صَدَق.\nوَجْه الدلالة: أن المُحْرِم إذا عَرَض له ما يَحبسه عن الحج، من مرض أو كَسْر، فإنه يحل وإن لم يَشترط، ولا شيء عليه من هَدْي ولا غيره إلا القضاء من العام المقبل (^١).\nواعتُرض عليه بأن معنى (فقد حَلَّ) أي: صار ممن يَجوز له التحلل بعد أن كان ممنوعًا منه، ويَلزمه ما يَلزم المُحْصَر من هَدْي.\nوأما المأثور، فَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: خَرَجْنَا عُمَّارًا، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ السُّقُوفِ لُدِغَ صَاحِبٌ لَنَا، فَاعْتَرَضْنَا الطَّرِيقَ لِنَسْأَلَ، فَإِذَا ابْنُ مَسْعُودٍ فِي رَكْبٍ، فَقُلْنَا: لُدِغَ صَاحِبٌ لَنَا! فَقَالَ: «اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ صَاحِبِكُمْ يَوْمَ أَمَارَةٍ، وَيُرْسِلُ بِالْهَدْيِ، فَإِذَا نُحِرَ الْهَدْيُ فَلْيُحِلَّ، وَعَلَيْهِ الْعُمْرَةُ» (^٢).\nوأما القياس، فإن المعنى الذي لأجله ثَبَتَ حق التحلل للْمُحْصَر بالعدو- موجود كذلك في المرض.\nالقول الآخَر: مَنْ تَعَذَّرَ عليه الوصول إلى البيت بحاصر آخَر غير العدو، كالحصر بالمرض أو ذَهاب النفقة ونحوه، فإنه لا يَجوز له التحلل إلا بعمل العمرة. وهو مذهب المالكية والشافعية، وهو المشهور عند الحنابلة (^٣).\nواستدلوا بالقرآن والسُّنة والمعقول:\nأما القرآن، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوَجْه الاستدلال من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ يدل على أن الإحصار من العدو، وإنما يكون من المرض الشفاء.\n_________\n(^١) وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ فَقَالَتْ: مَنْ أُحْصِرَ بِمَرَضٍ أَوْ كَسْرٍ أَوْ عَرَجٍ، فَقَدْ حَلَّ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي عَرَضَ لَهُ هَذَا فِيهِ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ. وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا: أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ. «الاستذكار» (١٢/ ٩٧).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٠٧٨): عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمَيْر، به.\n(^٣) «الإشراف» (١/ ٥٠٤)، قال مالك: وذلك الأمر عندنا فيمن أُحْصِرَ بغير عدو. «الموطأ» (٢/ ٤٢٩).","vol":"1","page":442},{"text":"الثاني: أن الله خاطب الجماعة بالإحصار بقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ وحَصْر الجماعة لا يكون إلا بالعدو. أما المرض فيُحْصَر به الواحد فقط.\nالثالث: أن هذه الآية نَزَلَتْ في غزوة الحُديبية، وذلك إحصار عدو (^١).\nونوقش بأنه وإن كان نزول الآية خاصًّا بالحُديبية، حين تَعَرَّضَ المشركون للمسلمين ومنعوهم من الوصول إلى البيت، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلفظ الآية عامّ في كل إحصار، سواء كان بعدو أو مرض أو نحو ذلك.\nوأما السُّنة، فَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: «لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الحَجَّ؟» قَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً! فَقَالَ لَهَا: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي».\nوَجْه الدلالة: أن ضُبَاعَة لو كان لها أن تحل بالمرض من غير شرط، لأَخْبَرها ﷺ بذلك، ولم يُعلقها بالشرط.\nونوقش بأن الاشتراط يكون لمن يشكو المرض قبل سفره، وأما مَنْ لم يَشْكُ المرض قبل سفره، بل شكاه بعده، فإنه يُعَد مُحْصَرًا بمرضه وله التحلل.\nورَوى البخاري: عَنْ سَالِم قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: «أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الحَجِّ، طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا» (^٢).\nوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (^٣).\nوَعَنْ أَبِي الْعَلَاءِ قَالَ: خَرَجْتُ مُعْتَمِرًا، فَلَمَّا كُنْتُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ صُرِعْتُ عَنْ رَاحِلَتِي، فَانْكَسَرَتْ رِجْلِي، فَأَرْسَلْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، فَقَالَا: إِنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ كَوَقْتِ الْحَجِّ، لَا يَحِلَّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فَأَقَمْتُ بِالدَّثِينَةِ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ أَوْ ثَمَانيَةَ أَشْهُرٍ (^٤).\n_________\n(^١) «الأم» (٣/ ٤٠٨).\n(^٢) «صحيح البخاري» (١٨١٠).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (١٠٤٧) عن ابن شِهَاب، عن سالم، عن ابن عمر، به.\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٢٤٢) قال: حَدَّثَنا ابن عُلَيَّة، عن أيوب، عن أبي العلاء، به. والدَّثِينة: موضع بالشأم أو بعدن.","vol":"1","page":443},{"text":"وَجْه الدلالة: أن المُحْرِم الذي يَمرض ولا يَقدر أن يصل إلى البيت- يَظل على إحرامه، فإذا برأ أتى البيت فيطوف ويسعى. فدل ذلك على أنه لا يحل لمُحْصَر أن يحل دون البيت بسبب المرض إلا مَنْ أحصره العدو.\nوَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَابْنَ الزُّبَيْرِ- أَفْتَوْا سَعِيدًا الْمَخْزُومِيَّ حِينَ صُرِعَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، بِأَنْ يَتَدَاوَى بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَيَفْتَدِيَ، فَإِذَا صَحَّ اعْتَمَرَ فَحَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا وَيُهْدِيَ (^١).\nوأما المعقول، فإن الإحصار بالعدو يَطُول، فيَحتاج المُحْرِم إلى التحلل، ويَصعب عليه الوصول إلى البيت. بينما العِلل العارضة في الأبدان كالمرض، بخلاف ذلك.\nالراجح: أن الإحصار هو كل ما يَمنع المُحْرِم من الوصول إلى البيت، فيتحقق بكل حابس يَحبس المُحْرِم عن المضي في موجب الإحرام، سواء كان الحابس مرضًا أو ذَهاب النفقة أو غير ذلك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولَفْظ الإحصار مُطْلَق، لم يُقَيَّد، فيَدخل فيه العدو والمرض ونحوهما.\nفكيف يُكَلَّف المُحْرِم البقاء على حال الإحرام، ومَنْعه من الثياب والطِّيب، هذه المدةَ الطويلة، والله يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فمَن مُنع من إتمام نسكه لعدم حمله تصريحًا، إن اشترط حل ولا شيء عليه، وإذا لم يَشترط فحُكمه حُكم المُحْصَر.\n\n<span data-type='title' id=toc-603>المبحث الثاني: شروط وجوب دم الإحصار عن الوقوف بعرفة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-604>الشرط الأول: ألا يكون محصورًا عن الوقوف بعرفة أو الإفاضة.</span> وفيه أربعة مطالب:\n<span data-type='title' id=toc-605>المطلب الأول: ألا يكون قد وقف بعرفة قبل حدوث المانع من المتابعة.</span> فلا يكون محصورًا حتى يفوته الوقوف بعرفة، فإذا فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية (^٢). لعموم قوله ﷺ: «الحَجُّ عَرَفَةُ» لأنه الركن الذي يَفوت الحج بفواته.\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه مالك (١٠٤٨)، والشافعي في «الأم» (٣/ ٤١٠) واللفظ له.\n(^٢) «تبيين الحقائق» (٢/ ٨١)، و«بُلْغَة السالك» (٢/ ١٣٠)، و«الحاوي» (٤/ ٣٤٩).","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type='title' id=toc-606>المطلب الثاني: الإحصار عن طواف الإفاضة:</span>\nاختَلف العلماء فيمن وَقَف بعرفة، ثم أُحْصِرَ عن البيت على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: لا يكون مُحْصَرًا، وعليه القيام بأعمال الحج، ويَظل مُحْرِمًا في حق النساء حتى يطوف طواف الإفاضة. وهذا مذهب الحنفية والمالكية (^١).\nلأنه لما وقف بعرفة وأمكنه التحلل بالحلق يوم النحر عن كل محظور سوى النساء، فلم يَلزم امتداد الإحرام الموجب للحرج، ولم يَبْقَ عليه إلا الإفاضة التي يصح الإتيان بها في أي وقت من الزمان، ولا يَعجز المُحْصَر عن ساعة من ليل أو نهار يجد بها فرصة قدر الطواف، مختفيًا في زمان قدر شهر، والمنع من النساء في هذا المقدار لا يَستلزم حرجًا يبيح الإحلال مطلقًا بغير الطريق الأصلي (^٢).\nالقول الثاني: أنه يكون مُحْصَرًا ويتحلل. وهذا مذهب الشافعية في الأظهر (^٣).\nالقول الثالث: أنه إن أُحْصِرَ عن البيت بعد الوقوف بعرفة، قبل رمي الجمرة، فله التحلل. وإن أُحْصِرَ عن طواف الإفاضة بعد رمي الجمرة، فليس له أن يتحلل؛ لأنه فمتى ما زال الحصر أتى بالطواف وقد تم حجه. وهذا مذهب الحنابلة (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-607>المطلب الثالث: الإحصار عن واجب من واجبات الحج:</span>\nإذا أُحْصِرَ عن واجب فلا يتحلل؛ لأنه يمكن جبره بالدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-608>المطلب الرابع: وقت الإحصار عن العمرة:</span>\nيَجوز للمُحْرِم بالعمرة التحلل عند الإحصار بعد ذبح هديه.\nقال النووي: وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ بِالْعُمْرَةِ التَّحَلُّلُ عِنْدَ الْإِحْصَارِ بِلَا خِلَافٍ، وَدَلِيلُ التَّحَلُّلِ وَإِحْصَارِ الْعَدُوِّ نَصُّ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي تَحَلُّلِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ\n_________\n(^١) «البحر الرائق» (٣/ ٦٠)، و«التاج والإكليل» (٣/ ١٩٩).\n(^٢) «فتح القدير» (٣/ ١٣٤).\n(^٣) «الحاوي» (٤/ ٣٤٩).\n(^٤) «الإنصاف» (٤/ ٥٠).","vol":"1","page":445},{"text":"عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانُوا مُحْرِمِينَ بِعُمْرَةٍ، وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-609>الشرط الثاني: أن ييأس من زوال المانع.</span>\nقال مالك: وَمَنْ حُصِرَ فَيَئِسَ مَنْ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْبَيْتِ بِفِتْنَةٍ نَزَلَتْ أَوْ لِعَدُوٍّ غَلَبَ عَلَى الْبِلَادِ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذَّهَابِ إِلَى مَكَّةَ، وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَهُوَ مَحْصُورٌ. وَإِنْ كَانَ عَدُوًّا يَرْجُو أَنْ يَنْكَشِفَ قَرِيبًا، رَأَيْتُ أَنْ يَتَلَوَّمَ، فَإِنِ انْكَشَفَ ذَلِكَ، وَإِلَّا صَنَعَ مَا يَصْنَعُ الْمَحْصُورُ، وَرَجَعَ إلَى بِلَادِهِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-610>الشرط الثالث: أن يكون الإحصار بعد الإحرام، وقبل الوصول إلى البيت</span>؛ لأنه إذا عَرَض ما يَمنع من أداء النسك ولم يكن أَحْرَم، فلا يَلزمه شيء.\n<span data-type='title' id=toc-611>المبحث الثالث: وقت إحلال المُحْصَر:</span>\nاختَلف العلماء في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أن المُحْصَر يَحِل مطلقًا حين يُحْصَر، بعد أن ذبح هديه ويَحلق. وهو مذهب أبي حنيفة والمالكية والشافعية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة:\nأما الكتاب، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nفالمُحْصَر يحل مطلقًا حين يُحْصَر، بعد ذبح ما استيسر من الهَدْي وحَلْق رأسه.\nوأما السُّنة، فَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ حُصِرُوا فِي الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ يَنْحَرُوا وَيَحْلِقُوا وَيَحِلُّوا (^٤).\n_________\n(^١) «المجموع» (٨/ ٢٩٤).\n(^٢) «المُدوَّنة» (١/ ٤٣٩). وقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَحَبَسَهُ سُلْطَانٌ: فَإِنْ كَانَ لِحَبْسِهِ غَايَةٌ يَرَى أَنَّهُ يَدْرِك مَعَهَا الْحَجَّ، وَكَانَتْ طَرِيقُهُ آمِنَةً بِمَكَّةَ، لَمْ يَحْلِلْ، فَإِنْ أُرْسِلَ مَضَى. وَإِنْ كَانَ حَبْسُهُ مَغِيبًا عَنْهُ، لَا تُدْرَى غَايَتُهُ، أَوْ كَانَتْ لَهُ غَايَةٌ لَا يُدْرِكُ مَعَهَا الْحَجَّ إِذَا أُرْسِلَ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ الْمُضِيُّ إِلَى بَلَدِهِ؛ فَلَهُ أَنْ يَحِلَّ كَمَا يَحِلُّ الْمُحْصَرُ. «الأم» (٣/ ٤٠٧).\n(^٣) «المبسوط» (٤/ ١٠٩)، و«المُدوَّنة» (١/ ٢٩٧)، و«الأم» (٢/ ٢١٨)، و«الكافي» (٢/ ٤٦٦).\n(^٤) رواه البخاري (٢٧٣١) في حديث طويل، وفيه: فقال ﷺ لأصحابه: «قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا».","vol":"1","page":446},{"text":"القول الآخَر: أن المُحْصَر في العمرة يحل مطلقًا حين يُحْصَر، بعد أن ذبح هديه ويَحلق، بخلاف المُحْصَر في الحج، فلا يحل إلا يوم النحر. وهو قول أبي يوسف ومحمد صاحبَي أبي حنيفة، وأَشْهَب من المالكية، ورواية عن أحمد (^١).\nواستدلوا بِأَنَّ لِلْهَدْيِ مَحِلَّ زَمَانٍ وَمَحِلَّ مَكَان، فَإِنْ عَجَزَ مَحِلُّ الْمَكَانِ فَسَقَطَ، بَقِيَ مَحِلُّ الزَّمَانِ وَاجِبًا لِإِمْكَانِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ نَحْرُ الْهَدْيِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، لَمْ يَجُزِ التَّحَلُّلُ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] (^٢).\nواعتُرض عليه بأن هذا استدلال مقابل النص؛ إذ دل على أن المُحْصَر يحل مطلقًا حين يُحْصَر، بعد أن ذَبَح هديه وحَلَق رأسه، وأن التحلل شُرِع للتخفيف والتيسير.\nوإذا قيل بتأجيل التحلل إلى يوم النحر، فهذا فيه مشقة على المُحْرِم، خاصة إذا كان قد أُحْصِرَ في أول أيام أشهر الحج، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وعلى هذا فمَن مُنع من نسكه لعدم حمله تصريحًا ولم يَشترط، فحُكمه حُكم المُحْصَر، يَنحر هديه ويَحلق ويحل، فمَن لم يجد الهَدْي فإنه يصوم.\n\n<span data-type='title' id=toc-612>المبحث الرابع: حكمة مشروعية التحلل:</span>\nشَرَع الله التحلل لحاجة المُحْصَر إليه، ورَفْع للحرج والضرر عنه؛ حتى لا يَظل مُحْرِمًا إلى أن يندفع عنه المانع من إتمام الحج أو العمرة (^٣).\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ١٠٩)، و«تفسير القرطبي» (٢/ ٣٧٦)، و«شرح العمدة» (٢/ ٣٧٢).\n(^٢) «المغني» (٥/ ١٩٨).\n(^٣) وقال الكاساني: المُحْصَر محتاج إلى التحلل؛ لأنه مُنِع عن المضي في موجب لإحرام على وجه لا يمكنه الدفع، فلو لم يَجُز له التحلل لبقي مُحْرِمًا لا يحل له ما حظره الإحرام، إلى أن يزول المانع، فيمضي في موجب الإحرام، وفيه من الضرر والحرج ما لا يخفى. فمست الحاجة إلى التحلل والخروج من الإحرام؛ دفعًا للضرر والحرج، وسواء كان الإحصار عن الحج أو عن العمرة، أو عنهما، عند عامة العلماء. «بدائع الصنائع» (٢/ ١٧٧).","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type='title' id=toc-613>المبحث الخامس: كيفية تحلل المحصر: وفيه ثلاثة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-614>المطلب الأول: نية التحلل:</span>\nفَالتَّحَلُّلُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِنِيَّةِ الْإِحْلَالِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْإِحْرَامِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».\n\n<span data-type='title' id=toc-615>المطلب الثاني: ذَبْح هَدْي الإحصار:</span> وفيه خمسة فروع:\nالأول: اختَلف العلماء على قولين فيمن حَصَرَه عدو عن النسك: هل يَلزمه دم؟\nالقول الأول: يجب الدم على المُحْصَر مطلقًا، سواء أكان الإحصار بعدو أو بمرض. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بالقرآن والسُّنة:\nأما القرآن، فعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوَجْه الدلالة: فَأَمَرَ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَجَعَلَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ قَائِمًا مَقَامَ الْإِتْمَامِ (^٢).\nوأما السُّنة: فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ …» (^٣).\nوَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ حُصِرُوا أَنْ يَنْحَرُوا وَيَحْلِقُوا وَيَحِلُّوا (^٤).\nقال البغوي: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا أُحْصِرَ عَنِ الْحَجِّ بِعَدُوٍّ، أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ، وَهُوَ دَمُ شَاةٍ، يَذْبَحُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ، ثُمَّ يَحْلِقَ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَلَا يَجْعَلُ التَّحَلُّلَ لِمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ حَتَّى يَذْبَحَهُ (^٥).\n_________\n(^١) «البناية» (٤/ ٤٣٧)، و«المهذب» (١/ ٤٢٦)، و«كشاف القناع» (٢/ ٦١٠).\n(^٢) «شرح العمدة» (٢/ ٣٦٨).\n(^٣) رواه البخاري (٢٧٠١). وروى البخاري أيضًا (١٨٠٩): عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا».\n(^٤) روى البخاري (٢٧٣١) في حديث طويل، وفيه: فقال ﷺ لأَصحابه: «قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا».\n(^٥) «شرح السُّنة» (٧/ ٢٨٥).","vol":"1","page":448},{"text":"القول الآخَر: لا يجب على المُحْصَر بعدوٍّ دم. وهو مذهب المالكية (^١).\nواستدلوا بأن المُحْصَر تَحَلَّل من عبادة لم يَدخل عليه منها تفريط، فكيف يجب عليه هَدْي؟! وأن المُحْصَر قد شُرِع له التحلل والخروج من الحج تخفيفًا عنه، فناسب ذلك عدم إيجاب الدم عليه.\nونوقش بما قاله ابن قُدامة: وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ: لَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ؛ لِأَنَّهُ تَحَلُّلٌ أُبِيحَ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، أَشْبَهَ مَنْ أَتَمَّ حَجَّهُ.\nوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا خِلَافَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَصْرِ الْحُدَيْبِيَةِ؛ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ التَّحَلُّلُ قَبْلَ إتْمَامِ نُسُكِهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، كَاَلَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَنْ أَتَمَّ حَجَّهُ (^٢).\nالفرع الثاني: مكان إجزاء ذبح هَدْي الإحصار:\nاختَلف أهل العلم في مكان إجزاء ذبح دم الإحصار على قولين:\nالقول الأول: يجزئ ذبح الهَدْي عن الإحصار بالموضع الذي حُصِرَ فيه، سواء كان في الحِل أو في الحَرَم. وهو مذهب المالكية والشافعية، ورواية عند الحنابلة (^٣).\nواستدلوا بالسُّنة والمعقول:\nأما السُّنة، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ …» (^٤).\nواستدلوا بأن النبي ﷺ نَحَر هديه بالحُديبية حيث أُحْصِرَ، وهي خارج الحرم.\nوأما المعقول، فإِنَّ المُحْصَر مُنع من الوصول إلى البيت، فيتعذر الذبح عنده، ولا يحل\n_________\n(^١) «المُدوَّنة» (١/ ٣٩٧). وقال الخَرَشِيّ: الْمُحْصَرُ لَا هَدْيَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. «شرح خليل» (٨/ ٣٠٣).\n(^٢) «المغني» (٥/ ١٩٥).\n(^٣) «مواهب الجليل» (٤/ ٢٩٤)، و«المجموع» (٨/ ٢٩٨، ٢٩٩)، و«المغني» (٥/ ١٩٧).\nقال البغوي: والهدايا كلها يَختص ذبحها بالحرم، إلا هَدْي المُحْصَر؛ فإن محل ذبحه حيث يُحْصَر، عند أكثر أهل العلم. «شرح السُّنة» (٧/ ٢٨٥).\n(^٤) رواه البخاري (٢٧٠١). وروى البخاري أيضًا (١٨٠٩): عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا».","vol":"1","page":449},{"text":"إلا بعد النحر، فيَشق عليه أن يَمكث بملابس الإحرام (^١).\nالقول الآخَر: لا يجزئ ذبح الهَدْي عن الإحصار إلا بالحَرَم. وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد (^٢).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] فهذان الدليلان وغيرهما يدلان على أنه لا يجزئ ذبح الهدي إلا بالحرم.\nونوقش هذان الاستدلالان من وجهين:\nالأول: أن هذا في حق غير المُحْصَر؛ لأن المُحْصَر يُمْنَع من الوصول إلى البيت، فيتعذر الذبح عنده. ولأن النبي ﷺ نَحَر هديه بالحُديبية حيث أُحْصِرَ، وهي خارج الحرم.\nالثاني: أن النبي ﷺ شَرَع لمن أراد الحج واشتكى أن يقول: «اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» فتَعَيَّن أن يكون المَحِل حيث حُبِسَ.\nالفرع الثالث: متى يَذبح المُحْصَر هَدْي الإحصار:\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه يَجوز ذبح هَدْي الإحصار قبل يوم النحر. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعية، والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة والقياس:\nأما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوَجْه الدلالة: أن الله لم يَخص في الآية وقتًا دون وقت لنَحْر الهَدْي.\nوأما السُّنة، فاستدلوا بقول النبي ﷺ لأصحابه: «قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا» (^٤).\n_________\n(^١) قال ابن قُدامة: لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى تَعَذُّرِ الْحِلِّ؛ لِتَعَذُّرِ وُصُولِ الْهَدْيِ إِلَى مَحِلِّهِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ نَحَرُوا هَدَايَاهُمْ فِي الْحُدَيْبِيَةِ، وَهِيَ مِنَ الْحِلِّ. «المغني» (٥/ ١٩٧).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٧٨)، و«شرح الزركشي» (٣/ ٣٧٣).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٨٠)، و«المجموع» (٨/ ٣٠٤)، و«المغني» (٣/ ٣٢٨).\n(^٤) رواه البخاري (٢٧٣١).","vol":"1","page":450},{"text":"وأما القياس، فاستدلوا بأَنَّ التَّحَلُّلَ مِنَ الْمُحْصَرِ تَحَلُّلٌ قَبْلَ أَوَانِ التَّحَلُّلِ، يُبَاحُ لِضَرُورَةِ دَفْعِ الضَّرَرِ بِبَقَائِهِ مُحْرِمًا؛ رُخْصَةً وَتَيْسِيرًا، فَلَا يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ، كَالطَّوَافِ الَّذِي يَتَحَلَّلُ بِهِ فَائِتُ الْحَجِّ؛ إِذِ الْمُحْصَرُ فَائِتُ الْحَجِّ (^١).\nالقول الآخَر: أنه لا يَجوز ذبح هَدْي الإحصار إلا يوم النحر. وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، وهو رواية عند الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بِأَنَّ لِلْهَدْيِ مَحِلَّ زَمَانٍ وَمَحِلَّ مَكَانٍ، فَإِنْ عَجَزَ مَحِلُّ الْمَكَانِ فَسَقَطَ، بَقِيَ مَحِلُّ الزَّمَانِ وَاجِبًا لِإِمْكَانِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ نَحْرُ الْهَدْيِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، لَمْ يَجُزِ التَّحَلُّلُ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] (^٣).\nوالراجح: أنه يَجوز ذبح هَدْي الإحصار قبل يوم النحر؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهذا يقتضي جواز نحره عَقيب الإحصار، ولم يَخص الله وقتًا دون وقت لنحر الهَدْي للمُحْصَر. وكذا لفِعل النبي ﷺ وأصحابه يوم الحُديبية، فقد قال ﷺ لأَصحابه: «قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا».\nالفرع الرابع: العجز عن دم الإحصار:\nاختَلف العلماء فيما إذا عجز المُحْصَر عن الهَدْي على أقوال، منها:\nالقول الأول: مَنْ لم يجد الهَدْي يَلزمه أن يصوم عَشَرة أيام ثم يحل. وهو قول عند الشافعية، ومذهب الحنابلة (^٤). واستدلوا بالقياس على دم التمتع.\nالقول الآخَر: أن مَنْ لم يجد الهَدْي ليس عليه بدل، وله أن يتحلل. وهو مذهب الحنفية، وقول عند الشافعية (^٥).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٨١).\n(^٢) «المبسوط» (٤/ ١٠٩)، و«الإنصاف» (٣/ ٥٢٠).\n(^٣) «المغني» (٥/ ١٩٨).\n(^٤) «المجموع» (٨/ ٢٩٩)، و«كشاف القناع» (٢/ ٤٥٥)، وهو قول أشهب «الذخيرة» (٣/ ١٨٩).\n(^٥) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٥٩١)، و«المجموع» (٧/ ٥١٦).","vol":"1","page":451},{"text":"وَجْه الدلالة: أن الله ﷿ لم يَذكر بديلًا للهَدْي؛ وأنه لما سكت الله ﷿ عن الصيام في الإحصار، وأوجبه في التمتع لمن عدم الهَدْي، دل على أن مَنْ لم يجد الهَدْي من المُحْصَرين ليس عليه شيء، فيَحل بدون شيء.\nالدليل الثاني: أن الظاهر من حال كثير من الصحابة ﵃ أنهم فقراء، ولم يُنقل أن النبي ﷺ أَمَرهم بالصيام، والأصل براءة الذمة (^١).\nالفرع الخامس: الأكل من هَدْي الإحصار:\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يَجوز للمُهْدِي أن يأكل من هَدْي الإحصار. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بأن دم الإحصار دم جُبران، فلا يؤكل منه، بخلاف دم النسك، كدم التمتع.\nالقول الآخَر: أنه يَجوز للمُهْدِي أن يأكل من هَدْي الإحصار؛ لأن النبي ﷺ أَكَل من هدي القِران. وبه قال المالكية، وهو رواية عند الحنابلة (^٣).\nواعتُرض عليه بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن دم الإحصار دم جُبران، فيؤكل منه، بخلاف دم القِران فإنه يؤكل منه لأنه دم نسك.\n\n<span data-type='title' id=toc-620>المطلب الثالث: الحَلْق أو التقصير:</span>\nالحلق أو التقصير واجب لتحلل المُحْصَر من الإحرام؛ لأن النبي ﷺ حَلَق، وأَمَر أصحابه أن يَحلقوا بالحُديبية. وهو مذهب بعض الحنفية والمالكية، والأظهر عند الشافعية، وقول عند الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) «الأم» (٣/ ٢٩٨)، و«الشرح الممتع» (٧/ ١٨٤).\n(^٢) «البحر الرائق» (٣/ ٧٦)، و«الأم» (٣/ ٥٦٧).\nوقال ابن قُدامة: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، دُونَ مَا سِوَاهُمَا. «المغني» (٥/ ٤٤٤).\n(^٣) «المُدوَّنة» (١/ ٤١٠)، و«المغني» (٥/ ٤٤٥).\n(^٤) «شرح المعاني» (٢/ ٢٥٢)، و«الاستذكار» (٤/ ٣١٣)، و«المجموع» (٨/ ٢٨٦)، و«كشاف القناع» (٢/ ٥٢٦).","vol":"1","page":452},{"text":"<span data-type='title' id=toc-621>المبحث السادس: اشتراط التحلل من الإحصار: وفيه ثلاثة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-622>المطلب الأول: ما يَلزم المُحْصَر إذا اشتَرط:</span>\nمَنْ اشتَرط قبل حجه وعمرته، فإِنْ أُحْصِرَ تَحَلَّلَ ولم يَلزمه شيء مطلقًا. وهو مذهب الشافعية في المشهور، والحنابلة (^١).\nفعن عائشة قالت: دخل النبي ﷺ على ضُبَاعَة بنت الزبير، فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج، وأنا شاكية! فقال النبي ﷺ: «حُجي، واشترطي أن محلي حيث حبستَني».\nوَجْه الدلالة: أنه لما أَمَرها بالاشتراط أفاد شيئين:\nأحدهما: أنه إذا عاقها عائق من عدو أو مرض أو ذَهاب نفقة، فإن لها التحلل.\nوالثاني: أنه متى حلت بذلك، فلا دم عليها ولا صوم.\nالمطلب الثاني: حُكْم المُحْصَر إذا وقع في بعض محظورات الإحرام قبل التحلل:\nإذا لم يتحلل المُحْصَر، ووقع في بعض المحظورات، فإنه يجب عليه من الجزاء ما يجب على المُحْرِم غير المُحْصَر. وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-624>المطلب الثالث: القضاء على مَنْ أُحْصِرَ:</span>\nمَنْ تَحَلَّل بالإحصار فليس عليه القضاء. وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالله تعالى ذَكَر الهَدْي والحَلْق، ولم يَذكر شيئًا سوى ذلك؛ فدل على أنه لا قضاء على المُحْصَر، واستدلوا بأن النبي ﷺ لم يأمر الذين أَحْصِرُوا في غزوة الحُديبية بأن يَقضوا تلك العمرة التي أُحْصِرُوا عنها (^٤).\n_________\n(^١) «المجموع» (٨/ ٣٠٦)، و«الإنصاف» (٤/ ٥٢).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٧٨)، و«مواهب الجليل» (٤/ ٣٠٤)، و«الحاوي» (٤/ ٣٥٦)، و«كشاف القناع» (٢/ ٥٢٧).\n(^٣) «التمهيد» (١٥/ ١٩٥)، و«المجموع» (٨/ ٣٠٦)، و«الإنصاف» (٤/ ٥٢).\n(^٤) «مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين» (٢٣/ ٤٣٤).","vol":"1","page":453},{"text":"<span data-type='title' id=toc-625>الباب الثاني عشر\nالمبيت بمزدلفة: وفيه فصلان:</span>\nالفصل الأول\nالمبيت بمزدلفة، تعريفه وحكمه، ومقدار الوقوف بها.\nوفيه عَشَرة مباحث:\nالمبحث الأول: التعريف بالمزدلفة.\nالمبحث الثاني: حد المزدلفة.\nالمبحث الثالث: حُكْم المبيت بمزدلفة.\nالمبحث الرابع: مقدار المبيت الواجب في مزدلفة.\nالمبحث الخامس: القَدْر المجزئ من نسك مزدلفة.\nالمبحث السادس: وقت وجوب الوقوف بمزدلفة.\nالمبحث السابع: حُكْم دفع غير الضَّعَفة قبل الفجر من مزدلفة.\nالمبحث الثامن: مَنْ تَرَك المبيت بمزدلفة خَشية فوات الرفقة.\nالمبحث التاسع: حُكْم المرور بالمزدلفة فقط دون توقف.\nالمبحث العاشر: حُكْم مَنْ فاته الوقوف الواجب في مزدلفة.","vol":"1","page":454},{"text":"<span data-type='title' id=toc-627>المبحث الأول: التعريف بالمزدلفة</span>\n(مزدلفة) مأخوذة من الازدلاف، القُرب، وفي التنزيل: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠] أي: قُرِّبَتْ (^١).\nقيل: سُمِّيَتْ بذلك لأن الحُجاج يَزدلفون إلى الله، أي: يتقربون إليه بالوقوف بها.\nوقيل: لاقتراب الناس إلى مِنًى بعد الإفاضة مِنْ عرفات (^٢).\nوللمُزدلِفة اسمان آخران: (المَشْعَر الحرام) ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] و(جَمْع)، ومنه قول النبي ﷺ: «وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-628>المبحث الثاني: حد المزدلفة:</span>\nحد المزدلفة: ما بين المأزمين ووادي مُحسِّر، وليس الحدان منها.\nومأزما عرفة هما المضيق الذي بين الجبلين عند نهاية عرفة جهة المزدلفة، إلى قرن مُحسِّر، الذي يَفصل بين مِنًى وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب (^٤).\nفالمراد بالمبيت بمُزدلِفة: هو وجود الحاج في أرض مزدلفة ليلة يوم النحر. وهي الآن محددة بأعلام واضحة من جميع الجهات، وذلك مبني على لجان حكومية من العلماء.\nويَحصل المبيت بالمزدلفة بالحضور في أي بقعة منها، فعن جابر ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ».\n_________\n(^١) «لسان العرب» لابن منظور (مادة: زل ف).\n(^٢) قال ابن حجر: وَسُمِّيَتِ الْمُزْدَلِفَةَ إِمَّا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا، أَوْ لِاقْتِرَابِهِمْ إِلَى مِنًى، أَوْ لِازْدِلَافِ النَّاسِ مِنْهَا جَمِيعًا، أَوْ لِلنُّزُولِ بِهَا فِي كُلِّ زُلْفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ لِأَنَّهَا مَنْزِلَةٌ وَقُرْبَةٌ إِلَى اللهِ. «فتح الباري» (٣/ ٥٢٣).\n(^٣) قال ابن حجر: وَسُمِّيَتْ جَمْعًا لِأَنَّ آدَمَ اجْتَمَعَ فِيهَا مَعَ حَوَّاءَ، وَازْدَلَفَ إِلَيْهَا، أَيْ: دَنَا مِنْهَا. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا سُمِّيَتْ جَمْعًا لِأَنَّهَا يُجْمَعُ فِيهَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ. وَقِيلَ: وُصِفَتْ بِفِعْلِ أَهْلِهَا؛ لِأَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ بِهَا وَيَزْدَلِفُونَ إِلَى اللهِ، أَيْ: يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ بِالْوُقُوفِ فِيهَا. «فتح الباري» (٣/ ٥٢٣).\n(^٤) «أخبار مكة» للأزرقي (٢/ ١٩٢)، و«المغني» (٥/ ٢٨٣)، و«الأم» (٢/ ٢١٢).\nوقد أفتت اللجنة الدائمة (١١/ ٢١٣) بما يلي: تَبدأ مزدلفة غربًا من وادي مُحسِّر، وتنتهي شرقًا بأول المَأزِمين من جهتها، وقَدْر ما بينهما سبعة آلاف ذراع.","vol":"1","page":455},{"text":"قال ابن رُشْد: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ بَاتَ بِالْمُزْدَلِفَةِ لَيْلَةَ النَّحْرِ، وَجَمَعَ فِيهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مَعَ الْإِمَامِ، وَوَقَفَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَى الْإِسْفَارِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ - أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ، وَأَنَّ ذَلِكَ الصِّفَةُ الَّتِي فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^١).\nالمبحث الثالث: حُكْم الوقوف بالمزدلفة:\nاختَلف أهل العلم في حُكم الوقوف بمزدلفة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الوقوف بالمزدلفة واجب من واجبات الحج، مَنْ تَرَكه بدون عذر فعليه دم. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية في المشهور عنهم، والحنابلة (^٢).\nففي حديث جابر: «وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ» وحُمِل هذا الفعل على الوجوب، وقرينة ذلك أنه ﷺ رَخَّص وأَذِن للضَّعَفة بالدفع من مزدلفة قبل الفجر، والرخصة لا تأتي إلا بعد الوجوب.\nالقول الثاني: أن الوقوف بمزدلفة ركن، يَبطل الحج بتركه، كالوقوف بعرفة، لا يَتم الحج إلا به. ورُوي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير. وهو قول الليث وعلقمة والشَّعْبي والحسن والأوزاعي، وابن المَاجِشون من المالكية، وقول للشافعية وابن حزم (^٣).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة:\nأما دليلهم من الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].\nوَجْه الدلالة: قد دلت الآية على أن الوقوف بمزدلفة ركن من وجهين:\nالوجه الأول: الأمر بالذِّكر عند المَشْعَر الحرام يدل على أنه ركن.\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (٢/ ١١٤).\n(^٢) «الدر المختار» (٢/ ٥١١)، و«المُدوَّنة» (٢/ ٤١٧)، و«الحاوي» (٤/ ١٧٧)، و«المغني» (٣/ ٤٥٠).\nوالوقوف بمزدلفة: الحضور بها ولو لحظة، كالوقوف بعرفة. والمبيت: المكث بها معظم ليلة النحر.\n(^٣) «الحاوي» (٤/ ١٧٧)، و«زاد المعاد» (٢/ ٢٥٣)، و«حاشية الدسوقي» (١/ ٤٥)، و«المُحَلَّى» (٧/ ١٣٠).","vol":"1","page":456},{"text":"ونوقش هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن العلماء مُجْمِعون على أن مَنْ بات بالمزدلفة إلى قُبيل الفجر، ولم يَشهد صلاة الفجر فيها ولم يَذكر الله- صح حجه، فالمأمور به في الآية إنما هو الذِّكر، وليس بواجب بالإجماع، فشهود المَوطِن أَوْلَى بأن لا يكون واجبًا (^١).\nالثاني: أنه إذا كان النبي ﷺ بات بمزدلفة وصلى الفجر، فإنه قد رَخَّص للنساء والضَّعَفة في مغادرة مزدلفة بعد منتصف الليل. ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنًا لَمَا أَذِن للضَّعَفة؛ لأن الركن القويُّ والضعيف فيه سواء، كالوقوف بعرفة وكطواف الإفاضة، فعن ابن عباس ﵄ قال: «أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ» (^٢).\nالثالث: أن كل ما جاز تركه لعذر لم يكن ركنًا، قياسًا على الوقوف بعرفة، وكذا طواف الإفاضة لا يَسقط بحال لأنه ركن، بخلاف طواف الوداع فإنه يَسقط بعذر الحيض؛ لأنه ليس بركن، وكذا الوقوف بالمزدلفة، قد يَسقط بالعذر، فلم يكن ركنًا (^٣).\nالوجه الثاني: أن الله سَوَّى بين الأمر بالوقوف بعرفة والأمر بذكر الله بمزدلفة في القرآن، فهذا يدل على ركنية الوقوف بمزدلفة، فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. والرسول ﷺ سَوَّى بين عرفة والمزدلفة، فقال: «قَدْ وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» ووَقَف بالمُزدلِفة فقال: «قَدْ وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ».\nونوقش بأن دلالة الاقتران ضعيفة، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] والأكل للإباحة ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ للوجوب.\nوأما دليلهم من السُّنة، فاستدلوا بحديث عن عُروة بن مُضَرِّس قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا مَعَ الإِمَامِ وَالنَّاسِ حَتَّى يُفِيضَ مِنْهَا، فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ. وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ\n_________\n(^١) «المغني» (٥/ ٢٨٤)، و«التمهيد» (٩/ ٢٧٦)، و«فتح الباري» (٣/ ٥٢٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٧٨)، ومسلم (١٢٩٣).\n(^٣) «المبسوط» (٤/ ٦٣)، و«الإشراف» (١/ ٤٨٣).","vol":"1","page":457},{"text":"النَّاسِ وَالإِمَامِ، فَلَمْ يُدْرِكْ حَجَّهُ» (^١).\nوجه الدلالة: أن الرسول ﷺ عَلَّق إدراك الحج بإدراك مزدلفة والوقوف فيها، ومعنى ذلك أن مَنْ لم يُدرِك الوقوف بمزدلفة، فلا حج له.\nونوقش بأن الحديث ضعيف، واللفظ الصحيح هو قول رسول الله ﷺ: «الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» (^٢).\nوهذا دليل على عدم الركنية، فالنبي ﷺ مد وقت الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر مِنْ ليلة جَمْع، ومعلوم أن هذا الواقف بعرفة في آخِر جزء من ليلة النحر، فهو لا يستطيع أن يصل إلى مزدلفة في زمن النبي ﷺ إلا بعد طلوع الشمس، وقد فاته المبيت بمُزدلِفة قَطْعًا بلا شك، ومع ذلك فقد صَرَّح النبي ﷺ بأن حجه تام. ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنًا لم يصح حجه، ولاختص بزمان مستقل لا يشاركه فيه غيره، كالوقوف بعرفة.\nالدليل الثاني من السُّنة: رُوِي أنه ﷺ قال: «مَنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ، فَلَا حَجَّ لَهُ» (^٣).\n_________\n(^١) مُعَل، والمتن منكر، مدار هذا الحديث على الشَّعْبي عن عروة بن مُضَرِّس. واختُلف على الشَّعْبي:\nفرواه عنه مُطَرِّف بن طَريف بهذا اللفظ عند النَّسَائي (٣٠٦٣) و«الكبرى» (٤٢٣٨) من طريق جرير بن حازم، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٤٦٨٨) من طريق موسى بن أَعْيَن.\nوخالف مُطَرِّفًا جماعة: فرواه إسماعيل بن أبي خالد، وداود بن أبي هند، وزكريا بن أبي زائدة، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ … وغيرهم كثير، كما عند النَّسَائي (٣٠٤٣)، والطحاوي في «شرح المعاني» (٣٩٤٢، ٣٩٤٣، ٣٩٤٤) وفي «المشكل» (٤٦٨٩، ٤٦٩٠، ٤٦٩١).\nفهؤلاء أصحاب الشَّعْبي الثقات لم يَذكروا هذا اللفظ، فهو منكر.\nوقد قال الطحاوي: وهذا المعنى لمن فاته الوقوف بجَمْع، أنه لا حج له، فلم نَعْلَم أحدًا جاء به في هذا الحديث عن الشَّعْبي غير مُطَرِّف، فأما الجماعة من أصحاب الشَّعْبي، فلا يَذكرونه فيه، منهم عبد الله بن أبي السَّفَر وإسماعيل بن أبي خالد. «شرح مشكل الآثار» (١٢/ ١٠٩).\nوقال ابن حجر: «وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ جُزْءًا فِي إِنْكَارِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا مِنْ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ، وَأَنْ مُطَرِّفًا كَانَ يَهِمُ فِي الْمُتُونِ». «فتح الباري» (٣/ ٥٢٩).\n(^٢) صحيح: أخرجه أحمد (١٨٧٧٣)، وأبو داود (١٩٤٠)، والترمذي (٨٩٩)، والنَّسَائي (٣٠٣٩) واللفظ له، من طريق سُفيان وشُعبة، كلاهما عن بُكَيْر بن عطاء، عن عبد الرحمن بنِ يَعْمَر، به.\nقال الترمذي: قال ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَجْوَدُ حَدِيثٍ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ. قال وكيع: هذا الحديث أُم المناسك. وقال الذُّهْلي: ما أرى للثوري حديثًا أشرف منه.\n(^٣) قال ابن المُلقِّن: هَذَا الحَدِيثُ أَيْضًا غَرِيبٌ، لَا أَعْلَمُ مَنْ خَرَّجَهُ بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ المُهَذَّبِ»: إِنَّه لَيْسَ بِثَابِتٍ وَلَا مَعْرُوفٍ. قَالَ: وَيُجَابُ عَنْهُ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ أَنَّ المُرَادَ: لَا حجَّ كَامِلٌ. وَقَالَ مُحِبُّ الدَّينِ الطَّبَرِيُّ فِي «شَرْحِ التَّنْبِيهِ»: (لَا) أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ الرَّافِعِيُّ. «البدر المنير» (٦/ ٢٤٩)، و«التلخيص الحبير» (٢/ ٤٩١).","vol":"1","page":458},{"text":"ونوقش بأن هذا الحديث: ليس بثابت ولا معروف.\nالقول الثالث: أن الوقوف بمزدلفة سُنة من سُنن الحج. وهو قول عند الشافعية، ورواية عن أحمد، ورُوي عن عطاء والأوزاعي والثوري (^١).\nواستدلوا بالسُّنة والقياس:\nأما دليلهم من السُّنة، فعن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا جَمْعٌ مَنْزِلٌ لِدَلْجِ المُسْلِمِينَ» (^٢).\nوَجْه الدلالة: أنه ﷺ جَعَل أيّ مزدلفة منزلًا للراحة بين عرفة ومِنًى، فمَن شاء نزل به، ومَن لم يشأ لم يَنزل، وفِعل الرسول ﷺ يدل على الاستحباب.\nوأما دليلهم من القياس، فقالوا: إن المبيت بمزدلفة سُنة، قياسًا على المبيت بمِنًى ليلة عرفة، ووَجْه التشابه بينهما أن النبي ﷺ بات بمِنًى ليلة عرفة ليَسهل خروجه إليها، وكذا بات بمزدلفة لأنها منزل للراحة بين عرفة ومِنًى، وليس بنسك مقصود لذاته.\nوالراجح: أن الوقوف بمزدلفة واجب، مَنْ تَرَكه فعليه دم؛ لفِعْل الرسول ﷺ، فقد بات بمزدلفة، وهذا الفعل يُحْمَل على الوجوب. ولا يكون ركنًا؛ لعموم قول رسول الله ﷺ: «الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ».\nولا شك أن الواقف بعرفة قُبيل الفجر لا يدرك المبيت بمزدلفة وقد صح حجه، ولو كان المبيت بمزدلفة ركنًا، لم يصح حجه، وهذه تُسمَّى دلالة الالتزام، أي: مَنْ أَدْرَك عرفة قبل الفجر، فسيفوته المبيت بمزدلفة قطعًا، ومع ذلك فقد دل النص على أن حجه تام.\nولماذا لا يكون المبيت بمزدلفة سُنة؟ لأن الرسول ﷺ أَذِن ورَخَّص للضَّعَفة بالانصراف، وإذا كان رَخَّص لهؤلاء فعُلِم أن المبيت لغيرهم واجب.\nوأما مَنْ لم يستطع دخول مزدلفة لتَعطُّل حركة السير أو ازدحامه حتى طلوع الشمس، فلا يجب عليه دم؛ لأنه بَذَل ما في وُسعه للحصول على المبيت، ولم يتمكن من ذلك،\n_________\n(^١) «الإيضاح» (٢٩٨)، و«فتح الباري» (٣/ ٦١٩)، و«الفروع» (٦/ ٢١).\n(^٢) يراجع سنده «شرح البخاري» لابن بَطَّال (٤/ ٣٦٣).","vol":"1","page":459},{"text":"وبهذا أفتت اللجنة الدائمة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-630>المبحث الرابع: مقدار المبيت الواجب في مزدلفة:</span>\nاختَلف أهل العلم في ذلك على خمسة أقوال:\nالقول الأول: أن المبيت الواجب هو معظم الليل، فيَجوز الدفع من مزدلفة إلى مِنًى بعد غياب القمر وقبل طلوع الفجر، وهذا قول للشافعية، ورواية عن أحمد (^٢).\nواستدلوا بالسُّنة والمعقول:\nأما السُّنة، فاستدلوا بأن أسماء روت الرخصة عن رسول الله ﷺ، وجَعَلَتْها مؤقتة بمغيب القمر، فعن عبد الله مَوْلَى أسماء قال: قَالَتْ لِي أَسْمَاءُ وَهِيَ عِنْدَ دَارِ الْمُزْدَلِفَةِ: هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: لَا. فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: ارْحَلْ بِي … فَقُلْتُ لَهَا: لَقَدْ غَلَّسْنَا! قَالَتْ: كَلَّا، أَيْ بُنَيَّ، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ (^٣).\nالدليل الثاني: ما رواه ابن عباس قال: بَعَثَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَحَرٍ مِنْ جَمْعٍ (^٤).\nوَجْه الدلالة: أن السَّحَر لا يكون إلا في آخِر الليل، فيكون بعد غياب القمر، فهذا يؤيد أن الدفع لا يكون إلا بعد غياب القمر.\nأما دليلهم من المعقول، فإن مَنْ بات حتى مغيب القمر فقد بات معظم الليل، فله حُكْم مَنْ بات الليل كاملًا، بخلاف مَنْ بات نصف الليل.\nالقول الثاني: أن المبيت الواجب بمزدلفة إلى نصف الليل، فمَن دَفَع قبل نصف الليل فعليه دم. وهو القول هو المشهور عن الشافعية والحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) «فتاوى اللجنة الدائمة» (١١/ ٢١٦).\n(^٢) «حاشية القليوبي» (٢/ ١١٦).\nقال ابن تيمية: قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى يَغِيبَ الْقَمَرُ. «شرح العمدة» (٢/ ٦١٦).\n(^٣) رواه مسلم (١٢٩١).\n(^٤) «صحيح مسلم» (١٢٩٤).\n(^٥) «الأم» (٢/ ٢١٢)، و«المجموع» (٨/ ١٣٥)، و«المغني» (٥/ ٢٨٤).","vol":"1","page":460},{"text":"واستدلوا بأن النبي ﷺ أَذِن بدفع الضَّعَفة بليل، وهذا يَصْدُق على مَنْ بات نصف الليل فأكثر، فكان القَدْر الواجب هو نصف الليل، فجاز الدفع بعد نصف الليل.\nواعتُرض على هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: أن إِذْن النبي ﷺ بدفع الضَّعَفة بالليل لا يَعني إذنه لهم بالانصراف نصف الليل؛ لأن أسماء بَيَّنَتْ أن الانصراف إنما يكون بعد غيبوبة القمر، ولا تكون هذه الغيبوبة إلا بعد ذَهاب أكثر الليل، وليس نصفه، وتفسير أسماء للنص لا بد من العمل به.\nالثاني: أن أحاديث الدفع بليل مُطْلَقة، وهي مُقيَّدة بمغيب القمر كما في حديث أسماء، فيُحْمَل المُطْلَق على المُقيَّد.\nواستدلوا أيضًا بما ورد عن أُم سَلَمة قالت: «قَدَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَنْ قَدَّمَ مِنْ ضَعَفَةِ أَهْلِهِ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ» قَالَتْ: فَرَمَيْتُ الْجَمْرَةَ بِلَيْلٍ، ثُمَّ مَضَيْتُ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّيْتُ بِهَا الصُّبْحَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مِنًى.\nوَجْه الدلالة: أن مَنْ يَذهب من مزدلفة إلى مِنًى، ثم يَرمي الجمرة، ثم يَذهب إلى مكة، ثم يطوف ويصلي بها الفجر- لا يمكنه ذلك، إلا إن كان قد دَفَع من مزدلفة نصف الليل.\nالقول الثالث: أن الواجب في المزدلفة هو الوقوف ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، فمَن وَقَف خلال هذا الوقت ولو لحظة واحدة، فقد قام بالواجب. ومَن لم يقف في هذا الوقت، فقد فاته الوقوف الواجب بمزدلفة وعليه دم. وهو مذهب الحنفية (^١).\nواستدلوا بالقرآن والسُّنة والمعقول:\nأما القرآن، فعموم قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].\nوَجْه الدلالة: الأمر إنما جاء بذكر الله والوقوف عند المَشْعَر الحرام للدعاء، والوقوف يكون بعد طلوع الفجر من يوم النحر إلى قُبيل طلوع الشمس، فمَن وَقَفَ خلال هذا الوقت ولو لحظة واحدة، فقد قام بالواجب.\nونوقش هذا الاستدلال بأن الأمر بالذِّكر جاء على سبيل الاستحباب دون الوجوب.\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ٦٣)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٥)، و«فتح القدير» (٢/ ٤٨٤).","vol":"1","page":461},{"text":"دل على ذلك أن العلماء مُجْمِعون على أن مَنْ بات بالمزدلفة إلى قُبيل الفجر، ولم يَشهد صلاة الفجر فيها ولم يَذكر الله- صح حجه. وإِذْن النبي ﷺ للنساء والضَّعَفة في مغادرة مزدلفة بعد ذَهاب معظم الليل قبل الفجر، ولو كان واجبًا عليهم الوقوف ما بين طلوع الفجر من يوم النحر إلى قُبيل طلوع الشمس، لَمَا رَخَّصَ لهم في الانصراف بالليل.\nوأما السُّنة، فَعَنْ عُرْوَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ شَهِدَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ بِجَمْعٍ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نُفِيضَ مِنْهُ، وَقَدْ أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا؛ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ».\nفدل قوله ﷺ: «مَنْ شَهِدَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ …» أي: صلاة الفجر، ووقف بمزدلفة من طلوع الفجر إلى قُبيل شروق الشمس، وكان قد وقف بعرفة فقد تم حجه؛ فعَلَّق تمام الحج على هذا الوقوف بعد الفجر، فلا أقل من أن يكون هذا الوقت واجبًا.\nونوقش بأن هذا الحديث يُبَيِّنْ آخِر وقت المبيت بمزدلفة، فمَن وقف بعرفة قبل الفجر وصلى الفجر بمزدلفة، فقد أدرك الوقوف بعرفة ومزدلفة.\nوأما المعقول، فإن ليل مزدلفة وقت للوقوف بعرفة، وينتهي بطلوع الفجر، فوجب أن يكون وقت وجوب الوقوف بمزدلفة من طلوع الفجر يوم النحر حتى طلوع الشمس.\nونوقش بأن الأصل في الوقوف بعرفة من زوال الشمس إلى غروب الشمس، وأن ليلة يوم النحر هي وقت للوقوف بمزدلفة، وهي وقت للوقوف بعرفة لعذر، فمَن لم يُدرِك الوقوف بعرفة نهارًا، وقف ليلًا لأنه ركن لا يَتم الحج إلا به.\nالقول الرابع: أن الواجب في المبيت بمزدلفة هو النزول بمزدلفة في أي جزء من أجزاء الليل، فقضاء أي جزء من الليل كافٍ في المبيت بمزدلفة، بقَدْر حط الرحال في ليلة النحر وصلاة العشاءين، فإن لم يَنزل فعليه دم. وهو مذهب المالكية (^١).\nواستدلوا بالقرآن والسُّنة:\nأما القرآن، فعموم قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].\nوَجْه الدلالة: مَنْ نزل بمزدلفة في أي جزء من أجزاء الليل، فصلى المغرب والعشاء،\n_________\n(^١) «الذخيرة» (٣/ ٢٦٣)، و«مواهب الجليل» (٤/ ١٩٦).","vol":"1","page":462},{"text":"يَصْدُق عليه أنه ذَكَر الله ووقف بمزدلفة عند المَشْعَر الحرام.\nوأما السُّنة، فاستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ» أي: صلاة الفجر «وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ» فمَن وقف بها بمثل هذا المقدار، فقد أَدَّى الواجب.\nالقول الخامس: أن المبيت بمزدلفة سُنة، فمَن فَعَله فقد أَحْسَن، ومَن تَرَكه فلا حرج عليه. وهو قول للشافعية، وقول عطاء والأوزاعي (^١).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا جَمْعٌ مَنْزِلٌ لِدَلْجِ المُسْلِمِينَ» أي أن مزدلفة منزل راحة بين عرفات ومِنًى، فمَن شاء نزل بها. وفِعل الرسول ﷺ يدل على الاستحباب.\nوالراجح: أن المبيت الواجب هو مُعْظَم الليل، فيَجوز الدفع من مزدلفة إلى مِنًى بعد غياب القمر وقبل طلوع الفجر؛ لِما رُوي عن ابن عباس قال: بَعَثَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَحَرٍ مِنْ جَمْع. والسَّحَر لا يكون إلا بعد غياب القمر، ويَجوز لمن كان بصحبة ضَعَفةٍ الانصرافُ معهم بعد غياب القمر للقيام على مصالحهم، والإذن للضَّعَفة إِذْن لهم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-631>المبحث الخامس: القَدْر المجزئ من نسك مزدلفة:</span>\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالقول الأول: ذهب جماهير العلماء إلى أن القَدْر المجزئ في مزدلفة لحظة، فمَن وَقَفَ ولو لحظة واحدة فقد قام بالواجب.\nويُعبِّر عنه الحنفية بالوقوف لحظة. ويُعبِّر عنه المالكية بحط الرحال. ويُعبِّر عنه الشافعية بالساعة. وقيل: المراد بالساعة مطلق الزمن، فلا ينافي تعبير غيره باللحظة.\nواستدلوا بقياس مزدلفة على عرفة، فإذا كان القَدْر المجزئ في الوقوف بعرفة يُقَدَّر بلحظة، وهو ركن الحج الأعظم، فنسك المزدلفة أَوْلَى.\nوإنما محل اختلافهم في وقت إيقاع هذه اللحظة.\n_________\n(^١) «المجموع» (٨/ ١٢٤)، و«نَيْل الأوطار» (٥/ ١٤١).\n(^٢) قال ابن تيمية: وَلَمْ يَجِئْ تَوْقِيتٌ إِلَّا حَدِيثِ أَسْمَاءَ، قَدْ رَوَتِ الرُّخْصَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَجَعَلَتْهَا مُؤَقَّتَةً بِمَغِيبِ الْقَمَرِ، وَلَيْسَ فِي الْبَابِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ أَبْلَغَ مِنْ هَذَا. «شرح العمدة» (٢/ ٦١٨). وقال ابن القيم: وَلَيْسَ مَعَ مَنْ حَدَّهُ بِالنِّصْفِ دَلِيلٌ. «زاد المعاد» (٢/ ٢٣٣).","vol":"1","page":463},{"text":"فذهب الحنفية إلى أن الواجب في المزدلفة هو الوقوف ما بين طلوع الفجر من يوم النحر وطلوع الشمس، فمَن وَقَفَ خلال هذا الوقت ولو لحظة واحدة، فقد قام بالواجب.\nوذهب المالكية إلى أن الواجب من المبيت بمزدلفة هو النزول بمزدلفة في أي جزء من أجزاء الليل، فقضاء أي جزء من الليل كافٍ في المبيت بمزدلفة بقَدْر حط الرحال في ليلة النحر وصلاة العشاءين، فإن لم يَنزل فعليه دم.\nالقول الآخَر: أن المبيت الواجب هو معظم الليل، فيَجوز الدفع من مزدلفة إلى مِنًى بعد غياب القمر. وهذا قول للشافعية، ورواية عن أحمد. وهذا هو الراجح لحديث أسماء.\nالمبحث السادس: وقت وجوب الوقوف مزدلفة:\nاختَلف أهل العلم في ذلك على أربعة أقوال:\nالأول: أنه يَبدأ وقت أداء النسك الواجب من أول الليل، وينتهي بطلوع فجر يوم النحر، فبعد الفجر ليس وقتًا للواجب. وهو قول المالكية (^١).\nالثاني: أنه يَبدأ وقت وجوب أداء النسك الواجب من منتصف الليل، وينتهي بطلوع فجر يوم النحر. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^٢).\nالثالث: أنه يَبدأ وجوب أداء النسك الواجب من منتصف الليل، وينتهي بطلوع شمس يوم النحر. وهو قول بعض المالكية وبعض الشافعية وابن تيمية (^٣).\nالرابع: أنه يَبدأ وقت وجوب أداء النسك الواجب من طلوع الفجر، وينتهي بطلوع شمس يوم النحر. وهو مذهب الحنفية (^٤).\nوالراجح: أن ابتداء الوجوب من أول الليل؛ فظاهر سُنة النبي ﷺ يدل على أن بداية\n_________\n(^١) «المُدوَّنة» (٢/ ٤١٧)، و«مواهب الجليل» (٣/ ١١٩)، و«مِنَح الجليل» (١/ ٤٨٩).\n(^٢) قال الشافعي: وَمُزْدَلِفَةُ مَنْزِلٌ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ رَجُلٌ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. وَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَلَمْ يَعُدْ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، افْتَدَى. «الأم» (٣/ ٥٤٩)، و«الشرح الكبيرعلى المقنع» (٣/ ٤٤٢).\n(^٣) «المسلك المتقسط» (ص: ٣١٠)، و«مواهب الجليل» (٣/ ١١٩)، و«شرح العمدة» (٢/ ٦١١).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٦)، و«فتح القدير» (٢/ ٤٨٤).","vol":"1","page":464},{"text":"نسك مزدلفة من حين وصول الحاج قادمًا لها من عرفة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-633>المبحث السابع: حُكْم دفع غير الضَّعَفة قبل الفجر من مزدلفة:</span>\nأَجْمَع العلماء على جواز دفع الضعفة قبل الفجر من مزدلفة (^٢).\nواختلفوا في حُكْم دفع غير الضعفة قبل الفجر من مزدلفة على قولين:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى جواز دفع غير الضعفة قبل الفجر من مزدلفة، بعد الإتيان بالقَدْر المجزئ؛ لأنه لَمَّا رُخِّصَ فِيهِ لِبَعْضِ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، عُلِمَ أَنَّهُ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ، بِخِلَافِ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ (^٣).\nالقول الآخَر: عدم جواز دفع غير الضَّعَفة قبل الفجر من مزدلفة. وهو مذهب الحنفية، وأوجبوا عليه دمًا؛ لأن الوقوف الواجب عندهم بعد طلوع الفجر، والرخصة إنما جاءت في حق الضعفة. واختاره بعض الحنابلة ولم يَذكروا دمًا (^٤).\nقال النووي: اسْتَدَلُّوا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي دَفْعِ النِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ. (فَإِنْ قِيلَ:) إنَّمَا أُرْخِصَ فِي الدَّفْعِ قَبْلَ الْفَجْرِ لِلضَّعَفَةِ. (قُلْنَا): لَوْ كَانَ حَرَامًا، لَمَا اخْتَلَفَ بِالضَّعَفَةِ وَغَيْرِهِمْ.\nوالراجح: ما ذهب جمهور العلماء، أي: جواز دفع الأقوياء غير المعذورين قبل الفجر من مزدلفة إلى مِنًى، إن كانوا قد أتوا بالقَدْر المجزئ من نسك مزدلفة.\nومجيء الأحاديث الصحيحة في الإذن للضَّعَفَة بالدَّفْع بليل- يُفْهَم منها إتيانهم بالقدر الواجب، وأن ما بعده من كمال النسك؛ إذ لو كان هذا القَدْر غير مفيد في الإتيان بالواجب، لم يكن هناك معنى لتأخير الإذن للضَّعَفة حتى مغيب القمر، ولأَذِن لهم بمجرد وصولهم مزدلفة، ولكن الأَوْلَى والأكمل هو اتباع سُنة النبي ﷺ، أي: المبيت بمزدلفة وصلاة الفجر بها والدعاء، ثم الدفع قبل طلوع الشمس، والله أعلم.\n_________\n(^١) قال ابن تيمية: الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ لَيْسَ بِمَحْدُودِ الْمُبْتَدَأِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَجِيئُونَ إِلَيْهَا عَلَى قَدْرِ سَيْرِهِمْ. «شرح العمدة» (٢/ ٦٢٠).\n(^٢) قال ابن قُدامة: وَلَا بَأْسَ بِتَقْدِيمِ الضَّعَفَةِ وَالنِّسَاءِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، وَلِأَنَّ فِيهِ رِفْقًا بِهِمْ، وَدَفْعًا لِمَشَقَّةِ الزِّحَامِ عَنْهُمْ، وَاقْتِدَاءً بِفِعْلِ نَبِيِّهِمْ ﷺ. «المغني» (٥/ ٢٨٦).\n(^٣) «المجموع» (٨/ ١٥١)، و«شرح العمدة» (٢/ ٧٨).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٦)، و«زاد المعاد» (٢/ ٢٣٣).","vol":"1","page":465},{"text":"<span data-type='title' id=toc-634>المبحث الثامن: مَنْ تَرَك المبيت بمزدلفة خَشية فوات الرفقة:</span>\nلا بد أن يُفَرَّق في هذه المسألة بين حالين:\nالأول: مَنْ انصرف مع الضَّعَفة من النساء والشيوخ الكبار والصبيان ونحوهم، ومَن يكون معهم للقيام بمصالحهم بعد أن باتوا معظم الليل، فلا بأس بذلك ولا شيء عليهم.\nالثاني: أن يوجد في الحَمْلة الواحدة العدد الكبير من الأقوياء الذين لا يَحتاج إليهم الضَّعَفة، الأفضل لهم البقاء بعد طلوع الفجر، وأما إن لم يستطع باقي الأقوياء المكث في مزدلفة خَشية الضياع والإرهاق، فهنا يَجوز انصرافهم جميعًا؛ لأن في تفرقهم مشقة عليهم.\nوينبغي للمسئولين عن الحَمَلات أن يخصصوا سيارة للضعفاء، فتنصرف بعد ذَهاب معظم الليل. وأن يُخصِّصوا سيارة للأقوياء، أو يكون معهم مرشد ويركبون القطار، ولا ينصرفون من مزدلفة إلا قُبيل طلوع الشمس تأسيًا برسول الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-635>المبحث التاسع:\nحُكْم المرور بالمزدلفة فقط دون توقف،</span> أو الرجوع إليها مرة أخرى:\nلا يخلو الأمر من حالين:\nالأول: أن يكون مَنْ مر فقط معذورًا بفعله؛ وذلك لعَدَم قدرته على التوقف لأنه مُنع منه، أو عَدَم قدرته على الرجوع بعد أن خرج منها، فالمعذور يكفيه المرور، ولا يجب عليه دم في ذلك، في قول عامة أهل العلم (^١).\nالثاني: أن لا يكون معذورًا بمروره ذلك، بل مروره لمجرد التعجل فحَسْب للوصول إلى مِنًى؛ فهذا قد تَرَك واجبًا، وهو مبيت الليل أو معظمه، فيَلزمه دم، والله أعلم.\nالمبحث العاشر: فوات الوقوف بالمزدلفة: وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: الوقت الذي يَفوت به الوقوف بالمزدلفة.\nقال ابن عبد البر: أَجْمَعُوا أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَدْ فَاتَ وَقْتُ الْوُقُوفِ\n_________\n(^١) «فتاوى اللجنة الدائمة» (١١/ ٢١٤).","vol":"1","page":466},{"text":"بِجَمْعٍ، وَأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَقَدْ أَدْرَكَ (^١).\nالمطلب الثاني: حُكْم مَنْ فاته الوقوف الواجب في مزدلفة.\nهذا لا يخلو من حالين:\nالأول: مَنْ فاته الوقوف الواجب بالمزدلفة بلا عذر، صح حجه، وعليه دم (^٢).\nالثاني: تَرْك المبيت بالمزدلفة لعُذْر.\nاختَلف أهل العلم فيمن تَرَك المبيت بالمزدلفة لعُذْر على قولين:\nالقول الأول: مَنْ تَرَك المبيت بالمزدلفة لعذر، صح حجه، ولا دم عليه. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية (^٣).\nواستدلوا بما ورد عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى؛ مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ (^٤).\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ أَذِن للرعاة والسقاة في ترك المبيت بمِنًى للعذر، ويقاس عليهم مَنْ له عذر، والعذر في المزدلفة كالعذر في مِنًى من مشقة المبيت لأهل الأعذار.\nالقول الآخَر: مَنْ تَرَك المبيت بالمزدلفة لعذر، فلا يجب عليه دم عند الحنابلة (^٥).\nوالراجح: أنه لا يَظهر فرق بين السقاة وغيرهم إذا اشتركوا في العلة؛ فالشريعة لا تُفَرِّق بين متماثلات. فالرسول ﷺ أَذِن للعباس في ترك واجب المبيت بمِنًى من أجل المصلحة العامة، وهي سقاية الناس. فكذا يَجوز للجند والأطباء ترك المبيت بمزدلفة من أجل المصلحة العامة، ولا يجب عليهم دم، والله أعلم.\n_________\n(^١) «الاستذكار» (٤/ ٢٩٢). وَنَقَلَ الطَّبَرِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَقِفْ فِيهِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَاتَهُ الْوُقُوفُ. «فتح الباري» (٣/ ٥٣٢).\n(^٢) قال ابن عبد البر: وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَبِتْ بِجَمْعٍ لَيْلَةَ النَّحْرِ، عَلَيْهِ دَمٌ، وَأَنَّهُ لَا يُسْقِطُ الدَّمَ عَنْهُ وُقُوفُهُ بِهَا وَلَا مُرُورُهُ عَلَيْهَا. «الاستذكار» (٤/ ٢٩١).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٦)، و«مِنَح الجليل» (١/ ٤٨٩)، و«نهاية المحتاج» (٣/ ٣٠١).\n(^٤) رواه البخاري (١٦٣٤)، ومسلم (١٣١٥).\n(^٥) «المغني» (٥/ ٣٩٤)، و«شرح المنتهى» (٢/ ٥٥٦).","vol":"1","page":467},{"text":"<span data-type='title' id=toc-637>الفصل الثاني\nسُنن الوقوف بالمزدلفة\nوفيه تمهيد وسِت سُنن</span>\nالتمهيد: السُّنة في المبيت بمزدلفة.\nالسُّنة الأولى: أن يَجمع في مزدلفة بين صلاتَي المغرب والعشاء.\nالسُّنة الثانية: تقديم النساء والضَّعَفة من مزدلفة إلى مِنًى.\nالسُّنة الثالثة: صلاة الفجر بمزدلفة في أول وقتها.\nالسُّنة الرابعة: الدعاء بعد الفجر في مزدلفة.\nالسُّنة الخامسة: الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس.\nالسُّنة السادسة: الإسراع في وادي مُحَسِّر.","vol":"1","page":468},{"text":"<span data-type='title' id=toc-638>التمهيد: السُّنة في المبيت بمزدلفة</span>\nفالسُّنة المبيت بمزدلفة وصلاة الفجر بها، ثم الدعاء والتكبير والتهليل بها، ويَدفع إلى مِنًى لرمي الجمار قبل طلوع الشمس، فهذا الأَوْلَى والأكمل وهو الاتباع لسُنة النبي ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-639>السُّنة الأولى: أن يَجمع في مزدلفة بين صلاتَي المغرب والعشاء</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: هيئة الجَمْع، وصفة الأذان والإقامة للمغرب والعشاء بمزدلفة.\nفالسُّنة أن يَجمع الحاج بمزدلفة بين المغرب والعشاء جَمْع تأخير، بالإجماع (^١).\nففي «الصحيحين»: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ (^٢).\nالمبحث الثاني: حُكْم جمع التقديم في المزدلفة.\nاختَلف العلماء في حُكْم جمع التقديم في المزدلفة على قولين:\nالقول الأول: يَجوز جمع التقديم في المزدلفة لمن وصل قبل دخول وقت العشاء، ولكن الأَوْلَى والسُّنة جمع التأخير. وهذا قول أبي يوسف من الحنفية، وأَشْهَب من المالكية، ومذهب الشافعية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بأن وقت المغرب يَبدأ بغروب الشمس، بالكتاب والسُّنة والإجماع، ومَن أَدَّى الصلاة في وقتها أجزأته، وتأخير المغرب بمزدلفة سُنة، وتَرْك السُّنة لا يُبْطِل الصلاة.\nالقول الآخَر: لا يَجوز جمع التقديم في المزدلفة، ولو فَعَل لأعاد المغرب والعشاء في وقت العشاء. وهذا مذهب الحنفية، وقول المالكية، وقول ابن حزم (^٤).\n_________\n(^١) ونَقَل الإجماع على ذلك: ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٥٧)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٩/ ٢٦٩)، و«الاستذكار» (٤/ ٣٣٠)، وابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ٤٥)، وابن رُشْد في «بداية المجتهد» (١/ ١٧٠)، وابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٨٥) وغيرهم.\n(^٢) رواه البخاري (١٦٧٤)، ومسلم (١٢٨٧).\n(^٣) «المبسوط» (٤/ ٦٢)، و«التمهيد» (٩/ ٢٧٠)، و«الأم» (٢/ ٢١٢)، و«المغني» (٥/ ٢٨١).\n(^٤) «المبسوط» (٤/ ٦٢)، و«المُدوَّنة» (٢/ ٤١٧)، و«مواهب الجليل» (٣/ ١٢٥)، و«المُحَلَّى» (٧/ ١٤٦).","vol":"1","page":469},{"text":"واستدلوا بأن النبي ﷺ جَمَع بين المغرب والعشاء بمزدلفة جَمْع تأخير.\nفَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ. فقال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ (^١). وفي رواية: «المُصَلَّى أَمَامَكَ» فحَدَّد الزمان بعد العشاء، والمكان بمزدلفة.\nونوقش بأن فِعْل النبي ﷺ محمول على أنه الأَوْلَى والأفضل؛ لئلا يَنقطع سَيْره حتى يصل إلى المزدلفة، فيصلي هناك؛ لأن صلاة المغرب في عرفة أو الطريق، مع كثرة الناس وصعوبة الوضوء- فيها حرج، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِجَمْعٍ» (^٢). ونوقش بأنه ضعيف.\nوالراجح: أن جَمْع التقديم جائز، ولكن الأفضل جَمْع التأخير. وعلى هذا فمَن ركب القطار من عرفة، فوصل إلى مزدلفة قبل العشاء، فالسُّنة تأخير المغرب إلى العشاء، والجَمْع بينهما في المُزدلِفة.\nالمبحث الثالث: الجَمْع قبل الوصول للمزدلفة خَشية فوات وقت الصلاة.\nالسُّنة أن تُؤخَّر المغرب مع العشاء بمزدلفة، ولما قال أسامة للنبي ﷺ: الصلاة. قال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» فهذا دليل ظاهر على أن الحاج لا يشتغل بالصلاة قبل الإتيان إلى مزدلفة، إلا مع شدة الزحام أو لكثرة السيارات، فيَجوز للحاج الجَمْع بين المغرب والعشاء قبل الوصول إلى مزدلفة؛ خَشية فوات وقت الصلاة، والله أعلم.\nالمبحث الرابع: الجَمْع بين المغرب والعشاء بإقامتين.\nواختلف العلماء في هيئة الجَمْع بين الصلاتين في الأذان والإقامة على ستة أقوال:\nالقول الأول: أن يَجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٩).\n(^٢) قال ابن حجر: أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. «فتح الباري» (٣/ ٥٢٠).","vol":"1","page":470},{"text":"وبه قال زُفَر والطحاوي من الحنفية، وابن المَاجِشُون من المالكية، وهذا مذهب الشافعي في القديم، والحنابلة في المشهور عنهم، وابن حزم (^١).\nواستدلوا بالسُّنة والقياس:\nأما السُّنة، فقد روى مسلم عن جابر في حديثه الطويل: «حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ» (^٢).\nونوقش بأن هذا القَدْر منتقد على مسلم، والصحيح فيه الإرسال.\nوأما دليلهم من القياس، فكما أنه يُجْمَع في عرفة بين الظُّهر والعصر بأذان وإقامتين، فكذا يُجْمَع في مزدلفة بين المغرب والعشاء (^٣).\nونوقش بما قاله قال ابن قُدامة: وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِلْأُولَى هَاهُنَا؛ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، بِخِلَافِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ بِعَرَفَةَ (^٤).\n_________\n(^١) «الحاوي» (٤/ ٤٣٣)، و«كشاف القناع» (٢/ ٤٩١)، و«شرح معاني الآثار» (٢/ ٢١٤)، و«التمهيد» (٩/ ٢٦٦)، و«المُحَلَّى» (٥/ ١٢٤).\n(^٢) ومدار هذا الحديث على جعفر بن محمد عن أبيه، واختُلف على جعفر على الوصل والإرسال:\nفرواه حاتم بن إسماعيل عن جابر على الاتصال عند مسلم، وتابعه حفص بن غِيَاث عن جعفر على الاتصال عند أبي يعلى (٢١٨٨)، وابن خُزيمة (٤/ ٢٥٢)، والبيهقي (١٨٩٨).\nوخالفهما سليمان بن بلال وعبد الوهاب الثقفي، فروياه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلًا. أخرجه أحمد في «مسائله، رواية أبي داود» (٧٨٢)، وأبو داود (١٨٩٧).\nوقد رَجَّح الإمام أحمد وأبو داود المرسل، قال أبو داود: قال لي أحمد: أخطأ حاتم في هذا الحديث الطويل. «سُنن أبي داود» (٤/ ٢٩)، فمراد أحمد أن حاتمًا أخطأ في وصل هذا القَدْر، وإنما هو مرسل.\nوقال ابن المديني: روى عن جعفر عن أبيه أحاديث مراسيل أسندها. «تهذيب التهذيب» (٢/ ١٢٩).\nوظاهر صنيع مسلم وابن خُزيمة وابن حِبان ترجيح الوصل على الإرسال؛ إذ خَرَّجُوا الحديث الطويل في الصحيح منه هذا القَدْر.\nوقد رَجَّح البيهقي المتصل، فقال: «وَحَاتِمُ حُجَّةٌ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ أَحْسَنَ سِيَاقَةٍ، وَقَدْ تَابَعَهُ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ». «معرفة السُّنن» (٢/ ٢٣٦).\nوقد قيل: إن هذا القَدْر مُدْرَج، وليس من قول جابر. قال البيهقي في «السُّنن الكبرى» (٣/ ١٢٤): «رواه مُسْلِمٌ فِي «الصَّحِيحِ» عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ مُدْرَجًا».\n(^٣) قال ابن القيم: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، كَمَا فَعَلَ بِعَرَفَةَ. «زاد المعاد» (٢/ ٢٢٨).\n(^٤) «المغني» (٥/ ٢٨٠).","vol":"1","page":471},{"text":"القول الثاني: أنه يُجْمَع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بإقامتين بلا أذان. وهو قول الشافعي في الجديد، والرواية المشهورة عن أحمد، والثوري وإسحاق (^١).\nواستدلوا بما ورد في «الصحيحين»: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ- وفيه-: فَلَمَّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ العِشَاءُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا (^٢).\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ جَمَع بينهما بإقامتين بغير أذان، وأن مَنْ روى إقامتين هو أُسامة، وهو أعلم بحال النبي ﷺ، فإنه كان رَديفه.\nوعن ابن عمر ﵄ قال: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْعٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا» (^٣).\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٣/ ٦١٣)، و«المغني» (٥/ ٢٨٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٩)، ومسلم (١٢٨٠).\n(^٣) وقد اختُلف على ابن عمر في ألفاظ هذا الحديث، وأهمها ثلاثة ألفاظ:\nالأول: عن سالم عن ابن عمر باللفظ المذكور، فهذه الرواية صريحة في أن الرسول ﷺ جَمَع في مزدلفة بين المغرب والعشاء، كل واحدة منها بإقامة. أخرجه البخاري (١٦٧٣).\nالثاني: ما رواه مسلم (١٢٨٨) من طريق الْحَكَمِ، وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ» أي: أن النبي ﷺ جَمَع بإقامة واحدة للمغرب والعشاء.\nوقد تابع الْحَكَم وَسَلَمَةَ بن كُهَيْلٍ أبو إسحاق سعيدَ بن جُبير عند مسلم، وقد انتُقدت على مسلم.\nومدار هذه المتابعة علي أبي إسحاق واختُلف عنه:\nفرواه إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، قال: قال ابن جُبَيْر، عن ابن عمر به عند مسلم.\nوقد خالف إسماعيل جماعة، منهم: الثوري عند أحمد (٤٦٧٦)، وشُعبة عند الطيالسي (٢٠٠٩)، وشريك عند أبي داود (١٩٣٠)، وزهير بن معاوية عند الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣٩٥٩) أربعتهم عن أبي إسحاق عن عبد الله بن مالك عن ابن عمر، به.\nفالصحيح: عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك، وهو مجهول.\nوهذه المتابعة انتقدها الدارقطني على مسلم فقال: هذا عندي وَهْم من إسماعيل. وقد خالفه جماعةٌ: شُعبة، والثوري، وإسرائيل، وغيرهم، رَوَوْهُ، عَنْ أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك، عن ابن عمر.\nوإسماعيل، وإن كان ثقة، فهولاء أَقْوَمُ لحديث أَبي إسحاق منه. «الإلزامات والتتبع» (ص: ٢٩٥).\nالثالث: أن سُلَيْم بن أسود، وَعَلَّاج بْن عَمْرٍو قالا: إن النبي ﷺ جَمَع بين المغرب والعشاء بمزدلفة، بأذان وإقامة لكلتا الصلاتين. عند أبي داود (١٩٢٤).=","vol":"1","page":472},{"text":"القول الثالث: السُّنة أن يَجمع بمزدلفة بأذان واحد وإقامة واحدة. وبه قال الحنفية (^١).\nالقول الرابع: أنه يَجمع بين المغرب والعشاء بإقامة واحدة، من غير أذان.\nواستُدل لذلك بما روى ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ» (^٢).\nونوقش بأن أصح الروايات عن ابن عمر الجمع بإقامتين\nوعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِجَمْعٍ الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ» (^٣).\n_________\n=\nقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا، وَعَلَّاجُ بْنُ عَمْرٍو ذَكَرَ البُخَارِيُّ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عُمَرَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، غَيْرَ أَنَّ سُلَيْمَ بْنَ الْأَسْوَدِ وَهُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ قَدْ سَمِعَ مِنْ ابْنِ عُمَرَ. «عون المعبود» (٥/ ٢٨٦).\nفالحاصل: أن الاختلاف على ابن عمر على ثلاثة ألفاظ:\nالأول: عن سالم يقول: تصلي المغرب بإقامة، والعشاء بإقامة.\nالثاني: عن سعيد بن جُبَيْر يقول: تصلى المغرب والعشاء بإقامة واحدة لهما.\nالثالث: سُليم بن أسود وعَلَّاج يقولان: أذان وإقامة للمغرب، وأذان وإقامة للعشاء.\nوالراجح: رواية سالم في حديث ابن عمر، أن يصلي المغرب بإقامة والعشاء بإقامة في مزدلفة.\nوقد رَجَّح أحمد والبيهقي وابن عبد البر والعراقي رواية سالم التي عند البخاري.\nففي «مسائل الكَوْسَج» (١/ ٥٣٣): قلتُ: الجَمْع بين الصلاتينِ بعرفة، أو يجمع بأذان وإقامة (أو بإقامة؟) قال: لا، ولكن بإقامة، إقامة لكل صلاة، وهو خلاف ما رُوي عن سعيد بن جُبَيْر عن ابن عمر ﵄، هذا سالم عن ابن عمر ﵄.\nوقال البيهقي في «السُّنن الكبرى» (٣/ ١٢٦): «رِوَايَةُ سَالِمِ، وَهِيَ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ».\n(^١) «الهداية» (٣/ ١٥٥). وقال الزيلعي: رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ. يَعْنِي بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ؛ فَإِنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ- أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ. «نَصْب الراية» (٣/ ٦٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٨٨).\n(^٣) صحيح دون قوله: «بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ» فهو منكرة:\nومدار هذا الحديث عن عَدِيّ بن ثابت، عن عبد اللهِ بن يزيد، عن أبي أيوب، واختُلف عنه:\nفرواه جابر الجُعْفي عند الطبراني (٣٨٧٠)، وابن أبي ليلى عند ابن أبي شيبة (١٤٦٠٥)، وقيس بن الربيع عن غيلان، عند الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣٩٦٤) والحسن بن عمارة عند البيهقي (١٩١١) أربعتهم عن عدي مع لفظة «بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ». =","vol":"1","page":473},{"text":"القول الخامس: أنه يَجمع بين المغرب والعشاء بأذانين وإقامتين. وهو قول مالك (^١).\nواستَدل مالك بما روى البخاري: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ يَقُولُ: حَجَّ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁، فَأَتَيْنَا المُزْدَلِفَةَ حِينَ الأَذَانِ بِالعَتَمَةِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ رَجُلًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ، وَصَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَمَرَ- أُرَى: فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، قَالَ عَمْرٌو: لَا أَعْلَمُ الشَّكَّ إِلَّا مِنْ زُهَيْرٍ- ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ (^٢).\nوَجْه الدلالة: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِكُلٍّ مِنَ الصَّلَاتَيْنِ إِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَمْ نَجِدْهُ مَرْوِيًّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَوْ ثَبَتَ عَنْهُ لَقُلْتُ بِهِ (^٣).\nونوقش بما قاله ابن عبد البر: لَا أَعْلَمُ فِيمَا قَالَهُ مَالِكٌ حَدِيثًا مَرْفُوعًا (^٤).\nالقول السادس: أنه يَجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة من غير أذان ولا إقامة.\nواستَدل لذلك بما رُوي عن ابن سيرين قال: صَلَّيْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِجَمْعٍ الْمَغْرِبَ، بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، ثُمَّ الْعِشَاءَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ (^٥).\nوالراجح: أنه يَجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بإقامتين بلا أذان، والله أعلم.\n_________\n=\nوخالف هولاء الضعفاء: القطان عند البخاري (١٦٧٤)، ومسلم (١٢٨٧)، وشُعبة عند أحمد (٢٣٥٤٩)، وحماد بن زيد ومِسعر، كلاهما عند الطبراني (٣٨٦٢)، (٣٨٦٦) أربعتهم: عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ.\nقال ابن عبد البر: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ فِيهِ: (بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ) لِأَنَّ مَالِكًا وَغَيْرَهُ مِنَ الْحُفَّاظِ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ فِيهِ. «التمهيد» (٩/ ٢٦٥).\n(^١) «شرح الزرقاني» (٢/ ٤٧٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٧٥).\n(^٣) «فتح الباري» (٣/ ٥٢٥).\n(^٤) «المغني» (٥/ ٢٨٠).\n(^٥) «المُحَلَّى» (٥/ ١٢١).","vol":"1","page":474},{"text":"<span data-type='title' id=toc-640>السُّنة الثانية: تقديم النساء والضَّعَفة من مزدلفة إلى مِنًى.</span>\nقال ابن قُدامة: وَالْمُسْتَحَبُّ الِاقْتِدَاءُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَبِيتِ إلَى أَنْ يُصْبِحَ، ثُمَّ يَقِفُ حَتَّى يُسْفِرَ. وَلَا بَأْسَ بِتَقْدِيمِ الضَّعَفَةِ وَالنِّسَاءِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. وَلِأَنَّ فِيهِ رِفْقًا بِهِمْ وَدَفْعًا لِمَشَقَّةِ الزِّحَامِ عَنْهُمْ، وَاقْتِدَاءً بِفِعْلِ نَبِيِّهِمْ ﷺ (^١).\nالسُّنتان الثالثة والرابعة:\nصلاة الفجر بمزدلفة في أول وقتها، والدعاء بعدها.\nيُسَن للحاج بعد بياته بمزدلفة أن يصلي صلاة الفجر في أول وقتها، ويقف يدعو الله ﷿. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^٢).\nقال جابر: «حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ، حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ».\nولكن يشكل عليه ما ورد عنِ ابن مسعود قال: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةً بِغَيْرِ مِيقَاتِهَا، إِلَّا صَلَاتَيْنِ: جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ، وَصَلَّى الفَجْرَ قَبْلَ مِيقَاتِهَا (^٣).\nفالمعنى أن رسول الله ﷺ صلى الفجر قبل الوقت المعتاد، أي: في أول وقتها بعد طلوع الفجر، حيث إنه كان يتأخر بين الأذان والإقامة، أما في مزدلفة، فالوقت بين الأذان والإقامة يسير، حتى يتسع الوقت للدعاء، ويَدفع إلى مِنًى للرمي قبل طلوع الشمس (^٤).\n_________\n(^١) «المغني» (٥/ ٢٨٦).\n(^٢) «المبسوط» (٤/ ٣٣)، و«الكافي» (١/ ٣٧٤)، و«المجموع» (٨/ ١٢٥)، و«المغني» (٥/ ٢٨٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٦٨٢).\n(^٤) قال النووي: صلى الفجر يومئذٍ قبل وقتها المعتاد بعد تحقق طلوع الفجر، لا قبل طلوع الفجر؛ لأن ذلك ليس بجائز بإجماع المسلمين. «شرح مسلم» (٩/ ٣٧).\nوقال ابن القيم: فلما طلع الفجر صلاها في أول الوقت، لا قبله قطعًا. «زاد المعاد» (٢/ ٢٣٣).","vol":"1","page":475},{"text":"<span data-type='title' id=toc-643>السُّنة الخامسة: الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس.</span>\nيُستحب أن يَدفع الحاج من مزدلفة قبل طلوع الشمس، بالإجماع. (^١).\nوفي حديث جابر، وفيه: «حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ … فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ».\nوَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ يَقُولُ: شَهِدْتُ عُمَرَ ﵁ صَلَّى بِجَمْعٍ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: «إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ. وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-644>السُّنة السادسة: الإسراع في وادي مُحَسِّر.</span>\nويُستحب الإسراع في وادي مُحَسِّر. وهذا باتفاق المذاهب الأربعة (^٣).\nفقد روى مسلم في حديث جابر: «حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى».\nقال النووي: قَوْلُهُ: (حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيلَ أَصْحَابِ الفِيلِ حُصِرَ فِيهِ، أَيْ: أَعْيَا فِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (فَحَرَّكَ قَلِيلًا) فَهِيَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ السَّيْرِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، يُسْرِعُ الْمَاشِي فِي وَادِي مُحَسِّرٍ، وَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ (^٤).\nوعن ابن عمر، أَنَّه كَانَ يُحَرِّكُ رَاحِلَتَهُ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ، قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ (^٥).\nفينبغي للمار في وادي مُحَسِّر الاعتبار بما أصاب أصحاب الفيل، وأن يُسْرِع.\n_________\n(^١) قال ابن قُدامة: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ السُّنَّةَ الدَّفْعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ «المغني» (٥/ ٢٨٦). قال ابن عبد البر: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ وَقَفَ بِالمَشْعَرِ الحَرَامِ بَعْدَ مَا صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَفَعَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. «الاستذكار» (٤/ ٢٩٢).\n(^٢) رواه البخاري (١٦٨٤).\n(^٣) «البحر الرائق» (٢/ ٣٦٨)، و«الاستذكار» (٤/ ٢٩٧)، و«المجموع» (٨/ ١٢٥)، و«المغني» (٣/ ٣٧٨).\n(^٤) «شرح مسلم» (٨/ ١٩٠).\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (١١٦٥) عن نافع، به.","vol":"1","page":476},{"text":"الباب الثالث عشر\nرَمْي جمرة العقبة يوم النحر\nوفيه تمهيد، وأربعة مباحث:\nالتمهيد: الجمرات التي تُرمَى ثلاث.\nالمبحث الأول: لا يَرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة الكبرى.\nالمبحث الثاني: الوقت المُستحَب لرمي جمرة العقبة يوم النحر.\nالمبحث الثالث: بيان أول وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر.\nالمبحث الرابع: حُكْم مَنْ تَرَك رمي جمرة العقبة يوم النحر، وليلة أول أيام التشريق.","vol":"1","page":477},{"text":"تمهيد\nالجمرات التي تُرمَى ثلاث: جمرة العقبة، وهي الكبرى، وتقع في آخِر مِنًى تجاه مكة. والجمرة الصغرى أول الجمرات من جهة مِنًى، وأبعدها من مكة وأقربها لمسجد الخَيْف.\nوأيام الرمي أربعة: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده، تُسمَّى أيام التشريق.\n\n<span data-type='title' id=toc-646>المبحث الأول: لا يَرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة </span>الكبرى:\nفعن جابر في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ يوم النحر: «حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ».\nقال ابن المنذر: أجمعوا على أنه لا يَرمي في يوم النحر غير جمرة العقبة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-647>المبحث الثاني: الوقت المُستحَب لرمي جمرة العقبة يوم النحر:</span>\nقال ابن عبد البر: وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا رَمَاهَا ضُحَى ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ رَمَاهَا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَهَا وَوَقْتَهَا الْمُخْتَارَ. وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ رَمَاهَا يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ الْمَغِيبِ، فَقَدْ رَمَاهَا فِي وَقْتٍ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَحْسَنًا لَهُ (^٢).\nالمبحث الثالث: بيان أول وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر:\nاتَّفَق العلماء على أن رمي جمرة العقبة قبل نصف الليل، من ليلة النحر- لا يجزئ بحال.\nواختلفوا في بداية وقت إجزاء رمي جمرة العقبة يوم النحر على أربعة أقوال:\nالقول الأول: يَبدأ وقت رمي جمرة العقبة من منتصف ليلة يوم النحر، ويُسَن أن يكون بعد طلوع الشمس. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) «الإجماع» (ص: ٥٨). نَقَل الإجماع على ذلك: ابن عبد البر في «التمهيد» (٧/ ٢٦٨)، وابن رُشد في «بداية المجتهد» (١/ ٣٥٠) وغيرهما كثير.\n(^٢) «التمهيد» (٧/ ٢٦٨). ونَقَل الإجماع على ذلك: ابن رُشد في «بداية المجتهد» (٢/ ١١٦)، والعيني في «عمدة القاري» (١٠/ ٧١)، وابن بَطَّال في «شرح البخاري» (٤/ ٤٠٧)، وغيرهما كثير.\n(^٣) «الأم» (٢/ ٢١٣)، و«الحاوي» (٤/ ١٨٥)، و«المغني» (٥/ ٢٩٥)، و«الإنصاف» (٩/ ٢٠١). قَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: رَجُلٌ خَرَجَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ نِصْفَ اللَّيْلِ، فَأَتَى مِنًى وَعَلَيْهِ لَيْلٌ، يَرْمِي الْجِمَارَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. «شرح العمدة» (٢/ ٦١٥).","vol":"1","page":478},{"text":"واستدلوا بما ورد عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ المُزْدَلِفَةِ، فَقَامَتْ تُصَلِّي، فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ غَابَ القَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَارْتَحِلُوا. فَارْتَحَلْنَا وَمَضَيْنَا، حَتَّى رَمَتِ الجَمْرَةَ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَصَلَّتِ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلِهَا (^١).\nفأسماء دفعت من مزدلفة إلى مِنًى بعد غياب القمر، ثم رمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم رجعت فصَلَّتْ الصبح في منزلها.\nوَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٧٩).\n(^٢) ضعيف، مدار هذا الحديث على هشام بن عروة، واختُلف عليه على ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: مَنْ رواه عن هشام موصولًا، فرواه الضحاك بن عثمان وفيه مقال، عند أبي داود (١٩٤٢)، تَابَعه على الاتصال ثلاثة من الضعفاء عبد الله بن محمد بن عروة، ومحمد بن عبد الله بن عُمير، وشَريك، عند الدارقطني في «العلل» (٩/ ٥٠) عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، به.\nوقد صَحَّح هذا الوجه الموصول: البيهقي فقال: «هَذَا إِسْنَادٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ» «معرفة السُّنن والآثار» (٧/ ٣١٧)، وابن المُلقِّن في «البدر المنير» (٦/ ٢٥٠)، وابن حجر في «الدراية» (٢/ ٢٤) وقال ابن عبد الهادي في «المُحرَّر» (١/ ٤٥٢): رجاله رجال مسلم.\nالوجه الثاني: مَنْ رواه عن هشام مرسلًا، فرواه داود العَطَّار، والدراوردي، عند الشافعي (١٠٠٢)، وحماد بن سلمة عند الطحاوي في «شرح المشكل» (٣٥٢١)، والثوري وابن عُيينة، ويحيى القطان، كما في «العلل» لأحمد، رواية ابنه عبد الله (٢/ ٣٦٨)، وعبدة بن سليمان، كما في «التمييز» (ص: ١٢٣) وحَبيب المُعَلِّم، كما في «العلل» للدارقطني (١٥/ ٢٤٥) جمعيهم عن هشام، عن أَبيه، مرسلًا.\nقال الدارقطني في «العلل» (٥/ ١٧٧): والمرسل هو المحفوظ.\nالوجه الثالث: رواه أبو معاوية، فجَعَله من مُسْنَد أم سلمة، بلفظ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تُوَافِيَ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ. أخرجه أحمد (٢٦٤٩٢). وهذا منكر، من أوهام أبي معاوية؛ لأن النبي صلى الصبح يوم النحر بالمزدلفة. قال ابن القيم: «حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، أَنْكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ». «زاد المعاد» (٢/ ٢٣٠). وقال مسلم: وهذا الخبر وهم من أبي معاوية. «التمييز» (ص: ١٨٦). وقال ابن التركماني: وهو مضطرب سندًا ومتنًا. «الجوهر النقي» (٥/ ١٣٢).\nوَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ- وهو متروك- عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَدَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، فِيمَنْ قَدِمَ مِنْ ضَعَفَةِ أَهْلِهِ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ. قَالَتْ: فَرَمَيْتُ الْجَمْرَةَ بِلَيْلٍ، ثُمَّ مَضَيْتُ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّيْتُ بِهَا الصُّبْحَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مِنًى. أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٢٣/ ٢٦٨).\nفالحاصل: أن مدار هذا الحديث على هشام بن عروة، واختُلف عليه، فرواه الضحاك بن عثمان، وفيه مقال، وجماعة من الضعفاء، على الاتصال، وخالفهم جماعة من الثقات، كحماد بن سلمة ويحيى القطان والثوري وابن عُيينة وعبدة بن سليمان … وغيرهم على الإرسال، وهذا هو الصحيح، ورواه أبو معاوية فجَعَله من مسند أم سلمة، وهو منكر، والله أعلم.","vol":"1","page":479},{"text":"وأما دليلهم من المعقول، فهو أنه وقت للدفع، فكان وقتًا للرمي، فإذا جاز الدفع من مزدلفة بعد غياب القمر إلى مِنًى، جاز الرمي قبل طلوع الفجر، وما بعد نصف الليل وقت للدفع من مزدلفة، فكان وقتًا للرمي، كبَعْد طلوع الشمس.\nالقول الثاني: أن أول وقت رمي جمرة العقبة بعد طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، ولا يجزئ قبله. وهذا مذهب الحنفية والمالكية، ورواية عن أحمد (^١).\nواستدلوا بالسُّنة والمعقول:\nأما السُّنة، فاستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «لَا تَرْمُوا الْجِمَارَ حَتَّى تُصْبِحُوا» (^٢). والصباح يَبدأ بطلوع الفجر الثاني.\nونوقش بأنه لا يصح، ولو صح فيُحْمَل على أن الرمي بعد الفجر على الاستحباب؛ لأن الرسول ﷺ أَذِن للضَّعَفة بالانصراف ليلًا من مزدلفة؛ لأنهم بمجرد وصولهم إلى مِنًى سيَرمون الجمرة ليلًا أو نهارًا. ولأن النبي ﷺ لم ينههم عن الرمي ليلًا، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ، فَرَمَيْنَا الْجَمْرَةَ مَعَ الْفَجْرِ (^٣).\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٧)، و«المُدوَّنة» (١/ ٤٣٦)، و«الإنصاف» (٤/ ٢٣٧).\n(^٢) منكر، وسيأتي تخريجه بتوسع.\n(^٣) رُوي حديث ابن عباس على ثلاثة أوجه:\nالأول: بذكر التعجيل في الدفع للضعفة، ففي «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: «أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ، فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ» فهذا هو الثابت عن ابن عباس بلا شك، وليس فيه النهي عن الرمي قبل طلوع الشمس.\nالثاني: بذكر التعجيل في الدفع للضعفة، مع زيادة منكرة، وهي النهي عن الرمي قبل طلوع الشمس.\nالثالث: بذكر التعجيل في الدفع وذِكر الرمي مع الفجر، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ، فَرَمَيْنَا الْجَمْرَةَ مَعَ الْفَجْرِ» أخرجه الطيالسي (٢٨٥٢) وأحمد (٢٩٣٥، ٢٩٣٦).\nوقوله: «فَرَمَيْنَا الْجَمْرَةَ مَعَ الْفَجْرِ» زيادة منكرة؛ لتَفرُّد شُعبة بن دينار بهذه اللفظة عن ابن عباس، وهو ضعيف، وقد خالف شُعبة الروايات الثابتة عن ابن عباس بدون ذكر الرمي مع الفجر.\nوروى الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣٩٧٢): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِلْعَبَّاسِ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ: «اذْهَبْ بِضُعَفَائِنَا وَنِسَائِنَا، فَلْيُصَلُّوا الصُّبْحَ بِمِنًى، وَلْيَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُمْ دَفْعَةُ النَّاسِ». وهذا المتن ليس فيه أنهم رَمَوُا الجمرة مع الفجر.\nوفي إسناده إسماعيل بن عبد الملك، قال ابن حجر: صدوق، كثير الوهم. قلت: وهو إلى الضعف أقرب. وقال ابن حِبان: تَرَكه ابن مهدي، وكان سيئ الحفظ، رديء الفَهْم، يَقلب ما روى. قال أحمد: منكر الحديث. هذا المتن من أوهامه لمخالفة الثقات له بدون ذكر صلاة الفجر في مِنًى.","vol":"1","page":480},{"text":"وأما المعقول، فإن دخول وقت الرمي يكون بانتهاء وقت الوقوف بعرفة، وقد حَصَل الإجماع على أنه لا ينتهي وقت الوقوف بعرفة إلا مع طلوع الفجر، ولا يجتمع الوقوف والرمي في وقت واحد.\nونوقش بأن أفعال الحج لا مانع أن تجتمع في وقت واحد؛ فليلة النحر وقت للوقوف بعرفة، وأصل للوقوف بمزدلفة، وكيوم النحر وقت للرمي والنحر والحَلْق والطواف.\nالقول الثالث: أن أول وقت الرمي يوم النحر هو طلوع الشمس، ولا يجوز رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس. وهو قول مجاهد والثوري وابن حزم (^١).\nواستدلوا بما ورد عن ابن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ مِنْ جَمْعٍ، وَقَالَ: «لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (^٢).\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ٢١)، و«المغني» (٥/ ٢٩٥)، و«المُحَلَّى» (٥/ ١٣٢).\n(^٢) ضعيف، حديث ابن عباس له عدة طرق، من أهمها (مِقْسَم وعطاء والحسن العُرَنِي).\nالطريق الأول: طريق مِقْسَم، رواه المسعودي، عن الحَكَم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس، به. أخرجه أحمد (٣٠٠٣) (٣٠٠٦) (٣٢٠٣) والترمذي (٨٩٣).\nوقد أُعِل بعلتين: الأولى: المسعودي، وقد اختَلَط. الثانية: الانقطاع بين الحَكَم بن عُتبة ومِقْسَم، قال البخاري: «حديث الحَكَم هذا عن مِقْسَم مضطرب لِما وَصَفْنا، ولا يُدْرَى الحَكَم سَمِع هذا من مِقْسَم أم لا». «التاريخ الأوسط» (٣/ ٢٠٢).\nالطريق الثاني: رواه حَبِيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عباس، به، عند أبي داود (١٩٣٢).\nوعلة هذا الطريق أن رواية حَبيب فيها ضعف عن عطاء. قال يحيى القطان: رواية حبيب بن أبي ثابت عن عطاء ليست بمحفوظة. «الضعفاء الكبير» للعُقيلي (١/ ٤٨٤)، و«شرح علل الترمذي» (٢/ ٨٠١).\nالطريق الثالث: رواه سَلَمَة بن كُهَيْل، عن الحَسَن العُرَنِيّ، عن ابن عباس، عند أحمد (٢٠٨٢).\nقال أحمد والبخاري: لم يَسمع الحسن من ابن عباس. «العلل» رواية ابنه عبد الله (١/ ١٤٣)، و«التاريخ الأوسط» (٣/ ٢٠٢).\nوله طرق أخرى عن ابن عباس لا تخلو من مقال.\nفالحاصل: أن طرق حديث ابن عباس في النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس- كلها ضعيفة، وتخالف الأسانيد الصحيحة؛ فقد اتفقت الرواة عن ابن عباس على أنه قَدَّم ضَعَفة أهله ليلة المزدلفة، ففي «الصحيحين»: عن ابن عباس ﵄ قال: «أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ» فهذا هو الثابت عن ابن عباس، وليس فيه النهي عن الرمي قبل طلوع الشمس.\nقال البخاري: أحاديث الرمي قبل طلوع الشمس أَكثر وأَصح. «التاريخ الأوسط» (١/ ٢٩٧).\nقال ابن خُزيمة: قَدْ خَرَّجْتُ طُرُقَ أَخْبَارِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي كِتَابِي الْكَبِيرِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» وَلَسْتُ أَحْفَظُ فِي تِلْكَ الأَخْبَارِ إِسْنَادًا ثَابِتًا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ. (٤/ ٤٧٥).\nفدل ذلك على أن الصحيح عن ابن عباس أن الرسول ﷺ رَخَّص له في الانصراف من مزدلفة إلى مِنًى مع ضَعَفة أهله، والنهي عن رمي الجمرة قبل طلوع الشمس لم يأتِ إلا في روايات مُعَلة، والله أعلم.","vol":"1","page":481},{"text":"القول الرابع: أن رمي جمرة العقبة لا يَجوز قبل طلوع الشمس للأقوياء، بخلاف الضعفاء. وهذا قول ابن القيم والشوكاني والصنعاني (^١).\nواستدلوا بأن جميع الأحاديث الواردة في الترخيص في الرمي قبل طلوع الشمس- كلها للضَّعَفة، كما في حديث ابن عمر أنه كان يُقَدِّم ضَعَفة أهله … وقال: أَرْخَصَ في أولئك رسول الله ﷺ. وغيره من الأحاديث.\nفالمنطوق أن الإذن والترخيص للضَّعَفة بالرمي قبل طلوع الشمس. والمفهوم أنه لم يُرخِّص لمن سواهم، وما دام لم يُرخِّص لهم فالأصل البقاء على الوقت الذي رمى فيه النبي ﷺ، وهو بعد طلوع الشمس (^٢).\nفيُرَد عليهم بأن النبي ﷺ أَذِن بدفع الضَّعَفة بليل قبل الفجر، مما يُفْهَم منه إتيانهم بقَدْر الواجب، وأن ما بعده كمال. ولو كان هذا القَدْر غير مفيد في ذلك، لم يكن لتأخير الإذن لهم حتى الليل معنى.\nوالراجح: أن رمي جمرة العقبة يوم النحر يَجوز من بعد غياب القمر، كما في حديث أسماء الدال على الإذن في رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس.\nولذا يَجوز لأهل الأعذار من النساء ومحارمهن من الرجال والمرضى، ومَن يقوم عليهم من الأقوياء، والصبيان وغيرهم من أهل الأعذار- الرمي قبل طلوع الشمس، وإن كان الأفضل هو الرمي بعد طلوع الشمس إن لم يكن هناك مشقة أو حرج.\n_________\n(^١) «زاد المعاد» (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٤)، و«نَيْل الأوطار» (٥/ ١٤٤)، و«سُبُل السلام» (٢/ ٤٣٠).\n(^٢) قال ابن القيم: ثم تأملنا، فإذا إنه لا تَعارُض بين هذه الأحاديث؛ فإنه أَمَر الصبيان أن لا يَرموا الجمرة حتى تَطلع الشمس؛ فإنه لا عُذْر لهم في تقديم الرمي، أما مَنْ قَدَّمَه من النساء فرمين قبل طلوع الشمس للعذر، والخوف عليهن من مزاحمة الناس وحَطْمهم. «زاد المعاد» (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٤).","vol":"1","page":482},{"text":"وأما الأقوياء، فيُسَن لهم الرمي بعد الشروق؛ لأن النبي ﷺ رمى جمرة العقبة ضُحى.\nالمبحث الرابع:\nحُكْم مَنْ تَرَك رمي جمرة العقبة يوم النحر، وليلة أول أيام التشريق.\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أن مَنْ تَرَك رمي جمرة العقبة يوم النحر وليلة أول أيام التشريق- تَدارَكها في اليوم التالي، ويُشترط فيه الترتيب، فتُقدَّم على رمي أيام التشريق. وهو مذهب الحنفية والمالكية، والأظهر عند الشافعية، وبه قال الحنابلة (^١).\nواستدلوا بالسُّنة والقياس:\nأما السُّنة، فاستدلوا لصحة تأخير رمي جمرة العقبة إلى اليوم الثاني إذا دعت الحاجة- بما رواه عاصم العَجْلاني ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِرِعَاءِ الإِبِلِ في البَيْتُوتَةِ عَنْ مِنًى، يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الغَدَ، ومِنْ بَعْدِ الغَدِ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ.\nقال النووي: والدليل عليه أنه يَجوز لرعاة الإبل أن يؤخروا رمي يوم إلى يوم بعده، فلو لم يكن اليوم الثاني وقتًا لرمي اليوم الأول، لما جاز الرمي فيه (^٢).\nوأما القياس، فإنه لما كان جميع أيام التشريق وقتًا لنحر الأضاحي، وجب أن يكون جميعها وقتًا لرمي الجمار.\nالقول الآخَر: رَمْي كل يوم مؤقت بيومه. وهو قول للشافعية (^٣).\nوالدليل عليه: أنه رَمْي مشروع في يوم، ففات بفواته، كرمي اليوم الثالث.\nوالراجح: أن مَنْ تَعَذَّر عليه رمي جمرة العقبة يوم النحر، وليلة أول أيام التشريق- تَدارَكها في اليوم التالي.\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٧)، و«شرح خليل» (٢/ ٣٣٦)، و«تحفة المحتاج» (٤/ ١٣٧)، و«المبدع» (٣/ ٢٣٠).\n(^٢) «المجموع» (٨/ ٢٣٦).\n(^٣) السابق.","vol":"1","page":483},{"text":"<span data-type='title' id=toc-650>الباب الرابع عشر\nالحَلْق والتقصير\nوفيه تسعة مباحث:</span>\nالمبحث الأول: تعريف الحَلْق والتقصير.\nالمبحث الثاني: حُكْم الحلق والتقصير.\nالمبحث الثالث: القَدْر الواجب حلقه أو تقصيره.\nالمبحث الرابع: هل يجزئ التقصير عن الحلق؟\nالمبحث الخامس: الأفضل الحلق أم التقصير؟\nالمبحث السادس: الحلق والتقصير للمرأة.\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: لا يَجوز في حق المرأة إلا التقصير.\nالمطلب الثاني: مقدار تقصير شعر المرأة.\nالمبحث السابع: مَنْ تَعَذَّر عليه الحلق أو التقصير.\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: مَنْ تَعَذَّر عليه الحلق أو التقصير؛ لعدم وجود الشعر.\nالمطلب الثاني: مَنْ تَعَذَّر عليه الحلق أو التقصير لمرض ونحوه.\nالمبحث الثامن: حُكْم التيامن في حلق الرأس.\nالمبحث التاسع: ميقات الحلق والتقصير.","vol":"1","page":484},{"text":"<span data-type='title' id=toc-651>المبحث الأول: تعريف الحَلْق والتقصير</span>\nالحلق: هو إزالة شعر الرأس كله بالموسى.\nوالتقصير: هو أخذ جزء من شعر الرأس كله بالمقص (^١).\nالمبحث الثاني: حُكْم الحَلْق أو التقصير\nاختَلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الحلق أو التقصير واجب من واجبات الحج والعمرة، يُجْبَر بدم. وهو مذهب الحنفية والمالكية، والصحيح عند الشافعية، والحنابلة في المشهور عنهم (^٢).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة:\nأما الكتاب، فاستدلوا بدليلين:\nالدليل الأول: استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧].\nدلت الآية على وجوب الحلق من وجهين:\nالأول: أن العبادة إذا سُميت بما يُفعل فيها، دل على أنه واجب فيها، كقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يدل على وجوبه في صلاة الفجر، فكذا وَصْف الله تعالى دخول الصحابة الحرم للنسك، بقوله سبحانه: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ ولو لم يكن الحلق واجبًا لَمَا وَصَفهم به.\nالثاني: أن قوله: (لتَدخلُن) خبر بصيغته، ومعناه الأمر، أي: ادخلوا، فيقتضي وجوب الدخول بصفة الحلق. ولَمَّا خصه الله بالذِّكر دون غيره، دل ذلك على أنه نسك واجب.\nالدليل الثاني: استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩].\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ٧٠). الحَلْق يكون بالمُوسَى، ولا يكون بالماكينة، حتى ولو كانت على أدنى درجة؛ فإن ذلك يكون تقصيرًا؛ لأن الحلق يكون من غير استئصال. «الشرح الممتع» (٧/ ٣٢٨).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٤٠)، و«الاستذكار» (١٣/ ١٠٧)، و«الأم» (٢/ ٢١١)، و«الفروع» (٦/ ٥٦).","vol":"1","page":485},{"text":"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: التَّفَثُ: حَلَقُ الرَّأْسِ، وَأَخْذٌ مِنَ الشَّارِبَيْنِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، … (^١).\nفالحاصل: أن التفث هو الأوساخ والأدران التي تكونت بسبب محظورات الإحرام، وقضاء التفث يكون بحلق الرأس ولُبْس المَخيط وتقليم الأظفار، وسائر أنواع التنظف، وكل ما كان ممنوعًا بسبب الإحرام.\nوأما دليلهم من السُّنة، فاستدلوا بفعله ﷺ، فعن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ حَلَق رأسه في حَجة الوداعِ (^٢) وقد قال ﷺ: «لتأخذوا مناسككم».\nوقد دلت الأحاديث المستفيضة على أن النبي ﷺ أَمَر أصحابه بالحلق في حَجة الوداعِ؛ فعن جابر ﵄، أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُمْ: «أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ بالبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا» (^٣).\nقوله ﷺ: «وقَصِّروا» هذا أمر من رسول الله ﷺ، والأمر يقتضي الوجوب.\nواستدلوا بأن النبي ﷺ لما أُحْصِرَ هو وأصحابه بالحُديبية أَمَرهم بالحلق؛ لأن سقوط بقية الأركان والواجبات إنما هو بعجزهم عنها، فبقي وجوب ما استطاعوا عليه، وهو الهَدْي والحلق أو التقصير (^٤).\nالقول الثاني: ذهب الشافعية في المشهور عنهم إلى أن الحَلْق ركن من أركان الحج؛ لأنه لا يَجبره الدم ولا تقوم الفدية مَقامه.\nالقول الثالث: أن الحَلْق أو التقصير ليس بنسك، وإنما هو استباحة محظور لا يترتب على تركه شيء، كاللباس والطِّيب وسائر محظورات الإحرام، ويَحصل الحِل بدونه. وهذا قول عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه الطبري (١٦/ ٥٢٦)، وابن أبي شيبة (١٥٩١٧).\n(^٢) رواه البخاري (٤٤١٠)، ومسلم (١٣٠٤).\n(^٣) رواه البخاري (١٥٦٨). وفي البخاري (١٧٣١): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّوا، وَيَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا».\n(^٤) روى البخاري (٢٧٠١): عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ.\n(^٥) قال النووي: وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ قَوْلَين لِلشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ، مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِنُسُك، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أبِيحَ لَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُحْرِمًا، كَاللِّبَاسِ وَتَقْلِيم الأظْفَارِ وَالصَّيْدِ … وَغَيْرِهَا.\nوَالْقَوْلُ الثانِي- وَهُوَ الصَّحيحُ-: أنَّهُ نُسُكٌ مَأمُورٌ بِهِ، وَهُوَ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ، وَلَا يُجْبَرُ بِدَمٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَا يَفُوتُ وَقْتُهُ مَا دَامَ حَيًّا. «الإيضاح» (ص: ٣٤٢، ٣٤٣).","vol":"1","page":486},{"text":"واستدلوا بأن الرسول ﷺ أَمَر أبا موسى أن يتحلل بطواف وسعي، بقوله: «طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَحِلَّ» ولم يَذكر التقصير.\nونوقش بأن الحَلْق أو التقصير ثَبَتَ الأمر به في أحاديث، فإن لم يُذْكَر في أحاديث أُخَر؛ فلأن ذلك كان مشهورًا عندهم، فاستُغني عن ذِكره (^١).\nوالراجح: أن الحَلْق أو التقصير واجب من واجبات الحج؛ لأن الله وصفهم بقوله سبحانه: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] ولو لم يكن واجبًا لَمَا وَصَفهم به، والنبي ﷺ أَمَر أصحابه بتقصير الشَّعر، والأمر يقتضي الوجوب، وكذا الرسول ﷺ هو وأصحابه داوموا على الحَلْق بعد السعي، ولو لم يكن واجبًا لتَرَكه ﷺ ولو مرة بيانًا للجواز.\n\n<span data-type='title' id=toc-653>المبحث الثالث: القَدْر الواجب حلقه أو تقصيره:</span>\nلا خلاف بين العلماء أن مَنْ حَلَق أو قَصَّر جميع شعر الرأس، أنه يجزئه.\nواختلفوا في القَدْر الذي يتحقق به الواجب على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الواجب لا يتحقق إلا بحلقِ أو تقصيرِ جميع شعر الرأس. وبه قال ابن الهُمَام من الحنفية، والمالكية، وهو المشهور عند الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بالكتاب والسنة:\nأما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] فظاهر الآية يقتضي حَلْق جميع شعر الرأس.\nوأما السُّنة، فعن ابن عمر ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ (^٣). فقوله: (حَلَقَ رَأْسَهُ) يدل على أن الحَلْق عامّ في جميع شعر الرأس.\n_________\n(^١) «المغني» (٥/ ٣٠٦)، و«شرح مسلم» (٩/ ٥٠).\n(^٢) «شرح فتح القدير» (٢/ ٥٠٣)، و«مواهب الجليل» (٣/ ١٢٨)، و«الفروع» (٣/ ٥١٣).\n(^٣) رواه البخاري (٤٤١٠)، ومسلم (١٣٠٤).","vol":"1","page":487},{"text":"القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أن الواجب يتحقق بحلقِ أو تقصيرِ ربع الرأس (^١).\nواستدلوا بالقياس، فإذا كان يَجوز مسح ربع الرأس في الوضوء، فكذا يَجوز حلق ربع الرأس في الحج، والله قال: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والباء للتبعيض، كما تقول: (مَسَحْتُ بالحائط) وهو مَسْح بجزء من الحائط.\nونوقش هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: أن الباء هنا للإلصاق، وهذا مِثل قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وقد أجمعوا على أنه لا يَجوز الطواف ببعض البيت.\nالثاني: أن النبي ﷺ هو المُبيِّن للناس ما أُنْزِلَ إليه، وقد حَلَق جميع شعر رأسه، بدأ بالجانب الأيمن ثم الأيسر، وقال: «لتأخذوا عني مناسككم».\nالقول الثالث: ذهب الشافعية إلى أنه يتحقق الواجب بحلقِ أو تقصيرِ ثلاث شعرات من الرأس؛ لعموم قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] والمعنى: محلقين شعوركم، جَمْع، وأقله ثلاث شعرات، فجاز الاقتصار على ثلاث (^٢).\nونوقش بأن النبي ﷺ هو المُبيِّن لِما أُنْزِلَ إليه، وقد حَلَق جميع شعره. ولو كان يَجوز حلق بعض الشَّعر وتَرْك البعض الآخَر، لبَيَّنه رسول الله ﷺ. بل قد ورد النهي عن ذلك، فعن ابن عمر ﵄ يقول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَنِ القَزَعِ (^٣).\nوالراجح: أنه يجب تعميم حَلْقِ أو تقصيرِ جميع شَعر الرأس في حج أو عمرة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] أي: جميع شعر الرأس. ولأن النبي ﷺ حَلَق جميع شعر رأسه، وكذا الصحابة. ولو كان يَجوز حَلْق بعض الرأس لبَيَّنه النبي ﷺ لأمته.\n_________\n(^١) «فتح القدير» (٢/ ٥٠٢)، و«بدائع الصنائع» (٣/ ١٤١)، و«المبسوط» (٤/ ٧٠).\n(^٢) «المجموع» (٨/ ١٩٩).\n(^٣) البخاري (٥٩٢٠). والقَزَع: هو حَلْق بعض الرأس وتَرْك البعض؛ تشبيهًا بقزع السحاب. وكذا مَنْ حَلَق ثلاث شعرات لا يطلق عليه حالق، ومَن رآه لا يَدري أنه حَلَق شعر رأسه أم لا.","vol":"1","page":488},{"text":"<span data-type='title' id=toc-654>المبحث الرابع: هل يجزئ التقصير عن الحلق؟</span>\nأَجْمَع العلماء على أن مَنْ حلق شعر رأسه أو قَصَّره، فقد أدى النسك (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-655>المبحث الخامس: الأفضل في حلق الرأس: الحلق أم التقصير؟</span>\nحَلْق جميع الرأس أفضل من تقصيره، بالكتاب والسُّنة والإجماع والمعقول.\nأما الكتاب، فاستُدل بظاهر قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].\nوَجْه الدلالة: أن الله ﷿ بدأ بالحَلْق، والعَرَب تَبدأ بالأهم والأفضل.\nوأما السُّنة، فعن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ حَلَق رأسه في حَجة الوداعِ (^٢)\n_________\n(^١) قال النووي: وَالْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ ثَابِتَانِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُجْزِئُ بِالْإِجْمَاعِ. «المجموع» (٨/ ١٩٩). ونَقَله ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣٥٥)، وابن حجر في «فتح الباري» (٣/ ٥٦٤).\n(^٢) رواه البخاري (٤٤١٠)، ومسلم (١٣٠٤).\nولكن يُشْكِل على هذا أن الرسول ﷺ قَصَّر شعره في حجة الوداع، فَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: «قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ الْمَرْوَةِ، بِمِشْقَصٍ فِي حَجَّتِهِ» صحيح دون قوله: (في حجته) فهو منكر.\nومدار الحديث على ابن عباس، عن معاوية، ويرويه عن ابن عباس ثلاثة:\nالأول: طاوس، واختُلف عليه، فرواه أحمد بن حنبل، عند الطبراني (١٩/ ٣٠٩)، وأحمد بن منصور الرمادي، كما في «الأمالي في آثار الصحابة» لعبد الرزاق (١٤١)، والحسن بن علي، عند أبي داود (١٨٠٣) ثلاثتهم عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن طاوس، به.\nوخالفهم مَخْلَد بن خالد، والذُّهْلي، عند أبي داود (١٨٠٣)، عن عبد الرزاق، بدون لفظة: (في حجته).\nويَظهر أن هذه الزيادة مِنْ قِبل عبد الرزاق، فقد رواها عنه ثلاثة من الثقات.\nورواه: الحسن بن مسلم، عند البخاري (١٧٣٠)، ومسلم (١٢٤٦) وهشام بن حُجَيْر عند مسلم (١٢٤٦) كلاهما عن طاوس، به، ولم يَذكرا في حديثهما: (في حجته).\nالثاني: عطاء، فرواه قيس بن سعد، عن عطاء، عن معاوية قال: أَخَذْتُ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ كَانَ مَعِي، بَعْدَ مَا طَافَ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فِي أَيَّامِ العَشْرِ. قَالَ قَيْسٌ: وَالنَّاسُ يُنْكِرُونَ هَذَا عَلَى مُعَاوِيَةَ، عند النَّسَائي (٢٩٨٩)، وأحمد (١٦٨٣٦).\nوفي إسناده ثلاث علل:\nالأولى: الانقطاع بين عطاء ومعاوية؛ فبينهما ابن عباس.\nالثانية: أنه من رواية حماد بن سلمة عن قيس بن سعد، وهي ضعيفة.\nالثالثة: رواه خُصَيْف عن مجاهد وعطاء به، بدون لفظة: (في حجته) عند أحمد (١٦٨٦٣). =","vol":"1","page":489},{"text":"والرسول ﷺ لا يَفعل إلا الأفضل.\nواستدلوا بأن النبي ﷺ في حَجة الوداعِ دعا للمُحلِّقين ثلاثًا، وللمُقصِّرين مَرَّة (^١).\nوأما الإجماع، فقال ابن عبد البر: وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْحِلَاقَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ (^٢).\nوأما المعقول، فما قاله الحافظ: أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعِبَادَةِ، وَأَبْيَنُ لِلْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ، وَأَدَلُّ عَلَى صِدْقِ النِّيَّةِ. وَالَّذِي يُقَصِّرُ يُبْقِي عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا يَتَزَيَّنُ بِهِ، بِخِلَافِ الْحَالِقِ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى (^٣).\n_________\n=\nالثالث: محمد بن علي بن الحسين، فرواه جعفر بن محمد عن أبيه عن ابن عباس، عند أحمد (١٦٨٨٦) ولم يَذكر في حديثه: (في حجته) فلفظة (في حجته) منكرة؛ لأن الثابت أن النبي ﷺ حج قارنًا، ولم يَحِلَّ إلا يوم النحر، وحَلَق في حجته بمِنًى، ولم يُقَصِّر.\nقال ابن تيمية: في «الصحيحين»: عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ: «قَصَّرْتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْمَرْوَةِ». قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَلَكِنَّ هَذَا خِلَافُ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإِنَّهَا كُلَّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِهِمُ الْحِلَّ كُلَّهُ. «منهاج السُّنة النبوية» (٤/ ٤٣٧).\nوقال النووي: وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَصَّرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَ قَارِنًا، وَثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ حَلَقَ بِمِنًى. وَفَرَّقَ أَبُو طَلْحَةَ ﵁ شَعْرَهُ بَيْنَ النَّاسِ. فَلَا يَجُوزُ حَمْلُ تَقْصِيرِ مُعَاوِيَةَ عَلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ أَيْضًا عَلَى عُمْرَةِ الْقَضَاءِ الْوَاقِعَةِ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ؛ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مُسْلِمًا، إِنَّمَا أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، سَنَةَ ثَمَانٍ. «شرح مسلم» (٨/ ٢٣١).\n(^١) رواه مسلم (١٣٠٣). فحديث أُم الحُصين صريح في أن دعاء رسول الله ﷺ للمحلقين والمقصرين- كان في حجة الوداع.\nولكن يشكل عليه ما رواه ابن عباس، عند أحمد (٣٣١١) أن ذلك الدعاء كان في الحديبية.\nوفي إسناده ابن إسحاق، وقد صَرَّح بالتحديث، فانتفت شبهة التدليس، ولكن ابن إسحاق لا يُحتجّ به فيما ينفرد به، وقد انفرد بلفظة: «حَلَقَ رِجَالٌ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَصَّرَ آخَرُونَ» فهي ضعيفة.\nولو صحت فيندفع هذا الإشكال بحمل دعائه ﷺ للمحلقين والمقصرين على التَّكْرار، فيكون دعا لهم في الحديبية، وكَرَّر هذا الدعاء في حجة الوداع.\nقال عِيَاض: فلا يَبعد أن النبي ﷺ قاله في الموضعين. «إكمال المُعْلِم» (٤/ ٣٨٤).\n(^٢) «التمهيد» (٧/ ٢٦٧). وقال النووي: وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ. «المجموع» (٨/ ١٩٩).\n(^٣) «فتح الباري» (٣/ ٥٦٤).","vol":"1","page":490},{"text":"فالحاصل: أن الحَلْق بالموسى أفضل من التقصير بالمقص أو الماكينة في حق الرجال، إلا في حق المتمتع إذا كان قريب عهد بحج، فينبغي أن يُقَصِّر بعد أداء العمرة ويُؤخِّر الحَلْق للحج، وكذا يجب تعميم حَلْق أو تقصير جميع شعر الرأس؛ لفِعل النبي ﷺ ذلك.\nالمبحث السادس: الحلق أو التقصير للمرأة: وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: لا يَجوز في حق المرأة إلا التقصيربالإجماع.\nفاتفقوا على أن النساء لا يَجوز في حقهن إلا التقصير؛ لأن الحلق للنساء مُثْلة (^١).\nوقد قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ الْحَلْقُ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» (^٢).\nوعن أبي موسى قال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ (^٣).\nولأن المرأة محتاجة إلى التجمل، والشَّعر زينة؛ ولذا شُرِع في حقها التقصير فقط.\nالمطلب الثاني: مقدار تقصير شعر المرأة.\nيُستحب أن تُقصِّر المرأة من شعرها قَدْر أُنملة الإصبع- وهي مفصل الإصبع- فتُمسِك ضفائر رأسها إن كان لها ضفائر، أو بأطرافه إن لم يكن لها ضفائر، وتقص قَدْر أنملة. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) ونَقَل الإجماع: ابن عبد البر في «التمهيد» (٧/ ٢٦٧)، وابن رُشد «بداية المجتهد» (٢/ ١٣٢)، والنووي في «المجموع» (٨/ ٢٠٤). وقال ابن قدامة: وَالْمَشْرُوعُ لِلْمَرْأَةِ التَّقْصِيرُ دُونَ الْحَلْقِ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَالْمَرْأَةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا مِقْدَارَ الْأُنْمُلَةِ: رَأْسُ الْإِصْبَعِ مِنَ الْمَفْصِلِ الْأَعْلَى. «المغني» (٥/ ٣١٠).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (١٩٨٥). وفي إسناده أم عثمان بنت أبي سفيان، وقد عدها في الصحابة ابن عبد البر في «الاستيعاب» وابن حجر في «الإصابة»، وابن جُريج قد صَرَّح بالتحديث عند الدارمي (٢٠٦٥)، وباقي رجال الحديث ثقات، وقد صححه أبو حاتم في «العلل» (١/ ٢٨١).\n(^٣) البخاري (١٢٩٦)، ومسلم (٩٦).\n(^٤) بدائع الصنائع (٢/ ١٤١) «مختصرخليل» (٢/ ٣٣٥)، «المجموع» (٨/ ٢٠٤)، «الإنصاف» (٤/ ٣٠).","vol":"1","page":491},{"text":"<span data-type='title' id=toc-657>المبحث السابع: مَنْ تَعَذَّر عليه الحَلْق أو التقصير:</span> وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: مَنْ تَعَّذَر عليه الحلق أو التقصير؛ لعدم وجود الشعر:\nأَجْمَع العلماء على أن الأصلع يَمُر على رأسه بالموسى عند الحلق (^١).\nوهذا الإجماع منخرم؛ فقد اختَلف أهل العلم فيه على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه يُستحب له إمرار الموسى على رأسه. وهو قول للحنفية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^٢).\nالقول الثاني: أنه يجب إمرار الموسى على رأسه. وهذا مذهب الحنفية والمالكية (^٣).\nالقول الثالث: لا يُستحب له إمرار الموسى على رأسه (^٤).\nالمطلب الثاني: مَنْ تَعَذَّر عليه الحَلْق أو التقصير لمرض ونحوه:\nاختَلف العلماء فيمن تَعَذَّر عليه الحَلْق لمرض على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: ذهب المالكية إلى أنه يصبح حلالًا، ويَلزمه الهَدْي (^٥).\nالقول الثاني: ذهب الحنفية إلى أنه يصبح حلالًا، ولا شيء عليه (^٦).\nالقول الثالث: ذهب الشافعية إلى أنه يبقى على إحرامه حتى يَحلق ويتحلل (^٧).\nوالحاصل: أن مَنْ تَعَذَّر عليه الحلق لمرض لا يخلو من حالين: فإن كان يُرجَى برؤه، فإنه ينتظر حتى يبرأ، ثم يحلق ويتحلل. وإن كان لا يُرجَى برؤه فإنه يَفدي ويتحلل.\n_________\n(^١) قال ابن المنذر: أَجْمَع كل مَنْ نَحفظ عنه من أهل العلم على أن الأصلع يُمِر على رأسه المُوسَى وقت الحلق. «الإشراف» (٣/ ٣٥٧، ٣٥٨)، و«الإجماع» (ص: ٧٣).\n(^٢) «تبيين الحقائق» (٢/ ٣٢)، و«المجموع» (٨/ ١٩٣)، و«الإنصاف» (٤/ ٣٠).\n(^٣) «حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٦)، و«تبيين الحقائق» (٢/ ٣٢)، و«المُدوَّنة» (١/ ٤٤٠).\n(^٤) قال النووي: وحَكَى أصحابنا عن أبي بكر بن داود أنه قال: لا يُستحب إمراره. «المجموع» (٨/ ٢١٢)، و«الإنصاف» (٤/ ٣٠). وقال ابن عثيمين: وهذا عبث. «الشرح الممتع» (١٣/ ٤١٢).\n(^٥) «حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٦)، و«مواهب الجليل» (٣/ ١٢٨).\n(^٦) «شرح فتح القدير» (٢/ ٥٠٢).\n(^٧) «الإيضاح» (ص: ٣٤٥).","vol":"1","page":492},{"text":"المبحث الثامن:\nحُكْم التيامن في حلق الرأس:\nيُستحَب التيامن في حلق الرأس، فيُقدَّم الشق الأيمن ثم الشق الأيسر، بالإجماع (^١).\nوروى مسلم: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ، وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ؛ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأَنْصَارِيَّ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الأَيْسَرَ فَقَالَ: «احْلِقْ» فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ فَقَالَ: «اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ» (^٢).\n_________\n(^١) قال ابن قُدامة: السُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. «المغني» (٥/ ٣٠٣).\nوهذا الإجماع منخرم؛ فقد ذهب الحنفية إلى أن العبرة بيمين الحَلَّاق. «فتح القدير» (٢/ ٤٨٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣٠٥). وظاهر هذه الرواية يدل على أن نصيب أبي طلحة من شعر رسول الله ﷺ كان شقه الأيمن، وأن الأيسر قَسَّمه فيمن يليه.\nويُشكل عليه حديث أنسٍ الآخَر، الذي فيه أن نصيب أبي طلحة كان شقه الأيسر. وهذه الرواية ضد الرواية الأولى، وهي عند مسلم (١٣٠٥): فَحَلَقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَقَسَمَهُ فِيمَنْ يَلِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «احْلِقِ الشِّقَّ الآخَرَ» فَقَالَ: «أَيْنَ أَبُو طَلْحَةَ؟» فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ.\nوفي رواية ثالثة أنه أعطى الجانب الأيسر لأم سُلَيْم. وهذا خلاف ثالث، فعند مسلم (١٣٠٥): ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الْحَلَّاقِ وَإِلَى الْجَانِبِ الأَيْسَرِ، فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّ سُلَيْمٍ.\nوقال المحب الطبري: والصحيح أن الذي وزعه على الناس ﷺ الشق الأيمن، بين الناس، وأعطى الأيسر أبا طلحة أو أُم سُليم، ولا تضاد بين الروايتين؛ لأن أُم سُليم امرأة أبي طلحة، فأعطاه ﷺ لهما، فنُسبت العطية تارة إليه وتارة إليها. «مرعاة المفاتيح» (٩/ ٢٦٢).\nوعند البخاري (١٧١): أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ، كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ.\nوقال ابن القيم: وهذا لا يناقض رواية مسلم؛ لجواز أن يصيب أبا طلحة من الشق الأيمن مثل ما أصاب غيره، ويختص بالشق الأيسر. «زاد المعاد» (٢/ ٢٤٨).\nقال الحافظ: ولا تَناقُض في هذه الروايات، بل طريق الجَمْع بينها أنه ناول أبا طلحة كلًّا من الشقين، فأما الأيمن فوَزَّعه بأمره، وأما الأيسر فأعطاه لأُم سُليم زوجته، بأمره ﷺ أيضًا. «فتح الباري» (١/ ٢٧٤).","vol":"1","page":493},{"text":"المبحث التاسع: ميقات الحَلْق أو التقصير، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: الميقات الزماني:\nآخِر وقت للحلق أو التقصير قد اختَلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن آخِر وقت الحلق أو التقصير يكون بغروب الشمس من آخِر شهر ذي الحجة، ولا يَجوز التأخير بعده. وهذا مذهب بعض المالكية وابن حزم (^١).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nوقد بَيَّن الله تعالى أول وقت الحلق بقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولم يُبيِّن آخره، وأَشْهُر الحج تنتهي بنهاية ذي الحجة، فمَن حَلَق بعد انتهاء شهر ذي الحجة، فقد وقع في غير وقته، وعليه جبران ذلك بدم.\nالقول الثاني: أن آخِر وقت الحلق أو التقصير هو آخِر أيام التشريق؛ واستدل لذلك بالقياس، فكما أن الرمي والنحر لا يكونان إلا في يوم النحر وأيام التشريق، فكذا الحلق أو التقصير. وبه قال الحنفية والمالكية في قول، وقول للحنابلة (^٢)\nواعتُرض عليه بأن الحلق لا يقاس على الرمي والنحر؛ لأن الرمي والنحر مما تَدخله النيابة، بخلاف الحلق، فلا بد للحاج أن يَحلق أو يُقصِّر رأسه.\nالقول الثالث: أنه ليس لآخِر وقت الحلق أو التقصير حد، فيصح فعله في أي وقت. وبه قال أبو يوسف ومحمد من الحنفية، والشافعية، وهو المشهور عند الحنابلة (^٣).\nواستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالله تعالى بَيَّن أول وقت الحلق ولم يُبيِّن آخره، فمتى أتى به أجزأه.\n_________\n(^١) «مواهب الجليل» (٣/ ١٣٠)، و«المُحَلَّى» (٥/ ١٨٠).\n(^٢) «المبسوط» (٤/ ٧١)، و«المُنتقَى» (٣/ ٣٠)، و«الإنصاف» (٤/ ٤٠).\n(^٣) «المبسوط» (٤/ ٧٠)، و«الإيضاح» (ص: ٣٤٣)، و«الإنصاف» (٤/ ٤٠).","vol":"1","page":494},{"text":"ونوقش بأن الحج مُقيَّد بأَشْهُر معلومات، فكيف يأتي بنسك في غير زمن الحج؟!\nواستدلوا بالقياس: فإذا كان يصح فعل طواف الإفاضة ولو بعد سنوات، فكذا الحلق.\nونوقش بأنه لا يصح قياس الحلق على الطواف؛ لأنه أسهل.\nوالحاصل: أن السُّنة في الحلق هي يوم النحر؛ لفِعله ﷺ، وقال: «خذوا عني مناسككم» وبداية وقت الحلق يوم النحر، وآخِر وقت الحلق هو آخِر شهر ذي الحجة؛ لأن الحلق من مناسك الحج، ونهاية شهر ذي الحجة هي نهاية أشهر الحج؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ومَن أَخَّر الحلق عن شهر ذي الحجة، لَزِمه الدم.\nالمطلب الثاني: الميقات المكاني:\nأي: لا بد أن يكون الحلق في الحرم؟ أم يَجوز في أي مكان في الحل أو الحرم؟\nذهب جمهور العلماء إلى أن الحلق لا يختص بمكان معين، وإذا حَلَق في أي مكان أجزأه، ولكن يُستحب فعله في الحرم، خاصةً مِنًى. وبه قال أبو يوسف من الحنفية، والمالكية والشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَقَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْحَلْقِ. وَحُدَيْبِيَةُ مِنَ الْحِلِّ، فَلَوِ اخْتَصَّ بِالْمَكَانِ، وَهُوَ الْحَرَمُ، لَمَا جَازَ فِي غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا فَعَلَ بِنَفْسِهِ، وَلَمَا أَمَرَ أَصْحَابَهُ، فَدَلَّ أَنَّ الْحَلْقَ لَا يَخْتَصُّ جَوَازُهُ بِالْمَكَانِ، وَهُوَ الْحَرَمُ.\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ٧٠)، و«مواهب الجليل» (٣/ ١٣٠)، و«الإيضاح» (ص: ٣٤٣).\nوذهب أبو حنيفة إلى أن الحلق والتقصير مؤقت بمكان، وهو الحرم. «بدائع الصنائع» (٢/ ١٤١).\nواستدل بالقياس، فكما أن الطواف مؤقت بالكعبة، فكذا الحلق لا يكون إلا في الحَرَم.","vol":"1","page":495},{"text":"<span data-type='title' id=toc-660>الباب الخامس عشر\nطواف الإفاضة</span>\nوفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:\nالتمهيد: سبب تسميته بطواف الإفاضة.\nالمبحث الأول: حُكم طواف الإفاضة.\nالمبحث الثاني: بداية وقت طواف الإفاضة. وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: وقت الفضيلة.\nالمطلب الثاني: وقت ابتداء طواف الإفاضة.\nالمبحث الثالث: نهاية وقت طواف الإفاضة.","vol":"1","page":496},{"text":"التمهيد:\nسبب تسميته طواف الإفاضة\nسُمي طواف الإفاضة لأنه يَكُون بعد الإفاضة مِنْ عرفة ومُزدلِفة ومِنًى (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-662>المبحث الأول: حُكْم طواف الإفاضة</span>\nطواف الإفاضة ركن من أركان الحج، بالكتاب والسُّنة والإجماع.\nأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] والمراد بهذا الطواف هو طواف الإفاضة بالإجماع (^٢).\nودل على ذلك سياق الآية، فلا يكون يوم النحر بعد قضاء التفث والوفاء بالنذر، إلا بَعْد طواف الإفاضة.\nوأما السُّنة، فَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ - زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَاضَتْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» (^٣).\nقال ابن عبد البر: مَعْنَى الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ يَحْبِسُ الْحَائِضَ بِمَكَّةَ، لَا تَبْرَحُ حَتَّى تَطُوفَ لِلْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ الْمُفْتَرَضَ عَلَى كُلِّ مَنْ حَجَّ، وَهَذَا كُلُّهُ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ (^٤).\nوأما الإجماع، فقد نَقَل غير واحد الإجماع على أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، لا يصح إلا به (^٥).\n_________\n(^١) ومنه أن رسول الله ﷺ أَفاض يوم النحر. وكذا يسمى (طواف الزيارة) لأنهم يأتون من مِنًى زائرين البيت، ويَعُودون في الحال. و(طواف الركن) لكونه ركنًا فيه. «شرح العمدة» (٢/ ٥٤٧).\n(^٢) قال الطبري: لا خلاف بين أهل التأْويل في ذلك. «تفسيره» (٩/ ١٤٢).\n(^٣) البخاري (١٧٥٧)، ومسلم (٣٢٠٥).\n(^٤) «الاستذكار» (٤/ ٣٧١).\n(^٥) وقد نَقَل الإجماع: ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٥٨)، وابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ٤٢)، والكاساني في «بدائع الصنائع» (٢/ ١٢٨) وابن رُشْد في «بداية المجتهد» (١/ ٣٥٢)، والنووي في «شرح مسلم» (٩/ ١٨)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٣١١)، وغيرهم كثير.","vol":"1","page":497},{"text":"<span data-type='title' id=toc-663>المبحث الثاني،\nبداية وقت طواف الإفاضة:</span>\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: وقت الفضيلة:\nوقت الفضيلة أن يطوف طواف الإفاضة ضُحَى يوم النحر، بَعْد أن يَرمي جمرة العقبة، ويَنحر هَدْيه ويَحلق، ثم يطوف طواف الإفاضة.\nقال ابن رُشْد: وَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَى فِي حِجَّتِهِ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ نَحَرَ بُدُنَهُ، ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا سُنَّةُ الْحَجِّ (^١).\nودل على ذلك ما رواه مسلم، من حديث جابر في صفة حجة النبي ﷺ في يوم النحر: وفيه: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ (^٢).\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (٢/ ١١٧).\n(^٢) مسلم (٢٩٢٢). وهنا إشكال قد يَرِد! فحديث جابر أن رسول ﷺ طاف للإفاضة ضحى يوم النحر، ويشكل أنه ورد عن عائشة وابن عباس أن النبي ﷺ أَخَّرَ طواف يوم النحر إلى الليل. أخرجه أحمد (٢٦١٢).\nوقد أُعِل هذا الحديث بثلاث علل:\nالعلة الأولى: الاختلاف في سماع أبي الزُّبير من عائشة وابن عباس.\nقال الترمذي: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقُلْتُ لَهُ: أَبُو الزُّبَيْرِ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: أَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَنَعَمْ، وَإِنَّ فِي سَمَاعِهِ مِنْ عَائِشَةَ نَظَرًا. «العلل الكبير» (ص: ١٣٤).\nوقالَ ابن عُيينة: يقولون: أبو الزبير لم يَسمع من ابن عباس. وقال أبو حاتم: رأى ابن عباس رؤية، ولم يَسمع من عائشة. «المراسيل» (ص: ١٩٣).\nالعلة الثانية: ما قاله أبو الحسن بن القطان: وأبو الزبير مدلس، ولم يَذكر هاهنا سماعًا من عائشة ولا ابن عباس، وقد عُهِد أنه يَروي عنهما بواسطة. «بيان الوهم والإيهام» (٥/ ٦٤)، وقال ابن حزم: وَهَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ؛ لِأَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ مُدَلِّسٌ، ولَمْ يُقَلْ فِيهِ: (حَدَّثَنَا) «حجة الوداع» (ص: ٢٩٥).\nالعلة الثالثة: مخالفة متنه للأحاديث الثابتة، في طواف النبي ﷺ للإفاضة، في ضحى يوم النحر.\nقال ابن القيم: وَهَذَا الْحَدِيثُ غَلَطٌ بَيِّنٌ، خِلَافُ الْمَعْلُومِ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ. «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٤) وكذا البيهقي في «معرفة السُّنن والآثار» (٧/ ٣١٤).","vol":"1","page":498},{"text":"المطلب الثاني: وقت ابتداء طواف الإفاضة.\nنُقِل الإجماع على أن تقديم طواف الإفاضة على الوقوف بعرفة- لا يُجْزئ (^١).\nوهذا الإجماع منخرم؛ فقد اختَلف العلماء في جواز ابتداء الإفاضة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن أول ابتداء وقت طواف الإفاضة يَبدأ من طلوع فجر يوم النحر. وهو مذهب الحنفية والمالكية، وأحمد في رواية (^٢).\nواستدلوا لذلك بحديث جابر في صفة حجة ﷺ في يوم النحر: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ. أي: طاف طواف الإفاضة يوم النحر في النهار، والنهار يبتدئ من طلوع الفجر. والنبي ﷺ قال: «خذوا عني مناسككم».\nالقول الثاني: أن أول وقت طواف الإفاضة يَبدأ من منتصف ليلة النحر. وهو مذهب الشافعية، والحنابلة في المشهور عنهم (^٣).\nواستدلوا بأن الرسول ﷺ أَذِنَ للضَّعَفة وللنساء بجواز الدفع من مزدلفة بعد منتصف الليل والرمي قبل الفجر، وإذا جاز الدفع والرمي، جاز طواف الإفاضة قبل الفجر.\nونوقش بأن مَنْ دَفَع من مزدلفة بعد مغيب القمر، فسيصل إلى مِنًى قبل الفجر لرمي جمرة العقبة، ثم مَنْ انصرف من منى إلى مكة فسيصل بعد الفجر للطواف، فدل ذلك على أن طواف الإفاضة لا يكون إلا بعد الفجر (^٤).\nالقول الثالث: أنه يَجوز أن يطوف للإفاضة يوم التروية. وهو قول في مذهب مالك.\nواستَدل مالك بأن الله ﷿ لم يَفرض على الحاج إلا طوافًا واحدًا، بقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] وقال في سياق الآية: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] والواو لا توجب رتبة إلا بتوقيف، ومَن طاف\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٣١).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٢)، و«حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٦)، و«مواهب الجليل» (٣/ ١٦).\n(^٣) «الأم» (٢/ ٢١٣)، و«الإيضاح» (ص: ٣١١)، و«المغني» (٥/ ٣١٣)، و«الإنصاف» (٤/ ٤).\n(^٤) «شرح العمدة» (٢/ ٦١٧، ٦١٨).","vol":"1","page":499},{"text":"بالبيت يوم التروية فقد طاف للحج في وقته وحين عمله (^١).\nونوقش بأن سياق الآية يدل على أن المراد بالطواف هو طواف الإفاضة.\nوالدليل على ذلك أن الله ذَكَر الطواف بعد إلقاء التَّفَث والوفاء بالنذر، وهذا يكون يوم النحر بالإجماع؛ لأن العطف بالواو على (ثُم) فلا يكون الطواف المفترض الواجب إلا بعد ذلك، فدل على أن طواف الإفاضة لا يكون إلا قبل يوم النحر.\nوأما السُّنة، فعن نافع، أن ابن عمر أراد الحج، فقال: أَصْنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ. فظاهر الحديث أن ابن عمر لم يَطُف يوم النحر للإفاضة، واكتفى بطواف القدوم عنه.\nونوقش هذا الاستدلال بما قاله القرطبي: وقوله: «وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ» يعني: الطوافَ بين الصفا والمروة، وأما الطواف بالبيت فلا يصح أن يقال فيه: إنه اكتفى بطواف القدوم عن طواف الإفاضة؛ لأنه هو الركن الذي لا بد منه للمُفْرِد والقارِن … وقوله: «وكذلك فَعَل رسولُ الله ﷺ» يعني أنه اكتفى بالطواف بين الصفا والمروة حين طاف للقدوم، ولم يُعِدِ السعي (^٢).\nوالراجح: عدم جواز طواف الإفاضة قبل فجر يوم النحر.\n\n<span data-type='title' id=toc-664>المبحث الثالث: نهاية وقت طواف الإفاضة:</span>\nنُقِل الإجماع على أنه يَجوز تأخير طواف الإفاضة إلى آخِر أيام التشريق (^٣).\nوهذا الإجماع منخرم؛ فقد اختَلف العلماء في نهاية وقت الإفاضة على أربعة أقوال:\nالقول الأول: أنه يَجوز تأخير الطواف بلا حد، إلا أن الحاج يَبقى مُحْرِمًا، إذا لم يتحلل التحلل الأكبر. وبه قال أبو يوسف ومحمد، وهو رواية عن مالك، والشافعية والحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) «الكافي في فقه أهل المدينة» (١/ ٣٦٣).\n(^٢) «المُفْهِم» (٣/ ٣٥٧، ٣٥٨).\n(^٣) «شرح السُّنة» (٧/ ٢٠٨). نَقَل الإجماع على ذلك: ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٥٩)، والنووي في «شرح مسلم» (٩/ ٥٨)، والجَصَّاص في «أحكام القرآن» (٥/ ٧٥).\n(^٤) «المبسوط» (٤/ ٢٢)، و«الحاوي» (٤/ ١٩٢)، و«المغني» (٥/ ٣١٣). قال النووي: وَلَا يَحْرُمُ تَأْخِيرُهُ سِنِينَ مُتَطَاوِلَةً، وَلَا آخِرَ لِوَقْتِهِ، بَلْ يَصِحُّ مَا دَامَ الْإِنْسَانُ حَيًّا. «شرح مسلم» (٨/ ٣٤٦).","vol":"1","page":500},{"text":"واستدلوا بالكتاب والسُّنة والمعقول:\nأما الكتاب، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فمَن طاف متأخرًا، فقد طاف وحَقَّق الأمر الشرعي، وقد قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولا تمام للحج بدون طواف الإفاضة، ولم يَرِد تأقيت لآخِره.\nوأما السُّنة، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ حَاضَتْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» قَالُوا: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ. قَالَ: «فَلَا إِذًا».\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ لما عَلِم أن صفية قد حاضت ظن أنها لم تَطُف للإفاضة، فقال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» أي أن صفية لو كانت حائضًا ولم تَطُف للإفاضة، لانتظرها حتى تَطْهُر وتطوف، وهذا بَعْد أيام التشريق؛ لأنه قد حان طواف الوداع. فهذا الحديث يؤخذ منه أن طواف الإفاضة كان وقته مفتوحًا.\nوأما المعقول، فهو أن طواف الإفاضة لم يَرِد دليل يُبيِّن آخِر وقته، فمتى أتى به صح، فلو تَوَقَّتَ آخِرُه لبَيَّنه رسول الله ﷺ؛ لأنه لا يَجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nالقول الثاني: أن تأخير الطواف إلى انتهاء أيام التشريق موجب للدم. وهو مذهب الحنفية، وقول عند المالكية، ورواية عن أحمد (^١).\nواستدلوا بالكتاب والمعقول:\nأما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٨، ٢٩].\nوَجْه الدلالة: أن طواف الإفاضة مؤقت بأيام التشريق وجوبًا، وذلك أن الله تعالى عَطَف الطواف على الذبح والأكل بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] ثم قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فكان وقتهما واحدًا، فتأخير\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٢)، و«الذخيرة» (٣/ ٢٧١)، و«الفروع» (٦/ ٥٨)، و«نقد مراتب الإجماع» (٢٩٣).","vol":"1","page":501},{"text":"طواف الإفاضة إلى انتهاء أيام التشريق يوجب نقصانًا، فيُجبَر ذلك النقصان بالدم.\nونوقش بأنه لا يَلزم من عطف الطواف على الذبح وجوبه في أوقات الذبح، خاصة وأن العطف ب (ثُم) التي تقتضي التراخي، فدل على عدم وجوبه في أوقات الذبح. ويؤيد ذلك أن النبي ﷺ أجاز طواف الإفاضة بعد أيام التشريق؛ لأنه قد حان طواف الوداع، فقال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» أي أن صفية لو كانت حائضًا ولم تَطُف للإفاضة، لانتظرها حتى تَطهُر وتطوف. ولو كان يجب دم لبَيَّنه؛ لأنه لا يَجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nالقول الثالث: أن تأخير الطواف إلى انتهاء شهر ذي الحجة موجب للدم. وهو المشهور عند المالكية (^١).\nواستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nوَجْه الدلالة: أن أَشْهُر الحج ثلاثة، وهي: شَوَّال وذو القعدة وذو الحجة. وتأخير الطواف عن شهر ذي الحجة فِعل للركن في غير أشهر الحج، وهذا يوجب عليه الدم.\nونوقش بأن أفعال الحج منها ما هو محدودٍ آخِرها شرعًا كالوقوف بعرفة، ومنها ما هو غير محدود شرعًا، كتأخير طواف الإفاضة، فيجزئ فِعله في أي وقت.\nالقول الرابع: أن تأخير الطواف إلى انتهاء شهر ذي الحجة مُبْطِل للحج. وبه قال ابن حزم؛ لأن أَشْهُر الحج ثلاثة، وهي: شَوَّال، وذو القعدة، وذو الحجة. فإذا انتهى شهر ذي الحجة قبل أن يطوف للإفاضة، فقد بَطَل حجه لانتهاء وقت الحج قبل تمامه (^٢).\nوالراجح: أن وقت طواف الإفاضة لا حد لآخِره شرعًا، فيجوز تأخير الطواف بلا حد، ولو أن الحاج رجع إلى بلده بعد الحج قبل طوافه، ثم سافر إلى مكة فطاف الإفاضة، أجزأه. ولا يجب طواف الوداع لأنه لم يُتِم نسكه، ولا دليل على وجوب الدم عليه (^٣).\n_________\n(^١) «التاج والإكليل» (٣/ ١٣٠)، و«الذخيرة» (٣/ ٢٧٨)، و«الشرح الصغير» (٢/ ٣٧٠).\n(^٢) «المُحَلَّى» (٧/ ١٧٢).\n(^٣) وسُئلت اللجنة الدائمة (١١/ ٢٢٧): متى ينتهي طواف الإفاضة؟\nفأجابت: يَبدأ طواف الإفاضة بعد منتصف الليل من ليلة النحر، للضَّعَفة ومَن في حكمهم. وليس لنهايته وقت محدد، لكن الأَوْلَى أن يُبادِر الحاج بالطواف للإفاضة قدر استطاعته، مع مراعاة الرفق بنفسه، وتَحيُّن الأوقات التي يكون المطاف فيها خفيفًا من الزحام؛ حتى لا يُؤذِي ولا يُؤذَى.","vol":"1","page":502},{"text":"<span data-type='title' id=toc-665>الباب السادس عشر\nحُكْم ترتيب أعمال يوم النحر والتحلل</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: حُكْم ترتيب أعمال يوم النحر.\nالمبحث الثاني: التحلل.\nوفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: تعريف التحلل.\nالمطلب الثاني: بِمَ يَحصل التحلل الأول؟\nالمطلب الثالث: ماذا يبيح التحلل الأول من المحظورات؟\nالمطلب الرابع: التحلل الأكبر.\nالمطلب الخامس: بِمَ يَحصل التحلل من العمرة؟\nالمبحث الثالث: أكانت صلاة رسول الله ﷺ الظُّهر يوم النحر بمكة أم بمِنًى؟","vol":"1","page":503},{"text":"<span data-type='title' id=toc-666>المبحث الأول: حُكْم ترتيب أعمال يوم النحر:</span>\nثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَى فِي حِجَّتِهِ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ نَحَرَ بُدُنَهُ، ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ. وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا سُنَّةُ الْحَجِّ (^١).\nقال ابن قُدامة: وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مُخَالَفَةَ التَّرْتِيبِ لَا تُخْرِجُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ عَنِ الْإِجْزَاءِ، وَلَا يَمْنَعُ وُقُوعُهَا مَوْقِعَهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ (^٢).\nوقد اختَلف العلماء في حكم ترتيب أعمال يوم النحر على أربعة أقوال:\nالقول الأول: أن ترتيب أعمال يوم النحر سُنة. وهو مذهب أبي يوسف من الحنفية، والشافعية، والمشهور عن الحنابلة (^٣).\nواستدلوا بما ورد عَنِ ابْنِ عَمْرِو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ وَاقِفٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. فَقَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ» وَأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: إِنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. فقالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ» وَأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: إِنِّي أَفَضْتُ إِلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. فقالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ». قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهُ سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا قَالَ: «افْعَلُوا وَلَا حَرَجَ» (^٤).\nالقول الثاني: أن الترتيب واجب بين (الرمي والذبح والحلق) أما الترتيب بينها وبين الطواف فسُنة. وهذا مذهب الحنفية (^٥).\nواستدلوا لعدم جواز تقديم الحلق على الذبح بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] يعني: ولا تَحلقوا حتى تَذبحوا. فدلت الآية على وجوب تقديم النحر على الحَلْق.\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (٢/ ١١٧). وكذا نَقَل الإجماع ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ٣٩٤).\nووقع خلاف شاذ عن بعض المالكية في القارن، فقال: لَا يَحْلِقُ حَتَّى يَطُوفَ. كَأَنَّهُ لَاحَظَ أَنَّهُ فِي عَمَلِ الْعُمْرَةِ، وَالْعُمْرَةُ يَتَأَخَّرُ فِيهَا الْحَلْقُ عَنِ الطَّوَافِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ بِالْإِجْمَاعِ. «فتح الباري» (٣/ ٥٧١).\n(^٢) «المغني» (٥/ ٣٢٣).\n(^٣) «الإيضاح» (ص: ٣١١)، و«المجموع» (٨/ ٢١٦)، و«المغني» (٥/ ٣٢٠).\n(^٤) رواه البخاري (٨٣)، ومسلم (١٣٠٦).\n(^٥) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٥٨)، و«المبسوط» (٤/ ٤١، ٤٢).","vol":"1","page":504},{"text":"ونوقش بأن المراد ببلوغ الهَدْي محله: وصوله إلى الموضع الذي يَحِل ذبحه فيه، سواء ذُبِح أو لم يُذبَح، فلم يقل الله تعالى: (حتى تَنحروا) وكذا لا يَجوز حَلْق الشَّعر قبل التحلل الأول، ولا يَحصل إلا برمي الجمرة؛ فلذا لا يَجوز الحلق قبل الرمي.\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] فالله ﷿ رَتَّب قضاء التَّفَث- وهو الحَلْق- على الذبح، وهذا يدل على الوجوب.\nالقول الثالث: أنه يجب تقديم الرمي على الحَلْق وعلى طواف الإفاضة، وما سِوي ذلك فسُنة. وهذا مذهب المالكية.\nالقول الرابع: أنه يَجوز التقديم والتأخير في حق الناسي والجاهل، أما العَالِم فإذا قَدَّم ما كان حقه التأخير في يوم النحر، فإنه يَجبر ذلك بدم. وهذا رُوي عن أحمد في رواية (^١).\nواستَدل أحمد بما ورد عن ابن عمرو، وفيه: فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ! فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ» (^٢).\nقوله: (لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ) دل على أن الرخصة في التقديم والتأخير مُقيَّدة بعذر الجهل والنسيان والخطأ؛ لأن هذه الرواية مُقيَّدة بعدم الشعور الذي يتضمن عدم الفطنة للشيء، جهلًا أو نسيانًا أو خطأ. وقالوا: إن المُطْلَق يُحْمَل على المُقيَّد (^٣).\nواعتُرض عليه بأن النبي ﷺ لم يَسأل السائل في الرواية المُطْلَقة عن الجهل والنسيان، مع تعدد السائلين، لم يُفَرِّق النبي ﷺ بين عالم وجاهل. ولو كان الدم واجبّا لبَيَّنه النبي ﷺ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأن بعض أفراد العام لا يُخصِّصه.\nوالراجح: أن ترتيب أعمال يوم النحر (الرمي، ثم النحر، ثم الحَلْق، ثم الطواف) سُنة؛ لأن النبي ﷺ ما سُئل يومئذٍ عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر، إلا قال: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ».\n_________\n(^١) «الإنصاف» (٤/ ٤٢).\n(^٢) البخاري (٨٣)، ومسلم (١٣٠٦).\n(^٣) قال ابن دقيق العيد: ويُبنَى أيضًا على القاعدة، في أن الحُكْم إذا رُتِّب على وصف يمكن أن يكون معتبرًا، لم يَجُز اطراحه وإلحاق غيره مما لا يساويه به، ولا شك أن عدم الشعور وَصْف مناسب لعدم التكليف. والحُكْم عُلِّق به، فلا يمكن اطراحه بإلحاق العمد به؛ إذ لا يساويه. «إحكام الأحكام» (ص: ٣٣٢).","vol":"1","page":505},{"text":"<span data-type='title' id=toc-667>المبحث الثاني: التحلل: وفيه خمسة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-668>المطلب الأول: تعريف التحلل </span>وأنواعه:\nالْمُرَادُ بِالتَّحَلُّل: الْخُرُوجُ مِنَ الإْحْرَامِ، وَحِلُّ مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ (^١).\nأنواع التحلل: الحج له تحللان. وهو مذهب المذاهب الأربعة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-669>المطلب الثاني: بِمَ يحصل التحلل الأول؟</span>\nاختَلف أهل العلم في ذلك على أربعة أقوال:\nالقول الأول: أن التحلل الأول لا يَحصل إلا بالحلق بعد الرمي. وبه قال الحنفية (^٣).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة والقياس:\nأما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩].\nوَجْه الدلالة: أن قضاء التَّفَث هو حَلْق الشَّعْر بعد رمي جمرة العقبة، ولُبْس الثياب، وما يَتبع ذلك من قص الشارب والأظفار؛ لأن التَّفَث في اللغة الوسخ، يقال: (امرأة تَفِثة) إذا كانت خبيثة الرائحة، فعموم الآية يَشهد بأن التحلل الأول يكون برمي الجمرة وحَلْق الشَّعر، وما يَتبع ذلك من لُبْس الثياب والتنظف، وهو قضاء التَّفَث (^٤).\nوأما السُّنة، فَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ، وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» (^٥).\nوَجْه الدلالة: إخبار النبي ﷺ بأن مَنْ رَمَى وحَلَق قد حل له الطِّيب والثياب وكل شيء\n_________\n(^١) «الموسوعة الكويتية» (٢/ ١٧٥) وهو قسمان: تَحَلُّل أصغر، وتَحَلُّل أكبر.\n(^٢) «العناية» (٣/ ١٠)، و«الذخيرة» (٣/ ٢٦٩)، و«المجموع» (٧/ ٣٨٨).\n(^٣) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٥١٧)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ١٤٢).\n(^٤) قال مالك: التفث: حِلَاق الشَّعر ولُبْس الثياب. «الموطأ» (٢/ ٤٤٧).\n(^٥) ضعيف: أخرجه أحمد (٢٥١٠٣)، وابن خُزيمة (٣٠١٤). وفي إسناده الحَجَّاج بن أرطأة، وفيه ضعف. وقد اختُلف عليه اختلافًا كثيرًا في سنده ومتنه، قال البيهقي: «وَهَذَا مِنْ تَخْلِيطَاتِ الحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ». «السُّنن الكبرى» (١٠/ ١٣٩)، وكذا ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٢/ ٤٩٦).","vol":"1","page":506},{"text":"إلا النساء- دليل على حصول التحلل الأصغر بالرمي والحلق.\nواعتُرض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nواستدلوا بقول عائشة: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ- وَبَسَطَتْ يَدَيْهَا-» (^١).\nوَجْه الدلالة: إخبار عائشة ﵂ بأنها طَيَّبَتِ النبي ﷺ حين أَحَل قبل أن يطوف- دليل على أن التحلل الأصغر حَصَل قبل الطواف، أي: بعد الرمي والحلق (^٢).\nواستدلوا أيضًا بأن الحَلْق رُتِّبَ عليه الحِل في مسألة الإحصار، فإن النبي ﷺ لما أُحْصِرَ في الحُديبية أَمَرهم أن يَحلقوا ثم يَحِلوا، ولا حِل لمُحْصَر إلا بعد الحَلْق.\nواستدلوا بالقياس على العمرة، فكما أن المعتمر لا يَحِل إلا بعد الطواف والسعي والحَلْق، فكذا الحاج لا يحل حتى يَرمي جمرة العقبة ويحلق، وأنه بعد الحَلْق يكون التحلل في العمرة والحج.\nالقول الثاني: أن التحلل الأول يَحصل بفعل اثنين من ثلاثة، وهي (الرمي، والحَلْق، والطواف) وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة في المشهور عنهم (^٣).\nواستدلوا بما استَدل به أصحاب القول الثاني.\nالقول الثالث: يَحصل التحلل الأول برمي جمرة العقبة. وهو قول مالك، وقول عند الشافعية، ورواية عن أحمد (^٤).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور:\nأما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ: «إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٥٤)، ومسلم (١١٨٩).\n(^٢) قال النووي: وقولها: (ولحِله حين حل قبل أن يطوف بالبيت) فيه تصريح بأن التحلل الأول يَحصل بعد رمي جمرة العقبة والحلق قبل الطواف، وهذا متفق عليه. «شرح مسلم» (٨/ ٩٩).\n(^٣) «المجموع» (٨/ ٢٢٨)، و«المغني» (٥/ ٣٠٧)، و«المبدع» (٣/ ٢٤٣)، و«الإنصاف» (٤/ ٣١).\n(^٤) «الذخيرة» (٣/ ٢٦٩)، و«المجموع» (٨/ ٢٢٩)، و«المغني» (٥/ ٣١٠).\n(^٥) ضعيف: أخرجه أبو داود (١٩٧٨) عن حَجاج بن أرطاة، عن الزُّهْري، عن عمرة، عن عائشة، به.\nقال أبو داود: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، الْحَجَّاجُ لَمْ يَرَ الزُّهْرِيَّ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ.\nوله شاهد عن ابن عباس، ومداره على الثوري، عن سَلَمَة بن كُهَيْل، عن الحَسَن العُرَنِيّ، عن ابن عباس،\nوقد أعل هذا الحديث بعلتين:\nالأولى: قد اختُلف عنه في الرفع والوقف، والوقف أصح: فرواه القطان عند النَّسَائي (٣١٠٧)، وعبد الرحمن بن مهدي عند ابن ماجه (٣٠٥٧)، وأبو عاصم عند الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤٠٣٩)، وعبد الرزاق وابن وهب عند البيهقي (٩٦٧٨)، وكلهم حُفاظ أثبات، رووه عن الثوري به موقوفًا.\nورواه وكيع عن الثوري واختُلف عليه في الوقف والرفع، فرواه أحمد (٢٠٩٠) عن وكيع به مرفوعًا. وخالف أحمدَ الثقاتُ، فرواه ابن شيبة (١٤٣٣١)، وأبو بكر بن خَلَّاد عند ابن ماجه (٣٠٥٧) وغيرهما، عن وكيع به موقوفًا. فظَهَر أن رواية الوقف أصح.\nالعلة الثانية: أن الحسن العُرَني لم يَسمع من ابن عباس شيئًا. قاله أحمد والبخاري، وقد سبق.\nفهو لا يصح مرفوعًا ولا موقوفًا. والله أعلم.","vol":"1","page":507},{"text":"وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ بِذَرِيرَةٍ لِحَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ، حِينَ أَحْرَمَ، وَحِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» (^١).\nوَجْه الدلالة: تعليق النبي ﷺ الإحلال من الإحرام برمي جمرة العقبة- دليل على أن التحلل الأصغر يَحصل برميها دون التوقف على أشياء أُخَر. وقد أبان عن ذلك فِعله ﷺ،\n_________\n(^١) الذريرة: طِيب مسحوق مركب. والحديث صحيح دون قوله: «وَحِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ» فهو شاذ.\nومداره على ابن جُرَيْج، عن عمر بن عروة، عن عروة، والقاسم، عن عائشة، واختُلف عنه.\nوقد تفرد رَوْح بن عُبَادة، بزيادة «وحين رَمَى جمرة العقبة» عند أحمد (٢٦٠٧٨) في حديثه عن ابن جُريجٍ، به، ولم يتابعه أحد ممن روى الحديث عن ابن جُريجٍ، وهم: محمد بن يحيى الذُّهْلي عند البخاري (٥٩٣٠)، ومحمد بن بكر عند مسلم (١١٨٩)، ومحمد بن عبد الله الأنصاري عند أحمد (٢٥٦٤١)، وعثمان بن الهيثم وسعيد بن سالم وهشام، عند أبي عَوَانة (٣٢٩٤) بلفظ: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِيَدِي بِذَرِيرَةٍ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ؛ لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ» فهؤلاء الثقات الأثبات رَوَوُا الحديث بدون ذكر هذه الزيادة، وتَفَرَّد رَوْح بذكرها.\nوقد تفرد أيضا بهذه الزيادة سَعيدُ بْنُ عَبدِ الرَّحمَنِ عند النسائي (٢٧٠٧) عن ابن عُيينة، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِحِلِّهِ بَعْدَ مَا رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ،. وهذه شاذة أيضا فقد خالفه الحميدي (٢١٣) ومُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ عند مسلم (١١٨٩) وجماعة عن ابن عُيينة به، بلفظ طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ.، وذَكَر الدارقطني في «العلل» (٩/ ٥٣) أن يونس والزبيدي وإسحاق بن راشد- رَوَوْه عن الزُّهْري عن عروة عن عائشة، مِثل لفظ الجماعة عن ابن عُيينة.، فلا شك في شذوذها، والله أعلم.","vol":"1","page":508},{"text":"كما أَخْبَرَتْ به عائشة ﵁، وأن تطييبها إياه كان عَقِب جمرة العقبة.\nونوقش بأنه لا يصح حديث في حصول التحلل الأول برمي جمرة العقبة.\nوأما المأثور، فعن عمر بن الخطاب أنه قال: فَمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرُمَ عَلَى الْحَاجِّ، إِلاَّ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ (^١).\nوعن عائشة أنها قالت: «إِذَا رَمَى حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ، حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ حَلَّ لَهُ النِّسَاءُ» (^٢).\nوعن ابن الزبير قال: إِذَا رَمَيْتَ الْجَمْرَةَ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، فَقَدْ حَلَّ لَكَ مَا وَرَاءَ النِّسَاءِ (^٣).\nالقول الرابع: أن التحلل الأول بعد جمرة العقبة مشروط بطواف الإفاضة قبل غروب الشمس. بمعنى أنه إذا رَمَى جمرة العقبة في يوم النحر، حَلَّ له كل شيء إلا النساء. وإذا لم يَطُف طواف الإفاضة حتى غربت الشمس من يوم النحر، عاد الحاج حُرُمًا، يَلبس الإحرام والإزار والرداء، كحاله قبل رمي جمرة العقبة، حتى يطوف بالإفاضة فيحل بذلك. رُوي هذا القول عن عروة بن الزبير وأبي قِلَابة (^٤).\nواستدل عروة وأبو قِلابة بعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّ هَذَا يَوْمٌ رُخِّصَ لَكُمْ إِذَا أَنْتُمْ رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ أَنْ تَحِلُّوا- يَعْنِي: مِنْ كُلِّ مَا حُرِمْتُمْ مِنْهُ- إِلَّا مِنَ النِّسَاءِ، فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفُوا بِهَذَا الْبَيْتِ، عُدْتُمْ حُرُمًا، كَهَيْئَتِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطُوفُوا بِهِ» (^٥).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (١٢٢٥) عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِهِ.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٩٩١): حدثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، به.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٩٩٠) عن ابن عُبينة، عن ابن المُنكدِر، به.\n(^٤) «طرح التثريب» (٥/ ٦٦).\n(^٥) منكر: مدار الحديث على محمد بن إسحاق، واختُلف عليه على خمسة أوجه:\nالوجه الأول: رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ أُمِّهِ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، بِهِ. أخرجه أحمد (٢٦٥٣٠).\nالوجه الثاني: رواه يونس بن بُكَيْر، واقتَصَر على ذكر أُم أبي عُبيدة دون أبيه. خَرَّجها البيهقي (٩٦٨٢).\nالوجه الثالث: رواه إبراهيم بن سعد، وقد روى عنه ابنه يعقوب، واختُلف عليه على وجهين:\nالأول: فعن يَعْقُوب قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ خَالِدٍ مَوْلَى الزُّبَيْرِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي زَيْنَبُ، عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ، بِهِ. أخرجه أحمد (٢٦٥٨٨).\nالثاني: أخرجه أحمد (٢٦٥٨٧): حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ، عَنْ أُمِّهِ زَيْنَبَ بْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، بِهِ.\nالوجه الرابع: رواه يزيد بن زُرَيْع، أخرجه أبو نُعَيْم في «معرفة الصحابة» (٥٥٦٠) من طريق يزيد بن زُرَيْع، وابن أبي عَدي قال: أنبأنا محمد بن إسحاق قال: حدثني أبو عُبيدة بن زَمْعَة، حدثتني أم قيس بنت مِحْصَن- وكانت جارة لهم- قالت: خرج من عندي عُكَّاشة بن مِحْصَن في نفر من بني أسد، به.\nالوجه الخامس: رواه الخليل بن موسى، ثنا محمد بن إسحاق، عن أبي عُبيدة بن عبد الله بن زَمْعَة، عن أبيه، عن أم سلمة. أخرجه أبو نُعَيْم (٦٤٨٨).\nفالحاصل: أن مدار الحديث على ابن إسحاق عن أبي عُبيدة، وقد أُعِل بعلتين:\nالأولى: أن ابن إسحاق وإن كان حسن الحديث، ولكن ما انفرد به فيه نكارة، وقد تفرد بهذه السُّنة التي خالف بها العمومات.\nالثانية: أن أبا عُبيدة مجهول.","vol":"1","page":509},{"text":"ونوقش بأن هذا الحديث منكر.\nقال ابن كَثير: وَهَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ جِدًّا، لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ قَالَ بِهِ (^١).\nوالراجح: أن التحلل لا يكون إلا بعد الرمي والحَلْق؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ فعموم الآية يَشهد بأن التحلل الأول يكون برمي الجمرة وحَلْق الشَّعر، وما يَتبع ذلك من لبس الثياب والتنظف، فهذا هو قضاء التَّفَث. ويؤيد ذلك قول عائشة: «طَيَّبْتُ رسول الله ﷺ قبل أن يطوف للإفاضة» أي: بعد رمي الجمرة والحلق.\nوأما القول بأن التحلل الأول يَحصل بفعل اثنين من ثلاثة (الرمي، والحلق، والطواف) فلم أقف له على دليل صريح.\nوأما القول بأن التحلل يَحصل برمي جمرة العقبة، فالأحاديث التي فيها «إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءَ» لا تصح.\nوأما القول بأن التحلل الأول يكون برمي جمرة العقبة، ولكن ذلك مشروط بأن يطوف للإفاضة قبل غروب الشمس؛ فالحديث الذي استدلوا به منكر، مخالف لقول جماهير العلماء وعَمَل الأمة المستفيض، والله أعلم.\n_________\n(^١) «البداية والنهاية» (٧/ ٦٢١). قال البيهقي: وَقَدْ رَوِيَتْ تِلْكَ اللَّفْظَةُ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَعَ حُكْمٍ آخَرَ، لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ بِذَلِكَ. «السُّنن الكبرى» (١٠/ ١٣٩).\nقال البُلقيني: فهذا مما أجمع العلماء على ترك العمل به. «مقدمة ابن الصلاح» (ص: ٤٦٩).","vol":"1","page":510},{"text":"<span data-type='title' id=toc-670>المطلب الثالث: ماذا يبيح التحلل الأول من المحظورات </span>للحاج؟\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن التحلل الأول يبيح جميع المحظورات للحاج إلا النساء. وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة في الصحيح عنهم (^١).\nواستدلوا بما ورد عن عائشة ﵂ قالت: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ» (^٢).\nوَجْه الدلالة: أَخْبَرَتْ عائشة ﵂ أنها طَيَّبَتِ الرسول ﷺ عندما أَحَلّ التحلل الأول بعد الرمي والحلق قبل أن يطوف. وفي هذا دلالة واضحة على إباحة الطِّيب بالتحلل الأول، وكذا يقاس عليه سائر ما يَحرم على الحاج قبل التحلل الأول إلا النساء. وصح عن عائشة وابن الزبير أن التحلل الأول يبيح جميع المحظورات للحاج إلا النساء.\nالقول الثاني: أن التحلل الأول يبيح جميع المحظورات للحاج، حتى مباشرة النساء، إلا الجماع. وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية (^٣).\nواستدلوا بأن المُحَرَّم هو الجماع فقط، وهو الذي يَفسد به الحج.\nواعتُرض عليه بأن هذه المقدمات ذريعة إلى الجماع، فلو لم تكن محرمة لِذَاتها، لحُرِّمَتْ من باب سد الذرائع.\nواستدلوا أيضًا بأنه إذا أبيح الطِّيب بعد التحلل الأصغر، والطِّيب من دواعي الجماع، فيباح القُبلة والملامسة وغيرهما، ولا يَحرم إلا الوَطْء في الفرج.\nالقول الثالث: أن التحلل الأول يبيح جميع المحظورات للحاج إلا النساء وقَتْل الصيد والطِّيب. وهو مذهب المالكية (^٤).\nواستدلوا لتحريم الصيد بعد التحلل الأول بعموم قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٤٢)، و«الأم» (٢/ ٢٤٢)، و«كشاف القناع» (٢/ ٥٨٥).\n(^٢) رواه البخاري (١٧٥٤)، ومسلم (١١٨٩).\n(^٣) «مغني المحتاج» (١/ ٥٠٥)، و«المهذب» (١/ ٤١٨).\n(^٤) «المُدوَّنة» (١/ ٣٢٩)، و«مواهب الجليل» (٣/ ١٣)، و«حاشيةالعدوي» (١/ ٥٤٣).","vol":"1","page":511},{"text":"[المائدة: ٩٥] وعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] فمَن تحلل التحلل الأول لم يَزَل مُحْرِمًا، بدليل أنه يَحرم عليه النساء، وإن كان قد حل له بعض ما حَرُم عليه، حتى يطوف طواف الإفاضة ويتحلل التحلل الأكبر.\nواستدلوا لتحريم الطِّيب بما رُوي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ … إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ إِلَّا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، حَتَّى يَزُورَ الْبَيْتَ» (^١).\nوبعموم قول عمر: إِذَا جِئْتُمْ مِنًى، فَمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرُمَ عَلَى الْحَاجِّ، إِلاَّ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، لَا يَمَسَّ أَحَدٌ نِسَاءً وَلَا طِيبًا حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ.\nوَعَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِذَا رَمَى وَحَلَقَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ، أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ (^٢).\nففي هذا الأثر رَدٌّ على عمر وابنه، فالرسول ﷺ تَطَيَّبَ قبل طواف الإفاضة وبعد رمي الجمرة، أي: بعد التحلل الأول، وسُنة رسول الله ﷺ أحق أن تُتبع.\nوقياس الطِّيب على القُبلة والمُباشَرة، بجامع أن كلًّا منهما من دواعي الجماع- لا يُسَلَّم؛ لأن القُبلة والمُباشَرة من دواعي قضاء الشهوة المتعلقة بالنساء، بينما الطِّيب قد يكون في اجتماعات الناس ولقاءاتهم.\nوالراجح: أنه يحل للحاج بالتحلل الأول كل شيء حَرُم عليه قبل الإحرام، إلا الجماع، وهذا بالإجماع، وكذا القُبلة والمُباشَرة سدًّا للذريعة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-671>المطلب الرابع: التحلل الأكبر:</span>\nيَحصل التحلل الأكبر بفعل ثلاثة أشياء: رمي الجمرة، والحَلْق، وطواف الإفاضة.\nوالسُّنة الترتيب بين هذه الأعمال، رَمْي جمرة العقبة، ثم الحَلْق، ثم طواف الإفاضة. ويباح تقديم أو تأخير أحدها على الآخَر.\nواتَّفق العلماء على أن الحاج إذا رمى جمرة العقبة، ثم حَلَق أو قَصَّر، ثم طاف طواف\n_________\n(^١) أخرجه ابن خُزيمة (٢٨٠٠) وإن كان ظاهر إسناده الصحة، إلا أن لفظة «الطِّيب» منكرة؛ لأنها مُخالِفة لما ورد في «الصحيحين» عن عائشة ﵂ قالت: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ، حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ».\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه النَّسَائي في «الكبرى» (٤١٥٢).","vol":"1","page":512},{"text":"الإفاضة، فيباح له جميع المحظورات حتى النساء، بالإجماع، وهذا هو التحلل الأكبر.\nقال الشربيني: (وإذا فَعَل الثالث) بعد الاثنين (حَصَل التحلل الثاني، وحَلّ به باقي المُحَرَّمات) بالإجماع، يعني: الرمي والحَلْق والطواف (^١).\nالحاصل في التحلل من الإحرام:\nللحج تحللان: أول وثانٍ، يتعلقان برمي جمرة العقبة والحَلْق وطواف الإفاضة.\nوأما النحر فلا مَدخل له في التحلل.\nويَحصل التحلل الأول برمي جمرة العقبة والحَلْق، ويحل له كل شيء حَرُم عليه إلا الجماع ومقدماته؛ سدًّا للذريعة.\nويَحصل التحلل الثاني بالرمي والحَلْق وطواف الإفاضة، والسعي للمتمتع، والمُفْرِد والقارن لمن لم يكن سعى بعد طواف القدوم، ويحل به كل شيء حَرُم عليه حتى الجماع.\n\n<span data-type='title' id=toc-672>المطلب الخامس: بِمَ يَحصل التحلل من العمرة؟</span>\nاختَلف أهل العلم في ذلك على أربعة أقوال:\nالقول الأول: أن المعتمر لا يحل إلا بعد الحَلْق أو التقصير. وهو مذهب الحنفية والمالكية، والصحيح عند الشافعية، وهو مذهب الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «… وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ …» (^٣).\nوَجْه الدلالة: أن المعتمر لا يحل إلا بعد الحَلْق أو التقصير؛ لأن النبي ﷺ أَمَرهم به، وجَعَل الحِل بعده، وأَمْره ﷺ يقتضي الوجوب.\nالقول الثاني: أن المعتمر لا يحل إلا بعد أداء السعي. وهو قول عند الشافعية، ورواية\n_________\n(^١) «مغني المحتاج» (٢/ ٢٧٣) ونَقَل الإجماع أيضًا ابن حجر الهيتمي في «تحفة المحتاج» (٤/ ١٢٤).\nقال ابن حزم: واتفقوا على أَنْ مَنْ طاف طواف الإفاضة يوم النَّحْر أَوْ بعده، وكان قد أَكْمَل مناسك حجه ورَمَى؛ فقد حل له الصيد والنكاح، وكل ما كان امتنع بالإحرام. «مراتب الإجماع» (ص: ٤٥).\n(^٢) «المبسوط» (٤/ ٣٠)، و«المُدوَّنة» (١/ ٧٠٢)، و«الأم» (٥/ ٧٨)، و«المغني» (٥/ ٢٤١).\n(^٣) البخاري (١٦٠٦)، ومسلم (٣٠٤١).","vol":"1","page":513},{"text":"عند الحنابلة (^١).\nواستدلوا بأن النبي ﷺ أَمَر أبا موسى أن يحل بعد السعي، ولم يأمره بالحلق، بقوله ﷺ: «… طُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ أَحِلَّ» (^٢).\nواعتُرض عليه بأن النبي ﷺ لم يأمره بالحَلْق؛ لأن ذلك كان مشهورًا عندهم، فاستُغني عن ذِكره. وأما قوله ﷺ: «ثم أَحِلّ» فإنما معناه الحِل بالحَلْق لأن الحِل لا يكون إلا به.\nالقول الثالث: أن المعتمر لا يحل إلا بعد الطواف بالبيت.\nقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَاجٌّ وَلَا غَيْرُ حَاجٍّ، إِلَّا حَلَّ» (^٣).\nالقول الرابع: أن المعتمر يحل من عمرته بدخول الحرم، وإن لم يَطُف بالبيت.\nففي «الصحيحين»: عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: «فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ، وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا» (^٤).\nقولها: (فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا) يدل على أن المعتمر يحل من عمرته بدخول الحَرَم قبل الطواف؛ لأن مسح الركن- أي: الحَجَر الأَسْوَد- يكون في أول الطواف.\nونوقش هذا الاستدلال بأن حديث أسماء مُجْمَل: (فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا) وحديث ابن عمر مُبيِّن، فيُحْمَل المُجْمَل على المُبيِّن الدالّ على أن التحلل لا يَتم إلا بالسعي والحَلْق. وهو قول عامة أهل العلم من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا (^٥).\n_________\n(^١) «الحاوي» (٤/ ١٦١)، و«المجموع» (٧/ ٤٢٢)، و«الإنصاف» (٤/ ٥٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٧٩٥)، ومسلم (١٢٢١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٣٩٦)، ومسلم (١٢٤٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٧٩٦)، ومسلم (١٢٣٧).\n(^٥) وقد استَنكر ابن حزم هذا الحديث في «حجة الوداع» (ص: ٣٤٩)، و«المُحَلَّى» (٥/ ٩٥).\nقال النووي: وَقَوْلهَا: (فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْن حَلُّوا) هَذَا مُتَأَوَّل عَنْ ظَاهِره؛ لِأَنَّ الرُّكْن هُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، وَمَسْحُهُ يَكُونُ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ، وَلَا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِمُجَرَّدِ مَسْحِهِ، بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَتَقْدِيرُهُ: فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ وَأَتَمُّوا طَوَافَهُمْ وَسَعْيَهُمْ، وَحَلَقُوا أَوْ قَصَّرُوا، أَحَلُّوا. وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِير هَذَا الْمَحْذُوف، وَإِنَّمَا حَذَفَتْهُ لِلْعِلْمِ بِهِ. وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ قَبْلَ إِتْمَامِ الطَّوَافِ. «شرح مسلم» (٨/ ٢٢٢).\nوقال ابن حجر: نَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُعْتَمِرَ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ حَلَّ وَإِنْ لَمْ يَطُفْ، وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ مَا حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ. وَهَذَا مِنْ شُذُوذِ الْمَذَاهِبِ. «فتح الباري» (٣/ ٦١٦).","vol":"1","page":514},{"text":"أما القول بأن المعتمر يحل من عمرته بدخول الحرم، وإن لم يَطُف بالبيت، وكذا القول بأن المعتمر لا يحل إلا بعد الطواف، فكلاهما شاذ لمخالفته للسُّنة وإجماع الأمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-673>المبحث الثالث: أكانت صلاة رسول الله ﷺ الظُّهر يوم النحر بمكة أم بمِنًى؟</span>\nحديث جابر عند مسلم صريح في أن رسول الله ﷺ صلى الظُّهر يوم النحر بمكة، وفيه: «… ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ».\nولكن يُشكل عليه ما ورد في مسلم أيضًا: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى (^١).\nوقد جَمَع النووي بين الحديثين، فقال: وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ ﷺ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ مَرَّةً أُخْرَى بِأَصْحَابِهِ، حِينَ سَأَلُوهُ ذَلِكَ، فَيَكُونُ مُتَنَفِّلًا بِالظُّهْرِ الثَّانِيَةِ الَّتِي بِمِنًى (^٢).\nوقد رَجَّح جماعة حديث جابر أنه ﷺ صلى الظُّهر بمكة، بمُرجِّحات، منها:\nالأول: أن سياق جابر لحجة النبي ﷺ من أولها إلى آخرها أتم سياق، وقد حَفِظ القصة وضَبَطها، حتى ضَبَط جزئياتها.\nالثاني: أن حجة الوداع كانت في آذار، وهو تَساوِي الليل والنهار، وقد دَفَع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى مِنًى، وخَطَب، ونَحَر بُدنًا عظيمة وقسمها، وطُبخ له من لحمها وأَكَل منه، ورمى الجمرة، وحَلَق رأسه، وتَطَيَّب، ثم أفاض، فطاف وشَرِب من ماء زمزم.\nوهذه أعمال تبدو في الأظهر أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى مِنًى، بحيث يُدرِك وقت الظُّهر في فصل آذار في مِنًى (^٣).\n_________\n(^١) ومدار الحديث على عُبَيْد الله بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر، به، واختُلف عنه في الرفع والوقف:\nفرواه عبد الرزاق عن عُبَيْد الله به مرفوعًا، عند مسلم (١٣٠٨).\nوخالف عبدَ الرزاق سفيانُ الثوري عند البخاري (١٧٣٢) وحفص بن غِيَاث وعَبْدة بن سليمان، كلاهما عند ابن أبي شيبة (١٤٤٠١، ١٤٤٠٢) ثلاثتهم عن عُبَيْد الله به موقوفًا، دون ذكر الصلاة.\nقال البخاري: وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا، ثُمَّ يَقِيلُ، ثُمَّ يَأْتِي مِنًى، يَعْنِي يَوْمَ النَّحْرِ. وَرَفَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ.\n(^٢) «شرح النووي على مسلم» (٨/ ١٩٣).\n(^٣) «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٩ - ٢٦١). وقد رَجَّح ذلك القرطبي كما في «المُفْهِم» (٣/ ٤١١).","vol":"1","page":515},{"text":"الباب السابع عشر: الهَدْي\n\n<span data-type='title' id=toc-675>الفصل الأول: الهَدْي وما يتعلق به:\nوفيه تسعة مباحث:</span>\nالمبحث الأول: تعريف الهَدْي وجنسه.\nالمبحث الثاني: وجوب الهَدْي على المتمتع.\nالمبحث الثالث: وجوب الهَدْي على القارن.\nالمبحث الرابع: حُكْم الاشتراك في الهَدْي للمتمتع والقارن.\nالمبحث الخامس: مكان ذبح الهَدْي.\nالمبحث السادس: زمن ذبح الهَدْي. وفيه مطلبان\nالمطلب الأول: أول زمن ذبح الهَدْي.\nالمطلب الثاني: آخِر زمن ذبح الهَدْي.\nالمبحث السابع: التطوع بالهَدْي.\nالمبحث الثامن: الأكل من الهَدْي. وفيه ثلاثة مطالب:\nالمبحث التاسع: مَنْ لم يجد الهَدْي. وفيه سبعة مطالب:\nالمطلب الأول: حُكْم مَنْ لم يَقدر على الهَدْي.\nالمطلب الثاني: وقت ابتداء صيام الثلاثة أيام في الحج لمن لم يجد الهَدْي.\nالمطلب الثالث: الوقت المستحب لصيام الأيام الثلاثة في الحج.\nالمطلب الرابع: صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهَدْي.\nالمطلب الخامس: مَنْ لم يصم قبل عرفة، هل يَسقط الهَدْي عنه أو يَبقى في ذمته؟\nالمطلب السادس: حُكْم صيام السبعة أيام بمكة بعد فراغه من الحج.\nالمطلب السابع: هل يُشترَط أن يكون صيام الأيام العَشَرة متتا بعًا؟","vol":"1","page":516},{"text":"<span data-type='title' id=toc-676>المبحث الأول: تعريف الهَدْي وجنسه:</span>\nوسُمي هَدْيًا لأنه يُهْدَى من بهيمة الأنعام (غنم أو بقر أو إبل) لأهل الحَرَم.\nوالهَدْي هو ذبح المتمتع والقارن يوم النحر أو أيام التشريق، شاة أو سُبْع بدنة أو سُبْع بقرة. فإِنْ نَحَر بدنة أو ذَبَح بقرة فقد زاد خيرًا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nفيُستحَب لمَن قَصَد مكة حاجًّا أن يُهْدِي إليها من بهيمة الأنعام؛ لِما روى البخاري عن علي ﵁ قال: «أَهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مِائَةَ بَدَنَةٍ، فَأَمَرَنِي بِلُحُومِهَا فَقَسَمْتُهَا» (^١).\nقال ابن رُشْد: فَأَمَّا جِنْسُ الْهَدْيِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْهَدْيُ إِلَّا مِنَ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ، الَّتِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهَا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-677>المبحث الثاني: وجوب الهَدْي على المتمتع:</span>\nيجب على المتمتع دم نسك إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام، فمَن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nنُقِل الإجماع على وجوب الهَدْي على المتمتع، إذا لم يكن من أهل الحَرَم (^٣).\nويُسَن لمَن أهدى شيئًا من الإبل أو البقر أن يُشْعِره ويُقَلِّده.\nروى مسلم: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» (^٤).\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٧١٨).\n(^٢) «بداية المجتهد» (٢/ ١٣٨). ونَقَل الإجماع على ذلك: ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢/ ١٠) والنووي في «شرح مسلم» (٦/ ١٣٧)، والمَرْدَاوي في «الإنصاف» (٤/ ٥٣)، وغيرهم.\n(^٣) نَقَل الإجماع على ذلك: ابن المُنذِر في «الإجماع» (ص: ٥٦)، وابن قُدامة في «المغني» (٥/ ٣٥١)، وابن رُشد في «بداية المجتهد» (٢/ ١٣٢)، وابن مُفْلِح في «الفروع» (٥/ ٣٤٧) وغيرهم.\n(^٤) رواه مسلم (١٢٤٣). قال النووي: أَمَّا الْإِشْعَارُ، فَهُوَ أَنْ يَجْرَحَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْيُمْنَى بِحَرْبَةٍ أَوْ سِكِّينٍ، ثُمَّ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهَا. وَإِشْعَارُ الْهَدْيِ لِكَوْنِهِ عَلَامَةً لَهُ. وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ، فَإِنْ ضَلَّ رَدَّهُ وَاجِدُهُ. «شرح مسلم» (٨/ ٢٢٨) والتقليد: أن يُعَلَّق في عنق الهَدْي شيء كالقلادة؛ ليُعْلَم أنه هَدْي.","vol":"1","page":517},{"text":"<span data-type='title' id=toc-678>المبحث الثالث: وجوب الهَدْي على القارن:</span>\nأَجْمَع العلماء على وجوب الهَدْي على القارن الذي ساق الهَدْي معه.\nواختلفوا في وجوب الهَدْي على القارن الذي لم يَسُق الهَدْي، على قولين:\nالقول الأول: أنه يجب. وذلك باتفاق المذاهب الأربعة (^١).\nواستدلوا بعموم قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوَجْه الاستدلال: أن القارن مُتمتِّع بالعمرة إلى الحج، فهو يعتمر ويحج في سفر واحد، وقد سَمَّاه الصحابة متمتعًا، فيكون داخلًا في عموم هذه الآية.\nواستدلوا بما رُوي: عَنِ الصُّبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا، وَإِنِّي أَسْلَمْتُ، فَأَتَيْتُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي، فَقَالَ لِي: اجْمَعْهُمَا (بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) وَاذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ، وَإِنِّي أَهْلَلْتَ بِهِمَا مَعًا، فَقَالَ لِي عُمَرُ ﵁: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ (^٢).\nالقول الآخَر: عدم وجوب الهَدْي على القارن. وهو مروي عن الحَسَن بن علي، وطاوس. وهو رواية عند الحنابلة، وداود الظاهري، وابن حزم (^٣).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة.\nأما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوَجْه الدلالة: ظاهر القرآن أن الدم يجب على المتمتع دون المُفْرِد والقارن، والعلة الموجبة للدم في التمتع هي استمتاعه بمحظورات الإحرام بين الحج والعمرة، والقارن ليس كذلك؛ لأنه سيَبقى مُحْرِمًا من حين يُحْرِم إلى يوم العيد.\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٧٤)، و«مواهب الجليل» (٣/ ٥٦)، و«المجموع» (٧/ ١٩٠)، و«المغني» (٥/ ٣٥٠).\nقال ابن حجر: وَفِيهِ أَنَّ الْقَارِنَ يُهْدِي. وَشَذَّ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: لَا هَدْيَ عَلَى الْقَارِنِ. «فتح الباري» (٤/ ٧).\n(^٢) إسناده صحيح: رواه أبو داود (١٧٩٩) وسيأتي تفصيله في حُكْم العمرة، إن شاء الله.\n(^٣) «المغني» (٥/ ٣٥٠)، و«المُحَلَّى» (٥/ ١٧٧).","vol":"1","page":518},{"text":"ونوقش من وجهين:\nالأول: أن القارن تَرَفَّهَ وتَمَتَّع بسقوط أحد السفرين، فلَزِمه دم كالمُتمتِّعِ.\nالثاني: أن رسول الله ﷺ أَهْدَى عن أزواجه وكُنَّ قارنات، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ».\nوأما السُّنة، ففي «الصحيحين»: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ … وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَحِضْتُ قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالحَجِّ» فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ، أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ. فَأَرْدَفَهَا، فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِهَا، فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا صَوْمٌ (^١).\nفقد صح أن عائشة حجت قارنة، ولم يجعل في ذلك هديًا ولا صومًا.\nونوقش بأن لفظة: «وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ …» مُدرجَة من قول هشام (^٢).\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٧٨٦)، ومسلم (١٢١١).\n(^٢) ومدار هذا الحديث على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، واختُلف عنه:\nفرواه يحيى القطان عن هشام به، عند البخاري (١٧٨٦)، ورواه عَبْدة بن سُليمان وابن نُمَيْر، كلاهما عن هشام به، عند مسلم (١٢١١).\nوهذا الحديث فيه فقرتان مدرجتان:\nالأولى: «فَقَضَى اللهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا» مدرج من قول عروة.\nالأخرى: «وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ» مدرج من قول هشام.\nوقد صَرَّح بهذا الإدراج في عدة روايات، كرواية أبي أسامة والحَمَّادَين عن هشام، عند البخاري (٣١٧) وأبي داود (١٧٧٨) وفيها: قَالَ هِشَامٌ: «وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ» وكرواية وَكيع عن هشام، عند مسلم (١٢١١) وفيها: قَالَ عُرْوَةُ فِي ذَلِكَ: إِنَّهُ قَضَى اللهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا. قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صِيَامٌ وَلَا صَدَقَةٌ.\nقال ابن بَطَّال: وقوله: (فَقَضَى اللهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ) ليس من لفظ عائشة، وإنما هو لفظ هشام، لم يَذكر ذلك أحد غيره، ولا تقول به الفقهاء. «شرح البخاري» (٤/ ٤٤٤)، ورَجَّح ذلك النووي في «شرح مسلم» (٨/ ١٤٥) وابن حجر في «فتح الباري» (٣/ ٦١٠)، وابن القيم في «حاشيته علي أبي داود» (٥/ ١٣٦).","vol":"1","page":519},{"text":"والراجح: القول بوجوب الهَدْي على القارن؛ لقوة أدلته، وهو قول جماهير العلماء، ووَصْف القول بعدم وجوب الهَدْي على القارن بالشذوذ.\n\n<span data-type='title' id=toc-679>المبحث الرابع: حُكْم الاشتراك في الهَدْي للمتمتع والقارن:</span>\nاتَّفَق العلماء على أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد (^١).\nواختلفوا في إجزاء البدنة أو البقرة عن سبعة، على قولين:\nالقول الأول: يَجوز الاشتراك في الهَدْي في الإبل والبقر، فتجزئ الواحدة من الإبل أو البقر عن سبعة أشخاص. وهذا مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (^٢).\nقَالَ جَابِرٌ: حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَحَرْنَا الْبَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ (^٣).\nوَعَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ المُتْعَةِ، فَأَمَرَنِي بِهَا، وَسَأَلْتُهُ عَنِ الهَدْيِ فَقَالَ: «فِيهَا جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ» (^٤).\nوَجْه الدلالة: (أو شِرْك في دم) أي: مشاركة مع غيره في جزء من بعير بمقدار السُّبع.\nالقول الآخَر: أن الواحدة من الإبل لا تجزئ إلا عن واحد. وبه قال المالكية (^٥).\nواستدلوا بحديث عائشة قالت: «ذَبَحَ عَنَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ حَجِّنَا (بَقَرَةً بَقَرَةً) (^٦).\n_________\n(^١) نَقَل الإجماع على ذلك: ابن رُشْد في «بداية المجتهد» (٢/ ١٩٦) وابن عبد البر في «التمهيد» (١٢/ ١٤٠)، والنووي في «شرح مسلم» (٩/ ٦٧).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٥/ ٧٠)، و«الأم» (٢/ ٢٢٢)، و«الحاوي» (١٥/ ١٢٢)، و«المغني» (٩/ ٤٥٨).\n(^٣) رواه مسلم (١٣١٨).\n(^٤) رواه البخاري (١٦٨٨).\n(^٥) «المُدوَّنة» (٢/ ٤٦٩).\n(^٦) شاذ بهذا اللفظ، ومداره على القاسم بن محمد عن عائشة، واختُلف عنه:\nفرواه عَمَّار الدُّهْنِيّ، عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم به، عند النَّسَائي (٤١١٥) وهو شاذ مُخالِف لِما رواه ابن عُيينة، عن عبد الرحمن، به عند البخاري (٢٩٤)، ومسلم (١٢١١) بلفظ: قَالَتْ: ضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ.\nومما يدل على شذوذ هذه اللفظة: ما روته عَمْرة عن عائشة قالت: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ. أخرجه البخاري (١٧٠٩)، ومسلم (١٢١١).\nقال الذهبي: هذا حديث غريب. «ميزان الاعتدال» (١/ ٢١٠).","vol":"1","page":520},{"text":"واستدلوا بالقياس، فكما أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد، فكذا الواحدة من الإبل أو البقر لا تجزئ إلا عن واحد.\nونوقش بأنه لا قياس مع النص، فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَحَرْنَا الْبَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-680>المبحث الخامس: مكان ذبح الهَدْي:</span>\nنَقَل الإجماع غير واحد على أن مكان نحر الهَدْي هو الحَرَم (^١).\nيجب أن يكون ذبح الهَدْي في الحَرَم، ولا يختص بمِنًى، ولكن الأفضل أن يكون بمِنًى. وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة والمعقول:\nأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وفُسِّر محله بأنه الحَرَم عند القدرة على إيصاله. وقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، ومعلوم أنه لم يُرِد الكعبة بعينها، وإنما أراد الحرم. فهاتان الآيتان تدلان على أن مكان النحر هو الحَرَم.\nوأما السُّنة، فعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «نَحَرْتُ هَاهُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ» (^٣).\nوأن النبي ﷺ نَحَر هديه في مِنًى، وقال: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ».\nوَجْه الدلالة: أن نَحْر الهَدْي لا يُجْزِئ إلا بِمِنًى أو بمكة (^٤).\nوأما المعقول، ف: الْهَدْيُ سُمِّيَ هَدْيًا لِأَنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْهَدِيَّةِ الَّتِي يَبْعَثُهَا الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ، وَالْهَدِيَّةُ لَا تَكُونُ هَدِيَّةً إِلَّا إِذَا بَعَثَهَا الْمُهْدِي إِلَى دَارِ الْمُهْدَى إِلَيْهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا بِجَعْلِ مَوْضِعِ الْهَدْيِ هُوَ الْحَرَمُ (^٥).\n_________\n(^١) نَقَله ابن رُشْد في «بداية المجتهد» (١/ ٣١٠)، والماوردي في «الحاوي» (٤/ ٢٣٠)، والنووي في «المجموع» (٨/ ١٤٥).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٢٤)، و«المجموع» (٨/ ١٨٧ - ١٩١)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٧٦).\n(^٣) رواه مسلم (١٢٩٧).\n(^٤) قال ابن حزم: وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُهْدِيَهُ وَيَنْحَرَهُ إلَّا بِمِنًى أَوْ بِمَكَّةَ. «المُحَلَّى» (٥/ ١٥٨).\n(^٥) «تفسير الرازي» (٥/ ٣٠٦)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ٢٠٠).","vol":"1","page":521},{"text":"<span data-type='title' id=toc-681>المبحث السادس: زمن ذبح الهَدْي:\nوفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-682>المطلب الأول: أول زمن ذبح الهَدْي:</span>\nاختَلف العلماء في تحديد ابتداء وقت ذبح هَدْي التمتع والقِران، على قولين:\nالقول الأول: يبتدئ وقت ذبح الهَدْي يوم النحر، ولا يجزئ قبل ذلك. وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وقول عند الشافعية، والحنابلة (^١).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة.\nأما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوَجْه الدلالة: معلوم أن الإحلال لا يكون إلا يوم النحر، وحَلْق الرأس معلق ببلوغ الهَدْي مَحِله، ولو جاز ذبح الهَدْي قبل يوم النحر، لجاز الحَلْق، ومعلوم أن حلق الرأس لا يَجوز قبل يوم النحر.\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٨، ٢٩].\nوَجْه الدلالة: إذا كان قضاء التَّفَث وطواف الإفاضة يختصان بيوم النحر، فكذا الذبح؛ لذا يُسَمَّى يومَ النحر، أي: الذبح.\nوأما السُّنة، فَعَنْ حَفْصَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟! قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» (^٢).\nوَجْه الدلالة: أنه ﷺ عَلَّق الحِل على النحر، ومعلوم أن الحِل لا يكون إلا يوم النحر.\nالقول الآخَر: جواز نحر هَدْي التمتع والقِران قبل يوم النحر وبعد عمرة التمتع. وهو\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ٧٦)، و«مواهب الجليل» (٣/ ٢٤٧)، و«الأم» (٢/ ٢٣٩)، و«الشرح الكبير» (٣/ ٢٤٥).\n(^٢) رواه البخاري (١٥٦٦)، ومسلم (١٢٢٩).","vol":"1","page":522},{"text":"قول عند الشافعية، وقول عند الحنابلة (^١).\nواستدلوا بالقرآن والسُّنة والقياس:\nأما القرآن، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوَجْه الدلالة: دلت الآية على جواز ذبح هَدْي المتعة بعد الإحرام بالعمرة؛ إذ هَدْي التمتع له سببان: العمرة والحج، فإذا أَحْرَم بالعمرة جاز الذبح عند وجود السبب.\nونوقش بأن مجرد فَهْم الآية باجتهاد عَارَض نصًّا، وهو أن النبي ﷺ وأصحابه لم ينحروا الهَدْي إلا في يوم النحر، ولا اجتهاد مع النص، فالنبي ﷺ هو المُبيِّن لِما أُنْزِلَ إليه، وهو الذي يُفسِّر ذلك بنحره يوم العيد.\nوأما السُّنة، فَعَنْ جَابِرِ يُحَدِّثُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «فَأَمَرَنَا إِذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُهْدِيَ، وَيَجْتَمِعَ النَّفَرُ مِنَّا فِي الْهَدِيَّةِ، وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ حَجِّهِمْ» (^٢).\nفي الحديث جواز ذبح هَدْي التمتع بعد التحلل من العمرة، وقبل الإحرام بالحج (^٣).\nونوقش بأن لفظة: «وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ حَجِّهِمْ» شاذة؛ فمدار الحديث على محمد بن بكر؛ فقد رواه الأئمة الثقات كمالك والليث وغيرهما بدون هذه الزيادة.\nوأما القياس، فإنه يَجوز ذبح الهَدْي من بعد الإحرام بالعمرة؛ قياسًا على الصيام المذكور في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] لمَن لم يجد الهَدْي، فيَجوز له أن يصوم بعد العمرة وقبل يوم النحر؛ لأن الصيام بدل، والبدل له حُكْم المُبْدَل منه (^٤).\nواعتُرض عليه من وجهين:\nالأول: أن هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه لا قياس مع وجود النص، والنصوص متكاثرة على أن النبي ﷺ وأصحابه لم يَنحروا إلا يوم العيد.\n_________\n(^١) واختلفوا في أول وقت يَجوز فيه النحر: فقيل: يَجوز بعد إحرام العمرة. وقال به بعض الشافعية، وهو قول عند الحنابلة، كما في «نهاية المحتاج» (٣/ ٣٢٧)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٢٧) وقيل: بعد الإحلال من العمرة. وقيل: من بعد الإحرام للحج، كما في «روضة الطالبين» (٣/ ٥٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣٣٥).\n(^٣) «شرح النووي» (٩/ ٦٨).\n(^٤) «الفروع» (٣/ ٣١٣).","vol":"1","page":523},{"text":"الثاني: أن هذا القياس غير صحيح؛ وذلك أن الهَدْي يختص بمكان فاختص بزمان، كالرمي، بخلاف الصوم فإنه يصام في الحِل والحَرَم. والبدل يخالف المُبْدَل هنا؛ لأن مكان الذبح مكة، ومكان الصوم ثلاثة في الحَرَم وسبعة بعد الرجوع إلى الأهل (^١).\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي: عدم جواز نحر الهَدْي إلا يوم النحر؛ لأن النبي ﷺ وعامة أصحابه لم يَنحروا هَدْيهم إلا يوم النحر، وقد قَدِموا وهم متمتعون في اليوم الرابع من ذي الحجة، وبقيت الغنم والإبل التي معهم موقوفة حتى جاء يوم النحر. فلو كان ذبحها جائزًا قبل ذلك، لبادر النبي ﷺ وأصحابه إليه في الأيام الأربعة، التي أقاموها قبل خروجهم إلى عرفات؛ ولا سِيَّما والمُبادَرة إلى إبراء الذِّمة أَوْلَى مِنْ التأخير؛ لأن الناس بحاجة إلى اللحوم في ذلك الوقت.\nالمطلب الثاني: آخِر زمن الذبح:\nاتَّفَق العلماء على أن مَنْ نَحَر هَدْيه يوم النحر قبل غروب الشمس، أنه يجزيه، وأنه بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق- يكون قد خرج وقت نحر الهَدْي.\nواختَلف أهل العلم في آخِر زمن الذبح على أقوال، أشهرها قولان: هل هي يوم العيد ويومان بعده؟ أو هي يوم العيد وثلاثة أيام بعده؟\nالقول الأول: أن أيام النحر أربعة: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، فينتهي بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق. وهذا مذهب الشافعي، وقول للحنابلة (^٢).\nواستدلوا بالقرآن والسُّنة:\nأما القرآن، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] والأيام المعلومات هي يوم العيد وأيام التشريق التي فيها ذِكر الله وذبح بهيمة الأنعام.\nوأما السُّنة، فاستدلوا بقول النبي ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» (^٣) وإذا كانت\n_________\n(^١) «أضواء البيان» (٥/ ٥٤٥).\n(^٢) «الأم» (٣/ ٥٨٨)، و«الحاوي» (٤/ ٩٥٩)، و«الإنصاف» (٤/ ٦٣).\n(^٣) مسلم (١١٦٠). ورُوي أيضًا عن كعب بن مالك عند مسلم (١١٦١).","vol":"1","page":524},{"text":"أيام التشريق الثلاثة أيام أكل وشُرْب، ففيها ذبح للهَدْي والأضاحي.\nالقول الآخَر: أن أيام النحر ثلاثة أيام: يوم النحر ويومان بعده، فينتهي وقت النحر بغروب شمس ثاني أيام التشريق. وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بأن الأيام المعلومات هي يوم النحر ويومان بعده، ويدل على ذلك أن قوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] جَمْعُ قلة، لكن المُتيقَّن منه الثلاثة، وما بَعْد الثلاثة غَيْر مُتيقَّن فلا يُعْمَل به (^٢).\nونوقش بما قاله ابن القيم: «وَلِأَنَّ الثَّلَاثَةَ تَخْتَصُّ بِكَوْنِهَا أَيَّامَ مِنًى وَأَيَّامَ الرَّمْيِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَيَحْرُمُ صِيَامُهَا، فَهِيَ إِخْوَةٌ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ، فَكَيْفَ تَفْتَرِقُ فِي جَوَازِ الذَّبْحِ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ؟!» (^٣).\nوفي «الصحيحين»: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ، فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (^٤).\nوَجْه الدلالة ما ذَكَره الباجي بقوله: وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَبَاحَ الْأَكْلَ مِنْهَا فِي أَيَّامِ الذَّبْحِ، فَلَوْ كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْهَا، لَكَانَ قَدْ حَرُمَ عَلَى مَنْ ذَبَحَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ (^٥).\nونوقش بأن هذا الحديث منسوخ، وفيه حث على الصدقة عند قلة لحوم الأضاحي، وعدم التأخر في الذبح إلى آخِر أيام التشريق، وعدم الادخار.\nالراجح: أن أيام النحر أربعة، وهي يوم النحر وثلاثة أيام بعده، ويَجوز الذبح ليالي أيام التشريق كالنهار، والله أعلم.\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٦٥)، و«المُدوَّنة» (١/ ٥٥٠)، و«التمهيد» (٢٣/ ١٩٦)، و«المغني» (٩/ ٣٥٨).\n(^٢) «تفسير القرطبي» (١٢/ ٤٣).\n(^٣) «زاد المعاد» (٢/ ٢٩١). قال الشافعي: «فَلَمَّا لَمْ يَحْظُرْ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُضَحُّوا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، لَمْ نَجِدِ الْيَوْمَ الثَّالِثَ مُفَارِقًا لِلْيَوْمَيْنِ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَرْمِي فِيهِمَا». «الأم» (٣/ ٥٨٩).\n(^٤) البخاري (٥٥٦٩) ومسلم (٢٠٢٩).\n(^٥) «المُنتقَى» (٣/ ٩٩)، و«المغني» (٥/ ٣٠٠).","vol":"1","page":525},{"text":"<span data-type='title' id=toc-684>المبحث السابع: التطوع بالهَدْي:</span>\nيُسَن التطوع بالهَدْي للمُفْرِد والمتمتع والقارن، وللحاج ولغير الحاج.\nفعن جابر ﵄ في حديثه الطويل، في صفة حجة النبي ﷺ: «ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا» (٣).\nوَجْه الدلالة: أنه معلوم أن ما زاد على الواحدة منها تَطوُّع.\nقال القَرَافي: ولا أَعْلَم في التطوع بالهَدْي خلافًا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-685>المبحث الثامن: الأكل من الهَدْي:</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: الأكل من هَدْي التطوع:\nيُسَن لمَن أَهْدَى هديًا تطوعًا أن يأكل منه إذا بَلَغ مَحِله في الحَرَم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].\nوعن جابر ﵄ في حديثه الطويل، في صفة حجة النبي ﷺ: «ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا».\nوما زاد على الواحدة منها تطوع، وقد أَكَلا منها وشَرِبا من مرقها جميعًا.\nوأَجْمَع العلماءُ على أن الأكل من هَدْي التطوعِ وأُضحيَّته سُنة، ليس بواجب (^٢).\nالمطلب الثاني: أكل المهدي من هَدْي التمتع والقِران:\nاختَلف أهل العلم في حُكْم أكل المُهْدِي من هَدْي التمتع والقِران على قولين:\nالقول الأول: يُستحَب أكل المُهْدِي من هَدْي التمتع والقِران؛ لعموم قوله تعالى:\n_________\n(^١) «الذخيرة» (٣/ ٣٥٤).\n(^٢) «شرح مسلم» (٨/ ١٩٢)، ونَقَله ابن عبد البر في «التمهيد» (٢/ ١١٣)، وابن حجر في «الفتح» (٣/ ٥٥٦).","vol":"1","page":526},{"text":"﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]. وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (^١).\nوعن عائشة ﵂ قالت: «فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ» (^٢).\nوَجْه الدلالة: أن أزواج النبي ﷺ ذَبَح عنهن ﷺ بقرًا، ودخل عليهن بلحمه وهن متمتعات، وعائشة منهن قارنة، وقد أكلن جميعًا مما ذُبح عنهن في تمتعهن وقِرانهن، بأمره ﷺ. وهو نص صحيح صريح في جواز الأكل من هَدْي التمتع والقِران.\nالقول الآخَر: أنه ليس للمُهْدِي أن يأكل من هَدْي التمتع والقِران. وبه قال الشافعية (^٣).\nواستدلوا بما رُوي عَنْ نَاجِيَةَ الأَسْلَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ مَعَهُ بِهَدْيٍ، فَقَالَ: «إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَانْحَرْهُ، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ» (^٤).\nوفي رواية: «وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ. أَوْ قَالَ: مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ» (^٥).\nالمطلب الثالث: الأكل من هَدْي الكفارات:\nلا يَجوز الأكل من هَدْي الكفارات الذي وجب لفعل محظور؛ لأنها دماء كفارات، يجب التصدق بها على الفقراء، وفي الأكل منها تفويت لِحَقِّهم. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^٦).\n_________\n(^١) «البحر الرائق» (٣/ ٧٦)، و«حاشية الدسوقي» (٢/ ٨٩)، و«الإنصاف» (٤/ ٧٥).\n(^٢) رواه البخاري (١٧٠٩)، ومسلم (١٢١١).\n(^٣) «الأم» (٢/ ٢٨٢)، و«الحاوي» (٤/ ٣٧٩).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (١٧٦٢) من طريق هشام، عن أبيه، عن ناجية، به.\n(^٥) أخرجه مسلم (١٣٢٥). قال ابن عبد البر: (قَوْلُهُ): (وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ) لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ وَسِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيه عَنْ نَاجِيَةَ، وَهَذَا عِنْدَنَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ذُؤَيْبٍ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَهْلُ رُفْقَتِهِ وَغَيْرُهُمْ فِي ذلك سَوَاءٌ. «التمهيد» (٢٢/ ٢٦٧).\n(^٦) «فتح القدير» (٣/ ١٦١)، و«حاشية الدسوقي» (٢/ ٨٩)، و«المجموع» (٨/ ٤١٧)، و«الإنصاف» (٤/ ٧٥).","vol":"1","page":527},{"text":"<span data-type='title' id=toc-686>المبحث التاسع: مَنْ لم يجد الهَدْي: وفيه سبعة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-687>المطلب الأول: حُكْم مَنْ لم يَقدر على الهَدْي:</span>\nالواجب على المتمتع أو القارن هو ما استيسر من الهَدْي، شاة أو سُبْع بدنة. فإِنْ عَجَز أحدهما عن الهَدْي، صام عَشَرة أيام: ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله.\nقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوعن ابن عمر ﵄، أن رسول اللهِ ﷺ قال: «… فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ».\nقال ابن قُدامة: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ يَنْتَقِلُ إِلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ، تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ (^١).\nوأَجْمَع العلماء على جواز صيام يوم عرفة لمَن لم يجد الهَدْي (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-688>المطلب الثاني: وَقْت ابتداء صيام الثلاثة أيام في الحج لمن لم يجد الهَدْي.</span>\nأَجْمَع العلماء على إجزاء الصيام، إذا صام بعد إحرامه بالحج، وقبل يوم النحر (^٣).\nواختلفوا في وقت ابتداء صيام الثلاثة أيام في الحج على ثلاثة أقوال (^٤):\nالقول الأول: المتمتع إذا لم يجد الهَدْي له أن يبتدئ صيام الثلاثة إذا انتهى من عمرته. وكذا القارن إذا انتهى من طواف القدوم والسعي، فله أن يبتدئ الصيام. وهذا مذهب\n_________\n(^١) «المغني» (٥/ ٣٦٠). ونَقَل الإجماع على ذلك: ابن المنذر في «الإجماع» (ص: ٥٦)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٨/ ٣٤٩)، وابن رُشْد في «بداية المجتهد» (٢/ ١٣٢)، والقرطبي في «تفسيره» (٢/ ٤٠١).\n(^٢) «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٩١). وقال ابن عبد البر: «وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ جَائِزٌ صِيَامُهُ لِلْمُتَمَتِّعِ، إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا». «التمهيد» (٢١/ ١٦٤).\n(^٣) قال الماوردي: أَنْ يَصُومَ بَعْدَ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، فَيُجْزِيهِ ذَلِكَ بِإِجْمَاعٍ. «الحاوى» (٤/ ١٠٨).\nوقال ابن عبد البر: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ إِنْ صَامَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَقَدْ أَتَى بِمَا يَلْزَمُهُ. «الاستذكار» (٤/ ٤١٣).\nوقال ابن تيمية: فَأَمَّا الصَّوْمُ بَعْدَ إِحْرَامِ الْحَجِّ، فَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ. «شرح العمدة» (٢/ ٣٣٧).\n(^٤) قال الكاساني: فَمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ، فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ، بِلَا خِلَافٍ. «بدائع الصنائع» (٢/ ١٧٣).","vol":"1","page":528},{"text":"الحنفية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة والمعقول:\nأما الكتاب، فإن المتمتع إذا انتهى من عمرته، والقارن إذا انتهى من طواف القدوم والسعي، فصام، دخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوأما السُّنة، فعن جابر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ».\nوَجْه الدلالة: أنه يدل على جواز الصيام من الإحرام بالعمرة؛ وذلك لأن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة.\nوأما دليلهم من المعقول، فما قاله الكاساني: رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ، وَإِذَا كَانَتِ السُّنَّةُ فِي حَقِّهِ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ، فَلَا يُمْكِنُهُ صِيَامُ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا بَقِيَ لَهُ يَوْمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ أَيَّامَ النَّحْرِ وَالتَّشْرِيقِ قَدْ نُهِيَ عَنْ الصِّيَامِ فِيهَا، فَلَا بُدَّ مِنَ الْحُكْمِ بِجَوَازِ الصَّوْمِ بَعْدَ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْحَجِّ (^٢).\nالقول الثاني: لا يَجوز صيام الثلاثة أيام إلا بعد التلبس بإحرام الحج. وهو قول زُفَر من الحنفية، ومذهب المالكية والشافعية (^٣).\nواستدلوا بالكتاب والمعقول:\nأما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوهذا نَصٌّ في وجوب صيامها في الحج، أي: بعد التلبس بإحرام الحج يوم التروية أو يوم عرفة، ولا يصام قبل ذلك؛ لأنه لا يكون صائمًا للثلاثة الأيام في الحج.\nوأما دليلهم من المعقول، فأمران:\nالأول: أن الله عَلَّق جواز الصيام بعدم الهَدْي، ولا نَعْلَم عَدَمه إلا قبل الإحرام بالحج؛ لأنه قد يُيَسَّر وجوده قبل ذلك.\nالثاني: أنه لا يجوز تقديم المُبْدَل (الهَدْي) فكذا لا يَجوز تقديم البدل وهو الصيام.\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ١٨١)، و«المغني» (٥/ ٣٦١).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٧٣).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٧٣)، و«المُنتقَى» (٢/ ٢٣٠)، و«الحاوي» (٤/ ٥٣).","vol":"1","page":529},{"text":"ونوقش بأن هذا القياس مع الفارق؛ لأنه لا خلاف في جواز الصوم قبل النحر، ولا يجوز ذبح الهَدْي قبل يوم النحر (^١).\nالقول الثالث: أنه يَجوز صيام الثلاثة أيام قبل الإحرام بالعمرة. وهو قول عطاء ومجاهد وطاوس، وأحمد في رواية (^٢).\nوهذا قول شاذ يخالف الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة (^٣).\nوالراجح: أن المتمتع إذا لم يجد الهَدْي له أن يبتدئ صيام الثلاثة إذا انتهى من عمرته. وكذا القارن إذا انتهى من طواف القدوم والسعي، فله أن يبتدئ الصيام. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-689>المطلب الثالث: الوقت المستحب لصيام الأيام الثلاثة في الحج:</span>\nاختَلف العلماء في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أن الوقت المختار للصيام هو أن تكون الأيام الثلاثة قبل يوم عرفة. وبه قال الشافعية، ورُوي عن مالك، وهو قول للحنابلة (^٤).\nواستدلوا بما رَوَى مالك عن عائشة قالت: «الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، لِمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، مَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّامَ مِنًى» (^٥).\nواستدلوا بأنه يُستحب فطر يوم عرفة للتَّقَوِّي على الدعاء، واقتداءً بالنبي ﷺ.\nالقول الآخَر: أن المستحب أن يصوم قبل التروية يومًا ويوم التروية ويوم عرفة. وبه قال الحنفية والمالكية والحنابلة (^٦).\nالراجح: المتمتع إذا انتهى من عمرته والقارن إذا انتهى من طواف القدوم والسعي،\n_________\n(^١) وقال القاضي: لا خلاف أن الصوم يتعين قبل يوم النحر، بحيث لا يَجوز تأخيره إليه، بخلاف الهَدْي. «الاستذكار» (٤/ ٤١٤).\n(^٢) «الشرح الكبير» (٣/ ٣٣٤).\n(^٣) قال الكاساني: وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ، بِلَا خِلَافٍ. «بدائع الصنائع» (٢/ ١٧٣).\n(^٤) «المجموع» (٧/ ١٨٥)، و«تفسير القرطبي» (٢/ ٣٩٩)، و«المغني» (٣/ ٤١٧).\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه مالك (١٢٨١) ورُوي مثله عن ابن عمر عند البخاري (١٩٩٩).\n(^٦) «البناية» (٣/ ٦٣٥)، و«الفواكه الدواني» (١/ ٤٣٣)، و«المغني» (٣/ ٤٧٨).","vol":"1","page":530},{"text":"فالأفضل أن يُقَدِّما صيام الأيام الثلاثة قبل يوم عرفة؛ ليكونا يومَ عرفة مُفطرَين؛ لأن النبي ﷺ أفطر بعرفة، ولأن الفطر في هذا اليوم أقوى لهما على العبادة، وأنشط لهما على الدعاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-690>المطلب الرابع: صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهَدْي:</span>\nاختَلَف العلماء في تأخير الصيام عن يوم النحر لمن لم يجد الهَدْي، على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يجوز صوم أيام التشريق لمن لم يجد الهَدْي؛ لأن أيام التشريق أيام للحج، ففيها رمي الجمرات، فيَدخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.\nوَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵃، قَالَا: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ».\nوهذا مذهب المالكية، وقول للشافعية، والمشهور عن الحنابلة (^١).\nالقول الثاني: أن مَنْ لم يجد الهَدْي، إذا انقضى يوم عرفة، ولم يكن قد صام الثلاثة أيام قبل يوم النحر، فعليه دم ولا يجزئه غيره، وليس له أن يصوم أيام التشريق ولا بعدها. وهو مذهب الحنفية، ورواية عن الحنابلة (^٢).\nالقول الثالث: ذهب ابن حزم إلى أنه ليس له أن يصوم أيام التشريق؛ لأنها أيام أكل، ويصوم بعدها، بشرط أن يُؤخِّر طواف الإفاضة حتى يُتِم صيام الأيام الثلاثة؛ لأنه ما زال في الحج، فيَدخل في عموم الآية، فإن لم يَفعل حتى طاف فلا يصوم ويستغفر الله (^٣).\nوالراجح: يَجوز صوم أيام التشريق لمن لم يجد الهَدْي.\n\n<span data-type='title' id=toc-691>المطلب الخامس: مَنْ لم يصم قبل عرفة، هل يَسقط الهَدْي عنه،</span> أو يَبقى في ذمته؟\nذهب جمهور العلماء إلى أن مَنْ لم يصم الأيام الثلاثة في الحج، فإنه لا يَسقط الصيام عنه، ويَلزمه بعد ذلك القضاء. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) «الكافي» (١/ ٣٤٦)، و«المُدوَّنة» (١/ ٤١٤)، و«الحاوي» (٣/ ٤٥٥)، و«الإنصاف» (٣/ ٢٤٩).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٧٣)، و«المغني» (٣/ ٤١٩).\n(^٣) «المُحَلَّى» (٥/ ١٤٥).\n(^٤) «الذخيرة» (٣/ ٣٥١)، و«المجموع» (٧/ ١٨٦)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٦٤).","vol":"1","page":531},{"text":"<span data-type='title' id=toc-692>المطلب السادس: حُكْم صيام السبعة أيام بمكة بعد فراغه من الحج:</span>\nاتَّفَق العلماء على أنه لا يَجوز صيام السبعة أيام قبل الفراغ من أفعال الحج.\nووقع الخلاف بينهم في حكم صومها بعد الفراغ من أفعال الحج بمكة، على قولين:\nالقول الأول: يجوز صيام السبعة أيام بمكة بعد فراغه من الحج. وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وهو قول للشافعي، والحنابلة (^١).\nالقول الآخَر: لا يجوز صيام الأيام السبعة إلا بعد رجوع الحاج إلى أهله (^٢).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوعن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «… فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ».\nونوقش هذا الاستدلال بما قاله ابن قُدامة: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَوَّزَ لَهُ تَأْخِيرَ الصِّيَامِ الْوَاجِبِ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْإِجْزَاءَ قَبْلَهُ، كَتَأْخِيرِ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ وَالْمَرَضِ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَلِأَنَّ الصَّوْمَ وُجِدَ مِنْ أَهْلِهِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، فَأَجْزَأَهُ، كَصَوْمِ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ (^٣).\nفالحاصل: أن الأفضل أن يصوم السبعة إذا رجع إلى أهله؛ رخصة وتخفيفًا ورفقًا به، ويَجوز صيامها بمكة بعد فراغه من الحج أو في الطريق قبل الوصول؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقيل: المراد بالرجوع إلى الأهل: الفراغ من الحج؛ لأن الفراغ منه سبب الرجوع إلى أهله.\n\n<span data-type='title' id=toc-693>المطلب السابع: هل يُشترَط أن يكون صيام الأيام العَشَرة متتا بعًا؟</span>\nيَجوز صوم الثلاثة أيام في الحج، والسبعة إذا رجع إلى أهله، متتابعة ومتفرقة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالله أَطْلَق الصيام ولم يَشترط فيه التتابع، وقد نُقِل الإجماع على ذلك (^٤).\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٧٣)، و«المُدوَّنة» (٢/ ٤١٥)، و«المجموع» (٧/ ١٨٧)، «المبدع» (٣/ ١٧٦).\n(^٢) وهو قول للشافعية «الحاوي» (٤/ ٥٧)، و«المجموع» (٧/ ١٦١).\n(^٣) «المغني» (٥/ ٣٦٢).\n(^٤) قال ابن قُدامة: وَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. «المغني» (٥/ ٣٦٣).","vol":"1","page":532},{"text":"<span data-type='title' id=toc-694>الفصل الثاني\nالنوازل في الهَدْي\nوفيه سبعة مباحث:</span>\nالمبحث الأول: نَقْل الهَدْي إلى خارج الحَرَم. وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: نَقْل الدم الواجب إذا عُدِم المساكين في الحَرَم.\nالمطلب الثاني: ما يذبحه الحاج ثلاثة أنواع.\nالمبحث الثاني: ما يتعلق بالنيابة في الهَدْي. وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: جواز النيابة في نحر الهَدْي.\nالمطلب الثاني: شراء كروت وبطاقات الهَدْي.\nالمبحث الثالث: حُكْم ذبح الهَدْي وتَرْكه.\nالمبحث الرابع: ذَبْح الهَدْي خارج الحَرَم في فِجاج مكة.\nالمبحث الخامس: الأضحية أو الهَدْي بمبتور الذَّنَب أو الأَلْيَة.\nالمبحث السادس: شراء الشركات جلود الهَدْي والأضاحي.\nالمبحث السابع: الاستعاضة بثمن الهَدْي.","vol":"1","page":533},{"text":"<span data-type='title' id=toc-695>المبحث الأول: نَقْل الهَدْي إلى خارج الحَرَم:\nوفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-696>المطلب الأول: نَقْل الدم الواجب إذا عُدم المساكين في الحَرَم:</span>\nمما لا شك فيه أن أعداد الحُجاج قد زادت بصورة غير مسبوقة، فتُذبح الملايين من الهَدْي والدم الواجب، وعدد فقراء الحرم قليل، فإذا أُعطيَ فقراء الحَرَم من هذه اللحوم حاجتهم، وهم ليسوا بالكثير، فستَبقى الملايين من الهَدْي، فهل يَجوز نقل المتبقي من الهَدْي والدم الواجب إلى خارج الحَرَم أم لا؟\nلأهل العلم في ذلك قولان:\nالقول الأول: يَجوز تفرقة لحم الهَدْي خارج الحَرَم. وبه قال الحنفية والمالكية (^١).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة:\nأما الكتاب، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].\nفلم يَخص فقيرًا دون فقير، فجاز التصدق على كل فقير نظرًا لإطلاق النص.\nونوقش بأن هذا النص المُطْلَق مُقيَّد بالحَرَم؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].\nوأجيب بأن محلها إلى البيت في الذبح، أما التوزيع فإن النص لم يُحدِّد هَدْي التمتع ولا القِران، فيبقى مطلقًا؛ ولذا يَجوز توزيع هَدْي التمتع والقِران خارج الحَرَم.\nوأما السُّنة، فعن جابر قال: كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى، فَأَرْخَصَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا» ولا شك أن التزود يكون للسفر، وهو خارج الحَرَم. فدل ذلك على جواز نقل لحوم الهَدْي خارج الحَرَم.\nالقول الآخَر: لا يَجوز تفرقة لحم الهَدْي خارج الحَرَم. وبه قال الشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله تعالى: ﴿مَحِلُّهَا إِلَى\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٧٤)، و«المُنتقَى» (٣/ ١٤)، و«مواهب الجليل» (٣/ ١٩٣).\n(^٢) «المجموع» (٧/ ٤٩٨)، و«مَطالب أُولِي النُّهَى» (٢/ ٣٦٥).","vol":"1","page":534},{"text":"الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣].\nولأن المعقول مِنْ ذبحه بالحَرَم التوسعةُ على مساكينه، وهذا لا يَحصل بإعطاء غيرهم، ولأنه نُسُك يَختص بالحَرَم، فكان جميعه مختصًّا به، كالطواف (^١).\nونوقش بأن محل هذا إذا لم يُعْطَ فقراء الحَرَم، أما إذا أُعْطُوا حاجتهم من هذه اللحوم، فستَبقى الملايين من الهَدْي، فيَجوز إعطاء غيرهم؛ لأنه إذا كان يَجوز نقل الزكاة بالإجماع إذا استغنى أهل بلد عنها، فكذا يَجوز نقل الهَدْي إذا استغنى أهل الحَرَم عنه.\nالراجح: أنه يَجوز نقل الهَدْي خارج الحَرَم إذا عُدم المساكين، أو كان زائدًا عن حاجة مساكين الحَرَم، حيث تَفُوق كمية اللحوم حاجة المساكين، فتتكدس كميات كبيرة من اللحوم، لا يَنتفع بها أحد، بل على العكس، فإنها تكون عبئًا على الجهات المسئولة عن الحج، وذلك بما تسببه من أمراض وتلويث للبيئة من جَرَّاء تَعفُّن هذه اللحوم المتكدسة وصعوبة التخلص منها سريعًا.\nفلا أظن عالمًا بالشريعة وحِكمها وأسرارها يقول بمنع نقل ما زاد من اللحوم على حاجة مساكين الحرم إلى خارجه، ولا سيما إذا كان مآلها الترك إلى أن تَفسد ثم تُرمَى؛ فإن ذلك من إضاعة المال الذي نهى عنه الله ورسوله (^٢).\nوقد وردت أدلة تدل على أن جزاء الصيد وفدية الأذى مختصة بفقراء الحَرَم، فتُقيَّد بهم، وأما لحوم التمتع والقِران فلم يَرِد نص يُقيِّد توزيعها بفقراء الحَرَم، فيَجوز توزيعها\n\n<span data-type='title' id=toc-697>المطلب الثاني: ما يذبحه الحاج ثلاثة أنواع:</span>\nالنوع الأول: هَدْي التمتع والقِران، فهذا يَجوز النقل منه إلى خارج الحَرَم، وقد نَقَل الصحابة لحوم هداياهم إلى المدينة؛ فَعَنْ جَابِرِ يَقُولُ: كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى، فَأَرْخَصَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: قَالَ جَابِرٌ: «حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ»؟ قَالَ: «نَعَمْ» (^٣).\n_________\n(^١) «المغني» (٥/ ٤٥١).\n(^٢) «الزحام وأثره في النسك» لخالد المصلح (ص: ٨٣).\n(^٣) صحيح دون لفظة (نَعَمْ) فهي شاذة، والصواب (لا):\nفرواه محمد بن حاتم، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جُريج قال: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: قَالَ جَابِرٌ: حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. أخرجه مسلم (١٩٧٢).\nوخالف محمدَ بن حاتم مُسَدَّدٌ عند البخاري (١٧١٩) والإمام أحمد في «المسند» (١٤٤١٢) وعمرو بن علي عند النَّسَائي، كما في «الفتح» (٩/ ٤٥٥).\nفهؤلاء ثلاثة من الثقات الحفاظ، خالفوا محمد بن حاتم فقالوا: (لا) مكان (نعم) ولا شك أن روايتهم أرجح، وهو الذي جَزَم به الحافظ ابن حجر","vol":"1","page":535},{"text":"وَعَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «أَصْلِحْ هَذَا اللَّحْمَ» قَالَ: فَأَصْلَحْتُهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ مِنْهُ حَتَّى بَلَغَ الْمَدِينَةَ (^١).\nالنوع الثاني: ما يذبحه الحاج داخل الحَرَم لارتكاب محظور أو تَرْك واجب، أو جزاء لصيد أو فدية لإزالة أذى. فهذا النوع لا يَجوز نقل شيء منه؛ لأنه كله لفقراء الحَرَم.\nالنوع الثالث: ما ذُبِح خارج الحَرَم من هَدْي الإحصار. فهذا يُوزَّع حيث يُذبَح، ولا مانع من نقله خارج الحَرَم.\n\n<span data-type='title' id=toc-698>المبحث الثاني: ما يتعلق بالنيابة في الهَدْي: وفيه مطلبان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-699>المطلب الأول: جواز النيابة في نحر الهَدْي:</span>\nروى مسلم عن جابر قال: «ثُمَّ انْصَرَفَ ﷺ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ» (^٢).\n_________\n(^١) صحيح دون لفظة (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) فهي شاذة:\nومداره على يحيى، عن الزُّبَيْدِيّ، عن عبد الرحمن بن جُبَيْر، عن أبيه، عن ثَوْبان. واختُلف عنه.\nفرواه أبو مُسْهِر عن يحيى بن حمزة، به، فزاد فيه (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) عند مسلم (١٩٧٥).\nوخالف أبا مُسْهِر سائرُ الرواة عن يحيى بن حمزة، فلم يَذكروها، منهم: محمد بن المُبارَك عند مسلم (١٩٧٥)، وعبد الله بن يوسف التِّنِّيسي عند أبي عَوَانة (٧٨٧٢)، ومَرْوان بن محمد عند الدارمي (٢٠٠٣) وغيرهم، بدون قوله: (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ).\nومما يدل على شذوذها: ما رواه مسلم (١٩٧٥) من طريق أبي الزاهرية، عَنْ جُبَيْرِ ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: «يَا ثَوْبَانُ، أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ» فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ.\nقال البيهقي: رواه مسلم في «الصحيح» عن أبي مُسْهِر، وقال فيه: (فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) ولا أَراها محفوظة، ورواه عبد الله الدارميّ، عن محمد بن المُبارَك دون هذه اللفظة. «السُّنن الكبرى» (١٩/ ٣٥٢).\n(^٢) وقد اختَلفتْ روايات الأحاديث في عدد البُدن التي نحرها النبي ﷺ بيده الشريفة يوم النحر.\nفمدار الحديث على جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، به.\nفقد ورد أن رسول الله ﷺ نَحَر بيده الشريفة ثلاثًا وستين بدنة، فقد روى حاتم بن إسماعيل عند مسلم (١٢١٨) ويحيى القطان عند ابن الجارود (٤٦٥)، ويزيد بن الهاد عند النَّسَائي في «الكبرى» (٤٣٣٢)، =","vol":"1","page":536},{"text":"قال النووي: وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ ذَبْحِ الْمُهْدِي هَدْيَهُ بِنَفْسِهِ، وَجَوَازُ الِاسْتِنَابَةِ فِيهِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ، إِذَا كَانَ النَّائِبُ مُسْلِمًا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-700>المطلب الثاني: شراء كروت وبطاقات الهَدْي:</span>\nهي في حقيقتها شراء للهَدْي مع التوكيل بذبحه وتوزيعه. ويَلجأ الحاج لشراء كروت وبطاقات الهَدْي؛ لصعوبة شراء الهَدْي وذبحه وتوزيعه.\nوهنا إشكال، وهو جهالة المبيع، فالمعقود عليه فيه جهالة واضحة، فالهَدْي لم يوصف بسوى أنه هَدْي مجزئ شرعًا. وهذا وَصْف لا يكفي في انتفاء الجهالة؛ إذ الشياه تتفاوت في أوصافها المؤثرة في الثمن تفاوتًا كبيرًا.\nوقد قال ابن قُدامة: وَإِنْ بَاعَهُ شَاةً مِنَ الْقَطِيعِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ شِيَاهَ الْقَطِيعِ غَيْرُ مُتَسَاوِيَةِ الْقِيَمِ، فَيُفْضِي ذَلِكَ إِلَى التَّنَازُعِ (^٢).\n_________\n=ووُهَيْب بن خالد عند البيهقي (٥/ ٢٣٨) جمعيهم عن جعفر به، فنَحَر ثلاثًا وستين بيده.\nوخالفهم ابن عُيينة، وفيه: «فَنَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سِتًّا وَسِتِّينَ بَدَنَةً» أخرجه الحُميدي (١٣٠٦).\nوهو شاذ بهذا اللفظ؛ لمخالفة ابن عُيينة في هذا العدد من الثقات الأثبات (كالقطان ويزيد وحاتم ووُهَيْب) فالمحفوظ أن رسول الله ﷺ نَحَر بيده الشريفة ثلاثًا وستين بدنة.\nوهنا إشكال ثانٍ في عدد البدن التي نَحَرها النبي ﷺ، فقد ورد أن رسول الله ﷺ نَحَر بيده ثلاثين بدنة.\nفَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بُدْنَهُ، فَنَحَرَ ثَلَاثِينَ بِيَدِهِ، وَأَمَرَنِي فَنَحَرْتُ سَائِرَهَا.\nمنكر بهذا اللفظ، أخرجه أحمد (١٣٧٤)، وفي إسناده ابن إسحاق، لا يُحتجّ به إذا انفرد، فكيف إذا خالف الثقات؟! وقد خالف هنا، حيث ذَكَر أن عدد ما نَحَر رسول الله ﷺ ثلاثون، والمحفوظ ما رواه مسلم عن جابر، وفيه: فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ. وكذا رَجَّح ابن حجر في «فتح الباري» (٣/ ٥٥٥)، والبيهقي في «السُّنن الكبرى» (١٠/ ٤٨٠)، وابن القيم في «زاد المعاد» (٢/ ٢٤١).\nالإشكال الثالث: في حديث البراء بن عازب الطويل: «… فَقَالَ النَّبِيُّ لِعَلِيٍّ: «انْحَرْ مِنَ البُدْنِ سَبْعًا وَسِتِّينَ- أَوْ: سِتًّا وَسِتِّينَ-» ....» أخرجه أبو داود (١٧٩١). وهو ضعيف، وعِلته تَفرُّد يونس بن إسحاق عن أبيه. قال أبو بكر الأثرم: سَمعتُ أبا عبد الله، وذَكَر يونسَ بن أَبي إسحاق، فضَعَّف حديثه عن أبيه. «تهذيب الكمال» (٣٢/ ٤٩١)، وكذا أبو زُرْعَة في «شرح علل الترمذي» (٢/ ٧١٠).\n(^١) «شرح مسلم» (٨/ ١٩٢).\nوقد اختَلف العلماء في صحة تولية الكتابي في نحر الهدي. والراجح أنه لا يصح تولية الكتابي في نحر الهَدْي؛ لأن نحر الهَدْي عبادة لا تصح من غير المسلم، والكتابي لا يَجوز دخوله إلى الحرم، فكيف يَجوز توليته في نحر الهَدْي؟!\n(^٢) «المغني» (٦/ ٢٠٩).","vol":"1","page":537},{"text":"ولكن قد يجاب عن هذا الإشكال من جهتين:\nالأولى: أن الحاجة داعية لمِثل هذا البيع في هذا الزمان، ولا سيما مع كثرة الحجيج، وما كان هذا شأنه فلا تأتي الشريعة بتحريمه (^١).\nالثانية: أن تحريم بيع شاة من القطيع يُفْضِي إلى التنازع للتفاوت بين الشياه.\nوأجيب عنه بأن الغَرَر هنا لا يُفضِي إلى التنازع؛ فالحاج لا غرض له سوى هَدْي يُبَرِّئ ذمته، والشاة لا تُسَلَّم للمشتري حتى تُفضِي إلى النزاع.\nالمطلب الثالث: شروط جواز النيابة في شراء كروت وبطاقات الهَدْي:\nإن من السُّنة أن يتولى المهدي ذبح هديه بنفسه اقتداء بالنبي ﷺ، ومَن شق عليه ذلك فله توكيل مَنْ يثق به في الذبح، فيَجوز له إخراج الهَدْي عن طريق شراء سندات الهَدْي من المَكاتب الذي تتولى بيعها في المشاعر وغيرها، وبالشروط الخمسة الآتية:\nالأول: أن تكون الجهة التي يَشتري منها السندات جهة موثوقة.\nالثاني: أن يكون مَنْ يتولى ذبح الهَدْي نيابة عن المهدي ممن يصح توكيله، وتنطبق عليه شروط الوكيل في الذبح (^٢).\nالثالث: أن يكون ذَبْح الوكيل للهَدْي في يوم النحر وأيام التشريق.\nالرابع: أن يكون ما تذبحه تلك الجهات المُوكَّلة مما يجزئ في الهَدْي، وخاليًا من العيوب المؤثرة في الهَدْي.\nالخامس: أن يَعْلَم أن هذه الجهة التي تبيع سندات الهَدْي- تقوم بتفريقه بعد ذبحه على مستحقيه من فقراء الحَرَم، وأنها لا تنقله خارج الحَرَم إلا إذا عُدم المساكين، أو كان\n_________\n(^١) قال ابن تيمية: فَكَذَلِكَ رُخِّصَ فِيمَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، فَإِنَّ تَحْرِيمَهُ أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْ ضَرَرِ كَوْنِهِ غَرَرًا، مِثْلُ بَيْعِ الْعَقَارِ، وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ دَوَاخِلُ الْحِيطَانِ وَالْأَسَاسِ، وَمِثْلُ بَيْعِ الْحَيَوَانِ الْحَامِلِ أَوِ الْمُرْضِعِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ الْحَمْلِ وَاللَّبَنِ. «الفتاوى الكبرى» (٤/ ١٨).\n(^٢) مِنْ الخطأ ما يَجري عليه بعض الحُجاج من تسليم ثمن الهَدْي الواجب عليهم- لمن ليس بأهل لذلك بصفة التوكيل، حيث لا يباشرون بأنفسهم عمليات الشراء والذبح والتصدق باللحوم.\nفيجب على الحاج ألا يوكل في ذبح الهَدْي مَنْ ليس بأهل لذلك؛ لأن بعض الناس معه سندات بسعر أقل، وهو لا يَذبح ولا يُوزِّع، بل يأخذ الأموال ويعطيها آخَرَ مقابل نسبة يأخذها منه.","vol":"1","page":538},{"text":"زائدًا عن حاجة مساكين الحَرَم (^١).\nفالحاصل: أن الحاج لا ينيب إلا مَنْ يثق به، أو يَغلب على ظنه صدقه؛ ولذا ففِعل بعض الحُجاج من توكيل بعض الأشخاص الذين يمرون في المخيمات أو في الحرم، ولم يُزكِّهم مَنْ يوثق بقوله- غَيْر مجزئ؛ لأنه لا يُعْلَم أذَبَح هديه أم لا؟ فهو مفرط. أما توكيل بنك الراجحي في ذبح الهَدْي وتوزيعه، فهي جهة موثوق بها، زَكَّاها أهل العلم.\nوهنا وقفة، وهي أنه ينبغي تخصيص جهات لبيع هذه السندات وتوزيعها على مستحقيها من الفقراء والمحتاجين، ولا سيما مَنْ أصابهم الضر من الحروب والمجاعات.\n\n<span data-type='title' id=toc-701>المبحث الثالث: حُكْم ذبح الهَدْي وتَرْكه:</span>\nاختَلَف العلماء في حُكْم توزيع الهَدْي وإيصال اللحم إلى مستحقيه على قولين:\nالقول الأول: أن توزيع الهَدْي يجب، فمَن ذَبَح الهَدْي وتَرَكه حتى فسد ولم يوزعه، لم يجزئه. وهذا مذهب الشافعية (^٢).\nواستدلوا بأن المَقصِد من ذبح الهَدْي هو الأكل منه وإطعام المساكين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] فمَن لم يوزعه حتى فسد، لم يجزئه.\nالقول الآخَر: أن توزيع الهَدْي يُستحَب، فمَن ذَبَح الهَدْي وتَرَكه فيجزئه. وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بأنه في أيام النحر قُرِّبَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بَدَنَاتٌ خَمْسٌ أَوْ سِتٌّ، فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ، فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا قَالَ: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» (^٤).\n_________\n(^١) «الدماء الواجبة في الحج» (ص: ٥٢٥) وهو بَحْث جيد ونافع، وقد أفدتُ منه كثيرًا، فاللهَ أسأل أن يسعد مؤلفه بجنته، وأن يشمله برحمته، وأن يكرمه بمغفرته، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين.\n(^٢) «كفاية الأخيار» (ص: ٢٣٠)، و«حاشية قليوبي» (٢/ ١٤٦).\n(^٣) «المبسوط» (٤/ ١٧٥)، و«الذخيرة» (٣/ ٣٦٧).\n(^٤) ضعيف، مُعَل بالانقطاع: أخرجه أبو داود (١٧٦٥)\nعلة هذا الحديث، ما قاله أحمد: لم يَسمع ثور من راشد بن سعد شيئًا. «تحفة التحصيل» (ص: ٤٦).\nولا يُلتفَت إلى تصريح ثور بالتحديث من راشد عند ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢٤٠٨)، وابن حِبان (٢٨١١) لأن هذه الأدوات يَطرأ عليها الوهم، فالمُعوَّل عليه كلام الإمام أحمد.\nقال ابن رجب: وقد ذَكَر أبو حاتم أن بقية بن الوليد كان يَروي عن شيوخه ما لم يسمعه، فيَظن أصحابه أنه سمعه، فيروون عنه تلك الأحاديث، ويُصرِّحون بسماعه لها من شيوخه، ولا يَضبطون ذلك. وحينئذٍ ينبغي التفطن، ولا يُغتَر بمجرد ذكر السماع، فقد ذَكَر ابن المديني أن شُعبة وجدوا له غير شيء يَذكر فيه الإخبار عن شيوخه، ويكون منقطعًا. «شرح علل الترمذي» (٢/ ٥٩٤).","vol":"1","page":539},{"text":"وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ نَحَر خَمْس بَدَنات، ثم قال: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» ولم يُوزِّع ولم يُنِب مَنْ يُوزِّع، وإنما ذَبَحها وتَرَكها لمستحقيها.\nونوقش بأن قوله ﷺ: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» ليس فيه دليل على أنه تَرَكها بدون توزيع، والذي فيه أن النبي ﷺ أَذِن لمن حضر أن يأخذ من اللحم ما يريد.\nواستدلوا بما روى ابن عباس، أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: «إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتًا، فَانْحَرْهَا ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ» (^١).\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ أَمَره بالذبح وعدم الأكل منها، ولم يأمره بتوزيع اللحم.\nونوقش بأن النبي ﷺ لم يأمره بتوزيع اللحم لأن هذا أمر معلوم، وهل أَمَره بالذبح لكي يتركه حتى تَفسد بدون توزيع؟!\nوالراجح: أن توزيع الهَدْي يجب، فمَن ذَبَح الهَدْي وتَرَكه حتى فَسَد، ولم يوزعه؛ لم يجزئه. وإن خَلَّى بينه وبين المساكين جاز؛ لقوله ﵇: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ».\n\n<span data-type='title' id=toc-702>المبحث الرابع: ذَبْح الهَدْي خارج الحرم في فِجاج مكة:</span>\nسبب دخول هذه المسألة في النوازل هو أن مكة قد اتسعت عمرانيًّا، حتى إن بعض أطرافها قد خرجت خارج حدود الحرم، فهل هذه الأطراف يشملها حُكم الحَرَم أم لا؟\nقد تضافرت النصوص على عدم جواز ذبح الهَدْي في غير الحَرَم، وقد دل على ذلك عموم قوله تعالى في الهدايا: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وما بَلَغ الحَرَم فقد بَلَغ الكعبة.\nوقد نُقل الإجماع على عدم جواز ذبح الهَدْي في غير الحَرَم (^٢).\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٣٢٦).\n(^٢) قال ابن عبد البر: وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ مَنْ نَحَرَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، وَلَمْ يَكُنْ مُحْصَرًا، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ. «الاستذكار» (٤/ ٢٩٩).","vol":"1","page":540},{"text":"وهذا الإجماع منخرم؛ فقد ورد للشافعية قول بجواز ذبح الهَدْي خارج الحرم، بشرط أن يُنقَل اللحم ويُفرَّق في الحَرَم قبل أن يتغير؛ لأن المقصود هو اللحم، وقد حَصَل الغرض بإيصاله إلى أهله من مساكين الحَرَم (^١).\nونوقش هذا بما قاله السرخسي: إِنَّ إرَاقَةَ الدَّمِ لَا تَكُونُ قُرْبَةً إلَّا فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ أَيَّامُ النَّحْرِ، أَوْ مَكَان مَخْصُوصٍ هُوَ الْحَرَمُ، وَهَذَا الدَّمُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ بِالزَّمَانِ، فَيَكُونُ مُخْتَصًّا بِالْمَكَانِ وَهُوَ الْحَرَمُ؛ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْقُرْبَةِ (^٢).\nواستدلوا بأن الرسول ﷺ أجاز الذبح في مكة، بقوله ﷺ: «وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» فأطراف مكة التي خارج الحرم تَدخل في عموم هذا الحديث.\nونوقش بأن النبي ﷺ قال ذلك، وبيوت مكة كلها في الحَرَم، أما الآن فمكة قد اتسعت عمرانيًّا، حتى إن بعض أطرافها قد خرجت خارج حدود الحرم، فلا يُذبَح إلا داخل حدود الحَرَم.\nفالحاصل: أنه لا يجزئ ذبح الهَدْي في أطراف مكة مما هو خارج الحرم، كجهة التنعيم؛ لعموم الأدلة التي تدل على أنه لا يُذبَح في غير الحَرَم؛ لذا لا بد أن تكون المَجازر داخل الحَرَم؛ لكيلا يضطر أحد لذبح هَدْيه خارج الحَرَم.\n\n<span data-type='title' id=toc-703>المبحث الخامس: الأضحية أو الهَدْي بمبتور الذَّنَب أو الأَلْيَة:</span>\nسبب دخول هذه المسألة في النوازل هو أنه أصبحت كثير من الأغنام التي تأتي من أستراليا قد استؤصلت أَلْيَتها، فهل تجزئ في الأضحية وأداء نسك الهَدْي؟\nاختَلف أهل العلم في حُكْم الهَدْي بمبتور الذَّنَب أو الأَلْيَة- على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن مبتورة كامل الذَّنَب أو الأَلْيَة لا تجزئ، وأما مقطوعة بعض الذَّنَب فتجزئ. وهو مذهب الحنفية والمالكية، ورواية عند الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) «المجموع» (٧/ ٤١١)، و«روضة الطالبين» (٣/ ١٨٧).\n(^٢) «المبسوط» (٤/ ٧٥).\n(^٣) «تبيين الحقائق» (٦/ ٧)، و«المُنتقَى» (٣/ ٨٤)، و«الفروع» (٣/ ٥٤٢).","vol":"1","page":541},{"text":"القول الثاني: أن مبتورة بعض الذَّنَب لا تجزئ. وهو مذهب الشافعية (^١).\nالقول الثالث: أن مبتورة الأَلْيَة تجزئ. وهو مذهب الحنابلة (^٢).\nوالراجح: أن مبتورة الأَلْيَة من الأغنام لغرض التسمين بالشروط المذكورة- تجزئ في الأضحية؛ لأن هذا النقص لا يُخِل بالمقصود من الأضحية (^٣). مع أن الأصل في الأضحية هو طلب الكمال والسمن والسلامة من العيوب، وأفضل الأضاحي أسمنها؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-704>المبحث السادس: شراء الشركات جلود الهَدْي والأضاحي:</span>\nتقوم جمعيات خيرية بجمع جلود الأضاحي وبيعها لمؤسسات صناعة الجلود، وصَرْف ثمنها في مشاريع خيرية، فما الحكم في ذلك؟\nاختَلف العلماء في حُكْم بيع جلود الهَدْي والأضاحي على قولين:\nالقول الأول: عدم جواز بيعه. وهو مذهب المالكية والشافعية (^٤)\nواستدلوا بالسُّنة والقياس:\nأما السُّنة، فَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا» (^٥).\n_________\n(^١) «أسنى المطالب» (١/ ٥٣٥)، و«تحفة المحتاج» (٩/ ٣٥١).\n(^٢) «الفروع» (٣/ ٣٩٩)، و«الإنصاف» (٤/ ٨١)، و«كشاف القناع» (٣/ ٦).\n(^٣) قال ابن عثيمين: وعلى كل حال، ينبغي أن نقسم العيوب إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: ما دلت السُّنة على عدم إجزائه، وهي أربع: العوراء البَيِّن عَوَرها، والمريضة البَيِّن مرضها، والعرجاء البَيِّن ضَلَعها، والعجفاء التي لا تُنْقِي. فهذه منصوص على عدم إجزائها، ويقاس عليها ما كان مثلها أو أَوْلَى منها.\nالثاني: ما ورد النهي عنه دون عدم الإجزاء، وهو ما في أذنه أو قَرْنه عَيْب من خرق. ولكن هذا النهي يُحْمَل على الكراهة؛ لوجود الحديث الحاصر لعدم المجزئ بأربعة أصناف.\nالثالث: عيوب لم يَرِد النهي عنها، ولكنها تُنافِي كمال السلامة، فهذه لا أثر لها، ولا تُكْرَه التضحية بها ولا تَحرم، مثل العرجاء عرجًا يسيرًا. فهذه عيوب لكنها لا تَمنع الإجزاء، ولا توجب الكراهة لعدم وجود الدليل، والأصل البراءة.\n(^٤) «عمدة القاري» (٥/ ٤٠٤)، و«فتح الباري» (٣/ ٥٥٦).\n(^٥) مسلم (١٣١٧).","vol":"1","page":542},{"text":"وأما القياس، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لَحْمَهَا لَا يُبَاعُ، فَكَذَلِكَ الْجُلُودُ وَالْجِلَالُ (^١).\nالقول الآخَر: جواز بيعه والتصدق بثمنه. وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد (^٢).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج: ٣٧] أي أن المُحَرَّم بيع اللحم، أما الجِلد فلا بأس ببيعه والتصدق بثمنه على المحتاجين.\nونوقش بأنه لا يَجوز للمضحي أن يبيع جِلد أضحيته؛ لأنها بالذبح تعينت لله بجميع أجزائها، فلم يَجُز أخذ العوض؛ ولذا لا يُعطِي الجزار منها شيئًا على سبيل الأجرة.\nوالراجح: جواز إعطاء الجلود للجمعيات الخيرية التي تتولى بيعه والتصدق بثمنه؛ لأن أكثر الناس لا ينتفعون بجِلد الأضحية، فبيع الجمعيات الخيرية الجِلد والتصدق بثمنه على الفقراء -عَمَل خير وعَمَل بِر، ولا يجوز بيع المضحي جِلد الأضحية لنفسه.\nفالحاصل: أنه يجوز بيع جلد الأضحية، وصَرْف ثمنه مصرف الأضحية، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-705>المبحث السابع: الاستعاضة بثمن الهَدْي:</span>\nدلت النصوص على عدم جواز الاستعاضة عن ذبح هديه بالتصدق بقيمته.\nواستدلوا بالكتاب بالسُّنة والمعقول:\nأما الكتاب، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوَجْه الدلالة: أن الله أوجب على المتمتع في حال القدرة الهَدْي، فإذا لم يجد هديًا أو ثمنه فإنه ينتقل إلى الصيام، ولم يَجعل واسطة بين الهَدْي والصيام. ومَن قال بالتصدق، فإنه يُطالَب بدليل يخالف ذلك.\nوأما السُّنة، فاستدلوا بأن النَّبِيَّ ﷺ أَهْدَى وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ، وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ لَعَدَلُوا إِلَيْهَا، وَبِأَنَّ إِيثَارَ الصَّدَقَةِ عَلَى الهَدْيِ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ سُنَّةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٣/ ٥٥٦).\n(^٢) «تبيين الحقائق» (٦/ ٩)، و«الإنصاف» (٤/ ٩٣). وقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَأَجَازَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، قَالُوا: وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ مَصْرِفَ الْأُضْحِيَةِ. «فتح الباري» (٣/ ٥٥٦).","vol":"1","page":543},{"text":"وأما المعقول، فهو أن الهَدْي له وقت يَفوت بفوات وقته، والتصدق لا يَفوت، فكان أَفْضَل. ونظيره الطواف للآفاقي أَفْضَل من الصلاة؛ لأنه بالرجوع يَفوت، بخلاف المكي.\nشبهتا مَنْ قال بجواز الاستعاضة عن ذبح هديه بالتصدق بقيمته، والجواب عنهما:\nالشبهة الأولى: يَجوز الاستعاضة عن ذبح هديه بالتصدق بقيمته؛ نظرًا لصعوبة تنظيم الذبح في الوقت الحاضر، ومع تزايد عدد الحُجاج؛ فيفضي ذلك إلى تكدس كميات كبيرة من اللحوم لا يَنتفع منها أحد.\nوأجيب عنها من وجهين:\nالأول: أنه يَجوز نقل الهَدْي خارج الحَرَم إذا كان زائدًا عن حاجة مساكين الحَرَم، ولا سيما بعض البلدان التي بها حروب ومجاعات، ومع التقدم الحديث يَسهل ذلك.\nالثاني: أن الهَدْي فيه جَمْع بين قُربتين: التقرب بإراقة الدم، والتصدق باللحم. بخلاف الصدقة بثمنها، ولا شك أن الجَمْع بين القريتين أَفْضَل.\nالشبهة الثانية: ما يَجري عليه بعض الحُجاج من تسليم ثمن الهَدْي الواجب عليهم، لمن ليس بأهل لذلك بصفة التوكيل، حيث لا يُباشِرون بأنفسهم عمليات الشراء والذبح والتصدق باللحوم، فالتصدق بثمن الهَدْي أفضل من هذا.\nوأجيب عن هذه الشبهة من ثلاثة أوجه:\nالأول: أنه يجب على الحاج ألا يُسَلِّم ثمن الهَدْي الواجب عليه إلا إلى جهة موثوقة، تقوم بعمليات الشراء والذبح، والتصدق باللحوم على مستحقيها، فمَن وجب عليه الهَدْي وجب عليه أن يتحرى في إيصاله إلى مستحقه، كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٧].\nالثاني: أن قولهم: (الاستعاضة عن ذبح هديه بالتصدق بقيمته) يَفتح باب تلاعب في الشريعة، فلا يكون للنصوص قيمة، والنسك عبادة مبنية على التوقيف، فلا يَجوز العدول عن المشروع إلا بدليل شرعي.","vol":"1","page":544},{"text":"الثالث: مع ما تقوم به الحكومة السعودية في خدمة الحرمين الشريفين، فنأمل السعي لعلاج مشكلة اللحوم، وقد يكون ذلك بالأمور الخمسة الآتية:\nالأول: الإكثار من عدد المَجازر في أماكن مختلفة من مِنًى وفِجاج مكة؛ للإيفاء وإرشاد الناس إليها، مع توعية الحُجاج بفضل الهَدْي وبيان ما يجزئ منه.\nالثاني: تنظيم عمليات شراء الهَدْي بأرخص الأسعار، مع عدم الربح إن أمكن، مع مراعاة الكشف عن التأكد من صلاحيته من حيث السلامة من الأمراض وموانع الإجزاء.\nالثالث: التوسع في التوكيل عن ذبح الهَدْي بطريقة منظمة تضمن مصلحة صاحب الهَدْي ومصلحة الفقير والمصلحة العامة، ويكون بإشراف لجنة مختصة بذلك.\nالرابع: عمل لجنة تتعرف على الفقراء بمكة، وتُوصِّل القَدْر المناسب لهم.\nالخامس: ما زاد من اللحوم يُبعَث به إلى البلدان التي تعاني من المجاعات.\nوأُوصي بعمل ندوات يَلتقي فيها أهل الخبرة في شراء الهَدْي، بأهل العلم بالشرع، وعَمَل اقتراحات وتنفيذها لحل هذه المشكلة. والله الهادي إلى سواء السبيل.\nفالحاصل: عدم جواز الاستعاضة عن ذبح هديه بالتصدق بقيمته؛ لدلالة الكتاب والسُّنة والإجماع على منع ذلك؛ لأن المقصود الأول هو التقرب إلى الله بإراقة الدم، قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]؛ ولأن القول بإخراج القيمة يُفضِي إلى التلاعب بالشريعة، فيقال: (تخرج نفقة الحج بدلًا منه لصعوبته)! فالقول بإخراج القيمة مصلحة ملغاة لمعارضتها الأدلة، فلا يَجوز اعتبارها.\n•١•","vol":"1","page":545},{"text":"<span data-type='title' id=toc-706>الباب الثامن عشر: الأضحية\nوفيه خمسة فصول:</span>\nالفصل الأول: فَضْل وحُكْم الأضاحي. وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الأضاحي.\nالمبحث الثاني: حكمة مشروعية الأضحية.\nالمبحث الثالث: فضل الأضحية.\nالمبحث الرابع: حُكْم الأضحية.\nالفصل الثاني: شروط صحة الأضحية.\nالشرط الأول: أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام.\nالشرط الثاني: أن تكون قد بَلَغَتِ السِّن المعتبرة شرعًا.\nالشرط الثالث: السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء.\nالشرط الرابع: نية التضحية.\nالشرط الخامس: أن تكون التضحية في وقت الذبح. وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: أول وقت التضحية. وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: ذَبْح الأضحية قبل طلوع الفجر يوم النحر.\nالمطلب الثاني: أول وقت التضحية لأهل الحَضَر.\nالمطلب الثالث: وَقْت الأضحية في غير أهل الأمصار.\nالمبحث الثاني: آخِر وقت التضحية.\nالمبحث الثالث: التضحية في ليالي أيام النحر.","vol":"1","page":546},{"text":"الفصل الثالث: من آداب التضحية وسُننها. وفيه تمهيد وتسعة مباحث:\nتمهيد: يُستحب التضحية بالأسمن والأكمل.\nالمبحث الأول: إحداد الشفرة قبل إضجاع الذبيحة.\nالمبحث الثاني: أن يَذبح بنفسه إذا استطاع.\nالمبحث الثالث: يُستحب توجيه الذبيحة نحو القبلة.\nالمبحث الرابع: استحباب التكبير بعد التسمية عند ذبح الأضحية.\nالمبحث الخامس: يُستحب بعد التسمية والتكبير قول: اللهم تَقَبَّلْه مني.\nالمبحث السادس: يُسَن نحر البعير، وذَبْح الشاة أوالبقرة.\nالمبحث السابع: استحباب الأكل من الأضحية، والتصدق منها.\nالمبحث الثامن: هل يُستحب للمضحي أن يُقَسِّم الأضحية إلى ثلاثة أقسام؟\nالمبحث التاسع: ذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها.\nالفصل الرابع: شروط الذكاة. وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: التسمية.\nالمبحث الثاني: إنهار الدم.\nالمبحث الثالث: القَدْر الواجب الذي يُكتفَى به في حصول التذكية.\nالفصل الخامس: ما يباح ويُنهَى عنه في الأضحية. وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: ما يباح في الأضحية. وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: جواز الاشتراك في البدنة أو في الأضحية\nالمطلب الثاني: الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وأهل بيته في الأضحية.\nالمطلب الثالث: الاستنابة في ذبح الأضحية.\nالمبحث الثاني: ما يُنْهَى عنه في الأضحية. وفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: حُكْم حَلْق الشَّعر وتقليم الأظفار لمَن أراد أن يضحي.\nالمطلب الثاني: حُكْم الفدية لمَن أراد أن يضحي، فأَخَذ من شعره\nالمطلب الثالث: يَحرم على المضحي أن يبيع شيئًا من الأضحية.\nالمطلب الرابع: إعطاء الجزار من الأضحية ثمنًا لذبحه.\nالمطلب الخامس: لا تُشْرَع الأضحية استقلالًا عن الميت.","vol":"1","page":547},{"text":"<span data-type='title' id=toc-707>الفصل الأول: فضل وحُكْم الأضاحي\nوفيه أربعة مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-708>المبحث الأول: تعريف الأضاحي</span>\nالأضاحي لغة: الْأَضَاحِيُّ جَمْعُ أُضْحِيَّةٍ، وَكَأَنَّهَا اُشْتُقَّتْ مِنْ اسْمِ الْوَقْتِ الَّذِي شُرِعَ ذَبْحُهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ فِي الضُّحَى، وَبِهَا سُمِّيَ الْيَوْمُ الذِي تُذْبَحُ فِيهِ بِيَوْمِ الْأَضْحَى (^١).\nالأضاحي شرعًا: ما يُذبَح من بهيمة الأنعام- الإبل والبقر والغنم- في يوم الأضحى، إلى آخِر أيام التشريق؛ تقربًا إلى الله تعالى (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-709>المبحث الثاني: حكمة مشروعية الأضحية</span>\nفَهِيَ شُكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعْمَةِ الْحَيَاةِ، وَإِحْيَاءُ سُنَّةِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﷺ حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ اسْمُهُ بِذَبْحِ الْفِدَاءِ عَنْ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ ﷺ فِي يَوْمِ النَّحْرِ.\nوَأَنْ يَتَذَكَّرَ الْمُؤْمِنُ أَنَّ صَبْرَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉، وَإِيثَارَهُمَا طَاعَةَ اللَّهِ وَمَحَبَّتَهُ عَلَى مَحَبَّةِ النَّفْسِ وَالْوَلَدِ- كَانَا سَبَبَ الْفِدَاءِ وَرَفْعِ الْبَلَاءِ، فَإِذَا تَذَكَّرَ الْمُؤْمِنُ ذَلِكَ اقْتَدَى بِهِمَا فِي الصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَتَقْدِيمِ مَحَبَّتِهِ ﷿ عَلَى هَوَى النَّفْسِ وَشَهْوَتِهَا.\nوَقَدْ يُقَالُ: أَيُّ عَلَاقَةٍ بَيْنَ إِرَاقَةِ الدَّمِ، وَبَيْنَ شُكْرِ الْمُنْعِمِ ﷿ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ؟!\nوَالْجَوَابُ بِأَنَّ هَذِهِ الإِرَاقَةَ وَسِيلَةٌ لِلتَّوْسِعَةِ عَلَى النَّفْسِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ، وَالتَّصَدُّقِ عَلَى الْفَقِيرِ. وَهَذِهِ كُلُّهَا مَظَاهِرُ لِلْفَرَحِ وتَحَدُّثٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى (^٣).\n_________\n(^١) «لسان العرب» (١٤/ ٤٧٦)، و«سُبُل السلام» (٢/ ٥٢٩).\nوفي هذا الباب بَحْث جيد ونافع في بابه، ألا وهو «فقه الأضحية» للشيخ محمد العَلَاوي، وقد أفدتُ منه كثيرًا، فأسأل الله أن يجازي مؤلفه خير الجزاء وأوفاه، وأن يَجعل جنة الفردوس مأواه.\n(^٢) «فتح القدير» (٩/ ٥٠٥)، و«كشاف القناع» (٢/ ٥٣٠).\n(^٣) «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٥/ ٧٦).","vol":"1","page":548},{"text":"<span data-type='title' id=toc-710>المبحث الثالث: فضل الأضحية</span>\nلا شك أن للأضحية فضلًا عظيمًا وأجرًا جزيلًا، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] فالأضحية من شعائر الله تعالى ومعالمه، وأن الذبح لله تعالى والتقرب إليه بالقرابين- من أعظم العبادات وأَجَلّ الطاعات.\nوقد قَرَن الله ﷿ الذبح بالصلاة في عدة مواضع من كتابه العظيم؛ لبيان عظمة الذبح وكبير شأنه وعلو منزلته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] فأَمَر بالنحر كما أَمَر بالصلاة.\nويكفي شرفًا وفضلًا أن الأضحية هي سُنة خليل الرحمن، وفِعل سيد الأنام، والصحابة الأخيار ومَن تبعهم بإحسان.\nولكن وردت أحاديث خاصة في فضل الأضحية، منها حديث زيد بن أَرْقَم قال: قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذِهِ الأَضَاحِيُّ؟ قَالَ: «سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ» قَالُوا: فَمَا لَنَا فِيهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «بِكُلِّ شَعَرَةٍ حَسَنَةٌ» (^١).\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا: أخرجه أحمد (١٩٢٨٣) وفي إسناده (نُفَيْع بن الحارث) وهو متروك.\nوفي الباب أحاديث:\nالحديث الأول: عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أَحَبَّ إِلَى اللهِ ﷿ مِنْ هِرَاقَةِ دَمٍ، وَإِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللهِ ﷿ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الأَرْضَ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا». أخرجه ابن ماجه (٣١٢٧).\nوفي سنده علتان: إحداهما: ضَعْف أبي المُثَنَّى. الثانية: ما قاله البخاري: لَمْ يَسْمَعْ أَبُو المُثَنَّى مِنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.\nالحديث الثاني: عن أبي سعيد الخُدْري قال: قال رسول الله ﷺ: «يا فاطمة، قومي إلى أضحيتك فاشهديها؛ فإن لكِ بأول قطرة تَقطر من دمها أن يُغْفَر لكِ ما سلف من ذنوبكِ» أخرجه العُقيلي في «الضعفاء» (٢/ ١١)، والبَزَّار في «كشف الأستار» (١٢٠٢). وفي إسناده داود بن عبد الحميد وعطية العَوْفي، وكلاهما ضعيف. قال أبو حاتم: هذا حديث منكر (١٥٩٦).\nوقد أخرجه الحاكم (٧٧٣١) عن عِمران بن حُصَيْن. وفي إسناده أبو حمزة الثُّمَالِيّ، وهو ضعيف جدًّا.\nالحديث الثالث: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال «اسْتَفْرِهُوا ضَحَايَاكُمْ؛ فَإِنَّهَا مَطَايَاكُمْ إِلَى الجنة» وفي رواية: «عَظِّموا ضحاياكم؛ فإنها مطاياكم على الصراط».\n«استَفرِهوا ضحاياكم»: استَكرِموها، فضَحُّوا بالكريمة الشابة، المليحة، الحسنة المنظر والسير.\nقال ابن حجر: أخرجه صاحب «مُسنَد الفِردوس». وفي إسناده: عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، ضَعِيفٌ جِدًّا. «التلخيص الحبير» (٤/ ٢٥١).\nالحديث الرابع: عن الحسين بن علي قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ ضَحَّى طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، مُحْتَسِبًا لِأُضْحِيَّتِهِ؛ كَانَتْ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ» أخرجه الطبراني (٢٧٣٦) وفي إسناده سليمان النَّخَعي، كذاب.\nالحديث الخامس: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا أُنْفِقَتِ الْوَرِقُ فِي شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ نَحِيرَةٍ تَنْحَرُهَا فِي يَوْمِ عِيدٍ» رواه الطبراني (١٠٨٩٤) وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخُوزِي، وهو متروك.\nالحديث السادس: رُوي أَنْ الله تعالى يعتق بكل عضو من الضحية عضوًا من المضحي.\nقال الرافعي: وهذا غريب، لا يَحضرني مَنْ خَرَّجه. وقال ابن الصلاح: إنه حديث غير معروف، وإنه لم يجد له سندًا يَثبت به. «البدر المنير» (٩/ ٢٧٦). وفي الباب أحاديث أخرى تالفة.","vol":"1","page":549},{"text":"<span data-type='title' id=toc-711>المبحث الرابع: حُكْم الأضحية:</span>\nاختَلَف العلماء في وجوب الأضحية على المُوسِر على قولين:\nالقول الأول: أن الأضحية سُنة مُؤكَّدة. وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف، والمشهور عند المالكية، والشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور:\nأما السُّنة، فَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا» (^٢).\nوَجْه الدلالة: أنه ﷺ عَلَّق الأضحية بالإرادة، والواجب لا يُعَلَّق بالإرادة ولا يُخيَّر فيه.\nوَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِكَبْشٍ … لِيُضَحِّيَ بِهِ … فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» (^٣).\nوَجْه الدلالة: أن تضحيته ﷺ عن أمته وعن أهله- تجزئ عن كل مَنْ لم يُضَحِّ.\nوأما المأثور، فَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَمَا يُضَحِّيَانِ عَنْ أَهْلِهِمَا؛ خَشْيَةَ أَنْ يُسْتَنَّ بِهِمَا (^٤).\nوَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ: إِنِّي لَأَدَعُ الأَضْحَى وَإِنِّي لَمُوسِرٌ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَرَى جِيرَانِي\n_________\n(^١) «مواهب الجليل» (٤/ ٣٦٢)، و«الحاوي» (١٥/ ١٦١)، و«كشاف القناع» (٣/ ٢١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٠٣٣).\n(^٣) رواه مسلم (١٩٦٧).\n(^٤) صحيح: أخرجه وكيع في «أخبار القضاة» (٣/ ٤١)، وعبد الرزاق (٨٢٨٧) من طرق عن الشَّعْبي، به.","vol":"1","page":550},{"text":"أَنَّهُ حَتْمٌ عَلَيَّ (^١).\nالقول الآخَر: أن الأضحية واجبة على الموسر. وهذا مذهب الحنفية، وهو قول للمالكية، وقول مُخَرَّج في مذهب الحنابلة، اختاره ابن تيمية (^٢).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] أي: صَلِّ صلاة العيد، وانحر واذبح الأضحية بعدها. وهذا أَمْر، والأمر يقتضي الوجوب.\nونوقش بأن أَشْهَر التأويلات للآية الحث على الإخلاص، أي: صَلِّ لله، وانحر لله.\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى» (^٣).\nدل على الوجوب أمر النبي ﷺ بإعادة الذبح؛ لأن التطوع لا يؤمر فيه بالإعادة.\nونوقش بِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ شَرْطِ الْأُضْحِيَّةِ الْمَشْرُوعَةِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ لِمَنْ صَلَّى رَاتِبَةَ الضُّحَى مَثَلًا، قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ: إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَأَعِدْ صَلَاتَكَ.\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ لما سأله أبو بُرْدَة بن نِيَار: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَبَحْتُ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. فَقَالَ: «اجْعَلْهُ مَكَانَهُ، وَلَنْ تُوفِيَ- أَوْ: تَجْزِيَ- عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» (^٤) أي: لن تقضي، والقضاء لا يكون إلا عن واجب، فاقتضى ذلك الوجوب.\nونوقش بأن الضَّحَايَا قُرْبَانٌ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ ﷿ عَلَى حَسَبِ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وَهُوَ حُكْمٌ وَرَدَ بِهِ التَّوْقِيفُ، فَلَا يُتَعَدَّى بِهِ سُنَّتُهُ ﷺ.\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» (^٥). ونوقش بأنه ضعيف، ولا أعلم في وجوب الأضحية حديثًا يصح.\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٨٢٩٧).\n(^٢) «المبسوط» (١٢/ ٨)، و«أحكام القرآن» (٤/ ٤٥٩)، و«المغني» (١٣/ ٣٦٠).\n(^٣) رواه البخاري (٥٥٠٠)، ومسلم (١٩٦٠).\n(^٤) رواه البخاري (٩٦٥).\n(^٥) ضعيف، ومدار هذا الحديث على الأَعرج عن أبي هريرة، واختُلف عليه في الوقف والرفع:\nفرواه عبد الله بن عَيَّاش- وهو ضعيف- عن الأعرج، به مرفوعًا، عند أحمد (٨٢٧٣).\nوقد خالفه عُبيد الله بن أبي جعفر، فرواه عن الأعرج عن أبي هريرة، موقوفًا. وقد رَجَّح الدارقطني الوقف. وقال البيهقي: «بَلَغَنِي عَنِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفٌ. قَالَ: ورَواه جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا». «السُّنن الكبرى» (١٩/ ٢٥٠).\nوكذا الطحاوي كما نَقَله عنه الحافظ في الفتح ١٠/ ٦)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (١٥/ ١٦٤).\nوفي الباب حديث عليّ وعائشة، ولا يصح فيما أعلم حديث في وجوب الأضحية.","vol":"1","page":551},{"text":"<span data-type='title' id=toc-712>الفصل الثاني: شروط صحة الأضحية:</span>\nالشرط الأول: أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام.\nفلا تجزئ الأضحية من غير الإبل والبقر والضأن والماعز.\nودل على ذلك الكتاب والسُّنة والإجماع:\nأما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] فلا يجزئ إلا بهيمة الأنعام.\nوأما السُّنة، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: «… وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ بِالْبَقَرِ» (^١).\nولم يُؤْثَر عن النبي ﷺ التضحية بغير الإبل والبقر والغنم.\nوأما الإجماع، فقد أَجْمَعوا على أن التضحية لا تصح إلا بالإبل أو البقر أو الغنم (^٢).\nوقد خالف ابنُ حزم جماهيرَ العلماء، فقال: وَالأُضْحِيَّةُ جَائِزَةٌ بِكُلِّ حَيَوَانٍ يُؤْكَلُ\n_________\n(^١) هذا الحديث رواه عن عائشة القاسم وعَمْرة بنت عبد الرحمن. وفيه إشكالان:\nالأول: هَلْ ضَحَّى رسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ بِالْبَقَرِ، أَوْ أَهْدَى عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ؟\nفمدار الحديث على عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. واختُلف عليه:\nفرواه ابن عُيينة عن عبد الرحمن به، عند البخاري (٢٩٤)، ومسلم (١٢١١)، ورواه المَاجِشُون عن عبد الرحمن، به، عند مسلم (١٢١١) بلفظ: (أَهْدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ) بدل (ضَحَّى).\nوروى مسلم (١٣١٩): عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ».\nويقاس على عائشة باقي أزواجه؛ لأنه ﷺ أعدل الناس في معاملة أهله.\nقال ابن حجر: وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّصَرُّفَ مِنَ الرُّوَاةِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ النَّحْرِ، فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْأُضْحِيَةِ؛ فَإِنَّ رِوَايَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَمَّنِ اعْتَمَرَ مِنْ نِسَائِهِ، فَقَوِيَتْ رِوَايَةُ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ (أَهْدَى) وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ هَدْيُ التَّمَتُّعِ. «فتح الباري» (٣/ ٥٥١).\nوقال ابن القيم: وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ: «ضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ» فَهُوَ هَدْيٌ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْأُضْحِيَةِ، وَأَنَّهُنَّ كُنَّ مُتَمَتِّعَاتٍ، فَالْبَقَرُ الَّذِي نَحَرَهُ عَنْهُنَّ هُوَ الْهَدْيُ الَّذِي يَلْزَمُهُنَّ. «زاد المعاد» (٢/ ٢٤٣).\nالإشكال الثاني: ما ورد عن عَمْرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَحَرَ عَنْ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً وَاحِدَةً. وهذا حديث منكر؛ لأن في قصة نحر البقرة عنهن، وَهُنَّ تِسع- إشكالًا، وهو إجزاء البقرة عن أَكْثَر من سبعة. وله شاهد عن أبي هريرة، ولكنه ضعيف.\n(^٢) «المجموع» (٨/ ٣٩٤). ونَقَل الإجماع كذلك ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٣/ ١٨٨).","vol":"1","page":552},{"text":"لَحْمُهُ، مِنْ ذِي أَرْبَعٍ أَوْ طَائِرٍ، كَالْفَرَسِ وَالإِبِلِ وَبَقَرِ الْوَحْشِ، وَالدِّيكِ وَسَائِرِ الطَّيْرِ (^١).\nواستَدل لذلك بالسُّنة والمأثور:\nأما السُّنة، فاستَدل بحديث أسماء قالت: «ضَحَّيْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْخَيْلِ».\nونوقش بأني لم أقف على حديث أسماء بهذا المتن، والذي ورد في «الصحيحين»: عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄، قَالَتْ: «نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَسًا، فَأَكَلْنَاهُ».\nوأما المأثور، فعن أبي هريرة، أنه ضَحَّى بديك (^٢).\nوعن بلال قال: مَا أُبَالِي لَوْ ضَحَّيْتُ بِدِيكٍ.\nوهذان الأثران ضعيفان، ولا يُعَرَّج على هذا القول ولا يُلتفَت إليه؛ لأنه يخالف الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة، والله أعلم.\nالشرط الثاني: يُشترَط في الأضحية أن تكون قد بَلَغَتِ السن،\nفلا تجزئ التضحية بما دون الثَّنِيَّة من الإبل والبقر والمعز، ولا بما دون الجذعة من الضأن، بالإجماع (^٣).\nوالراجح: أن السن المعتبرة في الإجزاء الثني من الإبل، وهي ما أَتَم خمس سنين. ومن البقر ما أَتَم سنتين. ومن المعز ما أَتَم سَنة. والجَذَع من الضأن ما أَتَم ستة أشهر (^٤).\nودل على ذلك ما رواه مسلم: عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً،\n_________\n(^١) «المُحَلَّى» (٧/ ٣٧٠).\n(^٢) كما في «التلخيص الحبير» (٤/ ٢٥١).\n(^٣) قال النووي: وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْمَعْزِ إلَّا الثَّنِيُّ، وَلَا مِنَ الضَّأْنِ إِلَّا الْجَذَعُ. «المجموع» (٨/ ٣٩٤). ونَقَل الإجماع: القاضي عِيَاض في «إكمال المُعْلِم» (٦/ ٤٠٨)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٢٣/ ١٨٨)، وابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ١٥٣) وغيرهم.\n(^٤) فالثَّنِيّ من الإبل: ما أتم خمس سنين، على قول المذاهب الأربعة.\nوالثَّنِيّ من البقر: ما تم له سنتان، وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، كما في «تبيين الحقائق» (٦/ ٧)، و«الحاوي» (١٥/ ٧٧)، و«المغني» (٩/ ٤٤٠) و«كشاف القناع» (٣/ ٥٣١).\nوالجذع من الضأن: ما له ستة أشهر، عند الحنفية والحنابلة. كما في «المبسوط» (٤/ ١٤١)، و«المغني» (٩/ ٤٤٠).\nوالثَّنِيّ من المعز: ما تم له سنة، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، كما في «بدائع الصنائع» (٥/ ٧٠).","vol":"1","page":553},{"text":"إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» (^١).\nقال النووي: قَالَ الْجُمْهُورُ: هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالْأَفْضَلِ، وَتَقْدِيرُهُ: يُسْتَحَبُّ لَكُمْ أَنْ لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، فَإِنْ عَجَزْتُمْ فَجَذَعَةَ ضَأْنٍ.\nوَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِمَنْعِ جَذَعَةِ الضَّأْنِ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِ ئُ بِحَالٍ، وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ الْجُمْهُورَ يُجَوِّزُونَ الْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَعَدَمِهِ، وَابْنُ عُمَرَ وَالزُّهْرِيُّ يَمْنَعَانِهِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ (^٢).\nوقد نُقل الإجماع على أنه لا يجزئ الجَذَع من المعز (^٣).\nولكن هذا الإجماع منخرم، وهذا قول جماهير العلماء من السَّلَف والخَلَف (^٤).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٠١٧).\n(^٢) «شرح مسلم» (١٣/ ١١٧). فظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ الْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ لَا يُجْزِئُ، إِلَّا إذَا عَجَزَ عَنِ الْمُسِنَّةِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ، فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَفْضَلِ. «التلخيص» (٤/ ٢٥٨).\n(^٣) قال الترمذي: وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ أَنْ لَا يُجْزِئَ الجَذَعُ مِنَ الْمَعْزِ. «السُّنن» (٣/ ١٧١). وقال ابن عبد البر: لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْجَذَعَ مِنَ الْمَعْزِ لَا يُجْزِئُ. «الاستذكار» (٥/ ٢٢٦).\n(^٤) فهناك قول للشافعية بإجزاء الجذع من المعز، كما في «الحاوي» (١٥/ ٧٦)، و«المجموع» (٨/ ٣٩٤).\nواستدلوا بما ورد في البخاري (٢٥٠٠)، ومسلم (١٩٦٥): عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ ضَحَايَا، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «ضَحِّ بِهِ أَنْتَ».\nوفي البخاري (٥٥٤٧)، ومسلم (١٩٦٥) واللفظ لمسلم: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِينَا ضَحَايَا، فَأَصَابَنِي جَذَعٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ أَصَابَنِي جَذَعٌ. فَقَالَ: «ضَحِّ بِهِ» فالنبي ﷺ أجاز لعقبة أن يضحي بالجَذَع من المعز؛ لأن العَتُود من أولاد المعز.\nونوقش من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن العَتُود من ولد المعز ما قوي ورعى، وأتى عليه حَوْل، فيكون هو الثَّنِيّ من المعز، فتَجوز الضحية به. «حاشية ابن القيم على سُنن أبي داود» (٧/ ٤٩٩).\nالثاني: أنه لو صح التضحية بالجذع من المعز، فهو خاص بعقبة؛ لقول النبي ﷺ: «ضَحِّ بِهِ أَنْتَ».\nالثالث: قيل: إن حديث عقبة منسوخ بحديث البراء. «إكمال المُعْلِم» (٦/ ٤٠٩).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّ الْجَذَعَ يُوَفِّي مِمَّا يُوَفِّي مِنْهُ الثَّنِيُّ».\nوجه الاستدلال: جواز التضحية بالجذع من المعز.\nونوقش بأنه محمول على الجذع من الضأن؛ جمعًا بين الأحاديث، ففي حديث أبي بُرْدَة التصريح بعدم إجزاء الجذع من المعز.\nوهناك قول ثالث: أن الجذع من المعز لا يجزئ، ويجزئ ما دونه وما فوقه. وهو قول ابن حزم، كما في «المُحَلَّى» (٧/ ٣٦١). واستَدل ابن حزم لعدم إجزاء الجذع من المعز بعموم قول النبي ﷺ لأبي بُرْدَة: «اذْبَحْهَا، وَلَنْ تُجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» ولو كان ما دون الجذعة لا يجزئ، لبَيَّنه رسول الله ﷺ.","vol":"1","page":554},{"text":"قَالَ الْبَرَاءُ: ضَحَّى خَالِي أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً مِنَ الْمَعْزِ. فَقَالَ: «ضَحِّ بِهَا، وَلَا تَصْلُحُ لِغَيْرِكَ» (^١).\nوعلي هذا فلا يجوز التضحية بالأنعام المسمنة التي لم تبلغ السن المقرر شرعا لعموم قول النبي ﷺ: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً»، ولحديث البراء، وعلي هذا جماهير العلماء.\nقال البلخي في «الفتاوى الهندية» فلا يجوز شيء مما ذكرنا من الإبل والبقر والغنم عن الأضحية إلا الثني من كل جنس وإلا الجذع من الضأن خاصة إذا كان عظيما.\n\n<span data-type='title' id=toc-715>الشرط الثالث: السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء:</span>\nفعن البراء قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرْبَعَةٌ لَا يَجُزْنَ فِي الأَضَاحِيِّ: العَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالعَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالكَسِيرَةُ الَّتِي لَا تُنْقِي» (^٢).\nونُقل الإجماع على أنه يُشترَط في الأضحية السلامة من العيوب الأربعة المذكورة (^٣).\nوأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعِ خَفِيفًا، فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي مَنْعِ الْإِجْزَاءِ (^٤).\nقال الخَطَّابي: قوله: «العوراء البَيِّن عَوَرها» فالعيب الخفيف في الضحايا معفو عنه، ألا تراه يقول: بَيِّنٌ عَوَرها، وبَيِّنٌ مَرَضها؟ فالقليل منه غير بَيِّن، فكان معفوًّا عنه (^٥).\nالعيوب التي تُلحَق بالعيوب الأربعة:\nالأول: مقطوعة الأُذن أو أكثرها.\n_________\n(^١) البخاري (٥٥٥٦)، ومسلم (١٩٦١) واللفظ له.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه النَّسَائي (٤٣٧٠)، والحاكم (١٧١٨).\n(^٣) قال ابن عبد البر: «أَمَّا الْعُيُوبُ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَمُجْتَمَعٌ عَلَيْهَا، لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهَا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا دَاخِلٌ فِيهَا، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِيهَا أَبَيْنَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَوْرَاءَ إِذَا لَمْ تَجُزْ فَالْعَمْيَاءُ أَحْرَى أَلَّا تَجُوزَ؟ وَإِذَا لَمْ تَجُزِ الْعَرْجَاءُ فَالْمَقْطُوعَةُ الرِّجْلِ أَوِ الَّتِي لَا رِجْلَ لَهَا الْمُقْعَدَةُ- أَحْرَى أَلَّا تَجُوزَ؟ وَهَذَا كُلُّهُ وَاضِحٌ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ». «التمهيد» (٢٠/ ١٦٨).\nونَقَل الإجماع على ذلك: ابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ١٥٣)، وابن رُشْد في «بداية المجتهد» (٢/ ١٩٣)، وابن قُدامة في «المغني» (١٣/ ٣٦٩)، والنووي في «المجموع» (٨/ ٤٠٤)، وغيرهم كثير.\n(^٤) «بداية المجتهد» (٢/ ١٩٣).\n(^٥) «معالم السُّنن» (٢/ ٢٣٠).","vol":"1","page":555},{"text":"الثاني: العمياء؛ لأنه إذا لم تجزئ العوراء، فالعمياء أحرى ألا تجزئ بلا خلاف (^١).\nالثالث: الْهَتْمَاءُ لَا تَجُوزُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الضَّحَايَا (^٢).\nالرابع: المجنونة التي لا تَرعى إلا قليلًا، فتَهْزِل، فلا تُجزئ بالاتفاق (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-716>الشرط الرابع: نية التضحية:</span>\nعلى المضحي أن يَنوي بها التضحية؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات» وهذا قول المذهب الأربعة (^٤).\nقال الكاساني: نِيَّةُ الْأُضْحِيَّةَ لَا تُجْزئُ الْأُضْحِيَّةُ بِدُونِهَا؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ قَدْ يَكُونُ لِلَّحْمِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلْقُرْبَةِ، وَالْفِعْلُ لَا يَقَعُ قُرْبَةً بِدُونِ النِّيَّةِ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-717>الشرط الخامس: أن تكون التضحية في وقت الذبح: وفيه ثلاثة مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-718>المبحث الأول: أول وقت التضحية: وفيه ثلاثة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-719>المطلب الأول: ذَبْح الأضحية قبل طلوع الفجر يوم النحر:</span>\nلا يجوز ذبح الأضحية قبل طلوع الفجر في يوم النحر، بالإجماع (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-720>المطلب الثاني: أول وقت التضحية لأهل الحَضَر:</span>\nقال ابن عبد البر: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ غَيْرُ مُضَحٍّ (^٧).\nوهذا الإجماع منخرم؛ فقد اختَلف العلماء في أول وقت التضحية على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: لا يَجوز ذبح الأضحية قبل صلاة العيد. وبه قال الحنفية والحنابلة (^٨).\n_________\n(^١) قال النووي: «أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْعَمْيَاءَ لَا تُجْزِئُ». «المجموع» (٨/ ٤٠٤).\n(^٢) «الاستذكار» (١٥/ ١٣١).\n(^٣) «المجموع» (٨/ ٤٠١).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٥/ ٧١)، و«التاج» (٣/ ٢٥٢)، و«المجموع» (٨/ ٤٠٥)، و«الإنصاف» (٤/ ٦١).\n(^٥) «بدائع الصنائع» (٥/ ٧١).\n(^٦) ونَقَل الإجماع: ابن المنذر في «الإشراف» (١/ ٦٠) وابن عبد البر في «التمهيد» (٢٣/ ١٩٦).\nوقال القرطبي: لا خلاف أنه لا يجزي ذبح الأضحية قبل طلوع الفجر من يوم النحر. (١٢/ ٤٣).\n(^٧) «التمهيد» (٢٣/ ١٨٢).\n(^٨) «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٧٤)، و«المغني» (٩/ ٤٥٢).","vol":"1","page":556},{"text":"واستدلوا لذلك بعموم القرآن والسُّنة:\nأما القرآن، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] قيل: نزلت في قوم ذَبَحُوا قبل أن يَنحر النبي ﷺ، أو قَبْل أن يُصلِّي، فأَمَرهم أن يُعِيدُوا (^١).\nونوقش بأن هذا السبب لنزول الآية ضعيف (^٢).\nوأما السُّنة، فَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ نَحَرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسْكِ فِي شَيْءٍ» (^٣).\nالقول الثاني: يَدْخُلُ وَقْتُهَا إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَمَضَى قَدْرُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَخُطْبَتَيْنِ، فَإِنْ ذَبَحَ بَعْدَ هَذَا الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ، سَوَاءٌ صَلَّى الْإِمَامُ أَمْ لَا. وهذا قول الشافعية (^٤).\nونوقش هذا القول بأن التقييد في الأحاديث بالصلاة، وليس بالوقت، ولا يُلجأ إلى الوقت إلا عند قوم لا تقام فيهم صلاة العيد.\nالقول الثالث: أنه لا يُجْزِئ الذبح إلا بعد ذبحِ الإمام. وبه قال الإمام مالك.\nواستَدل مالك بما روى مسلم: عن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْمَدِينَةِ، فَتَقَدَّمَ رِجَالٌ فَنَحَرُوا، وَظَنُّوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَحَرَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ كَانَ\n_________\n(^١) ضعيف، وهو مُرسَل عن الحَسَن، ذَكَره ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢١٣٤٦) وقال مَعْمَر … به.\n(^٢) وسبب النزول الصحيح: ما رواه البخاري (٤٣٦٧): عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن الزُّبَيْرِ، أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِّرِ القَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ. قَالَ عُمَرُ: بَلْ أَمِّرِ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي. قَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ! فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا …﴾ [الحجرات: ١].\n(^٣) رواه البخاري (٩٦٥)، ومسلم (١٩٦١).\nورَوَى البخاري (٥٥٠٠)، ومسلم (١٩٦٠): عَنْ جُنْدَبٍ البَجَلِيِّ قَالَ: ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُضْحِيَةً ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا أُنَاسٌ قَدْ ذَبَحُوا ضَحَايَاهُمْ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدْ ذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى».\n(^٤) «شرح النووي» (١٣/ ١١٠، ١١١).","vol":"1","page":557},{"text":"نَحَرَ قَبْلَهُ أَنْ يُعِيدَ بِنَحْرٍ آخَرَ، وَلَا يَنْحَرُوا حَتَّى يَنْحَرَ النَّبِيُّ ﷺ (^١).\nونوقش بما ورد عن البراء: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَصْنَعُ أَنْ نَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرُ».\nقال ابن حجر: فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الذَّبْحِ يَدْخُلُ بَعْدَ فِعْلِ الصَّلَاةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّأْخِيرُ إِلَى نَحْرِ الْإِمَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ لَمْ يَنْحَرْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْقِطًا عَنِ النَّاسِ مَشْرُوعِيَّةَ النَّحْرِ، وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، لَمْ يُجْزِئْهُ نَحْرُهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ وَالنَّاسَ فِي وَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ سَوَاءٌ (^٢).\nوالراجح: أن أول وقت التضحية بعد صلاة العيد، ولا تجزئ قبل صلاة العيد؛ لعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى».\nالمطلب الثالث: وقت الأضحية لغير أهل الأمصار:\nيَبدأ وقت الأضحية لمن كان بمحل لا تُصلَّى فيه صلاة العيد، كأهل البوادي- بعد قدر فعل صلاة العيد. وهذا مذهب الحنابلة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-722>المبحث الثاني: آخِر وقت التضحية:</span>\nأجمع العلماء على أن يوم العيد وقت لذبح الأضاحي (^٤).\nواختلفوا في نهاية وقت الأضاحي على أربعة أقوال:\nالقول الأول: أن أيام النحر أربعة: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، فينتهي بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق. وهذا مذهب الشافعي، وقول للحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) مسلم (٢٠١٨).\n(^٢) «فتح الباري» (١٠/ ٢٢). وقال النووي: قَوْلُهُ: (فَأَمَرَهُمْ أَلَّا يَنْحَرُوا حَتَّى يَنْحَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ مَالِكٌ فِي أَنَّهُ لَا يُجْزِي الذَّبْحُ إِلَّا بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ. وَالْجُمْهُورُ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ زَجْرُهُمْ عَنِ التَّعْجِيلِ الَّذِي قَدْ يُؤَدِّي إِلَى فِعْلِهَا قَبْلَ الْوَقْتِ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي بَاقِي الْأَحَادِيثِ التَّقْيِيدُ بِالصَّلَاةِ، وَأَنَّ مَنْ ضَحَّى بَعْدَهَا أَجْزَأَهُ، وَمَنْ لَا فَلَا. «شرح النووي» (١٣/ ١١٨).\n(^٣) «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٦٠٥)، و«كشاف القناع» (٣/ ٩).\n(^٤) قال ابن عبد البر: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ يَوْمُ الْأَضْحَى، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْأَضْحَى بَعْدَ انْسِلَاخِ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَا يَصِحُّ. «الاستذكار» (٥/ ٢٤٦).\n(^٥) «الأم» (٣/ ٥٨٨)، و«الحاوي» (٤/ ٩٥٩)، و«المغني» (٥/ ٣٠٠).","vol":"1","page":558},{"text":"واستدلوا بالكتاب والسُّنة:\nأما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] والمراد بالأيام المعلومات: يوم العيد وأيام التشريق، التي فيها ذِكر الله وذبح بهيمة الأنعام.\nوأما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» (^١).\nونوقش بأنه ضعيف، ولكن يَشهد لمعناه ما رواه مسلم: عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» (^٢). وإذا كانت أيام التشريق الثلاثة أيام أكل وشرب، ففيها ذبح للهَدْي والأضاحي.\nالقول الثاني: أن أيام النحر ثلاثة أيام: يوم النحر ويومان بعده، فينتهي وقت النحر بغروب شمس ثاني أيام التشريق. وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا لذلك بالقرآن والسُّنة والمأثور:\nأما القرآن، فقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]. فالأيام المعلومات هي يوم النحر ويومان بعده.\nقال القرطبي: ويدل على ذلك أن قوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] جَمْعُ قلة، لكن المُتيقَّن منه الثلاثة، وما بعد الثلاثة غير مُتيقَّن، فلا يُعْمَل به (^٤).\n_________\n(^١) ضعيف، ويرويه عن جُبَيْر بن مُطْعِم جماعة:\nالأول: رواه سليمان بن موسى عن جُبَيْر به، عند أحمد (١٦٧٥١)، وقد اضطرب فيه.\nقال البخاري: «سُلَيْمَانُ لَمْ يُدْرِكْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ». «العلل الكبير» للترمذي (ص: ١٠٢).\nالثاني: رواه عبد الرحمن بن أبي حسين- وهو مجهول- عن جُبَيْر، به، عند ابن حِبان (٣٨٥٤).\nالثالث: رواه نافع بن جُبير، عند الطبراني (١٥٨٣) وفي السند إليه سُويد بن عبد العزيز وهو ضعيف.\nالرابع: رواه عمرو بن دينار، ولم يُدرِك جُبير بن مُطْعِم، عند الدارقطني (٤٧٥٨).\nوله طرق وشواهد لا تخلو من مقال، ولا يصح الحديث بها، والله أعلم.\n(^٢) رواه مسلم (١١٤١).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٥/ ٦٥)، و«التمهيد» (٢٣/ ١٩٦)، و«المغني» (١٣/ ٣٨٦).\n(^٤) «تفسير القرطبي» (١٢/ ٤٣).","vol":"1","page":559},{"text":"ونوقش هذا الاستدلال بما قاله ابن القيم: «وَلِأَنَّ الثَّلَاثَةَ تَخْتَصُّ بِكَوْنِهَا أَيَّامَ مِنًى، وَأَيَّامَ الرَّمْيِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَيَحْرُمُ صِيَامُهَا، فَهِيَ إِخْوَةٌ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ، فَكَيْفَ تَفْتَرِقُ فِي جَوَازِ الذَّبْحِ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ؟!» (^١).\nوأما السُّنة، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ (^٢).\nوَجْه الدلالة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْأَكْلِ مِنَ النُّسُكِ فَوْقَ ثَلَاثٍ، وَلَوْ كَانَ اليَوْمُ الرَّابِعُ يَوْمَ ذَبْحٍ، لَكَانَ الذَّبْحُ مَشْرُوعًا فِي وَقْتٍ يَحْرُمُ فِيهِ الْأَكْلُ (^٣).\nونوقش بأن هذا الحديث منسوخ، وفيه حث على الصدقة عند قلة لحوم الأضاحي، وعدم التأخر في الذبح إلى آخِر أيام التشريق، وعدم الادخار.\nوأما المأثور، فقد صح عن ابن عمر قال: الأَضْحَى يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ الأَضْحَى (^٤).\nوروى ابن أبي شيبة: عَنْ أَنَسٍ قَالَ: الأَضْحَى يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ (^٥).\nالقول الثالث: أن نهاية وقت الأضحية بغروب شمس يوم النحر (^٦).\nواستُدل بعموم قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] والمراد بالأيام المعلومات هو العَشْر الأُوَل.\nقال ابن رُشْد: وَإِذَا كَانَ الْإِجْمَاعُ قَدِ انْعَقَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الذَّبْحُ مِنْهَا إِلَّا فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ،\n_________\n(^١) «زاد المعاد» (٢/ ٢٩١). قال الشافعي: «فَلَمَّا لَمْ يَحْظُرْ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُضَحُّوا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، لَمْ نَجِدِ الْيَوْمَ الثَّالِثَ مُفَارِقًا لِلْيَوْمَيْنِ قَبْلَهُ». «الأم» (٣/ ٥٨٩).\n(^٢) رواه مسلم (١٩٧٠). ورَوَى البخاري (٥٥٦٩) ومسلم (٢٠٢٩): عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ، فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ».\n(^٣) قال الباجي: وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَبَاحَ الْأَكْلَ مِنْهَا فِي أَيَّامِ الذَّبْحِ، فَلَوْ كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْهَا، لَكَانَ قَدْ حَرُمَ عَلَى مَنْ ذَبَحَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ. «المُنتقَى» (٣/ ٩٩)، و«المغني» (٥/ ٣٠٠).\n(^٤) إسناده صحيح: رواه مالك (١٣٩٩) عن نافع، به.\n(^٥) إسناده صحيح: رواه ابن أبي شيبة، كما في «المُحَلَّى» (٧/ ٣٧٧) عن وَكيع، عن شُعبة، عن قتادة، به.\n(^٦) وهو مروي عن ابن سيرين. «التمهيد» (٢٣/ ١٩٦).","vol":"1","page":560},{"text":"وَهِيَ مَحَلٌّ الذَّبْحِ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا; فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ إِنَّمَا هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ فَقَطْ (^١).\nوعن أبي بَكْرة، عن النبي ﷺ قال: «… أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قُلْنَا: بَلَى (^٢).\nوقد سُمي اليوم العاشر من ذي الحجة ب (يوم النحر) لاختصاصه بالذبح.\nالقول الرابع: أن نحر الأضاحي يَجوز إلى آخِر شهر ذي الحجة. وهو قول الحسن، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وابن حزم (^٣).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور:\nأما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ: «الْأَضَاحِيُّ إِلَى هِلَالِ الْمُحَرَّمِ» (^٤).\nوأما المأثور، فَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: إِنْ كَانَ المُسْلِمُونَ لَيَشْتَرِي أَحَدُهُمُ الأُضْحِيَّةَ، فَيُسَمِّنُهَا فَيَذْبَحُهَا بَعْدَ الأَضْحَى، آخِرَ ذِي الحِجَّةِ (^٥).\nقال ابن رُشْد: وَقَدْ قِيلَ: الذَّبْحُ إِلَى آخِرِ يَوْمٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهُوَ شَاذٌّ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ (^٦).\nفالحاصل: أنه ينبغي للمسلم أن يَحرص على ذبح أضحيته يوم النحر لفِعل الرسول ﷺ؛ ولِما فيه من المبادرة إلى الخير، وخروجًا من الخلاف. وإِنْ تَعَسَّر عليه ذلك، فله أن يضحي في أيام التشريق الثلاثة؛ لعموم قول الرسول ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» وقد يُفْهَم من قوله ﷺ: «… أَيَّامُ أَكْلٍ …» أن فيها ذبحًا للأضاحي.\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٠٠). وقال البغوي في «تفسيره»: وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ: عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، آخِرُهُنَّ يَوْمُ النَّحْرِ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.\n(^٢) روى البخاري (٤٤٠٦)، ومسلم (١٧٢٤).\n(^٣) «المُحَلَّى» (٨/ ٤٣)، و«التمهيد» (٢٣/ ١٩٦).\n(^٤) ضعيف: رواه أبو داود في «المراسيل» (٣٧٧) عن محمد بن إبراهيم، حدثني أبو سلمة وسليمان بن يسار، أنه بَلَغهما أن رسول الله ﷺ قال … فذَكَره. قلت: وهذا إسناد ضعيف لإرساله.\n(^٥) منكر: أخرجه البيهقي (١٩٢٨٤) وقال: وَحَدِيثُ سَهْلِ بن حُنَيْفٍ حِكَايَةٌ عَمَّنْ لَمْ يُسَمَّ. قال أحمد: هذا الحديث عجيب. يشير إلى أن زيادة قوله: (فيَذبحها بعد الأضحى آخِر ذي الحجة) مستنكرة. «مرعاة المفاتيح» (٥/ ١٠٨).\n(^٦) «بداية المجتهد» (٢/ ١٩٩)، و«التمهيد» (٢٣/ ١٩٦).","vol":"1","page":561},{"text":"<span data-type='title' id=toc-723>المبحث الثالث:\nالتضحية في ليالي أيام النحر:</span>\nاختَلف الفقهاء في حُكْم التضحية في الليل على ثلاثة أقوال:\nالأول: جواز الذبح ليلًا. وهذا قول للحنابلة، وهو اختيار ابن حزم (^١).\nالثاني: يُكْرَه الذبح ليلًا. وبه قال الحنفية والشافعية (^٢).\nالثالث: لا تجزئ التضحية في الليل. وهذا مذهب المالكية، وقول للحنابلة (^٣).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] وبعموم قول النبي ﷺ: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ».\nففي الآية والحديث ذِكر الذبح في الأيام دون الليالي.\nونوقش بما قاله الماوردي: «فَأَمَّا الْجَوَابُ، فَهُوَ أَنَّ اللَّيَالِيَ تَبَعٌ لِلْأَيَّامِ».\nواستدلوا بما روى الطبراني: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُضَحَّى لَيْلًا (^٤).\nقال الشوكاني: لا يَخفى أن القول بعدم الإجزاء وبالكراهة يَحتاج إلى دليل، ومجرد ذِكر الأيام في حديث الباب وإن دل على إخراج الليالي بمفهوم اللقب، لكن التعبير بالأيام عن مجموع الأيام والليالي، والعكس- مشهور متداول، لا يكاد يَتبادر غيره عند الإطلاق (^٥).\n_________\n(^١) «المغني» (٩/ ٤٥٤)، و«كشاف القناع» (٣/ ١٠)، و«المُحَلَّى» (٧/ ٣٧٧).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٥/ ١٧٤)، و«الأم» (٣/ ٥٦٦) وقول للحنابلة «كشاف القناع» (٣/ ١٠).\n(^٣) قال خليل: والنهار شرط. «الشرح الكبير» (٢/ ١٢١)، و«الفواكه الدواني» (٢/ ٨٤٩).\n(^٤) موضوع: أخرجه الطبراني في «الكبير» (١١٤٥٨). وفي إسناده سليمان بن سَلَمَة الخَبَائِرِيّ، وهو متروك.\n(^٥) «نَيْل الأوطار» (٥/ ١٢٦).","vol":"1","page":562},{"text":"الفصل الثالث: من آداب التضحية وسُننها\nوفيه تمهيد، وسبعة مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-725>تمهيد: يُستحب التضحية بالأسمن والأكمل،</span> وقد ذَكَر الله عن إسماعيل فقال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] أي: بكبش عظيم.\nوفي «الصحيحين» من حديث أنس قال: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-726>المبحث الأول: إحداد الشفرة قبل إضجاع الذبيحة:</span>\nذهب جماهير العلماء إلى استحباب إحداد الشفرة قبل إضجاع الذبيحة وإراحتها؛ لعموم قول النبي ﷺ: «وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» ولقول النبي ﷺ لعائشة: «هَلُمِّي الْمُدْيَةَ» ثُمَّ قَالَ: «اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ» فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ، فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-727>المبحث الثاني: أن يَذبح بنفسه إذا استطاع:</span>\nيُستحب أن يَذبح بنفسه إذا استطاع؛ لِفِعل رسول الله ﷺ. ولأنها قُربة إلى الله ﷿؛ لِما روى أنس قال: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-728>المبحث الثالث: يُستحب توجيه الذبيحة نحو القبلة:</span>\nيُستحب توجيه الذبيحة إلى القبلة عند الذبح (^٣).\nعَنْ جَابِرٍ قَالَ: ذَبَحَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الذَّبْحِ كَبْشَيْنِ … فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ: «إِنِّي وَجَّهْتُ\n_________\n(^١) البخاري (١٧١٢)، ومسلم (٢٠٢٠).\n(^٢) مسلم (٢٠٢١).\n(^٣) قال أبو الحسن العدوي: (وتُوجَّه الذبيحة) في الأضحية وغيرها (عند الذبح إلى القِبلة) استحبابًا إجماعًا، على ما حكاه ابن المنذر. «حاشية العدوي» (١/ ٥٧٤)، و«البحر الرائق» (٨/ ١٩٤)، و«المجموع» (٩/ ٨٣)، و«كشاف القناع» (٦/ ٢١٠).","vol":"1","page":563},{"text":"وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ …» (^١).\nوقال البيهقي: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَجَّهَهُمَا إِلَى القِبْلَةِ حِينَ ذَبَحَ (^٢).\nقال ابن عبد البر: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَقْبِلُ بِذَبِيحَتِهِ الْقِبْلَةَ، وَيَقُولُ: «وَجَّهْتُ …» (^٣)\nوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ هُوَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ بِيَدِهِ، يَصُفُّهُنَّ قِيَامًا، وَيُوَجِّهُهُنَّ إِلَى الْقِبْلَةِ (^٤).\nقال السرخسي: لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ رُبَّمَا كَانُوا يَسْتَقْبِلُونَ بِذَبَائِحِهِمُ الْأَصْنَامَ، فَأَمَرَنَا بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِتَعْظِيمِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-729>المبحث الرابع: استحباب التكبير بعد التسمية عند ذبح الأضحية:</span>\nيُستحب التكبير بعد التسمية عند ذبح الأضحية، بالكتاب والسُّنة والإجماع.\nأما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦].\nوأما السُّنة، ففي «الصحيحين»: عَنِ أَنَسٍ قَالَ: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» (^٦).\nوأما الإجماع، فقال ابن قُدامة: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا ذَبَحَ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ» وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: وَسَمَّى وَكَبَّرَ. وَلَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ هَذَا خِلَافًا (^٧).\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أبو داود (٢٧٨٤). فمدار هذا الحديث على أبي عياش المعافري المصري، قال الحاكم أبو أحمد: لا أعرف اسمه. وقال ابن حجر: مقبول. وقال المِزي: روى له أبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا، وذَكَر هذا الحديث. قلت: الحاصل أنه مجهول.\n(^٢) «السُّنن الكبرى» للبيهقي (١٩/ ٣٣٢).\n(^٣) «الاستذكار» (٤/ ٢٤٦).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (١١١٢) عن نافع، عن ابن عمر، به.\n(^٥) «المبسوط» (١٢/ ٣).\n(^٦) رواه البخاري (٥٥٦٥)، ومسلم (١٩٦٦).\n(^٧) «المغني» (١٣/ ٣٦٠)، و«مرقاة المفاتيح» (٣/ ١٠٧٨).","vol":"1","page":564},{"text":"<span data-type='title' id=toc-730>المبحث الخامس: يُستحب بعد التسمية والتكبير\nقول: (اللهم تَقَبَّلْه مني):</span>\nفَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ» ثُمَّ قَالَ: «اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ» فَفَعَلَتْ ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ …» (^١).\nقال النووي: فِيهِ اسْتِحْبَابِ قَوْلِ الْمُضَحِّي، حَالَ الذَّبْحِ مَعَ التَّسْمِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي (^٢).\nالمبحث السادس: يُسَن نحر الإبل وذَبْح الغنم:\nيُسَن أن تُنحَر الإبل قائمة، وتُذبَح الشاة مضجعة، ويُخيَّر بين الذبح والنحر في البقر.\nدل على نحر الإبل قائمة عموم قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦] أي: سَقَطَتْ بعد الذبح، فهذا يدل على أن الإبل تُنحَر قائمة.\nوروى البخاري: عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: نَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِيَامًا (^٣).\nودل على استحباب إضجاع الغنم عند الذبح: ما ورد عن أنس قال: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ» (^٤).\n_________\n(^١) مسلم (٢٠٢١).\n(^٢) «شرح النووي على مسلم» (١٣/ ١٢٢).\n(^٣) البخاري (١٧١٤). وروى البخاري (١٧١٣)، ومسلم (١٣٢٠): عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا، فَقَالَ: «ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ» ومعنى (قيامًا مُقيَّدة) أي: معقولة الرِّجل اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها.\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٥٥٨)، ومسلم (١٣٢٠).\nقال الصنعاني: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إِضْجَاعُ الْغَنَمِ، وَلَا تُذْبَحُ قَائِمَةً وَلَا بَارِكَةً؛ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِهَا، وَعَلَيْهِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ، وَيَكُونُ الْإِضْجَاعُ عَلَى جَانِبِهَا الْأَيْسَرِ؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ لِلذَّابِحِ فِي أَخْذِ السِّكِّينِ بِالْيُمْنَى وَإِمْسَاكِ رَأْسِهَا بِالْيَسَارِ. «سُبُل السلام» (٢/ ٥٣١).","vol":"1","page":565},{"text":"ويُخيَّر بين الذبح والنحر في البقر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] وعن جابر قال: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ البَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» (^١).\nوأما الإجماع، فنُقل الإجماع على النحر في الإبل، والذبح في الغنم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-732>المبحث السابع: استحباب الأكل من الأضحية، والتصدق منها:</span>\nدل على استحباب ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] وعموم قول النبي ﷺ: «فَكُلُوا وَادَّخِرُوا، وَتَصَدَّقُوا» (^٣).\nفهذان دليلان على أنه يُستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته، وأن يَتصدق منها على الفقراء والمحتاجين، وأن يُطْعِم منها الأقارب والجيران.\n\n<span data-type='title' id=toc-733>المبحث الثامن: هل يُستحب للمضحي أن يُقَسِّم الأضحية إلى ثلاثة أقسام؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه يُستحب للمضحي أن يُقَسِّم الأضحية إلى ثلاثة أقسام: قِسم يتصدق به على الفقراء والمحتاجين، وقِسم يُطْعِم به الأقارب والجيران، وقِسم يأكل منه هو وأهل بيته (^٤).\nواستدلوا بما ورد: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي صِفَةِ أُضْحِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يُطْعِمُ أَهْلَ بَيْتِهِ الثُّلُثَ، وَيُطْعِمُ فُقَرَاءَ جِيرَانِهِ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى السُّؤَّالِ بِالثُّلُثِ (^٥).\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٣١٨).\n(^٢) وقد نَقَل الإجماع على ذلك: ابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ١٤٧)، وابن رُشْد في «بداية المجتهد» (٢/ ٢٠٧)، والنووي في «شرح مسلم» (١٣/ ١٢٤)، وابن قُدامة في «المغني» (١٣/ ٣٠٤).\nقال القرطبي: وَشَذَّ عَطَاءٌ فَخَالَفَ، وَاسْتَحَبَّ نَحْرَهَا بَارِكَةً. وَالصَّحِيحُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها﴾ مَعْنَاهُ: سَقَطَتْ بَعْدَ نَحْرِهَا. «تفسير القرطبي» (١٢/ ٦٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٠٢٥، ٢٠٢٦).\n(^٤) قال القرطبي: «ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالثُّلُثِ، وَيُطْعِمَ الثُّلُثَ، وَيَأْكُلَ هُوَ وَأَهْلُهُ الثُّلُثَ» «تفسيره» (١٢/ ٤٧). وقال الكاساني: «وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالثُّلُثِ، وَيَتَّخِذَ الثُّلُثَ ضِيَافَةً لِأَقَارِبِهِ وَأَصْدِقَائِهِ، وَيَدَّخِرَ الثُّلُثَ. «بدائع الصنائع» (٥/ ٨١). وقال ابن حجر: وَعَنِ الشَّافِعِيِّ: يُسْتَحبُّ قِسْمَتُهَا أَثْلَاثًا؛ لِقَوْلِهِ: «كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَأَطْعِمُوا» «فتح الباري» (١٠/ ٢٧). وقال النووي: وَأَدْنَى الْكَمَالِ أَنْ يَأْكُلَ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقَ بِالثُّلُثِ، وَيُهْدِي الثُّلُثَ. «شرح النووي» (١٣/ ١٣١).\n(^٥) لم أقف له على سند، وذَكَره ابن قُدامة في «المغني» (١٣/ ٣٨٠).","vol":"1","page":566},{"text":"وقال ابن القاسم عن مالك: ليس عندنا في الضحايا قِسم معلوم موصوف، والله قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].\nواستدلوا بعموم قول الرسول ﷺ: «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا» وهذا يدل على أن الأكل والصدقة غير مُقيَّدين، والأمر على حَسَب الاستطاعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-734>المبحث التاسع: ذَبْح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها:</span>\nذَبْح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها. وبه قال الحنفية والمالكية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة:\nأما الكتاب، فالحكمة من الأضحية مع أكل اللحم هي التقرب إلى الله تعالى بذبحها، قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].\nوأما السُّنة، فاستدلوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ، وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ لَعَدَلُوا إِلَيْهَا. وَبِأَنَّ إِيثَارَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ سُنَّةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (^٢).\n•١•\n_________\n(^١) «البحر الرائق» (٨/ ٢٠٠)، و«حاشية الدسوقي» (٢/ ١٢١)، و«الإنصاف» (٤/ ٧٧).\n(^٢) «المغني» (١٣/ ٣٧٤). الأول: التَّقَرُّبِ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ وَالتَّصَدُّقِ بِاللَّحْمِ، بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ أَفْضَلُ. الثَّانِي: أَنَّ الأَضَاحِيَ لَهَا وَقْتٌ تَفُوتُ بِفَوَاتِ وَقْتِهَا، وَالتَّصَدُّقُ لَا يَفُوتُ، فَكَانَتْ أَفْضَلَ. وَنَظِيرُهُ الطَّوَافُ لِلْآفَاقِيِّ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ يَفُوتُ، بِخِلَافِ الْمَكِّيِّ. «العناية» (٩/ ٥١٣)، و«تبيين الحقائق» (٦/ ٥).","vol":"1","page":567},{"text":"<span data-type='title' id=toc-735>الفصل الرابع: شروط الذكاة:\nوفيه ثلاثة مباحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-736>المبحث الأول: التسمية:</span>\nاختَلف أهل العلم في اشتراط التسمية في الذكاة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن التسمية شرط، لا تَحِل الذكاة بدونه، عمدًا كان أو نسيانًا.\nوبه قال أحمد في رواية، وهذا مذهب الظاهرية، واختاره ابن تيمية (^١).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة والمعقول:\nأما الكتاب، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].\nوأما السُّنة، فاستدلوا بقول النبي ﷺ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ» (^٢).\nوَجْه الدلالة: أنه ﷺ عَلَّق حِلّ الذبيحة بشرطين: إنهار الدم، وذِكر اسم الله.\nوعن عَدي: قال ﷺ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ» (^٣).\nوَجْه الدلالة: أنه ﷺ وقف الإذن بالأكل على التسمية.\nالقول الثاني: أنها واجبة مع الذِّكر، وتَسقط بالنسيان. وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (^٤).\nواستدلوا لسقوط الوجوب بالنسيان بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١].\nوَجْه الدلالة: أن الناسي لا يُسَمَّى فاسقًا، وأن النسيان يُسْقِط المُؤاخَذة، والجاهل\n_________\n(^١) «الإنصاف» (١٠/ ٣٠٢)، و«المُحَلَّى» (٧/ ٤١٢)، و«مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢٣٩).\n(^٢) رواه البخاري (٣٠٧٥)، ومسلم (١٩٦٨).\n(^٣) رواه البخاري (٧٣٩٧)، ومسلم (١٩٢٩).\n(^٤) «المبسوط» (١١/ ٢٠٢)، و«الاستذكار» (٥/ ٢٥٠)، و«الإنصاف» (١٠/ ٣٠٢).","vol":"1","page":568},{"text":"مُؤاخَذ؛ ولذلك يُفْطِر الجاهل بالأكل في الصوم دُون الناسي (^١).\nواستدلوا بأن إسقاط التسمية في حال النسيان عليه إجماع العلماء (^٢).\nوعن ابن عباس قال: «فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسَمِّيَ عَلَى الذَّبِيحَةَ، فَلْيُسَمِّ وَلَيْأَكُلْ» (^٣).\nالقول الثالث: أن التسمية سُنة مُؤكَّدة. وهذا مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (^٤).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة:\nأما الكتاب، فَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ فَأَبَاحَ الْمُذَكَّى، وَلَمْ يَذْكُرِ التَّسْمِيَةَ.\n(فَإِنْ قِيلَ): لَا يَكُونُ مُذَكًّى إِلَّا بِالتَّسْمِيَةِ.\n(قُلْنَا): الذَّكَاةُ فِي اللُّغَةِ الشَّقُّ وَالْفَتْحُ، وَقَدْ وُجِدَا. وَأَيْضًا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فَأَبَاحَ ذَبَائِحَهُمْ، وَلَمْ يَشْتَرِطِ التَّسْمِيَةَ (^٥).\nقال ابن عبد البر: وَقَدْ أَجْمَعُوا فِي ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ أَنَّهَا تُؤْكَلُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ عَلَيْهَا، وَإِ ذَا لَمْ يُسَمِّ عَلَيْهَا غَيْرَ اللَّهِ. وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمَجُوسِيَّ وَالْوَثَنِيَّ لَوْ سَمَّى اللَّهَ، لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ. وَفِي ذَلِكَ بَيَانٌ أَنَّ ذَبِيحَةَ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ ذَبَحَ بِدِينِهِ (^٦).\nوأما السُّنة، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ، لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ، وَكُلُوهُ» (^٧).\n_________\n(^١) «المغني» (١٣/ ٢٩١).\n(^٢) قوله: (فَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا لَمْ تُبَحْ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا أُبِيحَتْ) هذا المذهب فيهما. وذَكَره ابن جرير إجماعًا في سقوطها سهوًا. «الإنصاف» (٢٧/ ٣٢٢).\n(^٣) إسناده صحيح: رواه عبد الرزاق (٨٥٣٨).\n(^٤) «المجموع» (٨/ ٤١٠)، و«الإنصاف» (١٠/ ٣٠٢).\n(^٥) «المجموع» (٨/ ٤١١).\n(^٦) «الاستذكار» (٥/ ٢٥٠).\n(^٧) مدار هذا الحديث علي هشام بن عروة عن أبيه واختُلِف عَنه؛\nفرواه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ وأُسَامَةُ بْنُ حَفْصٍ المَدَنِيُّ وأَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، ثلاثتهم عند البخاري (٢٠٥٧) (٥٥٠٧) (٧٣٩٨) وعبد الرحيم بن سليمان، ويونس بن بُكَير، ومُحاضِر، والنَّضر بن شُمَيل عند الدارقطني في العلل (٣٥١٥) وغيرهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به مرفوعا.\nورواه مالك في الموطأ (١٣٧٦)، وحماد بن سَلَمَة عند أبي دواد (٢٨٢٩) ومعمر عند عبد الرزاق (٨٧٠٥)\nوعِيسَى بْنُ يُونُسَ عند ابن راهوية (٨٣٨) وحماد بن زيد، وسفيان بن عُيينة، ويحيى القطان، والمُفَضَّل بن فَضالة، عند الدارقطني في العلل (٣٥١٥) وغيرهم عن هِشام، عن أَبيه، مرسلًا، ليس فيه عائشة.\nقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: الصَّحيحُ: هشامُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النبيِّ، مُرسَلً أصحُّ؛ كَذَا يَرْوِيهِ مالكٌ وحمَّادُ بن سَلَمة\nقال الدارقطني: والمُرسَل أَشْبَه بالصواب.","vol":"1","page":569},{"text":"وجه الدلالة من وجهين:\nالأول: ما قاله ابن حجر: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ غَيْرُ شَرْطٍ عَلَى الذَّبِيحَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ شَرْطًا لَمْ تُسْتَبَحِ الذَّبِيحَةُ بِالْأَمْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ … حَيْثُ وَقَعَ الْجَوَابُ فِيهِ، فَسَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا، كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: لَا تَهْتَمُّوا بِذَلِكَ، بَلِ الَّذِي يُهِمُّكُمْ أَنْتُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَتَأْكُلُوا (^١).\nالثاني: ما قاله النووي: وَقَوْلُهُ ﷺ: «سَمُّوا وَكُلُوا» هَذِهِ التَّسْمِيَةُ الْمُسْتَحَبَّةُ عِنْدَ أَكْلِ كُلِّ طَعَامٍ، وَشُرْبِ كُلِّ شَرَابٍ، فَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَسْأَلَةِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-737>المبحث الثاني: إنهار الدم:</span>\nقال ابن قُدامة: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَكْمَلَ قَطْعُ الْأَرْبَعَةِ: الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَالْوَدَجَيْنِ، فَالْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ، وَالْمَرِيءُ وَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْوَدَجَانِ وَهُمَا عِرْقَانِ مُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ لِخُرُوجِ رُوحِ الْحَيَوَانِ، فَيَخِفُّ عَلَيْهِ، وَيَخْرُجُ مِنَ الْخِلَافِ، فَيَكُونُ أَوْلَى (^٣).\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٩/ ٦٣٦).\n(^٢) «المجموع» (٨/ ٤١٢). قال ابن عبد البر: وَأَمَّا قَوْلُهُ: «سَمُّوا اللهَ عَلَيْهَا، ثُمَّ كُلُوهَا» فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الْأَكْلِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْبَرَكَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ الذَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الْمَيْتَةَ وَالْأَطْعِمَةَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى التَّذْكِيَةِ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ لِيُعْلِمَهُمْ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُظَنُّ بِهِ تَرْكُ التَّسْمِيَةِ عَلَى ذَبِيحَتِهِ، وَلَا يُظَنُّ بِهِ إِلَّا الْخَيْرُ … وَفِيمَا وَصَفْنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ لَا فَرِيضَةٌ، وَلَوْ كَانَتْ فَرْضًا مَا سَقَطَتْ بِالنِّسْيَانِ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَا يُسْقِطُ مَا وَجَبَ عَمَلُهُ مِنَ الْفَرَائِضِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وَالحَسَنِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَأَبِي رَافِعٍ، وَطَاوُسٍ، والنَّخَعِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَقَتَادَةَ. «الاستذكار» (٥/ ٢٤٩).\n(^٣) «المغني» (١٣/ ٣٠٤). قال ابن المنذر: أَجْمَع أهل العلم على أنه إذا سَمَّى، وقَطَع الحلقوم والمَرِيء والوَدَجَين، وأسال الدم؛ حَصَلت الذكاة وحَلَّت الذبيحة. «المجموع» (٩/ ٩٠).","vol":"1","page":570},{"text":"<span data-type='title' id=toc-738>المبحث الثالث: القَدْر الواجب الذي يُكتفَى به في حصول التذكية:</span>\nاختَلف الفقهاء في القَدْر الذي يُشترَط في حصول الذكاة به على أقوال، منها:\nالقول الأول: يُشترَط قطع الجميع: الحلقوم والمَرِيء والوَدَجين. وهذا قول للمالكية، ورواية عن أحمد (^١).\nالقول الثاني: يُشترَط قطع الوَدَجَيْن والحلقوم. وهو مذهب المالكية في المشهور، ورواية عن أحمد. وذلك لأنه بقطع الوَدَجين يَحصل إنهار الدم، ولا يوصل إلى قطع الوَدَجين في الغالب إلا بعد قطعه الحلقوم لأنه قبلهما. أما المَرِيء فهو مَجْرَى الطعام والشراب، وهو وراء ذلك ملتصق بعظم القفا (^٢).\nالقول الثالث: الواجب قطع الحُلقوم والمَرِيء. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (^٣).\nقال النووي: وَيُشْتَرَطُ لِحُصُولِ الذَّكَاةِ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالمَرِيءِ، ومَقْصُودِ الذَّكَاةِ، وَهُوَ الْإِزْهَاقُ بِمَا لَا يُعَذِّبُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْطَعَ الْوَدَجَيْنِ مَعَ الحُلْقُومِ وَالمَرِيءِ (^٤).\n_________\n(^١) «القوانين الفقهية» (ص: ١٢٣)، و«الإنصاف» (١٠/ ٢٩٥). قال الجَصَّاص: وَأَمَّا مَا يَجِبُ قَطْعُهُ فَهُوَ الْأَوْدَاجُ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْحُلْقُومُ، وَالْمَرِيءُ، وَالْعِرْقَانِ اللَّذَانِ بَيْنَهُمَا الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ. فَإِذَا فَرَى الْمُذَكِّي ذَلِكَ أَجْمَعَ، فَقَدْ أَكْمَلَ الذَّكَاةَ عَلَى تَمَامِهَا وَسُنَّتِهَا. «أحكام القرآن» (٣/ ٣٠٠).\n(^٢) «بداية المجتهد» (١/ ٤٤٥)، و«القوانين الفقهية» (ص: ١٢٣)، و«الإنصاف» (١٠/ ٢٩٥).\n(^٣) قال النووي: وَأَمَّا الحُلْقُومُ فَهُوَ مَجْرَى النَّفَسِ خُرُوجًا وَدُخُولًا، والمَرِيءُ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَهُوَ تَحْتَ الْحُلْقُومِ، وَوَرَاءَهُمَا عِرْقَانِ فِي صَفْحَتَيِ الْعُنُقِ، يُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ، وَقِيلَ: يُحِيطَانِ بِالمَرِيءِ، يُقَالُ لَهُمَا: الوَدَجَانِ، وَيُقَالُ لِلْحُلْقُومِ وَالمَرِيءِ مَعَهُمَا: الْأَوْدَاجُ. وَيُشْتَرَطُ لِحُصُولِ الذَّكَاةِ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالمَرِيءِ. «المجموع» (٩/ ٨٦)، و«الإنصاف» (١٠/ ٢٩٥).\n(^٤) «المجموع» (٩/ ٨٦).","vol":"1","page":571},{"text":"القول الرابع: يجب قطع ثلاثة من أربعة بدون تعيين. وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية، ووجه للحنابلة، واختاره ابن تيمية (^١).\nالقول الخامس: الواجب قطع الوَدَجين. وهذا وجه للحنابلة (^٢).\nواستدلوا بما رُوي عن رافع ﵁، أن النبي ﷺ قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوا».\nوَجْه الدلالة: أنه ﷺ عَلَّق الحُكم على إنهار الدم، ومن المعلوم أن أبلغ ما يكون به الإنهار قَطْع الوَدَجين، فبقطعهما يَخرج الدم.\n•؟•\n_________\n(^١) «تبيين الحقائق» (٥/ ٢٩٠)، و«الإنصاف» (١٠/ ٢٩٥).\n(^٢) يَكفي قطع الأوداج، فقَطْع أحدهما مع الحلقوم أو المَرِيء- أَوْلَى بالحِل. «الإنصاف» (١٠/ ٢٩٥).","vol":"1","page":572},{"text":"<span data-type='title' id=toc-739>الفصل الخامس: ما يباح ويُنهَى عنه في الأضحية\nوفيه مبحثان:</span>\n<span data-type='title' id=toc-740>المبحث الأول: ما يباح في الأضحية: وفيه ثلاثة مطالب:</span>\nالمطلب الأول: جواز الاشتراك في البدنة والبقرة في الأضحية، وأن كلًّا منهما تجزئ عن سبعة، فروى مسلم: عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ (^١).\nوفي رواية الحاكم: «نَحَرْنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ سَبْعِينَ بَدَنَةً، الْبَدَنَةُ عَنْ عَشَرَةٍ» (^٢).\nأما ما ورد عن ابن عباس قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَ النَّحْرُ، فَاشْتَرَكْنَا فِي البَعِيرِ عَنْ عَشَرَةٍ، وَالبَقَرَةِ عَنْ سَبْعَةٍ» (^٣)\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٣١٨).\n(^٢) لفظة: (البدنة عن عَشَرة) شاذة، مدار الحديث على أبي الزبير، عن جابر، ويرويه عنه جماعة:\nسفيان الثوري، واختُلف عنه، فرواه إبراهيم بن أبي طالب، عن محمد بن المُثَنَّى ومحمد بن بشار قالا: ثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن عَشَرة، وقال رسول الله: «ليشترك النفر في الهَدْي». أخرجه الحاكم (٧٥٥٨).\nفرواه أبو عَروبة الحَرَّاني عن محمد بن بشار، فقال: البدنة عن سبعة. كما عند ابن حِبان (٤٠٠٤).\nورواه زُهير بن حرب، عن ابن مهدي، عن الثوري فقال: البدنة عن سبعة. عند أبي يعلى (٢١٥٠).\nورواه الضحاك بن مَخْلَد، عند أبي عَوَانة (٣٢٧٢)، ويَعْلَى بن عُبيد عند الدارمي (١٩٩٨)، ويحيى بن آدم، عند الدارقطني في «سُننه» (٢٥٣٣)، ومعاوية بن هشام، عند السَّرَّاج (١٧٣٩) جميعًا عن الثوري، وفي حديثهم: (البدنة عن سبعة) وهذا الصحيح عن الثوري.\nوكذا رواه مالك بن أنس، وعَزْرة بن ثابت، وزُهير بن معاوية، وابن جُريج، أربعتهم عند مسلم (١٣١٨)، وغيرهم عن أبي الزبير، عن جابر، وقالوا في حديثهم: (البدنة عن سبعة).\nوكذا رواه عطاء بن أبي رباح، عند مسلم (١٣١٨)، وطلحة بن نافع، وسليمان بن قيس، عند أحمد (١٤٣٩٨) (١٤٨٠٨)، وعمرو بن دينار، عند الطبراني في «الأوسط» (٣١٥٦) جميعًا عن جابر، وقالوا: (البدنة عن سبعة).\nفالمحفوظ: (البدنة عن سبعة) لاتفاق الحُفاظ الأثبات على ذلك. فرواية مَنْ قال: (البدنة عن عَشَرة) شاذة، وقد أشار البيهقي إلى ذلك كما في «السُّنن الكبرى» (١٩٢٣٧).\n(^٣) صحيح دون قوله: «وَفِي الجَزُورِ عَشَرَةً» فهو منكر لتفرد الحسين بن واقد بها، أخرجه أحمد (٢٤٨٤). =","vol":"1","page":573},{"text":"فهو منكر، ومُخالِف لإجماع المسلمين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-742>المطلب الثاني: الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وأهل بيته في الأضحية.</span>\nروى مسلم: عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ:\n_________\n=\nوفي إسناده الحسين بن واقد، وإن كان قد يُحَسَّن حديثه في الجملة، ولكن قال أحمد: في أحاديثه زيادة لا أدري أيش هي. وقد تفرد الحسين بن واقد بلفظ: «وَفِي الجَزُورِ عَشَرَةً» ومِثله لا يُتحمل تفرده، بل يُعَد ما تفرد به منكرًا، ويدل على نكارته أن المستفيض المشهور في الصحيح وغيرهما: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ.\nوأشار الترمذي في «سُننه» (٢/ ٢٢٣)، والدارقطني في «أطراف الغرائب والأفراد» (٣/ ٢٤٩)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٨/ ١١٤) إلى إعلال الحديث بتفرد الحسين بن واقد، به.\nوله شاهد عنِ المِسْوَر، ومَرْوَان، وفيه: (فَكَانَتْ كُلُّ بَدَنَةٍ عَنْ عَشَرَةٍ) أخرجه أحمد (١٨٩١٠).\nوعلة هذا الخبر محمد بن إسحاق، وإن كان صدوقًا فإنه لا يُحتجّ بما انفرد به، فكيف إذا خالف؟!\nقال الطحاوي: «لم نجد أحدًا ممن روى هذا الحديث عن الزُّهْري تَابَع محمد بن إسحاق على ما رواه عليه من عدد الناس الذين كانوا حينئذٍ مع رسول الله ﷺ، وأنهم كانوا سَبعمِائة، فمَن خالفه في ذلك، وذَكَر أنهم بضع عَشْرة مِائة: مَعْمَر بن راشد، وسفيان بن عُيينة» «شرح مشكل الآثار» (٧/ ٦)، وكذا قال البيهقي في «السُّنن الكبرى» (١٠/ ٤٦٥).\nوقال ابن كَثير: «الرِّوَايَاتِ كُلَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ إِسْحَاقَ، مِنْ أَنَّ أَصْحَابَ الحُدَيْبِيَةِ كَانُوا سَبْعَمِائَةٍ». «البداية والنهاية» (٤/ ١٩٦).\nوالمحفوظ في عدد الصحابة يوم الحُديبية ما رواه البخاري (١٦٩٤): «فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً».\nوعند مسلم (١٩٠٤): عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةً.\nوصح عن جابر أيضًا أنهم كانوا ألفًا وخَمسمِائة، كما في «الصحيحين» وغيرهما.\nوفي «الصحيحين»: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄: كَانَ أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ أَلْفًا وَثَلَاثَمِائَةٍ.\nوكل هذه الأعداد متقاربة ولا خلاف فيها، وهذه الروايات تدل على ما ورد في رواية ابن إسحاق، من أنهم كانوا سَبعمِائة من أوهامه.\n(^١) قال ابن عبد البر: أَجْمَعْتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْبَدَنَةَ وَالْبَقَرَةَ لَا تُجْزِئُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ. «الاستذكار» (١٥/ ١٩٠).","vol":"1","page":574},{"text":"«بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» ثُمَّ ضَحَّى بِهِ (^١).\nقال الخَطَّابي: وفي قوله: «تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» دليل على أن الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وأهله، وإِنْ كَثُروا (^٢).\nوروى البخاري: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ، وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ صَغِيرٌ» فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ، وَكَانَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ الوَاحِدَةِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ (^٣).\nوَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ قَالَ: كُنَّا نُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ، يَذْبَحُهَا الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ تَبَاهَى النَّاسُ بَعْدُ، فَصَارَتْ مُبَاهَاةً (^٤).\nفالحاصل: أن الشاة الواحدة تُجْزئ في الأضحية عن الرجل وأهل بيته.\n\n<span data-type='title' id=toc-743>المطلب الثالث: الاستنابة في ذبح الأضحية.</span>\nيَجوز للمضحي أن يستنيب في ذبح أضحيته، إذا كان النائب مسلمًا، دل على ذلك أن النبي ﷺ نَحَر ثلاثًا وستين بيده، ثم أَعْطَى عليًّا، فنَحَر ما بقي من المِائة.\nقال ابن عبد البر: وَجَائِزٌ أَنْ يَنْحَرَ الهَدْيَ وَالضَّحَايَا غَيْرُ صَاحِبِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ نَحَرَ بَعْضَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ وَهُوَ أَمْرٌ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي إِجَازَتِهِ (^٥).\n_________\n(^١) مسلم (٢٠٢١).\n(^٢) «معالم السُّنن» (٢/ ٢٢٨).\n(^٣) البخاري (٧٢١٠).\n(^٤) صحيح موقوفا: ومداره علي عُمارة بن صَيَّاد، عن عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، عن أَبَي أَيُّوبَ واختلف عنه؛\nفرواه مالك في «الموطأ» (١٣٩٦) عن عُمارة بن صَيَّاد، موقوفا به.\nورواه الضَّحَّاك بْن عُثْمَانَ عن عُمَارة به مرفوعًا عند الترمذي (١٥٠٥)، بلفظ: كَيْفَ كَانَتِ الضَّحَايَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ.\nومدار الرواية المرفوعة علي الضَّحَّاك بْن عُثْمَانَ، وهو مختلف فيه، وقد خالفه مالك فالموقوف أصح.\n(^٥) «التمهيد» (٢/ ١٠٧)، و«الاستذكار» (٤/ ٣٠٨).","vol":"1","page":575},{"text":"<span data-type='title' id=toc-744>المبحث الثاني: ما يُنهَى عنه في الأضحية:\nوفيه خمسة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-745>المطلب الأول: حُكْم حَلْق الشَّعر وتقليم الأظفار لمَن أراد أن يضحي:</span>\nاختَلف العلماء في حكم حَلْق الشَّعر لمَن أراد أن يضحي على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يجوز. وهذا مذهب الحنفية، وقول للمالكية، والليث (^١).\nواستدلوا بالسُّنة والمعقول:\nفعن عائشة قالت: «أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ، حَتَّى نُحِرَ الهَدْيُ» (^٢).\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يَحْرُم عليه شيء يبعثه بهديه، والبعث بالهَدْي أكثر من إرادة التضحية، ولم يكن النبي ﷺ ليَفعل ما نَهَى عنه.\nوأما المعقول، فإن إرادة التضحية إذا كانت لا تَمنع من الجماع، وهو أغلظ ما يَحرم بالإحرام، كانت أحرى أن لا تَمنع مما دون ذلك (^٣).\nالقول الثاني: يَحرم على مَنْ أراد أن يضحي أن يَحلق شعره ويُقلم أظفاره حتى يضحي. وهو مذهب الحنابلة، ووَجْه للشافعية، واختاره ابن حزم (^٤).\nروى مسلم: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ\n_________\n(^١) «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٨٢)، و«التمهيد» (١٧/ ٢٣٥ - ٢٣٧).\n(^٢) رواه البخاري (١٧٠٠)، ومسلم (١٣٢١).\n(^٣) قال ابن قُدامة: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ وَاللِّبَاسُ، فَلَا يُكْرَهُ لَهُ حَلْقُ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُضَحِّيَ. «المغني» (١٣/ ٣٦٢، ٣٦٣).\n(^٤) «الإنصاف» (٤/ ٧٩)، و«المغني» (١٣/ ٣٦٢، ٣٦٣)، و«المُحَلَّى» (٧/ ٣٥٥).","vol":"1","page":576},{"text":"يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا» (^١).\nفمقتضى النهي التحريم، وهو خاص، ويجب تقديمه على عموم غيره (^٢).\nالقول الثالث: يُكْرَه لمن أراد أن يضحي أن يَحلق شعره ويُقلم أظفاره حتى يضحي. وهذا مذهب المالكية، والشافعية، وهو قول للحنابلة (^٣).\nواستدلوا بالجَمْع بين نصوص الباب، بحَمْل نصوص النهي على الكراهة، ونصوص الإباحة على عدم التحريم (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-746>المطلب الثاني: حُكْم الفدية لمَن أراد أن يضحي، فأَخَذ من شعره </span>أو قَلَّم أظفاره. لا فدية عليه بالإجماع (^٥).\n<span data-type='title' id=toc-747>المطلب الثالث: يَحرم على المضحي أن يبيع شيئًا من الأضحية.</span>\nقال الماوردي: يَحْرُمُ بَيْعُ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ فِي حَقِّ الْمُضَحِّي؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ فَنَصَّ عَلَى أَكْلِهِ وَإِطْعَامِهِ، فَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهِ. وَعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ البَيْعِ. وَلِأَنَّ الْأَمْوَالَ الْمُسْتَحَقَّةَ فِي الْقُرْبِ لَا يَجُوزُ لِلْمُتَقَرِّبِ بَيْعُهَا، كَالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ (^٦).\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٩٧٧). وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ عَنْ أَخْذِ الظُّفُرِ وَالشَّعْرِ: النَّهْيُ عَنْ إِزَالَةِ الظُّفْرِ بِقَلْمٍ أَوْ كَسْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمَنْعُ مِنْ إِزَالَةِ الشَّعْرِ بِحَلْقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ أَوْ نَتْفٍ أَوْ إِحْرَاقٍ، أَوْ أَخْذِهِ بِنَوْرَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ شَعْرُ الْإِبْطِ وَالشَّارِبِ وَالْعَانَةِ وَالرَّأْسِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ شُعُورُ بَدَنِهِ. «شرح النووي» (١٣/ ١٣٩).\n(^٢) «المغني» (١٣/ ٣٦٣).\n(^٣) «الذخيرة» (٤/ ١٤١)، و«الحاوي» (١٥/ ٧٤)، و«المغني» (١٣/ ٣٦٢، ٣٦٣).\n(^٤) وَهَذَا نَهْيٌ، وَالنَّهْيُ إِذَا لَمْ يَقْتَضِ التَّحْرِيمَ حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ. «مواهب الجليل» (٣/ ٢٤٤).\n(^٥) قال ابن قُدامة: إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَتْرُكُ قَطْعَ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمَ الْأَظْفَارِ، فَإِنْ فَعَلَ اسْتَغْفَرَ اللهَ تَعَالَى، وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ إجْمَاعًا، سَوَاءٌ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا. «المغني» (١٣/ ٣٦٣).\nوقال المَرْداوي: لو خالف وفَعَل، فليس عليه إلا التوبة، ولا فدية عليه إجماعًا. «الإنصاف» (٤/ ٨٠).\n(^٦) «الحاوى» (١٥/ ٢٧٢). قال ابن قُدامة: «لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ، لَا لَحْمِهَا وَلَا جِلْدِهَا، وَاجِبَةً كَانَتْ أَوْ تَطَوُّعًا؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ بِالذَّبْحِ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَبِيعُهَا، وَلَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْهَا. وَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! كَيْفَ يَبِيعُهَا، وَقَدْ جَعَلَهَا لِلهِ ﷿؟!». «المغني» (١٣/ ٣٨٢).","vol":"1","page":577},{"text":"<span data-type='title' id=toc-748>المطلب الرابع: إعطاء الجزار من الأضحية ثمنًا لذبحه:</span>\nلا يَجوز إعطاء الجزار من الأضحية ثمنًا لذبحه. وهذا قول المذاهب الأربعة (^١).\nودل على التحريم ما ورد في «الصحيحين»: عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا، لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلَالَهَا، وَلَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا (^٢).\nقال ابن قُدامة: وَلِأَنَّ مَا يَدْفَعُهُ إِلَى الْجَزَّارِ أُجْرَةً عِوَضٌ عَنْ عَمَلِهِ وَجِزَارَتِهِ، وَلَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ بِشَيْءٍ مِنْهَا. فَأَمَّا إِنْ دَفَعَ إلَيْهِ لِفَقْرِهِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ، فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْأَخْذِ، فَهُوَ كَغَيْرِهِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَهَا وَتَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهَا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-749>المطلب الخامس: لا تُشْرَع الأضحية استقلالًا عن الميت.</span>\nقد أجاز بعض العلماء الأضحية عن الميت قياسا علي الصدقة، ومنعها آخرون؛\nلأنه لم يَرِد عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة- أنهم ضَحَّوْا عن الأموات استقلالًا؛ فالأضحية عبادة، ولا تُفْعَل إلا بتوقيف وهو مذهب الشافعية، وكَرِهها المالكية (^٤).\n•١•\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٧٩)، «الشرح الكبير» (٢/ ١٢٤)، «الحاوي» (١٥/ ١٢٠)، «المغني» (٩/ ٤٥٠).\n(^٢) البخاري (١٧١٧)، ومسلم (١٣١٧).\n(^٣) «المغني» (١٣/ ٣٨٢). قال الحافظ: وَأَمَّا إِذَا أُعْطِيَ أُجْرَتَهُ كَامِلَةً، ثُمَّ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا كَمَا يَتَصَدَّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ … بِشَرْطِ لِئَلَّا تَقَعَ مُسَامَحَةٌ فِي الْأُجْرَةِ؛ لِأَجْلِ مَا يَأْخُذُهُ فَيَرْجِعُ إِلَى الْمُعَاوَضَةِ. «فتح الباري» (٣/ ٥٥٦).\n(^٤) «مواهب الجليل» (٤/ ٣٧٧)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٢٩٢) و«الشرح الممتع» (٧/ ٤٢٣).","vol":"1","page":578},{"text":"الباب التاسع عشر:\nأحكام المبيت بمِنًى:\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: المبيت بمِنًى\nالفصل الثاني: نوازل مِنًى","vol":"1","page":579},{"text":"الفصل الأول: المبيت بمِنًى\nوفيه تسعة مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-752>المبحث الأول:\nسبب تسمية مِنًى وأيام التشريق بهذين الاسمين،</span> وفضل الذِّكر في أيام منى:\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: سبب تسمية مِنًى بهذا الاسم:\nقيل: سُميت (مِنًى) لكثرة ما يُمْنَى بها- أي: يراق- من الدماء.\nوقيل: لأن الله تعالى يَمُن على عباده بالمغفرة فيها.\nوقيل: لأن الله تعالى مَنَّ على الخليل بأن فدى ابنه بكبش، واستنقذه من الذبح (^١).\nالمطلب الثاني: سبب تسمية أيام التشريق بهذا الاسم:\nسُميت أيام التشريق بذلك لأن الحُجاج كانوا يُشَرِّقون فيها لحوم الأضاحي- أي: يضعونها في الشمس.\nوقيل: سُميت أيام التشريق؛ لإشراق نهارها بنور الشمس ولإشراق ليلها بنور القمر؛ لأن هذه الليالي الثلاث يكون القمر فيها مكتملًا (^٢).\nالمطلب الثالث: يُسَن الإكثار من ذكر الله في أيام مِنًى.\nفعن نُبَيْشَة قال: قال رسول الله ﷺ: «أيام التشريق أيام أَكْل وشُرْب وذِكر لله ﷿» (^٣).\n_________\n(^١) «معجم البلدان» (٥/ ١٩٨)، و«الحاوي» (١٥/ ١٢٥).\n(^٢) «شرح السُّنة» (٤/ ٣٦٤)، و«مغني المحتاج» (١/ ٥٠٥).\n(^٣) رواه مسلم (١١٤١).","vol":"1","page":580},{"text":"المبحث الثاني: مواقيت المبيت في مِنًى:\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: المواقيت المكانية بمِنًى:\nحدود مِنًى من مَهبِط العقبة إلى وادي مُحَسِّر طولًا، وعَرْضًا ما بين جبلين، وما أَقْبَل منهما وما أَدْبَر ليس منها، فمِنًى وادٍ بين جبال، فيَحُد مِنًى من الشمال جبل ثَبير، ومن الجنوب جبل الصابح، ومن الشرق وادي مُحَسِّر، ومن الغرب جمرة العقبة.\nوحدود مِنًى المكانية الآن واضحة جلية، بأعلام كبيرة تتضح للقادم إليها من أي جهة، وذلك مبني على لجان حكومية من العلماء وغيرهم، ولله الحمد على التيسير (^١).\nالمطلب الثاني: المواقيت الزمانية للمبيت بمِنًى:\nالمبيت بمِنًى يَبدأ من غروب شمس يوم النحر، مبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وينتهي بطلوع شمس اليوم الرابع عشر. دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] والأيام المعدودات هي أيام التشريق (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-754>المبحث الثالث: حُكْم المبيت بمِنًى ليالي أيام التشريق:</span>\nأَجْمَع العلماء على أن المبيت بمِنًى ليلة الوقوف بعرفة سُنة.\nواختلفوا في حكم المبيت بمِنًى ليالي أيام التشريق على قولين:\nالقول الأول: المبيت بمِنًى ليالي أيام التشريق واجب. وهو مذهب المالكية، وقول عند الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (^٣).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة والمأثور:\nأما الكتاب، فعموم قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ\n_________\n(^١) «معجم البلدان» (٥/ ٢٢٩)، و«القِرى لقاصد أُم القُرى» (٥٤٣).\n(^٢) قال الطبري: اذكروا الله بالتوحيد والتعظيم في أيام محصيات، وهي أيام رمي الجمار. أَمَر عباده يومئذٍ بالتكبير أدبار الصلوات، وعند الرمي مع كل حصاة. «تفسير الطبري» (٤/ ٢٠٨).\n(^٣) «مواهب الجليل» (٣/ ١٣١)، و«الإيضاح» (ص: ٣٧٥)، و«الإنصاف» (٤/ ٦٠).","vol":"1","page":581},{"text":"فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فالآية دليل على أنه يجب على الحاج أن يقيم يومين في الموضع الذي شُرِع فيه ذكر الله ورمي الجمار، ويُرخَّص له في الانصراف في اليوم الثالث. فدلت الآية على وجوب المبيت بمِنًى.\nوأما السُّنة، فاستدلوا بدليلين:\nالأول: أن النبي ﷺ بات بمِنًى ليالي أيام التشريق، وقال: «لتأخذوا مناسككم».\nالثاني: ما ورد في «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبدِ المُطَّلِبِ ﵁ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى؛ مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ (^١).\nوَجْه الدلالة: أن كلمة (استأذن) تدل على أن المبيت بمِنًى ليالي أيام التشريق واجب، ولو كان المبيت سُنة لَمَا احتاج العباس إلى الترخيص والإذن من الرسول ﷺ.\nوأما المأثور، فَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ يَبِيتَ أَحَدٌ مِنْ وَرَاءِ الْعَقَبَةِ، وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا مِنًى (^٢).\nفنَهْي عُمَر الحُجاج عن المبيت خارج مِنًى ليالي أيام التشريق، وحِرصه على دخول الناس في حدود مِنًى- دليل على وجوب المبيت، وهو ممن أُمِرنا باتباعهم.\nالقول الآخَر: أن المبيت بمِنًى ليالي أيام التشريق سُنة. وبه قال الحنفية، وهو قول مرجوح عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة، وهو مذهب الظاهرية (^٣).\nواستدلوا بما ورد عن ابن عباس قال: إِذَا رَمَيْتَ الْجِمَارَ، فَبِتْ حَيْثُ شِئْت (^٤).\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٦٣٤)، ومسلم (١٣١٥).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه مالك (١٢٠٨)، واللفظ له، عن نافع، عن ابن عمر، به.\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٥٩)، و«المجموع» (٨/ ٢٤٧)، و«الإنصاف» (٤/ ٦٠)، و«المُحَلَّى» (٥/ ١٩٤).\n(^٤) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٦١٤)، وفي إسناده زيد بن الحُبَاب، وهو صدوق.\nوروى عبد الرزاق كما في «التمهيد» (١٧/ ٢٦٢): عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيتَ الرَّجُلُ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، وَيَظَلَّ إِذَا رَمَى الْجِمَارَ. وهذا سند صحيح.","vol":"1","page":582},{"text":"ونوقش بأن ابن عباس خالفه عمر بن الخطاب، والنبي ﷺ قد بات في مِنًى ليالي أيام التشريق، وقال: «لتأخذوا مناسككم».\nوالراجح: أن المبيت بمِنًى ليالي أيام التشريق واجب؛ لأن النبي ﷺ بات بمِنًى، وقال: «لتأخذوا مناسككم» ولأن النبي ﷺ أَذِن للعباس أن يبيت بمكة ليالي أيام التشريق من أجل سقايته، ولو كان المبيت سُنة لَمَا استأذنه العباس. ولأن عمر كان يَمنع المبيت خارج مِنًى ليالي أيام التشريق، فدل ذلك على الوجوب.\nالمطلب الثالث: حُكْم المبيت بمِنًى ليلة الثالث عشر للمُتعجِّل:\nأيام المبيت بمِنًى هي أيام التشريق، وهي الأيام المعدودات، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، فمَن تَعجَّل فليس عليه سوى مبيت ليلتين فقط، ويَسقط عنه المبيت ورمي الجمرة لليوم الثالث عشر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣].\nوَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» (^١).\nقال ابن قُدامة: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مِنًى شَاخِصًا عَنِ الْحَرَمِ، غَيْرَ مُقِيمٍ بِمَكَّةَ، أَنْ يَنْفِرَ بَعْدَ الزَّوَالِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (^٢).\nفالحاصل: أن مَنْ تَعَجَّل فبات ليلة الثاني عشر ورمى الجمرات بعد الزوال، يباح له أن يغادر ويتعجل من مِنًى، ويَسقط عنه. وهذه رخصة إسقاط، فالحاج مُخيَّر في التعجيل والتأخير، وإن كان الأكمل والأفضل التأخر لمبيت الليلة الثالثة، ورمي جمرات اليوم الثالث من أيام التشريق؛ لفِعْله ﷺ، ولأن فيه زيادة عمل مشروع.\n_________\n(^١) صحيح: أخرجه أحمد (١٨٧٧٣، ١٨٩٥٤)، وأبو داود (١٩٤٠)، وقد سبق تخريجه.\n(^٢) «المغني» (٥/ ٣٣١)، ونَقَل الإجماع أيضًا الماوردي في «الحاوي» (٤/ ١٩٩).","vol":"1","page":583},{"text":"<span data-type='title' id=toc-755>المبحث الرابع: حُكْم المُتعجِّل إذا غَرَبَتْ عليه شمس ثاني أيام التشريق:</span>\nاختَلَف أهل العلم في حُكْم مَنْ تَعَجَّل في اليوم الثاني عشر وغَرَبَتْ عليه الشمس، هل يبيت أم يرتحل؟ على قولين:\nالقول الأول: إذا غَرَبَتْ شمس يوم الثاني عشر على المُتعجِّل وهو بمِنًى، لزمه مبيت ليلة الثالث عشر والرمي من الغد. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وهو رواية عن أبي حنيفة (^١).\nواستدلوا بالقرآن والمأثور:\nأما القرآن، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].\nف (اليوم) اسم للنهار، فإذا غَرَبَتِ الشمس فقد خرج اليوم، فيجب عليه المبيت والرمي.\nوأما المأثور، فعن عُمر ﵁ أنه قال: «مَنْ أَدْرَكَهُ الْمَسَاءُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَلْيَقُمْ إِلَى الْغَدِ حَتَّى يَنْفِرَ مَعَ النَّاسِ» (^٢).\nوعن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: «مَنْ غَرَبَتْ لَهُ الشَّمْسُ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ بِمِنًى، فَلَا يَنْفِرَنَّ حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ مِنَ الْغَدِ» (^٣).\nالقول الآخَر: أن التعجل يتحقق بالخروج من مِنًى قبل الفجر. وبه قال الحنفية (^٤).\nواستدلوا بأن الليالي تابعة للأيام الماضية، فإذا كان يجوز رمي يوم الثاني عشر حتى طلوع فجر الثالث عشر، فكذا يَجوز له النفر بعد الغروب ما لم يطلع عليه الفجر.\nونوقش بما قاله الماوردي: وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَعَجَّلَ النَّفْرَ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ\n_________\n(^١) «مواهب الجليل» (٤/ ١٨٨)، و«الأم» (٢/ ٢١٥)، و«المغني» (٥/ ٣٣٢)، و«تبيين الحقائق» (٢/ ٣٤).\n(^٢) إسناده صحيح: رواه البيهقي (٩٧٧٢) بهذا المتن عن ابن عمر من طريق مالك. وعَقَّب بقوله: وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ … فَذَكَرَهُ.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (١٢١٤) عن نافع، به. وروى ابن أبي شيبة (١٢٩٥٩) بسند صحيح: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِذَا أَدْرَكَهُ الْمَسَاءُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَلَا يَنْفِرُ حَتَّى الْغَدِ وَتَزُولَ الشَّمْسُ.\n(^٤) «المبسوط» (٤/ ٦٨)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ١٥٩)، و«الهداية» (٣/ ١٧٧).","vol":"1","page":584},{"text":"فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ يَتْبَعُ مَا قَبْلَهُ فِي الْحَجِّ كَلَيْلَةِ عَرَفَةَ، وَلَا يَتْبَعُ مَا بَعْدَهَا مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ.\nوَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّعْجِيلَ يَتَعَلَّقُ بِالْيَوْمِ، وَخُرُوجُ الْيَوْمِ مُعْتَبَرٌ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ مُعْتَبَرًا بِغُرُوبِ الشَّمْسِ.\nوَالثَّانِي: أَنَّ النَّفْرَ نَفْرَانِ، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ مَا بَعْدَ النَّفْرِ الثَّانِي مِنَ اللَّيْلِ لَيْسَ بِتَابِعٍ لَهُ، ثَبَتَ أَنَّ مَا بَعْدَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ مِنَ اللَّيْلِ لَيْسَ بِتَابِعٍ لَهُ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ لَيْلَةِ عَرَفَةَ فَلَيْسَتْ تَبَعًا، وَإِنَّمَا هِيَ وَيَوْمُ عَرَفَةَ فيه سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ (^١).\nوالراجح: أن مَنْ غَرَبَتْ عليه شمس يوم الثالث عشر يجب عليه المبيت إلى الغد ويَرمي الجمار؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] ولأن التعجل يتعلق باليوم، وخروج اليوم يتعلق بغروب الشمس، فالتعجل إذًا متعلق بالغروب.\n\n<span data-type='title' id=toc-756>المبحث الخامس: إذا غَرَبَتِ الشمس قبل انفصاله من مِنًى:</span>\nمَنْ رمى الجمار واشتغل بالرحيل حتى غَرَبت الشمس له أن يرتحل.\nقال النووي: وَلَوْ غَرَبَتْ وَهُوَ فِي شُغْل الارْتِحَالِ، جَازَ النَّفْرُ عَلَى الأَصَحِّ (^٢).\nوهذا هو الأرفق بالناس مع كثرة الزحام، والتزام الناس بوسائل النقل الحديثة الذي يكون التحكم في سيرها خارجًا عن إرادة مالكها، والله رَفَع الحرج عن العباد رحمة بهم.\nقال الشيخ ابن عثيمين: لو أن جماعة حلوا الخيام وحملوا العفش وركبوا، ولكن حَبَسهم المسير لكثرة السيارات، فغَرَبت عليهم الشمس قبل الخروج من مِنًى، فلهم أن يستمروا في الخروج؛ لأن هؤلاء حُبسوا بغير اختيارهم (^٣).\n_________\n(^١) «الحاوي» (١/ ٧).\n(^٢) وقال في «الإيضاح» (ص: ٣٧٢): وَلَوْ رَحَلَ فَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَهُوَ سَائِرٌ فِي مِنًى قَبْلَ انْفِصَالِهِ مِنْهَا، فَلَهُ الِاسْتِمْرَارُ فِي السَّيْرِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَبِيتُ وَلَا الرَّمْيُ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجَمَاهِيرُ. وانظر «المجموع» (٨/ ٢٤٩)، و«الذخيرة» (٣/ ٢٨١).\n(^٣) «تلخيص كتاب الحج من الشرح الممتع» (ص: ٧٤).","vol":"1","page":585},{"text":"<span data-type='title' id=toc-757>المبحث السادس:\nالقَدْر الذي يتحقق به الوجوب من المبيت في مِنًى:</span>\nاختَلَف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الواجب على الحاج أن يبيت معظم الليل. وهو مذهب المالكية، والشافعية في الصحيح عنهم. وذلك لأن مُسَمَّى المبيت لا يَحصل إلا بمعظم الليل، كما لو حلف لا يبيت بمكان، لم يَحنث إلا بمبيت معظم الليل (^١).\nالقول الثاني: أن الواجب في المبيت نصف الليل. وبه قال المالكية (^٢).\nالقول الثالث: أن يكون بعد منتصف الليل ولو بوقت يسير. وبه قال الحنابلة (^٣).\nوالراجح: أن المُعتبَر في المبيت الكون بمِنًى معظم الليل؛ إذ المبيت ورد مطلقًا، والاستيعاب غير واجب اتفاقًا، فأقيم المُعْظَم مُقام الكل، فالمبيت المطلوب بمِنًى معناه أن يَقضي الحاج بمِنًى مُعْظَم الليل ليلتي الحادي عشر والثاني عشر إِنْ تَعَجَّل.\nومَن ذهب للطواف يوم النحر، فتَأخَّر للعودة إلى مِنًى للازدحام وللتعب، حتى ذهب أكثر الليل، وبات باقي ليلة الحادي عشر في مِنًى، فلا تجب عليه فدية، والله أعلم.\n_________\n(^١) «الشرح الكبير» (٢/ ٤٩)، و«الإيضاح» (ص: ٣٥٣)، و«نهاية المحتاج» (٣/ ٣٠٠).\n(^٢) «حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٨، ٤٩).\n(^٣) «المبدع» (٣/ ٢٦٤).","vol":"1","page":586},{"text":"<span data-type='title' id=toc-758>المبحث السابع: حُكْم الدم لمَن تَرَك المبيت بمنى ليلة من ليالي التشريق:</span>\nاختَلَف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالأول: لا يَلزمه شيء؛ لأن المبيت سُنة. وهو مذهب الحنفية، ورواية للحنابلة.\nالثاني: يَلزمه دم بترك المبيت بمِنًى ليلة من ليالي التشريق. وهو مذهب المالكية، ورواية عن أحمد.\nالثالث: مَنْ تَرَك المبيت بمِنًى ليلة من ليالي التشريق، فعليه أن يتصدق بمُدّ طعام. وهو قول عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة.\nقال ابن عثيمين: لو تَرَك ليلة من الليالي، فإنه ليس عليه دم، بل عليه إطعام مسكين إِنْ تَرَك ليلة، وإطعام مسكينين إِنْ تَرَك ليلتين، وعليه دم إِنْ تَرَك ثلاث ليالٍ.\nوقال ابن باز: المنصرف في اليوم الحادي عشر قد أَخَل بما يجب عليه من الرمي، فعليه دم يُذبَح في مكة للفقراء، أما تَرْكه المبيت في منى ليلة الثاني عشر، فعليه عن ذلك صدقة بما يتيسر، مع التوبة والاستغفار عما حصل منه من الخلل والتعجل في غير وقته؛ وإِنْ فَدَى عن ذلك كان أحوط؛ لِما فيه من الخروج من الخلاف؛ لأن بعض أهل العلم يرى عليه دمًا بترك ليلة واحدة من ليلتي الحادي عشر والثاني عشر بغير عذر شرعي (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-759>المبحث الثامن: سقوط المبيت عن أصحاب سقاية الحجيج ورعاة الإبل </span>(^٢):\nيَسقط المبيت عن أصحاب سقاية الحجيج ورعاة الإبل. وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (^٣).\nففي «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبدِ المُطَّلِبِ، ﵁ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى؛ مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ.\n_________\n(^١) «مجموع فتاوى ابن باز» (١٧/ ٣٨٦)، و«الشرح الممتع» (٧/ ٣٥٨).\n(^٢) (أهل السِّقاية) أي: سِقاية الحُجاج من زمزم. و(الرعاية): رعاية إبل الحُجاج. وذلك أن الناس فيما سبق كانوا يحجون على الإبل، فإذا نزلوا في مِنًى احتاجوا إلى مَنْ يَرعى إبلهم؛ وقد رَخَّص النبي ﷺ للرعاة أن يَدَعُوا المبيت بمِنًى ليالي مِنًى لاشتغالهم برعاية الإبل. «الشرح الممتع» (٧/ ٣٩٠، ٣٩١).\n(^٣) «الشرح الكبير» (٢/ ٤٩)، و«المجموع» (٨/ ٢٤٧)، و«الفروع» (٦/ ٦١).","vol":"1","page":587},{"text":"<span data-type='title' id=toc-760>المبحث التاسع: هل يُلحَق سائر أهل الأعذار كالمرضى ونحوهم بأهل السقاية والرعاة في عذرهم بالمبيت خارج مِنًى؟</span>\nاختَلَف العلماء في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أن سائر أهل الأعذار كالمرضى يُلْحَقون بأهل السقاية والرعاة، في جواز المبيت خارج مِنًى، وتَسقط عنهم الفدية. وبه قال الشافعية، وهو قول للحنابلة (^١).\nواستدلوا بأن النبي ﷺ رَخَّص لأصحاب سقاية الحجيج ورعاة الإبل؛ تنبيهًا على غيرهم، أو أنه نَصَّ عليه لمَعْنًى وُجِد في غيرهم، فوَجَب إلحاقه بهم.\nواستدلوا بعموم الآيات والأحاديث الدالة على أن الإنسان لا يُكلَّف إلا ما يستطيع.\nالقول الآخَر: أن مَنْ تَرَك المبيت لعذر كالمرضى ونحوهم، فقد تَرَك الواجب، فيجب عليه دم. وبه قال المالكية، وهو المشهور عند الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بأن الرخصة مقصورة على عذر السقاية والرعي، ولا تتعدى إلى غير هذه الأعذار؛ لأن النبي ﷺ لم يأذن إلا لهذين الصنفين، مع احتمال وجود غيرهم من أهل الأعذار في ذلك الوقت، ولم يُنْقَل الإذن إلا لهؤلاء، فدل على أنه لا يُعْذَر سواهم.\nونوقش هذا بأن الرخصة تَثبت بالقياس، إذا وُجدت العلة الجامعة بينهما.\nوالراجح: أن سائر أهل الأعذار كالمرضى ونحوهم يُلْحَقون بأهل السقاية والرعاة في جواز المبيت خارج مِنًى، وأن الرخصة تتعدى لغير أهل السقاية والرعي إذا وُجدت العلة، فيقاس على أهل السقاية المريض ومَن يقوم على شئونه، والجنود ورجال الأمن والصحة والنظافة، الذين يقومون بمصالح الحجيج، ويكون تقدير ذلك لأهل العلم (^٣).\n_________\n(^١) «الحاوي» (٤/ ١٩٩)، و«الإيضاح» (ص: ٣٦٢)، و«المغني» (٥/ ٣٧٩).\n(^٢) «المُنتقَى» (٣/ ٤٥)، و«حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٩)، و«الإنصاف» (٩/ ٢٤٩).\n(^٣) قال ابن قُدامة: ولأنهم يشتغلون بالرعاية واستقاء الماء، فرُخِّص لهم في ذلك. وكل ذي عذر من مرض أو خوف على نفسه أو ماله- كالرعاة في هذا؛ لأنهم في معناهم «الكافي في فقه الإمام أحمد» (١/ ٥٢٨). وقال النووي: وَمِنَ الْمَعْذُورِينَ مَنْ لَهُ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِالْمَبِيتِ، أَوْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ يَشُقُّ مَعَهُ الْمَبِيتُ، أَوْ يَشْتَغِلُ بِأَمْرٍ آخَرَ يَخَافُ فَوْتَهُ. «المجموع» (٨/ ٢٤٨).","vol":"1","page":588},{"text":"<span data-type='title' id=toc-761>الفصل الثاني\nنوازل مِنًى\nوفيه سبعة مباحث:</span>\nالمبحث الأول: حُكْم المبيت بجوار مِنًى لمن لم يجد مكانًا مناسبًا\nللمبيت فيها.\nالمبحث الثاني: مَنْ عَلِم أن حَمْلته لن تبيت بمِنًى.\nالمبحث الثالث: المبيت في شوارع مِنًى وأرصفتها.\nالمبحث الرابع: البناء في مِنًى وامتلاك مبانيها.\nالمبحث الخامس: البناء على سفوح جبال مِنًى مما لا يَتمكن الحُجاج\nمن استغلاله.\nالمبحث السادس: تأجير الأراضي والخيام والمساكن بمِنًى.\nالمبحث السابع: استغلال الأماكن الفارغة مما تم تأجيره.","vol":"1","page":589},{"text":"<span data-type='title' id=toc-762>المبحث الأول:\nحُكْم المبيت بجوار مِنًى لمن لم يجد مكانًا مناسبًا </span>للمبيت فيها\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالقول الأول: يجب عليه أن يبيت في أقرب مكان يلي مِنًى؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وهو فتوى اللجنة الدائمة، وقول ابن عثيمين (^١).\nواستدلوا بقياس امتلاء مِنًى على امتلاء المسجد، فإن المسجد إذا امتلأ وجب على الناس أن يُصَلُّوا حوله لتتصل الصفوف؛ حتى يكونوا جماعة واحدة. والمبيت نظير هذا. ولأن ما جاور الشيء يُعطَى حُكْمه، وأن الزيادة لها حكم المَزيد.\nونوقش بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الصلاة في حاجة لاتصال الصفوف من أجل الإمام والاقتداء، وليس هناك اقتداء في المبيت بمِنًى.\nواستدلوا بأن المقصود من المبيت أن يكون الناس مجتمعين أُمَّة واحدة، وهذا من أعظم مقاصد الحج، وهو توحيد الناس في عبادتهم وفي لبسهم وفي مبيتهم، فالواجب أن يكون الإنسان عند آخِر خيمة حتى يكون مع الحجيج.\nونوقش بأن هذا الاجتماع قد حَصَل بغيرهم، فقد اكتظت بالحجاج، وهو إنما تَرَك الاجتماع معهم لتَعَّذُّر المكان. وبأنه لا يمكن اتصال الصفوف؛ لأن حد مِنًى الشرقي وادي مُحَسِّر، والسُّنة عند عبوره الإسراع فيه؛ فكيف يقال باستحباب المبيت فيه؟! وحَدُّ مِنًى الغربي من جهة مكة عبارة عن طرق للجمرات، ولا يمكن مكث الحاج فيها!\n_________\n(^١) وقد أفتت اللجنة الدائمة (١١/ ٢٦٦) بأن أماكن الحج وأزمنته محددة من الشارع، وليس فيها مجال للاجتهاد، وقد حج رسول الله ﷺ حجة الوداع، وقال فيها: «خذوا عني مناسككم»، وبَيَّن فيها الأزمنة والأمكنة. وحدود مِنًى: من وادي مُحَسِّر إلى جمرة العقبة، فعلى مَنْ حج أن يلتمس مكانًا له داخل حدود مِنًى. فإِنْ تَعَذَّر عليه حصول المكان، نَزَل في أقرب مكان يلي مِنًى ولا شيء عليه.\nوسُئل ابن عثيمين عن الحاج لا يجد مكانًا في مِنًى، هل يجزئه أن يبيت خارج مِنًى؟\nفأجاب: لا حرج عليه أن يبيت خارج مِنًى؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولكن يكون منزله متصلًا بمنازل الحُجاج، كالجماعة إذا امتلأ المسجد، يَصُفون عند نهاية الصفوف، ويكون لهم حكم المصلين داخل المسجد. «مجموع فتاوى العثيمين» (٢٣/ ٢٤٠).","vol":"1","page":590},{"text":"واستدلوا بأن مَنْ لم يتمكن من المبيت في مِنًى، فلا يَسقط عنه المبيت إلى غير بدل، بل يقف فيما جاور المكان من العزيزية أو المزدلفة.\nونوقش بأن الذي يحدده البدل هو وجود نص، كقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] وكقول النبي ﷺ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» ولم يَرِد نص يدل على بدل للمبيت بمِنًى، فيبقى كغيره من الواجبات التي تَسقط إلى غير بدل.\nالقول الآخَر: إذا اجتهد الحاج في التماس مكان في مِنًى ليبيت فيه ليالي مِنًى، فلم يجد شيئًا، فيَسقط عنه المبيت في مِنًى في هذه الحال، ويَجوز له عند ذلك أن يبيت خارج مِنًى، في مزدلفة أو العزيزية أو غيرهما، ولا شيء عليه. وهو قول ابن باز (^١).\nواستَدل ابن باز بعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وعن النبي ﷺ قال: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ، فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».\nواعتُرض عليه بأن من التقوى لمن لم يجد مكانًا في مِنًى أن يقف فيما جاور المكان لأنه في استطاعته، ويكون ما جاوره له حكمه كالمسجد.\nواستَدل بالقياس، فكما أن النبي ﷺ أَسْقَط المبيت عن أهل الأعذار كالسقاة والرعاة، فكذا يَسقط عمن لم يجد مكانًا في مِنًى؛ لأن هذا عذر.\nواعتُرض على هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: أن هذا قياس مع الفارق؛ لأن النبي ﷺ عَذَر مَنْ بات في مكة من أجل السقاية؛ لأن السقاية هناك، ورَخَّص للرعاة للمبيت في أماكن رعيهم. أما مَنْ لم يجد مكانًا في مِنًى، فما عذره الخاص الذي يبيح له الانتقال من الأماكن المجاورة لمِنًى؟!\nالثاني: على هذا القول فإن مَنْ لم يجد مكانًا في مِنًى، وهو من أهل الأماكن القريبة من الحرم، كأهل جدة، فله أن يبيت في بيته. وهذا مُنافٍ لمَقصِد الحج، وهو اجتماع الناس.\nوأجيب عنه بأن المبيت إذا تَعَذَّر في مِنًى، فلا يعني الخروج من حدود الحرم، بل له أن يبيت في أي مكان، ما دام داخلًا في حدود الحَرَم.\n_________\n(^١) «مجموع فتاوى ابن باز» (١٧/ ٣٦٢).","vol":"1","page":591},{"text":"والراجح: هو جواز المبيت في أقرب مكان يلي مِنًى، ولكن بشرط امتلاء مِنًى؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\nولأنه إذا كان من أعظم مقاصد الحج أن يكون الناس مجتمعين أمة واحدة؛ لإقامة ذكر الله، فالمبيت في أقرب مكان يلي مِنًى أقرب إلى توحدهم.\nوتَجدر الإشارة في هذا المقام إلى التنبيه على أمرين:\nالأول: تَساهُل كثير من الحُجاج في التأكد من امتلاء مِنًى أم لا؟ ولذا قد تَوسَّع كثير من الحُجاج في ترك هذا الواجب (المبيت في مِنًى) للترفه والبقاء في الفنادق الفارهة في أنحاء مكة؛ مما أَفْقَدَ الحجَّ معناه الحقيقي، الذي سَمَّاه به النبي ﷺ بقوله: «أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ» فالحج جهاد. فيجب على هؤلاء الدم لتساهلهم في ترك واجب؛ لأنه يجب على الحاج أن يجتهد في إيجاد مكان للمبيت في مِنًى.\nالثاني: أنه مع ما قامت به الحكومة السعودية في خدمة الحرمين، من المشاريع العملاقة والتوسعات الجبارة، نحتاج إلى مزيد من الجهود، فلو بُني عدد من المساجد الكبيرة العملاقة، وكل مسجد به عدد كبير من الأطباق في مِنًى وعرفة، كمسجد الخَيْف ومسجد عرفة، لمَكَّنَتِ الكثير من الحُجاج من المبيت في مِنًى، ولخَفَّ كثير من الزحام.\n\n<span data-type='title' id=toc-763>المبحث الثاني: مَنْ عَلِم أن حملته لن تبيت بمِنًى:</span>\nقد تكون الحملة عَيَّنَتْ مكانًا في مزدلفة، فإن كان الحاج يستطيع أن يَحجز مع حملة أخرى تُناسِب قدرته المادية بمِنًى، فهذا يجب عليه تغيير حملته إلى الحملة التي بمِنًى؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.\nأما إذا كان الحاج لا يستطيع أن يَحجز مع حملة أخرى، فله أن يَبقى في حملته في مزدلفة، ولا يُكلِّف الله نفسًا إلا وُسعها.\n\n<span data-type='title' id=toc-764>المبحث الثالث: المبيت في شوارع مِنًى وأرصفتها:</span>\nهذا لا يخلو من حالين:\nالأول: إذا وَجَد الحملة مكانًا في مِنًى تجلس أغلب الليل فيه، في طريق أو غيره، ولا يترتب على الجلوس فيها ضرر على المارة والسيارات، فلها أن تجلس في هذا الموضع؛ عملًا بحديث: «مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ».","vol":"1","page":592},{"text":"الثاني: إذا لم يجد الحملة مكانًا مناسبًا للمبيت في مِنًى، فلا يجب عليها المبيت على الأرصفة والطرق المزدحمة بالمارة والسيارات، مثل الطرق الموصلة للجَمَرات، فيُمْنَع من ذلك؛ لِما يسببه هذا الفعل من تعطيل الحركة وإرباك الحُجاج، وقد يَحدث دهس وتزاحم ينتج عنهما بعض حالات وفاة؛ وإذا كان النبي ﷺ مَنَع الصحابة من الجلوس في طرق الدواب، فما بالك بطرق الناس والسيارات؟! قال رسول الله ﷺ: «إِذَا عَرَّسْتُمْ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ؛ فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ وَمَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-765>المبحث الرابع: البناء في مِنًى وامتلاك مبانيها:</span>\nلا يَجوز التملك في مَشْعَر مِنًى؛ فقد اتَّفق العلماء على أن بقاع المناسك لا تباع، كالمسعى ومِنًى وعرفة ومزدلفة، كالمساجد (^٢).\nوَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَبْنِي لَكَ بِمِنًى بَيْتًا أَوْ بِنَاءً يُظِلُّكَ مِنَ الشَّمْسِ؟ فَقَالَ: «لَا، إِنَّمَا هُوَ مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ» (^٣).\nفالحاصل: أن بِقاع المناسك كعرفة ومِنًى حُكْمها حُكْم المساجد، بغير خلاف.\nولذا قد أفتت هيئة كبار العلماء بأن البناء في مِنًى لا يجوز؛ لأن مِنًى مَشْعَر من المشاعر المقدسة، وأنها مُنَاخُ مَنْ سَبَق، وأن أهل العلم ﵏ قد مَنعوا البناء فيها؛ لكَوْن ذلك يُفضِي إلى التضييق على عباد الله حُجاج بيته الحرام.\nوقد قرروا في بعض المواطن جواز البناء إن كان لمصلحة عموم الحجيج (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٢٦).\n(^٢) قال ابن عَقيل: أَمَّا بِقَاعُ الْمَنَاسِكِ كَمَوْضِعِ السَّعْيِ وَالرَّمْيِ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمَسَاجِدِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ. «المغني» (٦/ ٣٦٧). وقال الطحاوي: فَرَأَيْنَا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ فِيهِ بِنَاءً، وَلَا يَحْتَجِرَ مِنْهُ مَوْضِعًا، وَكَذَلِكَ حُكْمُ جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يَقَعُ لِأَحَدٍ فِيهَا مِلْكٌ، وَجَمِيعُ النَّاسِ فِيهَا سَوَاءٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ (عَرَفَةَ) لَوْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَبْنِيَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ النَّاسُ فِيهَا بِنَاءً، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؟ وَكَذَلِكَ (مِنًى) لَوْ أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا دَارًا، كَانَ مِنْ ذَلِكَ مَمْنُوعًا. «شرح معاني الآثار» (٤/ ٥٠).\n(^٣) ضعيف: أخرجه أحمد (٢٥٥٤١)، وأبو داود (٢٠١٩).\nوإسناده ضعيف لتفرد إبراهيم بن مُهاجِر به، وهو ضعيف. ووالدة يوسف بن مَاهَك- وهي مُسَيْكة المكية- مجهولة، تَفرَّد بالرواية عنها ابنها يوسف، ولم يوثقها مُعتبَر.\n(^٤) «أبحاث هيئة كبار العلماء» (٣/ ٤٠٣)، و«النوازل في الحج» (ص: ٤٥٠).","vol":"1","page":593},{"text":"المبحث الخامس:\nالبناء على سفوح جبال مِنًى مما لا يَتمكن الحُجاج من استغلاله:\nيجوز لسببين:\nالأول: أن سفوح جبالها غير صالحة في الغالب لسكنى الحُجاج فيها أيام مِنًى، وأنها يمكن أن تُستغل بطريقة تحقق المصلحة العامة، وذلك قد يخفف الزحام في مِنًى.\nالثاني: أن ذلك مما يُمَكِّن كثيرًا ممن لا يُمْكِنه المبيت في مِنًى أن يبيت فيها، ولا شك أن هذا مطلب شرعي، وأن هذا لا يترتب عليه ضرر بالحُجاج الآخرين.\nويراعى أن يكون هذا البناء مرفقًا عامًّا وما تحته لمن سبق إليه من الحُجاج، كبقية أراضي مِنًى، على أن يكون الإشراف على هذا البناء للدولة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-767>المبحث السادس: تأجير الأراضي والخيام والمساكن بمِنًى:</span>\nنص قرار هيئة كبار العلماء على جواز إنشاء الخيام في مِنًى، على أن التوزيع على الحُجاج على حَسَب الأسبقية؛ عَمَلًا بحديث: «مِنًى مُناخ مَنْ سَبَق» واعتبار ذلك شرطًا أساسيًّا في الموضوع، يستوي في ذلك الأفراد ومؤسسات الطوافة، وحَمَلات الحُجاج، كُلٌّ بقَدْر حاجته، كبقية أراضي مِنًى (^٢).\nوحيث إن الدولة قد تكلفت في مشروع الخيام الكثير من الأموال، فهل يَجوز تأجيرها؟\nنعم، يَجوز تأجير هذه الخيام بأربعة ضوابط:\nالأول: يراعى في قيمة الإيجار أن يُكتفَى بقيمة الصيانة والخدمات. وإذا كانت الخيمة\n_________\n(^١) وفي «أبحاث هيئة كبار العلماء» (٣/ ٤٠٣):\nونظرًا إلى أن سفوح جبالها غير صالحة في الغالب لسكنى الحُجاج فيها أيام مِنًى، وأنه يمكن أن تُستغل هذه السفوح بطريقة تُحقِّق المصلحة العامة، ولا تتعارض مع العلة في منع البناء في مِنًى، فإن المجلس يُقَرِّر بالأكثرية جواز البناء على أعمدة في سفوح الجبال المطلة على مِنًى على وجه يَضمن المصلحة للحُجاج، ولا يعود عليهم بالضرر، ويكون هذا البناء مَرفقًا عامًّا، وما تحته لمن سبق إليه من الحُجاج كبقية أراضي مِنًى، على أن يكون الإشراف على هذا البناء للدولة. ويُنظَر «فقه النوازل» د. محمد الجيزاني (٢/ ٣٤٢).\n(^٢) قرار هيئة كبار العلماء رقم (١٨٥).","vol":"1","page":594},{"text":"تُستهلَك في خمس سنوات، فيؤخذ خُمس تكلفة الخيمة مع قيمة الصيانة والخدمات، فمعنى ذلك أنه لا يؤخذ إلا ثمن التكلفة.\nالثاني: يراعى في المساحة، أن لا تُعطَى الحملة أكثر من حاجتها، ومَن تَعمَّد أخذ مساحة زائدة ليؤجرها من أجل أن يتكسب، فقد اغتَصب مكانًا لا حق له فيه، وأَخَذ مالًا زائدًا من أجل الموقع والأرض، ويكون بذلك أَكَل سُحتًا.\nالثالث: الموقع لا يكون له تأثير في قيمة الإيجار؛ لأن الإيجار هو تكلفة الخيمة مع قيمة الصيانة والخدمات، وهي متساوية من أول مِنًى إلى آخرها. ومَن زاد الأجرة اعتبارًا للموقع، فمعنى ذلك أنه قد زاد من أجل الأرض التي لا يختص بها أحد دون أحد، فلا يحق له الزيادة في أجرتها.\nالرابع: يراعى أن يكون التوزيع بحَسَب الأسبقية عملًا بحديث: «مِنًى مُناخ مَنْ سَبَق» ولَمَّا كان ذلك متعذرًا في الوقت الحالي، فيكون التوزيع بالقرعة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-768>المبحث السابع: استغلال الأماكن الفارغة مما تم تأجيره:</span>\nهذا لا يخلو من حالين:\nالأول: أنه توجد بعض المساحات الفارغة الملحقة ببعض المخيمات، والتي لا تُستغل، والمسئولون عن هذه المخيمات يَمنعون الحُجاج من استغلال هذه المساحات الفارغة؛ بحجة أنها مستأجرة.\nوهذا استدلال باطل؛ لأن الاستئجار يكون للخيام، أما تأجير المكان وتَرْكه خاليًا، فيَحرم بالإجماع، ولا يحق لأحد أن يَمنع الحُجاج منه، ولو كان تابعًا لأحد المخيمات المحاطة؛ لأن «مِنًى مُناخ مَنْ سَبَق».\nالثاني: أنه توجد بعض الأماكن الفارغة، كالطرق المؤدية للخيام، فلا يَجوز المبيت فيها؛ لعدم التضييق على الحُجاج وأذيتهم في طرقهم.\n•١•\n_________\n(^١) «النوازل في الحج» (ص: ٤٥٣) وهو كتاب جيد ونافع وماتع، وقد أفدتُ منه كثيرًا، فجزى الله مؤلفه خير الجزاء وأوفاه، وجَعَل جنة الفردوس مأواه.","vol":"1","page":595},{"text":"<span data-type='title' id=toc-769>الباب العِشرون\nرمي الجمار\nوفيه تمهيد وأربعة فصول:</span>\nالتمهيد: تعريف رمي الجمار، وحُكْمه.\nالفصل الأول: شروط الرمي.\nالفصل الثاني: وقت رمي الجمار.\nالفصل الثالث: سُنن رمي الجمار.\nالفصل الرابع: شروط الوكالة في الرمي.","vol":"1","page":596},{"text":"التمهيد: تعريف رمي الجمار، وحُكْمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-771>المبحث الأول: تعريف رمي الجمار:</span>\nالرمي لغة: هو الإلقاء والقذف. والجمرة هي الحصاة الصغيرة (^١).\nوسُميت الجمرات الثلاث (الكبرى والوسطى والصغرى) بمِنًى بذلك، إما لأنها تُرمَى بالجمار، وإما لأنها مَجْمَع الحصى التي يُرمَى بها.\nوشرعًا: هُوَ الْقَذْفُ بِالْحَصَى، فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فِي مَكَانٍ مَخْصُوصٍ، الجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ فِي مِنًى، وَعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، سَبْعُ حَصَيَاتٍ لِكُلِّ جَمْرَةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-772>المبحث الثاني: أنواع الجمرات:</span>\nوَالْجَمَرَاتُ الَّتِي تُرْمَى ثَلَاثَةٌ، هِيَ: الْجَمْرَةُ الأْولَى، وَتُسَمَّى الصُّغْرَى، سُمِّيَتْ (دُنْيَا) مِنَ الدُّنُوِّ؛ لأِنَّهَا أَقْرَبُ الْجَمَرَاتِ إِلَى مَسْجِدِ الْخَيْفِ. الْجَمْرَةُ الثَّانِيَةُ: وَتُسَمَّى الْوُسْطَى. وَجَمْرَةُ الْعَقَبَةِ: وَهِيَ الثَّالِثَةُ، وَتُسَمَّى أَيْضًا (الْجَمْرَةُ الْكُبْرَى) وَتَقَعُ فِي آخِرِ مِنًى تُجَاهَ مَكَّةَ، وَلَيْسَتْ مِنْ مِنًى. وَتُرْمَى هَذِهِ الْجَمَرَاتُ كُلُّهَا مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-773>المبحث الثالث: حُكْم رمي الجمار:</span>\nنُقِل الإجماع على أن رمي الجمار واجب من واجبات الحج، ولكن هذا الإجماع منخرم، والصحيح أن هذا قول جماهير العلماء (^٣).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، والمقصود بالذِّكر هنا الرمي، يوضحه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ\n_________\n(^١) «لسان العرب» مادة (رم ي)، وتطلق الجمرة على معانٍ، منها: اجتماع القبيلة على مَنْ ناوأها، أو أَلْف فارس، أو قطعة من النار المتقدة، أو الظُّلمة الشديدة. انظر «تاج العروس».\n(^٢) «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٢٣/ ١٥٠).\n(^٣) قال الكاساني: إن الأمة أجمعت على وجوبه. «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٦)، وقال النووي: رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَاجِبٌ بِلَا خِلَافٍ. «المجموع» (٨/ ١٦٢)، ونَقَل الإجماع أيضًا ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٤٦٠)، ولكن هذا الإجماع منخرم، فقد نُقِل عن ابن الماجشون من المالكية أن رمي الجمار ركن من أركان الحج، كما في «بداية المجتهد» (١/ ٢٥٨)، وهو مسبوق بالإجماع. وقد رُوي عن عِيَاض من المالكية أن رمي الجمار سُنة مُؤكَّدة، كما في «التاج والإكليل» (٣/ ١٣٠).","vol":"1","page":597},{"text":"تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].\nواستدلوا بأن النبي ﷺ رَخَّص للعباس ولرعاة الإبل في ترك المبيت بمِنًى، ولم يُرخِّص لهم في ترك الرمي، فدل ذلك على وجوب الرمي.\n\n<span data-type='title' id=toc-774>المبحث الرابع: الحكمة من رمي الجمار:</span>\nالرمي فيه اقتداء بأبي الأنبياء إبراهيم ﵇، ويُقصَد به الانقياد للأمر وإظهار العبودية، بعيدًا عن تخبطات العقل وهواجسه.\nومِن أهم حِكم رمي الجمار ما يلي:\nالأولى: هي طاعة لله، بامتثال أمره على لسان نبيه ﷺ (^١).\nالثانية: أن الرمي شُرع لإقامة ذكر الله.\nلعموم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣].\nوَيَدْخُلُ فِي الذِّكْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ رَمْيُ الْجِمَارِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ الْآيَةَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّمْيَ شُرِعَ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ.\nالثالثة: الِاقْتِدَاءُ بِإِبْرَاهِيمَ فِي عَدَاوَةِ الشَّيْطَانِ وَرَمْيِهِ، وَعَدَمِ الِانْقِيَادِ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤] الْآيَةَ، فَكَأَنَّ الرَّمْيَ رَمْزٌ وَإِشَارَةٌ إِلَى عَدَاوَةِ الشَّيْطَانِ الَّتِي أَمَرَنَا اللَّهُ بِهَا (^٢).\n_________\n(^١) قال النووي: اعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ الْعِبَادةِ الطَّاعَةُ، والعِبَادَاتُ كُلهَا لَهَا مَعَانٍ قَطْعًا؛ فإِنَّ الشَّرْعَ لَا يأْمُرُ بِالْعَبَثِ، ثُمَّ مَعْنَى الْعِبَادَاتِ قَدْ يَفْهَمُهُ المُكَلَّفُ وَقَدْ لَا يَفْهَمُهُ … وَمِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتي لَا تُفْهَمُ مَعَانِيهَا السَّعْيُ وَالرَّمْيُ، فَكُلّفَ الْعَبْدُ بِهَا لِيَتِمَّ انْقِيادُهُ؛ فَإِنَّ هَذَا النَّوْعَ لَا حَظَّ للنَّفْسِ فِيهِ وَلَا أُنسَ لِلْعَقْلِ بِهِ، فَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ إِلَّا مُجَرَّدُ امتِثَالِ الأَمْرِ وَكَمالِ الانْقِيَادِ. «الإيضاح» (ص: ٣٧٣).\n(^٢) وقد ورد هذا المعنى عن ابن عباس، وله طريقان:\nالطريق الأول: ما رواه الحاكم (١٧١٣): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ قَالَ: «لَمَّا أَتَى إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللهِ الْمَنَاسِكَ، عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى سَاخَ فِي الْأَرْضِ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «الشَّيْطَانَ تَرْجُمُونَ، وَمِلَّةَ أَبِيكُمْ تَنْعُونَ». قلت: وفي إسناده (محمد القُرَشي) ضَعَّفه الدارقطني، وقال الحاكم في «التاريخ»: ثقة مأمون، واتهمه الذهبي بالوضع. «لسان الميزان» (٦/ ٤٩٣).\nالطريق الثاني: رَوَاهُ حَمَّادٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. رواه أحمد (٢٧٩٤).\nوفي إسناده عطاء بن السائب، اختَلَط، وحماد روى عنه قبل الاختلاط وبعده.\nورواه حَمَّاد، عن أبي عاصم، عن أبي الطُّفَيْل به، عند أحمد (٢٧٠٧) وأبو عاصم الغَنَوِيّ مجهول.","vol":"1","page":598},{"text":"<span data-type='title' id=toc-775>الفصل الأول\nشروط الرمي\nللرمي ثمانية شروط، وهي:</span>\nالأول: النية مع الرمي بالحصى.\nالثاني: أن يكون الرمي بحصيات.\nالثالث: العدد المخصوص.\nالرابع: أن يَرمي الجمرة بالحصيات السبع متفرقات، واحدة فواحدة.\nالخامس: وقوع الحصى في الجمرة التي يَجتمع فيها الحصى.\nالسادس: ترتيب الجمرات في رمي أيام التشريق.\nالسابع: الموالاة بين الرميات السبع للجمرة الواحدة.\nالثامن: أن يكون الرمي في زمن الرمي.","vol":"1","page":599},{"text":"الفصل الأول: شروط الرمي\n\nالشرط<span data-type='title' id=toc-776> الأول: النية مع الرمي بالحصى:</span>\nقال النووي: يُشْتَرَطُ فِي الرَّمْيِ أَنْ يَفْعَلَهُ عَلَى وَجْهٍ يُسَمَّى رَمْيًا؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالرَّمْيِ، فَاشْتُرِطَ فِيهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّمْيِ، فَلَوْ وَضَعَ الْحَجَرَ فِي الْمَرْمَى لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ … وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ الْمَرْمَى، فَلَوْ رَمَى فِي الْهَوَاءِ فَوَقَعَ الْحَجَرُ فِي الْمَرْمَى، لَمْ يُجْزِهِ بِلَا خِلَافٍ (^١).\n\nالشرط<span data-type='title' id=toc-777> الثاني: أن يكون الرمي بحصيات:</span>\nيُشترَط أن يكون المرمي به من الحصى، وهي الحجارة الصغار، ولا يصح الرمي بالطين ولا بالتراب. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\nثَبَت أن النبي ﷺ رمى بالحصى؛ لقول جابر: «فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ» (^٣).\nوذهب الحنفية إلى جواز الرمي بما كان من جنس الأرض كالطين، واستثنَوْا من ذلك الذهب والفضة. واستدلوا بأن المقصود فِعل الرمي، وذلك يَحصل بالطين كالحصى (^٤).\nونوقش بأن النبي ﷺ رَمَى بالحصى، ولا يَجوز إلحاق غيره به؛ لأنه موضع لا يَدخل القياس فيه (^٥).\nالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، من اشتراط أن يكون المرمي به من الحصى، ولا يجزئ عنه غيره؛ لقول جابر: «فَرَمَاهَا ﷺ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ».\n_________\n(^١) «المجموع» (٨/ ١٧٣).\n(^٢) «مواهب الجليل» (٣/ ١٣٣)، و«الأُم» (٢/ ٢٣٤)، و«الحاوي» (٤/ ١٧٩)، و«المغني» (٥/ ٢٩٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢١٨). وفي الباب قول النبي ﷺ: «وَإِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ، فَارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ» خرجه أبو داود (١٩٦٦) وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف. وله طرق أخرى ضعيفة.\n(^٤) «الهداية» (٣/ ١٦٨)، و«رد المحتار» (٢/ ٥١٤).\n(^٥) «المغني» (٥/ ٢٩٠). قال النووي: فَأَمَرَ ﷺ بِالْحَصَى، فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ، وَالْأَحَادِيثُ الْمُطْلَقَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. «المجموع» (٨/ ١٨٦).","vol":"1","page":600},{"text":"الشرط<span data-type='title' id=toc-778> الثالث: العدد المخصوص:</span> وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: أن يكون عدد الحصيات سبعًا لكل جمرة:\nفيجب استيفاء عدد حصيات الرمي السبع في كل جمرة؛ لأن النبي ﷺ رمى كل جمرة بسبع حصيات؛ لحديث جابر، وفيه: «فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ» (^١).\nالمطلب الثاني: لو تَرَك شيئًا من الحصى، وفَاتَه أن يتداركه:\nاختَلف أهل العلم فيما لو تَرَك شيئًا من الحصى، وفَاتَه أن يتداركه على قولين:\nالقول الأول: يجب استيفاء عدد حصيات الرمي السبع في كل جمرة، فيجب الدم ولو بترك حصاة واحدة. وهو المذهب عند المالكية، ورواية عند أحمد (^٢).\nالقول الآخَر: يجب الدم بترك ثلاث حصيات من كل جمرة، وجعلوا للأكثر حُكْم الكل. وهو مذهب الحنفية والشافعية، والحنابلة في المشهور (^٣).\nالمطلب الثالث: اختلف العلماء في الذي يجب على مَنْ ترك حصاة:\nفمِن قائل: عليه أن يتصدق بمُدّ طعام، ومِن قائل: بنصف صاع، ومِن قائل: بدرهم.\n_________\n(^١) وروى البخاري (١٧٥٢) عن ابن عمر أنه كان يَرمي الجمرة الدنيا بسَبْع حَصَيات، ويقول: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ. ورَوَى النَّسَائي (٣١٠٢) بسند صحيح: عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَخِيهِ الفَضْلِ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبيِّ ﷺ، فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ.\nويشكل عليه ما رواه أبو داود (١٩٦٧) بسند صحيح: عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ يَقُولُ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجِمَارِ، فَقَالَ: مَا أَدْرِي، أَرَمَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسِتٍّ أَوْ بِسَبْعٍ.\nوقد روى أحمد (١٤٨٣٢) بسند صحيح: عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «لَا أَدْرِي بِكَمْ رَمَى النَّبِيُّ ﷺ».\nوَجْه الإشكال: أن جابرًا وابن عباس جزما بأن رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، ووافقهما على ذلك ابن عمر. وقد روى أبو مِجْلَز عن ابن عباس، وروى أبو الزبير عن جابر خلاف ما جزما به؛ إذ فيهما أن ابن عباس وجابرًا نفيا درايتهما بِكمْ رَمَى النبيُّ ﷺ جمرة العقبة.\nوالراجح ما قاله ابن القيم: قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ أَنَّهُ رَمَى الْجَمْرَة بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وابْنِ عُمَرَ، وَشَكُّ الشَّاكّ لَا يُؤَثِّرُ فِي جَزْمِ الجازمِ. «حاشية ابن القيم» (٥/ ٣١٢).\n(^٢) «الكافي» (١/ ٤١٠)، و«الذخيرة» (٣/ ٢٦٥). وقال المَرْدَاوي: وَفِي عَدَدِ الحَصَى رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: سَبْعٌ. وَهِيَ المَذْهَبُ. وَالأُخْرَى: يُجْزِئُهُ خَمْسٌ. «الإنصاف» (٩/ ٢٤٣).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٩)، و«المهذب» (١/ ٤٢٠)، و«الإنصاف» (٩/ ٢٤٣).","vol":"1","page":601},{"text":"واستدلوا بالقياس، فكما أن مَنْ تَرَك الرمي وجب عليه الدم، فمَن تَرَك حصاة تَصَدَّق بما يعادل تلك الحصاة لفقراء الحرم (^١).\n\nالشرط<span data-type='title' id=toc-779> الرابع: أن يَرمي الجمرة بالحصيات السبع متفرقات، واحدة فواحدة:</span>\nفلو رمى السبع جملة، فهي حصاة واحدة، ويَلزمه أن يَرمي بسِتّ سواها؛ لأن النبي ﷺ رمى كل جمرة بسبع حصيات مفرقات، أي: بسبع رميات. وهذا مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\n\nالشرط<span data-type='title' id=toc-780> الخامس: وقوع الحصى في الجمرة التي يجتمع فيها الحصى:</span> وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: يُشترَط وقوع الحصى في الأحواض المُشاهَدة حول الشاخص.\nاتَّفَق العلماء على أن من شروط الرمي أن تقع في الأحواض المُشاهَدة حول الشاخص. سواء اصطدمت بالشاخص أو لم تصطدم.\nودل على ذلك أن رسول الله ﷺ رمى في هذا المكان المخصوص، وقال: «لتأخذوا مناسككم» ولله الحمد، فهذا الأمر قد سهل الآن، فإذا وقعت الحصاة في الحوض الذي هو محل اجتماع الحصى، فتجزئ (^٣).\nالمطلب الثاني: الرمي من الأدوار العليا:\nيَجوز الرمي من الأدوار العليا، واستُدل لذلك بالسُّنة والمأثور والمعقول:\nأما السُّنة، فرَوَى مسلم عن جابر قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ».\nفالرسول ﷺ رمى الجمرات راكبًا، والرمي من الدور الثاني مُشابِه لرمي الراكب.\nوأما المأثور، فَعَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ فَوْقِهَا (^٤).\nوَجْه الدلالة: أن عمر رمى جمرة العقبة من فوقها خَشية الزحام، ولم يُنكِر عليه أحد من الصحابة ﵃، فهذا دليل على جواز رمي الجمرات من فوق الطابق.\nواستُدل بأن سماحة الشريعة تقتضي جواز الرمي من الأدوار العليا، خاصة في هذه\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٩)، و«شرح المُحَلَّى» (٢/ ١٢٤)، و«المغني» (٥/ ٢٣٠).\n(^٢) «حاشية الدسوقي» (٢/ ٥٠)، و«المجموع» (٨/ ١٧٦)، و«كشاف القناع» (٢/ ٥٠١).\n(^٣) قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنه إذا رَمَى على أي حال كان الرمي، إذا أصاب مكانَ الرمي، أجزأه. «الإجماع» (ص: ٧١). وكذا نَقَل الإجماع ابن رُشْد في «بداية المجتهد» (٢/ ١١٨).\n(^٤) ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٥٨٨) وفي إسناده حَجَّاج بن أرطأة، وفيه ضَعْف.","vol":"1","page":602},{"text":"السنوات التي تزايد فيها عدد الحُجاج، إلى حد يوقع في الحرج، بل تَزهق فيه الأرواح، فبناء الأدوار العليا يُسَهِّل أداء نسك الرمي مع الراحة وسلامة النفوس.\nوأما المعقول، فاستدلوا بأن الهواء تابع للقرار، فمَن رمى من أعلى الطابق الذي بُني على الوادي، فهو في حُكم مَنْ رمى من بطن الوادي؛ لأن الهواء تابع للقرار.\nوأما ما رُوي عن ابن عمر من أنه رمى الجمرات من بطن الوادي، فقيل له: إن ناسًا يرمونها من فوقها! فقال: «مِنْ هاهنا، والذي لا إله إلا هو، رأيتُ الذي أُنْزِلَتْ عليه سورة البقرة رماها» فإنه حَثٌّ على الفضيلة في الرمي من جهة بطن الوادي عند السَّعة.\n\nالشرط<span data-type='title' id=toc-781> السادس: ترتيب الجمرات في رمي أيام التشريق:</span>\nيُشترَط أن يَرمي الجمار الثلاث على الترتيب: يَرمي أولًا الجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخَيْف من جهة مِنًى، ثم الوسطى، ثم يرمي الكبرى (جمرة العقبة).\nدل على هذا الشرط أن النبي ﷺ رمى الجمرات مُرَتَّبة، ولو كان يَجوز الرمي غير مرتب لفَعَله ﷺ، ولو مرة لبيان الجواز. وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بالقياس على السعي، فمَن بدأ بالمروة قبل الصفا، فإن هذا الشوط لا يجزئه.\nوذهب الحنفية إلى أن ترتيب رمي الجمار سُنة (^٢).\nواستدلوا بأن النبي ﷺ لما سُئل فيمن قَدَّم نُسكًا على نُسك، كان يقول: «لا حرج».\nونوقش بأن الحديث فيمن قَدَّم نُسكًا على نسك، لا فيمن قَدَّم بعض نسك على بعض.\n\nالشرط<span data-type='title' id=toc-782> السابع: الموالاة بين الرميات السبع للجمرة الواحدة:</span>\nلأن الرسول ﷺ والى في رمي الحصيات في الجمرة الواحدة. وهو قول عند الحنفية، والمالكية والشافعية، والمشهور عند الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) «حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٦)، و«الإيضاح» (ص: ٣٦٦)، و«المغني» (٥/ ٣٢٩).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٩)، و«فتح القدير» (٢/ ٤٩٧).\n(^٣) «ابن عابدين» (٢/ ٥١٤)، و«مختصر خليل» (٢/ ٣٣٤)، و«المجموع» (٨/ ٢٤٠)، و«الفروع» (٦/ ٥٣).","vol":"1","page":603},{"text":"<span data-type='title' id=toc-784>الفصل الثاني:\nوقت رمي الجمار\nوفيه تمهيد، وتسعة مباحث:</span>\nالتمهيد: الرمي أيام التشريق.\nالمبحث الأول: الوقت المتفق على إجزاء الرمي فيه في أيام التشريق.\nالمبحث الثاني: حُكْم رمي الجمار أيام التشريق قبل الزوال.\nالمبحث الثالث: رمي الجمار في الليل.\nالمبحث الرابع: حُكْم الرمي لليوم الثاني عشر من منتصف الليلة التي قبله.\nالمبحث الخامس: نهاية وقت الرمي أيام التشريق.\nالمبحث السادس: تأخير رمي الجمار إلى آخِر أيام التشريق.\nالمبحث السابع: النَّفْر الأول إذا رمى الجمار ثاني أيام التشريق.\nالمبحث الثامن: النَّفْر الثاني إذا رمى الجمار ثالث أيام التشريق.\nالمبحث التاسع: مَنْ تَرَك الرمي حتى انقضت أيام مِنًى.","vol":"1","page":604},{"text":"التمهيد\nيَرمي الحاج في أيام التشريق الجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، كل جمرة بسبع حصيات، في اليوم الحادي عشر واليوم الثاني عشر واليوم الثالث عشر.\n\n<span data-type='title' id=toc-786>المبحث الأول: الوقت المتفق على إجزاء الرمي فيه في أيام التشريق:</span>\nنُقِل الإجماع على إجزاء الرمي في أيام التشريق الثلاثة، بعد زوال الشمس (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-787>المبحث الثاني: حُكْم رمي الجمار أيام التشريق قبل الزوال:</span>\nاتَّفَق العلماء على أن رسول الله ﷺ رَمَى جمرة العقبة ضُحَى يوم النحر.\nوحُكي الإجماع على أنه لا يجوز تقديم رمي الجمار في أيام التشريق قبل الزوال (^٢).\nوهذا الإجماع منخرم؛ فقد اختلف العلماء في جواز الرمي قبل الزوال على أربعة أقوال:\nالقول الأول: لا يصح الرمي قبل زوال الشمس في أيام التشريق، ومَن رمى قبل الزوال فعليه الإعادة. وبه قال أبو حنيفة في رواية، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور:\nأما السُّنة، فبما ثَبَتَ عن رسول الله ﷺ أنه رمى بعد الزوال، في أحاديث كثيرة:\nفعن جَابِرٍ قَالَ: «رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ» يعني أما بعد يوم النحر في أيام التشريق، فيَرمي الجمرات إذا زالت الشمس.\n_________\n(^١) قال ابن المنذر: أجمعوا على أن مَنْ رَمَى الجمار في أيام التشريق بعد زوال الشمس، أن ذلك يجزئه. «الإجماع» (ص: ٥٨). وقد نَقَل الإجماع: ابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص: ٤٦)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٧/ ٢٧٢)، وابن رُشْد في «بداية المجتهد» (٢/ ١١٨)، وابن تيمية في «شرح العمدة» (٢/ ٥٥٧).\n(^٢) قال الماوردي: فلا يَجوز تقديم رمي يوم على زواله إجماعًا. «مرقاة المفاتيح» (٥/ ١٨١٦).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٧)، و«المُدوَّنة» (١/ ٤٣٦، ٤٣٧)، و«الأُم» (٢/ ٣٣٢)، و«المغني» (٥/ ٣٢٨).\nقال ابن عبد البر: وَاخْتَلَفُوا إِذَا رَمَاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: مَنْ رَمَاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَعَادَ رَمْيَهَا بَعْدَ الزَّوَالِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ. «الاستذكار» (٤/ ٣٥٣).","vol":"1","page":605},{"text":"وروى البخاري: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا» (^١).\nوروى أبو داود: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «… ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ» (^٢).\nفدلت هذه الأحاديث على أن رمي النبي ﷺ كان بعد الزوال، ولم يَثبت عنه ﷺ أنه رمى قبل الزوال، والرمي عبادة محضة لا تُدرَك بالعقل ولا تُعْرَف بالقياس، فيجب فيها اتباع النقل، وقد قال النبي ﷺ: «لتأخذوا مناسككم».\nونوقش بأنَّ فِعل النبي ﷺ المجرد عن الأمر والنهي- لا يدل على وجوب تحديد وقت الرمي بالزوال؛ لأن أفعال النبي ﷺ منها الأركان، ومنها الواجبات، ومنها المستحبات، فالرَّمَل والاضطباع ودعاء الطواف كل هذه مستحبات بالإجماع، فقد يكون الرمي بعد الزوال سُنة، ويَجوز قبل الزوال.\nوأجيب عنه بأَنَّ فِعل النبي ﷺ إذا احتفت به القرينة الدالة على الوجوب، فإنه واجب، ورَمْي النبي ﷺ الجمار بعد الزوال احتفت به قرائن تدل على وجوبه:\nالأولى: أن النبي ﷺ بادر بالرمي بعد الزوال وقبل صلاة الظهر، وكأنه يترقب زوال الشمس ليرمي ثم يصلي الظهر، فهذا دليل على عدم جواز الرمي قبل الزوال. ولو جاز لفَعَله لكي يصلي الظهر في أول وقتها.\nالثانية: لو كان يَجوز الرمي قبل الزوال، لفَعَله النبي ﷺ ولو مرة بيانًا للجواز؛ لأنه لا يَجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولِما فيه من التيسير على العباد؛ فإن الرمي في الصباح أيسر على الأمة؛ لأنه بعد الزوال يشتد الحر ويشق على الناس، فلا يمكن أن يختار النبي ﷺ الأشد ويَدَع الأخف؛ لأن النبي ﷺ ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، ولو كان يحل الرمي قبل الزوال، لاختاره النبي ﷺ تيسيرًا على أمته.\nالثالثة: أن العبادات مبناها على التوقيف، ولم يَرِد أن الرسول ﷺ وصحابته ومَن تبعهم أنهم رَمَوْا قبل الزوال، وقد قال النبي ﷺ: «لتأخذوا مناسككم».\nالرابعة: أنه لو كان يَجوز الرمي قبل الزوال، لبَيَّن ذلك النبي ﷺ للتوسيع على أمته،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٤٦).\n(^٢) إسناده حسن: رواه أبو داود (١٩٧٣)، وقد سبق تخريجه.","vol":"1","page":606},{"text":"فهو القائل: «نَحَرْتُ هنا، ومِنًى كلها مَنْحر» فوَسَّع ﷺ على أمته، ولم يَرِد أنه ﷺ قال: (رَميتُ في هذا الوقت، وقبل الزوال يجزئ) فوجب الالتزام بفعله ﷺ.\nوأما دليلهم من المأثور على عدم جواز تقديم رمي الجمار في أيام التشريق قبل الزوال، فهو قول ابن عمر: «كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا» فتَرقُّب الزوال والانتظار مع شدة الحر لا يكون إلا انتظارًا لبداية وقت الرمي، وإلا كان عَبَثًا وهَدْرًا للأوقات، فلو كان يجوز الرمي قبل الزوال، لفَعَله الصحابة ولدَلَّهم عليه النبي ﷺ (^١).\nوأما القياس، فكما أنه لا يَجوز الرمي في مكان غير المكان الذي رمى فيه النبي ﷺ، فكذا لا يَجوز الرمي في غير الزمن الذي رمى فيه النبي ﷺ، وهو الرمي بعد الزوال في أيام التشريق. وكما أنه لا يَجوز صلاةٌ قبل وقتها، فكذا لا يَجوز الرمي قبل الزوال.\nالقول الثاني: أن الرمي قبل الزوال جائز في سائر أيام التشريق. وهو قول عند الحنفية، وقول بعض الشافعية وبعض الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بالكتاب والسُّنة والمعقول والقياس:\nأما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].\nوَجْه الدلالة: فمَن تَعَجَّل في اليوم الثاني عشر، فرَمَى الجمار قبل الزوال، ثم خرج من مِنًى، فالآية تَشهد بصحة فعله؛ لأن لفظ (اليوم) يَعُم أول النهار وآخِره.\nواعتُرض عليه بأن لفظ (اليوم) وإن دل على أول النهار وآخِره، فإِنَّ فِعل النبي ﷺ مُبيِّن لعموم القرآن، ومُفسِّر له، بأن وقته بعد الزوال، فوجب أن يُحْمَل لفظ الذِّكر ورمي الجمار المطلق على فعل النبي ﷺ، الذي قَيَّده بالرمي بعد الزوال، كما يطلق على يوم العيد يوم الأضحى، ولا يَجوز ذبح الأضحية قبل صلاة العيد.\nوأما السُّنة، فَعَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِرِعَاءِ الإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ، يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ، وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ بِيَوْمَيْنِ، وَيَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ (^٣).\n_________\n(^١) صح عن ابن عمر عند مالك (١٢١٩) أنه قال: لَا تُرْمَى الْجِمَارُ فِي الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ.\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٧)، و«تحفة المحتاج» (٤/ ١٣٨)، و«الفروع» (٦/ ٥٩٠). وهو قول الجُويني والرافعي من الشافعية، وابن الجوزي من الحنابلة، وبه قال عطاء وطاوس، كما في «الفتح» (٣/ ٦٧٨).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه مالك (١٢٢٠)، وأبو داود (١٩٧٥)، مِنْ طريق الْقَعْنَبِيّ وابن وهب بهذا اللفظ، وأحمد (٢٣٧٧٥)، والترمذي (٩٥٥) من طريق عبد الرزاق بلفظ: ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَيَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا. قَالَ مَالِكٌ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَالَ: فِي الأَوَّلِ مِنْهُمَا، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ.\nوهناك كلام مُعارِض لهذا، فقد قال مالك: وَتَفْسِيرُ الْحَدِيثِ الَّذِي أَرْخَصَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَمْيَ الْجِمَارِ، فِيمَا نُرَى، وَاللهُ أَعْلَمُ: أَنَّهُمْ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَإِذَا مَضَى الْيَوْمُ الَّذِي يَلِي يَوْمَ النَّحْرِ، رَمَوْا مِنَ الْغَدِ، وَذَلِكَ يَوْمُ النَّفْرِ الأَوَّلِ، يَرْمُونَ لِلْيَوْمِ الَّذِي مَضَى، ثُمَّ يَرْمُونَ لِيَوْمِهِمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي أَحَدٌ شَيْئًا حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَمَضَى، كَانَ الْقَضَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ بَدَا لَهُمُ النَّفْرُ فَقَدْ فَرَغُوا، وَإِنْ أَقَامُوا إِلَى الْغَدِ، رَمَوْا مَعَ النَّاسِ يَوْمَ النَّفْرِ الآخِرِ، وَنَفَرُوا. «موطأ مالك» (١/ ٥٤٦).","vol":"1","page":607},{"text":"وَجْه الدلالة: قوله: «ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ، وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ بِيَوْمَيْنِ» أي: يَجوز للرعاة أن يَرموا في أول أيام التشريق، ليومين، وإنه إذا جاز للرعاة أن يُقَدِّموا رمي اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الأول، وهو تقديم يوم بكامله، فمِن باب أَوْلَى أن يَجوز تقديمه في اليوم نفسه قبل الزوال.\nونوقش هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: جاء الحديث من طريق أخرى، وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْخَصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَتَعَاقَبُوا، فَيَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَدَعُوا يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ يَرْمُوا الْغَدَ (^١).\nفهذه الرواية بَيَّنَتْ أن الرمي لا يُقَدَّم إلى اليوم الأول، ولكن يُؤخَّر رمي اليوم الأول إلى اليوم الثاني، وعلى هذا يَبطل الاستدلال بالحديث على جواز الرمي قبل الزوال.\nالثاني: أن الرخصة خاصةٌ بالرعاء، ويُلْحَق بهم غيرهم من أهل الأعذار، ومَن عداهم يَبقى على الأصل وهو الرمي بعد الزوال.\nواستدلوا بما رُوي: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا بِاللَّيْلِ، وَأَيَّ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ شَاءُوا (^٢). أي: في أي ساعة من النهار، قبل الزوال وبعده.\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقِيلَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ. فَقَالَ: «لَا حَرَجَ» (^٣).\nفهذا دليل على جواز الرمي قبل الزوال؛ لأن الرجل ما سأل عن الرمي مساء، إلا بعد أن تَقَرَّر لديه جواز الرمي نهارًا قبل الزوال وبعده.\nواعتُرض عليه بأن هذا الحديث خاص بترتيب أعمال يوم النحر، وليس أيام التشريق،\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٢٣٧٧٧).\n(^٢) ضعيف: أخرجه الدارقطني (٢٦٨٥). وفي إسناده إبراهيم بن يزيد، قال ابن القَطَّان: وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ هَذَا إِنْ كَانَ هُوَ الْخُوزِيَّ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ؟ «نَصْب الراية» (٣/ ٨٦).\n(^٣) رواه البخاري (١٧٢٣).","vol":"1","page":608},{"text":"والرمي يوم النحر يكون من الضحى قبل الزوال.\nوأما المعقول، فاستدلوا بأن من قواعد الشرع رَفْع الحرج ونَفْي المشقة في الحج وغيره، ومع كثرة الحُجاج وما يَحدث من زحام وتَدافُع يؤدي في بعض الأحيان إلى إزهاق الأنفس عند زوال الشمس، وهذه مشقة، والمشقة تَجلب التيسير، والضرورات تبيح المحظورات، والله يقول: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] فكل هذه الأمور تدل على جواز الرمي قبل الزوال.\nونوقش هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: دعوى الضرورة مردودة؛ لأن الزحام في بعض الأوقات كبَعْد الظهر، وفي بعض الأدوار كالدور الأول، ويمكن تأخير الرمي بعد العصر حتى يزول الزحام؛ لأن الوقت الذي يُشْرَع فيه الرمي طويل.\nالثاني: أن الأعذار والضرورات لا تجيز تقديم العبادة عن وقتها، فالمريض لا يصلي الظُّهر قبل الزوال بحال، فكذا لا يجوز الرمي قبل الزوال، ولا سيما مع توسيع الجمرات وكثرة الأدوار والوقت الطويل الذي يُشْرَع فيه الرمي.\nواستدلوا بما رُوي: عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: رَمَقْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَمَاهَا عِنْدَ الظَّهِيرَةِ قَبْلَ أَنْ تَزُولَ (^١). أي: قبل الزوال.\nونوقش بأن هذا يحتمل أن يكون في يوم النحر، ولو كان في أيام التشريق فقد خالفه غيره من الصحابة، والعبرة بفعل النبي ﷺ، وقد رمى بعد الزوال.\nوَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: ذَهَبْتُ أَرْمِي الْجِمَارَ، فَسَأَلْتُ: هَلْ رَمَى ابْنُ عُمَرَ ﵄؟ فَقَالُوا: لَا، وَلَكِنْ قَدْ رَمَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. يَعْنُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ ﵄. قَالَ عَمْرٌو: فَانْتَظَرْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄، فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ، فَأَتَى الْجَمْرَةَ الْأُولَى فَرَمَاهَا (^٢).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٧٩٥): ولا تضر عنعنة ابن جُريج، قال يحيى القطان: أحاديث ابن جُريج عن ابن أبي مُليكة كلها صحاح. كما في مقدمة «الجَرْح والتعديل» (ص: ٢٤١).\n(^٢) إسناده ضعيف إلى ابن الزبير: أخرجه الفاكهي (٢٦٦٤). وفي إسناده محمد بن أبي عمر العدني، صدوق، كان ملازمًا لابن عُيينة، قال أبو حاتم: وكانت فيه غفلة. «التقريب» (٦٣٩١).\nوهو متصل؛ لأن عمرو بن دينار أَخْبَر عن مشاهدته لرمي ابن عمر، ولم يُخْبِر عن مشاهدته لابن الزبير مباشرة، وإنما بواسطةٍ غير مسماة، فهو من التحديث عن المُبْهَم.","vol":"1","page":609},{"text":"وَجْه الدلالة: أن هذا يُفْهَم منه أن ابن الزبير رمى قبل الزوال.\nونوقش هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه:\nالأول: أنه ضعيف، وأنه جاء خلاف هذا القول عن ابن الزبير، فَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَعُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَرْمِيَانِ الْجِمَارَ، بَعْدَ مَا زَالَتِ الشَّمْسُ» (^١). وهذا هو الأرجح من فعل ابن الزبير، وهو موافق لعمل الصحابة.\nالثاني: أن في الأثر نفسه أن ابن عمر لم يَرْمِ حتى زالت الشمس.\nالثالث: أن هذا الأثر يدل على أن الإمام لا يَرمي إلا بعد زوال الشمس، وإلا لزم أن ابن عمر يفتي مَنْ سأله بالاقتداء بمن يَعلم أنه يخالف هَدْي النبي ﷺ في وقت الرمي! وهذا في غاية البطلان، ولا سيما وابن عمر قد اشتهر بتعظيم السُّنة بما يَعرفه كل أحد.\nوأما القياس، فاستدلوا بأمرين:\nالأول: كما أنه يَجوز الرمي بعد طلوع الشمس في يوم النحر، فكذا يَجوز في أيام التشريق؛ لأن الكل أيام نحر، ولا يُفَرَّق بين مُتماثلَين.\nواعتُرض عليه بأن مَنْ قاس الرمي في أيام التشريق على يوم النحر في وقته، فعليه أن يقيسه في الكيفية، فلا يَرمي في سائر أيام التشريق إلا جمرة العقبة؛ قياسًا على يوم النحر! ولا شك أن هذا مُخالِف لهديه ﷺ بالإجماع، وهو القائل: «خذوا عني مناسككم».\nالثاني: أنه إذا كان يَجوز للحاج تأخير رمي الجمار إلى آخِر أيام التشريق؛ لأن يوم النحر مع أيام التشريق وقت واحد للرمي، فمِن باب أَوْلَى القول بجواز رمي كل يوم في يومه قبل الزوال.\nونوقش بأن هذا القياس غير صحيح؛ لأن رمي الجمار قبل الزوال رَمْي لها قبل وقتها، وفِعل العبادة قبل وقتها مُبْطِل لها، بينما جَمْعها في آخِر يوم هو من جنس تأخيرها عن وقتها، وهو غير مُبْطِل لها، إنما فيها التحريم إذا لم يكن معذورًا.\nالقول الثالث: لا يَجوز الرمي قبل الزوال إلا في يوم النفر، فمَن نَفَر في الثاني عشر أو في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٧٩٤) وإسناده حسن؛ لحال أبي خالد الأحمر. وابن جُريج من أعلم الناس بعمرو بن دينار، كما قاله ابن المديني والدارقطني «شرح علل الترمذي» (٢/ ١٣٠).","vol":"1","page":610},{"text":"الثالث عشر من ذي الحجة، فيَجوز أن يَرمي في اليوم الذي ينفر فيه قبل الزوال. وهذا قول أبي حنيفة في رواية، ورواية عن أبي يوسف، ورواية عن أحمد (^١).\nواستدلوا بالكتاب والمأثور والقياس:\nأما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].\nوَجْه الاستدلال: فمَن تَعَجَّل في اليوم الثاني عشر، فرمى الجمار قبل الزوال، ثم خرج من مِنًى، فالآية تَشهد بصحة فعله؛ لأن لفظ (اليوم) يَعُم أول النهار وآخِره.\nوأما المأثور، فاستدلوا بما رُويَ عن ابنِ عباس ﵄ قال: «إِذَا انْتَفَحَ النَّهَارُ مِنْ يَوْمِ النَّفْرِ الآخِرِ، فَقَدْ حَلَّ الرَّمْيُ وَالصَّدْرُ» (^٢).\nقوله: «إِذَا انتفح (ارتَفَعَ) النَّهارُ» أي: يَجوز الرمي في ضحى يوم النفر الثاني قبل الزوال.\nواعتُرض على هذا بأنه ضعيف، ولو صح فليس بصريح؛ لأنه يحتمل أن يكون الانتفاح قبل الزوال أو بعده، وإذا تَطَرَّق النص للاحتمال بَطَل به الاستدلال.\nوأما القياس، فإن الرمي في اليوم الثالث للتشريق يجوز تركه، فجاز الرمي قبل الزوال.\nونوقش بأن النوافل المؤقتة لا يصح عملها إلا في وقتها، كصلاة الكسوف والعيدين.\nالقول الرابع: لا يَجوز الرمي قبل الزوال إلا في ثالث أيام التشريق. وهذا قول أبي حنيفة في رواية (^٣).\nوالراجح: عدم جواز رمي الجمار أيام التشريق فبل الزوال؛ لفِعله ﷺ، فعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ».\nوكذا فإن عامة الآثار الواردة مُوافِقة للسُّنة الصحيحة المنقولة عن النبي ﷺ، فقد روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: «كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا».\nولو كان يَجوز الرمي قبل الزوال لفَعَله النبي ﷺ ولو مرة، أو رَخَّص لأحد من\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ٦٨)، و«المغني» (٥/ ٣٢٨)، و«الفروع» (٦/ ٦٠).\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه البيهقي (٩٧٧٣) وفي إسناده طلحة بن عمرو المكي، وهو ضعيف.\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٨)، و«فتح القدير» (٢/ ٤٩٩).","vol":"1","page":611},{"text":"أصحابه، والعبادات مبناها على التوقيف كمواقيت الصلاة، ولا يُعبَد الله إلا بما شَرَع.\nفعدم الرمي قبل الزوال هو فِعل النبي ﷺ الأمين، وفِعل صحابته الغُر الميامين، وقول عامة السلف حتى عهد قريب (^١).\nومع الجهد الرائع الذي بَذَلَتْه بلاد الحرمين، من تنظيم منطقة الجمرات، وجَعْل مسارات مستقلة لكل اتجاه، والأدوار المتتابعة؛ مما نتج عن ذلك بعون الله سهولة رمي الجمار، مع الابتعاد عن أوقات الزحام. ومع حُسن التنظيم، فينبغي أن يكون هناك تفويج للحُجاج بالقرعة في أوقات محددة.\nوقد صَدَر قرار بذلك من هيئة كبار العلماء، وفيه عدم جواز رمي الجمار أيام التشريق قبل الزوال؛ لفِعله ﷺ وقال: «لتأخذوا مناسككم» ولقول ابن عمر أيام التشريق: «كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا». ومعلوم أن النبي ﷺ أعلم الناس وأنصح الناس وأرحمهم، فلو كان جائزًا قبل الزوال لبَيَّنه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-788>المبحث الثالث: رمي الجمار في الليل:</span>\nاتَّفَق أهل العلم على أن مَنْ رَمَى الجمار قبل مغيب الشمس، فقد رماها في وقتها (^٣)\nولكن لو فات النهار، هل يَجوز له أن يرميها ليلًا أم لا؟\nاختَلف العلماء في تحديد نهاية وقت رمي الجمار، هل بغروب الشمس أو بطلوع فجر اليوم الثاني؟ على قولين:\nالقول الأول: جواز الرمي ليلًا، وأن آخِر وقت رمي الجمار هو طلوع فجر اليوم التالي. وهذا مذهب الحنفية، وقول للمالكية، وقول عند الشافعية، وقول عند الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) قال شيخ الإسلام: «… الحَاجَّ يَرْمِي الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ أَيَّامَ مِنًى الثَّلَاثَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَهَذَا مِنَ الْعِلْمِ الْعَامِّ الَّذِي تَنَاقَلَتْهُ الْأُمَّةُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ عَنْ نَبِيِّهَا ﷺ». «شرح العمدة» (٢/ ٥٥٧).\n(^٢) «بيان هيئة كبار العلماء» (٢٥/ ٣٨٨، ٣٨٩).\n(^٣) «المغني» (٥/ ٢٩٥).\n(^٤) «المبسوط» (٤/ ٦٤)، و«مواهب الجليل» (٣/ ١٣٥)، و«الأم» (٢/ ٣٣٣)، و«مسائل ابن هانئ» (١/ ١٧٨).","vol":"1","page":612},{"text":"واستدلوا بالسُّنة والمأثور والقياس:\nأما السُّنة، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ. فَقَالَ: «لَا حَرَجَ» (^١).\nوَجْه الدلالة: تصريح النبي ﷺ برفع الحرج عمن رمى بعد ما أمسى، والمساء يَدخل فيه الليل، فدل ذلك على جواز الرمي ليلًا.\nويدل على جواز الرمي ليلًا ما ورد من الإذن للرعاة أن يَرموا ليلًا، فعَنْ أَبِي بَدَّاحٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا بِاللَّيْلِ، وَأَنْ يَجْمَعُوا الرَّمْيَ (^٢).\nونوقش بأن لفظة (رَخَّص) تدل على أن الإذن إنما كان لهم للعذر، ولا يقاس عليهم.\nوأجيب بأن الرعاة لا عذر لهم في الرمي؛ لأن بعضهم كان يمكن أن يستنيب بعضًا.\nوأما المأثور، فما ورد عن ابن عمر، أنه أَذِن لزوجته صفية وابنة أخيها أن ترميا بالليل.\nروى مالك: أَنَّ ابْنَةَ أَخٍ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ نُفِسَتْ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَتَخَلَّفَتْ هِيَ وَصَفِيَّةُ حَتَّى أَتَتَا مِنًى، بَعْدَ أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، فَأَمَرَهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ أَنْ تَرْمِيَا الْجَمْرَةَ حِينَ أَتَتَا، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِمَا شَيْئًا (^٣).\nأما دليلهم من القياس، فإذا كان يَجوز الوقوف بعرفة ليلًا لأن الليل تبع للنهار، فكذا يجوز رمي الجمار بالليل؛ لأن الليل يتبع النهار، ولأنه إذا رُخص في رميها في اليوم الثاني، فالرمي بالليل أَوْلَى.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٣٥).\n(^٢) شاذ بهذا اللفظ، ومدار هذا الحديث على مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن أبي بَدَّاح، عن أبيه، واختُلف عنه: فرواه وَكيع، عن مالك بهذا اللفظ عند ابن خُزيمة (٣٠٥١).\nوخالف وكيعًا الثقات الحُفاظ (كابن مهدي والقطان وعبد الرزاق …) وغيرهم، فرووه عن مالك، ولم يَذكروا الرمي ليلًا، وإنما ذكروا البيتوتة بمِنًى (رَخّصَ لرعاء الإبل في البيتوتة) وجمع الرمي فقط (ثم يجمعوا رمي يومين) وخالفهم وكيع فذَكَر الرمي ليلًا، فشَذَّ بهذه الزيادة.\nوقد يكون هذا الوهم من سَلْم بن جُنَادة الراوي عن وكيع، قال ابن حجر: ثقة ربما خالف. وقال أبو أحمد الحاكم: يخالف في بعض حديثه.\nولهذا الحديث طرق أخرى كلها ضعيفة، أعرضتُ عنها لعدم الإطالة.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (١٢٢٣) عن أبي بكر بن نافع، به.","vol":"1","page":613},{"text":"القول الآخَر: أن رمي الجمرة ليلًا لا يَجوز؛ لأن وقت الرمي يوم النحر ينتهي بغروب الشمس. وهو قول للمالكية، وأحد الوجهين عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (^١).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور:\nأما السُّنة، فهو أن النبي ﷺ لم يَرْمِ الجمرات إلا نهارًا، فدل على عدم جوازه ليلًا.\nونوقش بأَنَّ فِعله هذا للاستحباب؛ لأنه ﷺ أجاز مَنْ رمى مساء، والمساء يَدخل فيه الليل، فلما سأله رجل فقال: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ».\nوأما المأثور، فما ورد عن ابن عمر قال: «مَنْ نَسِىَ أَيَّامَ الْجِمَارِ- أَوْ قَالَ: رَمْيَ الْجِمَارِ إِلَى اللَّيْلِ- فَلَا يَرْمِي حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنَ الْغَدِ» (^٢).\nونوقش بأنه مُعارَض بما ثَبَت عن ابن عمر من الترخيص لزوجته بالرمي ليلًا.\nوالراجح: أنه يجوز الرمي ليلًا، فيمتد وقت جواز رمي كل يوم إلى فجر اليوم التالي، وأن آخِر وقت لرمي جمرة العقبة يوم النحر هو طلوع فجر أول أيام التشريق؛ لِما رواه ابن عباس قال: سأل رجلٌ النبي ﷺ فقال: رميتُ بعدما أمسيتُ، فقال: «لا حرج».\n\n<span data-type='title' id=toc-789>المبحث الرابع:\nحُكْم الرمي لليوم الثاني عشر من منتصف الليلة التي قبله:</span>\nمَنْ قالوا بجواز الرمي قبل الزوال اختلفوا هل يَبدأ بطلوع الفجر أو الشمس؟\nالقول الأول: يَبدأ الرمي بطلوع الفجر. وهو رواية عند الحنفية وبعض الشافعية (^٣).\nواستدلوا بأن طلوع الفجر هو أول النهار، كما في الصيام وغيره، وبه ينتهي وقت الرمي لليوم الذي قبله، فناسب أن يكون بداية للرمي في اليوم الجديد.\nالقول الآخَر: يَبدأ الرمي بطلوع الشمس. وهو قول بعض الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) «المُدوَّنة» (٢/ ٤١٩)، و«المجموع» (٨/ ١٦٢)، و«المغني» (٥/ ٢٩٥).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه البيهقي في «السُّنن الكبرى» (٩٧٥٨).\n(^٣) «نَصْب الراية» (٣/ ٣٥)، و«تحفة المحتاج» (٤/ ١٣٨).\n(^٤) «مسائل إسحاق» (ص: ٤٩٧)، و«الفروع» (٣/ ٣٨٢).","vol":"1","page":614},{"text":"واستدلوا بما رُويَ عن ابن عباس ﵄ قال: «إِذَا انْتَفَحَ النَّهَارُ مِنْ يَوْمِ النَّفْرِ الآخِرِ، فَقَدْ حَلَّ الرَّمْيُ وَالصَّدْرُ».\nوَجْه الدلالة: (إِذَا انْتَفَحَ النَّهَارُ) فدل ذلك على عدم جواز الرمي قبل طلوع الشمس.\nوالراجح عند مَنْ أجاز الرمي قبل الزوال: جواز الرمي بطلوع الفجر؛ لأنه بداية اليوم ونهاية رمي اليوم السابق.\nوهنا مشكلة كبرى، وهي أن حُجاج أكثر الحَمَلات يَرمون الجمرات من منتصف ليلة الثاني عشر، وينصرفون من مِنًى في ذلك الوقت؛ وذلك بِناء على أن اليوم الجديد يَبدأ من الساعة الثانية عَشْرة مساء، كما هو معمول به في المطارات والحجوزات ونحو ذلك، فهل يَجوز الرمي لليوم الثاني عشر من منتصف الليلة السابقة له؟\nوالجواب: لا يَجوز؛ لأن اليوم لا يَبدأ لغة ولا شرعًا قبل طلوع الفجر.\nوالعلماء الذين قالوا بجواز الرمي قبل الزوال اختلفوا: هل يَبدأ الرمي بطلوع الفجر أو بطلوع الشمس؟ ولم أقف على دليل مَنْ قال بجواز الرمي لليوم الثاني عشر من منتصف الليلة السابقة له، إلا تجار الحملات.\nوبعضهم يذهب قبل منتصف الليل بنصف ساعة، من ليلة الثاني عشر، فيرمي لليوم الحادي عشر، ثم بانتهائه يدور بعد منتصف الليل، ويرمي لليوم الثاني عشر، وكأنه في نزهة خلوية، وقد نسي أن الحج جهاد، وقد قال النبي ﷺ: «لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ».\nوتأتي مِنًى بعد منتصف الليل، فتكاد تكون المخيمات خالية من الحُجاج، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ولذا فلا اعتبار لهذا الرمي من منتصف ليلة الثاني عشر؛ لِما فيه من خداع وتغرير بالحُجاج بدون دليل، والله أعلم.","vol":"1","page":615},{"text":"المبحث الخامس: نهاية وقت رمي الجمار أيام التشريق:\nينتهي وقت الرمي أداء وقضاء بغروب شمس آخِر يوم من أيام التشريق، بالإجماع (^١).\nواختَلف أهل العلم في آخِر وقت كل يوم للرمي على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن آخِر وقت كل يوم للرمي بغروب شمس كل يوم بيومه، ومَن أَخَّره فعليه دم. وهو مذهب المالكية (^٢).\nالقول الثاني: أن آخِر الرمي كل يوم من أيام التشريق بطلوع فجر اليوم التالي. وهو مذهب الحنفية (^٣).\nالقول الثالث: أنه إلى آخِر أيام التشريق، ومَن أَخَّره بعدها فعليه دم. وهو مذهب الشافعية والحنابلة وصاحبَي أبي حنيفة (^٤).\nوالراجح: أن أوقات الرمي تتفاوت، وهي ثلاثة:\nفوقت الفضيلة: من بعد الزوال إلى الغروب؛ لفعل النبي ﷺ.\nووقت الجواز: من بعد غروب الشمس إلى طلوع فجر اليوم التالي.\nفقد سأل النبيَّ ﷺ سائل فقال: «رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ» أي: بعد دخول وقت المساء، والليل يَدخل فيه، فقال النبي ﷺ: «لَا حَرَجَ» فهذا يدل على جواز الرمي ليلًا، وإن كان السؤال يوم النحر، فالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.\nووقت النَّهْي: وهو من بعد الفجر حتى الزوال، والله أعلم.\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر: أَجْمَع العلماء على أن مَنْ فاته رمي ما أُمِر برميه من الجمار في أيام التشريق، حتى غابت الشمس من آخرها، وذلك اليوم الرابع من يوم النحر، وهو الثالث من أيام التشريق؛ فقد فاته وقت الرمي، ولا سبيل له إلى الرمي أبدًا، ولكن يَجبره بالدم أو بالطعام، على حَسَب ما للعلماء في ذلك من الأقاويل. «التمهيد» (١٧/ ٢٥٥). وقد نَقَل الإجماع على ذلك: ابن رُشْد في «بداية المجتهد» (٢/ ١١٩)، والنووي في «المجموع» (٨/ ٢٣٩)، والقرطبي في «تفسيره» (٣/ ٧)، وابن تيمية في «نقد مراتب الإجماع» (ص: ٢٩٣). وقد ورد خلاف عن عطاء لا يُلتفت إليه. «تبيين الحقائق» (٢/ ٣٥).\n(^٢) «مواهب الجليل» (٣/ ١٣٠، ١٣١)، و«حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٨).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٧).\n(^٤) «الإيضاح» (ص: ٣٦٦)، و«المغني» (٥/ ٣٣٣)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٩).","vol":"1","page":616},{"text":"<span data-type='title' id=toc-791>المبحث السادس: تأخير رمي الجمار إلى آخِر أيام التشريق:</span>\nاختَلف العلماء في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: يَجوز تأخير رمي الجمار إلى آخِر أيام التشريق (اليوم الثالث عشر) ويرميه مُرَتَّبًا: رَمْي اليوم الأول، ثم رَمْي اليوم الثاني … وهكذا؛ لأنها في حُكم اليوم الواحد. وهو قول صاحبَي أبي حنيفة، ومذهب الشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بالسُّنة والمعقول:\nأما السُّنة، فَعَنْ عَاصِمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِرِعَاءِ الإِبِلِ فِي البَيْتُوتَةِ عَنْ مِنًى، يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الغَدَ، ومِنْ بَعْدِ الغَدِ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ.\nوأما المعقول، فإن أيام التشريق كلها كاليوم الواحد، وقت للرمي، فإذا أَخَّره عن أول وقته إلى آخره أجزأه، كتأخير الوقوف بعرفة إلى آخِر وقته، وكذا جميع أيام التشريق وَقْت لذبح للأضاحي؛ فوجب أن تكون جميعها وقتًا لرمي الجمار. (^٢).\nالقول الآخَر: أن تأخير رمي كل يوم عن وقته يوجب الدم. وهو قول أبي حنيفة، ومذهب المالكية، وقول عند الشافعية (^٣).\nواستدلوا بأن الرمي في كل يوم مؤقت به؛ لأن النبي ﷺ رمى كل يوم في يومه.\nونوقش بِأَنَّ التَّرْخِيصَ بِجَمْعٍ أَيَّامَ الرَّمْيِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوْقَاتَ الرَّمْيِ كَالْيَوْمِ الْوَاحِدِ، وَأَنَّ مَنْ رَمَى عَنْ يَوْمٍ فِي الَّذِي بَعْدَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِإِذْنِ النَّبِيِّ ﷺ لِلرِّعَاءِ فِي ذَلِكَ.\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ٦٥٠)، و«الحاوي» (٤/ ١٩٦)، و«المغني» (٥/ ٣٣٣)، و«كشاف القناع» (٢/ ٥١٠).\n(^٢) قال الشربيني: (وإذا تَرَك رمي يوم) أو يومين من أيام التشريق، عمدًا أو سهوًا أو جهلًا (تَدارَكه في باقي الأيام) منها، بالنص في الرِّعاء وأهل السِّقاية، وبالقياس في غيرهم؛ إذ لو كانت بقية الأيام غير صالحة للرمي، لم يَفترق الحال فيها بين المعذور كما في الوقوف بعرفة ومزدلفة. وكذا يتدارك رمي يوم النحر في باقي الأيام إذا تَرَكه. «مغني المحتاج» (٢/ ٢٧٨). قال الشنقيطي: فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ رَمْيَ يَوْمٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ قَضَاءٌ لِعِبَادَةٍ خَرَجَ وَقْتُهَا بِالْكُلِّيَّةِ؛ لأَنَّ رَمْيَ الْجِمَارِ عِبَادَةٌ مُوَقَّتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِذْنُ النَّبِيِّ ﷺ فِي فِعْلِهَا فِي وَقْتٍ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ مِنْ أَجْزَاءِ وَقْتِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ الْمُوَقَّتَةِ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَعْقُولِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْعِبَادَةُ مُوَقَّتَةً بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ يَنْتَهِي بِالْإِجْمَاعِ فِي وَقْتٍ مَعْرُوفٍ، وَيَأْذَنُ النَّبِيُّ ﷺ فِي فِعْلِهَا فِي زَمَنٍ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ وَقْتِهَا الْمُعَيَّنِ لَهَا، فَهَذَا لَا يَصِحُّ بِحَالٍ «أضواء البيان» (٤/ ٤٦٩).\n(^٣) «المبسوط» (٤/ ٦٥)، و«المُدوَّنة» (٢/ ٤٢٤)، و«الحاوي» (٤/ ١٩٧).","vol":"1","page":617},{"text":"والراجح: أنه يصح تأخير رمي كل يوم إلى اليوم الثاني إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وكذا يجوز تأخير الرمي كله إلى آخِر أيام التشريق وهو اليوم الثالث عشر، ويرميه مرتبًا: رمي اليوم الأول، ثم رمي اليوم الثاني؛ لأن أيام التشريق كلها كاليوم الواحد، وقت للرمي، فإذا أَخَّره عن أول وقته إلى آخره أجزأه، كتأخير الوقوف بعرفة إلى آخِر وقته. ولإذن النبي ﷺ للرِّعَاء في ذلك، ولكن لا يجوز تأْخير يوم إلى يومٍ آخَر إلا لعُذْر، فهو وَقْت له، ولكنه كالوقت الضروري، كمَن صلى العصر قبل غروب الشمس، فهو قد أداها في وقتها الضروري، فيأثم للتأخير إلا لعذر، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-792>المبحث السابع: النَّفْر الأول إذا رمى الجمار ثاني أيام التشريق:</span>\nإذا رمى الحاج الجمار ثاني أيام التشريق، فيَجوز له أن ينفر إن أحب التعجل في الانصراف من مِنًى، هذا هو النَّفْر الأول، وبذلك يَسقط عنه المبيت ورَمْي اليوم الأخير.\nقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. ولقوله ﷺ: «أيام منى ثلاثة: فمَن تَعَجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومَن تَأخَّر فلا إثم عليه».\nقال ابن قُدامة: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مِنًى شَاخِصًا عَنِ الْحَرَمِ، غَيْرَ مُقِيمٍ بِمَكَّةَ، أَنْ يَنْفِرَ بَعْدَ الزَّوَالِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-793>المبحث الثامن: النَّفْر الثاني إذا رمى الجمار ثالث أيام التشريق:</span>\nالتأخير إلى ثالث أيام التشريق أفضل، فإذا رمى الحاج الجمار في اليوم الثالث من أيام التشريق بعد الزوال، انصرف من مِنًى إلى مكة، ويسمى النَّفْر الثاني (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-794>المبحث التاسع: مَنْ تَرَك الرمي حتى انقضت أيام مِنًى:</span>\nاتفقت كلمة المذاهب الأربعة على أن مَنْ تَرَك الرمي حتى انقضت أيام مِنًى، سَقَط عنه الرمي ووجب عليه الدم.\n_________\n(^١) «المغني» (٥/ ٣٣١). وقد نَقَل الإجماع على ذلك: الماوردي في «الحاوي» (٤/ ١٩٩)، والنووي في «المجموع» (٨/ ٢٤٩)، وابن رُشْد في «بداية المجتهد» (٢/ ١١٨) وغيرهم كثير.\n(^٢) قال الماوردي: فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ التَّعْجِيلِ فِي النَّفْرِ الْأَوَّلِ، فَالْمُقَامُ إِلَى النَّفْرِ الثَّانِي أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتَعَجَّلْ وَأَقَامَ إِلَى النَّفْرِ الثَّانِي، فَكَانَ الِاقْتِدَاءُ بِفِعْلِهِ أَوْلَى. وَلِأَنَّ التَّعْجِيلَ رُخْصَةٌ وَالْمُقَامَ كَمَالٌ. وَلِأَنَّ المُتَعَجِّلَ قَدْ تَرَفَّهَ بِتَرْكِ بَعْضِ الأَعْمَالِ وَالمُقِيمَ لَمْ يَتْرُكْهَا «الحاوي» (٤/ ١٩٩).","vol":"1","page":618},{"text":"<span data-type='title' id=toc-795>الفصل الثالث\nسُنن رمي الجمار</span>\nالأولى: التقاط الجمار، كما فَعَل النبي ﷺ.\nالثانية: أن يكون الرمي بمثل حصى الخَذْف.\nالثالثة: طهارة الحصيات.\nالرابعة: المبادرة بالرمي، فيَرمي جمرة العقبة بعد وصوله إلى مِنًى يوم النحر.\nالخامسة: قَطْع التلبية مع أول حصاة يَرمي بها جمرة العقبة يوم النحر.\nالسادسة: التكبير مع كل حصاة.\nالسابعة: أن يَرمي الجمرة الصغرى، جاعلًا مِنًى عن يساره، ومكة عن يمينه.\nالثامنة: الدعاء الطويل عقب رمي الجمرة الصغرى والوسطى.\nالتاسعة: الموالاة بين الجمرات الثلاث.\nالعاشرة: النزول بالأبطح بعد خروج الحاج من مِنًى يوم النفر.","vol":"1","page":619},{"text":"الفصل الثالث: سُنن رمي الجمار\n\n<span data-type='title' id=toc-796>السُّنة الأولى: التقاط الجمار كما فَعَل النبي ﷺ</span>-: وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: لقط حصيات الرجم.\nقال ابن قُدامة: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُجْزِئُهُ أَخْذُ الحَصَيَاتِ مِنْ حَيْثُ كَانَ (^١).\nواختلفوا في موضع استحبابه على قولين:\nالقول الأول: يُستحب أخذ حصى الجمار من مزدلفة. وبه قال المالكية والشافعية (^٢).\nقال النووي: ولأن السُّنة إذا أَتَى مِنًى لا يُعَرِّج على غير الرمي، فاستُحب أن يأخذ الحصى حتى لا يشتغل عن الرمي. وإِنْ أَخَذ الحصى من غيرها جاز (^٣).\nالقول الآخَر: يلتقطها من مزدلفة أو من طريقه وحيث شاء. وهو مذهب الحنفية، ونَصَّ عليه مالك والحنابلة (^٤).\nفَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ: «الْقُطْ لِي حَصًى» فَلَقَطْتُ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَجَعَلَ يَنْفُضُهُنَّ فِي كَفِّهِ، وَيَقُولُ: «أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا» (^٥).\nوَجْه الدلالة: وَيَأْخُذُ حَصَى الْجِمَارِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ أَوْ مِنَ الطَّرِيقِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ\n_________\n(^١) «المغني» (٥/ ٢٨٨)، قال ابن المنذر: لا أعلم خلافًا بينهم أنه من حيث أَخَذ أجزأه. «الإشراف» (٣/ ٣٢٢)، و«الإجماع» (ص: ٧١).\n(^٢) «الكافي» (١/ ٣٧٧)، و«المجموع» (٨/ ١٢٤ - ١٨٢).\n(^٣) «المجموع» (٨/ ١٢٤).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٥٦)، و«المُدوَّنة الكبرى» (١/ ٤٣٧)، و«كشاف القناع» (٢/ ٤٩٩).\n(^٥) مُعَل: رواه النَّسَائي (٣٠٨٢) مختصرًا بدون ذكر النهي عن الغلو في الدين. وابن ماجه (٣٠٤٤) واللفظ له، وأحمد (١٨٥١) من طرق: عَنْ عَوْفٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ.\nوفي رواية ابن خُزيمة: قال عوف: لا أدري الفضل، أو عبد الله بن عباس. قال ابن حجر: ابن عباس المذكور في هذا الحديث هو الفضل لا عبد الله؛ لأن الفضل هو الذي أردفه النبي ﷺ، فلم يَزَل يلبي حتى رمى الجمرة. وأما عبد الله، فكان تَقدَّم مع الضعفاء من المزدلفة. وكل ذلك ثابت في الصحيح، وقد أخرجه البيهقي من هذا الوجه، فصَرَّح فيه بالفضل. «النُّكت الظِّراف» (٥٤٢٧).","vol":"1","page":620},{"text":"أَمَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَنْ يَأْخُذَ الْحَصَى مِنْ مُزْدَلِفَةَ. وَعَلَيْهِ فِعْلُ الْمُسْلِمِينَ (^١).\nالمطلب الثاني: حُكْم الرمي بحجر قد رُمي به على جهة التعبد.\nاختَلف أهل العلم في حُكم الرمي بحجر قد رُمي به على جهة التعبد على قولين:\nالقول الأول: جواز الرمي بحجر قد رُمي به من قبل، وإن كان الأَوْلَى تَرْكه. وهو مذهب الحنفية، والصحيح عند المالكية، والشافعية، وبعض الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بحديث جابر، وفيه: «حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ». ولأن العبرة هي الرمي بحجر، وقد وُجد، استُعمل أو لم يُستعمل.\nالقول الآخَر: أن الرمي بحجر قد رُمي به لا يجزئ. وهو قول للمالكية، والمُزَني من الشافعية، والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بما روى أبو سعيد قال: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ الْجِمَارُ الَّتِي يُرْمَى بِهَا كُلَّ عَامٍ، فَنَحْتَسِبُ أَنَّهَا تَنْقُصُ، فَقَالَ: «إِنَّهُ مَا تُقُبِّلَ مِنْهَا رُفِعَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَرَأَيْتَهَا أَمْثَالَ الْجِبَالِ» (^٤). فكيف يُرمى بحجر لم يُقبل مرة أخرى؟!\nوالراجح: جواز الرمي بحجر قد رُمي به، مع أن الأفضل التقاط الجمار كما فَعَل النبي ﷺ، والحصيات التي تكون عند الجمرات قد سقطت أثناء الرمي، فيجوز الرمي بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-797>السُّنة الثانية: أن يكون الرمي بمثل حصى الخَذْف:</span>\nفيُستحب أن يكون الرمي بمثل حصى الخَذْف. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (^٥).\nواستدلوا بحديث جابر ﵁ وفيه: «حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٥٦).\n(^٢) «المبسوط» (٤/ ٦٧٠)، و«المُدوَّنة» (٢/ ٤٢٢)، و«الأُم» (٢/ ٢١٣)، و«الإنصاف» (٤/ ٢٦).\n(^٣) «الكافي» (ص: ١٤٦)، و«المجموع» (٨/ ١٨٥)، و«المغني» (٥/ ٢٩٠).\n(^٤) خرجه الدارقطني (٢٧٨٩) وإسناده ضعيف لضعف يزيد بن سِنَان.\n(^٥) «تبيين الحقائق» (٢/ ٣٠)، و«الكافي» (١/ ٣٧٥)، و«المجموع» (٨/ ١٨٣)، و«كشاف القناع» (٢/ ٤٩٩).","vol":"1","page":621},{"text":"بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ».\nوروى مسلم: عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ- وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ وَغَدَاةِ جَمْعٍ لِلنَّاسِ حِينَ دَفَعُوا: «عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ، حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا - وَهُوَ مِنْ مِنًى - قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-798>السُّنة الثالثة: طهارة الحصيات:</span>\nيُستحب أن يَرمي بحصى طاهرة؛ لعدم النص على اشتراط طهارة الحصى، ولصِدق اسم الرمي على الرمي بالحجر النجس. وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية، ووَجْه عند الحنابلة (^٢).\nولا يُستحب غسل الحصى إلا إذا رأى فيها نجاسة ظاهرة، ولم يجد غيرها، فتغسل النجاسة لئلا تتنجس اليد أو الثياب؛ لأنه لم يَرِد عن النبي ﷺ أنه أَمَر بغسلهن (^٣).\nالسُّنة الرابعة: المبادرة بالرمي:\nفيَرمي جمرة العقبة بعد وصوله إلى مِنًى يوم النحر.\n\n<span data-type='title' id=toc-800>السُّنة الخامسة: قَطْع التلبية مع أول حصاة يَرمي بها جمرة العقبة يوم النحر:</span>\nوهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة (^٤).\nواستدلوا بما روى الفضل، أن النبي ﷺ لم يَزَل يلبي حتى رمى جمرة العقبة.\nوَجْه الدلالة: أن الفضل كان رديف النبي ﷺ يومئذٍ، وهو أعلم بحاله من غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-801>السُّنة السادسة: التكبير مع كل حصاة:</span>\nيُستحب أن يُكبِّر مع كل حصاة. وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) مسلم (١٢٨٢).\n(^٢) «الفتاوى الهندية» (١/ ٢٣٣)، و«الكافي» (١/ ٣٧٧)، و«الأم» (٢/ ٢٣٥)، و«الإنصاف» (٤/ ٢٨).\n(^٣) قال ابن المنذر: ولا يُعْلَم في شيء من الأخبار التي جاءت عن النبي ﷺ أنه غَسَل الحصى، ولا أَمَر بغسله، ولا معنى لغَسْل الحصى. «الإشراف» (٣/ ٣٢٧).\n(^٤) «البحر الرائق» (٢/ ٣٧١)، و«المجموع» (٨/ ١٥٤)، و«الإنصاف» (٤/ ٢٧).\n(^٥) الفتاوى الهندية (١/ ٢٣١)، و«الكافي» (١/ ٣٧٤)، و«المجموع» (٨/ ١٥٤)، و«كشاف القناع» (٢/ ٥٠١).","vol":"1","page":622},{"text":"واستدلوا بحديث جابر ﵁، وفيه: «حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة».\nوإذا تَرَك التكبير، فليس عليه شيء بالإجماع (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-802>السُّنة السابعة: أن يَرمي الجمرة الصغرى،\nجاعلًا مِنًى عن يساره،</span> ومكة عن يمينه. والوسطى والكبرى جاعلًا مِنًى عن يمينه، ومكة عن يساره. وهو مذهب الحنفية والمالكية، والصحيح عند الشافعية (^٢).\nواستدلوا بما ورد في «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى، جَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى بِسَبْعٍ، وَقَالَ: هَكَذَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ، ﷺ (^٣).\nفالحاصل: أنه يُستحب أن يَرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ويَجعل الكعبة عن يساره ومِنًى عن يمينه؛ لفِعل النبي ﷺ. وإن رماها من الجوانب الأخرى، أجزأه ذلك إذا وقع الحصى في المرمى، ويَجوز رمي الجمرات من أي جهة كانت، من فوقها أو من أسفل منها، من أمامها أو من خلفها. نَقَل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم (^٤).\n_________\n(^١) نَقَل الإجماع على ذلك: النووي في «شرح مسلم» (٩/ ٤٢). وقال ابن حجر: وأجمعوا على أن مَنْ لم يُكبِّر، فلا شيء عليه. «فتح الباري» (٣/ ٥٨٢).\n(^٢) «الفتاوى الهندية» (١/ ٢٣٣)، و«شرح مختصر خليل» (٢/ ٣٤١)، و«المجموع» (٨/ ١٦٣)، و«مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٣٥)، و«زاد المعاد» (٢/ ٢٣٧).\n(^٣) البخاري (١٧٤٨)، ومسلم (٣١١٢).\nهذه الرواية تدل على أن رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة، جاعلًا البيت عن يساره ومِنًى عن يمينه.\nوبهذا قال جمهور العلماء، ولكن يشكل على هذه الرواية أنه وردت رواية بخلاف ذلك، تدل على أنه ﷺ رماها مُستقبِل القبلة. فَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: لَمَّا أَتَى عَبْدُ اللهِ جَمْرَةَ العَقَبَةِ، اسْتَبْطَنَ الوَادِيَ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. ولفظة (اسْتَبْطَنَ الوَادِيَ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ) منكرة مُخالِفة لِما ورد في «الصحيحين» أنه ﷺ جَعَل البيت عن يساره، ولعل الوهم من المسعودي فإنه قد اختَلَط. أخرجه أحمد (٤١١٧)، والترمذي (٩١١)، وابن ماجه (٣٠٤٥) من طرق: عَنِ المَسْعُودِيِّ، عَنْ جَامِعِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهِ.\nقال ابن حجر: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَخْرَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: لَمَّا أَتَى عَبْدُ اللهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، اسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. وَهَذَا شَاذٌّ، فِي إِسْنَادِهِ الْمَسْعُودِيُّ وَقَدِ اخْتَلَطَ. «الفتح» (٣/ ٥٨٢).\n(^٤) قال النووي: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ رَمَاهَا جَازَ، سَوَاءٌ اسْتَقْبَلَهَا أَوْ جَعَلَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ رَمَاهَا مِنْ فَوْقِهَا أَوْ أَسْفَلِهَا، أَوْ وَقَفَ فِي وَسَطِهَا وَرَمَاهَا. «شرح مسلم» (٩/ ٤٢). وقد نَقَل الإجماع على ذلك: ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ٣٥١)، وابن رُشْد في «بداية المجتهد» (٢/ ١١٨).","vol":"1","page":623},{"text":"وهذا الإجماع منخرم؛ فقد نُقِل عن مالك: لا يرميها إلا مِنْ أسفلها (^١).\nالسُّنة الثامنة: الوقوف عند الجمرة الأولى (الصغرى) والثانية (الوسطى) وقوفًا طويلًا، بعد رمي كل منهما للدعاء، ولا يقف عند جمرة العقبة الكبرى.\nروى البخاري: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ، فَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيَسْتَهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ (^٢).\nوَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَفَاضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الأُولَى، وَالثَّانِيَةِ، فَيُطِيلُ الْقِيَامَ وَيَتَضَرَّعُ، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا (^٣).\nوَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أَفَضْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ، فَرَمَى سَبْعَ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَاسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا. ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ صَنَعَ (^٤).\n_________\n(^١) قال الحَطَّاب: فِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ: لَا يَرْمِيهَا إلَّا مِنْ أَسْفَلِهَا، فَإِنْ فَعَلَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ. «مواهب الجليل» (٣/ ١٢٦)، ونُقِل عن بعض الشافعية أن رمي الجمار من أعلاها باطل. «مغني المحتاج» (٢/ ٢٧٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٧٥١).\n(^٣) إسناده حسن: أخرجه أبو داود (١٩٧٣)، وأحمد (٢٤٥٩٢)، وغيرهما من طريق: مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبدِ الرَّحمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، بِهِ.\nوقد صَرَّح ابن إسحاق بالتحديث عند ابن حِبان (٣٨٦٨) فانتفت شبهة تدليسه.\nوقول عائشة: أَفَاضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى.\n(^٤) منكر بذكر الدعاء: أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٢١٣) واللفظ له، وأحمد (٤٠٦١).\nوفي إسناده ليث، وهو إلى الضعف أقرب، وقد تفرد بذكر هذا الدعاء، وقد خالفه الثقات الأثبات، فقد ورد من طرق كثيرة عن عبد الرحمن بن يزيد، به، دون ذكر هذا الدعاء، كما في «الصحيحين».","vol":"1","page":624},{"text":"وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ انْطَلَقَا إِلَى الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَقَالَ لَهُ: ارْمِ وَكَبِّرْ. قَالَ: فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ، حَتَّى أَفَلَ الشَّيْطَانُ، ثُمَّ صَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْجَمْرَتَيْنِ الأُخْريَيْنِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-804>السُّنة التاسعة: الموالاة بين الجمرات الثلاث:</span>\nاستَحب جمهور العلماء الموالاة بين الجمرات الثلاث عند الرمي، مع الدعاء (^٢).\nفالرسول ﷺ رمى الجمرة الصغرى، ثم تَنَحَّى فدعا طويلًا. فهذا من جنس العبادة؛ ولذا ينبغي للحاج ألا ينشغل في رمي الجمار إلا بالرمي والدعاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-805>السُّنة العاشرة: النزول بالأبطح بعد خروج الحاج من مِنًى يوم النفر:</span>\nوَيُقَالُ: المُحَصَّبُ، سُمِّيَ بِهِ لِلْحَصْبَاءِ الَّتي فِيهِ، وَهُوَ اسْمٌ لِمَكَانٍ مُتَّسِعٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى، وَهُوَ إلَى مِنًى أَقْرَبُ، وَكَانَ مَوْضِعًا نَزَلَ بِهِ رسُولُ الله ﷺ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مِنًى يَوْمَ النَّفْرِ وَقَبْلَ تَوْدِيعِهِ لِلْبَيْتِ، فَأَمَّا اليَوْمَ فَقَدْ مَلَأَهُ العُمْرَانُ (^٣).\nفالحاصل: استحباب نزول المُحَصَّب بعد خروجه من مِنًى يوم النفر وقبل توديعه للبيت؛ لفِعل الرسول ﷺ.\nوأما ما ورد عن عائشة وابن عباس، أن نزول الأَبْطَحِ ليس بسُنَّة (^٤) لأن نزول الأَبْطَحِ غير مقصود، وإنما حَصَل اتفاقًا للاستراحة.\nفنوقش بأن في حديث أبي هريرة الإشارة إلى سببٍ دعا النبيَّ لاختيار ذلك الموضع منزلًا في طريقه لتوديع البيت، وهو قول النبي ﷺ: «نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ» (^٥).\n•١•\n_________\n(^١) مرسل: أخرجه ابن أبي شيبة (١٥٣٢٣) وفيه أبو مِجْلَز وهو من التابعين.\n(^٢) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٥١٤)، و«بُلغة السالك» (٢/ ٤٣)، و«المجموع» (٨/ ١٧٧).\n(^٣) قال وليد بن صالح: والمُحَصَّب يشمل الآن جزءًا من حي الششه، وجزءًا من حي الروضة. وفيه مَقَر إمارة مكة ومستشفى المَلِك فيصل. كما في «الموسوعة المُيسَّرة» (ص: ٢٤١).\n(^٤) أثر عائشة عند مسلم (١٣١١)، وأثر ابن عباس عند البخاري (١٧٦٦)، ومسلم (١٣١٢).\n(^٥) رواه البخاري (١٥٩٠)، ومسلم (١٣١٤).","vol":"1","page":625},{"text":"<span data-type='title' id=toc-806>الفصل الرابع\nشروط الوكالة في الرمي</span>\nالأول: أن يكون المُوكِّل عاجزًا عن الرمي.\nالثاني: أن يكون الوكيل مسلمًا عاقلًا بالغًا.\nالثالث: أن يكون الوكيل حاجًّا.\nالرابع: هل يُشترَط أن يكون النائب (الوكيل) قد رمى عن\nنفسه جميع الجمار؟ وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: في اشتراط أن يكون النائب قد رمى عن نفسه.\nالمطلب الثاني: حُكْم سفر المعذور قبل رمي وكيله.","vol":"1","page":626},{"text":"الفصل الرابع: شروط الوكالة في الرمي:\n\n<span data-type='title' id=toc-807>الشرط الأول: أن يكون المُوكِّل عاجزًا عن الرمي:</span>\nلا خلاف بين العلماء في جواز الوكالة في الرمي لمن عجز عنه (^١).\nفالحاصل: أن مَنْ عَجَز عن الرمي أو لا يقوى على مباشرة الرمي بنفسه؛ كالصبي والمريض وكبير السن، يَجوز لهم توكيل غيرهم في الرمي عنهم، والله أعلم.\nوذهب عامة أهل العلم إلى أن القادر على الرمي لا يَجوز له أن يُوكِّل غيره؛ إذ لو كان ذلك جائزًا لأَذِن النبي ﷺ للرعاة في توكيل غيرهم في الرمي؛ لِما في ذلك من المشقة في المجيء إلى مِنًى للرمي، وإنما أَمَرهم النبي ﷺ بجمع رمي يومين في يوم واحد، فكانت الوكالة خاصة بأهل الأعذار، كالمرضى والصبيان ومَن في حكمهم (^٢).\nواستدلوا لذلك بما رُوي عن جابر قال: حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمَعَنَا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَلَبَّيْنَا عَنِ الصِّبْيَانِ، وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ (^٣).\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر: لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الرَّمْيَ لِعُذْرٍ، رُمِيَ عَنْهُ «الاستذكار» (٤/ ٣٥٢). وقال ابن المنذر: وأجمعوا على أن على الصبي الذي لا يطيق الرمي أنه يُرمَى عنه. «الإجماع» (ص: ٥٩). وقد نَقَل الإجماع على ذلك: النووي في «المجموع» (٨/ ٢٨٣)، والقرطبي في «تفسيره» (٣/ ١٢).\nوقد حَكَى الشوكاني قولًا بإسقاط واجب الرمي عن العاجز دون إنابة، فقال: وتصح النيابة للعذر؛ فهو\nوإن لم يَرِد ما يدل على ذلك، ولكن الأعذار مُسوِّغة للاستنابة، إلا أن يقال: إن العذر مُسقِط للوجوب من الأصل؛ لأنه لا وجوب على معذور، إلا أن يكون مِثل رِعاء الإبل. «السيل الجَرَّار» (ص: ٣٣١).\n(^٢) «المبسوط» (٤/ ٦٩)، و«الحاوي» (٤/ ١٩٧)، و«المغني» (٥/ ٣٧٩).\n(^٣) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٣٠٣٨)، وأحمد (١٤٣٧٠). وفي إسناده أشعث بن سَوَّار، وهو ضعيف، ولكن تابعه أيمن بن نابل عند البيهقي (٩٩٩٦) وإن كان وثقه ابن مَعين، وقال النَّسَائي: لا بأس به. فقد قال يعقوب بن شيبة: مكي صدوق، وإلى الضعف ما هو. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال الدارقطني: ليس بالقوي، خالف الناس. وقال ابن حجر: صدوق يهم. قلت: هو إلى الضعف أقرب.\nومدار الحديث على ابن نُمَيْر، فرواه عن أشعث مرة، وعن أيمن مرة، كلاهما عن أبي الزبير عن جابر.\nفالحاصل: أن ذِكر أيمن غير محفوظ، ولا سيما وقد قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نَعرفه إلا من هذا الوجه. فالمحفوظ أن مدار هذا الحديث على أشعث.\nوعند الترمذي لفظة منكرة، وهي: «فَكُنَّا نُلَبِّي عَنِ النِّسَاءِ» تَفرَّد بها محمد بن إسماعيل الواسطي. وقال الذهبي: غلط غلطة ضخمة. «تهذيب التهذيب» (٩/ ٤٩). وقد قال الترمذي: وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى أَنَّ المَرْأَةَ لَا يُلَبِّي عَنْهَا غَيْرُهَا، بَلْ هِيَ تُلَبِّي عَنْ نَفْسِهَا.","vol":"1","page":627},{"text":"وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح: عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَحُجُّ بِصِبْيَانِهِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْهُمْ أَنْ يَرْمِيَ رَمَى، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ رَمَى عَنْهُ (^١).\nواستدلوا بِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتِ النِّيَابَةُ عَنْه فِي أَصْلِ الْحَجِّ، فَجَوَازُهَا فِي أَبْعَاضِهِ أَوْلَى.\nواستدلوا أيضًا بأن الرمي واجب لا يَسقط في حق أحد؛ ولذا فإنه يُرخَّص للمرضى وكبار السن الذين لا يستطيعون الرمي في الوكالة؛ لئلا يَفوت وقت الرمي؛ إذ لا يُشْرَع القضاء بعد فواته، بخلاف الطواف والسعي، فإنهما لا يفوتان فلا تُشْرَع النيابة فيهما.\nوذهب المالكية إلى أن مَنْ استناب غيرَه جاز فعله وعليه دم؛ لأن الإنابة إنما هي لرفع الإثم، وعليه الدم لأن في البدل نقصًا عن المبدل منه فيُجبر بدم (^٢).\nالراجح: أن القادر على الرمي لا يَجوز له أن يُوكِّل غيره، وأنَّ مَنْ لم يستطع الرمي لعذر- يُشْرَع في حقه استنابة غيره، وأيام التشريق كلها كيوم واحد لأهل الأعذار، فإذا زال العذر في أيام التشريق فإنه يَرمي في اليوم الذي برأ فيه عن يومه الذي سبقه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-808>الشرط الثاني: أن يكون الوكيل مسلمًا عاقلًا بالغًا،</span>\nفلا يصح أن يُوكِّل غيرَ بالغ لأن الحج في حقه نافلة، فلا يقوم بالرمي عن غيره؛ لأن البلوغ من شروط الوجوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-809>الشرط الثالث: أن يكون الوكيل حاجًّا:</span>\nاشتَرط الحنابلة أن يكون الوكيل حاجًّا تلك السَّنة، وذلك لأن الرمي بعض أعمال الحج، فلا يصح الرمي إلا مِنْ حاج، ولو رمى الجمرات غير حاج فرَمْيه عبث إذ لم يصح رميه عن نفسه لأنه غير حاج، فكيف يصح رميه عن غيره؟! (^٤).\n_________\n(^١) «مصنف ابن أبي شيبة» (١٤٣٧٤). وقد سبق تخريجه في باب شروط الحج.\n(^٢) «المُدوَّنة» (٢/ ٤٢٤)، و«الذخيرة» (٣/ ٢٨٠).\n(^٣) قال ابن تيمية: وكذلك مَنْ عَجَز عن الرمي بنفسه لمرض أو نحوه، فإنه يستنيب مَنْ يَرمي عنه، ولا شيء عليه، وليس مَنْ تَرَك الواجب للعجز كمَن تَرَكه لغير ذلك. «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٤٥).\n(^٤) «كشاف القناع» (٢/ ٣٨١) والشافعية لا يَشترطون أن يكون الوكيل حاجًّا. «المجموع» (٨/ ٢٤٥) واستدلوا بأنه إذا كانت الاستنابة جائزة في الحج كله، فكذا جائزة في بعضه وهو الرمي.","vol":"1","page":628},{"text":"الشرط الرابع: اشتراط أن يكون النائب قد رمى عن نفسه، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: هل يُشترَط أن يكون النائب قد رمى عن نفسه جميع الجمار.\nاختَلف العلماء في اشتراط ذلك على قولين:\nالقول الأول: لا يُشترَط ذلك، وأنه يَجوز للوكيل أن يَرمي عن نفسه كل جمرة وحدها، ثم يَرمي عن موكله. وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وهو وَجْه للشافعية (^١).\nالقول الآخَر: يُشترَط أن يكون النائب قد أتم رمي الجمرات الثلاث عن نفسه، ثم يعود فيَرمي عن موكله. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، وهو قول للمالكية (^٢).\nواستدلوا بأن أصل الحج لم يصح عن الغير حتى يحج عن نفسه، فكذا الرمي لا يصح عن الوكيل إلا بعد أن يُتِم الرمي عن نفسه؛ لأنه بعض الحج.\nونوقش بأن حديث: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» ضعيف ولا يصح.\nوالراجح: أن الوكيل يَرمي عن نفسه سبع حصيات أولًا، ثم يرمي عن موكله سبع حصيات عند كل جمرة في موقف واحد؛ لأن تكليف النائب رمي الجمرات الثلاث عن نفسه أولًا، ثم يعود فيَرمي عن موكله- فيه مشقة وحرج، والله رَفَع الحرج. ولم يُنقَل اشتراط ذلك عن أصحاب رسول الله ﷺ حين رَمَوْا عن صبيانهم، ولو فعلوا ذلك لنُقل؛ لأنه مما تتوافر الهمم على نقله.\n\n<span data-type='title' id=toc-811>المطلب الثاني: حُكْم سفر المعذور قبل رمي وكيله.</span>\nمَنْ وَكَّل عن الرمي وسافر قبل رمي الوكيل لا يخلو من حالين:\nالأول: أن يكون توكيله بلا عذر، بأن كان قادرًا على الرمي، فالتوكيل غير جائز؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فيجب عليه دم؛ لتَرْكه واجبًا للحج.\nالحال الآخَر: أن يكون التوكيل بعذر، فمَن كان موعد سفره في الطائرة في اليوم الثاني عشر، وقد يتضرر بتأجيل السفر، فله أن يُوكِّل، ولا يَجوز له أن يطوف للوداع قبل رمي الوكيل، وعليه دم وذلك لوقوع طوافه في غير وقته؛ لأنه يكون بعد انتهاء رمي الجمرات.\n_________\n(^١) «فتح القدير» (٢/ ٤٩٨)، و«التاج» (٣/ ١٣٥)، و«الكافي» (١/ ٤١٠)، و«الحاوي» (٤/ ٢٠٤).\n(^٢) «المُدوَّنة» (١/ ٤٣٧)، و«الأم» (٢/ ٢١٤)، و«كشاف القناع» (٢/ ٣٨١).","vol":"1","page":629},{"text":"<span data-type='title' id=toc-812>الباب الحادي والعِشرون\nطواف الوداع\nوفيه تمهيد، وثمانية مباحث:</span>\nالمبحث الأول: حُكْم طواف الوداع.\nالمبحث الثاني: شروط طواف الوداع.\nالشرط الأول: أن يكون من أهل الآفاق. وفي مطلبان:\nالمطلب الأول: يُشترَط أن يكون الحاج من أهل الآفاق.\nالمطلب الثاني: يطوف للوداع مَنْ كان منزله قريبًا من مكة.\nالشرط الثاني: الطهارة من الحيض والنفاس.\nالشرط الثالث: أن يكون طواف الوداع عند وداع الحَرَم. وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: وقت طواف الوداع.\nالمطلب الثاني: حد البقاء بعد الوداع، أو حُكْم مَنْ طاف طواف الوداع ثم مكث\nبمكة أو اشتغل بتجارة، فهل يعيد الطواف أم لا؟\nالمبحث الثالث: دخول طواف الوداع في طواف الإفاضة. وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حُكْم دخول طواف الوداع في طواف الإفاضة.\nالمطلب الثاني: إذا نوى بطوافه الوداع، فهل يجزئه عن طواف الإفاضة؟\nالمبحث الرابع: حُكْم مَنْ خرج قبل طواف الوداع.\nالمبحث الخامس: حُكْم طواف الوداع للعمرة.\nالمبحث السادس: فيمن طاف للوداع أول أيام التشريق، ثم عاد إلى مِنًى فبات،\nورمى الجمار، وسافر لبلده من فوره ولم يَرجع للحَرَم، فهل يجزئه ذلك؟\nالمبحث السابع: هل صح دعاء مُعَيَّن بعد طواف الوداع؟","vol":"1","page":630},{"text":"التمهيد:\nسُمي طواف الوداع؛ لأنه شُرِع لتوديع البيت ومفارقته (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-813>المبحث الأول: حُكْم طواف الوداع:</span>\nاختَلف أهل العلم في حُكْم طواف الوداع على قولين:\nالقول الأول: أن طواف الوداع واجب، ويجب بتركه دم، إلا أنه يُعْفَى عن المرأة الحائض. وبه قال الحنفية، وهو الصحيح عند الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (^٢).\nففي «الصحيحين» من حديث ابن عباس قال: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ» (^٣).\nوعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- أَيْضًا- قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِى كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (^٤).\nوَجْه الدلالة: ما قاله الشوكاني: وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ أَمْرُهُ ﷺ بِهِ، وَنَهْيُهُ عَنْ تَرْكِهِ، وَفِعْلُهُ الَّذِي هُوَ بَيَانٌ لِلْمُجْمَلِ الْوَاجِبِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ الْوُجُوبَ (^٥).\nقال ابن قُدامة: تَخْصِيصُ الْحَائِضِ بِإِسْقَاطِهِ عَنْهَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى غَيْرِهَا؛ إِذْ لَوْ كَانَ سَاقِطًا عَنِ الْكُلِّ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهَا بِذَلِكَ مَعْنًى (^٦).\nوَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: «لَا يَصْدُرَنَّ أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ؛ فَإِنَّ آخِرَ النُّسُكِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ» (^٧).\n_________\n(^١) ويطلق عليه (طواف الصَّدْر) لأَنه عند صدور الناس من مكة، و(طواف الخروجِ)، و(طواف آخِر عهد بالبيت)، و(طواف الرجوع). «المغني» (٥/ ٣٣٧)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ١٤٢).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٠٤)، و«المجموع» (٨/ ٢٧١)، و«المغني» (٣/ ٣١٦).\n(^٣) البخاري (١٧٥٥)، ومسلم (٣٢٨٤).\n(^٤) مسلم (١٣٢٧).\n(^٥) «نيل الأوطار» (٥/ ١٠٦)، و«فتح الباري» (٣/ ٥٨٥).\n(^٦) «المغني» (٥/ ٣٣٧).\n(^٧) إسناده صحيح: أخرجه مالك (١٠٧٩) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، به.","vol":"1","page":631},{"text":"القول الآخَر: أن طواف الوداع مستحب، ولا يجب بتركه دم. وهو مذهب المالكية، وقول عن الشافعية، ورواية عن أحمد (^١).\nواستدلوا بالسُّنة والقياس:\nأما السُّنة، ففي «الصحيحين» مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَاضَتْ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» فَقُلْتُ: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَلْتَنْفِرْ» (^٢).\nوَجْه الدلالة: قوله ﷺ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» أي: حتى تطوف طواف الإفاضة، فلما قيل له: (إنها أفاضت) أي: طافت طواف الإفاضة، قال رسول الله ﷺ: «فَلْتَنْفِرْ» ولم يقل لها: انتظري حتى تطوفي طواف الوداع بالإقامة له. ولو كان واجبًا لأُمِرَتْ بجبران ذلك بدم، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nوأما القياس، فإذا كان طواف القدوم سُنة لأنه تحية للبيت، فيقاس عليه طواف الوداع لتوديع البيت، ولو كان واجبًا لم يَسقط عن المكي.\nونوقش بأن طواف الوداع شُرع لتودع البيت، والمكي لا يُودِّع البيت، فكيف يطوف للوداع وهو مقيم في الحَرَم؟! ولذا قال النبي ﷺ: «حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ».\nوالراجح: أن طواف الوداع واجب، ويجب بتركه دم، إلا أنه يُعْفَى عن المرأة الحائض؛ لحديث ابن عباس: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ».\nوقد دل على وجوب طواف الوداع من ثلاثة ألفاظ:\nالأول: لفظ: «أُمِرَ» والأمر يقتضي الوجوب، فدل ذلك على وجوب طواف الوداع.\nالثاني: النهي لقول النبي ﷺ: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ».\nالثالث: قوله: «إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ» فدل ذلك على وجوب طواف الوداع على غير الحائض.\n_________\n(^١) «حاشية الدسوقي» (٢/ ٥٣)، و«المجموع» (٨/ ٢٥٤)، و«الإنصاف» (٢/ ٦٠).\n(^٢) البخاري (٤٤٠١)، ومسلم (١٢١١).","vol":"1","page":632},{"text":"<span data-type='title' id=toc-814>المبحث الثاني: شروط طواف الوداع:</span>\n<span data-type='title' id=toc-815>الشرط الأول: أن يكون من أهل الآفاق:</span> وفي مطلبان:\nالمطلب الأول: يُشترَط أن يكون الحاج من أهل الآفاق، فلا يجب طواف الوداع على المكي بالإجماع. ولأن هذا الطواف إما وَجَبَ توديعًا للبيت، وهذا لا يوجد في أهل مكة؛ لأنهم في وطنهم (^١).\nالمطلب الثاني: يطوف للوداع مَنْ كان منزله قريبًا من مكة:\nذهب جمهور العلماء إلى أن طواف الوداع لكل خارج حدود الحرم، كالتنعيم وجدة وغيرهما؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-816>الشرط الثاني: الطهارة من الحيض والنفاس:</span>\nفيَسقط طواف الوداع عن الحائض إذا حان موعد السفر، وهما كذلك، ولا يجب عليهما دم بتركه، ففي «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ» (^٣).\nوَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ صَفِيَّةَ حَاضَتْ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» فَقُلْتُ: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَلْتَنْفِرْ».\nقال النووي: هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ لَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ، وَلَا يَلْزَمُهَا الصَّبْرُ إِلَى طُهْرِهَا لِتَأْتِيَ بِهِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهَا فِي تَرْكِهِ. وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً، إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ (^٤).\n_________\n(^١) قال النووي: مَنْ فَرَغَ مِنْ مَنَاسِكِهِ وَأَرَادَ الْمَقَامَ بِمَكَّةَ، لَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْوَدَاعِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ غَرِيبًا. وَإِنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى وَطَنِهِ أَوْ غَيْرِهِ، طَافَ لِلْوَدَاعِ. «المجموع» (٨/ ٢٥٤). ونَقَل الإجماع أيضًا الكاساني في «بدائع الصنائع» (٢/ ١٤٢).\n(^٢) «حاشية الدسوقي» (٢/ ٥٣)، و«المجموع» (٨/ ٢٥٦)، و«المغني» (٣/ ٣٣٨).\nوذهب الحنفية إلى أن مَنْ كان دون المواقيت بمنزلة أهل مكة، ولا وداع عليهم. «بدائع الصنائع» (٢/ ١٤٢) وهذا القول ضعيف لمخالفته الحديث.\n(^٣) البخاري (١٧٥٥)، ومسلم (١٣٢٨).\n(^٤) «شرح النووي على مسلم» (٨/ ١٥٤)، و«الاستذكار» (٤/ ٣٧١).","vol":"1","page":633},{"text":"وقد رُوي عن بعض الصحابة إيجاب طواف الوداع على الحائض، وعليها دم في تركه. وهو قول عمر بن الخطاب، وابن عمر، وزيد بن ثابت … وغيرهم (^١).\nواستدلوا بما رَوى أبو داود: عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَرْأَةِ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ تَحِيضُ، قَالَ: لِيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ. قَالَ: فَقَالَ الْحَارِثُ: كَذَلِكَ أَفْتَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ (^٢). فتصريح الراوي بأن فتوى رسول الله: لِيَكُنْ آخِرُ عَهْدِ الحَائِضِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ.\nونوقش هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن حديث الحارث محمول على ما إذا كان في الزمان نَفَس وفي الوقت مُهلة. فأما إذا أعجلها السير، فلها أن تَنفر من غير وداع؛ بدليل خبر صفية (^٣).\nالثاني: أن حديث الحارث منسوخ بالأحاديث المُرخِّصة للحائض بترك طواف الوداع (^٤).\nالثالث: أنه رُوي رجوع زيد وابن عمر إلى القول بسقوط الوداع عن الحائض (^٥).\nوالصحيح: أن طواف الوداع يَسقط عن الحائض؛ لثبوت ذلك بالسُّنة الصحيحة.\nوهل يُلْحَق بالحائض كل معذور يترتب على انتظاره ضرر ومشقة، فيَسقط عنه الوداع؟\nالجواب: فيه تفصيل؛ فالمعذور لا يخلو من حالين:\nالأول: إذا كان يستطيع أن يطوف للوداع بنفسه أو محمولًا، فلا يَسقط عنه بحال؛ لِما روت أُم سلمة قالت: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فقالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ\n_________\n(^١) أثر عمر أخرجه أبو داود (٢٠٠٤)، وابن عمر عند البخاري (١٧٦١)، وزيد عند البخاري (١٧٥٨)، ومسلم (٣٢٢١).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٢٠٠٤)، وأحمد (١٥٤٤٠) من طريق: أبي عَوَانَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْحَارِثِ، بِهِ.\n(^٣) «معالم السُّنن» (٢/ ٢١٦).\n(^٤) قال الطحاوي: … فَثَبَتَ بِذَلِكَ نَسْخُ هَذِهِ الْآثَارِ؛ لِحَدِيثِ الْحَارِثِ. «معاني الآثار» (٢/ ٢٣٥).\n(^٥) قال ابن المنذر: وَقَدْ ثَبَتَ رُجُوعُ ابْنِ عُمَرَ وَزَيْدٍ. «الاستذكار» (٤/ ٣٧١).","vol":"1","page":634},{"text":"وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ». فأُم سلمة شَكَتْ ولم يَعذرها بشكواها، بل أَمَرها أن تطوف راكبة.\nالثاني: أن مَنْ لم يستطع أن يطوف للوداع بنفسه أو محمولًا، يَسقط عنه طواف الوداع\nعند الحنفية وبعض الشافعية (^١).\nفالحاصل: أنه إذا كان يستطيع أن يطوف للوداع بنفسه أو محمولًا، فلا يَسقط عنه طواف الوداع بحال، وإذا كان لا يستطيع أن يطوف للوداع بنفسه أو محمولًا، فإنه يَفدي، وهذا أحوط للدين وأبرأ للذمة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-817>الشرط الثالث: أن يكون طواف الوداع عند وداع الحرم:</span> وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: بداية وقت طواف الوداع:\nاختَلف أهل العلم في بداية وقت طواف الوداع على قولين:\nالقول الأول: أن وقت طواف الوداع يَبدأ من نهاية أعمال مِنًى، فإذا رمى الحاج في اليوم الثاني عشر إذا كان متعجلًا، أو في اليوم الثالث عشر إذا لم يتعجل، فإنه يَبدأ طواف الوداع ليكون آخِر عهده بالبيت. وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\nالقول الآخَر: ذهب الحنفية إلى أن وقت طواف الوداع يَبدأ بعد طواف الإفاضة إذا كان عَزَم على السفر (^٣).\nونوقش بأن طواف الوداع يكون بعد انتهاء أعمال الحج ومغادرة الحَرَم؛ لعموم قول النبي ﷺ: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ».\nالمطلب الثاني: حد البقاء بعد طواف الوداع، أو حُكْم مَنْ طاف طواف الوداع ثم مكث بمكة أو اشتغل بتجارة، فهل يعيد الطواف أم لا؟\nاختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن مَنْ طاف طواف الوداع فلا يمكث بعده، فإن مكث بعده أو أقام أعاده، إلا إذا مكث مكثًا يسيرًا لانتظار رفقة أو نحو ذلك. وبه قال صاحبا أبي حنيفة، وهو\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٤٢)، و«نهاية المحتاج» (٣/ ٣١٧).\n(^٢) «حاشية الدسوقي» (٢/ ٥٣)، و«المجموع» (٨/ ٢٥٥)، و«المغني» (٣/ ٣٣٧).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (١/ ١٤٣).","vol":"1","page":635},{"text":"مذهب الشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ».\nفهذا صريح في أن يكون آخِر عهد الحاج بمكة الطواف، ولا يمكث بعده. ومَن تشاغل كان آخِر عهده ما انشغل به، وما سُمي (طواف الوداع) إلا لأنه إنما وَجَب توديعًا للبيت.\nالقول الثاني: يَجوز للحاج المكث بعد طواف الوداع ما شاء أن يمكث؛ لأن طواف الوداع لوداع النسك لا لوداع مكة، مع أن الأفضل طوافه للوداع. وهذا مذهب الحنفية (^٢).\nونوقش بأنه لو كان لوداع النسك لا لوداع مكة، لوجب على أهل مكة طواف الوداع.\nالقول الثالث: أنه لا يعاد طواف للوداع إذا لم يَزد عن مُقام يوم وليلة بعد أدائه. وهذا مذهب المالكية (^٣).\nوالراجح: أن مَنْ طاف للوداع ثم أقام مدة طويلة عرفًا، فإنه يعيد الطواف؛ لعموم قول النبي ﷺ: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ».\nوإن أقام مدة يسيرة عرفًا، فإنه لا يعيد طواف الوداع، فيُغتفَر له أن يشتغل بعد طواف الوداع بأسباب السفر، كشراء الزاد، أو حَمْل الأمتعة أو انتظار رفقة … ونحو ذلك ولا يعيده؛ لأنه قد يكون في بعض الأحيان هناك مشقة في الطواف بعد الفجر، فإن طاف الساعة الثانية ليلًا فإنه يَجوز؛ لعدم الحرج والمشقة (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-818>المبحث الثالث: دخول طواف الوداع في طواف الإفاضة:</span> وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حُكْم دخول طواف الوداع في طواف الإفاضة:\nإذا أَخَّر الحاج طواف الإفاضة إلى آخِر أيام التشريق وبعد أيام مِنًى، ثم طاف الإفاضة بعد نهاية مناسكه، وأراد أن يرجع إلى بلده بعد طواف الإفاضة، فهل يَجوز أن يرجع إلى\n_________\n(^١) «المبسوط» (٤/ ٢٩)، و«الحاوي» (٤/ ٢١٢)، و«المجموع» (٨/ ٢٥٥)، و«المغني» (٥/ ٣٣٨).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٤٣)، و«فتح القدير» (٢/ ٢٩٧).\n(^٣) «المُنتهَى شرح الموطأ» (٢/ ٢٩٣).\n(^٤) قال ابن عثيمين: ويَجعل طواف الوداع آخِر عهده بالبيت إذا أراد أن يرتحل للسفر، فإن بقي بعد الوداع لانتظار رفقة، أو تحميل رحله، أو اشترى حاجة في طريقه؛ فلا حرج عليه، ولا يعيد الطواف. «مجموع فتاوى ابن عثيمين» (٢٤/ ٣٨٧).","vol":"1","page":636},{"text":"بلده، ويكفي طواف الإفاضة عن طواف الوداع أم لا؟ على قولين:\nالقول الأول: يَسقط عنه طواف الوداع؛ وذلك لأن آخِر عهده بالبيت الطواف. وهو مذهب المالكية، والمشهور عند الحنابلة (^١).\nواستدلوا بالسُّنة والقياس:\nأما السُّنة، فعن ابن عباس ﵄ قال: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ».\nفإذا كان الحاج أُمِر أن يكون آخِر عهده بالبيت الطواف، وقد فَعَل ما أُمِر به، وقد ودع البيت بعد طواف الإفاضة ورجع إلى بلده، فيسقط عنه طواف الوداع.\nوأما القياس، فيقاس طواف الوداع على طواف القدوم، بأنه إذا كان طواف القدوم يَسقط عن الحاج المتمتع؛ لأنه انشغل بطواف العمرة، فكذا لا يجب طواف الوداع.\nالقول الآخَر: أن الحاج إذا أَخَّر طواف الإفاضة بعد الانتهاء من مناسكه، وأراد أن يرجع إلى بلده، فلا يَرجع إلى بلده حتى يطوف طوافًا آخَر للوداع أو يَجبر ذلك بدم لأنه واجب. وهو مذهب الحنفية والشافعية، والحنابلة في رواية (^٢).\nواستدلوا بالسُّنة والقياس:\nأما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» أي: الطواف، والمراد به هنا طواف الوداع، وليس طواف الإفاضة.\nونوقش بأن مَنْ طاف للإفاضة ثم رجع إلى بلده في الحال، فقد فَعَل ما أُمِر به ووَدَّع البيت بالطواف، وإن كان طوافه هو طواف الإفاضة.\nوأما القياس، فاستدلوا بأنهما عبادتان واجبتان، فلم تجزئ إحداهما عن الأخرى.\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، وهو أن الحاج إذا أَخَّر طواف الإفاضة إلى آخِر أيام التشريق وبعد الانتهاء من مناسكه، وأراد أن يرجع إلى بلده، يَسقط عنه طواف الوداع؛ وذلك لأنه فَعَل ما أُمِر به، وجَعَل آخِر عهده بالبيت الطواف.\nولكن ينبغي لمن أراد أن يُدخِل طواف الوداع في طواف الإفاضة- أن تكون نيته عن\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (١/ ٣٤٣)، و«المُنتقَى» (٢/ ٢٩٣)، و«المغني» (٥/ ٣٣٨)، و«الفروع» (٦/ ٦٤).\n(^٢) «المبسوط» (٤/ ٤٣)، و«مغني المحتاج» (١/ ٥١٠)، و«كشاف القناع» (٢/ ٥١٣).","vol":"1","page":637},{"text":"طواف الإفاضة أحد أركان الحج المُجْمَع عليها، ولا يَسقط عن الحاج حتى يؤديه.\nالمطلب الثاني: إذا نوى بطوافه الوداع، فهل يجزئه عن طواف الإفاضة؟\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالقول الأول: إن طاف بِنِية طواف الوداع، ثم أراد أن يَجعل معه طواف الإفاضة، فإن طواف الوداع يجزئه عن طواف الإفاضة. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية (^١).\nواستدلوا بما روى مسلم: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ … قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «اجْعَلُوهَا عُمْرَةً» فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ …» (^٢).\nوَجْه الدلالة: أن الصحابة خرجوا في حجة الوداع لا يريدون إلا الحج، وطافوا طواف القدوم وهو سُنة، فقال لهم النبي ﷺ: «اجعلوها عمرة» وطواف العمرة ركن من أركانها.\nفالشاهد: أن الصحابة طافوا بِنِية طواف القدوم، وأَمَرهم النبي ﷺ أن يُحَوِّلوا هذا الطواف إلى طواف العمرة الذي هو ركن، وقد أجزأ ذلك. فدل ذلك على أن مَنْ طاف للوداع ثم نوى به أن يَجعل معه طواف الإفاضة بعد ذلك، أجزأ عنه.\nالقول الآخَر: أن مَنْ طاف للوداع، ثم أراد بعد ذلك أن يَجعل معه طواف الإفاضة، فإنه لا يجزئه؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ولأنه لا يجزئ أن يصلي الرجل النافلة ثم تجزئه عن الفريضة. وبه قال الحنابلة (^٣).\nواعتُرض عليه بأنه طاف ناويًا نُسُك الطواف، ولا يضره تعيين ذلك للإفاضة؛ لأن نية الحج عند الإحرام كافية؛ لأنها تشمل جميع أجزائها، من طواف وسعي ورمي … وغيرها.\nوالراجح: أن نية الحج عند الإحرام كافية؛ لأنها تشمل جميع أجزائها، كالوقوف بعرفة والطواف وغير ذلك؛ لأن نية الحج تَشملها كلها، كما أن نية الصلاة تَشمل جميع أفعالها،\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٤٣)، و«مواهب الجليل» (٣/ ٥٣)، و«الإيضاح» (ص: ٣٤٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢١١).\n(^٣) «المغني» (٥/ ٣١٦)، و«كشاف القناع» (٢/ ٥٩٦).","vol":"1","page":638},{"text":"ولا يُحتاج إلى النية في ركوع ولا غَيْره. ولأنه لو وَقَف بعرفة ناسيًا، أجزأه بالإجماع (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-819>المبحث الرابع: حُكْم مَنْ خرج قبل طواف الوداع:</span>\nمَنْ خرج من مكة إلى جدة قبل طواف الوداع؛ لزيارة أو لشراء، بنية العودة إلى مكة، فإنه إن رجع وطاف للوداع أجزأه.\nوأما إن كان من أهل جدة، فلا يجوز له أن يَنفر ويَخرج حتى يطوف للوداع.\nومَن خرج خارج المواقيت، كزيارة للمدينة، فلا يحل له أن يَنفر حتى يكون آخِرُ عهده بالبيت الطواف (^٢).\nوالدليل: أَنَّ عُمَرَ رَدَّ رَجُلًا مِنْ مَرِّ الظَّهْرَانِ، لَمْ يَكُنْ وَدَّعَ الْبَيْتَ، حَتَّى وَدَّعَ (^٣).\nفالحاصل: أن مَنْ خرج من مكة قبل الوداع، ويمكنه الرجوع بلا مشقة، فعليه الرجوع ويطوف للوداع ولا دم عليه. ومَن خرج من مكة قبل الوداع ولم يَعُد، فيَلزمه الدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-820>المبحث الخامس: حُكْم طواف الوداع للعمرة:</span>\nلا خلاف بين العلماء على أن المُعتمِر إذا طاف وسَعَى وحَلَق، ورجع إلى بلده من فوره، أنه يُجْزئه من طواف الوداع، كما فَعَلَتْ عائشة في عمرتها في حجة الوداع (^٤).\nواختلفوا في حُكم طواف الوداع لمن أقام بمكة أيامًا بعد عمرته على قولين:\nالقول الأول: يُسَن للمُعتمِر طواف الوداع إذا لم يَخرج من فوره، ولا يجب عليه.\nوهو مذهب الحنفية والمالكية، وقول عند الشافعية، وقول عند الحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) «المجموع» (٨/ ١٧).\n(^٢) وبهذا قال الحنفية والمالكية، كما في «بدائع الصنائع» (٢/ ١٤٣)، و«المُدوَّنة» (١/ ٣١٥).\nوذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الحاج إذا خرج من مكة قبل الوداع؛ لزيارة أو لشراء بِنِيَّة العودة إلى مكة، فلا يطوف للوداع إلا في مسافة يَقصُر فيها الصلاة. «المجموع» (٨/ ٢٥٤)، و«المغني» (٣/ ٣٤٠).\n(^٣) ضعيف لانقطاعه: أخرجه مالك في «الموطأ» (١٠٨١) وفيه يحيى بن سعيد، لم يُدرِك عمر.\n(^٤) «شرح البخاري» لابن بَطَّال (٤/ ٤٤٥)، و«فتح الباري» (٣/ ٦١٢).\n(^٥) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٢٧)، و«التمهيد» (١٧/ ٢٦٩)، و«المجموع» (٨/ ١٨٦)، و«الفروع» (٦/ ٧٠).","vol":"1","page":639},{"text":"واستدلوا بالسُّنة والمأثور والقياس:\nأما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (^١) فدل هذا الحديث على أن طواف الوداع يكون للحُجاج دون غيرهم.\nواستدلوا بقول النبي ﷺ: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ، فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ» (^٢).\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ عَلَّق طواف الوداع بالحج، فدل على عدم وجوبه في العمرة.\nوأما دليلهم من المأثور، فعن عمر بن الخطاب قال: «لَا يَصْدُرَنَّ أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ؛ فَإِنَّ آخِرَ النُّسُكِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ» (^٣).\nوأما دليلهم من القياس، فيقاس طواف الوداع على طواف القدوم، فإنه إذا كان لا يجب على المعتمر طواف القدوم بالإجماع، فكذا لا يجب عليه طواف الوداع.\nالقول الآخَر: أن طواف الوداع واجب على المعتمر إذا فارق مكة ورجع إلى بلده. وهو قول بعض الحنفية، وقول عند الشافعية، وقول عند الحنابلة (^٤).\nواستدلوا بقول النبي ﷺ: «مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ، فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ» (^٥).\n_________\n(^١) صحيح دون لفظة: «مِنَ الْحَاجِّ» فهي شاذة. ومدار الحديث على ابن عُيينة، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فرواه الشافعي في «مسنده» (١٠٢٩) به، فزاد لفظة: «مِنَ الْحَاجِّ».\nوخالف الشافعيَّ الثقات الأثبات بدون زيادة: «مِنَ الْحَاجِّ» منهم: سعيد بن منصور، وزُهَيْر بن حرب عند مسلم (١٣٢٧)، وأحمد (١٩٣٦)، ومحمد بن يوسف عند الدارمي في «سُننه» (١٩٥٦)، ويونس بن عبدِ الأعلى عند ابن خُزيمة (٣٠٠٠)، وغيرهم. جمعيهم عن ابن عُيينة به، بدون لفظة «مِنَ الْحَاجِّ» فهي شاذة؛ لمخالفة الشافعي للثقات الأثبات والأئمة الحُفاظ عن ابن عُيينة.\nومما يؤكد شذوذ هذه اللفظة: ما رواه البخاري (١٧٥٥): عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ. بدون هذه اللفظة.\n(^٢) ضعيف: أخرجه مُسَدَّد كما في «المطالب العالية» (١٢٨٩) من طريق ابن أبي ليلى عن عطاء مرسلًا، وقد ضُعف لحال ابن أبي ليلى والإرسال.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٣٦٩) ومن طريقه الشافعي في «مسنده» (٢/ ٢٨٨).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٢٧)، و«الحاوي» (٤/ ٢١٣)، و«مَطالب أُولِي النَّهَى» (٢/ ٤٣٦).\n(^٥) إسناده ضعيف بهذه السياقة؛ لضَعْف الحَجَّاجِ بن أرطاة وعبد الرحمن بن البَيْلَمانيّ، ولفظة «أَوِ اعْتَمَرَ» منكرة. أخرجه الترمذي (٩٤٤).\nوفضلًا عن كونه كذلك، فهذا السند معلول؛ فقد خالف الحَجَّاجَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ ثِقَةٌ، فَرَوَاهُ عَنِ الْحَارِثِ قَالَ: «أَتَيْتُ عُمَرَ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَرْأَةِ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ تَحِيضُ، قَالَ: لِيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ» رواه أبو داود (٢٠٠٤). وقد قال الترمذي: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ أرْطَاةَ مِثْلَ هَذَا، وَقَدْ خُولِفَ الحَجَّاجُ فِي بَعْضِ هَذَا الإِسْنَادِ.","vol":"1","page":640},{"text":"فهذا صريح في وجوب طواف الوداع على المعتمر.\nونوقش بأن لفظة «أَوِ اعْتَمَرَ» منكرة.\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ».\nفكلمة (أَحَدٌ) نكرة في سياق النفي، فتعم كل مَنْ خرج، سواء كان من حج أو عمرة.\nونوقش بأن هذا مِنْ قَبيل العامّ الذي أريدَ به الخصوص؛ إذ المراد بهذا الخطاب الحجيج، بدلالة الحال؛ لأن النبي ﷺ خاطب الصحابة، وكلهم حُجاج في حجة الوداع.\nوالراجح: عدم وجوب طواف الوداع على المُعتمِر، وإنما هو خاص بالحجيج؛ لعموم قول النبي ﷺ: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ».\nفإن دلالة سياق الحديث تُبيِّن أن الأمر مقصور على الحجيج؛ إذ المراد بهذا الخطاب الحجيج، بدلالة الحال؛ لأن النبي ﷺ خاطب الصحابة في حجة الوداع، وأنه لم يُنقَل عن النبي ﷺ أنه طاف للعمرة طواف الوداع؛ إذ مثله مما تتوافر الهمم على نقله.\nالمبحث السادس: فيمن طاف للوداع أول أيام التشريق، ثم عاد إلى مِنًى فبات ورمى الجمار، وسافر لبلده من فوره، ولم يَرجع للحرم، فهل يجزئه ذلك؟\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يجزئه طواف الوداع إلا بعد الفراغ من جميع أعمال المناسك ومغادرة مكة. وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (^١).\nالقول الآخَر: أنه يُجْزئه طواف للوداع إذا رجع إلى بلده مِنْ مِنًى؛ لأنه طاف للوداع عند مفارقة البيت، ثم مكث بمِنًى خارج مكة ورجع منها إلى بلده. وهو مذهب الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة (^٢).\nونوقش بأنه وَدَّع البيت قبل أن ينتهي من نسكه، ولم يَجعل آخِر عهده بالبيت الطواف.\n_________\n(^١) «مواهب الجليل» (٣/ ١٣٨)، و«المغني» (٥/ ٣٣٧).\nقال النووي: وَلَوْ أرادَ الحَاجُّ الرُّجُوعَ إِلَى بَلَدِهِ مِنْ مِنًى، لَزِمَهُ دُخُولُ مَكَّةَ لِطَوَافِ الوَدَاعِ، يَنْبَغِيٍ أنْ يقَعَ طَوَافُ الْوَدَاعِ بَعْدَ الْفَرَاغ مِنْ جَمِيعِ أشْغَالِهِ. «الإيضاح» (ص: ٤٠٥).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٤٣)، و«المجموع» (٨/ ١٨٧)، و«شرح المُنتهَى» (١/ ٥٧٥).","vol":"1","page":641},{"text":"والراجح: أنه يُشترَط لطواف الوداع أن يكون بعد الفراغ من جميع أعمال المناسك، ويَعقبه الخروج من غير مُكْث، وليس على الحاج بمكة بعد انتهائه من أيام التشريق، الخارج إلى التنعيم- وداع ولا دم؛ لأن النبي ﷺ قال: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، اذْهَبْ بِأُخْتِكَ، فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ» ولم يَرِد أنه ﷺ أَمَر عائشة بطواف الوداع قبل عمرة التنعيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-822>المبحث السابع: هل صح دعاء مُعَيَّن بعد طواف الوداع؟</span>\nلم يصح في هذا الباب حديث، وهذه بعض الآثار في هذا الصدد:\nفَعَنِ المُهَاجِرِ قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنِ الرَّجُلِ يَقْضِي صَلَاتَهُ وَطَوَافَهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ، فَيَسْتَقْبِلُ البَيْتَ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى يَفْعَلُ هَذَا إِلَّا اليَهُودَ (^١).\nوَعَنْ عَطَاءِ قَالَ: رَأَى ابْنُ عَمْرٍو ﵄ رَجُلًا خَرَجَ مِنَ الْكَعْبَةِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَقَالَ: هَكَذَا تَصْنَعُ الْيَهُودُ فِي كَنَائِسِهَا، لِيَدْعُ الرَّجُلُ فِي مَجْلِسِهِ بِمَا شَاءَ، ثُمَّ لِيَقُمْ (^٢).\nوالحاصل: أنه لم يَرِد في هذا الباب غير طواف الوداع، وخَيْر الهَدْي هَدْي محمد ﷺ القائل: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ»، ولم يصح عنه ﷺ دعاء مُعَيَّن بعد طواف الوداع، وأما ما يفعله بعض الناس بعد طواف الوداع، وهو أن يسير بظهره، حتى يصل إلى الباب الذي يَخرج منه، فلم يَرِد هذا الفعل عن رسول الله ﷺ ولا عن صحابته.\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه ابن خُزيمة (٢٧٠٥)، وفيه قَزْعَة بن سُويد، وهو ضعيف.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه الفاكهي في «أخبار مكة» (٤٢٢) وعبد الرزاق (٥/ ٧٧). وأخرج الفاكهي في «أخبار مكة» (٧٠٨): عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: إِذَا أَرَدْتَ وَدَاعَ الْبَيْتِ فَارْتَحِلْ، ثُمَّ ائْتِ الْمَسْجِدَ فَطُفْ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ سَبْعِكَ، فَأْتِ الْمُلْتَزَمَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَضَعْ خَدَّيْكَ بَيْنَهُمَا، وَابْسُطْ يَدَيْكَ، وَقُلْ: اللَّهُمَّ هَذَا وَدَاعِي بَيْتَكَ، فَحَرِّمْنِي وَعِيَالِي عَلَى النَّارِ. اللَّهُمَّ خَرَجْتُ إِلَيْكَ بِغَيْرِ مِنَّةٍ عَلَيْكَ، أَنْتَ أَخْرَجْتَنِي، فَإِنْ كُنْتَ قَدْ غَفَرْتَ ذُنُوبِي، وَأَصْلَحْتَ عُيُوبِي، وَطَهَّرْتَ قَلْبِي، وَكَفَيْتَنِي الْمُهِمَّ مِنْ دُنْيَايَ وَآخِرَتِي؛ فَلَا يَنْقَلِبُ الْمُنْقَلِبُونَ إِلَّا لِفَضْلٍ مِنْكَ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ، فَذُنُوبِي وَمَا قَدَّمَتْ يَدَايَ، فَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي.\nثُمَّ تَنَحَّ خَلْفَ الْمَقَامِ، فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتُطِيلُ فِيهِمَا، وَلَا تَأْلُ أَنْ تُحْسِنَ الدُّعَاءَ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ إِلَى زَمْزَمَ، فَاسْتَقِ دَلْوًا فَاشْرَبْ، وَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ. ثُمَّ تَنْصَرِفُ حَتَّى إِذَا كُنْتَ عَلَى بَعْضِ الْأَبْوَابِ مِنَ الْمَسْجِدِ، رَمَيْتَهَا بِطَرْفِكَ، وَتَحَزَّنْ عَلَى فِرَاقِهَا، وَتَمَنَّ الرَّجْعَةَ إِلَيْهَا، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ أَحْسَنْتَ الْوَدَاعَ إِنْ شَاءَ اللهُ.\nوفي إسناده إبراهيم بن الحَكَم، وهو ضعيف جدًّا.","vol":"1","page":642},{"text":"الباب الثاني والعِشرون: من نوازل الحج\nوفيه أربعة مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-824>المبحث الأول: الحج السريع:</span>\nوهو أن يتجه الحاج عصرًا إلى عرفة، وبعد المغرب إلى مُزدلِفة، ثم بعد منتصف الليل يتجه إلى منًى ليَرمي جمرة العقبة، ويَحلق ويتحلل، ويتوجه إلى الحَرَم فيطوف ويسعى، جامعًا بين الإفاضة والوداع، ويُنيب مَنْ يقوم عنه برمي الجمرات أيام التشريق.\nوقد خَصَّصَتْ بعض الشركات التي تقوم بمثل هذا الحج بعضًا من موظفيها؛ لكي ينوبوا عن الحاج فيما يتعين عليه القيام به، من رمي ونحوه.\nوهذا الفعل فيه استهتار بشعائر الله وتلاعب بأوامره؛ لأن الله أَمَر بإتمام الحج لمن دخل فيه، بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وتمامه لا يَحصل إلا بالإخلاص والمُتابَعة. وأيّ مُتابَعة لمَن تَرَك هذه الواجبات؟! وأي متابعة لمن أضاع رُوح العبادة وثمرتها، وهو الخشوع وحضور القلب في تلك الأماكن، التي تَنزل فيها الرحمات وتُغفَر الخطايا والسيئات؟! وليس الحج للنزهة والفسحة، وإنما الحج عبادة وجهاد يُتعِب فيها نفسه ويُرضِي فيها ربه.\nويجب على صاحب هذا الحج: التوبة والاستغفار، ويَلزمه دم لترك المبيت بمِنًى لوجوبه، ودم ثانٍ لرمي الجمار التي وَكَّل فيها؛ لأن توكيل القادر لا يصح ولا تَبرأ به الذمة، ودم ثالث لتَرْك طواف الوداع، ولا يصح أن يَجمع بين طواف الإفاضة وطواف الوداع يوم النحر؛ لوقوع طواف الوداع في غير وقته؛ فبداية وقته في اليوم الثاني عشر؛ لأنه لا يكون إلا بعد انتهاء رمي الجمرات وجميع المناسك (^١).\n_________\n(^١) قالت اللجنة الدائمة (١١/ ٢٨٩): ومَن وَكَّل في رمي جمراته أيام التشريق أو أحد أيام التشريق، ونَفَر يوم النحر- يُعتبَر مخطئًا مستهترًا بشعائر الله. ومَن يُوكِّل في رمي الجمرات اليوم الحادي عشر أو الثاني عشر من أيام التشريق، ويطوف طواف الوداع ليتعجل بالسفر؛ فقد خالف هدي الرسول ﷺ، وما أَمَر به في أداء المناسك وترتيبها، وعليه التوبة والاستغفار من ذلك.\nويَلزم مَنْ فعل ذلك دم عن ترك المبيت بمِنًى، ودم عن تركه رمي الجمرات التي وَكَّل فيها ونَفَر، ودم ثالث عن طواف الوداع، وإن كان طاف بالبيت لدى مغادرته؛ لوقوع طوافه في غير وقته؛ لأن طواف الوداع إنما يكون بعد انتهاء رمي الجمرات.","vol":"1","page":643},{"text":"<span data-type='title' id=toc-825>المبحث الثاني: حَمَلات الحج: وفيه خمسة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-826>المطلب الأول: تعريف حَمَلات الحج:</span>\nهي أن يَدفع الحاج مبلغًا من المال؛ مقابل إصدار تأشيرة ومواصلات طيران أو بري، من بلده إلى مكة، ذَهابًا وإيابًا، ومواصلات بين المشاعر ومخيمات في عرفة ومِنًى، وتوفير السكن مدة الإقامة.\nونُذكِّر أصحاب الحَمَلات بأنهم إذا أحسنوا القصد بالتيسير على الناس في أداء نسكهم، وقضاء حجهم، وتخفيض الأسعار عليهم، وتطبيق سُنة الرسول ﷺ في المناسك … وغير ذلك من المقاصد الحسنة، فإن الله يَكتب لهم المثوبة والأجر العظيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-827>المطلب الثاني: مشروعية حَمَلات الحج:</span>\nإن هذه الحَمَلات بهذه الصورة لم تكن موجودة في عصور السلف، ولكن كان هناك ما يشابه حَمَلات الحُجاج ممن كانوا يَنقلون الحُجاج بالكِرَاء.\nقال ابن قُدامة: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إِجَازَةِ كِرَاءِ الْإِبِلِ إِلَى مَكَّةَ وَغَيْرِهَا … وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] أَنْ تَحُجَّ وَتُكْرِيَ. وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.\nوَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَى السَّفَرِ، وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الْحَجَّ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، وَلَيْسَ لِكُلِّ أَحَدٍ بَهِيمَةٌ يَمْلِكُهَا، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى مُعَانَاتِهَا، وَالْقِيَامِ بِهَا وَالشَّدِّ عَلَيْهَا، فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى اسْتِئْجَارِهَا، فَجَازَ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-828>المطلب الثالث: ضوابط الإعلان عن حَمَلات الحج:</span>\nهناك بعض الضوابط الشرعية التي يجب مراعاتها في الإعلان عن حَمَلات الحج، وهي: الأول: ينبغي أن يُقتصَر في الإعلان عن حَمَلات الحج على ذِكر اسم الحملة،\n_________\n(^١) «المغني» (٨/ ٨٩).","vol":"1","page":644},{"text":"وموقعها ومزاياها الخدمية.\nالثاني: ينبغي عدم المتاجرة بوجود بعض طلبة العلم والدعاة في الحملة؛ لأن في ذلك امتهانًا للعلم الذي هو من أعظم القربات.\nالثالث: يجب أن يتحقق الصدق والأمانة في الإعلان، وأن يُطابِق الإعلانُ الواقعَ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-829>المطلب الرابع: الحج مع الحملات الباهظة الثمن:</span>\nالحج مع الحملات الباهظة الثمن يخالف هَدْي النبي ﷺ وأصحابه من ثلاث جهات:\nالأولى: الإسراف الزائد في المأكل والمشرب، وهذا أمر منهي عنه، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١].\nالثانية: ما يُحْدِثه الحج مع الحملات الباهظة الثمن من التباهي والتفاخر! ومَقام الحج مَقام عبودية وتواضع وإخبات.\nالثالثة: أن الحج نوع من أنواع الجهاد. والناظر في حال حج تلك الحَمَلات يرى معاني الجهاد التي شُرع الحج من أجلهاضعيفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-830>المطلب الخامس: اشتراط الضمان البنكي للحملات والإيداع للأشخاص:</span>\nتَشترط وزارة الحج على الحملات الداخلية والخارجية للمشاركة في موسم الحج، استصدار ضمان بنكي من أي بنك من البنوك المعتمدة، يَعتمد على عدد الحُجاج المُسجَّلين، بدفع مبلغ مُعيَّن لكل حاج، وفائدة الخطاب البنكي أنه بمنزلة التأمين في حال التخلف عن إنجاز ما اتفق عليه، فيُخصَم عليه منه.\nفالحاصل: أنه يُفرَض على الحَمَلات أن يُودَع في البنك عن كل حاج مبلغ من المال، ولكن المشكلة أن أكثر هذه البنوك ربوية، فما حُكْم ذلك؟\nإن استصدار ضمان بنكي أو خطاب لضمان حملات الحج من التلاعب- لا بأس به، إذا لم يأخذ البنك فوائد ربوية، إلا ما يوازي المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان فحَسْب. وأما إيداع مبالغ نقدية لبعض الحُجاج في بنوك ربوية، فمُحَرَّم باتفاق (^١).\n_________\n(^١) وسُئلت اللجنة الدائمة (١١/ ٤٢): يجب على مَنْ يريد الحج هنا في تركيا- أن يضع مبلغًا وقَدْره (١٢٥) ألف ليرة تركي في البنك، وهو مبلغ كبير جدًّا، مع العلم أن البنوك ربوية، ولا توجد وسيلة للذَّهاب إلى الحج إلا هذه الوسيلة، فهل الحج في هذه الحالة فرض على المسلم المقتدر؟ وإذا حج المسلم فهل يكون حجه صحيحًا؟\nفأجابت: الحج صحيح. وما ذُكِر لا يُعتبَر عذرًا في تأخير الحج إذا كان صاحبه قادرًا على ذلك.","vol":"1","page":645},{"text":"<span data-type='title' id=toc-831>المبحث الثالث: من حلول الزحام في المناسك:</span>\n<span data-type='title' id=toc-832>الأول: تنظيم وتفويج الحجيج بين المشاعر:</span>\nمن أسباب الزحام في المناسك ضِيق الطرق التي تَربط بين المشاعر، وعدم قدرتها على استيعاب الأعداد الهائلة من المركبات، مع صعوبة تنظيم الحركة المرورية فيها.\nومن الحلول المطروحة في تخفيف ذلك: تفويج الحُجاج على دفعات عند انطلاقهم من مَشْعَر عرفة إلى مَشْعَر مُزدلِفة، ومن مِنًى إلى مكة. وذلك بترتيب مواعيد انطلاق المركبات تجنبًا لاكتظاظ الطرقات بين المشاعر.\nومِن أهم الوسائل التي تَربط بين المشاعر المقدسة، وتُسَهِّل على الحُجاج وصولهم إلى المشاعر- هي القطارات، فينبغي الاهتمام بمحطات القطارات.\n\n<span data-type='title' id=toc-833>الثاني: بناء الأبراج السكنية في مِنًى:</span>\nيَجوز بناء الأبراج في مِنًى، إذا كان مرفقًا عامًّا، وتحت إشراف الجهات المسئولة.\nالثالث: جواز توسيع دائرة المرمى، مع المحافظة على حوض المرمى:\nإن مرمى الجمار من المشاعر المقدسة، والمناسك الموروثة التي لا يجوز تغييرها أو تبديلها، وقد حَفِظ الله تعالى آثار نبيه ﷺ ومَعَالم دِينه أن يَتطرق إليها تغيير عما كانت عليه. وبه يُعْلَم أن إطباق الناس على الرمي إلى الجِمار، وعَدَمُ تَعَرُّض الملوك لِما يَمنعهم من ذلك- أَوْضَحُ دليل على أن المَرْمَى الموجود الآن هو الذي كان في زمنه ﷺ.\nفالأصل في تحديد المشاعر التوقيف، فلا دخل للعقل فيها بزيادة أو نقص أو تغيير عن مواضعها؛ إذ إن تعيين هذه المواضع وتحديدها مِنْ قِبل الشرع، ومواضع رمي الجمار من ذلك، فلا يزاد فيها عما كان عليه الأمر منذ أن جعلها الله مواضع لأداء العبادات التي شُرع أداؤها فيها، وهذا كتحديد أوقات الصلوات الخمس، وتعيين ما لكل صلاة من الوقت،","vol":"1","page":646},{"text":"وكذلك أعداد الصلوات وكلمات الأذان (^١).\nوقد قَرَّر مجلس هيئة كبار العلماء بشأن حوض الجمار بالاتفاق: أنه لا يجوز بناء حوض زائد عن الحوض الموجود حاليًّا، وأن يبقى على ما كان، ومعلوم أن الحصى متى وصل إلى الحوض أجزأ، ولو لم يستقر فيه وتدحرج وسقط خارجه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-834>الثالث: استخدام التِّقْنية الحديثة:</span>\nمن أهم الحلول للزحام في المناسك: الأخذ بوسائل التِّقْنية الحديثة المتطورة، سواء كان ذلك في تخطيط المشاعر، أو تنظيم توافد الحجيج، أو أثناء أداء الحجيج لنسكهم في المواقيت والمشاعر المقدسة والمسجد الحرام، أو في التنقل بينها، من إنشاء وسائل حديثة للنقل كإنشاء قطار يَربط بين المشاعر، أو إنشاء أداة مترو الأنقاق، أو إنشاء القطار المعلق، أو العربات الكهربائية المعلقة.\nوكل ذلك من شأنه التخفيف من الزحام بين المشاعر، وقد تم تنفيذ جزء من هذا المشروع عام (١٤٣١ هـ) وهو قطار المشاعر، وهو يَربط بين عرفة ومُزدلِفة ومِنًى. ونحن في حاجة إلى مزيد من التِّقْنية الحديثة المتطورة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-835>الرابع: توعية الحُجاج:</span>\nفمِن أنفع الحلول في تخفيف الزحام توعية الحُجاج بكل ما يتعلق بالمناسك من أحكام شرعية وإجراءات سلوكية، مع تكثيف المرشدين والموجهين من الأَكْفاء.\nويُقترَح استصدار شهادة حج لكل مَنْ يريد القيام بهذه الفريضة، بعد خضوعه لدورة قصيرة، تُعْرَض فيها طريقة أداء المناسك، وكل ما يُحتاج إليه.\n_________\n(^١) «أبحاث هيئة كبار العلماء» (٣/ ٢٨٤)، و«الفتاوى الفقهية الكبرى» لابن حجر الهيتمي (٢/ ١٣٢).\n(^٢) «توضيح الأحكام من بلوغ المرام» (٤/ ١٧٢).\n(^٣) «حلول الزحام في المناسك» (ص: ٦٢٥) للشيخ خالد بن محمد السياري. وهو بحث جيد ونافع وفريد في بابه، وهو يَطرح حلولًا فقهية وفنية وتنظيمية وسلوكية لتخفيف الزحام في المناسك، ثم يُبيِّن المقبول منها شرعًا، فالله أسأل أن يجازي مؤلفه خير الجزاء وأوفاه، وأن يَجعل جنة الفردوس مأواه، وأن يُيسِّر له أمر دينه ودنياه.","vol":"1","page":647},{"text":"وقد جاء في قرار هيئة كبار العلماء:\nدعوة الحكومات والهيئات والمنظمات لتوعية الحُجاج بأحكام المناسك، وتعريف الحُجاج بمقاصد الحج في العبادة والتربية والأخلاق والنظام، والتمسك بكل ما يُعِين على أن يكون الحج مبرورًا، بواسطة وسائل الإعلام المختلفة، وذلك في وقت مبكر.\nالتذكير الدائم بقداسة الحج وأماكنه، وما يرتبط بهذه القدسية من ضرورات أخلاقية، تَقضي بوجوب ابتعاد الحُجاج عن التوتر والجدل وتَجَنُّب الاختلاف.\nإرشاد الحُجاج وتعريفهم بضرر المسارعة، والرفق والأناة في تأدية حج مبرور.\nتذكيرهم دائمًا بفوائد الصبر والتعاون مع المسلمين، وجزاء ذلك عند الله تعالى.\nترسيخ معاني الأخوة الإيمانية بين الحُجاج، وتذكيرهم بقواعد الأخلاق الفاضلة والتعامل الإسلامي الراقي، وبث رُوح التراحم والتفاهم والتعاطف والتعاون بينهم، والتحذير من العنف والقسوة والإضرار بالآخرين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-836>المبحث الرابع: حُكْم زيارة المشاعر في غير النسك:</span>\nلا تخلو زيارة المشاعر كمِنًى ومُزدلِفة وعرفة من حالتين:\nالأولى: زيارة المشاعر للتعبد في النسك، كمِنًى ومُزدلِفة وعرفة، كزيارة جبل عرفة للصلاة عليه والنَّيْل من بركته. فلا شك أن الزيارة على هذا الوجه لا تَجوز (^٢).\nالثانية: زيارة المشاعر كمِنًى ومزدلفة وعرفة للتعرف عليها، هذا لا بأس به.\n\n<span data-type='title' id=toc-837>المبحث الخامس: المفاضلة بين حج النافلة والتصدق بنفقته:</span>\nاختَلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن التنفل بالحج أفضل من التصدق بنفقته. وبه قال عامة أهل العلم (^٣).\nالقول الثاني: أن الصدقة بنفقة حج النافلة أفضل من الحج ذاته. وهو قول لأبي حنيفة، ورواية عن أحمد (^٤).\n_________\n(^١) «حلول الزحام» (ص: ٦٣٤، ٦٣٥).\n(^٢) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٢٧٣).\n(^٣) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٦٢١)، و«حاشية الدسوقي» (١/ ٥٦١)، «المجموع» (٤/ ٣١٦).\n(^٤) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٢٤٢)، و«الفروع» (١/ ٤٩٧).","vol":"1","page":648},{"text":"القول الثالث: التفصيل، وهو أن الأصل تفضيل الحج على الصدقة، إلا إذا كانت هناك حاجة لا تندفع إلا ببذل نفقة الحج فيها، كالحروب والمجاعات. واستدلوا بأن دفع المال على الرحم المحتاجة وإطعام الجائعين في المجاعات ومعالجة المرضي- من فرائض الإسلام، وهي مُقدَّمة على نافلة الحج. وهو قول أحمد في رواية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-838>المبحث السادس: تظليل المسجد الحرام:</span>\nمن أسباب الزحام في صحن المطاف بالليل: عدم وجود ما يقي من الشمس، فمِن الحلول المطروحة لتخفيف الزحام إنشاء مظلات آلية على غِرار مظلات المسجد النبوي، ويكون ذلك في المطاف والسطح والساحات الخارجية؛ لحماية المصلين من حرارة الشمس التي تتجاوز الخمسين درجة، ولترغيب الناس في الطواف نهارًا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-839>ملخص أعمال الحج</span>\nأعمال الحج ثلاثة أقسام: أركان، وواجبات، وسُنن.\nأما أركان الحج فأربعة: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي. والأركان لا يَتم الحج إلا بها.\nوأما واجبات الحج، فسبعة:\nالأول: إنشاء الإحرام من الميقات.\nالثاني: الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والجَمْع بين الليل والنهار.\nالثالث: المبيت بمزدلفة.\nالرابع: الحَلْق أو التقصير.\nالخامس: المبيت بمِنًى ليالي أيام التشريق.\nالسادس: رمي الجمار.\nالسابع: طواف الوداع.\nوأما سُنن الحج، فهي كل ما يؤمر به في الحج سوى الأركان والواجبات.\n_________\n(^١) «الفروع» (٤/ ٣٨٦). ونَقَل ابن هانئ: وإن كان قرابته فقراء؟ فقال أحمد: يضعها في أكباد جائعة أَحَبُّ إليَّ. فظاهره العموم. «اختيارات ابن تيمية» (ص: ١١٥).\n(^٢) «حلول الزحام في المناسك» (ص: ٢٦٩).","vol":"1","page":649},{"text":"<span data-type='title' id=toc-840>الباب الثالث والعِشرون:\nأحكام تختص بالعمرة</span>\nوفيه تمهيد وثمانية مباحث:\nتمهيد: تعريف العمرة.\nالمبحث الأول: من فضائل العمرة.\nالمبحث الثاني: حُكْم العمرة.\nالمبحث الثالث: وقت العمرة.\nالمبحث الرابع: عدد عمرات النبي ﷺ.\nالمبحث الخامس: زمان عمرات النبي ﷺ.\nالمبحث السادس: نوع النُّسك الذي أَهَّلَتْ به أُم المؤمنين عائشة.\nالمبحث السابع: تَكرار العمرة، أو حُكم عمرة التنعيم.\nالمبحث الثامن: مشروعية العمرة لأهل حرم مكة.","vol":"1","page":650},{"text":"<span data-type='title' id=toc-841>تمهيد: تعريف العمرة:</span>\nالعمرة لغة: الزيارة أو القصد إلى موضعٍ عامر، وهو الكعبة.\nوشرعًا: زِيَارَةُ بَيْتِ اللَّهِ لِلنُّسُكِ الْمَعْرُوفِ، الْمُتَرَكِّبِ مِنْ إِحْرَامٍ، وَطَوَافٍ، وَسَعْيٍ، وَحَلْقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-842>المبحث الأول: من فضائل العمرة:</span>\nقال رسول الله ﷺ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» (^٢).\nوقال رسول الله ﷺ: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً» وفي رواية: «حَجَّةً مَعِي» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-843>المبحث الثاني: حُكْم العمرة:</span>\nاختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أن العمرة واجبة عند الشافعية والحنابلة، وقول للحنفية والمالكية (^٤).\n_________\n(^١) «المجموع» (٧/ ٢)، و«أضواء البيان» (٥/ ٢٢٧)، و«الفروع» (٥/ ٢٠١).\n(^٢) رواه البخاري (١٧٧٣)، ومسلم (١٣٤٩).\n(^٣) ومدار هذا الحديث على عطاء، عن ابن عباس، واختُلف عنه:\nفرواه حَبِيبٌ المُعَلِّم عن عطاء، به، فزاد فيه: «أَوْ حَجَّةً مَعِي» رواه البخاري (١٨٦٣)، ومسلم (١٢٥٦).\nوخالف حَبِيبًا ابنُ جُرَيْجٍ، فرواه عن عطاء به، بلفظ: «فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً» رواه البخاري (١٧٨٢)، ومسلم (١٢٥٦) واللفظ له.\nوابن جُريج مِنْ أثبت الناس في عطاء. وحبيبٌ المُعَلِّم قال فيه الحافظ: صدوق. ومما يدل على عدم ضبطه لهذه الرواية أنه رواها على الشك، فقال: «تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي».\nوقد تابع ابن جُرَيْجٍ ثلاثة، وإن كانوا ضعفاء إلا أنه يُعتبَر بهم، وَهُمْ: ابن أبي ليلى عند أحمد (٢٨٠٨)، والحَجَّاج بن أرطاة عند ابن ماجه (٢٩٩٤)، ويعقوب بن عطاء عند ابن حِبان (٣٦٩٩) ثلاثتهم عن عطاء به، قالوا في حديثهم: «تَقْضِي حَجَّةً» ولم يَذكروا «أَوْ حَجَّةً مَعِي».\nوقد روى عامر الأحول، عن بكر المُزَنِيّ، عن ابن عباس، بدون شك عند أبي داود (١٩٩٠) وما انفرد به عامر الأحول لا يُحتجّ به.\nفالحاصل: أن حبيبًا المُعَلِّم تفرد بزيادة «حَجَّةً مَعِي» وفيه مقال وقد شَكَّ، وقد خالفه ابن جُريج، وهو مِنْ أثبت الناس في عطاء، وروايته مُقدَّمة عليه، وكيف وقد انضم إليه غيره؟! والله أعلم.\n(^٤) «المجموع» (٧/ ٧)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٨٧)، و«مَجْمَع الأنهار» (١/ ٢٥٧).\nهناك قول ثالث، وهو قول الحنفية، أن العمرة فَرْض كفاية، كما في «مَجْمَع الأنهار» (١/ ٢٥٧)، واستدلوا بأن العمرة من شعائر الإسلام الظاهرة. وهذا قول ضعيف لا يُعَرَّج عليه.","vol":"1","page":651},{"text":"واستدلوا بالكتاب والسُّنة:\nأما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والمراد بالإتمام في الآية ابتداء فعلها على الوجه الأكمل، ومقتضى الأمر الوجوب، وعَطْف العمرة على الحج يقتضي التساوي بينهما، فدل ذلك على وجوب العمرة.\nونوقش بأن المراد بالإتمام هو الإتمام بعد الشروع، كَمَنْ دخل في صلاة نافلة فوجب عليه إتمامها، ولا يعني ذلك وجوب صلاة النافلة.\nوأما السُّنة، فاستدلوا بأدلة كثيرة، من أشهرها:\nعن عمر في حديث جبريل: فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: «الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ، … وَتَحُجَّ البَيْتَ وَتَعْتَمِرَ» (^١).\nوَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ جَعَل العمرة من أركان الإسلام، كالحج.\nوَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ عَلَى النِّسَاءِ مِنْ جِهَادٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» (^٢).\nفلفظة (عَلَيْهِنَّ) ظاهرها وجوب الحج والعمرة.\n_________\n(^١) صحيح دون لفظة: (وَتَعْتَمِرَ) فهي شاذة: رواه ابن خُزيمة (٣٠٦٥) من طريق سليمان التيمي، عن يحيى بن يَعْمَر، عن ابن عمر، عن عمر، به.\nقال ابن حِبان (١٧٣): تَفَرَّدَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ بِقَوْلِهِ: (وتَعْتَمِرُ). وقال ابن العربي: وأما حديث جبريل فقد رواه العَالَم وليس فيه: (وتَعتمر) فلا تُقْبَل هذه الزيادة. «القبس» (ص: ٥٤١). وقال الدارقطني: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، قَالَ صَاحِبُ «التَّنْقِيحِ»: الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» لَيْسَ فِيهِمَا: (وَتَعْتَمِرُ) وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِيهَا شُذُوذٌ. «نَصْب الراية» (٣/ ١٤٧). وقال الزرقاني: وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ …» فَذِكْرُ الْحَجِّ دُونَ الْعُمْرَةِ، وَزِيَادَتُهَا فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ شَاذَّةٌ ضَعِيفَةٌ. «شرح الموطأ» (٢/ ٤٠٥).\nوقال ابن التركماني: والمشهور من الحديث ذِكر الحج وحده دون العمرة، وهو المُوافِق للأحاديث المشهورة، كحديث «بُنِيَ الْإِسْلَامُ …» وغيره.\n(^٢) صحيح دون لفظة: (العمرة) فهي شاذة: ومدار الحديث على حبيب بن أبي عَمْرة، عن عائشة بنت طلحة، به. واختُلف عنه: فرواه محمد بن فُضَيْل، فزاد (والعمرة) أخرجه ابن ماجه (٢٩٠١).\nوخالف ابنَ فُضيل جماعةٌ من أصحاب حبيب، فذكروه بسياق آخَر ولم يَذكروا العمرة فيه، وهم: عبد الواحد بن زياد، وخالد بن عبد الله الواسطي، كلاهما عند البخاري (٧٨٤، ١٥٢٠، ١٨٦١). وجرير بن عبد الحميد عند النَّسَائي (٢٦٢٨). ويزيد بن عطاء عند أحمد (٢٤٤٢٢).\nفتَفرُّد ابن فُضيل بزيادة لفظة (والعمرة) شاذة لمخالفته للثقات من أصحاب حبيب، الذين رووه بدونها.\nومما يدل على شذوذ هذه الزيادة ما روته عائشة بنت طلحة، به، عند البخاري (٢٨٧٥) بدونها.\nوكذا روته عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة عند الطبراني (١٣٢٣) بدون لفظة (والعمرة).\nوقد أَعَل الزيادة ابن عبد الهادي والزيلعي في «تنقيح التحقيق» (٣/ ٤٢٥)، و«نَصْب الراية» (٣/ ١٤٨).\nوقد وردت هذه اللفظة من طرق أخرى عن عائشة، ولكنها لا تصح. روى أحمد (٢٤٤٦٣) عن عِمران بن حِطَّان، عن عائشة، وفي سماعه منها اختلاف، مرفوعًا: «الحج والعمرة هما جهاد النساء».\nورواه أبو نُعيم في «الحِلية» (٨/ ٣٥٧) من طريق آخَر فيه عمرو بن عُبيد، وهو متروك الحديث.","vol":"1","page":652},{"text":"واعتُرض عليه بأن لفظة (العمرة) ضعيفة.\nواستدلوا بقول النبي ﷺ: «إِنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَرِيضَتَانِ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِمَا بَدَأْتَ» (^١).\nواستدلوا بما رُوي عن أبي رَزِين العُقيلي، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَا يَسْتَطِيعُ الحَجَّ وَلَا العُمْرَةَ، وَلَا الظَّعْنَ. قَالَ: «حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» (^٢).\nوَجْه الدلالة: أن قوله ﷺ: «واعتَمِر» صيغة أمر بالعمرة، مقرونة بالأمر بالحج، فأفادت صيغة الأمر الوجوب.\nواعتُرض عليه بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعُمْرَةِ؛ إذِ الْأَمْرُ فِيهِ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ أَبِيهِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ فِعْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَنْهُ؛ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ (^٣).\n_________\n(^١) ضعيف، ومداره على محمد بن سيرين، واختُلف عنه في الرفع والوقف:\nفرواه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف، عن ابن سيرين، به، مرفوعًا، أخرجه الدارقطني (٢٧١٨).\nورَوى الدارقطني (٢٧١٩) مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ هِشَام بْن حَسَّانَ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ سُئِلَ عَنِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ، فَقَالَ: «صَلَاتَانِ لَا يَضُرُّكُ بِأَيِّهِمَا بَدَأْتَ». وإسناده صحيح، وابن سيرين قال البخاري: سَمِع زيد بن ثابت.\nوقال الحافظ: وَفِي إسْنَادِهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، ثُمَّ هُوَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ زَيْدٍ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا عَلَى زَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ أَيْضًا، وَإِسْنَادُهُ أَصَحُّ. «التلخيص» (٢/ ٤٣٠)، قال الحاكم: وَالصَّحِيحُ عَنْ زَيْدٍ قَوْلُهُ.\nوله شاهد: عَنْ جَابِرِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الحَجُّ وَالعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ وَاجِبَتَانِ» أخرجه ابن عَدي في «الكامل» (١٠٠٠٨)، والبيهقي (٨٨٣٠) وقال: وَابْنُ لَهِيعَةَ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ.\n(^٢) إسناده صحيح: رواه أحمد (١٦١٨٤)، والترمذي (٩٣٠)، وأبو داود (١٨١٠) من طرق: عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، بِهِ. قال الإمام أحمد: لَا أَعْلَمُ فِي إِيجَابِ العُمْرَةِ حَدِيثًا أَجْوَدَ مِنْ هَذَا، وَلَا أَصَحَّ مِنْهُ. «السُّنن» للبيهقي (٩/ ٢٧٧).\n(^٣) «نَصْب الراية» (٣/ ١٤٨).","vol":"1","page":653},{"text":"واستدلوا بما رُوي عن الصُّبَيّ بن مَعْبَد قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا، وَإِنِّي أَسْلَمْتُ، وَأَنَا حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ، وَإِنِّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ، فَأَتَيْتُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي، فَقَالَ لِي: (اجْمَعْهُمَا وَاذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ) وَإِنِّي أَهْلَلْتُ بِهِمَا مَعًا. فَقَالَ لِي عُمَرُ ﵁: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ (^١).\nوقوله: (مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ) يدل على أن العمرة واجبة. ونوقش بأن هذه اللفظة شاذة.\nالقول الآخَر: أن العمرة سُنة. وهو مذهب الحنفية والمالكية، وقول للشافعية، ورواية عن أحمد (^٢).\n_________\n(^١) فقرة (وإني وَجَدْتُ الحج والعمرة مكتوبين عليّ) شاذة:\nمدار هذا الحديث على أبي وائل، عن الصُّبَيّ بن مَعْبَد، واختُلف عنه، ويرويه منصور بن المُعتمِر واختُلف عنه: فرواه جرير بن عبد الحميد: «إني وَجَدْتُ الحج والعمرة مكتوبين عليّ».\nوخالف جريرًا الثقاتُ عن منصور بن المُعتمِر، فلم يذكروها، منهم: الثوري عند أحمد (٢٥٦)، وشُعبة عند الطيالسي (٥٨)، وزائدة بن قُدامة عند النَّسَائي (٢٧٢٠)، وشَريك عند الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣٦٧٥) أربعتهم عن منصور، وقالوا في حديثهم: «فأتيتُ رجلًا من قومي فسألتُه، فأَمَرني بالحج، فقرنتُ بين الحج والعمرة» أو بنحوه.\nورواه جماعة من الثقات عن أبي وائل دون قوله: «وإني وَجَدْتُ الحج والعمرة مكتوبين عليّ» منهم: مجاهد بن جَبْر، عند النَّسَائي (٢٧٢١). والحَكَم بن عُتيبة، وسَيَّار أبو الحَكَم، والأعمش، ثلاثتهم عند أحمد (٨٣، ٢٢٧، ٢٥٤). وعَبْدة بن أبي لُبابة، عند ابن ماجه (٢٩٧٠). وأبو معاوية، عند ابن أبي شيبة (١٤٢٩١)، وسَلَمة بن كُهَيْل وعاصم بن بَهْدَلة، عند الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣٦٧٧، ٣٦٧٨)، وغيرهم. جميعًا: عن أبي وائل شقيق بن سلمة، وقالوا في حديثهم: «فأهللتُ بالحج والعمرة» أو بنحوه، وليس في حديث أحد منهم هذه الزيادة.\nوقد رواه جماعة من التابعين عن الصُّبَيّ دون هذه الزيادة، منهم: عمرو بن مُرَّة وعامر الشَّعْبي، كلاهما عند الطبراني في «الأوسط» (٨٢٦٠، ٩٤١٣)، وإبراهيم النَّخَعي، عند أبي حنيفة في «مسنده» (٩٢٦، ٩٢٧، ٩٢٨، ٩٢٩)، ثلاثتهم: عن الصُّبَيّ بن مَعْبَد، ولم يَذكر أحد منهم لفظة: «وإني وَجَدْتُ الحج والعمرة مكتوبين عليّ» إلا جرير بن عبد الحميد الضَّبِّيّ، وهو وإن كان ثقة صحيح الكتاب، إلا أنه خالف مَنْ هو أوثق منه عن منصور وسائر الرواة عن أبي وائل، وسائر الرواة من التابعين عن الصُّبَيّ، ولعله حَدَّث بها من حفظه؛ فقد قيل: كان في آخر عمره يَهِم في حفظه.\n(^٢) «فتح القدير» (٣/ ١٣٩)، و«الفواكه الدواني» (١/ ٤٣٧)، و«المجموع» (٧/ ٧)، و«الفروع» (٣/ ٢٠٤).","vol":"1","page":654},{"text":"واستدلوا بالكتاب والسُّنة:\nأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\nوَجْه الدلالة: أن الله ذَكَر وجوب الحج، ولو كانت العمرة واجبة لذَكَرها الله في كتابه.\nوأما السُّنة، فاستدلوا بحديث أنس بن مالك، وفيه: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: «صَدَقَ» قَالَ: ثُمَّ وَلَّى. قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَئِنْ صَدَقَ، لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ» (^١).\nقوله: (لا أَزيد عليهن ولا أَنقص منهن) دل ذلك على أن العمرة غير واجبة.\nوَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْعُمْرَةِ: أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ» (^٢).\nوَعَنْ طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الْحَجُّ جِهَادٌ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢).\n(^٢) ضعيف، وله عن جابر ثلاثة طرق، وهي:\nالطريق الأول: طريق الحَجَّاج بن أَرْطَاةَ، عن ابن المنكدر، عن جابر، مرفوعًا، عند أحمد (١٤٣٩٧).\nالطريق الثاني: طريق أبي عِصمة- وهو كذاب- عن ابن المنكدر، عند ابن عَدي (١٧١٧٩) قال: وهذا يُعْرَف بحَجَّاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر، وأبو عِصمة قد رواه عن ابن المنكدر، ولعله سرقه منه.\nالطريق الثالث: طريق سعيد بن عُفَيْر، عن يحيى بن أيوب، عن عُبَيْد الله بن المُغِيرة، عن أبي الزبير، عن جابر. أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف» (ص: ٢٥١)، والطبراني في «الأوسط» (٦٥٧٢).\nوهذا الطريق منكر؛ لأن المشهور أن هذا حديث الحَجَّاج بن أرطاة؛ ولذا عَقَّب الطبراني بقوله: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ إِلَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، تَفَرَّدَ بِهِ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ.\nقال الذهبي: هذا غريب عجيب، تَفَرَّد به سعيد عن يحيى بن أيوب. «ميزان الاعتدال» (٤/ ٣٦٣).\nفالحاصل: أن هذا حديث الحَجاج بن أرطاة، تَفَرَّد به وفيه ضعف، قاله ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٠/ ١٤) والنَّحَّاس في «الناسخ والمنسوخ» (ص: ١٣٢)، وابن مفلح في «الفروع» (٣/ ١٥٣).\nوقد استَنكر جماعة من الأئمة تصحيح الترمذي لهذا الحديث؛ ولذا قال ابن عبد الهادي: وقد أُنْكِرَ عليه تصحيح هذا الحديث، وقد ضَعَّفه الإمام أحمد في رواية ابن هانئ عنه. «تنقيح التحقيق» (٣/ ٤٣٠).\n(^٣) إسناده ضعيف جدًّا: رواه ابن ماجه (٢٩٨٩)، وقد تفرد به عمر بن قيس المكي، وهو متروك.\nوقد سُئل أبو حاتم عن هذا الحديث، فقال: حديث باطل، كما في «العلل» (٨٥٠).\nوقد رُوي هذا الحديث من طريقين آخَرين، وهما:\nالأول: عَنْ أَبِي صَالِحٍ الحَنَفِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الحَجُّ جِهَادٌ، وَالعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» أخرجه الشافعي في «الأُم» (٢/ ١٨٧)، وفي «المسند» (٧٣٧).\nوهذا ضعيف لإرساله، وقد لَخَّص البيهقي القول فقال: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ … فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ، لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَرُوِيَ مِنْ أَوْجُهِ أُخَرَ ضَعِيفَةٍ مَوْصُولًا. «السُّنن الصغير» (٢/ ١٤٣).\nوله شاهد عن ابن عباس عند الطبراني (١٢٢٥٢)، وفي إسناده محمد بن الفضل، وهو كذاب.\nوقد تبين من ذلك أن كل ما رُوي مرفوعًا: «الحج جهاد، والعمرة تطوع» لا يصح.\nوقال ابن حجر بعد ذكر طرقه: ولا يصح من ذلك شيء. «التلخيص الحبير» (٢/ ٢٤١).\nوقال ابن عبد البر: ورُوي عنه ﵇ أنه قال: «العمرة تطوع» بأسانيد لا تصح، ولا تقوم بمثلها حجة. «التمهيد» (٢٠/ ١٤). وقال ابن كَثير بعد ذكر حديث طلحة، وبيان ضعفه: وقد رُوي نحو هذا الحديث من طرقٍ كلها ضعيفة. «إرشاد الفقيه» (١/ ٣٠٢).","vol":"1","page":655},{"text":"والراجح: أنه لا يجب غير الحج، فعن أبي هريرة قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا» والأدلة التي توجب العمرة لا تخلو من مقال، فالعمرة مستحبة وليست بواجبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-844>المبحث الثالث: وقت العمرة:</span>\nنَقَل ابن رُشْدٍ الإجماع على جواز العمرة في كل أوقات السَّنة (^١).\nوهذا الإجماع منخرم؛ فقد ورد أن العمرة تُكْرَه في يوم عَرَفَة، ويوم النَّحْر، وأيام التشريق. وهو مذهب الحنفية، ورواية عند أحمد (^٢).\nواستدلوا بما ورد عن عائشة ﵂ قالت: حَلَّتِ العُمْرَةُ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا إِلاَّ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمَانِ بَعْدَ ذَلِكَ (^٣).\nواعتُرض عليه بأنه لا يصح، ولو صح لكان محمولًا على مَنْ كان متلبسًا بالحج.\nقال البيهقي: وَهَذَا مَوْقُوفٌ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى مَنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِالحَجِّ، فَلَا يُدْخِلُ العُمْرَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يَعْتَمِرُ حَتَّى يُكْمِلَ عَمَلَ الحَجِّ كُلَّهُ (^٤).\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (٢/ ٩٠).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٢٧)، و«الفروع» (٥/ ٣٢٢).\n(^٣) رواه البيهقي في «السُّنن الكبرى» (٨٨١٢).\n(^٤) «السُّنن الكبرى» (٩/ ٢٦٥).","vol":"1","page":656},{"text":"فالحاصل: مشروعية العمرة في سائر أيام السَّنة لمن لم يكن ملتبسًا بأعمال الحج، وعدم كراهة العمرة في شيء منها، فالمُحْرِم بالحج لا يصح إحرامه بعمرة بالاتفاق إلا بعد فراغه من جميع أفعال الحج.\n\n<span data-type='title' id=toc-845>المبحث الرابع: عدد عمرات النبي ﷺ</span>-:\nعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلَّهُنَّ فِي ذِي القَعْدَةِ، إِلَّا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةً مِنَ الحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي القَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فِي ذِي القَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الجِعْرَانَةِ، حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي القَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ (^١).\nفهذا الحديث صريح في أن النبي ﷺ اعتمر أربع عُمَر، ولكن يشكل عليه ما رواه البَرَاءُ ﵄ يَقُولُ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي القَعْدَةِ، قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ» (^٢).\nويُجْمَع بينهما بِأَنَّهُ أَرَادَ الْعُمْرَةَ الْمُفْرَدَةَ الْمُسْتَقِلَّةَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمَا اثْنَتَانِ، فَإِنَّ عُمْرَةَ الْقِرَانِ لَمْ تَكُنْ مُسْتَقِلَّةً، وَعُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ صُدَّ عَنْهَا وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِتْمَامِهَا (^٣).\nوَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرٍ: عُمْرَةً فِي شَوَّالٍ … (^٤) ولكنه ضعيف.\n\n<span data-type='title' id=toc-846>المبحث الخامس: زمان عمرات النبي ﷺ</span>-:\nعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلَّهُنَّ فِي ذِي القَعْدَةِ.\nوَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعًا، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ.\n_________\n(^١) البخاري (٤١٤٨)، ومسلم (١٢٥٣).\n(^٢) البخاري (١٧٨١).\n(^٣) «زاد المعاد» (٢/ ٨٧).\n(^٤) ضعيف، أُعِلَّ بالإرسال، ومدار هذا الحديث على هشام بن عروة، عن أبيه، واختُلف عنه:\nفرواه داود بن عبد الرحمن عند أبي داود (١٩٩١)، وابن أَبي الزِّناد عند ابن سعد في «الطبقات» (٢/ ١٥٦)، والدراوردي عند البيهقي (٨٨١١) ثلاثتهم عن هشام، عن أَبيه، عن عائشة، موصولًا، به.\nوخالفهم مالك في «الموطأ» (٩٧٢) فرواه عن هشام، عن أبيه، مرسلًا، به.\nوالأقرب أن المرسل أصح؛ فمالك لا يقاس به الذين رووه موصولًا، وقد رَجَّح المرسل ابن عبد البر كما في «التمهيد» (١٠/ ٢٧٠) وابن القيم في «زاد المعاد» (٢/ ١٢٥).","vol":"1","page":657},{"text":"قال ابن القيم: فَأَمَّا قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعًا، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ» فَوَهْمٌ مِنْهُ ﵁، قَالَتْ عائشة لَمَّا بَلَغَهَا ذَلِكَ عَنْهُ: «يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمْرَةً قَطُّ إِلَّا وَهُوَ شَاهِدٌ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-847>المبحث السادس: نَوْع النسك الذي أَهَلَّتْ به أُم المؤمنين عائشة:</span>\nاختَلف العلماء في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أن عائشة حجت قارنة. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة.\nواستدلوا بأن النبي ﷺ قال لعائشة يوم النفر: «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (^٢).\nواستدلوا أيضًا بأنه ﷺ قال لعائشة بعد ما وَقَفَتِ المواقف، حتى إذا طَهَرَتْ طافت بالكعبة والصفا والمروة: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا» (^٣).\nفهذان لفظان صريحان في أن عائشة كانت قارنة.\nالقول الآخَر: أن عائشة حجت مُفرِدة. وهذا مذهب الحنفية.\nواستدلوا بما روى مسلم عن عائشة، وفيه: «كُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَظَلَّنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «ارْفُضِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالحَجِّ» فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ، أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي (^٤).\nدل هذا الحديث على أن عائشة حجت مُفرِدة من أربعة أوجه:\nالوجه الأول: «ارْفُضِي عُمْرَتَكِ» اتركي عمرتك، وتَحَلَّلِي منها، وأَهِلي بالحج مُفرِدة.\nونوقش بأن معنى الرفض هنا تَرْك أعمال العمرة والإمساك عنها، من طواف وسعي، لا رَفْض الإحرام بالعمرة رأسًا والانتقال إلى حج مفرد؛ إذ لو كان المراد برفض العمرة إلغاؤها، لَمَا قال النبي ﷺ لعائشة يوم النفر: «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» فهذا\n_________\n(^١) «زاد المعاد» (٢/ ٨٨).\n(^٢) رواه مسلم (١٢١١).\n(^٣) رواه مسلم (١٢١٣).\n(^٤) البخاري (١٧٨٣).","vol":"1","page":658},{"text":"تصريح بأن عمرتها باقية صحيحة مُجْزِئة، وأنها لم تُلْغِها (^١).\nالوجه الثاني: أن النبي ﷺ قال لعائشة بعد أمرها برفض عمرتها: «وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالحَجِّ» فهذا دليل على أنها خرجت من عمرتها وألغتها.\nونوقش بأن نقض الشعر والامتشاط للمُحْرِم لا يَلزم منه إبطال العمرة، بل فيه دليل على أنه يَجوز للمُحْرِم أن يمشط شعره، ولكن يكون امتشاطًا رفيقًا لا يَقطع الشَّعر.\nالوجه الثالث: قول عائشة: فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي.\nفهذا يدل على أن عمرتها من التنعيم كانت قضاء لتلك العمرة التي رفضتها؛ فإن عمرتها الأولى لو كانت باقية لم تكن عمرة التنعيم مكانها، بل كانت عمرة مستقلة.\nونوقش بما قاله النووي: وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، لَمَّا مَضَتْ مَعَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَن لِيُعْمِرهَا مِنَ التَّنْعِيم: «هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ» فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ يَكُونَ لَهَا عُمْرَةٌ مُنْفَرِدَةٌ عَنِ الْحَجِّ، كَمَا حَصَلَ لِسَائِرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرهنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ، الَّذِينَ فَسَخُوا الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَأَتَمُّوا الْعُمْرَةَ وَتَحَلَّلُوا مِنْهَا قَبْل يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، ثُمَّ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّة يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَحَصَلَ لَهُمْ عُمْرَةٌ مُنْفَرِدَةٌ وَحَجَّةٌ مُنْفَرِدَةٌ.\nوَأَمَّا عَائِشَةُ، فَإِنَّمَا حَصَلَ لَهَا عُمْرَةٌ مُنْدَرِجَةٌ فِي حَجَّةِ بِالْقِرَانِ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّفْرِ: «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» أَيْ: وَقَدْ تَمَّا وَحُسِبَا لَكِ جَمِيعًا. فَأَبَتْ وَأَرَادَتْ عُمْرَةً مُنْفَرِدَةً، كَمَا حَصَلَ لِبَاقِي النَّاس، فَلَمَّا اعْتَمَرَتْ عُمْرَةً مُنْفَرِدَةً، قَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: «هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ» أَيْ: الَّتِي كُنْتِ تُرِيدِينَ حُصُولَهَا مُنْفَرِدَةً غَيْرَ مُنْدَرِجَةٍ، فَمَنَعَكِ الْحَيْضُ مِنْ ذَلِكَ.\n_________\n(^١) قال النووي: وَقَوْلُهُ ﷺ: «ارْفُضِي عُمْرَتَكِ» لَيْسَ مَعْنَاهُ إِبْطَالَهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَالْخُرُوجَ مِنْهَا؛ فَإِنَّ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ لَا يَصِحُّ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِالتَّحَلُّلِ بَعْدَ فَرَاغِهَا.\nبَلْ مَعْنَاهُ: ارْفُضِي الْعَمَلَ فِيهَا وَإِتْمَامَ أَفْعَالِهَا، الَّتِي هِيَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَتَقْصِيرُ شَعْرِ الرَّأْسِ. فَأَمَرَهَا ﷺ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ، وَأَنْ تُحْرِمَ بِالْحَجِّ، فَتَصِيرَ قَارِنَةً، وَتَقِفَ بِعَرَفَاتٍ وَتَفْعَلَ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ، فَتُؤَخِّرَهُ حَتَّى تَطْهُرَ. وَكَذَلِكَ فَعَلَتْ.\nقَالَ الْعُلَمَاءُ: وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ ﷺ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ: «وَأَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ». «شرح مسلم» (٨/ ١٣٩).","vol":"1","page":659},{"text":"وَهَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهَا: «يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَرْجِعُ بِحَجٍّ؟!» أَيْ: يَرْجِعُونَ بِحَجٍّ مُنْفَرِدٍ وَعُمْرَةٍ مُنْفَرِدَةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا وَلَيْسَ لِي عُمْرَةٌ مُنْفَرِدَةٌ. وَإِنَّمَا حَرَصَتْ عَلَى ذَلِكَ لِتُكْثِرَ أَفْعَالَهَا. وَفِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِالرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: (الْقِرَانُ أَفْضَلُ) وَلَيْسَ عُمْرَةَ القِرَانِ.\nالوجه الرابع الذي يؤيد أن عائشة حجت مُفرِدة، ثم اعتمرت من التنعيم: أنها قالت: «فَقَضَى اللهُ حَجَّنَا وَعُمْرَتَنَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَوْمٌ» إذ لو كانت قارنة أو متمتعة، لكان عليها هَدْي.\nونوقش بأن هذه الجملة مدرجة من قول عروة، وليست من قول عائشة (^١).\nواستدلوا بأن عائشة حجت مفردة بقولها: «لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ» (^٢).\nونوقش بأن المراد بقولها: «لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ» أن مَنْ خرج مُفرِدًا أو متمتعًا أو قارنًا، فإنه يَصدق عليه أنه لبى للحج، أو أن بعض أصحاب النبي ﷺ أحرموا في أول الأمر بالحج وحده، حتى أَمَر النبي ﷺ مَنْ لم يكن معه هَدْي منهم بفسخ حجه في عمرة لما كانوا بمكة.\nفالراجح: أن عائشة حجت قارنة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-848>المبحث السابع: تَكرار العمرة، أو حُكْم عمرة التنعيم:</span>\nاتَّفق العلماء على مشروعية العمرة والإكثار منها، واختلفوا في إطلاق ذلك على قولين:\nالقول الأول: أنها مُطْلَقة في كل وقت. وهو مذهب الحنفية والشافعية والظاهرية (^٣).\nواستدلوا بعمومات الأدلة التي تُرغِّب في الإكثار من العمرة، ولم تُقيِّد.\nقال ابن عبد البر: وَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِكْثَارِ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُ بِرٍّ وَخَيْرٍ، فَلَا يَجِبُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَا دَلِيلَ أَمْنَعَ مِنْهُ، بَلِ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الْحَجِّ: ٧٧] (^٤).\n_________\n(^١) وقد سبق تفصيل ذلك في باب الهَدْي.\n(^٢) رواه مسلم (١٢١١).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٢٧)، و«المُحَلَّى» (٧/ ٦٩).\n(^٤) «الاستذكار» (٤/ ١١٣). وقال النووي: وَلَا يُكْرَهُ عُمْرَتَانِ وَثَلَاثٌ وَأَكْثَرُ فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَا فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْهَا بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا. «المجموع» (٧/ ١٤٧).","vol":"1","page":660},{"text":"واستدلوا بقول رسول الله ﷺ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» (^١).\nواستدلوا بقول رسول الله ﷺ: «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ» (^٢).\nأما الأدلة الخاصة، فإن عائشة اعتمرت مع النبي ﷺ في حجة الوداع مرتين، فقال لعبد الرحمن ﵁: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الحَرَمِ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ» (^٣).\nقال ابن حجر: وَبَعْدَ أَنْ فَعَلَتْهُ عَائِشَةُ بِأَمْرِهِ، دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ (^٤).\nونوقش من وجهين:\nالأول: أن هذا الفعل من خصائص عائشة.\nوأجيب بطلب الدليل على التخصيص؛ إذ الأصل العموم.\nالثاني: أن النبي ﷺ لم يأمر عائشة ابتداء، بل أَذِن لها به بعد مراجعتها إياه. وفَرْق بين الأمر الذي يُفْهَم منه الاستحباب، والإذن الذي يُفْهَم منه مجرد الإباحة.\nونوقش: هل يأذن النبي ﷺ في مُحَرَّم؟\nأما المأثور، فقد ورد عن عدد من الصحابة والتابعين جواز العمرة من التنعيم.\nفَعَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ قَالَ: كُنَّا مَعَ أَنَسِ بِمَكَّةَ، وَكَانَ إِذَا حَمَّمَ رَأْسَهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ (^٥).\nوَعَنِ الْوَلِيدِ بْنِ هَاشِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ عَنِ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْحَجِّ، فَأَمَرَتْنِي بِهَا (^٦).\n_________\n(^١) البخاري (١٧٧٣)، ومسلم (١٣٧٠).\n(^٢) حسن: وقد سبق تخريجه.\n(^٣) البخاري (١٥٦٠)، ومسلم (١٢٣٠).\n(^٤) «فتح الباري» (٣/ ٦٠٦).\n(^٥) إسناده ضعيف للإبهام الذي فيه، فقال: (عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ) أخرجه الشافعي في «مسنده» (٧٧٨)، وابن أبي شيبة (١٣١٥٩). وأخرجه عبد الرزاق (٩٨٧٢) قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ نَسِيبٍ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَنَسٌ يُقَيمُ بِمِكَّةَ، فَكُلَّمَا حَمَّمَ رَأْسَهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ فَاعْتَمَرَ.\n(^٦) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٩٨٨٣) وابن أبي شيبة (١٣٤٧٤) عن ابن عيينة، عن الوليد، به.","vol":"1","page":661},{"text":"القول الآخَر: أن العمرة مُقيَّدة، واختلفوا في التقييد على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن العمرة مُقيَّدة بسَنة، فيُكْرَه تَكرارها أكثر من مرة في السَّنة. وهذا مذهب مالك، والمُزَني من الشافعية (^١).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور والقياس:\nأما السُّنة، فَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ عُمْرَتَيْنِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَاعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرَ أَوْ أَرْبَعًا، كُلُّ عُمْرَةٍ مِنْهَا فِي سَنَةٍ، فَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا فَعَلَهُ.\nوَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَنْدُوبَ لَا يَنْحَصِرُ فِي أَفْعَالِهِ ﷺ، فَقَدْ كَانَ يَتْرُكُ الشَّيْءَ وَهُوَ يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ. وَقَدْ نَدَبَ إِلَى الْعُمْرَةِ بِلَفْظِهِ، فَثَبَتَ الِاسْتِحْبَابُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ (^٢).\nوأما المأثور، فَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ فِي آخِرِ أَمْرِهَا إِذَا حَجَّتْ، بَقِيَتْ بِمَكَّةَ حَتَّى يُهِلَّ الْمُحْرِمُ، ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمِيقَاتِ، فَتُهِلُّ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ، فَكَانَ يَقَعُ حَجُّهَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَعُمْرَتُهَا فِي عَامٍ آخَرَ (^٣).\nونوقش بأن هذا خلاف المروي من فعل رسول الله ﷺ معها؛ إذ لم يؤخرها حتى إهلال المُحْرِم، بل أَمَر أخاها عبد الرحمن أن يُعْمِرها من التنعيم فور الانتهاء من حجها.\nقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَعَائِشَةُ كَانَتْ قَارِنَةً فِي ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ اعْتَمَرَتْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِإِعْمَارِهَا بَعْدَ الْحَجِّ، فَكَانَتْ لَهَا عُمْرَتَانِ فِي شَهْرٍ (^٤).\nوأما القياس، فقاسوا العمرة على الحج لاقترانهما في الأمر بقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ولأنهما كليهما عبادة تحتاج إلى طواف وسعي. ولأن النبي ﷺ سَمَّى العمرة: (الحج الأصغر) وسَمَّى الله الحج ب (الحج الأكبر) بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] وإذا كان الحج الأكبر لا يُشْرَع في العام إلا مرة واحدة، فكذا العمرة.\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (١/ ٣٢٦)، و«الشرح الصغير» (٢/ ٧٣)، و«الحاوي» (٤/ ٢٣١).\nقال ابن تيمية: فَكَرِهَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ، مِنْهُمُ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ،، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: مَا كَانُوا يَعْتَمِرُونَ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٦٧).\n(^٢) «فتح الباري» (٣/ ٥٩٨)، و«نَيْل الأوطار» (٤/ ٣٣٦).\n(^٣) «التمهيد» (٢٠/ ١٩).\n(^٤) «الأم» للشافعي (٣/ ٣٣٢).","vol":"1","page":662},{"text":"واعتُرض عليه من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن هذا القياس مع الفارق؛ لأن العمرة تُشْرَع طَوَال العام، بخلاف الحج، فلا يكون إلا مرة في العام، إذا فات الوقوف بعرفة فات الحج.\nالثاني: أن عائشة اعتمرت لحجها قارنة، فعمرتها في ذي الحجة، ثم اعتمرت لما سألته العمرة في ذي الحجة، فكانت هذه عمرتين في شهر؛ فكيف يُنْكَر ذلك مع أمره ﷺ به؟!\nالثالث: استُنبط من عموم قول النبي ﷺ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا …» وَهَذَا مَعَ إطْلَاقِهِ وَعُمُومِهِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ؛ إِذْ لَوْ كَانَتِ الْعُمْرَةُ لَا تُفْعَلُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً، لَكَانَتْ كَالْحَجِّ، فَكَانَ يُقَالُ: الْحَجُّ إِلَى الْحَجِّ.\nوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «فِي كُلِّ سَنَةٍ عُمْرَةٌ» (^١).\nالقول الثاني: أن العمرة مُقيَّدة بسفرة، بأن تكون في سفرة مفردة، وكرهوا تَكرارها في سفرة واحدة. وهو اختيار ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، ومحب الدين الطبري (^٢).\nواستدلوا بالسُّنة والمأثور والمعقول:\nأما السُّنة، فَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ قَدِ اعْتَمَرَ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرَ فِي أَرْبَعِ سَفَرَاتٍ، لَمْ يَزِدْ فِي كُلِّ سَفْرَةٍ عَلَى عُمْرَةٍ وَاحِدَةٍ.\nوأما المأثور، فَقَالَ طَاوُسٌ: الَّذِينَ يَعْتَمِرُونَ مِنَ التَّنْعِيمِ، مَا أَدْرِي يُؤْجَرُونَ عَلَيْهَا أَوْ يُعَذَّبُونَ؟ قِيلَ لَهُ: فَلِمَ يُعَذَّبُونَ؟! قَالَ: لِأَنَّهُ يَدَعُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، وَيَخْرُجُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ وَيَجِيءُ، وَإِلَى أَنْ يَجِيءَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ قَدْ طَافَ مِائَتَيْ طَوَافٍ، وَكَلَّمَا طَافَ بِالْبَيْتِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَمْشِيَ فِي غَيْرِ شَيْءٍ.\nواعتُرض عليه بأن هذا قول تابعي لا حجة فيه، وقد خالفه غيره، وقد سبق.\nوأما المعقول فاستدلوا بأنه إذا كان المقصود الأعظم من العمرة هو الطواف بالبيت،\n_________\n(^١) «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ١٢٩).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٠٣)، و«زاد المعاد» (٢/ ١٦٤).\nوأَغْرَبَ ابن تيمية فقال: فَهُوَ مِنَ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٦٤).\nوتابع شيخه ابن مفلح فقال: ويُكْرَه الإكثار والموالاة بينها باتفاق السلف. كما في «الفروع» (٦/ ٧١)، والخلاف ثابت. وقد قال ابن عبد البر: وَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِكْثَارِ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.","vol":"1","page":663},{"text":"وذلك ممكن لأهل الحرم بلا خروج منه، ومَن كان متمكنًا من المقصود بلا وسيلة- لم يُؤمَر أن يَترك المقصود ويشتغل بالوسيلة (^١).\nفَعَنْ قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الطَّوَافِ لِلْغُرَبَاءِ أَفْضَلُ أَمِ الْعُمْرَةُ؟ قَالَ: «بَلِ الطَّوَافُ» (^٢).\nالقول الثالث: أن العمرة مُقيَّدة بألا يوالي بينها؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يُنْقَل عنهم الموالاة بينهما، وإنما نُقِل عنهم إنكار ذلك، والحَقّ في اتباعهم. وقَيَّدوا ذلك بعَشَرة أيام، وكرهوا تَكرارها في أقل من ذلك. وهو مذهب الحنابلة (^٣).\nوأما المأثور الذي استدلوا به، فهو ما قاله ابن قُدامة: فَأَمَّا الْإِكْثَارُ مِنَ الِاعْتِمَارِ وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا، فَلَا يُسْتَحَبُّ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ السَّلَفِ، وَأَقْوَالُ السَّلَفِ وَأَحْوَالُهُمْ تَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ (^٤).\nالراجح: لا بد أن نُفَرِّق بين حالين:\nالأول: العمرة من التنعيم مشروعة، وكذا الإكثار منها، لكن تَكرار العمرة في زمن يسير، كتَكرار العمرة في يوم، فهذه الصفة لم تُعْهَد عن السلف، ولأن العمرة إحرام وطواف وسعي وحَلْق، وكيف يتسنى لمن يعتمر في كل يوم أن يؤدي نسك الحلق؟! وبعض الحُجاج يُكرِّر هذه العمرة في أوقات الزحام، فيؤذي إخوانه.\nفالأَوْلَى والمستحب ألا يوالي بين عُمَره في زمن يسير؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يُنْقَل عنهم الموالاة بينها بهذه الطريقة، وفِعل الصحابة يُقيِّد الأدلة.\nالثاني: أن مَنْ والى بين عُمَره فقد فَعَل خلاف الأَوْلَى؛ لفِعل عائشة وإِذْن النبي ﷺ لها. وقيل بخلاف الأَوْلَى؛ لقرينة ترك جميع الصحابة غير عائشة ذلك.\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٦١، ٢٦٢).\n(^٢) ضعيف لضعف مسلم بن خالد الزنجي، أخرجه الأزرقي «أخبار مكة» (٢/ ٣).\n(^٣) «المغني» (٥/ ١٧)، و«الإنصاف» (٩/ ٢٨٤). وقال أحمد: إِذَا اعْتَمَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، وَفِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ يُمْكِنُ حَلْقُ الرَّأْسِ، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ.\nونوقش بأن هذا العدد تقدير واجتهاد من عالم، ولا يكون إلا بنص من قرآن أو سُنة.\n(^٤) «المغني» (٥/ ١٧).","vol":"1","page":664},{"text":"فعلى هذا يَجوز تَكرار العمرة، ولا سيما أهل البلدان البعيدة الذين يحبون أن يعتمروا عن آبائهم. ويُخَص ذلك بمن يَشُق عليهم رجوعهم إلى الحرم؛ قياسًا على فعل عائشة لوجود الحاجة.\nومع القول بمشروعية تَكرار العمرة والإكثار منها، إلا أن الأَوْلَى ترك ذلك مطلقًا في أوقات الزحام والمواسم؛ دفعًا لمفسدة الزحام، ولا سيما وهي عمرة مسنونة، ولأن الذَّهاب إلى التنعيم كل يوم للإتيان بعمرة- لم يُعْهَد عن السلف، وإنما الأفضل الانشغال بالطواف والذِّكر والصلاة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-849>المبحث الثامن: مشروعية العمرة لأهل حَرَم مكة:</span>\nواختلفوا في مشروعية خروج أهل حرم مكة إلى الحِل للاعتمار على قولين:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى جواز خروج أهل مكة للحِل للاعتمار. وبه قال الحنفية والمالكية، وهو قول للشافعية، ورواية عن أحمد (^٢).\n_________\n(^١) وسُئلت اللجنة الدائمة (١٠/ ٣٥٥): ما حُكْم مَنْ يأتي بأكثر من عمرة في زمن يسير، وفي كل عمرة يَذهب إلى التنعيم للإحرام منه؟\nفأجابت: تَكرار العمرة لمن جاء إلى مكة في زمن يسير- لم يكن من هَدْي النبي ﷺ، ولا فَعَله أصحابه ﵃، ولو كان هو الأفضل لسَبَقوا إليه.\nوالمشروع لمَن جاء إلى مكة وقضى نسكه: الإكثار من الطواف خاصة، وقراءة القرآن والصلاة والصدقة … وغيرها من العبادات.\nوإن اعتَمر لنفسه أو لغيره ممن يَجوز الاعتمار عنه، كالميت، والعاجز لكِبَر أو مرض لا يُرجَى برؤه، فلا بأس إذا لم يكن عليه مشقة ولا على الناس، كأوقات الزحام. لقول النبي ﷺ: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» ولِما ثَبَت عنه ﷺ أنه أَمَر عائشة ﵂ أن تعتمر من التنعيم بعد حِلها من حجها وعمرتها لَمَّا استأذَنَتْه في ذلك.\n(^٢) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٤٧٣)، و«الشرح الصغير» (١/ ٢٨٤)، و«المجموع» (٧/ ١٤٩).\nقال السرخسي: وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ بِمَكَّةَ، وَأَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ، خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ إِلَى الْحِلِّ، مِنْ أَيِّ جَانِبٍ شَاءَ، وَأَقْرَبُ الْجَوَانِبِ التَّنْعِيمُ. «المبسوط» (٤/ ٢٩).\nقَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا الْعُمْرَةُ مِنَ التَّنْعِيمِ، فَإِنَّهُ مَنْ شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ ثُمَّ يُحْرِمَ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَلَكِنِ الْفَضْلُ أَنْ يُهِلَّ مِنَ الْمِيقَاتِ الَّذِي وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. «الموطأ» (٩٩٥).\nقال الشافعي: وَأَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعْتَمِرَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ مِنْهَا، فَإِنْ أَخْطَأَهُ ذَلِكَ اعْتَمَرَ مِنَ التَّنْعِيمِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تَعْتَمِرَ مِنْهَا، وَهِيَ أَقْرَبُ الْحِلِّ إِلَى الْبَيْتِ. «الأم» (٣/ ٣٣٠).\nقال أحمد: اعتَمِر في كل شهر مرارًا إن قدرت. «مسائل أحمد، رواية ابن هانئ» (ص: ١٧٣).\nوقد قال الشوكاني: وَالِاعْتِمَارُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ لِمَنْ شَاءَ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ. «نَيْل الأوطار» (٤/ ٣٦٥).","vol":"1","page":665},{"text":"فعَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنَ التَّنْعِيمِ (^١).\nوروى عبد الرزاق، عن ابن جُرَيجٍ، في قصة بناء ابن الزبير الكعبة، وفيه: فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي أَرَى أَنْ تَعْتَمِرُوا مِنَ التَّنْعِيمِ مُشَاةً (^٢).\nوَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ فِي عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ: هِيَ تَامَّةٌ تُجْزِئُهُ (^٣).\nالقول الآخَر: أن خروج أهل مكة إلى الحِل للاعتمار بدعة. وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم ومحب الدين الطبري.\nواستدلوا بأن النبي ﷺ لم يعتمر وهو بمكة قَطُّ، بل جميع عُمَره كان يكون فيها قادمًا إلى مكة، لا خارجًا منها إلى الحِل. وكذا أصحابه الذين كانوا معه، فدل ذلك على عدم مشروعية خروج أهل الحَرَم إلى الحِل للاعتمار (^٤).\nونوقش بأن إِذْن النبي ﷺ لعائشة بالخروج إلى التنعيم بعمرة- كافٍ في جواز ذلك.\nوالراجح: أن المكي لو خرج من مكة مسافرًا، فلو عاد ومر بميقات فله أن يعتمر، ولا مانع من الخروج إلى الحِل للاعتمار لفعل عائشة، والله أعلم.\n؟\n•١•\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (١٠٦١) عن هشام، به.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٩١٤٧).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٩٨٧٩) قال: أَخْبَرَنَا الثوري، عن ابن جُريج، به.\n(^٤) «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٥٢)، و«زاد المعاد» (٢/ ١٧٥)، و«القِرَى لقاصد أُم القُرَى» (ص: ٣٣٢).","vol":"1","page":666}]}